أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » أطفال العرب… 6 حكايات من إسطنبول

أطفال العرب… 6 حكايات من إسطنبول

أطفال العرب… 6 حكايات من إسطنبول
مصطفى عبد السلام
23 أبريل 2019

مدوّن

كاتب وصحافي مصري، رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة “العربي الجديد”.

يقول:

أميل للبسطاء، وأدعم الحق والمظلومين. ولأنني مدرك أن الاقتصاد هو حياة الناس، أعمل منذ سنوات على “أنسنة” الاقتصاد وتفريغه من حالة الجفاف التقليدية. أعتبر أن مهنة الصحافة أعظم مهنة على الأرض…
في وسط حديقة واسعة بمدينة إسطنبول التركية جلس ستة أطفال على الأرض يلعبون، أعمارهم مختلفة ما بين العاشرة والخامسة عشرة، كانوا يكونون بأجسادهم النحيفة شكل دائرة حيث يلهون أسفل شجرة ضخمة تقع على أحد شواطئ بحر مرمرة، يجلسون القرفصاء وكأنهم في عجلة من أمرهم، فقط ترى ظهورهم المقوسة من الخلف، أما وجوهم فلا تلحظها إلا بعد الاقتراب الشديد منهم.

عندما تخطو نحوهم تسمعهم وهم يتحدثون مع بعضهم البعض بلكنة عربية رغم صوتهم المنخفض، اقتربت منهم لأعرف نوع اللعبة التي يلعبونها، وقبلها أعرف سر وجودهم في منطقة تقع على أطراف إسطنبول الأوروبية، وما الذي أتى بهم إلى هذه المدينة البعيدة عن بلاد العرب، ولماذا تركوا بلادهم في هذه السن الصغيرة.

عندما اقتربت أكثر لاحظت أن وجوهم لا تدل على أنهم من بلد عربي واحد، بل من بلدان عربية مختلفة، فلون البشرة واللكنات مختلفان، بادرتهم بالتحية قائلاً: “هل من الممكن أن أشارككم هذه اللعبة”، وببسمة صافية ارتسمت على وجوه كل الأطفال الستة قالوا: “تفضل يا عمو.. أهلاً وسهلاً ومرحباً بك”، ضحكت وشكرتهم، وقلت لهم: “سأجلس بجواركم حتى أعرف ماذا تلعبون”، وظللت أراقبهم من على بعد خطوات لحين الانتهاء من اللعبة، فأنا أتلهف إلى معرفة سر وجودهم هنا في المدينة التركية التي باتت تضم ملايين العرب.

جلست على مقعد خشبي قريب منهم أرقب حركات أيديهم السريعة وأجسادهم النحيفة لمدة تزيد عن الساعة إلى أن حانت الفرصة، لقد فرغوا للتو من لعبتهم، أخيراً دعوتهم إلى الجلوس بجواري على مقعدين أحدهما أجلس عليه، وطلبت منهم أن يسرد لي كل واحد حكايته.
هل سنظل هنا إلى الأبد.. شخصياً لا أعرف أي شيء عن المستقبل، وكذلك إخوتي، كل ما هنالك هو أن أمي تحثنا على التعلم والتفوق والالتحاق بكليات الطب أو الهندسة لأن هذه هي وصية أبي

أيمن من مصر
أنا أيمن من مصر عمري 13 سنة، هاجرت إلى إسطنبول في نهاية شهر أغسطس/ آب 2013، عقب مجزرة رابعة، قبل السفر كنا معتصمين كأسرة صغيرة في ميدان رابعة، حيث كنا من مؤيدي الدكتور محمد مرسي، كنت أنا وأبي وأمي وإخوتي في خيمة واحدة، في صباح يوم 14 أغسطس/ آب 2013 هجمت قوات الأمن على الخيمة التي كنا نعتصم بها، أحرقوها، قتلوا أبي بالرصاص الحي في رأسه، سقط أمام أعيننا، انهرنا جميعاً، لم نستطع أن نفعل له شيئاً، حاولوا اعتقال أخي الأكبر الذي فر منهم، أما أنا وأمي وإخوتي الصغار فقد هربنا بعد الفض مباشرة وتوجهنا إلى بيتنا في مدينة بنها القريبة من العاصمة القاهرة، تاركين أبي في الميدان.

بعدها عشنا أياماً عصيبة كلها رعب وقلق، فبعد أيام من فض اعتصام رابعة اقتحمت قوات الأمن منزلنا باحثة عن أبي الشهيد وأخي الأكبر، وتكرر الاقتحام عدة مرات، وفي كل مرة تقوم قوات الأمن بتحطيم أثاث المنزل، ومع المضايقات الأمنية المستمرة قررت أمي السفر إلى إسطنبول، وبعدها بأيام لحقنا أخي الأكبر.

هنا التحقت أنا وإخوتي الصغار بمدرسة تركية، لأننا لم نكن نمتلك المال للالتحاق بمدارس أجنبية أو حتى عربية، واجهنا صعوبة شديدة في البداية بسبب تعلم اللغة التركية والتعامل اليومي مع الشارع، لكن بعد أشهر قليلة أتقنا اللغة، أخي يعمل في محل سوري يبيع الشاورمة ويوفر لنا مصروفاتنا.

لا نعرف متى سنعود إلى مصر، وهل سنظل هنا إلى الأبد.. شخصياً لا أعرف أي شيء عن المستقبل، وكذا إخوتي، كل ما هنالك هو أن أمي تحثنا على التعلم والتفوق والالتحاق بكليات الطب أو الهندسة لأن هذه هي وصية أبي.

زياد من العراق
أنا زياد من العراق عمري 12 سنة، جئت إلى إسطنبول عام 2014 قادماً من مدينة الموصل التابعة لمحافظة نينوى هرباً من تنظيم داعش الذي سيطر على المدينة وأثار الرعب بها، في هذا العام تركتنا القوات العراقية وهربت من ساحة القتال وبتنا فجأة تحت سيطرة التنظيم الذي فرض سيطرته كاملاً على الموصل، التي تعد ثاني أكبر مدينة بعد العاصمة بغداد.

بعدها تحولت مدينة الموصل الهادئة والجميلة إلى ساحة قتال واشتباكات عنيفة ويومية بين القوات الحكومية ومسلحي تنظيم داعش، ومع اشتداد حدة القتال اندفعت آلاف الأسر إلى الفرار، جزء من أسرتنا فر إلى إقليم كردستان طلباً للأمان، وجزء آخر فر إلى تركيا تفادياً للمخاطر، وجزء ثالث ركب المراكب غير المشروعة متجهاً لألمانيا.

أبي لا يزال في الموصل متمسكاً بالأرض، لم يترك بيتنا رغم تعرضه للدمار الكامل خلال محاولة القوات العراقية استعادة المدينة وطرد داعش منها، أنا وإخوتي الصغار نعيش مع أمي في إسطنبول، وعمي الأكبر في أربيل، وخالي فر إلى ألمانيا، لا نعرف متى سنعود لبلادنا لنجتمع معاً كأسرة رغم أن القوات طردت داعش منها.

كلما فكرت أمي في العودة تتراجع بضغط من أبي، فالبيت لا يزال مدمراً، ولا نملك أموالاً لإصلاحه وإعادة ترميمه، والمدينة لا تزال تفتقد الأمن الذي نجده هنا في إسطنبول، والمدارس لا تزال مهدمة، أبي ينصحنا بالبقاء هنا إلى حين تحسن الأوضاع الأمنية. وقلوبنا تتوق إلى العودة لبلادنا التي ولدنا بها وترعرعنا.

أسامة من إدلب
أنا أسامة من ريف إدلب السورية 15 عاماً، جئت أنا وأسرتي إلى مدينة إسطنبول في عام 2012 وعقب قيام الثورة السورية، في هذا العام تحولت المدينة إلى ساحة حرب، كما تحولت لاحقاً إلى مواجهات بين أهالي المدينة والتنظيمات العسكرية والفصائل المسلحة.

عمي استشهد يوم 15 فبراير/ شباط 2012 على يد قوات بشار الأسد عندما كان يشارك في مظاهرات ضد النظام، وعمي الثاني استشهد في مارس/ آذار 2016 عندما ارتكبت قوات النظام مذبحة مات فيها عشرات المدنيين في محافظة إدلب، وساعدتها في ذلك القوات الجوية الروسية، ساعتها تم هدم منزلنا والمنازل المجاورة له، وقبلها تهدمت مدرستنا.

أبي تم اعتقاله من قبل قوات بشار الأسد في بداية الثورة، ولا نعرف أي شيء عنه حتى اللحظة، وما إذا كان حياً أم ميتاً، حاول جدي كثيراً البحث عنه والتعرف إلى مكانه ولكنه فشل، دفعنا كل ما لدينا من “مصاري” (أموال) في الداخل لرجال الشرطة لمعرفة مصيره، يقال إن قوات بشار قتلته عقب اعتقاله، وثمة ناس يؤكدون أنه لا يزال مسجوناً في أحد سجون بشار بدمشق.

في أحد الأيام تلقى جدي اتصالاً أفاده بوجود أبي في أحد السجون المركزية، هرع إلى هناك، لم يعثر على أي أثر، لم يقل له أحد أي معلومة مفيدة حول أبي، كل ما سمعه جدي هي قصص مرعبة عن تعذيب وحشي يتعرض له المعتقلون السياسيون، خاصة في المناطق التي خرجت عن سيطرة بشار بعد الثورة وتصفيتهم جسدياً بعد التعذيب. أمي تعمل في مول تجاري بوسط إسطنبول لتدبير المال لنا، وأنا وإخوتي الصغار ندرس في مدرسة تركية تقع بالقرب من المنزل الذي نقيم به، وأحياناً نساعد أمي في المصروفات، إذ نعمل خلال الإجازات.

عبد الرحمن من الصومال
أنا عبد الرحمن من الصومال 13 عاماً، كنت أعيش في ذاك البلد الذي يكاد يختفي من خريطة العالم بسبب الحروب الأليمة التي مر بها في السنوات الأخيرة، شخصياً لا أعرف الآن إلى أي صومال أنتمي، أرض الصومال، جمهورية الصومال الفيدرالية، الصومال الكبير، فأنا أنتمي لبلد مسكون بالحروب والصراعات، بلد يقتل فيه الأخ أخاه والابن أباه بدم بارد.

كنا نعيش قبل سنوات على أطراف العاصمة مقديشو، كل يوم كان يمر علينا يعادل سنوات بسبب الخوف والرعب، كنا نشم رائحة الموت يومياً وننام على أصوات التفجيرات، في أحد أيام شهر يناير 2014 وبينما كنت وإخوتي عائدين من المدرسة انفجرت سيارة ملغومة أمام الفندق الذي كنا نمر من أمامه، ساعتها رأينا الموت بأعيننا، إذ تطاير زجاج السيارة التي كنا نستقلها، بعدها مباشرة هاجرت أنا وإخوتي الثمانية إلى إسطنبول، أبي لا يزال في مقديشو حيث يعمل بجهاز الشرطة، يزورنا من وقت لآخر، ويرسل إلينا المال الذي لا يكفينا بسبب كثرة عددنا، ويضطر إخوتي الكبار إلى العمل بعد الدراسة لاستكمال نفقاتنا.

فؤاد من اليمن
أنا فؤاد من العاصمة اليمينة صنعاء، 11 سنة، كنا نعيش في صنعاء حتى شهر مارس/ آذار 2015، لكن تأييدنا للشرعية والرئيس عبد ربه منصور هادي جلب لنا المشاكل والمضايقات من أتباع الحوثي الذي يحكمون العاصمة منذ 4 سنوات، قررنا الرحيل إلى إحدى المدن الجنوبية، اخترنا في البداية عدن، لكن تراجعنا وذهبنا إلى مدينة الحديدة حيث كان يعمل أبي في التجارة والتصدير والاستيراد، في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 كان اليوم الأسوأ في حياتي حيث فقدت أبي واثنين من أعمامي في معركة حصدت أرواح نحو 150 شخصاً خلال 24 ساعة، هربنا من الحديدة إلى جيبوتي عبر البحر الأحمر، حاولنا الهروب إلى أميركا عبر تركيا لكن فشلنا بسبب عدم وجود تأشيرة سفر، أخيراً اخترنا البقاء في إسطنبول.

طارق من ليبيا
أنا طارق من ليبيا 14 سنة، كنت أعيش في مدينة بني غازي بشرق ليبيا قبل السفر إلى هنا في نهاية عام 2014، في هذا التوقيت كان الجميع يحارب الجميع، كانت المدينة تشهد حرباً أهلية طاحنة، كان أبي يحكي لنا أسماء لجماعات كثيرة متناحرة ولا نعرف سبب تناحرها، ثوار فبراير، مقاتلو مجلس شورى، ثوار بنغازي، غرفة عمليات ثوار ليبيا، درع ليبيا، الجيش الوطني الليبي، كنا لا نعرف من يحارب من، كنا ننام على أصوات المدافع ونستيقظ على أصوات الرصاص الحي التي كانت تنطلق على بعد عدة أمتار منا. فكرنا أن نركب البحر لنهاجر إلى إيطاليا، لكن أبي خشي علينا من الغرق، واخترنا إسطنبول في النهاية بحثاً عن الأمان الذي فقدناه في بلادنا، بعد أن نقل إليها أبي مقر شركته.