أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » عاشوا بين المسلمين.. قصة الوجود اليهودي بالقدس أيام العثمانيين

عاشوا بين المسلمين.. قصة الوجود اليهودي بالقدس أيام العثمانيين

الحرية التي كان يتمتع بها اليهود في فلسطين كانت موضع دهشة شديدة من الزوّار الأوروبيين، فقد تقلدوا المناصب الحكومية، وهو ما لا يخطر ببال أحد.

حين فتح الخليفة الراشد عمر بن الخطاب مدينة القدس، وتسلمها من البيزنطيين صلحا، فقد أقر (رضي الله تعالى عنه) أهل الذمة من اليهود والنصارى على حرية معتقداتهم ومعابدهم ووجودهم كما هي دون تغيير أو إقصاء أو قهر، وظل المسلمون من بعده طوال القرون التالية يتعاملون وفقا لمبادئ “العُهدة العمرية” مع غير المسلمين من أهل بيت المقدس، وأن نص “عدم سكنى اليهود” أثبت الكثير من علماء التحقيق والمرويات عدم صحته في شروط العُهدة، وأن الطبري هو الوحيد الذي تفرد به دون إسناد.

ومن ثم بقي اليهود طوال العصور التالية يُساكنون المسلمين والنصارى في بيت المقدس دون قهر أو إقصاء، مؤّمنين على حياتهم وممتلكاتهم ومعابدهم، لكن بقدوم الصليبيين إلى بيت المقدس فقد تغير كل شيء، فلم يُبقوا في المدينة المقدسة يهوديا واحدًا على قيد الحياة، فقد جمعوا اليهود في الكنيس الخاص بهم وأشعلوا النيران فيه وبمن فيه.

وتحكي لنا المراجع العربية والأوروبية عن المعاملة القاسية التي عامل بها الصليبيون سكان فلسطين بوجه عام وبيت المقدس بوجه خاص، وفيما يختص باليهود فقد روي أنه عقب إحراق الصليبيين عليهم معبدهم الذي اجتمعوا فيه، فقد أسروا من تبقى منهم وباعوهم في أسواق النخاسة بأحط الأسعار، حيث باعوا ثلاثين يهوديا بدينار واحد فقط، وبرر الصليبيون ذلك بأنهم ينتقمون منهم لقتلهم السيد المسيح (عليه السلام).

والحق أن اليهود عانوا أشد المعاناة زمن الاحتلال الصليبي لكامل بلاد فلسطين وليس بيت المقدس فقط، حيث شملهم القتل والأسر، ونتيجة لهذه المذابح الصليبية فقد هرب من تبقى من اليهود من مدن فلسطين ناجين بحياتهم إلى أماكن أكثر أمنا، حتى كادت مدن فلسطين تخلو تماما من اليهود.

ظل اليهود على هذا الاضطهاد طوال الاحتلال الصليبي، وحين فتح السلطان صلاح الدين الأيوبي مدينة بيت المقدس عام 583هـ/1187م فقد رفع حظر سكنى اليهود بالمدينة وفي كامل فلسطين، فجاؤوا إليها من فرنسا ومن المغرب وألمانيا وجنوب إنجلترا، واستقر الكثيرون منهم في الأرض المقدسة. وسار المماليك على نهج الأيوبيين في حسن معاملة اليهود، والسماح لهم بالسكنى، وإقامة معابدهم وصلواتهم.

وكذلك حين استولى العثمانيون على الأقطار العربية، حيث ضمنوا لليهود العيش في جو تغمره روح التسامح والمعاملة الحسنة، وكانت تتابع شؤونهم بحسب قانون “ملّت” العثماني الذي منحهم هامشًا جيدًا من الإدارة الذاتية لشؤونهم الخاصة.
القدس بالعهد العثماني كانت مدينة مقدسة مفتوحة لكل الأديان دون تمييز (مواقع إلكترونية)
ومن جانب آخر كانت الامتيازات التي منحت للدول الأجنبية في النصف الأول من القرن 16 الميلادي عاملا مساعدا في تعزيز الوجود اليهودي، وتثبيته في السلطنة العثمانية، لا سيما اليهود من رعايا الدول التي كانت طرفا في تلك المعاهدات.

ومن ثم سُمح لليهود بالتحرك بهامش واسع داخل البلاد، ومارسوا كل النشاطات المالية من بيع وشراء وتصنيع، لدرجة أنهم استلموا بعض الصناعات المهمة مثل المنسوجات، وكانت حرية تنقل اليهود بين الدول الأوروبية -لا سيما الدول حاضنة النهضة- تمكنهم من نقل التقنيات المختلفة وتوظيفها لصالحهم في قلب الدولة العثمانية.

ووجد في القدس بالعهد العثماني عدة طوائف من اليهود، مثل القرائين والإشكانيزم والسفارديم، وكان لهم متحدث خاص بهم. وتأتي الوثائق العثمانية بأسماء مختلفة منها: وكيل الطائفة، أو الحاخام باشي أو البرنس. وبسبب هذا التعدد لطوائف اليهود بالقدس، أوجد أكثر من كنيس لهم، كلها وُجدت في حارة اليهود والحارات القريبة منها، فكان كنيس للقرائين، وآخر للإشكانيزم، وقد سمح العثمانيون لهم بترميم كُنُسهم، وتوجد وثائق تؤكد هذا.

وسنة 1032هـ/1622م أشرف قاضي القدس ونائب أمير لواء القدس على ترميم كنيس الإشكانيزم وفق الشروط التي التزموا بها، وأُعيد هذا الترميم بدايات القرن 18 الميلادي، كما ظهر في القرن 18 أيضا كنيس آخر للمغاربة يقع في عقبة الكماج غرب الحرم القدسي الشريف.

ووفقا للمؤرخ ستانفورد شو فإن السكان اليهود قد نما عددهم في عصر العثمانيين نموا سريعا نتيجة هجرة الإشكانيزم من وسط أوروبا، والسفارديم (اليهود الشرقيين) من الأندلس، والمغاربة من شمال أفريقيا، والمستعربين (اليهود العرب) ولاقوا ترحيبا وحماية داخل الحياة العثمانية.

واهتم العثمانيون بإنشاء الإحصائيات السكانية الدورية في دفاتر لهذا الغرض، واستخدمت أيضا بغرض حصر اليهود والنصارى في دفع الجزية المقررة عليهم، ومن خلال هذه الدفاتر عرفنا عدد اليهود بمختلف طوائفهم بمدينة القدس في العصر العثماني، فكان عددهم نهاية القرن 16 الميلادي 321 أسرة، و13 شخصا مجردا. لكن لوحظ تراجع هذا العدد بالقرن 17 الميلادي، وقد راعى العثمانيون الحالة الاقتصادية لدافعي الجزية من أهل الذمة عموما، وظهر ذلك من خلال الوثائق التي أفرزتهم على أساس أوضاعهم الاجتماعية من الغنى والفقر، فهناك فئة الأعلى والأوسط والأدنى.
سمح العثمانيون لليهود بشراء العقارات وإنشاء الأوقاف الخاصة بهم بالقدس (مواقع إلكترونية)
سمح العثمانيون أيضا لليهود بالشراء لصالح بناء وإنشاء الأوقاف الخاصة بهم بالقدس، لليهود القاطنين والزوّار، ومن ذلك حجة تعود إلى القرن 16 نجد فيها أن ناظر وقف منارة حارة اليهود قال أمام القاضي: إن الجاري في الوقف أربعة حوانيت تحت يد اليهود، ويطلب رفع يدهم عنها، فقال المتكلم على الحوانيت إنه تم شراء الحوانيت منذ سنة 755هـ/1353م من وكيل بيت المال آنذاك، وخوفا من ضياعها قام المشتري بوقفها على اليهود القاطنين والقادمين إلى القدس.

كما سمح العثمانيون لهم بشراء العقارات والدور الملاصقة لأماكنهم الدينية لإحداث توسعات فيها، فقد ورد في وثيقة شراء اليهود بيتًا ملاصقا للكنيس الكائن بحارة اليهود وضمّوه إليه، واللافت أن اليهود في ذلك العصر استطاعوا بسهولة كبيرة التمازج مع البنية الاجتماعية المكونة لسكان بيت المقدس، فقد تاجروا في حاجات السكان اليومية، وسيطروا على صناعة المنسوجات والمجوهرات والصرافة، ومهروا في بعض المهن مثل الطب، بل وصل بعضهم إلى منصب رئيس الأطباء بالمدينة.
تؤكد الباحثة الغربية كارين أرمسترونغ على سماحة العثمانيين، والحرية الكبيرة التي تمتع بها اليهود ذلك العصر في أكناف بيت المقدس، وأن مجتمع اليهود بالقدس كان يتزايد بصورة مطردة، ولم يكن هناك حي يهودي رسمي، لكن كان اليهود يعيشون في ثلاث مناطق سكنية جنوب المدينة وهي الريشة وشرف والمسلخ حيث تعايشوا مع المسلمين، وتؤكد فوق ذلك أن “الحرية التي كان يتمتع بها اليهود في فلسطين موضع دهشة شديدة من الزوّار الأوروبيين.

سنة 1535م لاحظ دافيد داي روس، وهو إيطالي يهودي، أنه بلغ الأمر باليهود في فلسطين أن يتقلدوا المناصب الحكومية، وهو شيء لا يخطر ببال أحد في أوروبا، ثم قال: لسنا هنا في شتات كما هي الحال في بلدنا، فالقائمون هنا بأمر الجمارك والمكوس من اليهود، كما لا توجد ضريبة خاصّة تُفرض على اليهود.

بل تؤكد فوق ذلك أن العثمانيين لم يطبقوا الشريعة حرفيا “فيما يخص الترتيبات المالية لليهود، فلم يكن عليهم جميعا دفع الجزية. أما الذين كانوا يدفعونها فكانوا يدفعون الحد الأدنى فقط، كما كانت المحاكم تحمي اليهود وتقبل شهادتهم، وكان استقلال مجتمع اليهود موضع تشجيع وحماية المسؤولين العثمانيين”.

تلك أمثلة قليلة لا تقارن بحكم المادة الوثائقية والمصدرية، وشهادات شهود العيان على الحرية الكبيرة التي تمتع بها اليهود طوال الأربعمئة سنة التي حكم فيها العثمانيون مدينة القدس، وهي أمثلة لم تخرج عن المألوف في التاريخ الإسلامي قبل العثمانيين ولا بعدهم.

المصدر: الجزيرة نت