أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » «وزن الكتب ذهبًا».. كيف لعب المسلمون دورًا في الحفاظ على التراث العلمي القديم؟

«وزن الكتب ذهبًا».. كيف لعب المسلمون دورًا في الحفاظ على التراث العلمي القديم؟

«لا شك أن العلم الحديث هو الدعامة الرئيسية التي تستند عليها الحضارة الإنسانية، لتتمكن من الوصول إلى ما وصلت إليه من تقدم مذهل في شتى المجالات، لكن هذا الازدهار العلمي ما كان لتقوم له قائمة لولا علم الأمس، الذي ساهمت فيه الحضارة العربي والإسلامية بنصيب وافر»؛ هكذا يبدأ كتاب «تاريخ العلوم والتكنولوجيا في العصور القديمة والوسطى ومكانة الحضارة الإسلامية فيه» لأستاذ الجيولوجيا مصطفى محمد سليمان، والذي يناقش -كما هو واضح من عنوانه- الدور المهم للحضارة الإسلامية ومترجميها في حفظ التراث العلمي القديم وتمريره للأجيال اللاحقة.

إن العرب والمسلمين حينما سعوا في الأرض بغرض التفوق والإبداع؛ كونوا واحدة من «أعظم الحضارات» وحملوا راية العلم على عاتقهم، وحينما أخذ المسلمون علوم وتراث الحضارات القديمة لم يأخذوها على حالتها تمامًا، بل أخضعوها للفكر الإسلامي وأنشأوا علمًا وحضارة عربية إسلامية، وهذا ما جعل من بعض علماء المسلمين أعظم علماء العصور الوسطى، وإذا دققنا في الأمر نجد أن معظم الحضارات في التاريخ قامت على دعامتين هما الدين والعلم، فالعلم بمفهومه الواسع والذي يسعى لفهم الكون الذي منحه لنا الخالق، وتطبيق تلك المعرفة في كافة المجالات التي تساهم في ازدهار تلك الحضارة مثل الزراعة والصناعة والطب وغيرها، ويأتي دور الدين في توفير سياج من القيم والمبادئ لتنضبط به تلك الحضارة.

فما هو هذا الدور الذي لعبه المسلمون في إرساء العلوم البشرية حتى وقتنا هذا؟

مترجم: عندما كان العالم يتحدث العربية!

العصر الذهبي للترجمة

توصف الحضارة العباسية بـ«الحضارة العربية الإسلامية»؛ لأنها قامت على دعامتين أساسيتين هما اللغة العربية والدين الإسلامي، وقد بدأت النهضة العلمية في تلك الحضارة بالنقل والترجمة عن العلوم القديمة المكتوبة باللغات الأجنبية، ويعتبر العصر العباسي من أكثر المراحل الزمنية التي ازدهرت فيها الصحوة العلمية؛ حينما بدأ في هذا العصر ترجمة التراث العلمي للإغريق والهنود والفرس ونقله إلى اللغة العربية، وأصبحت تلك المعارف في أيدي الطلبة المسلمين متضمنة الفلك والرياضيات والطب والفلسفة والكيمياء والأدب وغيرها من العلوم المُهمة الأساسية. وكان أغلب مترجمي تلك الفترة من غير العرب قد اتخذوا بغداد مقرًا لهم بعد أن تعلموا اللغة العربية واعتنقوا الإسلام.

وبعد التفكك السياسي الذي وقع في تلك المرحلة للخلافة الإسلامية؛ ظل الإسلام هو الأرض المشتركة التي حافظت على ترابط الانقسامات السياسية، وفي مجال العلوم تبارى حكام الأقاليم الإسلامية في تشجيع العلم والعلماء، وكان الحكام يتفاخرون بجمع واقتناء الكتب وإنشاء المكتبات، وفي ذاك الوقت؛ احتوى كل جامع كبير على مكتبة؛ فلم تكن الجوامع في الدولة الإسلامية بذاك الوقت مقتصرة على الشعائر الدينية فقط، بل كانت مركزًا مهمًا للتعلم.

وعُرف عن الأمير خالد بن يزيد أنه من أوائل المسلمين الذين اهتموا وأمروا بنقل العلوم الإغريقية والسريانية إلى اللغة العربية، وتنوعت تلك النصوص المنقولة تحت إشرافه ما بين الطب والكيمياء والفلك. وتحدث ابن النديم في كتابه «الفهرست» عن خالد بن يزيد قائلًا: «وعندما خطر ببال خالد الصنعة، أمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مدينة مصر، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة». وكان -خالد- شغوفًا بالكيمياء ولذلك أحضر بعض علماء جامعة الإسكندرية، ومنهم الراهب ماريانوس لتعليمه الكيمياء وتحويل المعادن البخسة إلى ذهب وفضة بواسطة حجر الفلاسفة.

وكان للخليفة عمر بن عبد العزيز دور مُهم أيضًا في حركة الترجمة بالدولة الإسلامية، ولذلك كان للعصر العباسي نصيب الأسد من الترجمة وتطورها حتى اعتبر العصر الذهبي للترجمة خاصة لدى الخلفاء هارون الرشيد ، والخليفة المأمون، والخليفة أبو جعفر المنصور والذي ولى اهتمامه الثقافي لعلم الفلك ولذلك أمر في عهده بترجمة ونقل كتاب «أصول الأركان» لإقليدس، وكتاب «الهند والسند» الهندي الذي يشرح علوم الفلك بدقة، وكتاب «كليلة ودمنة»، وبعد ذلك قرر الانتقال إلى مستوى أعلى من الترجمة حينما قرر ترجمة أمهات الكتب اليونانية خاصة الفلسفية منها والتي كتبها أرسطو وبطليموس.

ومن بعدهم حمل شعلة النقل والترجمة هارون الرشيد، والذي اعتبر الترجمة جزءًا لا يتجزأ من أساسيات بناء دولة عباسية قوية، وحرص على إرسال بعثات علمية إلى الروم بغرض البحث والتدقيق في العلوم اليونانية ونقلها إلى اللغة العربية. وما ميز المسلمين وساعدهم على نقل هذا التراث العلمي الغزير، هو التسامح الديني الذي ساد على تفكيرهم وإيمانهم، ورغبتهم المُلحة لنقل العلوم؛ ولذلك عادة ما كان الخلفاء المسلمون يلجأون لتكليف مترجمين مسيحيين نظرًا لإلمامهم بأكثر من لغة أساسية في ذاك الوقت مثل اليونانية والعربية والفارسية والسريانية.
بيت الحكمة.. «وزن الكتب ذهبًا»

«بيت الحكمة» هو اسم دار علمية ظهرت في عصر هارون الرشيد وازدهرت في عصر الخليفة المأمون وكان مكانها قصر الخلافة في بغداد، وكان بيت الحكمة عبارة عن  أكاديمية ومركز فكري عباسي كبير في بغداد، ومكتبة خاصة كبيرة تابعة للخلفاء العباسيين خلال العصر الذهبي الإسلامي؛ بغرض ترجمة مجموعة من الكتب اليونانية في العلم والفلسفة إلى اللغة العربية، وظل بيت الحكمة موجودًا كجزء من حركة الترجمة الكبرى التي حدثت خلال العصر العباسي، حينما قام بترجمة الأعمال من اليونانية والسريانية إلى العربية، وحتى وقت تدميرها في حصار بغداد بالعام 1258؛ إذ لم يتبق سوى القليل من الأدلة الأثرية على هذا الصرح العلمي.

في البداية؛ بُني بيت الحكمة لاحتواء المترجمين وتطوير أعمالهم، ولكنه مع الوقت تضمن أنشطة بحثية إضافية في مجالات الطب والعلوم والفلك، وكان يحتوي على مكتبة منظمة تنظيمًا دقيقًا، واحتوى على غرف منفصلة كل منها مخصص لمرحلة من مراحل النقل والبحث، وغرفة أخرى خاصة تضمنت مرصدًا فلكيًا. وكان بيت الحكمة مفتوحًا لكل من الرجال والنساء، وجميع الطلاب من كل الأعراق والديانات، وشجعت الدولة الإسلامية هؤلاء العلماء في الوقت الذي تعرضوا فيه للاضطهاد من الإمبراطوريات البينزطية، وكان تحت هذا السقف -بيت الحكمة- مجموعة من البشر يتحدثون أكثر من ست لغات مختلفة منها الآرامية والعبرية واللاتينية، بمختلف توجهاتهم الدينية والسياسية؛ كل هذا بغرض تطوير العلم وازدهاره تحت راية الإسلام.

ومع هذا الإنتاج العلمي الغزير؛ كان لابد من الوصول إلى تقنية أسهل وأسرع لحفظ المواد المكتوبة، والتي كانت تُكتب في ذاك الوقت على جلود الحيوانات وهي عملية تستغرق الكثير من الوقت بجانب أنها مكلفة، ولذلك تم استيراد الورق من الصين وإحضاره إلى بيت الحكمة ليكون التقنية الجديدة والتي نعرفها حتى الآن في حفظ الترجمات والعلوم المنقولة.

ما ساعد على ازدهار هذا الصرح الثقافي والعلمي الضخم «بيت الحكمة»، هو إلمام الخليفة المأمون بفروع المعرفة التي كانت تُدرس هُناك، بما في ذلك الطب والفلسفة والتنجيم، وكثيرًا ما كان يزور العلماء في بيت الحكمة لمناقشة أبحاثهم، وأحيانًا كان يختار -المأمون- بنفسه علماء مشهورين لترجمة أعمال بعينها، مثلما اختار الباحث أبو يوسف يعقوب الكندي والذي كان طبيبًا وفيلسوفًا وعالم رياضيات وجيولوجيا ليكون مسئلًا عن ترجمة أعمال أرسطو.

ووصل عدد مؤلفات أبي يوسف إلى ما يزيد عن 240 كتابًا في أكثر من 15 قسمًا من أقسام المعرفة والعلوم، ولكن معظم تلك الكُتب فُقدت ولم يتبق منها سوى 50 كتابًا، ولم يكن أبو يوسف ناقلاً للمعرفة فقط، بل كانت له مؤلفات فلسفية، وكتابات في اللاهوت، والمنطق، بالإضافة إلى عرضه لآراء بطليموس ومناقشتها، إلا أنه اختار الطب ليتوسع فيه، وقدم ما يزيد عن 25 كتابًا تتناول الغذاء والأمراض المعدية وعلاجات الطحال، وكان له الفضل في إدخال الأرقام الهندية إلى الشرق الأوسط وهي الأرقام التي نستخدمها حتى الآن.

وذُكر في التاريخ أنه بغرض تشجيع المترجمين والعلماء على إضافة أعمال باللغة العربية ونقلها للأجيال اللاحقة؛ كان يدفع المأمون لهم ما يعادل وزن الكتب ذهبًا؛ الأمر الذي ساعد على غزارة الإنتاج والتحلي بالطاقة الإنتاجية للعلماء لما يلاقونه من تقدير.

ولم تبخل الدولة الإسلامية في ذاك الوقت بأي مقابل مادي في سبيل العلم. وهذا لأن الإمبراطورية العربية كانت قوية في أواخر القرن الثامن وبداية القرن التاسع؛ وكان حكامها يحصلون على ضرائب من جميع أنحاء الإمبراطورية؛ مما وفر لهم الأموال لإنفاقها على الترجمات ورعاية المنح الدراسية؛ حتى أصبحت اللغة العربية لغة عالمية للعلوم في ذاك الوقت. وخلال القرن العاشر؛ أصبحت كتب أرسطو متاحة للعموم بفضل حركة الترجمة التي مولتها الخلافة العباسية؛ في حين أن نفوذ تلك النصوص اليونانية القديمة كان قد بدأ يتضاءل في أوروبا خلال العصور المظلمة.

من أشهر المترجمين الذي عاشوا في العصر العباسي هو حنين بن إسحاق، والذي قد نبغ في تعلم اللغات وكان يجيد السريانية والفارسية واليونانية والعربية، وقد ولاه الخليفة المأمون رئاسة بيت الحكمة، وترجم وحده بجهوده الخاصة ما يزيد عن 100 رسالة من رسائل جالينوس في الطب، وبفضل ترجماته نجت أعمال جالينوس من الفناء، ومن الكتب التي ترجمها وألفها حنين بن إسحاق هي: «كتاب العين»، و«كتاب النبض»، «كتاب الألوان»، و«القول في حفظ الأسنان واستصلاحها»، و« الفصول الابقراطية»، و«البيطرة»، و«خواص الأحجار».
هل كان للترجمة أسباب سياسية؟

ما قدمته الطبقة السياسية في المجتمع العباسي الإسلامي؛ من أجل تطوير الترجمة ونقل العلوم اليونانية؛ كانت أموالًا طائلة، ولا شك أن هدف حفظ التراث العلمي كان على رأس أولويات تمويل تلك الترجمات، ولكن البعض يرى أن ترجمة نصوص مثل «ما بعد الطبيعة» لأرسطو، و«تاسوعات» لأفلاطون ونقلها للغة العربية قد يكون له سبب سياسي كما ناقش أستاذ الفلسفة في جامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونيخ بيتر أدامسون.

وقد ذكر بيتر في أطروحته أن البحوث التي أجراها باحثون مهمون مثل ديمتري جوتاس حول حركة الترجمة اليونانية العربية؛ تشير إلى وجود أسباب سياسية وراء تلك الترجمات، موضحًأ أن الخلفاء كانوا على درجة الوعي الكافي بأن السيطرة السياسية ليست كافية وأن فرض النفوذ الثقافي هو جزء لا يتجزأ من بناء إمبراطورية ناجحة، ولذلك كان على المسلمين مواجهة الثقافة الفارسية والبيزنطية.

وقد أراد المسلمون في فترة الخلافة العباسية إثبات قدرتهم على العناية بالتراث الثقافي الهيلينستي أكثر من البيزنطيين متحدثي اليونانية أنفسهم؛ خاصة في ظل القيود التي فرضها اللاهوت المسيحي على التفكير في ذاك الوقت. وبجانب تلك السيطرة الثقافية، وجد المفكرون المسلمون في النصوص اليونانية وسيلة جيدة للدفاع عن الدين الإسلامي واستيعابه بطرق أكثر مرونة.

المصدر: ساسة بوست