أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » وضاح شرارة : “سوريا الأسد”… فصول تصديع الدولة والمجتمع

وضاح شرارة : “سوريا الأسد”… فصول تصديع الدولة والمجتمع

يدمج ماتيو راي، مؤرخ تاريخ سوريا القرن التاسع عشر القرن الواحد والعشرين (عطفاً على مقالات سابقة: سوريا “الواحدة” على محك انقسامات تاريخية، من السلطنة الى الانتداب، عبر دولها وأطرافها وأقوامها وأحزابها وانتفاضاتها)، عهود الاستقلال “المدنية” (من 1946 إلى 1949) والعسكرية (1949 إلى 1954) فالمدنية العسكرية (1953-1958) فالوحدوية (1958-1961) فـ”الانفصالية” (1961-1963)- يدمجها في مرحلة أو حقبة واحدة يسمُها بالاستقلال. فتمهد، على هذا، لمرحلة تالية يفرد لها فصلاً على حدة. ويتناول الفصل “البعث في السلطة”، ويجمع استيلاء البعث “القومي” المختلط، العسكري والمدني (1963-1966)، إلى البعث “القطري” (1966-1970). ويقدِّم الفصل لفصول ثلاثة تشترك في عنوان متصل محوره “الأسد”، وتنقسم حلقاتٍ: الأولى والثانية فالثالثة. وخاتمتها هي عتبة 2011، عام “انقلاب الآيات والأهوال الكبرى” على قول عبد الرحمن الجبرتي المصري في دخول الفرنسيين مصر. وقد يحدس القارئ في هذا الترتيب معالجة تلحق التغيرات السياسية والاجتماعية الكبيرة بالتناوب على رأس السلطة، وتحجم تالياً عن تقطيع أو تحقيب يصدر عن رسو التغيرات العريضة والعميقة (إن حصلت وبرزت للوصف) على صور متشابكة وموصوفة.

عوامل خمسة

والحق أن المؤرخ يتعقب العوامل الراجحة في انقلاب الجماعات والبلاد السورية من طور إلى طور، ومن حال اجتماعية وسياسية و”ثقافية” (أو فكرية على وجه الدقة) إلى أخرى، ولكنه يؤثر تقييدها بعناوينها أو أبوابها الحزبية والشخصية الواضحة، وحملها على العناوين والأبواب هذه. فيحصي في أعوام الاستقلال الأولى المنازع والوقائع التالية:

*إناطة معالجة المشكلات التي رمت بالشعب في هاوية الانحطاط والاستعمار بالسيادة والاستقلال الوليدين، أي بـ”الحرية” في مصطلح الوقت. وإدراج سوريا الدولة الوطنية الجديدة في سياقة ماضٍ ومستقبل، عربيين وإسلاميين (على ما يغفل راي القول أو يضمر)، أتاح للتيارات السياسية والفكرية المحلية الزعم من غير مناقشة أن “جوهر” الأمة أو “روحها”- على قول ردد في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين أصداء الثورات الفاشية والنازية والقومية المتعصبة ومذاهبها- الأصيل لم يتأثر بالعَرَض الاستعماري الغربي وربما العثماني السطحي. وما النخب الاستقلالية الجديدة، الحاكمة والمدعوة إلى الحكم، إلا وسيط عودة الأمة إلى حقيقتها المتذكرة. ويسوغ المؤرخ دمج الأدوار المتعاقبة بـ”سعي (التاريخ السوري) سعياً محموماً في إرساء السيادة في الحقول الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والديبلوماسية” (ص 148).

* اضطلاع “الأسرة الكبيرة الحاكمة” بدور اجتماعي سوغته وساطتها بين السلطة المنتدبة والمستعمرة السابقة وبين الجماعات الوطنية والمحلية. ولكن عناصر الوساطة تغيرت مع أمرين: خروج السلطة المنتدبة وترتب نتائج اجتماعية وسياسية على التحسينات الصحية، وعلى إثراء أسر مدينية سورية في الحرب الثانية وظروفها. واستثمر الأثرياء الجدد أموالاً في زراعة القطن، وفي صناعات النسيج والأسمدة والكيمياء. وانتقل شطر من الاراضي الزراعية الصغيرة إلى أيدي كبار الملاكين، على خلاف تقليد محلي قديم. ورجح تعاظم ثراء الأثرياء كفة المدن الاقتصادية والسياسية على كفة الأرياف. ووصمت المرحلة اللاحقة، البعثية واليسارية، هذا الوقت بوصمتي العمالة للاستعمار والفساد، ونفته من التاريخ السوري الرسمي، “القومي” و”الاشتراكي”. وذلك قبل أن يرفعه جيل لاحق، قضى نحو أربعة عقود تحت سلطة “قومية” و”اشتراكية” استبدادية، إلى أعلى عليين.

* إفضاء التحسينات الصحية (والغذائية) إلى زيادة السكان أضعافاً في سنوات قليلة. وفي أثناء نصف قرن تقريباً، بين 1946 و2000، زاد عدد السكان 7 أضعاف، من 3 ملايين إلى نحو 20 مليوناً. وغذت الزيادة السكانية السريعة والثقيلة تنافساً حاداً على الأرض، وعلى الموارد، وأدت إلى اختلال ميزان توزيعها على الأفراد والمحافظات والجماعات الأهلية معاً. وذلك في موازاة هجرة متفاقمة من الأرياف إلى المدن وضواحيها.

* استقرار العلاقات السياسية، الانتخابية التمثيلية أولاً، على عقد يكاد يكون معلناً: مجازاة الولاء السياسي بخدمات ومنافع بعضها عيني مادي (تعبيد طريق أو افتتاح مدرسة) وبعضها الآخر سياسي (الانضواء تحت لواء إقليمي…).

* التباس الهوية السورية وترجحها بين قطبين متنازعين: قطب عربي (عروبي) يعرف سوريا جزءاً من وطن كبير عليها أن تتولى جمع أجزائه، وقطب “قطري” بحسب مصطلح عممه حزب البعث، أو وطني يحمل سوريا على دولة مستقلة ينبغي أن تضطلع بتوحيد أجزائها، بلادها وجماعاتها.

تيارات سياسية

وانقسمت الطبقة السياسية السورية تيارات ثلاثة، في 1946-1947. فدعا الأولى إلى جمع سوريا وشرق الأردن في كيان سياسي واحد. وقدم الثاني جمع سوريا والعراق. وعلق الثالث توحيد الدول العربية على جامعة هذه الدول والتنسيق المتدرج والمتوازن بينها جميعاً. وبينما يمم شطر من السوريين صوب أمة المسلمين وبايع حسن البنا المصري الإخواني، مال شطر آخر إلى وحدة بلاد الشام، بين طوروس وسيناء، وأخرج في هذا الإطار البدو وأشباههم.

وتوالت حوادث ومنعطفات أعملت في “المادة” السورية الوجهات العريضة التي اختصرتها البنود الخمسة المتقدمة وانطوت عليها. فنشأت قوى حزبية وانقسمت تكتلات، واستنت قوانين وانتهجت سياسات، وثارت أزمات وعقدت أحلاف، وخيضت حروب واستولت انقلابات على السلطة فأحبطتها انقلابات عليها، في ضوء عمل العوامل في المادة التي وصفت العجالات الثلاث الأولى مبانيها. ولا يخلص القارئ من هذه الملاحظة إلى أن الكاتب ينتهج نهجاً “بنيوياً” (يقوم على تجريد عوامل ثابتة ومشتركة يسلطها على مادة نثرية ومتغيرة) وغائياً (ينضبط على “غاية”، مثل اندلاع الحرب الأهلية الطويلة أو مثل استيلاء حافظ الأسد على السلطة واستتباب الأمر له ومن بعده لوارثه المباشر). ولكن التعليل التاريخي، بالغاً ما بلغ تعقيد مسالكه وعلاقة حلقاته وأدواره، وتكثيره وجوه تقصي التأثير والتأثر، يدعو (التعليل) ويفضي إلى ضرب من السببية الغائية.

ففي ختام الفصل الذي يعقده المؤرخ لتولي حزب البعث السلطة وانفراده بها، بين 1963 و1970 (استيلاء الأسد) يوجز أحوال سوريا على وجه يبرز (أصول) الاصلاح الزراعي والنزوح الريفي وتأميم الاقتصاد. ويرتب على هذه الأصول فروعاً تأتلف منها “صورة جديدة”: جماهير متوثبة ومسيَّسة تسييساً حاداً، وأبنية متحزبة ومتصدعة تحت وطأة الانقلابات المتعاقبة، ومنازعة على الدائرة العمومية والمشتركة (“الحيز العام” في عبارة أخرى) (ص 239-240). وتنهض هزيمة 1967 قرينة على خواء الدعوات والنداءات الثورية ودليلاً على صدارة الوحدة الداخلية الوطنية. ولعلها وجه من وجوه نزيف قوى المجتمع جراء “تغير حاد” مهد الطريق، لا محالة، إلى استيلاء حافظ الأسد على السلطة، وانفراده بها، واستقراره فيها. والشطر الضروري يرفقه الكاتب بـ”براعة” المستولي تخفيفاً للحتم.

رسم خلدوني؟

ويستعير المؤرخ، حين يحاول الإلمام بمسير الأسد إلماماً جامعاً ومتصلاً، بالرسم الخلدوني، على خطى ميشال سورا في دولة البربرية (كتبت دراساته في النصف الأول من العقد التاسع الماضي وطبعت بعد مقتله، في 1984 على الأرجح، في أسر “حركة الجهاد الإسلامي” الخمينية، ونقلت إلى العربية تباعاً وصدرت في 2017 عن الشبكة العربية للأبحاث في بيروت). فيكتب أن الاستيلاء هذا إنما جرى على مثال انقضاض الأطراف على المركز السياسي، وتوسلها بعصبية وشوكة تشدان أهل العصبية بعضهم إلى بعض، وتجمعان الأمة على الولاء لرئاستهم (“فريقهم”). والحق أن الرسم هذا مجازي وخطابي فوق ما هو وصفي. وما عدا مكانة العصبية يكاد لا يُلم بشيء، وعلى الخصوص بما يتعلق بالتحولات التي طرأت على القوى وعلاقاتها ووظائفها. والفرق الكبير والحاسم بين ما يصفه ابن خلدون وبين ما يُلمح المؤرخ الفرنسي إليه إلماحاً غامضاً هو أن “المركز” الذي استولى حافظ الأسد عليه- في ختام مراحل متعاقبة، ومتماسكة بعض التماسك، ترقى إلى إنشاء الإدارة الاستعمارية الفرنسية أجهزة الدولة السورية الإدارية والعسكرية والاقتصادية، وتستمر بواسطة دور الجيش في أثناء معركة الاستقلال ثم في الازمة الفلسطينية فالوحدة المصرية السورية…- لم تقم له قائمة فعلية ونافذة خارج حركة الاستيلاء وحلقاتها المتعاقبة والمتقطعة أو قبلها.

المركز و”السياسة” الجديدة

فما صنعته هذه الحركة هو إيجاب صنف جديد من السياسة (“الأمر”) يتنافى والبنية الائتلافية (الفيديرالية أو الكونفيديرالية) التي ربطت على نحو رخو ومضطرب الجماعات الأهلية، وعصبياتها ورؤوس هذه العصبيات وبلادها (مناطقها) وسواقطها المنسلخة منها، بعضها ببعض في إطار دولة وطنية مفترضة. والكلام على “مركز”، حين يتكلم ابن خلدون على غلبة استتباع وعلى عصبية دولة تجانسهما مستحيل، في هذه الحال يخلط خلطاً معمياً بين وجوه الغلبة والاستيلاء. فيحمل الموضع الذي تزاول منه الدولة العصبية الأمر على المعنى الحرفي أي… الأمري، (يحمله) على المكانة الراجحة والقوة المادية والمعنوية وتأليف المصالح. والحق أن الخلط هذا أو الدمج هو ما سعى فيه حافظ الأسد وأراد التعمية عليه، فنجح في التعمية وأخفق في الدمج.

وقد تصح الصورة البيانية الخلدونية، وإطارها المثالي، في “ممالك” ترتب الجماعات القرابية الملتحمة داخل المملكة وعلى ضاحيتها الصحراوية على مراتب القوة والتماسك والأحلاف. ولا يصح في إطار الدولة الإقليمية والإدارية والعسكرية، بديهة. ويختلف معنى المركز في الحالين اختلافاً بيناً. ولعل هذا ما أدركه العسكري الذي كان خاتم الانقلابيين السوريين في النصف الثاني من القرن العشرين. فهو لاحظ من غير شك أن الانقلاب “الناصري” الوحدوي لم يلبث أن أخفق إخفاقه الذريع لأن الجماعات الأهلية الكبيرة والجزئية، والطبقات (“التكوينات” على معنى الأجسام في طور التكوين) الاجتماعية والمراكز العسكرية والادارية نظير هذه وتلك، أقامت على تمتعها بقوة واستقلال ذاتيين و”ائتلافيين”. وحال هذان دون نفاذ أمر وتدبير مركزيين شاملين في ملك الأرض ورؤوس الأموال وفي الجمعيات والولاء الإداري والعسكري وفي مناهج التعليم والأحوال الشخصية والقضاء وعلاقات الجوار و”التطور” التاريخي… واقتضى انشاء المركز، على الصورة الأمرية والاجرائية الجديدة، “استئصال” موارد الجماعات والطبقات والأسلاك من القوة والاستقلال والوساطة. وانضواء جماعات “طرفية” أهلية، مذهبية وبلدية إقليمية وقومية واجتماعية، تحت هذا اللواء لا يجرد طرفيتها في هذا المعرض من معانيها الوليدة والمتجددة.

العصبيات العامية

وما يغفله المثال الخلدوني المفترض، والشكلي الخالص على زعمي، هو النحو الذي نشأت عليه العصبيات الجديدة في إطار أبنية الدولة الوطنية وأنشأها عليه هذا الإطار. فهي ليست لحمات (عصبيات) الأعيان والرئاسات الأسرية والمشايخ (على المعنى “العلماني”!) المتحلقة حول بيوتاتها وعمدتها وأضراسها”، بل هي عصبيات عامية، “تحتية”، عصبيات “أهل الضعف” في مصطلح عباسي، قام بعضها على الأعيان والرئاسات القديمة والجديدة (الثرية أو المتنفذة) وخلعها من غير مداراة. وترعرعت بعض جداول العصبيات العامية والتحتية في أحضان حركات قومية ودينية، تعالت في مرحلتها الأولى على الأطر الوطنية ومستواها “القطري” التجزيئي، ودعت إلى تخطيها ونسخها بـ”أحسن” منها وأوسع. وكانت المراكز المدينية الأرحام التي ضوت إليها هذه الجداول، وتصورت نواها فيها.

واضطلع جهازا التعليم والإدارة بدور غالب في نشوء العصبيات العامية. فهما توليا صناعة أعداد كبيرة من متعلمين مدرسيين وطفيليين لا يصلح معظمهم الساحق إلا لتجديد تناسل الجهاز الذي ولدهم وصورهم على صورتهم الثقافية والوظيفية المنقطعة والمجردة معاً. واستقبل الجهاز الإداري والجهاز العسكري والأمني جزء منه، جمهورَ المتعلمين العريض على سبيل الوقاية الاجتماعية والسياسية من بطالة لم تحتسبها “الدولة” في عهودها المتعاقبة: العثمانية والانتدابية والاستقلالية، وبالأحرى البعثية و”الأسدية”. وغذى النمو السكاني السريع، وشروطه الصحية وغلبة الأرياف العددية في وقت أول معاً، اختلالَ ميزان القوى والعدد بين الجماعات، من وجه أول، وبين كتلتي أهل القوة وأهل الضعف داخل الجماعات، من وجه آخر. فتقدمت الجماعات الريفية على نظيرها المديني (والفروق الاجتماعية والثقافية بين الكتلتين قليلة)، وتعاظمت كتلة “العامة” إطلاقاً ونسبياً بينما ضمر عدد “النخبة” نسبياً على وجه أكيد.

تفاوت “التخلف”

وشهدت سوريا في الأثناء ما شهدته الدول والمجتمعات “المتخلفة”، في أعقاب السيطرة الاستعمارية غالباً، وغداة الحرب الثانية وانهيار الامبراطوريات- من تفاوت حاد بين الزيادة السكانية والنزوح إلى المدن وبين ضآلة نمو أسواق العمل والانتاج المحلية أو الوطنية. وأدى التفاوت المتعاظم هذا- وهو خلّف بطالة مستشرية “بنيوية”، وقلص الأجور والانتاجية معاً، وأضعف الأبنية الطبقية التحتية ومحا سماتها الخاصة- إلى علو منزلة الوظيفة الحكومية في أسلاك الدولة وأجهزتها. فحولها، وحول حصصها وأنصبة الجماعات منها، “أعشاشاً” ريعية تتنافس الجماعات و”جماهيرها” العامية على مراقدها وأحضانها الدافئة.

ولم يعد يفي العقد “الانتخابي” السابق، أي مقايضة المنصب السياسي بخدمة أو منفعة، بالاحتياجات والأعداد والطموح إلى أدوار. فالاستيلاء على الدولة والمجتمع، على قول المادة الثامنة من الدستور السوري “السابق، وتطويعهما السياسي والثقافي العروبي و”الاشتراكي”، وتقسيم مواردهما تقسيماً متفاوتاً على صورة مراتب الأمر والقوة، أمسى هدفاً سائغاً. فمنطق الحصص والريوع يضمر استيلاء الأقوى على الشطر الأعظم. وقد يضمر، لولا العامل السياسي وضبطه، الاستيلاء على الموارد كلها، وتسليط “المركز” الذي أنشأه وأرساه على خواء ودمار سياسيين شاملين، على الأطراف والضواحي كلها. ويُمثل الاصلاح الزراعي على المنطق السياسي هذا: فالاراضي التي وزعت على المزارعين والفلاحين كانت هبةً وعطاءً، فلم يُضطر الفلاحون والمزارعون إلى انتزاع أرضهم بواسطة حركة فلاحية، أي حركة سياسية. وعلى مثال قريب، كثرت القيادة الأجهزة الموازية في الحزب والإدارة والامن والجيش…

الايديولوجية وتذويب الهويات

وقد يبدو الرسم التاريخي السوري المقترح “عظمياً”، مجرداً من الغدد والأعصاب والعضلات الاجتماعية الأهلية والإيديولوجية. وقد يعود هذا، إذا صدقت الملاحظة، إلى التباس سياسة الاستيلاء على الدولة والمجتمع ومواردهما بمركب إيديولوجي قومي ويساري شعبي وعامي، ييسر افتقاره “القطري” إلى التماسك اتصاله بنتوء “الجسم” السياسي، وتشبيه المعاني الظرفية والطارئة كلها. فالعروبة التي أنزلتها المذاهب والأهواء السياسية السورية منزلة العقيدة الوطنية والأهلية الواحدة و”الجامعة” اضطلعت في مراحل التاريخ السوري بأدوار موصوفة أُعملت في تذويب الهويات المادية والمعنوية التي في مستطاعها إلزام الحلف السياسي البارز بمفاوضة الأحلاف الأخرى وإقرار سياسات مركبة.

وتنهض الخلافات على “الوحدة” المزمعة أو المتحققة أو المقدرة، أدلة على هذا الزعم. ففي مواجهة خطط التوحيد الهاشمية (الأردنية) أو الهلالية الخصيبة (العراق) احتجت المعارضة العروبية، البعث في المرتبة الأولى والجناح “الوطني” من الحزب الوطني، لرفضها هذه الخطط بتبعية النظامين للسيطرة البريطانية. فدمجت الهوية القومية المفترضة قائمةً بنفسها بمعزل من الأنظمة والأحوال السياسية العارضة، في حال عابرة وسطحية هي الاحتلال الأجنبي. ويترتب على الدمج إقرار بأن اتحاد بلدين عربيين، على طريق وحدة “كبرى”، لا يعود بالمنفعة أو الجدوى على التحرر من الاستعمار، ولا يمد إرادة الاستقلال بزخم أو مورد جديد. وعلى هذا، فليس الاستعمار السبب في التجزئة، على خلاف دعوى العقيدة، وإنجاز وحدة تحت حكم الاستعمار لا يقدم ولا يؤخر، لا في “الحرية” ولا في “الوحدة”، ولا في “الاشتراكية” بالأحرى.

وحين سنحت وحدة مع دولة متحررة من الاستعمار، ورائدة في مضمار قيادة التحرر منه، تولى فرضها، خفيةً عن أشد الراغبين فيها، فريق مخاتل وانتهازي من العسكر. وتولى فكها وتصديها بعض من أشد أنصارها في أمس قريب. وتذرع مصدعو الجمهورية العربية المتحدة بتمييزها بين مصدري مواطني الدولتين، وترتيب ممثليهم على “فوق” و”تحت” تبعاً لمصدرهم “القطري”. فظهر على الملأ أن التحرر من الاستعمار والتشدد في مقاومته لا يضمنان دوام الوحدة، ولا يحصنانها من نزوات “الانفصال”. والأنكى أن الاجراءات الاشتراكية غذت الميول الطبقية المتفرقة – البورجوازية الاحتكارية والشعبية الكادحة، والبيروقراطية العسكرية، والبرلمانية الاقطاعية- إلى التملص من قبضة متسلطة، “قومية” أي أجنبية في هذا السياق.

فتحقق أن لا قوام للعصبية العربية، لا من غيرها (الحرية والاشتراكية) ولا من نفسها، إلا أنها، على رغم خوائها العظيم، آلة إيديولوجية وسياسية، من بعد، كاسحة ومدمرة. فإعمال نصلها أو شفرتها القاطعة في التكتلات السورية المتحفظة عن سياسات الكتلة البعثية، “وطنية” أو “شعبية” (حزب الشعب) أو شيوعية أو ناصرية، وصَمَها تباعاً ومعاً بالقطرية أو بالطبقية أو بالهاشمية أو بالرجعية المتأمركة تارةً والمتصهينة تارةً أخرى. وهذه كلها أضداد مميتة للعصبية القومية العروبية. ووَجهّت هذه العصبية شفرتها إلى الفلسطينيين وفرقتهم عرفاتيين وحبشيين وصداميين وساداتيين. ووجهتها إلى اللبنانيين فصنفتهم انعزاليين طائفيين ومتصهينين وعملاء وإرهابيين وخنجراً في خاصرة العروبة وهدفاً مشروعاً للاغتيال والحصار والتجويع والقصف.

وهي آلة إنكار الهويات على أصحابها. وعلى هؤلاء إما الانحياز الى تعريف بالولاء للاسم الواحد وخلع هويتهم، وإما النفي من الإسم والتعريف والوجود المعنوي والمادي. والعُظام (البارانويا) الذُهاني الذي يسري في عروق المركب الإيديولوجي “الأسدي”، أدى دوراً مدمراً في تصديع الهوية الوطنية السورية، وسد في وجهها باب إنشاء تعريف يمكن الجماعات من تقييد المنازعات وجموحها إلى أقاصي العنف، على النحو الذي شهدته فصول من التاريخ السوري ومن تواريخ جيرانه المتصلة. وهذا ليس من هموم صاحب التأريخ الذي نتاوله، ولا ينبغي ربما أن يكون من همومه.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع