أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » أسماء الأسد لأمهات مفقودي الجيش: قيمتكنّ في ولائهم.. فقط

أسماء الأسد لأمهات مفقودي الجيش: قيمتكنّ في ولائهم.. فقط

لديهم جاسيندا أردرن ولدينا أسماء الأسد بس انتو بتحبو الأجانب”، تتبادر هذه العبارة الساخرة إلى الأذهان، عند مشاهدة فيلم “لن ننسى” الذي قدمته أسماء الأسد، زوجة الرئيس السوري بشار الأسد، بمناسبة عيد الأم، ولا يعني ذلك مديحاً لـ”أمّ الكل” بل هو مجرد تماه ساخر مع العقلية الموالية التي أشادت بأسماء كقائدة ملهمة للمجتمع السوري في مرحلة ما بعد الحرب.

وبرزت رئيسة وزراء نيوزيلندا، جاسيندا أردرن، في الساحة العالمية كقائدة ملهمة بعد المجزرة الأخيرة في بلادها، بتشجيعها على الاختلاف واحتضانها لعائلات الضحايا في مشهد مؤثر. وبغض النظر عما رآه البعض مغالاة وصلت إلى حد بث القرآن في مبنى البرلمان الذي يعتبر رمزاً للديموقراطية العلمانية، إلا أن أردرن قدمت نموذجاً معاصراً لمعنى القيادة الحقيقية لجميع المواطنين من دون تمييز، وهو ما تناقضه أسماء تماماً، وهي التي تقدم نفسها كزوجة ديكتاتور يجب تقديم فروض الطاعة لها لا أكثر.

وبات عيد الأم، مناسبة سنوية لإطلالة أسماء لتأدية دورها الدعائي الجديد، بوصفها “أمّ الكل”، وهو اللقب الذي أطلقته على نفسها قبل عامين، وكسرت به ذكورية الدعاية الرسمية التي تمحورت طوال عقود حول فكرة “الأب القائد للدولة والمجتمع” متمثلاً بشخصيتي حافظ الأسد ثم بشار الأسد. وهذا العام، حمل فيلم أسماء الجديد عنوان “لن ننسى”، وبثه التلفزيون الرسمي وصفحة “رئاسة الجمهورية العربية السورية” في “فايسبوك” بشكل متزامن، وركز على قضية “مفقودي الحرب”.

ويعني مصطلح مفقودي الحرب، بحسب الفيلم، جنود النظام الذين انقطعت أخبارهم، لا سيما المخطوفين الذين فشل النظام في التفاوض مع جهات متعددة لإطلاق سراحهم. وتتناسى أسماء بالطبع، وجود أمهات المعتقلين في سجون النظام، وأمهات اللاجئين، وغيرهن من نماذج الأمهات اللواتي يعتبرن ضحايا بشكل أو بآخر لجرائم النظام السوري، بل وربما يتم النظر لتلك النماذج على أنها تستحق ما يحصل لها بسبب “الخيانة”. وهذا التمييز بالتحديد هو ما يجعلها مكشوفة ومعرضة للنقد وبعيدة من قيم المساواة والبساطة التي تدعي امتلاكها، بعكس نموذج أردرن تماماً.

ينطلق الفيلم من صيغة تمييزية وإقصائية بحتة: السوري الجيد هو السوري الخاضع، وكل من يخرج عن تلك الصيغة هو خائن يستحق العقاب وسيرمى في مزابل التاريخ، بحسب وصف أسماء. وبينما يبدو عنوان الفيلم، للوهلة الأولى، مجرد إشارة عاطفية لعدم نسيان قضية مخطوفي النظام، لكنه في الواقع نوع من التهديد، لأن خلاصة الفيلم هي حتمية عقاب الدولة السورية “للخونة” من السوريين الذين عارضوا النظام خلال السنوات الماضية.

وتم تنفيذ الفيلم بالصيغة نفسها لكافة الأفلام السابقة التي قدمتها أسماء بمناسبة عيد الأم، حيث تستقبل مجموعة من النساء البسيطات في قصر فخم، وهي ترتدي الملابس الفاخرة من أجل أناقة عصرية. والنقطة الوحيدة المختلفة في كل هذا السياق، هي ظهور الأسد مع غطاء الرأس بعد إصابتها بمرض السرطان خلال العام الماضي، والذي تم استغلاله من قبل دعاية النظام بصورة بشعة أيضاً، ومع عبارة “كلنا فقدنا شيئاً” التي تقولها أسماء، تتجه الكاميرا تلقائياً نحو رأسها، وكأنها تقول “فقدتُ شَعري وأنتم فقدتم أبناءكم”، مع موسيقى حزينة بكل تأكيد.

والسوريات اللواتي يظهرن في الفيلم، هن أمهات مفقودي جيش النظام السوري، الذي فشل النظام في استعادتهم رغم ترويجه الدائم لسعيه إلى “تحرير كافة المخطوفين”. علماً أن هذه القضية تفجرت في وجه النظام العام الماضي، بعد الاتفاق الذي أجراه النظام السوري مع “جيش الإسلام” في مدينة دوما بالغوطة الشرقية، والذي أسفر عن إطلاق سراح نحو 200 أسير “علوي” فقط من أصل 7500، ليخرج أهالي المفقودين في مظاهرة غاضبة في دمشق، والتي نقلها إعلام النظام بوصفها “مسيرة شكر” للجيش السوري على “تحرير الغوطة” و”القضاء على الإرهابيين”.

وبعد نحو عام من تلك المظاهرة النادرة، والاستياء في مواقع التواصل، ربما تحاول أسماء تهدئة مشاعر الاستياء الشعبية، في البيئة الحاضنة للنظام في الساحل السوري تحديداً، والتي لم تعد بارزة في مواقع التواصل، بسبب القمع الرسمي على الأغلب، رغم عدم إحراز أي تقدم بهذا الخصوص. فألقت خطاباً تحدثت فيه عن سعي “الدولة السورية” لتحرير “كافة أبنائها” وعن “مشاركة الألم” و”الانتماء”، واقتبست مراراً من زوجها بشار، كلمات من السياق ذاته.

وبينما تتحدث الأمهات مجدداً عن الفخر والسعادة بالمجد الشخصي المتحقق من التحاق الأبناء بالجيش حتى لو كان ذلك مؤلماً، تقول أسماء أن وجودهن بات له قيمة فقط لأنهن أمهات مقاتلين في الجيش السوري، سواء كانوا شهداء أو جرحى أو مخطوفين. ويعطي ذلك التصريح لمحة عن الاحتقار الذي ينظر به رموز النظام للسوريين عموماً، وتحديداً البسطاء منهم، حيث تتحدد قيمة الفرد بمقدار الولاء الذي يقدمه للسلطة، من دون مقابل بالطبع، لأن ذلك “واجب وطني”.

ولا يركز الفيلم على طائفة معينة بل يحاول التورية على ذلك باستضافة بعض السيدات من أديان وإثنيات متعددة، فقدن أبناءهن في مناطق متفرقة من سوريا، وهن يروين قصصهم أمام الكاميرا مع عبارات السعادة الممزوجة بالفخر بتلك البطولة المفترضة! وبغض النظر عما إذا كانت تلك القصص حقيقية أم لا، وبغض النظر إن كانت تلك النساء راضيات بالظهور أمام الكاميرا أم مُجبرات، فإن النتيجة النهائية تجعل الفيلم وضيعاً في استغلاله لمشاعر الآخرين والفاجعة الإنسانية في سوريا بالمجمل، وتحديداً مشاعر الأمومة النبيلة التي لا يستطيع أي منطق تشويهها بالادعاء أن هناك أمّاً تفرح لمقتل ابنها أو خطفه وفقدانه، في أي ظرف كان، خصوصاً إن كان السبب واجباً وفداء لـ”أمّ الكل” أو “الأب القائد”.

وهنا تحاول أسماء تقديم دعاية النظام على أنها خطاب ودي شخصي، وليس رسمياً، ضمن سياسة “القوة الناعمة”. فتقف في مكانها ثابتة بين النساء الجالسات حولها، وهن يصفقن بين العبارة والأخرى على طريقة المؤتمرات الحزبية البعثية. وتتسيد أسماء المشهد ببطولة مطلقة، مع تركيز الكاميرا عليها أمام ميكروفون طويل، بينما لا تشكل النساء حولها سوى رتوش و”كومبارس” لإكمال المشهد الدرامي. وحتى قصص النساء اللواتي سردت في مطلع الفيلم، تأتي تمهيداً لهذا المشهد الاستغلالي.

والحال أن أسماء لم تكن بعيدة من سياسات النظام السوري الإجرامية، بل لعبت، منذ مطلع الألفية، دوراً بارزاً في تلميع صورة النظام أمام المجتمع الدولي، كوجه “لطيف” يمثل القوة الناعمة للنظام من أجل إيصال أفكاره بشكل “خطاب ودي شخصي” أقل رسمية. وبات عيد الأم مناسبة سنوية تستغلها الأسد ضمن هذا الإطار، مكرسة وجودها البارز في القصر الجمهوري، فضلاً عن مرافقة زوجها في سلسلة من اللقاءات والرحلات للمدنيين ومجندي النظام والجرحى، والتي هدفت لتخفيف الاحتقان الشعبي في بيئة النظام إزاء النزيف البشري الحاد في جيش النظام، وغياب نظام عادل للتعويضات الاجتماعية، أو حدّ زمني للخدمة العسكرية الإلزامية، والمشاكل الاقتصادية والخدمية التي تتفاقم يوماً بعد يوم.