أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » جدل مزارع شبعا يتجدد في لبنان

جدل مزارع شبعا يتجدد في لبنان

ما الذي يميز المثقفين العرب عن غيرهم من الشرائح الأخرى عند كتابتهم سيرهم الذاتية؟ أعتقد أن الإجابة عن ذلك لن تكون في قدرتهم على صياغة الأبنية السردية فحسب، وليست في اختيار الموضوعات الأكثر جدارة بالكشف، ولن تأتي في تبيان ما يمكن تأمله من تجاربهم الحياتية، إن السمة الأكثر وضوحا تتجلى في تركيز تلك الكتابات السيرية على كشف السجالات والمواقف التي لا مناص من وجودها، ولا عوض عن ذكرها؛ لتبدو مثل (إكسير الحياة) لتلك الكتابة المطبوعة بوعي ثقافي راق في التعامل مع الأقران دون إسفاف، اعتمادا على الإيمان بدور الاختلافات الفكرية لا الشخصية في صياغة الكتابة وترسيخ التلقي.

تستعيد ثلاث تجارب كتابية في السيرة الذاتية لمثقفين عرب ذلك البعد السجالي السابق ذكره، وهي «الذات بين الوجود والإيجاد» للمغربي بنسالم حميش عن المركز الثقافي للكتاب 2019. و«الشاهد المشهود: سيرة ومراجعات فكرية» للفلسطيني وليد سيف عن الأهلية للنشر 2016، و«سيرة الوقت: حياة فرد… حكاية جيل» للسعودي معجب الزهراني عن المركز الثقافي للكتاب 2019. ومع أهمية هذه الكتب الثلاثة في التعبير عن مشهد الكتابة السيرية العربية المعاصر، فإن تركيزنا سينصب على السجال بوصفه بؤرة اهتمامها وأبرز مصادرها، إلى جانب ذلك الاتفاق الواضح الذي تحمله عنواناتها على ربط الخاص بالعام والفردي بالجمعي.

يؤكد حميش في كتابه العلاقة المتلازمة بين مسارين اثنين: (الوجود)، المفردة المتكئة على أبعادها الصوفية والفلسفية تأثرا بعدد من روادهما، و(الإيجاد)، المفردة المفعِّلة ما تضطلع به الذات في صراعها مع الشؤون الحياتية والفكرية المختلفة، وتدعم الأول منهما إشراقات واسعة من المؤلف على شظايا الفكر الصوفي والفلسفة الوجودية المتمثلة في كتبه التي يتطرق إلى بعضها، أو الكتب الأكثر أهمية في تشكيل وعيه من كلا التيارين؛ ولذلك كان الكتاب يحمل من معظم الفنون طرائف مفيدة ومهمة.

تبلورت في الجزء الأول من العمل المتصل بتفاصيل مراحل العمر المبكرة الجوانب الإبداعية المتكئة على خبرة فنية للمؤلف، وفي الجزء الآخر المتصل بالقضايا الفكرية الأبعاد السجالية المكتسبة لدى الأكاديمي الناقد، واتسمت بصياغة مواقف قطعية واضحة لا تحتمل الشك، داعما ذلك بثقافة ومعرفة واسعتين، وبخبرة وحنكة في الإدارة. ونظرا لأهمية القضايا المعالجة فإن العمل يحمل العمق المعرفي، الذي يستدعي إعادة القراءة والتفاعل معه.

يستهل المؤلف بتفاصيل عن المكان وحياة أبويه، ومن ثم الانتقال إلى طفولته، وعلاقته بأسرته: الأب والأم والأخ الأكبر، وعلاقاته بفتيان الحي من حوله، ثم دراسته في المغرب وفرنسا، وزواجه، وأعماله التجارية. ويشكل هذا الجزء ثلث العمل تقريبا، غلبت عليه مرحلة الشباب الأولية. ويضم الجزء الآخر، وهو الأكثر أهمية، الجانب التكويني للمؤلف الممزوج بالفلسفة والتصوف ودرسي اللغة والهوية وغير ذلك، وتبدو السيرة هنا سيرة فكرية بامتياز شملت تناوله لأعماله الروائية وتسويغه الاشتغال على التوظيف التاريخي للرواية، وتناول شعرية الرواية وتقنياتها من زاوية نقدية.

كتب المؤلف بطريقتين تلائمان المسارين اللذين أشير إليهما أعلاه، في الأول غلب جانب السرد القصصي على العمل، وكان متباعدا فيه عن الخطية (الكرونولوجية)، ولكنه ظل في إطار السرد المتصل بالقضايا المعتادة: الطفولة، الشباب، الدراسة، الزواج، العمل. كانت اللغة هنا لغة كتابة روائية ميسرة، ومتباعدة عن التكثيف المجازي. أما الآخر فقد غلب عليه السجال الذي أرغم عليه نتيجة تناوله النقدي لأعمال غيره، وكذلك حواره مع مثقفين آخرين مثل: أدونيس ويوسف زيدان وغيرهما، وكانت اللغة هنا لغة كتابة مقالية خاضعة لمبدأ إعمال الفكر، ومطارحة السجال. ويميز هذا المسار من الكتاب احتواؤه على اقتباسات من مؤلفات أخرى آمن المؤلف بأهميتها ونجاعتها في حياته.

ومن سمات هذا الكتاب أنه يقدم رؤية فكرية لا تحتمل المواربة؛ فهو ممتلئ بوطنية عميقة، وقومية ناضجة، كان من أبرز أولوياته الدفاع عن حقوق الوطن والأمة المستلبة، ولذلك كانت ارتهاناته المتكررة إلى أطروحات إدوارد سعيد بوصفها مداخل منهجية لدعم أطروحته.

شُيدت سيرة سيف في خطاطات نقدية وفكرية متأثرة بشخصية كاتبها، وتكمن أهميتها في كونها تمثل تاريخا مهما للقضية الفلسطينية، وتمثيلا لمعاناة أحد أبنائها وترحلهم من مكان إلى آخر، كما تشمل التركيز على الصراع العربي الإسرائيلي ومراوحاته بين الهزائم والصلح، وكتبت في جانبها البنائي في قوالب سردية امتزجت برؤى نقدية تعالج قضايا متصلة بالشعر والقص والدراما، وأخرى فكرية سجالية تتصل بمراجعات تستند إلى التاريخ والدين والأنثروبولوجيا، وتطمح إلى معالجة مشكلات وجودية يعاني منها الإنسان العربي في واقعه وعلاقاته بالآخر، ولعل أبرز ملامح هذه السيرة في بنائها السردي عدم انتظام زمنها، وتنوع الضمائر وكثرة الاسترجاعات، وإشراكها القارئ بوصفه حاضرا في مقاطع منه، ومحاولة فرض حياديتها، من جانب المؤلف، في أقل تقدير، ويحسب لهذا العمل استحضاره الدائم للقارئ ومخاطبته مباشرة، بوصف ذلك أحد مداخل الإقناع لا سيما في القضايا السجالية المطروقة.

كتب العمل بلغة أدبية تستلهم روافد إبداعية أربعة، شكلت شخصية المؤلف وهي: الشعر، والدراما، والسينما، واللغة البحثية الأكاديمية؛ فكان الشعر متناسبا مع كتابات متصلة بموضوعات عاطفية كالحب والوطن، وكانت الأكاديمية مناسبة للكتابات المتصلة بالجانب العلمي والتحليلي، وكانت الدراما والسينما مؤثرتين في وصف الأماكن وتفاصيلها.

في كتابة شفافة يقدم الزهراني سيرته الذاتية؛ إذ لم يشغله البناء التقليدي فيها، ولكنه حرص على تقديم نفسه من نافذتين: إحداهما شخصية، والأخرى فكرية، وبدت الأخيرة أكثر حضورا؛ ويرتهن ذلك إلى أن المؤلف أراد أن يقدم نفسه من النافذة التي عُرف بها، وهي الغالبة على الكتاب، ولعل ما يميز هذه السيرة عن سابقتيها جرأتها على الكشف في كلتا النافذتين المستهدفتين. جاء العمل مزيجا من سيرة بسيطة وسيرة فكرية بدت أكثر عمقا، وفي كلتيهما تجلت محطات سجالية، استهلت بالشخصي ومن ثم الانتقال إلى حكاية جيله وسجالاته المعروفة مع التيارات المناوئة؛ على سبيل المثال: كان الجزء المتصل بالجامعة بيانا عن تجربة شهدها الزهراني مع أكاديميين بارزين ضد مواقف تيار متشدد حاول السيطرة على البيئة الأكاديمية وإخضاعها، إلى جانب إشارات وآراء نقدية متصلة بتجارب عربية معروفة، وقد ولدت تلك الإشارات نتيجة بذور سجالية سابقة؛ لكنها قُدمت في لغة أدبية سلسة لا تخلو من طرافة أحيانا.

ولعلنا هنا نعود لنؤكد أن الخطاب السجالي في سير المثقفين الذاتية كان حاضرا بقوة منذ القرن الماضي، إلا أن تلك الأعمال الثلاثة أوصلت ذلك الخطاب إلى ذروة مرحلة نضج تتباعد عن الادعاء والتمويه، وتنتمي إلى جيل استجاب لهموم الفكر وسلطة الإبداع.

د. معجب العدواني

– كاتب سعودي

المصدر: الشرق الأوسط