أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » عمر كوش : ماذا تنتظر موسكو من صفقة الرفات ؟

عمر كوش : ماذا تنتظر موسكو من صفقة الرفات ؟

بعد إعلان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في اجتماعه أخيرا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في موسكو، أن وحدات عسكرية روسية خاصة، بالتعاون مع جهات عسكرية في نظام الأسد، عثرت على رفات الجندي الإسرائيلي، زخاريا باوميل، المفقود منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، فإن أسئلة عديدة تُطرح بشأن المقابل الذي ينتظره بوتين من الصفقة التي أبرمها مع نتنياهو، بالتفاهم أو بالاشتراك مع أطراف دولية أخرى. وتطاول تلك الأسئلة توقيت الإعلان عن استلام إسرائيل رفات أحد جنودها الثلاثة الذين كان يُعتقد أنهم أُسروا أحياء، خلال معركة السلطان يعقوب في منطقة البقاع الغربي، المحاذية للحدود اللبنانية مع سورية.
.
وليست مصادفةً أن يكشف بوتين بعض خيوط عملية كشف الرفات وتسليمه لإسرائيل، لأنه أراد تقديم خدمة كبيرة لصديقه نتنياهو، قبيل أيام من الانتخابات الإسرائيلية. ويوضح تسريب بعض التفاصيل أن بوتين أشرف شخصياً على العملية منذ أكثر من عامين، إذ قامت القوات الخاصة الروسية بعمليات بحث شاقة، بالاشتراك مع جهات في النظام الأسدي، حتى توصلت إلى تحديد مكان وجود رفات الجندي في مقبرة في مخيم اليرموك جنوب دمشق، ثم جرت عملية نقل الرفات من سورية إلى روسيا، وثم إلى إسرائيل، الأمر الذي يذكّر بخيوط عملية إعادة دبابة إسرائيلية استولى الجيش السوري عليها، خلال معركة السلطان يعقوب نفسها، وجلبها نتنياهو معه في يونيو/ حزيران 2016، عند عودته من موسكو.
ويعرّي كشف بوتين بعض تفاصيل عملية العثور على رفات الجندي وتسليمه لإسرائيل كذب نظام الأسد الذي حاول الإيحاء بأن “جماعات إرهابية” هي من وجدت الرفات في إحدى المقابر، لأن بوتين أعلن بشكل لا لبس فيه أن العملية قام بها “أفراد من الجيش الروسي بالتنسيق مع السوريين”، فيما كان نظام الأسد يحاول أن يخفي دوره في الصفقة التي تمتّ بين الطرفين، الروسي والإسرائيلي، وعن المقابل الذي طلبه لقاء تعاونه مع روسيا في العملية، خصوصا وأن تسليم رفات الجندي جرى من دون الإفراج عن أسرى سوريين أو عن رفاتهم، مثلما جرت العادة في عمليات الإفراج المتبادل السابقة، ما يعني أن هناك ثمناً سياسياً، يُنتظر أن يُدفع مقابل العثور على رفات باوميل وتسليمه إلى إسرئيل، وهذا الثمن السياسي ينتظره نظاما بوتين والأسد.
.
وجاءت عملية باوميل بعد أقل من مرور أسبوعين على قرار ترامب الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، حيث أبى فلاديمير بوتين إلا أن يظهر للعالم أن ترامب ليس هو الصديق والداعم الوحيد لنتنياهو ودولة الاحتلال الصهيوني، بل هو أيضاً ونظامه أصدقاء لنتنياهو، وأوفياء لهذه الدولة، ومعهما نظام الأسد أيضا، الأمر الذي يكشف تاريخاً من تبادل الخدمات وبناء التفاهمات والصفقات بين كل من النظامين، البوتيني والأسدي، مع نتنياهو والكيان الإسرائيلي، حيث تبادل بشار الأسد ونتنياهو الخدمات والمواقف المساندة، ولعل أبرزها استماتة نتنياهو وتدخله لدى الأميركيين والروس من أجل ضرب الثورة السورية، وإقناعهم بضرورة مساندة نظام الأسد، وتأمين بقائه في السلطة، بوصفه أحرص الأنظمة على أمن إسرائيل، فضلاً عن أن دولة الاحتلال كانت مرتاحة جداً لأن النظام السوري، بنسختيه، الأب حافظ والابن بشار، ظل على الدوام يعتبر هضبة الجولان المحتلة مسألة مقايضة، ساوم عليها مع مختلف الوسطاء، الأميركيين والأوروبيين والمصريين والأتراك وسواهم، إلى أن سحب جنوده في بعض مناطقها، من أجل شن حرب على الثورة السورية وحاضنتها

الاجتماعية، بمباركة إسرائيلية ومشاركة روسية وإيرانية، فيما لا يزال السوريون يتذكّرون البيان المشؤوم رقم 66، الذي أصدره وزير الدفاع السوري في أثناء حرب حزيران 1967، حافظ الأسد، وأعلن فيه سقوط مدينة القنيطرة، عاصمة هضبة الجولان، قبل أن يصل إليها أي جندي إسرائيلي. وكان الأمر برمته جزءاً من صفقة، سلّم بموجبها النظام الأسدي الجولان مقابل بقائه في السلطة، وهو مبدأ وسم كل الصفقات التي عقدها النظام الأسدي من دولة الاحتلال الإسرائيلي. ولذلك تعامل الساسة الإسرائيليون خلال أكثر من خمسين سنة خلت، وفق مبدأ ينص على أن بقاء نظام الأسد ضمانة لأمن إسرائيل، وهو ما يفسر الموقف الذي نطق به رامي مخلوف، جابي أموال النظام ومدير شؤون ثروته، في الأيام الأولى للثورة، وربط فيه أمن إسرائيل بأمن سورية.
ويبدو أن صفقة رفات الجندي الإسرائيلي التي عقدها فلاديمر بوتين مع نتنياهو، بالاشتراك والتنسيق من نظام الأسد (وإدارة ترامب على الأرجح)، تتضمن، مثل سابقاتها، مبدأ الحفاظ على نظام الأسد مع إجراء خطوات تجميلية وتأهيلية له، ولعل نتنياهو هو الوسيط المرشح، كي يلعب دوره لدى أركان الإدارة الأميركية والأوروبيين، كي يثنيهم على إصرارهم بضرورة دخول النظام في الحل السياسي وتطبيق قرار مجلس الأمن 2254، حينها ستشعر موسكو بأنها حققت ما تريد في سورية، ضماناً لمصالحها، وبما يرضي غطرسة بوتين.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع