أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » فايز سارة : قامشلي 2004: وكأنها اليوم

فايز سارة : قامشلي 2004: وكأنها اليوم

مرت الشهر الماضي الذكرى السنوية الخامسة عشر للانتفاضة الكوردية في مدينة قامشلي السورية، التي اندلعت في 12 آذار 2004. ولان وضع السوريين على ماهو معروف، فان قليلين منهم وقفوا عند تلك الذكرى، واغلب الذين فعلوها كانوا من السوريين الكورد، ليس فقط لانهم الابطال الذين كانوا على مسرح المدينة يوم الانتفاضة، بل ايضاً لان الحدث كان استثنائياً في تجسيده ردات فعل السوريين الكورد في مواجهة استفزاز ادوات نظام الاسد وسياسته في قامشلي وانحاء مختلفة من سوريا.

كانت قامشلي، تتهيأ في ملعبها البلدي لمباراة كرة القدم بين فريق الفتوة القادم من مدينة دير الزور مع فريق الجهاد الذي يمثل مدينة قامشلي بعد ظهر ذلك اليوم، وفجأة وكما هي العادة في كثير من الملاعب انطلقت اعمال شغب بين جمهور الفريقين، وادى تدخل القوى الامنية واطلاقها الرصاص على جمهور الملعب الى حدوث مجزرة دموية اغلب ضحاياها من الشباب الكورد، سقط فيها أكثر من عشرين شهيداً، وعشرات الجرحى، وتم القاء القبض على مئات الناس.

وكان من الطبيعي، في ضوء احداث قامشلي، والمذبحة التي ارتكبتها القوى الامنية ضد كورد المدينة، ان تمتد الاحتجاجات الى محيط القامشلي بشكل خاص والى المدن السورية، التي فيها كثافة سكانية كوردية ومنها ثلاث مدن رئيسية: الحسكة وحلب ودمشق، حيث اندلعت حركة احتجاج وتظاهرات، وصلت في بعض الاحيان الى اشتباكات مع رجال الامن، لكنها في قامشلي ومحيطها، تسببت بحرائق ودمار اصابا بعض مؤسسات الدولة ومنها مركز الجمارك ومستودعات الحبوب والأعلاف ودوائر التجنيد والنفوس.

عندما كانت تلك التطورات المأساوية الاولى، تتوالى في ملعب كرة القدم في قامشلي، اتصل بي الراحل الزميل مشعل تمو زميلي في لجنة المتابعة للجان احياء المجتمع المدني، ليخبرني بالتطورات الجارية، ويسمعني بصورة مباشرة اصوات الرصاص الذي يطلقه عناصر الامن على جمهور الملعب، وهتافات الجمهور الاحتجاجية ضد القتل، وقد وعدته ان انقل الاخبار الى اللجنة، وسوف نسعى قدر جهدنا لمتابعة الوضع ورؤية مايمكن القيام به، آملاً منه وكل الفعاليات الحية في المدينة العمل على تهدئة الوضع ما أمكن.

تم اعلام الزملاء في لجنة المتابعة، وتمت بلورة اقتراح بذهاب وفد يمثل المعارضة الى قامشلي ليكون الى جانب مواطنينا السوريين الكورد في محنتهم، وجرى تكليف ممثلنا الزميل معاذ حمور في لجنة تنسيق القـوى السياسية والحقوقية، التي تضم احزاباً معارضة وجمعيات حقوقية للبحث في ما يمكن القيام به، فبادرت اللجنة الى مناقشة الحدث مع السلطة عبر زيارة محمد سعيد بخيتان، رئيس مكتب الامن القـــومي في حينها، الذي دخل في مشادة كلامية مع الوفد، ووضـعه أمام خيار صعب بالقول: الآن تظهر وطنيتكم لنرى ما انتم فاعلون، الكورد ليس لهم إلا الدبابات. ثم اضاف الى ذلك رفض فكرة ذهاب وفد من المعارضة الى قامشلي لتهدئة الوضع، وهدد بمعاقبة كل من يقوم بالزيارة.

وللحق فان الموقف المتشدد لرئيس مكتب الامن القومي، عطل عمل لجنة تنسيق المعارضة، واوقع المشاركين فيها في اللاموقف من انتفاضة الكورد، وصدهم عن فكرة قيام وفد من المعارضة بالذهاب الى قامشلي، قبل ان يتلمس بعضهم مخرجاُ مما هم فيه، يخلي مسؤوليتهم باحالة الموضوع الى قادة الاحزاب الكوردية، التي رأي عبد الحميد درويش احد ابرز قادتها “ان الزيارة غير مفيدة إن لم تكن خطرة”، الامر الذي شجع اعضاء في اللجنة على التخلي عن فكرة ذهاب وفد الى قامشلي.

دعت لجنة المتابعة في لجان إحياء المجتمع المدني الى اجتماع لها، حضره سبعة من اعضائها لمناقشة الوضع، وقررت باكثرية الحاضرين ذهاب وفد الى قامشلي، وتم تكليف اعضاء فيها بالاتصال بجماعات وشخصيات في المعارضة وفي منظمات المجتمع المدني وخاصة جمعيات حقوق الانسان للمشاركة في الذهاب الى قامشلي، وقد وصلت الدفعة الاولى الى قامشلي يوم 14-3-2004، وكان في عدادها كل من علي العبد الله ومعاذ حمور وفايز سارة من لجان احياء المجتمع المدني، وانضم اليهم هناك مشعل تمو وعبد الصمد الخلف عضوي لجنة المتابعة في اللجان، وهيثم المالح ورزان زيتونة ووائل حمادة من الجمعية السورية لحقوق الإنسان، وياسين الحاج صالح الكاتب المستقل، كما وصل في الأيام التالية عدد من الناشطين من محافظات بينها حلب واللاذقية وحمص كان منهم اعضاء في حزب العمل الشيوعي واعضاء في لجان احياء المجتمع المدني وناشطين في منظمات مدنية، حيث قارب عدد الوفد العشرين شخصاً.

كانت الفكرة الاساسية في زيارة الوفد الى قامشلي تأكيد لاهلها، انهم ليسوا وحدهم، وان الوافدين والجماعات التي يمثلونها يتضامنون مع اهالي قامشلي في مواجهة العسف اللاحق بهم، وما يتعرضون له من انتهاكات، وان هدفهم هو تهدئة الاحتدامات ومنع تطورها الى الاسوأ، ومعالجة ما لحق بالاهالي من أذيات وخاصة لجهة تعويض اهالي الشهداء واصحاب المحلات التي نهبت، ومعالجة الجرحى واطلاق المعتقلين ووقف الملاحقات والاعتقالات.

اختار زميلنا مشعل تمو فندقاً في وسط المدينة مكاناً لاقامة الوافدين ومن سيلحق بهم، ليكون سهل الدلالة والوصول لمن رغب من اهالي المدينة مقابلة الوافدين، غير ان هذه الميزة، جعلت الفندق محاطاً بالمخبرين ورجل الامن الذين لم نلحظ اي تدخلات مباشرة لهم مع زوارنا، ولا اي تدخلات في تحركاتنا من الفندق سوى مرافقتنا اللصيقة، انما تركز جهدهم على الرصد والمتابعة.

كان برنامجنا الذي بدا مفتوحاً على احتمالات الزيارة، يشمل لقاءات مع قادة الاحزاب والجماعات السياسية في المدينة اضافة الى لقاءات مع زعماء العشائر العربية والكوردية والفعاليات الاجتماعية، وشمل البرنامج زيارات لبعض اهالي الشهداء وعيادة بعض الجرحى سواء في البيوت او المشافي، وقد اضيف للبرنامج بناء على مبادرة من المحافظ سليم كبول مهمة التواصل مع الجهات الرسمية، وبسبب تعدد المهمات، فان بعضها كان عاماً كما في اللقاءات مع ممثلي الجماعات السياسية والعشائر العربية والكوردية، والبعض تم تقاسم المهمات فيه ومن ذلك ان الزملاء علي العبدالله ومعاذ حمور وهيثم المالح والحاج بدرخان تللو عضو في الجمعية السورية لحقوق الإنسان، كانوا في فريق التواصل مع الجهات الرسمية وكان الزميلان مشعل تمو وعبد الصمد الخلف وانا في فريق زيارة اهالي الشهداء والجرحى.

كان اللقاء الاول مع قادة الاحزاب والجماعات السياسية من الكورد والاشوريين/السريان والعرب ودياً على نحو عام، اغلبنا كنا نتعرف عليهم شخصياً للمرة الاولى، واغلبهم كانوا مقدرين -وبعضهم- كان مندهشاً من جرأتنا في المجيء الى قامشلي رغم تهديدات النظام، وهو ما اعطانا فرصة للقول، وانهم يسمعون ما نقول بخلاف قاعدة النقاشات السياسية السائدة، بان احداً لا يسمع للاخر، وان كل واحد يقول ماعنده ويمضي، كان اللقاء ايجابياً باتجاه التهدئة، وان اعترته بعض المناكفات والمزاودات من هنا او هناك، واقول بعد كل الوقت الذي مضى على اللقاء، انه بنى علاقات ودية وقوية بين أكثرية المشاركين فيه من عرب وأكراد واشوريين/سريان، وقد يكون من المهم، ان ما تم من لقاءات في قامشلي حينذاك، كانت تأثيراته ايجابية على معظم الانشطة والعلاقات اللاحقة بين جماعات المعارضة السورية.

في اليوم التالي تمت لقاءات مع زعماء العشائر العربية والكوردية، كان الحاضرون فيها اميل الى التهدئة والتفاهم، مما ادى الى تراخي السردية الكوردية في ان النظام وزع السلاح على العشائر العربية لتحويل الصراع الى صراع بين العرب والكورد، وهو امر نفاه بصورة قطعية شيخ عشيرة طي محمد الفارس في اجتماعنا مع زعماء العشائر العربية في مكتبه، ونفى وشيوخ العشائر اي دور لهم في الاحداث، وانهم كانوا في دائرة الحياد، لكن رفضهم سيطرة الكورد على المدينة كان واضحاً، كما كان واضحاً في احاديثهم رفض اي اعتداءات من الكورد على العرب في المدينة.

نتيجة سعي بعض الاصدقاء، تم الاتفاق على لقاء لي مع الشيخ محمد معشوق الخزنوي، وكان ابرز رجال الدين الكورد، بل كان الوجه الاصلاحي الاهم بينهم معارضاً في ذلك اصحاب الطريقة الخزنوية، التي اسسها جده ووسع والده حضورها ونفوذها خاصة بين اكراد تركيا وسوريا، وكانت مناسبة للتعرف عليه والاطلاع على افكاره وآرائه وخاصة في ما يتصل بالقضية الكوردية. وللحق فقد كان شخصية مميزة في افكاره الدينية والاجتماعية وفي موقفه من القضية الكوردية، والتي يجملها في تبنيه لحقوق المرأة والشباب والفئات المهمشة في المجتمع بمن فيهم الكورد، وقد زاد عليها قوة في شخصيته وفي خطابه، مما جعله هدفاً لنظام الاسد، وهو ماحدث فعلاً، حيث تعرض الشيخ الخزنوي لعملية اختطاف بدمشق في ايار 2005، قام بها وفق اكثر المعلومات مصداقية فرع الامن السياسي بدمشق، وقيل انه قتل في حلب، ثم عثر على جثته مدفونة في مقبرة بدير الزور في رواية هدفها تصعيد الصراع بين اهالي دير الزور وكورد قامشلي استمراراً للسبب المباشر لاندلاع انتفاضة 2004.

كنا بدأنا تواصلنا مع الاهالي في قامشلي بزيارة جرحى الاحداث في المشفى الوطني بعد الانتهاء من اللقاء مع زعماء العشائر العربية، عندما وصل مبعوث من محافظ الحسكة سليم كبول، واخبرنا ان المحافظ يرغب برؤيتنا في مقر مدير المنطقة، قلبنا الموضوع بسرعة، ووافقنا على ذهاب فريق منا لمقابلته، واستمرار فريق آخر بمتابعة زيارة اهالي الشهداء والجرحى في بيوتهم.

كان علي العبد الله وهيثم المالح ومعاذ حمور والحاج بدرخان تللو الفريق الذين توجهوا لمقابلة المحافظ، وكتب العبدالله نصاً مختصراً عن ذلك اللقاء قال فيه: ان المحافظ “عاجلنا فور جلوسنا بالقول: “كيف تجولون على المنطقة من دون إذني، ما بتعرفو انو انا الحاكم العرفي هون”، فردّ عليه معاذ حمور بالحدة ذاتها: “إلى متى ستظلون تتحدثون بهذه اللهجة، نحن منظمات حقوقية ومدنية، ومن حقنا أن نتحرك لنعرف ماذا حدث ومن السبب”. تراجع المحافظ عن لهجته الحادة، ثم استأذن ودخل غرفة أخرى، وعاد وسأل عن أسمائنا، ثم دخل ليكمل مكالمته. عاد وأبلغنا تحيات (رئيس مكتب الامن القومي محمد سعيد) بخيتان، وإشادته بنا: قال: “انه يعرفنا، نحن وطنيون”. دخلنا في حديث تفصيلي حول ما جرى وواجهناه بما عرفنا عن دوره في عمليات القتل، وأنه اصدر الاوامر بذلك، فنفى مدعياً انه عندما وصل من الحسكة، مركز المحافظة، كانت الحوادث قد امتدت من الملعب الى كل أنحاء المدينة”. وهذه خلاصة اللقاء الرسمي الاول مع المحافظ.

اما اللقاء الثاني فكان مع اللواء هشام بختيار الذي كان يرئس خليه الازمة، وقد جاء من دمشق لمتابعة الموضوع مباشرة، وبينما نحن في الفندق نخوض نقاشات مع قادة الاحزاب الكوردية حول بيان نصدره عن الوضع في قامشلي، جاء موظف في الفندق، واخبرنا ان الوفد الذي قابل المحافظ مدعو الى مديرية المنطقة، وان سيارة جاءت لاصطحابه الى هناك. وكتب علي العبد الله خلاصة ذلك اللقاء فقال: “دخلنا في حديث عما رأيناه وسمعناه، فحاول تجميل الصورة من طريق تقديم رواية عن تعاطيه العقلاني ورفضه استخدام القوة وحمايته الكورد من غضب بعض العرب، وروى ما قال انه دار في منطقة رأس العين من جانب عشيرة العدوان العربية، وكيف هددهم باستخدام المروحيات في قصفهم وردّهم عن مهاجمة الكورد. حدثناه عن القتلى والجرحى والمعتقلين، ثم دخلنا في حديث عن الحل المطلوب فطلبنا: الإفراج عن المعتقلين، ونقل الجرحى الى مشافي العاصمة، لأن حالة بعضهم حرجة، وتعويض المتضررين من أُسر الشهداء والذين نُهــــبت او أُحرقت محالهم وبيوتهم، وتأجيل فتح المدارس لبعض الوقت ريثما تهدأ النفوس”.

اللقاءات الرسمية، لم تكن جيدة ولا كانت سيئة. لم تكن جيدة لانها لم تتمخض عن اي نتائج ايجابية ملموسة في تعامل النظام واجهزته للافضل في ما نتج عن سياسة العنف التي مارسوها في المدينة ومحيطها ماعدا اطلاق سراح بعض المعتقلين، ولم تكن نتائج اللقاءات سيئة، فلم يجرِ اعتقال او تهديد او اهانة الناشطين ممن قابلوهم من المسؤولين او من الاجهزة الامنية بخلاف ما كان تهديد رئيس مكتب الامن القومي محمد سعيد بخيتان، ولعل ذلك كان نتيجة عاملين اولهما اثبات الناشطين عدم خضوعهم للتهديدات، واصرارهم على المجئ للاطلاع على الوضع ومتابعته بصورة هادئة وموضوعية. اهمية تلك اللقاءات بالنسبة للجهات الرسمية، انها ارادت التعرف على هذا النموذج من النشطاء، واهميتها بالنسبة للاخيرين، انها اختبار لقدرتهم على التعامل مع كبار مسؤولي النظام في ظل احداث دموية على نحو ما كانت عليه انتفاضة قامشلي.

اللقاءات مع الاحزاب والجماعات السياسية، كانت لها اجواء اخرى، فقد كانت ايجابية نظرا لتحول المدينة الى مسرح للحراك وللنقاش السياسي، وفي قائمة ايجابياتها، انها كانت فرصة للتعرف على الجسم السياسي في مدينة هي الاكثر تعقيداً في سوريا من الناحيتين السياسية والديموغرافية، اغلبنا تعرف للمرة الاولى على المنظمة الديمقراطية الاثورية وقياداتها، وهي مؤسسة منذ العام 1958، ولها نشاط في سوريا وفي المهجر بحكم انتشار وهجرة الاشوريين/السريان، كما تعرفنا بصورة مباشرة على اغلب قادة الاحزاب الكوردية، بمن فيها قيادات محلية، ليست لها شهرة في العاصمة، وكذلك الحال بالنسبة للقيادات المحلية لاحزاب التجمع الوطني الديمقراطي الذي كان يمثل حينها القوة الرئيسية في المعارضة السورية، وتم في سياق لقاءات الاحزاب لقاء مع القيادات المحلية للحزب السوري القومي الاجتماعي الذي لم يكن في حينها قد حصل على ترخيص لنشاطه.

غالبية الاحزاب والجماعات السياسية التي تم اللقاء معها ثمنت زيارة النشطاء السياسيين والمدنيين للمدينة والجهود التي بذلوها، واعتقد ان ذلك لعب دوراً ايجابياً في مساعي انهاض المعارضة السورية سعياً نحو توحيدها او اقامة تحالف لها، وهي الجهود التي بدأت قبل ذلك بقليل، واثمرت لاحقاً بولادة اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي 2005.

وبخلاف ماسبق من ايجابيات ولدتها الزيارة، فانها لم تترك أثراً مماثلاً على العلاقات البينية بين الاحزاب. فالاحزاب الكوردية ظلت اقرب الى مواقفها المعروفة، وبقيت اقرب الى السردية الكوردية في موضوع الانتفاضة وماجرى فيها من احداث وتفاصيل، بل ان الخلافات والاختلافات بين الاحزاب والقيادات الكوردية لم تتغير بعد الانتفاضة عما كانت عليه قبلها، والمزاودة بين القيادات كانت ظاهرة في خلال جهودنا المشتركة من اجل صياغة بيان سياسي حول ما جرى في قامشلي، وللحق فان حال الاحزاب العربية وقياداتها، لم يكن افضل حالاً من الاحزاب الكوردية وقياداتها، بل تقاربهما في المواقف، وفي القرب أكثر من سردية عربية، فيها اختلافات عن السردية الكوردية، لكنها لاتتوافق مع سردية النظام لما حدث في المدينة.

في الذكرى الخامسة عشر لانتفاضة قامشلي 2004، تستحق هذه الانتفاضة المجيدة، ان نعود اليها ونكتب عنها، انطلاقاً من مجموعة حقائق: اولها ان هذه الانتفاضة، كانت جزءاً من ربيع دمشق الذي داعب مشاعر واحتياجات السوريين الى التغيير، بل كانت في مجرياتها تمثل بعضاً من احداث ثورة السوريين 2011، وقد حصلت في عشرات المدن والقرى احداث مماثلة لما حدث في خلال انتفاضة قامشلي.

والحقيقة الثانية، انه لم يتم-في حدود معرفتي- القيام بدراسات موضوعية معمقة للانتفاضة، تتناول خلفياتها ومجرياتها ونتائجها، ولاصدرت كتب تناولت تفاعلاتها السياسية والاجتماعية والثقافية على اي مستوى كان، وهذه ليست مسؤولية الكورد من مثقفين وكتاب وسياسيين فقط، بل مسؤولية اقرانهم السوريين من غير الكورد، لان الانتفاضة في الاهم من وجوهها كانت درساً سورياً عاماً، والكتابة عنها مسؤولية كل القادرين.

الحقيقة الثالثة، وفي ضوء غياب الدراسات والكتب عن الانتفاضة، فان الابواب انفتحت امام من رغب لقول مايريد عن الانتفاضة، حتى ولو كان قوله ضعيفاً فيها وبعيداً عن حقائقها وروابطها في نضال السوريين بمن فيهم الكورد ضد نظام الاسد، وكان مقبولاً طالما انه يصب في مسار المظلومية الكوردية، مما جعل بعض الاكراد يتناسون نظام الاسد ويصبون غضبهم على العرب بتهمة تأييد سياسة النظام ضد الكورد واتهام المعارضة السورية، بانها تركت الكورد وحدهم في مواجهة نظام الاسد الذي يعرف هؤلاء انه ارتكب بحق السوريين من عرب واكراد وغيرهم جرائم، لم يسبق ان جرى مثلها في التاريخ، وهي جرائم لاتقتصر على ماحدث في سنوات الثورة، بل حدث قبلها كثير وبينها ماحدث في قامشلي.

في ظل تلك الحقائق، نعود للكتابة عن قامشلي 2004 ولو بعد عقد ونصف العقد بينها ثماني سنوات من مسرح الجنون، نكتب عن وقائع واحداث مضت، رغم ان كثيرين ممن عاصروها ماتوا او غادروا ميدان العمل العام، بل ان سوريا، التي كانت قامشلي احدى اكثر مدنها حركية، لم تعد في صورتها الراهنة سوريا تلك، ولا عادت قامشلي اليوم مثل قامشلي 2004، أمور كثيرة تغيرت وتبدلت، لكن الحاجة الى الكتابة عن قامشلي 2004 مستمرة، بل وضرورية ليس للكورد فقط. بل لكل السوريين، حيث ان الاحداث دلّت في كثير من مجرياتها ووقائعها، ان كل ماجرى في سوريا لاحقاً كان قريباً من الادراك ومنه وحشية النظام واستعداده للذهاب الى النهاية، وضعف المعارضة بشقيها العربي والكوردي وارتباكها وعدم قدرتها على المبادرة، وعدم قدرتها على التعامل الايجابي مع التطورات التي تساعدها في تحقيق تراكمات على طريق اهدافها، كانت كلها حاضرة في قامشلي 2004، ولو وقفنا في حينها ودققنا واجرينا مراجعات على ماحدث وفي عموم اوضاعنا السورية، لكنا تجاوزنا كثيراً من تحديات ومشاكل عانينا منها في السنوات الثماني الماضية وما نزال.