أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » بعد سقوط «صديق الجميع».. ما مصير الاستثمارات القطرية التركية في السودان؟

بعد سقوط «صديق الجميع».. ما مصير الاستثمارات القطرية التركية في السودان؟

صار مستقبل العلاقات القطرية التركية مع السودان على المحك، بعد وصول المجلس العسكري للحكم في السودان، فالسودان الذي حاول بجهد الرئيس المخلوع عمر البشير، الوقوف على الحياد في الأزمة الخليجية التي اندلعت في يونيو (حزيران) 2017؛ يبدو أن موقفه بات مرهونًا بمدى انصياع القيادة الجديدة للضغوطات الخارجية من دول مثل السعودية والإمارات ومصر، من عدمه.

وينظر المراقبون بحذر لموقف المجلس العسكري الانتقالي الذي أعفى وكيل وزارة الخارجية بدر الدين عبد الله من منصبه، بعد إصدار وزارته بيانًا حول زيارة وفد قطري إلى السوادان، وتحدثت عدة مصادر عن تعطيل أو إلغاء أو تجميد قد ينال من المشاريع الاستثمارية القطرية والتركية، وأهمها الاتفاق الذي وقّعه البشير مع تركيا عام 2017 بخصوص «جزيرة سواكن» السودانية، أو المشروع القطري للآثار السودانية، فما مصير الاستثمارات القطرية التركية في السودان في حال استمر المجلس العسكري في الحكم؟
6 مليار دولار وضعتها تركيا وقطر في السودان

شهدت العلاقات السودانية القطرية التركية تطورًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، فكلتا الدولتين وقعت مع السودان عدة اتفاقيات تجارية واقتصادية، وضخت الكثير من الأموال في مشاريع الزراعة والتعدين ومجالات تحديث البنية التحتية والمواني، حتى وصلت قيمة استثمارات البلدين في السودان إلى مليارات الدولارات.

وتظهر أرقام وزارة الاستثمار السودانية أن حجم الاستثمارات القطرية في السودان وصل لأكثر من 3.8 مليارات دولار، بالإضافة إلى أموال لمشروعات استثمارية أخرى تقوم عليها شركات تعمل في البنى التحتية، إذ وجدت الدوحة بعد الحصار الذي فرض عليها من دول الخليج، السودان، قبلة اقتصادية غير مكلفة تنعم أرضه بالكثير من المواد الأولية.

وكان واحد من أهم المشاريع هو إقدام قطر على توقيع اتفاق تجاري ضخم لتطوير ميناء سواكن على ساحل البحر الأحمر بقيمة 4 مليار دولار، وهو مشروع يهدف لتحويل منطقة البحر الأحمر إلى منفذ اقتصادي عالمي حديث لكافة السفن العابرة للبحر الأحمر، وينص الاتفاق على أن تكون الشراكة للسودان بنسبة 51%، بينما لقطر بنسبة 49%، ويقضي اتفاق سواكن وهي أقرب المواني في البحر الأحمر لميناء جدة السعودي؛ على أن يتم الانتهاء من المشروع خلال 30 شهرًا علمًا بأن الاتفاق وقع في مارس (آذار) 2018.

الرئيس التركي مع عمر البشير خلال زيارته للسودان

كما ذهبت الدوحة للاستثمار في مجال التعدين بالسودان بعد أن فتحت الحكومة السودانية الاستثمار الأجنبي في مجالاته، فشركة «قطر للتعدين» تضخ أموالها في سبعة مربعات للتنقيب عن الذهب بقيمة تفوق مليار دولار، كما أن لقطر استثماراتها في القطاع الزراعي، فشركة «حصاد» الغذائية القطرية، تعتزم استثمار 500 مليون دولار في القطاع الزراعي والغذائي السوداني على مدار السنوات الثلاث المقبلة، وتقوم الشركة على زراعة 260 ألف فدان في ولاية نهر النيل، كما تنفذ الشركة مشروع كهرباء للمنطقة بتكلفة تقدر بأكثر من 200 مليون دولار.

أما فيما يتعلق بتركيا، فقد شهدت العلاقات التركية السودانية تطورًا ملحوظًا منذ وصول «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة عام 2002، إذ وضع الحزب الحاكم خطة طموحة لتعزيز التواصل مع البلدان الأفريقية ومنها السودان، وكان واحد من أبرز تلك المشاريع تطوير جزيرة «سواكن» التاريخية مع قطر، تلك الجزيرة التي أثار الاقتراب التركي منها حساسية بعض القوى الإقليمية مثل مصر والسعودية، والتي تحدثت عن إمكانية إعادة إحياء ميناء الجزيرة، ليصبح قاعدة عسكرية بحرية تسمح لتركيا بالوجود على ممر مائي حيوي في البحر الأحمر.

وبشكل عام يبلغ حجم الاستثمارات التركية بالسودان في كل القطاعات نحو ملياري دولار، ولدى تركيا 288 مشروعًا، تتوزع في مجالات الأثاث ومنتجات الألومنيوم والمنتجات الحديدية والإسمنتية، والمواد الغذائية والخدمات الكهربائية والأدوات الكهربائية والتنقيب والتعدين، كما تستثمر تركيا في النقل البري والطرق والجسور والحفريات والإنشاءات والمقاولات والخدمات الصحية في السودان.

هل يلغي السودان مشاريع دولية لكسب ود دوائر إقليمية معروفة؟

بالرغم من أنه من المبكر الحديث عن انعكاسات الأحداث السياسية في السودان على مستوى العلاقات السودانية مع تركيا وقطر، إلا أن هناك بعض المؤشرات حول احتمالية تأثر هذه العلاقات، خاصة أنه لمجرد صدور بيان صحافي، حول زيارة وفد قطري إلى السودان دون علم المجلس العسكري الانتقالي في السودان، أقال المجلس وكيل وزارة الخارجية بدر الدين عبد الله.

وتعود تلك التوقعات إلى وجود عوامل إقليمية ودولية يمكنها أن تدخل على خط التطورات في السودان، فتقع أحداث مفاجئة تدفع التفاهمات والتعهدات الاقتصادية في اتجاه غير متوقع، خاصة أن وسائل الاعلام المصرية والإماراتية تشن حملة إعلامية منظمة تستهدف العلاقات القطرية السودانية، تحت عناوين «السودان تحبط مخططات النظام القطري الرامية لتخريب الدولة» أو «السودان يرفض استقبال وزير خارجية قطر».

يقول الباحث السوداني عباس محمد صالح لـ«ساسة بوست»، إن: «الحديث عن إلغاء المشاريع التركية أو القطرية في السودان يظل مجرد تسريبات ترمي لتشكيل رأي عام ضاغط بهذا الاتجاه؛ وذلك باستغلال حالة الارتباك التي تهيمن على المشهد السوداني في هذه اللحظات، والتأثير علي قرارات وأجندة المجلس العسكري وكذلك القوي السياسية التي ستكون الفاعل الرئيس في المرحلة المقبلة، وذلك خدمة لدوائر اقليمية معروفة.

الأمير القطري مع البشير

ويشدد صالح خلال حديثه لـ«ساسة بوست» على أنه توجد سوابق لمثل هذه الحالات في القوانين الدولية والدبلوماسية؛ فإلغاء مشاريع أو عقود له انعكاسات على الوضع الاقتصادي كما تترتب عليه غرامات وتعويضات بموجب هذه القوانين، ويضيف: «في حال أن العهد الجديد في السودان سيلغي مشاريع قطرية أو تركية فسوف تترتب على ذلك تداعيات خطيرة على السودان؛  لأن البلد تحتاج لدعم كافة الدولة الصديقة لتصحيح الأوضاع الاقتصادية بالبلاد، وهو التحدي الأهم في المرحلة المقبلة».

ويشير صالح إلى أنه «يجب أن يعلم السودانيون أن سياسية المحاور الإقليمية الراهنة لن يحصدوا منها سوي المماطلة والوعود الكاذبة، وبالتالي عليهم الحفاظ على علاقات متوازنة مع كافة الدول، خاصة تلك التي لديها مشاريع قائمة حاليًا بالبلاد».

من جانبه، لا يتوقع أستاذ الاقتصاد بـ«جامعة أفريقيا» محمد الناير، أن تتأثر الاستثمارات القطرية والتركية في السودان بعد خلع النظام السابق بقيادة البشير، ويرجع ذلك لكون الدول تحترم عهودها ومواثيقها والفرص التي هيأتها الدولة للمستثمرين من كل أنحاء العالم، ولابد من حمايتها.

ويوضح الناير لـ«ساسة بوست»: «لا أتوقع أن تتأثر هذه الاستثمارات بتغيير نظام الحكم إلا إذا رأت قطر وتركيا تقليص حجم استثماراتهما في السودان فهذا شيء آخر؛ ولكن من الجانب السودان  لابد من رفع شعار أن السودان مفتوح لكل الاستثمارات على مستوى العالم ويجب ألا يؤثر ما يعرف بالمحاور على الاستثمارات»، ويشدد الناير على أن الوضع الصحيح يحتم على أي دولة في العالم ألا تخلط العلاقات السياسية بالملفات الاقتصادية ويجب أن تصب المصالح التجارية والاقتصادية بين الدول في مصلحة الشعوب ولا تخضع لأجندة سياسية.
مع استمرار حكم المجلس العسكري.. «كل شيء وارد»

شهد السودان في السنوات الأخيرة نموًا في الاستثمارات التركية والقطرية في مجالات حيوية متنوعة شملت مجالات السياحة والزراعة والطاقة كما أوضحنا. يقول الأستاذ المساعد بمركز البحوث الزراعية في مصر، عبدالتواب بركات، إن: «هذه الاستثمارات بدأت تؤتي أكلها لما تميزت به من الجدية والفاعلية المدفوعة بالدعم السياسي من القيادة الرسمية في الدولتين في وقت ظل السودان يعاني أزمات اقتصادية طاحنة طوال عقود، فقد كان للاستثمارات التركية الرامية لاستصلاح مليون فدان من الأراضي الزراعية تأثير كبير، في تنشيط الاقتصاد السوداني، في ظل تكاسل دول الخليج العربي عن الاستثمار في مجال الزراعة، وعدم تجاوز التصريحات الإعلامية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، كما استهدفت قطر وتركيا الاستثمار في ميناء سواكن في البحر الأحمر وتطويره لصالح السودان وهو ما كان يقلق دولة الإمارات لتأثيره المباشر ومنافسته لميناء جبل علي».

مصنع الغزل والنسيج التركي-القطري في الخرطوم

ويشدد بركات على أن مسارعة دولة الإمارات لدعم ومساعدة المجلس العسكري في السودان بعد سقوط نظام عمر البشير؛ يكشف مدى قلقها من مخطط تطوير ميناء سواكن، وأنها قد تضغط لتجميد المشروع مقابل بعض المساعدات المالية والاستثمارات الهامشية للحفاظ على مكانة جبل علي، وقد فعلت ذلك في ميناء عدن في اليمن وسفاجا في مصر، ولا يستبعد بركات خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن يتم تجميد مشاريع تركيا وقطر الرامية لاستصلاح الأراضي الزراعية وتطوير ميناء سواكن إذا استمر المجلس العسكري في السودان في الحكم لمدة عامين كاملين في ظل الدعم المصري السعودي الإماراتي له، مستدركًا: «لا سيما أن الدول الثلاث لا تخفي معارضتها للنظام في تركيا وقطر التي تتهمهما بدعم الربيع العربي، وفي ظل غياب البشير الذي فتح الطريق أمام تركيا وقطر للاستثمار في السودان، بغرض تخفيف الضغط السياسي الذي يتعرض له من أنظمة الحكم في الدول الثلاث».

وينوه بركات وهو مستشار سابق في وزارة التموين والتجارة الداخلية بمصر؛ أنه إذا نجح السودانيون في خفض مدة حكم المجلس العسكري في إدارة شؤون البلاد، فسوف تزيد فرص التنمية والاستثمارات الحقيقية التي بدأتها تركيا وقطر، من أجل علاج الفجوة الغذائية وبناء صوامع ومطاحن القمح، وفي مشاريع السياحة والطاقة وهي المشاريع التي أعلنت السعودية والإمارات المشاركة فيها منذ سنوات، تحت مظلة جامعة الدول العربية، ولكن بدون تنفيذ حقيقي في الواقع.

المصدر: ساسة بوست