أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » روسيا وإسرائيل يترقبان.. هل تتمكن إيران من السيطرة على ميناء اللاذقية السوري؟

روسيا وإسرائيل يترقبان.. هل تتمكن إيران من السيطرة على ميناء اللاذقية السوري؟

ظلت إيران تشق طريقها على مرأى الخصوم والأصدقاء، نحو إقامة طريق بري يمتد من طهران عبر العراق وسوريا، وصولًا إلى لبنان، ذلك الطريق الذي يجمع البلدان التي تضع فيها إيران قدمها بوصفها إمبراطورية نفوذ واحدة في الشرق الأوسط.

ومن المخطط أن يرسي هذا الممر على ميناء اللاذقية السوري، الميناء البحري الأول في سوريا، وأحد أهم الفروع الرئيسية للحياة الاقتصادية للمدينة، لكن دون علم لنا عن أين وصلت محطات السعي الإيراني في طريق إقامة الممر البري، إذ يبدو أن أطماع إيران تجاه ميناء اللاذقية باتت مقترنة بخطوات فعلية، لكن طريقها ليست مفروشة بالوردة كما يظهر التقرير التالي.
منذ اليوم الأول لها في سوريا.. عين إيران على ميناء اللاذقية

يؤرخ الوجود الإيراني في ميناء اللاذقية إلى بدايات الثورة السورية، حين شمرت إيران عن سواعدها وانطلقت تدافع عن النظام السوري، منتهزه فرصة الشحن من الموانئ الإيرانية أو التي تتبع إيران إلى اللاذقية، لتمرر عبر الميناء السفن المحملة بالأسلحة، أو العناصر البشرية، أو المواد التجارية تحت إشرافها.

وزاد من تمسك إيران بهذا الميناء وجود مرفأ طرطوس تحت الهيمنة الروسية مباشرة، فضمن نظام المحاصصة خاصتها في الأراضي السورية؛ لم يكن الوجود السابق ليلبي طموح طهران الطامع بسيطرة تامة على الميناء، تمكنه من نقل القوى البشرية والإمدادات بين طهران والبحر المتوسط في أي وقت وبأي إمدادات، خاصة أنه من المعروف أن ميناء اللاذقية هو الحلقة الأخيرة في مشروع إيران الاستراتيجي، القاضي بإقامة ممر بري يخترق العراق في نقطة الحدود ليمر إلى شمال شرق سوريا إلى حلب وحمص، وينتهي بميناء اللاذقية على البحر المتوسط. ذلك المشروع الذي ظلت طهران تبلوره طيلة العقود الثلاثة الماضية، بإشراف كبار المسؤولين الحكوميين ورجال الأمن فيها، وبقيادة قائد «لواء القدس» الجنرال قاسم سليماني.

ففي نهاية العام 2016، كشف النقاب عن قيام قوات كبيرة من المليشيات الشيعية بوضع اللمسات الأخيرة على خطط للتقدم نحو هذا المشروع، بعد أن كانت طهران قد تمكنت آنذاك من إحداث تغييرات سكانية في وسط العراق، وبالتالي أصبحت أقرب من أي وقت مضى لتأمين ممر بري يوطد أقدامها بالمنطقة.

وبدأت إيران تتحدث بشكل واضح عن جهودٍ لها في الاقتراب من ميناء اللاذقية ضمن إطار مشروعها الاستراتيجي، فأكدت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 قيامها على مشروع عرف بمشروع «سكة حديد الشلامجة- البصرة» يبلغ طوله 32 كيلومترًا، ويشمل تشييد جسر متحرك بطول 800 متر، ويقضي بمد سكة حديد من منفذ الشلامجة الحدودي إلى مدينة البصرة في العراق، بوصفه هدية منها إلى العراق على أن يتحمل العراق دفع نفقات الجزء الممتد في الأراضي العراقية في ما بعد، ونقل حينها القول عن مسؤول إيراني أن الجسر الذي تصل كلفته إلى 2200 مليار ريال، سيُكمل الخط السككي بين إيران والعراق وسوريا، وصولًا إلى ميناء اللاذقية على البحر المتوسط.

وكشف النقاب في فبراير (شباط) 2019 عن وجود محادثات حول نقل ميناء الحاويات في اللاذقية التي تبعد 150 ميلًا شمال غربي دمشق إلى الإدارة الإيرانية، اعتبارًا من الأول من أكتوبر (تشرين الأول) القادم.

ويذكر تقرير صحيفة «التايمز» البريطانية أنه بناء على هذه المحادثات: «بدأت الشركات الإيرانية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني بشحن البضائع عبر الميناء، مما يشير إلى أن طهران قد تستخدمها طريقًا بديلًا لنقل الأسلحة إلى البلاد، وهذا من شأنه أن يتيح لطهران الوصول من دون عوائق إلى المنشأة التي تضم 23 مستودعًا، وكانت تحتوي على 3 ملايين طن من الشحنات قبل عام من بدء الحرب في سوريا»، ويعد التقرير الذي أعدته الصحافية حنا لوسيدينا سميث أن «هذا الميناء سيمثل الرابط المتوسطي على طريق تجاري بين إيران، عبر العراق (حيث تتمتع ايران بنفوذ اقتصادي كبير) وسوريا، وأن هذه الخطوة ستمثل عقبة أمنية جديدة لإسرائيل، نظرًا إلى أن إيران تتمتع بالفعل بنفوذ عسكري واسع في دمشق»، وأضافت حنا في التقرير المعنون بـ«طهران تنظر إلى ميناء اللاذقية السوري كبوابة دخول لمنطقة الشرق الأوسط» أن: «إيران تستعد للسيطرة الكاملة على ميناء سوريا التجاري الرئيسي؛ بغية تأمين طريق تجاري من طهران إلى البحر المتوسط ووضع قدمها على أبواب إسرائيل».

حرب شاملة أم مجرد «زوبعة».. كيف ستستثمر إسرائيل وروسيا إسقاط الطائرة ضد إيران؟

تعدها «محمية» خاصة بها.. روسيا لا تريد إيران في اللاذقية

في أبريل (نيسان) 2017، طردت قوات روسية متمركزة في اللاذقية سفنًا إيرانية تحمل مولدات كهربائية، رست أمام شاطئ وادي قنديل الواقع شمال المدينة الذي تعده روسيا محمية طبيعية خاصة بها، وذلك بغية تزويد مدن ساحلية سورية بالطاقة.

ولم تكتفِ روسيا بعملية الطرد تلك، بل أوقفت توقيع اتفاق بين النظام السوري وإيران ينص على تأجير المنطقة نفسها لمدة 99 عامًا كمرفأ لوزارة الدفاع الإيرانية مقابل تزويد المدن الساحلية السورية بالكهرباء.

تصرفات القوات الروسية تلك؛ تأتي استجابة لأوامر القيادة العسكرية الروسية في قاعدة «حميميم» التي عملت على الحيلولة دون تقديم أي خدمات إيرانية للسوريين، تفرض وجودًا لطهران من أي نوع في اللاذقية، فقد حاول الإيرانيون التغلغل أكثر في اللاذقية التي وضعت فيها موسكو موطئ قدم قوية، مستغلين معاناة المدينة من أزمة الكهرباء التي عجز النظام عن توفيرها، فقرروا تسيير سفن لتوليد الطاقة من البحر، إذ تستخدم طهران الاستثمارات في النزاع السوري، ورقة نفوذ لتقوية موقفها العسكري والتجاري.

في المحصلة، تشكل هذه الحادثة صورة مصغرة من الصراع بين الحليفين الاستراتيجيين للنظام السوري على أرض اللاذقية ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة لهما، وقد ترعرع هذا الصراع في ظل وجود نظام ضعيف سمح عجزه في جعل المدينة مركزية في «بازار» الاستثمار الذي يعلنه الأسد لتسديد ديونه العسكرية من جراء الحرب.

ولأن قاعدة «حميميم» الجوية الأساسية تقع قرب مدينة اللاذقية، تعد موسكو المدينة جزءًا من أمنها ووجودها طويل الأمد في سوريا، وهي لا تريد رؤية إيران على مقربة منها، ولذلك امتعضت أكثر حين ذهب الأسد في 25 من فبراير 2019 إلى إيران فأعطى الإيرانيين التزامات تخول لهم إدارة ميناء اللاذقية، ونقلت «التايمز» البريطانية عن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي السابق الجنرال المتقاعد مايكل هيرتزوغ قوله: «لا رغبة لروسيا في أن تكون إيران قريبة، وهناك فرق بين الخلافات والتنافس بينهما»، مشيرًا إلى أن إيران: «نشرت في الماضي قواتها قريبًا من الروس لمنع الهجمات، إلا أن الروس فهموا السبب الذي جعل إسرائيل تقوم بتحركات عسكرية ضد إيران، وهم يتفهمون هذا في كل الأحيان».

ومع هذا تدرك موسكو حجم الضغوطات الإيرانية على الأسد وتحاصره بالمطالبة بالديون المستحقة عليه منذ عام 2011، أو ضخ الاتفاقيات التي تمكنها من بسط النفوذ أكثر داخل الأراضي السورية.

وذلك في وقت تمتنع فيه موسكو عن تزويد الأسد بالضروريات الأساسية مثل الغاز والمحروقات، ويبدو أن الأسد قد انصاع لهذه الضغوطات انصياعًا واضحًا، ليقرر تشكيل فريق عمل استشاري كما تظهر وثيقة تم تداولها مؤخرًا، وتقضى بإعداد «مسودة عقد» لإدارة الميناء من قبل إيران؛ تعويضًا لما قدمته من خدمات لنظام الأسد في الحرب الدائرة في سوريا منذ ثماني سنوات.

يذكر أن ميناء اللاذقية المطل على البحر المتوسط والواقع على الساحل الغربي لسوريا، كان نقطة عبور لكل الأسلحة والتقنيات التي تصل سوريا من إيران وكوريا الشمالية، وتفرض الولايات المتحدة على الميناء المملوك لحكومة النظام عقوبات منذ عام 2015، وتتبع إدارة ميناء اللاذقية لشركة «سوريا القابضة»، وهي شركة استثمار سورية، وشركتي «سي أم إي» و«سي جي أم»، وهي شركات شحن فرنسية، وذلك بعد تحويل الميناء من منشأة عامة للقطاع الخاص في ظل الدفعة التي قام بها الأسد في الفترة الأولى من حكمه لفتح الاقتصاد السوري، وقد تأثرت موارد الميناء بسبب الحرب، فتراجعت إيراداته من 1.95 مليار دولار في عام 2012 إلى 622 مليون دولار في عام 2017.
«إسرائيل على الخط» وتراقب تحركات إيران في اللاذقية عن كثب

أحد أكثر الجهات تنبهًا للتحركات الإيرانية في سوريا، هي إسرائيل التي تحدثت مبكرًا عن الاهتمام الإيراني بمدينة وميناء اللاذقية، تلك القضية التي كانت على رأس أولويات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال زيارته إلى روسيا في مارس (آذار) 2017.

إذ تحدث نتنياهو خلال هذه الزيارة عن قيام إيران أحد حلفاء دمشق الرئيسيين بتقديم مسودة مشروع لبناء ميناء في اللاذقية على الساحل السوري على البحر المتوسط، شبيه بالقاعدة الجوية التي أنشأها الروس في طرطوس، ويقضى المشروع باستئجار إيران لقطعة أرض واستخدامها لإنشاء هذه المحطة الحرية لمدة 50 عامًا، دون السماح لأحد غير الإيرانيين بدخولها.

ونقل نتنياهو مخاوفه من إقامة هذا الميناء الذي في حال إنشائه لن يكون بعيدًا أكثر 170 ميلًا بحريًّّا عن الساحل الإسرائيلي، مما يعني الإضرار بالتفوق البحري العسكري لبلاده، وإتاحة الإمكانية لإيران للقيام بعمل عسكري واسع في حالة المواجهة إسرائيل، وكذلك الانضمام سريعًا إلى «حزب الله» اللبناني، في أي مواجهة قد تنشب بينه وبين إسرائيل.

لكن هذه المخاوف التي حاولت كل من روسيا وإيران تفنيد حقيقتها آنذاك، على اعتبار أن بناء الميناء هو أمر باهظ الثمن، تأكدت مع مواصلة الإسرائيليين عملية مراقبة التحركات الإيرانية على الأرض السورية، ففي 12 من مارس 2019، رصدوا استخدام شركات إيرانية طرق التهريب البحرية إلى سوريا عن طريق استخدام شركات مدنية، وقالوا إن هذه الشركات فرغت شحناتها في ميناء اللاذقية، ما عد من ناحية الإسرائيليين إحياءً مؤكدًا لطريق التجارة البحرية الغنائم، والذي يمكن أن تستغله إيران لتهريب الأسلحة، خاصة أن ضواحي اللاذقية جذبت انتباه إسرائيل في السنوات الأخيرة، بعد أن جرى الحديث عن وجود مصانع لصواريخ دقيقة بنتها إيران.

وربطت إسرائيل بين لجوء إيران لهذا الخيار، وبين ما أسمته فشل إيران المتكرر بتهريب الأسلحة عبر الرحلات المدنية، بسبب مئات الغارات الجوية الإسرائيلية على مخازن الشحن في مطار دمشق الدولي، مهددة في الوقت ذاته بمزيد من الضربات الجوية الإسرائيلية لإيقاف إيران عن خططها في اللاذقية، في ظل تفاقم التوترات بين روسيا وإيران بسبب التنافس بينهما على النفوذ في سوريا بعد الحرب. ويقول المتخصص في الشؤون الشيعية في «معهد القدس للاستراتيجيات والأمن»، يوسي مانشاروف أنه: «من المحتمل السماح لإسرائيل بشن هجمات على أهداف إيرانية في اللاذقية لو استخدمت الميناء لنقل السلاح»، مؤكدًا أن «هناك محادثات مستمرة بين إسرائيل وموسكو، وهناك خط مفتوح للبحث عن حل، وسيعطون إسرائيل الضوء الأخضر».

المصدر: ساسة بوست