أخبار عاجلة
الرئيسية » شهداء ضحوا لاجلنا » ماري كولفين.. صحافية أمريكية دفعت حياتها ثمنًا لفضح «وحشية» الأسد

ماري كولفين.. صحافية أمريكية دفعت حياتها ثمنًا لفضح «وحشية» الأسد

كانت الأشجع، ربما لذلك قُتلت؛ في تقريرها الأخير من حِمص في سوريا، قالت: «إن كل بيت في هذا الشارع قد ضُرب بفعل النظام» في منطقة بابا عمرو، لقيت الصحافية الأمريكية ماري كولفين مصرعها على يد نظام الأسد، ما لم يعرفه النظام حينها، أن موتها سيلفت انتباه العالَم للأعمال الوحشية التي تُرتكب في سوريا، وقد قضت محكمة أمريكية في فبراير (شباط) 2019 بإلزام بشار الأسد بدفع 302 مليون دولار، لعائلة ماري، لاتهامه مباشرةً في استهدافها وقتلها.

وقد قالت القاضية إيمي بيرمان جاكسون في حكمها التاريخي: «إن سوريا تنتهج سياسة العنف، لتخويف الصحافة وقمع المعارضة» وقد جاء الحكم ليؤكد أن سلطة القانون ما يزال يُحسَب حسابها، أمام كل الفظائع التي حدثت في سوريا السنوات الماضية، لكن سوريا لم تستجب لهذا الحكم، وحمّل الأسد ماري مسئولية موتها لعملها مع الإرهابيين، على حد وصفه، وقد ألهمت حياتها المثيرة الكثيرون، فجسدت روزاموند بايك شخصيتها الفريدة وحياتها الاستثنائية في فيلم «A private war»، للمخرج ماثيو هاينيمان.

حروب ماري كولفين الخاصة

وُلدت ماري كولفين في 12 يناير (كانون الثاني) 1956، في نيويورك، وتخرجت في جامعة يال، وفي 1986 عملت مراسلة عن الشرق الأوسط لصالح جريدة «صنداي تايمز» البريطانية، بعدها خاضت ماري حروبًا صحافية ضروسًا، فذهبت إلى العاصمة الليبية، أثناء قصف الولايات المتحدة لليبيا في أبريل (نيسان) 1986، لتجري أول لقاء مع معمر القذافي، ثم قابلته بعدها عدة مرات، خلال الخمسة وعشرين عامًا التالية.

وفي عام 1994 رافقت ياسر عرفات في أثناء عودته إلى فلسطين، ثم تكررت مقابلاتها له فيما بعد، ثم ذهبت في رحلة عصيبة إلى الشيشان، عن طريق جورجيا؛ لأن القوات الروسية قطعت الطرق أثناء حرب الشيشان الثانية، واستغرق الطريق ثمانية أيام، عبرت خلالهم طريقًا ثلجيًا، واجتازت الجبال لمسافة بلغت 12 ألف قدم، لمقابلة متمردي الشيشان آنذاك.

لم تنته مهمتها عند الكتابة؛ فقد أنقذت ماري حياة 1500 شخص في أثناء حوادث العنف التي اندلعت عام 1999 في تيمور الشرقية، بعدما صوتت لاستقلالها عن إندونيسيا، كانت ماري واحدة من ثلاثة صحافيين، ظلوا داخل مبنى محاصر من قِبل القوات الإندونيسية، وكان هذا المبنى هو الملجأ الذي اتخذه 1500 شخص، ورفضت ماري تركهم، وقد ساعد البث الذي أذاعته على إخلاء قوات من الأمم المتحدة للمبنى بعد أربعة أيام عصيبة، وفي 2003 عندما ضربت أمريكا العراق، ذهبت ماري لتقييم المشهد، وكتبت عن مقابر صدام الجماعية، وعن الأعمال الوحشية التي قام بها ابنه عدي بأفراد أسرته، ماري صرّحت عما فعلته بها مشاهدة الحرب، بأنها «عرفت أشياء لم تكن تُريد أن تعرفها، عرفت كيف يكون شكل الجسد الضئيل عندما يحترق».

بعينٍ واحدة ترى ما لايراه الآخرون

«صحافية، صحافية أمريكية، أمريكا» بهذه الكلمات صرخت ماري، قبل إطلاق النار على عينيها، في سريلانكا التي تقول عنها: «لقد شعرت بحزن مهول، أحسست أنني على وشك الموت» كانت تستطيع أن تؤدي مهمتها بقدر من الأمان، لكنها أصرّت على التواجد في الخطوط الأمامية، لتحكي الحقيقة كي يسمعها الآخرون.

لم تكن ماري مهتمة بالسياسة ولا بنوعية الأسلحة، كانت تهتم بالبشر، كانت تهتم بالبشر الذين تعتبرهم أبرياء، كانت تشعر بمسئولية أخلاقية نحوهم : «أريد أن أنقل حكاية كل شخص، فالبشر ليسوا أرقامًا» هذه الجملة كانت مشروع ماري في الحياة، وهي ما كلفتها حياتها في النهاية، من ليبيا إلى العراق وإيران وحتى محطتها الأخيرة في سوريا، كانت ماري كولفين مراسلة حرب، محاربة ومراسلة، تنقل ويلات الحرب، لمدة 30 عامًا، تنقل وتكتب، وتركز على تأثير الحروب على المدنيين.

بعين واحدة تسجل ماري الأحداث، من الخطوط الأمامية، بعدما فقدت عينها اليسرى في سريلانكا عام 2001، بشظايا قنبلة يدوية، حيث كانت تغطي اشتباكات الحكومة مع متمردي «نمور التاميل» وستُصبح عُصابة عينها فيما بعد علامة مميزة لماري، وتقول إن «أصعب شيء في هذا الحادث أنها لم تستطع أن تبكي حين عرض عليها الكثير من نمور التاميل أن تأخذ عيونهم، بدلًا من العين المفقودة» لم تترك ماري عملها الشاق أبدًا بعد فقد عينها، فقد كانت مؤمنة بدور الصحافة، كانت ترى أنها تستطيع إحداث فرق، وإنقاذ حيوات الناس.

وبعد حرب العراق، وانتشار استخدام الإنترنت، لم يعد كونك صحافيًا حماية لك، لكن على العكس، في الغالب قد تستهدف فقط لكونك صحافيًا، خاصةً لو كنت مثل ماري. ما مَيز ماري عن كل صحافيّ الحروب، هو التفاصيل الصغيرة التي كانت تنقلها عن البشر الذين تأثروا بالحرب، والتي كانت تجلس معهم بالأيام، وصفها لمرأة سقطت ميتة أثناء محاولتها لجلب الطعام، وقد عانت بعد الحادث الذي فقدت فيه عينها من الكوابيس، ومتلازمة كرب ما بعد الصدمة وعكفت على شرب الكحول.
ماري تكتب قصتها الأخيرة في بابا عمرو

لم تكتف ماري بكل الحروب التي خاضتها بعين واحدة، لكنها ذهبت بعيدًا جدًّا، بهاتف ثريا، وجهاز كمبيوتر محمول، كانت تتناول الغداء مع الصحافية ليندسي هيلسوم وأصدقائها الصحافيين في بيروت، عندما قررت التسلل إلى حِمص، في حين رفض أصدقاؤها الانضمام إليها في طريقها العسير؛ لأن الخطر أكبر من احتمالهم، الأمر الذي استهجنته ماري، بالرغم من أنها كانت تعلم أن الأوامر قد صدرت بقتل الصحافيين، كانت تعلم أيضًا بأن الأسد قد خَرَق كل قواعد الحرب، ومنع الصحافيين من الوجود، وتعي عدم وجود موارد غذائية، أو رعاية طبية.

«لماذا لا يأتي العالم كله إلى هنا؟»، هكذا قالت ماري، بعدما ذهبت إلى حمص التي أصبحت حمامًا من الدم، ورائحة الموت قد غطت كل مكان، كانت قد ذهبت في ليلة باردة، تلمع فيها نيران الصواريخ في السماء إلى حيث تُحاصر قوات الأسد 28 ألف شخص، وقد غادر كل المراسلين الصحافيين، استقرت في منزل أُعد مركزًا إعلاميًّا يسجل فيه الناس الأحداث بكاميرات التليفون، ويعرضونها على الإنترنت، في منطقة بابا عمرو السورية المحاصرة، التي وصفتها في تقريرها الأخير بـ«قبو الأرامل».

ومن حِمص كتبت ماري لجريدتها عن المدينة التي أصبحت كمدينة الأشباح، وعن صدى صوت القصف ونيران القناصة الذي ما زال في الآذان، حكَت عن 300 امرأة وطفل يجلسون في الظلام والبرد، وطفل حديث الولادة بلا رعاية طبية ولا طعام، وأم قد منعت الصدمة صدرها عن إدرار اللبن، فأصبحت تُطعم ابنها ماء وسكرًا، وطبيب واحد يحاول إسعاف المصابين، طبيب بيطري.

وفي 22 فبراير (شباط) 2012، أصابتها صواريخ النظام، ومات بجوارها المصور الفرنسي ريمي أوتليك، ونجا المصور بول كونري رفيقها في تسجيل حكايات الحروب، والذي صنع في ما بعدها وثائقيًّا عنها بعنوان «Under the wire». كانت ماري تدرك الخطر لكنها رأت أن الحكاية تستحق، الحكاية التي كلفتها حياتها.

 

ماري في ميدان التحرير بالقاهرة 2012-

 

ماري في العراق

 

ماري في سريلانكا-