أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » الباغوز .. والتشبيح الإسلامي

الباغوز .. والتشبيح الإسلامي

د. محمد علي لطفي

كشفت أحداث الباغوز الدامية مؤخراً الكثير من الخلط وعدم التوجه الذي لا يزال يشوب الرأي العام الإسلامي حتى يومنا هذا.

فعلى الرغم من كون الضحية الرئيس في تلك الأحداث، هو بمجمله من المكون الداعشي الذي عانى مسلمو المنطقة من ويلاته الكثير، إلا أن خصوصية العدو ( اللا إسلامي ) ممثلاً بقوات قسد الموجهة والمدعومة من تحالف أمريكا والغرب، جعل ردود فعل العامة تصور الأمر مجدداً على أنه سلسة من الصراع المفتوح بين الإسلام وأعدائه المسيحيين والملاحدة كما يحلو للبعض تسميتهم.

إن ما صدر من ردود فعلٍ غاضبةٍ ومستنكرةٍ لجريمة ( حرق الباغوز )، ليمثّل وبحق حالة الانفصام التي لازالت عامة المسلمين تعيشها فكرياً وعقائدياً.

فبين مستنكرٍ لاستهداف المدنيين والأطفال بالآلة العسكرية الفائقة للغرب، وبين معارضٍ لقرار الحسم العسكري في الباغوز بمجمله، كان بادياً وجلياً، رفض الشارع الإسلامي بعامته ومثقفيه لفكرة إنهاء الأمر على يد طرف كوردي (لا متدين) بمن يقف خلفه من تحالف الغرب المسيحي.

ماذا لو كان من تولى المهمة هو فئة تتبع لفصائل سورية مثلاً مدعومة بالجيش التركي (المسلم)؟ هل كان سيتغير موقف المنددين بما حصل؟!.

إن عدنا لمعركة إخراج د ا ع ش من الموصل على يد الحشد الشعبي العراقي (الشيعي المسلم) بالغالبية قبل عام، لوجدنا تبايناً كبيراً في ردود الأفعال تجاه ما جرى في كلتا حالتي الباغوز والموصل.

فبالرغم من أن الباغوز لا تشكل أكثر من حي صغير من أحياء الموصل، وبالرغم من سقوط عدد أكبر بكثير من قتلى د ا ع ش فيها، وبالرغم من الدمار الهائل الذي خلفته المعارك هناك، إلا أن صدى معارضة ما حصل في الموصل لم يرقَ أبداً للتنديد الذي واجهته عملية الباغوز. والسبب، أن الطرف الآخر في المواجهة لم يكن مسيحياً غربياً، أو ملحداً لا متدينٍ كما في حالة قسد.

معظم من خاض في دموية ولا إنسانية الحسم الذي جرى في الباغوز، كانت تحركه، بعلم أو غير علم، ماكينة الدعاية (الإسلاموية) التي تصدت باحترافية للموضوع، لتصوره على أنه امتداد للصراع القائم ضد الإسلام منذ مطلع هذا القرن.

لا يمكن تبرير القتل الجماعي بأي شكل من الأشكال، كما لا يمكن السكوت على امتداد التطرف والظلامية في عصر وصلت فيه البشرية لمستوىً متطورٍ من النضج الفكري والأخلاقي.

في حالة د ا ع ش، التي مثلت أكبر تحدٍ للمدنيَّة والتحضّر في هذه الألفية، كان ولا يزال يتوجب على المجتمع الإنساني مواجهة الأمر بمنتهى الحزم، وحتى البطش.

في ظل التعنّت والتمترس الذي مارسته البقية المتحصّنة في الباغوز، كان لزاماً، وحسب قوانين الحرب، أن تُنهى الأمور بالشكل الذي جرى.

من الجهل المعيب، تناسي أفعال وسلوك الدواعش الذي أوصل الأمور لما وصلت عليه بعد تمهيد للمعارك دام زهاء نصف عام، والتركيز فقط على ضحايا المعركة الأخيرة من بين ( مدنيي د ا ع ش )، وأصرّ هنا على أنْ لا وجود فيمن تبقى في الكيلو متر الأخير من الباغوز، إلا لعناصر د ا ع ش وعوائلهم، أولئك الذين أقسموا على مواصلة القتال حتى الموت.

ماذا لو لم يقم الحلفاء بقصف برلين بوحشية وتدميرها؟ ماذا لو لم تقصف هيروشيما وناغازاكي بالقنبلتين الأبشع في التاريخ البشري؟ هل كانت البشرية ستشهد وفاة خمسين مليون ضحية أخرى غير التي قضت منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية حتى نهايتها؟

ولكن، ماذا لو استسلم هتلر مع بداية حصار برلين؟ ماذا لو استسلم هيروهيتو بعد رجم بلاده بالقنبلة الأولى؟ هل كانت برلين ستمحى كما حصل لها تاليا؟ هل كانت ناغازاكي ستتلقى القنبلة الثانية؟؟؟

ماذا لو استسلم المحاصرون في الباغوز بمن معهم؟ من جملة من استسلموا قبلهم؟؟؟ هل كانت التهديد بحرقها سيحصل؟

سبق وقلت، ما حصل هو (شر) كان لابد منه.

سنعرف معاني هذا الكلام لاحقاً، عندما سيعاود من بقي من خلايا د ا ع ش النائمة نشاطاتهم، فيعملون تفجيراً وحرقاً بأسواقنا وأحيائنا ودور عباداتنا التي سيكون ضحاياها بالمجمل أيضاً من المدنيين.

هل ننتظر أن نرى صور أشلاء مواطنينا وهي مقطعة تحترق على أبواب المتاجر والمساجد والكنائس، لكي ندرك أن التخلص من الفكر الشيطاني أولوية ملحة رغم فداحة خسائرها.

اللهم الطف وتلطف.

رحم الله من يستحق الرحمة.

المصدر: الاتحاد برس



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع