أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » تحديث الفكر العربي : د. محمد أحمد الزعبي

تحديث الفكر العربي : د. محمد أحمد الزعبي

تحديث الفكر العربي – مدخل منهجي

د. محمد أحمد الزعبي

 

1. تتفق غالبية الأدبيات المتعلقة بالفكر العربي الحديث، علي اعتبار أن مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولي تمثل مرحلة اليقظة/ النهضة / البعث / عصر التنوير العربي، وان كانت تختلف علي بداية هذه الحقبة التاريخية ، حيث يؤرخها فاروق ابوزيد ب 1828 الذي هو تاريخ نشأة الصحافة العربية، ويؤرخها حليم بركات ب 1798 وهو تاريخ الثورة الفرنسية ويطلق عليها تسمية المرحلة التأسيسية، ويؤرخها البعض بظهور الوهابية علي يد محمد بن عبد الوهاب(1703 1792) وشقيقتيها السنوسية والمهدية، ويؤرخها البعض بتأسيس الجامعة الاسلامية علي يد جمال الدين الأفغاني (1838 1897 )، ويبدؤها العديدون بدخول نابليون الي مصر 1803، ويقرنها آخرون بظهور محمد علي باشا في مصرالخ

2. يمكن اجمال الملامح الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات العربية في ظل المرحلة العثمانية، والتي مثلت الخلفية التاريخية الموضوعية لظهور عصر التنوير العربي في القرن التاسع عشر بالآتي :
+ سيادة العلاقات الاقطاعية علي مستوي البناءين التحتي والفوقي،
+ هيمنة القطاع الزراعي في ثوبه المتخلف على الحياة الاقتصادية والاجتماعية (85,80%).
+ لم تكن القطاعات الاقتصادية الحديثة (تجارة، صناعة / ال 15% الباقية) بيد العرب المسلمين، بل ولا حتي العثمانيين المسلمين، وانما كانت بيد الأقليات القومية والأوروبية (أوربيون، يونانيون، أرمن، يهود…)،
+ تعايش علاقات الإنتاج الرأسمالية الأوروبية الوافدة ، مع علاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية (القطاع القديم مع القطاع الحديث)،
+ أدت هذه الازدواجية إلي خراب الاقتصاد الفلاحي والحرفي، حيث ترك الفلاحون أراضيهم هربا من الضرائب التي زاد عددها علي المائة نوع (فمن أصل 3200 قرية في إيالة حلب، لم يبق سوي 400 قرية في نهاية القرن الثامن عشر).
وفي القاهرة كان من بين 100 ألف رجل يمثلون قوة العمل في نهاية القرن 18، 25 ألفا يعملون كحرفيين، و15 ألفا كعمال زراعيين وصناعيين وخدميين(40 بالمئة من قوة العمل)، بينما كان الباقون (60 بالمئة من قوة العمل ) يعملون في أعمال غير منتجة (عساكر، أصحاب عقارات، رجال دين، تجار، خدم ).
+ كانت القوي المنتجة بعناصرها المختلفة علي غاية من التدني والتخلف.
+ كانت أصناف الملكية السائدة هي:
> أملاك الدولة (الميري) وكان السلطان العثماني نفسه يعتبر المالك الحقيقي لها,ودائما ماكان يقطعها ويلزمها لأصحابه وأزلامه وأتباعه.
> الأراضي الوقفية (الرزق/ الحبوسات) وكانت تخضع عمليا لكبار رجال الدين الوثيقي الصلة بالسلطة وبالاقطاع.
> الملكية الفردية الخاصة الصغيرة ، والتي كانت تتلاشي تدريجيا لصالح الصنفين الآخرين.
3. لقد انعكس هذا الواقع الاجتماعي الاقتصادي علي الحياة الفكرية العربية كالتالي علي حد وصف نقولا زيادة :
أتي علي العرب حين من الدهر، أخذته فيه سنة من النوم، فانقطعت فاعليته، وانعدم نشاطه، وانكفأ علي نفسه، وقبع في جحره، واكتفي بقوقعته. بدأت هذه الفترة في القرن 14، أو حتي قبل ذلك في بعض الأماكن، واستمرت حتى مختتم القرن الثامن عشر أو مفتتح القرن التاسع عشر، وأصبحت مراكز العلم ،÷ من مدرسة سيدي يوسف في مراكش ، إلى القرويين في فاس ، والزيتونة في تونس ، والأزهر في القاهرة ، وغيرها ، تكتفي بأن تحتفظ بجذوة تحت الرماد ، لكن لالهيب لها يحرق ، ولا وهج يلفح ، واكتفى المشتغلون بالعلم ، بأن يقرؤوا علوم الدين واللغة ، وكأني بالمشتفلين بالأدب والعلم والدين ، شعروا بقلة البضاعة ، فحاوا تجويد الصناعة ” ( قارن ن الفكر العربي في مائة سنة ، إشراف فؤاد صروف ، بيروت 1967 ص 1 ) . أما بطرس البستاني فيتساءل متعجبا! :
أين الشعراء، أين الأطباء، أين لخطباء، أين المدارس، أين المكاتب، أين الفلاسفة، أين المهندسون، أين المؤرخون، أين الفلكيون، أين كتب الفنون، أين العلماء المحققون، والأدباء المدققون ؟ “.( نفس المرجع السابق ص 85 ) .
ولقد زاد طين هذه المآسي المادّية والفكرية بلّة، سياسة التتريك، التي شرعت تتبعها حكومة الإتحاد والترقي الأتاتوركية ، ضاربة عرض الحائط، بالعلاقة الحميمة والخاصة بين العرب والاسلام ، وبأنه لا بد أن تكون لغة الدولة الاسلامية الرسمية هي العربية ، أوأن تكون الشعائر الإسلامية الأساسية ، ولا سيماالأذان ، باللغة العربية.
4. وبينما العرب علي هذه الحال من القهر والتخلف، وصلت أفكار الثورة الفرنسية (الحرية، الاخاء، المساواة) وغيرها من أفكار ومظاهر الحداثة إلى الوطن العربي ، وذلك عبر منافذ متعددة أبرزها مصر ولبنان، وذلك من خلال :
+ حملة نابليون علي مصر (1798 1799)، حيث أحضر معه أول مطبعة باللغة العربية (مطبعة بولاق) بالاضافة إلى بعثة من العلماء الفرنسيين قامت بدراسة الجوانب المختلفة للواقع الاجتماعي والاقتصادي والآثاري المصري ، وإلى البعثات العلمية التي أرسلها محمد علي باشا الي أوروبا، ولا سيما رفاعة الطهطاوي (1801 1873) الذي تعلم في الأزهر، وأتم تكوينه الثقافي علي يد كبار المستشرقين، وقام بتعريب الكثير من الكتب العلمية الفرنسية، وحرر جريدة الوقائع المصرية ، ونشر كتابيه : تخليص الابريز في تلخيص باريز ، و الديوان النفيس بايوان باريز .
+ التعليم والرحلات والصحافة والجمعيات والبعثات والطباعة والترجمةالخ أدى تضافر وتداخل الجانبين. السلبي (غرس الاستبداد الرأسمالي الغربي فوق الاستبداد الاقطاعي التركي)، والايجابي (أفكار حركة التنوير الأوروبية في الحرية والاخاء والمساواة والليبرالية والديمقراطية) إلى يقظة الأمة العربية ودخولها حلبة الحداثة ا.
وحسب محمد عزّة دروزة (نشأة الحركة العربية الحديثة، بيروت 1971 ) فان أبرز مظاهر اليقظة العربية في مرحلتها المبكرة ( قبل الحرب العالمية الأولي) قد تجلي ب :
+ الحركة الاستقلالية عن الدولة العثمانية في كل من مصر وفلسطين ( محمد علي باشا ، ظاهر العمر ) ،
+ ثورة كتلة من زعماء مصر وقادتهم ضد الاحتلال الفرنسي لمصر،
+ الحركة الاستقلالية التي حمل لواءها الزيديون في اليمن لاجلاء العثمانيين ،
+ الحركات الدينية الاصلاحية العرب اسلامية (الوهابية، السنوسية، المهدية) ،
+ ثورة الضباط المصريين بقيادة أحمد عرابي ضد الخديوي توفيق 1882،
+ النهضة الأدبية والعلمية (انتشار المدارس المختلفة : ابتدائية، اعدادية، عالية).
+ الجمعيات الأدبية والدينية والسياسية (العلنية منها والسرية) في بعض الأقطار العربية ، والتي من أبرزها :
العلنية : رابطة الوطن العربي (1904) ، جمعية الاخاء العربي العثماني (1908)، المنتدي الأدبي (1909)، حزب اللامركزية (1912)، المؤتمر العربي في باريز (1913)،
السرية : الجمعية القحطانية(1909)، الجمعية الثورية العربية، حزب العهد، جمعية العلم الأخضر، جمعية العلم (بكسر العين)، جمعية العربية الفتاة (1911) ، جمعية النهضة اللبنانية.( أنظر، الحركة العربية السرية ، شفيق جحا ،الفرات للنشروالتوزيع ، 2004 ) .
+اتساع نطاق الطباعة، وبالتالي الثقافة. ويبدو أنه قد فات الأستاذ دروزة أن يشير الي التمردات الفلاحية التي قامت ضد الاقطاعيين والملتزمين الأتراك وأالعرب في بعض الأقطار العربية، مثل العاميّات الشعبية في لبنان، والتي يأتي في طليعتها عاميات: طنوس شاهين، وأنطلياس، وعامية لحفد.
يصف ويقسّم حليم بركات الأستاذ في جامعة جورج الأمريكية ، فكرالمرحلة التأسيسية لليقضة العربية (1798- 1914) كالتالي
:
أ. التيار الديني، الذي انطلق في القرن ال 19 من مقولة تقوية الخلافة الاسلامية في وجه الغزو الأوروبي المسيحي. وقد ضم هذا التيار جماعتين متنافستين هما : جماعة تقليدية ارتبطت بالخلافة العثمانية وحاربت كل دعوة للاصلاح، وهي الجماعة التي ارتبطت باسم أبو الهدي الصيادي( ت 1900) الذي كان مستشارا للسلطان عبد الحميد، والذي شارك في اضطهاد الأفغاني وعبده والكواكبي.
الجماعة السلفية الاصلاحية، التي اهتمت بإحياء الدين الاسلامي والعودة به الي نقاوته الأولي، والتي انتقدت المؤسسة الدينية الرسمية، وعارضت السلطة في كثير من الأحيان. أبرز ممثلي هذه الجماعة السلفية : جمال الدين الأفغاني ( 1839 -1898 الذي حاول أن يزاوج بين الأخذ ببعض منجزات الحضارة الأوربية (الحكم الدستوري، العقلانية..). وبين الدين الاسلامي، علي أن يظل الولاء الديني هو الولاء الأساسي، الذي ينبغي أن تقوم علي أساسه الجماعات البشرية، وهو ما جعله يدعو الي الجامعة الاسلامية. ويعتبر كل من الشيخ محمد عبده (1849 1905) ومحمد رشيد رضا (1865 1935) من تلاميذ وأتباع الأفغاني.
تقوم آراء الأفغاني في التجديد الديني، علي أن السبب الأول في تدهور الحضارة الاسلامية هو اهمال ماكان سببا في النهوض.. ألا وهو ترك حكمة الدين، والعمل بها، وهي التي جمعت الأهواء المختلفة، والكلمة المتفرقة، وكانت، تقوم على تحرير العقل من الخرافات والأوهام وتحرير الفكر الديني من قيود التقليد، وفتح باب الاجتهاد. فقد ذكر في مجلسه مرة قولا للقاضي عياض تعصب له بعضهم فقال الأفغاني : ياسبحان الله، ان القاضي قال ما قاله علي قدر ما وسعه عقله، وتناوله فهمه، وناسب زمانه، فهل لا يحق لغيره أن يقول ما هو أقرب للحق.. وهل يجب الجمود والوقوف عند أقوال أناس هم أنفسهم لم يقفوا عند حد من تقدمهم، فقد أطلقوا لعقولهم سراطها، فاستنبطوا وقالوا وأدلوا دلوهم في الدلاء في ذلك البحر المحيط من العلم، وأتوا بما يناسب زمانهم ويتقارب مع عقولهم . وحول مسألة الاجتهاد يقول الأفغاني ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وبأي نص سد باب الاجتهاد ؟ أو أي إمام قال أنه لاينبغي لأحد من المسلمين بعدي أن يجتهد ليتفقه بالدين، أو أن يهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث أو أن يجد ويجتهد لتوسيع مفهومه منهما، والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجات الزمان وأحكامه ( (أنظر: علي المحافظة، الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة 1798 1914، بيروت 1983, ص74).
ب.التيار الليبرالي، في سورية ومصر خاصة، حيث شدد هذا التيار علي الهوية القومية كبديل للخلافة أو الجامعة الاسلامية، وعلي العلمانية كبديل للسلطة الدينية، وعلي العقلانية كبديل للايمانية المطلقة، وعلي التحرر الاجتماعي (وخاصة تحرر المرأة) كبديل للنزوع التقليدي، وعلي التطلع نحو المستقبل كبديل للتطلع نحو الماضي، وعلي الوعي القومي كبديل للوعي الطائفي والقبلي والمحلي، كما ونادي بأفكار الاندماج الاجتماعي، وضرورة احياء اللغة العربية والاقبال علي التعليم الحديث. أما أبرز ممثلي هذا التيار فهم: بطرس البستاني وابراهيم اليازجي، ويعقوب صروف و جرجي زيدان وقاسم أمين، وصدقي الزهاوي ومحمد كرد علي ورفيق العظم و شكيب أرسلان وأحمد لطفي
السيد وولي الدين يكن ومعروف الرصافي.
ج. التيار التقدمي الثوري، الذي التقي مع التيار الليبرالي في أفكار القومية والعلمانية والعقلانية والتحرر الاجتماعي، ولكنه زاد عليه في أنه كان أكثر راديكالية، وأنه كان علي تماس مع قيم ومبادئ الاشتراكية ( العلمية والوطنية). أبرز أعلام هذا التيار: عبد الرحمن الكواكبي شبلي شميل وفرح أنطون وسلامة موسي الذي يمكن اعتباره مخضرما بسبب معايشته كلا من مرحلة النشأة والمرحلة التالية لها مرحلة ما بين الحربين.
ويتبين من استعراض الأطروحات الأساسية عند كل من هذه التيارات الثلاثة السابقة ،( أ ، ب ، ج ) أن اعطاء العقل، وبالتالي الاجتهاد دوره في مسائل الدين والدنيا، وضرورة أن يعتمد تقدم الأمة علي جناحي البرهان والعرف، كانت تمثل القاسم المشترك لهذه التيارات، قبل أن تختلف بهذه الدرجة أو تلك ، وبهذه الصورة أو تلك ، علي المسائل الأخرى .
حدثت بعد الحرب العالمية الأولي وبسببها جملة من التغيرات والأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية علي المستويين العالمي والعربي، ترتبت عليها جملة من النتائج السلبية، التي ما زلنا نحصد ثمارها المرّة، حتي هذه اللحظة. أبرز هذه الأحداث والتغيرات :
+ انتقال الوطن العربي من تحت نير جمال باشا المهترئ ، الي تحت نير الاستعمار الرأسمالي الأوروبي الفتي والقوي.
+ تجزئة الوطن العربي الي كيانات هجينة مفتعلة، وتحويلها الي مسنعمرات وظيفية، وتقاسمها بين الدول الاستعمارية المنتصرة في هذه الحرب، الأمر الذي حل معه الولاء القطري محل الولاء القومي بالنسبة للأمة العربية ( سايكس -[بيكو ) . + اعطاء بلفور وعده المشؤوم المتعلق باعطاء فلسطين وطناقومياً للصهيونية العالمية ، الأمرالذي ترتب عليه بداية انتداب بريطانيا العظمي على فلسطين ، ولاحقا طرد الشعب الفلسطيني من وطنه وقيام الكيان الصهيوني ( إسرائيل ). 5.مارس الإستعمار الأوروبي الجديد للوطن العربي ( بعد الحرب العالمية الأولى خاصة ) سياسة التطويع والتخليف ، ولا سيما : + المحافظة على علاقات الإنتاج الإقطاعية ، بعد تهجينها ببعض علاقات الإنتاج الرأسمالية .
+ محاصرة الصناعات الوطنية التقليدية وطردها من السوق لصالح الصناعات الرأسمالية الوافدة .
+ تشويه الاقتصاد الزراعي الوطني وتحويله إلى اقتصاد موجه، وحيد الجانب والاتجاه بما يخدم مصلحة الصناعة الغربية.
+ المحافظة علي الانقسام العمودي في المجتمع العربي (القبلية، الطائفية، الانقسام الديني، الانقسام القومي ) وتوظيفه في سياسة فرق تسد الإ^ستعمارية المعروفة ،
+ نشر وتعميق الفكر الاقليمي في الوطن العربي (الفرعونية، القومية السورية، الآمازيغية) علي حساب القومية العربية.
+ محاولة تفكيك العروة الوثقي بين العروبة والاسلام، بواسطة تشجيع كل من التطرف القومي والتطرف الديني.
ومع ذلك، فقد شهدت مرحلة ما بين الحربين عددا من التطورات الايجابية، علي الصعيد العربي، كان أبرزها:
+ اغتناء الوعي السياسي القومي بالمضمون الاجتماعي، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية.
+ الانتشار النسبي للفكر العلمي علي حساب الفكر الغيبي الميتافيزيقي والخرافي.
+ تنامي عدد المثقفين، ولا سيما،الطلبة والعسكر والموظفين.
+ ظهور العمال كقوة أساسية ذات أفق طبقي.
+ ظهور الانقسام الأفقي (الطبقي أساسا ) في المجتمع، علي حساب / الي جانب الانقسام العمودي.
+ تراجع الاقتصاد الطبيعي (الزراعي أساسا ) جزئيا لصالح أنماط الانتاج الحديثة (الاقتصاد الصناعي والخدمي).
+ نمو القطاع الحضري، وظهور عدد من الصناعات المتوسطة والخفيفة، وتطور الخدمات الصحية وما ترتب عليها من الانفجار السكاني ، والتورم المديني .
6. عندما استيقظ العقل العربي / الانسان العربي علي وهج الحضارة الغربية،التي شرعت تلف العالم والعالمين في القرن التاسع عشر الميلادي، وجد نفسه في وضع معقد وصعب ومتشاكل . إنه مسحوق مرّتين، مرة أمام المدفع، ومرة أمام المصنع، متخلف لأنه مسحوق ومسحوق لأنه متخلف، وأيا كان الوضع والسبب، فانه بحلول القرن العشرين بات مدعوا إلى مغادرة ذلك الكهف الذي دامت اقامته فيه قرابة الخمسين عقدا من السنين. وقد كان السؤال المطروح علي هذا العقل ولا سيما ونحن أمام المستجدات العالمية التي بدأت مع انتهاء الحرب العالمية الأولي : من أين؟، والي أين؟، وكيف؟
وفي محاولة المثقفين المعنيين العرب الاجابة علي هذه التساؤلات الاشكالية، وبالاستناد الي جملة من المعطيات الموضوعية والذاتية، علي المستويين القومي والدولي :
>لاذ البعض بالماضي المجيد للأمة، كمهرب من حاضرها نهاية القرن 19 ومطلع القرن 20 المهين، حيث ذهبوا الي الأزمنة البعيدة التي كان فيها آباؤهم يثيرون رعب آباء الذين يحكمونهم اليوم . وحسب فرانز فانون، فان البحث المحموم عن حضارة قومية سابقة علي العهد الاستعماري انما يستمد مشروعيته من حرص المثقفين المستعمرين (بفتح الميم) على أن يبتعدوا قليلاً إلي الوراء أمام الحضارة الغربية التي يوشكون أن يغوصوا فيها ، إلا ان هذا العياذ بالماضي علي ما يري المرحوم صدقي اسماعيل لم ينقذ انسان البلدان المتخلفة من واقعه المظلم فهو سواء أكان في الماضي مغامراً فينيقياً، أو مشرّعا بابليا، أو عالما مصريا، أو فارسا جاهليا، أو مسيحيا يبشر برسالة الروح، أو مجاهدا مسلما يغزو العالم، فانه في الواقعنموذج للكائن البشري المعذب، الذي يسحقه شقاء الحياة والقلق علي المصير، ويجلله عار الرضوخ للارادات الأجنبية
>عاذ البعض بالحضارة الغربية، في صورة هروب الي الأمام حيث الايديولوجيات الجاهزة ولا سيما الايديولوجيتين الرئيسيتين، الرأسمالية والاشتراكية، وحيث الطريق الليبرالية السالكة للانتقال من المجتمع الاقطاعي التقليدي الي المجتمع الصناعي الحديث.
> وهناك اتجاه ثالث عز عليه الهروب من المشكلة، سواء الي الوراء أو الي الأمام، الي اليمين أو الي اليسار، وشرع يبحث لنفسه عن طريق خاصة/ ثالثة، تجنب الأمة الخيارات الخاطئة، وتأخذ بيدها الي برّ الأمان، طريق تستحضر ايجابيات الماضي (التراث) وتمزجهابايجابيات الحاضر (الحداثة)، وصولا الي مجتمع عربي موحد قائم علي ايجابيات أثافي عصر النهضة الثلاثة التي سبقت الاشارة اليها الحرية، الاخاء، المساواة، وعلي المزاوجة الخلاّقة بين العقل والنقل، وبين القومية والاشتراكية، وبين العروبة والاسلام، ولعل ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وميشيل عفلق وأكرم الحوراني، وبالتالي حزب البعث العربي الاشتراكي، وجمال عبد الناصر قد ولدوا من رحم هذا التيار.
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية ، بل وبسببها أيضاً ، حصلت علي المستويين القومي والدولي جملة من التغييرات والمتغيرات أبرزها:
> حصول عدد من الأقطار العربية علي الاستقلال السياسي، وانضمامها الي منظمة الأمم المتحدة ،
> تأسيس جامعة الدول العربية (22/ 05/ 1945)، وانضمام الدول العربية تباعا اليها.
> ظهور ما سمي بالاستعمار الحديث، بنتيجة صعود الولايات المتحدة الأمريكية ، وهبوط الدول الإستعمارية التقليدية ،
> اتساع رقعة ونفوذ المعسكر الاشتراكي، وخاصة بعد تبني الصين للنظام الاشتراكي.
> صدور قرار تقسيم فلسطين ( قرار مجلس الأمن الدولي رقم 181 ) بين العرب والصهاينة (29/11 / 1947) ، وتصويت الاتحاد السوفييتي الي جانب هذا القرار، وقبول بالتالي معظم الأحزاب الشيوعية العربية بهذا القرار( مادام الإتحاد السوفييتي قد قبله ) ، الأمر الذي ترتب عليه انقسام حركة التحرر الوطني العربية (ح ت و ع ) منذئذ حول القضية الفلسطينية .
> ترسيم الدول الاستعمارية، ولا سيما بريطانيا (العظمي) لحدود دول اتفاقية سايكس بيكو العربية، بما يجعل من هذه الحدود المصطنعة قنبلة موقوتة يمكن أن تفجرها هذه الدول الاستعمارية في أي وقت تراه مناسبا لحماية مصالحها
> اقامة دول ! جديدة، لم تكن موجودة أصلا، وذات وظائف استعمارية محددة، أبرزها حماية الكيان الصهيوني الذي كانت تشيد أسسه وركائزه الدول الغربية ( مرحلة الإنتداب ) .
> ظهور مقولة التخلف والدول المتخلفة/ النامية/ التابعة /العالم الثالث، كظهير ونظير للدول الصناعية، المتقدمة العظمي (الرأسمالية منها والاشتراكية) ، و لقد ترتب علي هذه المعطيات الجديدة :
> تقلص النفوذ السياسي والأدبي للبرجوازية الوطنية ولأحزابها، مقابل تزايد كم وكيف ونفوذ البرجوازية الصغيرة الناشئة.
> بروز دور الجيش علي المسرح السياسي، بسبب الصراع العربي الصهيوني من جهة، ولكون شريحة الضباط وضباط الصف، تعتبر فئة اجتماعية متطورة، قياسا علي الفئات الاجتماعية الأخري، ذلك أنها فئة متعلمة، وعلي علاقة بالتقنية الحديثة المرتبطة بتكنولوجيا السلاح ، اضافة الي كونها فئة مترابطة ومنضبطة وظيفيا.
> تنامي الوعي الوطني والقومي، الاجتماعي منه والسياسي، بما في ذلك الوعي المعادي للاستعمار والامبريالية .
> بروز ظاهرتين جديدتين علي المسرح الدولي والقومي، هما : ظاهرة الشعب الفلسطيني المشرد، وظاهرة الدول النفطية واللتين سيكون لهما الأثر الكبير والبارز علي عملية التطور والتغير الاجتماعي اللاحقة في المنطقة.
> سقوط عدد من الأنظمة الملكية والتقليدية العربية، لصالح أنظمة جمهورية جديدة، وذلك علي يد الجيش والقوات المسلحة، ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، ثورة 14 تموز1958 في العراق، ثورة 23 سبتمبر 1962 في اليمن.
> ظهور وتبلور التيارات السياسية الرئيسية في الوطن العربي، والتي تمثلت ب :
التيار الليبرالي ، ذو النزوع القومي، والمتبني في بعض الحالات لشعار الاشتراكية ،
التيار الاسلامي ، بمختلف نزعاتة ومستوياته وانتماءاته وتفرعاته ،
التيار الماركسي اللينيني، أيضا بمختلف انتماءاته وتفرعاته ،
التيار القومي العربي ، الذي كان يحاول ايجاد صياغة توفيقية لأيديولوجيا خاصة / طريق ثالثة، تنطوي علي كل الايجابيات المتضمنة في التيارات الثلاثة الأخري (عصبة العمل القومي، الكتلة الوطنية، حركة القوميين العرب، الاشتراكيون العرب، حزب البعث العربي، ولاحقا الحركة الناصرية).
هذا مع العلم بأن حالة الصراع بين هذه التيارات الأربعة وتفرعاتها، كانت هي السائدة، وذلك كانعكاس لتركيبها الاجتماعي والطبقي والايديولوجي المتباينة. وأيضا لأن التطور الفكري العربي في هذه المرحلة التاريخية قد تميز من جملة ما تميز به في أنه بات يتشكل في أقطارعربية، تحولت وبفضل اتفاقية سايكس بيكو سيئة الذكر الي :
ـ أقطارمنفصلة عن بعضها بعضا، سياسيا وقانونيا ، رغم انضوائها تحت عباءة جامعة الدول العربية،
ـ أقطار علي درجات متفاوتة قليلا أو كثيرا، في سلم التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، وأيضا في الحجم السكان والمساحة الجغرافية.
ـ أقطار علي مسافات متفاوتة جغرافيا وسياسيا وأيديولوجيا وقوميا من القضية الفلسطينية
ـ أقطارعلي درجات متفاوته من التجانس الاجتماعي والطبقي والديني والطائفي.
ـ أقطارعلي درجات متفاوتة من النمو الاقتصادي، ومن المستوي المعيشي، ولا سيما بين الدول النفطية (الخليجيةخاصة ) والدول الأخرى غير النفطية ، بعد دخول عدد من الدول العربية نادي الدول المنتجة للنفط ( opec) . ومما يؤسف له هنا ، أن الفكر الإجتماعي العربي النهضوي ، بدلاً من أن يعمل على رتق هذه المسافات والحواجز والحدود التي رسمها المستعمر بين أقطار الوطن الواحد ، فإنه على العكس من ذلك ، قد خضع لها ، وتكيف مع تمفصلاتها ، بل وعمل على تثبيتها وتعميقها غلى درجة اتسع معها الرتق على الراتق ، الذي أصبح عا جزاً عن إعادة المياه إلى مجاريها ماقبل سايكسبيكو . وأكبر مثال على ذلك الوحدة السورية المصرية (ج ع م )التي قامت باستفتاء شعبي حر زادت نسبة الموافقين على قيام هذه الوحدة على ال 99% ، ولكنها لم تدم سوى ثلاث سنوات ، حيث نخرتها ، ومن ثم قضت عليها الخلافات القطرية السايكسبيكية .
7. تمثل هزيمة النظامين المصري والسوري، أمام اسرائيل، في حرب حزيران (يونيو) 1967، نقطة انعطاف حاسمة، في تاريخ تشكل الفكر العربي الحديث والمعاصر، ذلك أنها أسقطت القناع عن نقاط الضعف في مكونات هذا الفكر، ولا سيما الفكر السلطوي الذي كان متربعا علي عرش الحكم في عدد من الأقطار العربية عام 1967، والذي فقد مشروعيته الآن ، تماما كما سبق لفكر مرحلة النكبة أن فقد مشروعيته بعد هزيمة 1948، حيث أطاحت به ثورات/ انقلابات 1952 في مصر، و1958 في العراق، و1962 في اليمن، والإنقلابات المتعددة والمتتالية في سورية بعد 1949 ( الإنقلاب العسكري الأول ) …الخ ، والتي عجزت بسبب طابعها العسكري غير الشعبي وغير الديمقراطي عن احداث أية نقلة نوعية ايجابية ، لافي بنية هذا الفكر ، ولا في الخلفية التنموية التي كان يمكن أن تنعكس إيجابياً عليه .
ان كلا من انتفاضة الحجارة، وانتفاضة الأقصي ضد الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين ، والمقاومة الوطنية للاحتلال الأمريكي وأعوانه في العراق قد وضعا الفكر العربي ، والمفكرين العرب أما مخاض نظري وعملي عسير ومعقد يمكن أن يكون بداية النهاية ، لخروج هذا الفكر ومعه الأمة العربية من عنق الزجاجة إلى فضاء الحرية والديموقراطية .



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع