أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » راوولف..عالم نباتات هولندي زار حلب عام 1573 وأرّخ لها

راوولف..عالم نباتات هولندي زار حلب عام 1573 وأرّخ لها

تعد رحلة الهولندي ليونارد راوولف التي قام بها عام 1573م، وثيقة مهمة عن الحياة الاجتماعية في الشرق العربي بعيد خضوعه للسلطان العثماني، فقد كتب راوولف عن العادات الاجتماعية التي صادفها في المناطق التي زارها، وتحدث عن السكان ومعيشتهم بوعي العالم المتجرد من التعصب الديني، فأتى نصه شهادة ثمينة عن بلاد الشام والعراق في عهد السلطان سليم الثاني.

بدأ راوولف رحلته من إسطنبول ووصل إلى مدينة طرابلس الشام فوصف ضواحيها الخصبة، وعظم التجارة فيها، وفخامة حمّاماتها وأبنيتها، وطبيعة حياة أهلها، وذلك إضافة إلى اهتمامه بموضوعه الأساسي المتعلق بالتعرف على نباتاتها.

انتقل بعدها إلى حلب التي وصفها بدقة وتحدث عن أبنيتها ونباتاتها وفاكهتها وأطعمتها وأسواقها وبضائعها، ولم ينس الحديث عن حياة الباشوات فيها، وعن “المناصب الرفيعة والسلطات الواسعة” التي يتمتعون بها.

كما وصف مدينة الرقة على نهر الفرات، ومدينة دير الزور ومدينة عانة، والفلوجة أو بابل القديمة، ومن ثم قدم وصفاً مسهباً لمدينة بغداد ومواصلاتها وأبنيتها ونباتاتها القديمة، كما لم ينس تدوين كل ما شهدت عيناه على الطرقات التي سلكها.

وصف حلب

وفي حديثه عن مدينة حلب كتب راوولف أنها “من أعظم المدن وأشهرها في سوريا، وكانت تدعى قديماً باسم «بيروفا»، محصنة في بعض المواقع بالخنادق لكن هذه لا تدور حول المدينة كلها.

ولذلك فإن في مستطاع أي امرئ أن يدخلها ويخرج منها في أي وقت يشاء من الليل. ولا تكون بوابات المدن ـ كما هو معتاد في بلادنا ولا سيما بالنسبة إلى المدن الشهيرة ـ محمية بالجنود. فلا يشاهد سوى اثنين أو ثلاثة يقفون عند البوابات الرئيسة التي تنطلق منها الطرق الخارجية، إذ يقف هؤلاء لاستيفاء الإتاوة لا لمحافظة أبواب المدينة. كما أنهم لا يحملون معهم أية أسلحة”.

أما عن القلعة فيقول إنها تقع في “وسط المدينة على تل مرتفع، وهي حصينة وكبيرة محاطة بالأسوار والخنادق وفيها حراسة جيدة.. أما الأبنية الأخرى، وكلها مستوية السطوح ومغطاة بالملاط بحيث يستطيع المرء أن يمشي فوقها، فإنها أشبه بالأبنية التي شاهدتها في طرابلس. وقد شاهدت بين هذه الأبنية بناية فخمة جداً قيل لي إن صاحبها أنفق على بنائها مبالغ طائلة، لكن مدخلها ليس سوى باب ضيق واطئ ولذلك فإن على من يريد الدخول إليها أن يحني جسمه تماماً”.

وحول الطبيعة الميحطة بالمدينة فكتب الرحالة الهولندي: “حلب محاطة بتلال صخرية وأوديتها ذات تربة كلسية ومع ذلك فلا تنقصها الحنطة ولا الشعير وغيرهما من الحبوب لأن أرضها خصبة”.

ويضيف قائلاً: “يبدأ الحصاد فيها عادة في شهري نيسان وأيار.. ولا يوجد في هذه الأودية سوى القليل من أشجار البلوط، والأعشاب الجافة، ذلك لأن الجفاف فيها شديد وأرضها رملية، في حين ترى التلال وعرة مليئة بالأدغال ليس فيها سوى القليل من العشب الجاف، ولذلك وجدنا السكان يعلفون مواشيهم بالشعير والتبن الذي تدوسه أدوات الدراسة التي تجرها الثيران.وكذلك وجدنا الأودية مليئة بأشجار الزيتون وهذا هو الذي جعل الأهلين هنا ينتجون في كل سنة مئات الألوف من أطنان زيت الزيتون الذي يستعمل في صناعة الصابون”.

ويضيف: “وإلى جانب ذلك توجد بساتين كثيرة لأشجار اللوز والتين والسفرجل والتوت الأبيض والفستق الذي يجمعه الأهالي في فصل الربيع بكميات كبيرة فيحملونه ويقشرونه ويأكلونه مثلما نفعل نحن بنبات الجنجل.. وفضلاً عن ذلك تكثر بساتين البرتقال والليمون والرمان والخوخ وغيرها غير أن ثمار التفاح والكمثرى تعد قليلة بالنسبة إلى الثمار الأخرى وتكون صغيرة الحجم وغير ملونة بالشكل المعروف منها في بلادنا.

ويعقب ذلك وجود كثرة من حاصلات الشمام والبطيخ والخيار وما شاكلها فضلاً عن وفرة أنواع الخضار. ولقد شاهدت ثلاثة أنواع من الباذنجان تختلف ألوانه بين الأسود والبني، والفاصوليا وغيرها من الخضار التي تباع بكثرة في الأسواق وتطبخ لتهيئة الطعام اليومي كما أنهم كثيراً ما يتناولون بعض هذه الخضروات وهي فجة أي دون طبخ.. وهناك نوع من اللوبياء أو الكستناء تطبخ أو تحمص ثم تنزع قشورها وهم يتناولونها عندما يجلسون في المقاهي، كما يقدمونها على مائدة الطعام بعد انتهاء الوجبات عوضاً عن الحلويات أو الفواكه من أمثال الزبيب والجوز وغيرهما”.

المعاملات التجارية

ويسترسل الرحالة راوولف في الحديث عن الحركة التجارية لمدينة حلب التي كانت تعد في ذلك الوقت مركزا تجارياً عالمياً إذ يقول: إن “المعاملات التجارية واسعة النطاق في هذه المدينة بشكل يدعو إلى الإعجاب ذلك لأن قوافل عديدة من البغال والحمير، بل وأكثرها من الإبل، تتدفق كل يوم على المدينة من كل الأقطار الأجنبية، من الأناضول وأرمينيا ومصر والهند وغيرها، وهي مثقلة بالأحمال. ولذلك ترى الشوارع مزدحمة بحيث يصعب مرور القافلة منها تلو الأخرى..

ولكل من هذه الأقطار أو الأمم خان خاص بها وهو يحمل عادة اسم الشخص الذي بناه من أمثال “خان العجمي” و”خان وزوادا” و”خان الأبرق” و”خان السبيل” و”خان محمد باشا” وغيرها من الخانات التي يستعملونها بمثابة فنادق، ينزلونها ويعيشون فيها ويعرضون فيها سلعهم للبيع حسب ما يشاؤون”.

ويردف قائلاً: “لذلك نجد بين بقية أفراد هذه الأمم جماعة من الفرنسيين والإيطاليين وغيرهم ممن لهم أبنيتهم الخاصة بهم والتي مرت الإشارة إليها قبلاً مما يسمونه بالفنادق. ويعيش البعض من هؤلاء سوية في هذه الفنادق بينما يسكن غيرهم، ولا سيما الإيطاليون المتزوجون، في بيوت أخرى غيرها”.

حيث يقيم عدة أنفار منهم في كل بيت من هذه البيوت ويعيشون في اقتصاد مثلما يفعل الأتراك ذلك.. ويستطيع المرء أن يعثر في هذه الخانات على جملة من أنواع السلع الغريبة. مثال ذلك أنك قد تجد في “خان العجمي” كل أنواع المنسوجات القطنية كالمناديل اليدوية وعصب الرأس والأحزمة التي يشدون بها أوساطهم والطرحات على رؤوسهم إضافة إلى أنواع أخرى من المنسوجات يسميها العرب موصلي نسبة إلى بلد “الموصل” الذي يجلبونها منه، ونسميها نحن الأوروبيين “موسلين”.

حجارة كريمة

يتحدث عن بيع الحجارة الكريمة وخصوصاً حجر اللازورد: الذي يقول عنه “إنه على أشكال مستطيلة ومدورة صقيلة وذات لون أخضر غامق. ويحصل الفرس على هذه الأحجار من نوع خاص من الصخور وهم يستعملون مسحوقه ضد المساحيق السامة والمميتة.. وهناك أنواع أخرى تشبه هذه الأحجار في الشكل والصورة لكنها ليست مثلها في الجودة ولذلك ينبغي على المرء أن يكون في منتهى الحذر كي لا يغش بها”.

ويضيف قائلاً: “يعرض الأهلون للبيع أقراطاً عديدة من اللآلئ الشرقية الغالية الثمن التي يعثر على القسم الأعظم منها في البحار العربية وعلى مقربة من جزيرة يسمونها البحرين لا تبعد في موقعها كثيراً عن المدينة التجارية العثمانية البصرة.. وهم يجلبون إلى هنا كثيراً من الأفاوية من أمثال “الدار صيني” والفلفل والهال وجوز الطيب وغيرها من الجذور الصينية التي يستعملها العرب بوفرة، وجذور ثمينة يسمونها “الراوند” بالإضافة إلى الأقداح والصحون الصينية أيضاً”.

يضاف إلى هذا أنهم يعرضون للبيع عدة أنواع من الأحجار الكريمة من أمثال العقيق والياقوت، والياقوت الأزرق والماس وكذلك أغلى أنواع المسك الذي يتألف من حبات صغيرة.. ويخفي التجار هذه الأحجار الثمينة في قوافل كبيرة ترد من الهند وهم يأتون بها سراً كي لا يدفعوا عنها الرسوم الجمركية. ذلك لأن الباشوات وأمراء الألوية وغيرهم لا يتورعون عن سلب هذه الجواهر من التجار إذا ما عثروا عليها في الطرق الخارجية”.

أسواق المدينة

يسترسل راوولف في الحديث عن أسواق حلب فيقول: “لدى الأهلين بورصة يسمونها السوق، وتقع في وسط المدينة، وهي أكبر من بورصة فرايبرغ في بافاريا تتوفر فيها عدة منعطفات يختص كل منعطف منها بطائفة من أصحاب الحرف والصناعات، من أمثال العطارين والبزازين وتجار السلع والأقمشة الصوفية الرفيعة وكل أنواع المنسوجات الحريرية والقطنية، ناهيك عن أصناف غالية من الفراء وعلى الأخص جلود الحيوانات البرية التي توجد وفرة كبيرة منها في هذه البلدان”.

ويوضح “في المدينة عدد من الجوهريين الذين يبيعون أنواعا متباينة من المجوهرات والأحجار الكريمة واللآلئ وما عداها. يضاف إلى هذا وجود أصناف أخرى من أصحاب الحرف كصانعي الأحذية والخياطين والنحاسين والحدادين وما عداهم ممن لهم حوانيت في السوق يمارسون فيها أعمالهم. ولكن الفئة الغالبة بينهم هم صاغة الفضة والذهب وصانعو الأقفال الذين لا يقل عددهم عن عدد أمثالهم في بلادنا”.

ويشير راوولف إلى وجود محترفات لصنع السهام فيقول: “إنهم يصنعون القسي والرماح ويحتفظون إلى جانب حوانيتهم بمحلات صغيرة تمارس فيها أعمال الرمي والتهديف يستطيع كل إنسان يمر بها أن يجرب حظه في التهديف أو أن يختبر سهمه قبل أن يشتريه.. وبعض هذه السهام بسيطة أحياناً لكن بعضاً منها يكون مكفتاً بالعاج وقرون العظام وغيرها مما يجعل أسعارها متباينة.. ويضع رماة النبال والسهام حلقة في الإبهام الأيمن ـ مثلما يفعل النجار عندنا ذلك إذ يضعون أختامهم في الإبهام الأيمن ـ حين يريدون إطلاق السهام. وتكون هذه الحلقات مصنوعة من الخشب أو القرون والفضة، ومرصعة بالأحجار الكريمة في بعض الأحايين”.

ويلفت نظر رحالتنا العدد الكبير من من “الحلاقين الجراحين” المنتشرين في أسواق المدينة، إذ يقول: “إذا لم يجد هؤلاء شخصاً يحلقون رأسه أخذوا يطوفون في الشوارع وهم يحملون معهم أدواتهم مع قطعة من الصابون معدة للعمل. فإذا عثروا على شخص يبغي الحلاقة لا يعودون به إلى حوانيتهم ليحلقوا رأسه بل يمارسون هذه العملية في الشارع أو في أي خان قريب منهم، وعندئذ يمسحون شعر رأسه بالصابون ثم يحلقونه كله ولا يبقون منه سوى خصلة طويلة تتدلى من وراء على ظهره”.

ويذكر ملاحظة مهمة عن عدم وجود عجلات أو مركبات في مدينة حلب فيقول: “يبدو أن هذه ليست مستعملة لديهم. كما أنني لم أعثر في هذه المدينة الكبيرة على صانع أسلحة يستطيع أن يصلح أي عطب يحدث في مغلق البندقية، على الرغم من وفرة التجارة التي يؤتى بها يومياً إلى هذه الأسواق، حيث تستطيع أن تجد فيها، وفي كل أوقات النهار، عدداً كبيراً من أبناء مختلف الأمم يطوفون فيها جيئة وذهاباً ويسببون الازدحام في هذه الأسواق حتى لكأنك في معرض من المعارض”.

سقاة السبيل.. ماء ومرايا

ويشير راوولف إلى ما يسميهم المحافظين على النظام ويوضح أنهم “سقاة يكونون عادة من الحجاج الذين حجوا إلى مكة. فهؤلاء السقاة يحملون ماء الشرب في أوعية جلدية ويتصدقون به على كل من يحتاج إليه بما في ذلك الأجانب.. وتجد الكثيرين من هؤلاء السقاة يتمسكون بعادات خاصة. فتراهم يتنقلون، بدافع من إيمانهم، طيلة النهار بين الناس يقدمون الماء للعطاش منهم بدافع من المحبة والإحسان ويحمل الواحد منهم في إحدى يديه قدحاً يصب فيه الماء من الأوعية الجلدية التي يحملونها ويضعون فيها عادة العقيق الأبيض وحجر اليشب وغيرهما.

كما يضعون في بعض الأحيان فواكه لذيذة كيما يظل الماء عذباً ومنعشاً وحين يناولونك شيئاً من هذا الماء لتشربه، يقدمون إليك مرآة لتنظر إلى نفسك فيها ولتتذكر بأنك هالك وأنك ميت لا محالة! وهم لا يطلبون إزاء هذه الخدمة أي شيء منك. أما إذا ما منحتهم شيئاً ما تقبلوه منك شاكرين، ورشوا على وجهك ولحيتك من ماء يحملونه في أقداح زجاجية مطوقة بسلاسل نحاسية، إظهاراً بهذا مدى شكرانهم لك”.

ويشير إلى أن الأتراك والعرب يرون أنه “من المودة والإحسان أن يضعوا أمام دورهم وعاء مليئاً بالماء العذب طيلة النهار بحيث يستطيع أي مار أو ظامئ أن يطفئ ظمأه من مائه، إذ يعلقون بهذا الحباب كؤوساً لتناول الماء بها فإذا ما أقبل أحد الناس إلى هذه الحباب وشاهده الآخرون، لحقوا به ورووا ظمأهم منها. ولذلك تجد في الغالب حشداً من الناس عند هذه الأوعية”.

ويضيف: “أما إن فكرت في تناول طعام أو شراب فإنك تجد عادة حانوتاً مفتوحاً لهذا الغرض تجلس فيه على الأرض أو على السجاد وتتناول ما تريده من طعام وشراب”.

القهوة

ويعد راوولف أقدم مصدر يتحدث عن المقاهي والقهوة في السلطنة العثمانية، إذ يقول “من بين الأشربة التي يتعاطونها في هذه البلاد، شراب حسن جداً يسمونه قهوة أسود اللون كالجير تماماً، وهو مفيد جداً للمرض ولا سيما أمراض المعدة.. والقوم يتناولون هذا الشراب في باكر الصباح وفي أماكن مفتوحة أمام كل الناس دون أدنى خوف أو اعتبار. وهم يصبونه في أقداح صينية وهو جد ساخن فيرفعون القدح إلى شفاهم لكنهم لا يتناولون منه سوى شفة واحدة بين آونة وأخرى.

وتدار عليهم هذه الأقداح حين يجلسون وهم يضعون في هذا الماء ثمرة يدعونها البن هي في حجمها وشكلها ولونها تشبه ثمرة التوت، ولها قشرتان رقيقتان تحيطان بها. وقد انبأوني عنها بأنهم يجلبونها من الهند. وحيث إن كل ثمرة من هذه تحوي حبتين صفراوين ذات قشرتين مميزتين لها، فإنها في شكلها وصفتها واسمها تتطابق مع الثمرة التي ذكرها ابن سينا باسم “بانشو” والرازي باسم “بانشا” ولذلك أعتبرها واحدة إلى أن أطلع على حقيقة أمرها من العارفين بها”.

ويضيف قائلاً: “هذا الشراب كثير الشيوع جداً لدى القوم، ويوجد عدد كبير ممن يتعاطون بيعه، مثلما يبيع الآخرون التوت في الأسواق. وهم يعدونه من المواد الغالية مثلما نعد نحن في بلادنا الخمر المصنوعة من الشجر أو التي يجري تحضيرها من أعشاب وعقاقير أخرى”.

ويلفت رحالتنا إلى عدم العناية بزراعة الكروم بسبب تحريم الخمور، ويشير إلى أن الأهلين يعصرون العنب بعدة وسائل، ويصنعون منه الزبيب، ويشير إلى أهالي مدينة عينتاب الذين يصنعون نوعين من الدبس أحدهما ثخين والثاني خفيف. ويقول إن النوع الأول أفضل من الثاني، مشيراً إلى أنهم يضعونه في براميل يبعثون بها إلى الأقطار الأوروبية.

أما النوع الثاني، ويقصد الدبس الخفيف، فيقول إنهم يمزجونه ويقدمونه بدلاً من الجلاب كذلك فإنهم يضعونه أحياناً في أقداح صغيرة يغمسون فيه خبزهم ويأكلونه مثلما يفعلون ذلك بالنسبة إلى العسل.

ويشير إلى وجود مرطبات حلوة أخرى يعدونها من ثمار التوت الأحمر الذي يجلبون كميات كبيرة منه من جبال لبنان. ويقول “لديهم شراب آخر يصنعونه من نقيع الشعير والحنطة وحين يتناوله الحلبيون يصبحون ذوي رقة ونشوة إذ إن فعله فيهم أشبه بفعل الجعة التي يتناولها شبابنا، فهم يغنون ويرقصون على أصوات المزامير والطبول والأبواق التي يعزف عليها موسيقيوهم كل صباح عند انتشار الحراس”.

ويؤكد رحالتنا أن “كل هذه المرطبات تباع بوفرة في أسواقهم الكبيرة حيث تجد السلال مليئة بالثلج والجليد طيلة أيام الصيف ولذلك تراهم يضعون قطعاً من هذا الثلج في المرطبات التي يبيعونها فتغدو باردة تصطك من شربها الأسنان”.

طعام الحلبيين

ومن الملاحظات اللافتة للنظر حديث الرحالة الهولندي عن أنواع الخبز العديدة في حلب، حيث يقول: “الخبز الذي يتناولونه هنا جيد ومغذ وأبيض اللون، مما لا يوجد مثيل له في كل أنحاء السلطنة، ولذلك فهم يصنعون عدة أشكال من هذا الخبز يمزجون في البعض منه صفار البيض، بينما يمزجون في البعض الآخر عدة حبوب كالسمسم والكزبرة والزعفران وغيرها”.

وحول اللحوم يقول إنها “رخيصة ومن نوع جيد وذلك نتيجة للأعشاب الثمينة التي تنمو في بلادهم التي تمتد إلى أقصى ناحية في الشرق، إذ إنهم يجلبون من هناك قطعانا كثيرة من المواشي كالخراف والنعاج ذوات الإليات السمينة التي تزن الواحدة منها عدة أرطال..

ولديهم إلى جانب ذلك عدد وفير من الماعز التي يسوقونها بإعداد كبيرة كل يوم عبر المدينة ويبيعون ألبانها الدافئة في عرض الشارع.. ومن هذه الماعز نوع صغير الحجم ذو آذان طويلة يبلغ طول الأذن الواحدة زهاء قدمين وإذا ما تحركت عاقتها أذناها عن الحركة”.

ويضيف: “لا يعوز الأهلين أي من الحيوانات الأخرى. ويذبح الجزارون هذه الحيوانات خارج المدينة في مجازر خاصة ولذلك تكثر الكلاب عند هذه المجازر، ويجلب القوم أعداداً كبيرة من صغارها يربونها فتكون مفترسة يطلقونها أثناء الليل للصيد، كما قيل لي ذلك، وهي تشبه الذئاب في بلادنا”.

ويلفت راوولف النظر إلى أن الحلبيين “لا يقتلون الكلاب بل إنهم على العكس من ذلك يحملون صغارها ويطعمونها ويربونها، ويعتقدون أنهم بهذا العمل يقدمون حسنة مقبولة لدى الله العظيم مثل غيرهم من الطوائف الأخرى التي تعيش في الهند وتعرف باسم البانيان التي تعنى بتربية الطيور مثل القطط والكلاب على حد سواء”.

وحول طعام المسافرين يقول: “نظراً لعدم وجود منازل للمسافرين على الطرق الخارجية فإن كل مسافر يحمل معه أمتعته وزاده. ولذلك نجد عدداً كبيراً من مختلف المخابز في الأسواق وكل أنواع المأكولات النظيفة من أمثال لحوم الأغنام والدجاج، وأنواع الحساء والمرق وغيرها، يستطيع المرء أن يشتري منها ما يشاء تبعاً لطاقته المالية.. والطعام الشائع جداً هنا هو الرز وهم يطبخونه إلى أن ينضج ويغدو ليناً، وهناك أنواع من الأطعمة الجاهزة تراها في قدور من النحاس لدى أصحاب هذه الحوانيت.. وهناك نوع شائع جداً بينهم يصنعونه من الحنطة والشعير ويطبخونه، ويتم جرشه بالمجرشة، مع الحليب أو بدونه، في وعاء سميك وقد دعاه كل من ابن سينا والرازي باسم سويق”.

ويقول إن الأهالي يحتفظون بكميات مخزونة وفيرة من هذه المادة، أي السويق، وعلى الأخص زمن الحرب وهم يجلبونه إلى بلادهم بطريق البر والبحر معاً. ومتى احتاجوا إلى الطعام صنعوا منه بديلاً عن الخبز.

وحول الطيور يقول: “في هذه البلاد أصناف عديدة من الطيور منها الدجاج والبط والدراج والحجل والجهلول وغيرها. غير أن الأسماك قليلة عندهم إذ لا توجد لديهم سوى نهيرات صغيرة تكون مليئة بالسلاحف، ولذلك فإن الأسماك جداً نادرة في مدينة حلب.

ويلفت النظر إلى أن الحلبيين “لا يحبون أكل الأسماك لأنهم يتناولون بسببه كميات كبيرة من الماء، ولذلك فإن القليل من هذه الأسماك يتم الإتيان به إلى هنا من الأماكن الخارجية من أمثال انطاكية ونهر الفرات”.

وحول الخضار يقول إن الأهالي يعرضون للبيع كل الأصناف كاللفت والجزر والفاصوليا وما شاكلها، إلى جانب الثمار المجففة كالزبيب واللوز والبندق والفستق والجوز وغيرها:. ويقول إن “أهل هذه البلاد الشرقية يتناولون طعامهم على الأرض. فحين يأزف وقت الطعام تفرش الأرض بقطع من الجلد تمد فوقها الأبسطة والمطارح ثم يجلسون عليها وسيقانهم متقاطعة.

وقبل أن يمدوا أيديهم لتناول الطعام يشكرون الله ثم يأكلون ويشربون بسرعة متناهية، ويخفي كل واحد منهم ما يجول في ذهنه، ولا يتحدثون عن الطعام إلا قليلاً. ويضع الأغنياء ملايات من القطن والكتان حول أعناقهم تتدلى إلى تحت أو يعلقونها في أحزمتهم بدلاً من المناديل”.

المصدر: العربي الجديد – تيسير خلف