أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » لماذا أعدمت فرنسا 17 ألفاً بسنة واحدة أثناء ثورتها؟

لماذا أعدمت فرنسا 17 ألفاً بسنة واحدة أثناء ثورتها؟

عقب إعدام الملك لويس السادس عشر يوم 21 من شهر يناير سنة 1793 واندلاع حرب التحالف الأولى والتي سعت من خلالها بعض القوى الأوروبية كبريطانيا وبروسيا لاحتواء الثورة الفرنسية، أمر المؤتمر الوطني الفرنسي يوم 10 من شهر مارس سنة 1793 بإرسال ما لا يقل 300 ألف جندي بشكل سريع لتأمين حدود البلاد. وخلال نفس ذلك اليوم، وافق أعضاء المجلس الوطني الفرنسي على مطلب عدد من كبار الثوريين الفرنسيين، كجورج دانتون (Georges Danton) وماكسيمليان روبسبيار (Maximilien Robespierre) وجان بول مارا (Jean-Paul Marat)، بإرساء محكمة الجنايات الاستثنائية والتي لقّبت لاحقا بالمحكمة الثورية.
لوحة زيتية تجسد ماكسيمليان روبسبيار

ومنذ البداية، اتجهت هذه المحكمة لاعتقال ومحاكمة كل من اتهمتهم بخيانة الوطن ومعارضة النظام الجمهوري. وبسبب ذلك، كانت فرنسا على موعد مع موجة محاكمات وإعدامات طالت آلاف المواطنين.

وأثارت الاعتقالات والإعدامات التعسفية الخلافات بين أهم فصيلين سياسيين بالمؤتمر الوطني، حيث عارض النواب الجيرونديون (Girondists) تصرفات رفاقهم اليعاقبة (Jacobins) الداعية للتخلص من كل شخص متهم بخيانة القضية الوطنية. وعلى إثر تصاعد وتيرة الخلاف بين الطرفين، عمد اليعاقبة، بمساعدة الحرس الوطني وأهالي باريس، لمهاجمة النواب الجيرونديين والذين وجهت إليهم تهمة الخيانة ليجبر العديد منهم على مغادرة باريس والفرار نحو مدينة كاين (Caen).
لوحة زيتية تجسّد جان بول مارا

وخلال صيف سنة 1793، كان الوضع في فرنسا كارثيا حيث هددت قوات التحالف المتمركزة على الحدود مستقبل الثورة وبالتزامن مع ذلك تمرّدت العديد من المناطق الفرنسية وعلى رأسها إقليم فونديه (Vendée) ضد سلطة باريس كما سجّلت أسعار المواد الغذائية ارتفاعا مذهلا. وإضافة لكل هذا، صعق أهالي باريس يوم 17 يوليو 1793 على إثر عملية اغتيال جان بول مارا، أحد أهم وجوه الثورة المتعصّبين، من قبل امرأة متعاطفة مع قضية النواب الجيرونديين.
لوحة زيتية تجسّد جان بول مارا ميتا داخل حمّامه عقب نجاح عملية اغتياله

وأمام هذا الوضع، لجأت باريس يوم 5 من شهر سبتمبر سنة 1793 لإرساء عهد الإرهاب (Reign of Terror)، وبموجب ذلك اعتقل كل من حامت حوله بعض الشكوك بمعارضة قضية الثورة ومساندة الملكية لتصادر أملاكه ويمثل أمام المحكمة الثورية، والتي أصدرت في الغالب أحكاما قاسية بالإعدام عن طريق المقصلة. أيضا، تضمّن عهد الإرهاب جملة من القرارات الأخرى كانت أهمها اقتصادية ودينية حيث سعت لجنة السلامة الوطنية، والتي لعبت دور الحكومة، لتحديد الأسعار حسب امكانيات الطبقات الفقيرة بباريس، كما بدأت حملة بزعامة جاك رينييه هيبارت (Jacques René Hébert) لإرساء المشاعر المعادية لرجال الدين ومحاربة سلطة الكنيسة.

وعلى صعيد آخر، كانت كلمة خاطئة قادرة على إرسال المواطن الفرنسي نحو المقصلة حيث واجه البعض الموت بسبب إلقائهم التحية على رجل دين، بينما قبع البعض الآخر في السجون في انتظار محاكمته بسبب عدم استخدامه لمصطلح “مواطن”، كما اتجه الجيران للوشاية ببعضهم زورا لتصفية حسابات قديمة فيما بينهم.
لوحة تجسد عملية اعدام ماكسيمليان روبسبيار

وخلال عهد الإرهاب، حضت لجنة السلامة الوطنية، والتي كان ماكسيمليان روبسبيار أبرز أعضائها، بدور هام ومارست سلطة دكتاتورية بالبلاد فنجحت خلال ربيع عام 1794 في إرسال العديد من الوجوه الثورية كجورج دانتون وجاك رينيه هيبارت ومسانديهم نحو المقصلة، وجاء ذلك قبل أن ينجح روبسبيار في إقناع المؤتمر الوطني الفرنسي بإرساء قانون جديد يوم 10 من شهر يونيو سنة 1794 يقضي بحرمان المتهمين من المحاكمة العلنية والضمانات القانونية، وبموجب ذلك أجبرت المحكمة الثورية على إصدار أحكام بالإعدام عن طريق المقصلة أغلب الأوقات، وهو ما أسفر عن بداية فترة أخرى أكثر دموية استمرت بضعة أسابيع وعرفت بالإرهاب الكبير أعدم خلالها نحو 1400 شخص وانتهت بسقوط روبسبيار.
لوحة زيتية تجسّد جورج دانتون

وأثناء عهد الإرهاب والذي استمر حسب أغلب المؤرخين ما بين يومي 5 سبتمبر 1793 و28 يوليو 1794، تاريخ سقوط روبسبيار وإعدامه، شهدت فرنسا فترة دموية أسفرت عن اعتقال 300 ألف شخص وإعدام 17 ألفا عن طريق قطع رؤوسهم بالمقصلة (أعدم العديد منهم علنا بميدان الثورة أو ما يسمى ميدان الكونكورد بباريس حاليا)، ووفاة ما لا يقل عن 10 آلاف آخرين بالسجون بسبب التعذيب وظروف الاعتقال الصعبة.