أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » السكن الجماعي.. فرقتهم الحدود وجمعهم سقف واحد

السكن الجماعي.. فرقتهم الحدود وجمعهم سقف واحد

أمل غباين-إسطنبول

منذ نعومة أظفاره تغنى العربيّ بالوحدة التي لطالما نشدتها الشعوب التي فرقتها وقسمتها حدود وهمية برسم ألوان قاتمة ألقت بظلالها عليهم من حينها إلى اليوم.

الغربة ساهمت بشكل أو آخر في ازدياد اللحمة والتقارب بين الشعوب العربية، وقد يكون للسكن الجماعي دور يسير في تحقيق الألفة والاتحاد والتعرف عن قرب على ثقافات وعادات الآخرين.

ومؤخرا باتت تركيا ملجأ للعديد من الجنسيات العربية سواء لطالبي العمل أو العلم أو حتى أولئك الذين ضاقت بهم سياسات بلدانهم، ويختار العديد منهم الإقامة في سكن جماعي لظروف عدة.

عادات وتقاليد مختلفة

“تغيّر أسلوب حياتي من الغربية إلى الشرقية بنسبة كبيرة بعد سكني مع فتيات عربيات”، عبارة قالتها غير مرة الشابة الجزائرية سارة بوراس للجزيرة نت خلال زيارتنا للسكن الجماعي الذي تقطنه.

سارة الحاصلة على الدكتوراه بقانون الأعمال غادرت بلادها لإسطنبول بهدف العمل، وسكنت بداية بشقة مستقلة لتختار بعدها السكن الجماعي لشعورها بالوحدة وفقا لقولها، مضيفة أنها تشعر بالألفة والمحبة تجاه رفيقاتها بالسكن، وتعتبر أنها تعيش ضمن عائلة متعددة الجنسيات.

وعن إيجابيات السكن الجماعي، تقول سارة إنها تعلمت عادات وتقاليد من رفيقاتها لم تكن تدركها خاصة من “أخواتها”، حسب ما وصفتهن، وهذا ما يتوافق مع حديث رفيقتها التونسية المهندسة المعمارية سما فرج الله التي قدمت إلى إسطنبول للأسباب ذاتها.

أقوى التجارب

سما قالت للجزيرة نت إنها كانت في البداية متخوفة من السكن مع غرباء خاصة أن الجنسيات متعددة، إلا أنها لاحقا اكتشفت أنها من أقوى التجارب التي مرت بها في حياتها، حيث اكتشفت عن قرب عادات وتقاليد العديد من الجنسيات العربية رغم أن اختلاف اللهجات كان يشكل عائقا للتفاهم بين رفيقات السكن.

“بعد التقارب ازداد انتمائي وحبي للعرب، واكتشفت أننا بحاجة دائمة للتواصل مع بعضنا بعضا كجنسيات مختلفة”، مضيفة أن اختيارها للسكن الجماعي يتعلق بسبب اقتصادي متعلق بالتوفير المادي.

غياب الخصوصية

أما الفلسطينية سماح سلامة فجاءت لإسطنبول قادمة من غزة بهدف العلاج، وبعدها قررت المكوث والعمل، في وقت اختارت فيه السكن الجماعي بهدف التوفير المالي إضافة لتخوفها من السكن وحيدة.

سماح تقول للجزيرة نت إن السكن الجماعي والاختلاط بالجنسيات الأخرى أثرى ثقافتها وخفف عنها أوجاع الغربة، مضيفة أنه ورغم إيجابيات السكن الجماعي من توفير مالي وأمان وعدم شعور بالوحدة، فإنه لا يخلو من السلبيات كانعدام الخصوصية وبعض الخلافات على الأعمال المنزلية.

وعن كيفية قضاء الوقت مع رفيقاتها بالسكن، قالت سماح إن جميع الشابات عاملات وبالتالي لا يلتقين إلا في المساء وبعض أيام العطل، حيث يقمن بتحضير الطعام غالبا والخروج مع بعضهن لنادي اللياقة أو للتسوق.

تقارب رفيقات السكن

مشرفة السكن سلوى الحلواني التي فضلت الاستقرار بإسطنبول بعد مغادرتها السعودية وعدم العودة لبلادها بسبب تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية وفقا لقولها، أشارت للجزيرة نت إلى أن السكن الجماعي من شأنه تعزيز التقارب بين رفيقات السكن بشكل كبير، إذا تجاوزت الشابات بعض الخلافات البسيطة التي أغلبها تتمركز حول الأعمال المنزلية.

وقالت سلوى إن غالبية الشابات بداية يقعن في خلافات عند السكن، إلا أن مدة وجيزة من التعارف تكون كفيلة بجعلهن صديقات.

وفي الوقت الذي يبدو به سكن الشابات منظما وتطغى عليه الألفة، يظهر سكن الشباب أقل تنظيما ويفتقد إلى اللمسات التي تجعل منه أكثر دفئا، على الرغم من تأقلم الشباب مع بعضهم بعضا.

تقنين النفقات

المصري محمد عادل قال للجزيرة نت إنه غادر بلاده بسبب ضعف فرص العمل، وجاء اختياره للسكن الجماعي بهدف تقنين النفقات وبناء علاقات قد يتمكن من خلالها من إيجاد فرصة عمل بإسطنبول.

محمد لم يجد صعوبة بالتأقلم مع رفقاء السكن كونه عمل بأكثر من دولة عربية، وبالتالي تعرف مسبقا على عادات وتقاليد العديد من الجنسيات، إلا أن اختلاف بعض اللهجات كان عائقا لفهمه بعض المصطلحات والجمل.

عدم التنظيم والاختلاف على أعمال المنزل يعتبرها محمد من أكثر مساوئ السكن الجماعي، في حين أكد أن التماسك والترابط بين الشباب غالبا ما يذيب الخلافات.

أما محمد البيطار الأردني الجنسية فله رأي آخر في السكن الجماعي كونه رب أسرة واعتاد على نمط معين من الحياة، إذ قال للجزيرة نت إنه واجه صعوبة شديدة في التأقلم مع زملاء سكنه، وإن الظروف تجبره على البقاء معهم.

تخفيف الشعور بالغربة

محمد الذي يستقر بإسطنبول بهدف العمل بالتجارة، يعتبر السكن الجماعي اعتداء على حرية الإنسان وخصوصيته حتى لو كان الزملاء من جنسية واحدة، وشدد بحديثه على أن أبرز معاناته تتعلق بالفوضى وعدم التزام البعض بنظافة السكن، إلا أنه عاد للقول إن معرفة الجنسيات المختلفة من شأنها توسيع نطاق المعرفة، إضافة لتقوية روابط الوحدة العربية.

الهارب من حصار غزة محمد أحمد جاء إلى إسطنبول للبحث عن فرصة أفضل في العيش، واختار السكن الجماعي لتوفير النفقات وبسبب عدم رغبته بالعيش وحيدا، وفق ما قال للجزيرة نت.

واجه أحمد صعوبة بالغة في التأقلم مع الشباب في السكن بداية، خاصة مع جنسيات دول المغرب العربي لاختلاف اللهجات والعادات والتقاليد.

ويرى محمد أن حياته بالسكن الجماعي لم تعزز لديه الشعور بالقومية، لأنه لم يجد -حسب قوله- من الشباب من يمثل بلده كما يجب، إلا أنه عاد للقول إن انتماءه لبلده ازداد أضعافا مضاعفة، واتفق معه في ذلك الجزائري أيوب جلال لاعب الملاكمة والذي يحلم أن يجد فرصة رياضية في إسطنبول تمكنه من التفوق بمجاله الرياضي.

أيوب الذي لديه قدرة مالية على السكن وحيدا، اختار السكن الجماعي لتخفيف حدة الشعور بالغربة، ولأنه يخشى الوحدة وفقا لقوله، مضيفا أنه يمتلك القدرة على التأقلم والتعايش مع أي شخص، وهذا ما سهّل عليه تأقلمه بالسكن مع الشباب سريعا.

المصدر: الجزيرة نت