أخبار عاجلة
الرئيسية » منوعات » جدلٌ حول متحف “آيا صوفيا”… دلالات دينية وسياسية

جدلٌ حول متحف “آيا صوفيا”… دلالات دينية وسياسية

تصاعد الجدل، أخيراً حول الصرح الديني التركي الشهير “آيا صوفيا”، الواقع في قلب مدينة إسطنبول، والذي مثّل أضخم كنيسة للمسيحيين الأرثوذكس طوال تسعة قرون من الزمن، قبل أن يصبح أحد أبرز المساجد في المدينة، طيلة خمسة قرون أخرى، ليتمّ تحويله بعدها إلى متحف فني عام 1935.

وما أعاد هذا الجدل هو حديث الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أخيراً، في مقابلة متلفزة بثتها قناة “تي آر تي” التركية، إذ قال إن تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد بات مطلباً يتطلع إليه شعبه، و”الجميع مشتاق منذ سنوات ليراه مسجداً”.

ولم يكتف أردوغان بذلك، بل أوضح أن “آيا صوفيا” اكتسبت صفة المتحف حديثاً، وليس منذ زمن بعيد جداً. وأكد ضرورة إعادة الهوية الأصلية لها أولاً من خلال تحويلها إلى مسجد. قال: “”آيا صوفيا لن تُسمّى متحفًا. سيتمّ تجريدها من هذا الوضع. سوف نسمّي آيا صوفيا مسجدًا”. وأضاف أنّ “الذين سيأتون إلى آيا صوفيا سيزورون مسجد آيا صوفيا”.

(فاليري شَريفولين/تاسّ)

ولم تتوقف وسائل الإعلام الغربية ومعها أحاديث الناشطين الأتراك على مواقع التواصل الاجتماعي، طيلة الأسابيع الماضية، عن التعليق على الموضوع. إذ تزامن ذلك مع تعهّد أردوغان بدراسة الأمر، فور الانتهاء من الانتخابات المحلية التي جرت نهاية مارس/آذار الماضي. وسبقها كذلك، استهداف مسجدين للمسلمين في نيوزيلندا. وقد لا يدرك الكثيرون حجم الخلاف الكبير بين المسلمين والمسيحيين، والذي غالباً ما يدور بينهم، ولو بشكل خفي، حول هذه القضية منذ سنوات طويلة. الأمر الذي يدفع بدول أوروبية وغربية بين الفترة والأخرى، إلى تحذير الحكومة التركية من تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد مجدداً.

وترجع قصة الكنسية الرسمية “آيا صوفيا” للدولة المسيحية البيزنطية، وجوهرة عاصمتها القسطنطينية إلى عام 532 عندما بدأ الإمبراطور البيزنطي جوستينيان الأول في بناء الكنيسة، والتي استغرق تشييدها أكثر من خمس سنوات، لتصبح أبرز صرح ديني في العالم المسيحي، خلال تسعة قرون لاحقة. إذ كانت تعتبر عنواناً لقوة الدولة الرومانية الشرقية.

(نيكولاس إيكونومو/نورفوتو)

وبقيت “آيا صوفيا” على ذلك الحال، حتى فتح السلطان العثماني محمد الفاتح المدينة عام 1453، وقام بتغيير اسمها إلى “إسطنبول”، ودخل هذه الكنيسة، وقام بالصلاة فيها، في أول جمعة بعد الفتح، وجعلها مسجداً كبيراً يرمز إلى قوة الدولة العثمانية وسيطرتها.

وبعد ذلك الوقت، بقيت “آيا صوفيا” مسجداً إسلامياً يحظى برمزية كبيرة لدى الأتراك، إلا أن مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، منع إقامة الشعائر الدينية فيها عام 1931، وتم تحويل المكان من مسجد، في 1935، إلى متحف فني يضم كنوزاً أثرية إسلامية ومسيحية.

وشهد العام 2015 عودة أول نشاط ديني إلى المتحف، إذ في شهر أبريل/نيسان عام 2015 شهد المكان تلاوة آيات من القرآن خلال تدشين معرض يحمل عنوان “العشق النبوي”، وشارك فيه مسؤولون أتراك. وتولى إمام مسجد أحمد حمدي أكسكي في أنقرة علي تل تلاوة الآيات القرآنية للمرة الأولى منذ 85 عاماً.

(نيكولاس إيكونومو/نورفوتو)

واستطاعت “آيا صوفيا” أن تتربع على صدارة المتاحف التركية التي تجذب ملايين السياح الذين يصطفون في طوابير طويلة يومياً أمام بوابتها من أجل دخولها. ولكن يبقى بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس السادس، من أهم الشخصيات التي زارها في عام 1967 عندما أثار مفاجأة، وصلى في المكان خلال زيارته.

(ديفيد ليس/كوربس)

وتعكس “آيا صوفيا” تنوّع الإرث الحضاري لمدينة إسطنبول، باعتبارها معلماً أثرياً عالمياً. وقد أدرجتها منظمة “اليونيسكو” الأممية عام 1985 ضمن قائمتها لمواقع التراث العالمية.

كما تمثل في الوقت ذاته رمزاً ثقافياً له وزن خاص لدى المسيحيين في كل أصقاع العالم، إذ تعد مقصداً سياحياً دينياً للملايين منهم، وذلك لما تتمتع به من دلالة دينية وعاطفية، خاصة لليونانيين الذين يعتبرونها رمز ذكرى قوية لفترة تاريخية تجسد آمالهم في مستقبل أفضل.

المصدر: العربي الجديد – إسطنبول ــ محمد عبد الملك