أخبار عاجلة
الرئيسية » قصص قصيرة » مصطفى عبد السلام : ليلة بكى فيها الطفل

مصطفى عبد السلام : ليلة بكى فيها الطفل

ليلة بكى فيها الطفل
مصطفى عبد السلام
13 مايو 2019

مدوّن

كاتب وصحافي مصري، رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة “العربي الجديد”.

يقول:

أميل للبسطاء، وأدعم الحق والمظلومين. ولأنني مدرك أن الاقتصاد هو حياة الناس، أعمل منذ سنوات على “أنسنة” الاقتصاد وتفريغه من حالة الجفاف التقليدية. أعتبر أن مهنة الصحافة أعظم مهنة على الأرض…
ظلام دامس يلف القرية، في فترة ما بين المغرب والعشاء، فاليوم هو الثامن والعشرون من الشهر العربي. ظلام جعل سكان القرية لا يرون ما تحت أقدامهم، لم يكن التيار الكهربائي قد عرف طريقه إلى القرية بعد، القمر لا يزال مختبئا وراء النجوم، لم يطل بعد بوجهه البيضاوي الأبيض الذي يشبه وجه جدتي، يرفض أن يزين السماء إلا في موعده، صوت المواشي لا يزال مسموعا وهي تبحث عن مكان مبيتها حتى ترتاح بعد عناء يوم طويل، صوت الأبقار يتصاعد فرحا بعودتها من الحقول، حتى صوت الجاموس كان يعجبنا نحن الأطفال وكأنه ترانيم المساء.

الفلاحون يتسامرون وهم يركبون على ظهر الحمير عائدين إلى بيوتهم، والأبناء يتسابقون في دفع المواشي نحو الحظائر داخل المنازل، يريدون إنجاز مهمتهم بسرعة للتفرغ لمهمة أهم وأكبر وهي سرد تفاصيل يومهم لجدتهم الستينية التي كانت تنصت بشغف لكل واحد على حدة.

أطفال القرية اختفوا بعد أن كانوا يملأون الدنيا صياحاً قبل صلاة المغرب، الأمهات رحن يقنعن أولادهن الصغار بضرورة النوم مبكراً وعدم الخروج إلى الشارع في هذا الظلام الدامس حتى لا يخطفهم “أبو رجل مسلوخة” أو الذئب الذي خطف طفلا قبل أيام، أو تخطفهم العصابة التي تختفي وراء الجبل الغربي، أو تغريهم بسرد قصص الشاطر حسن، والرجل الذي صارع الأسد في الحقل البحري عندما هاجم قطعان الأغنام، ومولد الشيخ فلان الذي سيغني فيه الشيخ ياسين التهامي بعد عصر الغد.

داخل المنزل ضوء خافت يخرج من لمبة الجاز التي تم تثبيتها بمسمار قوي في الحائط. هناك ضوء آخر يخرج من نار الكانون الذي تطهو عليه الأم وجبة العشاء، وهي عبارة عن لحم مسلوق وملوخية خضراء وخبز أبيض مصنوع في البيت يطلق عليه اسم “البتاو” الصعيدي، وهو نوع من الخبز مصنوع من دقيق القمح أو الذرة الرفيعة أو الشامي وهو الذرة الشامية ومخلوط عليه خميرة، والبتاو هو الخبز الشعبي لمعظم أهالي الصعيد.
من المقعد الأول انطلق التلميذ ليحصل على المرحلة الابتدائية في 4 سنوات بدلاً من ست، ثم الإعدادية، وفي الثانوية حصل على مجموع عالٍ أهله للالتحاق بإحدى كليات القمة بجامعة القاهرة، ومن الكلية انطلق لعالم الصحافة الرحب

الأب ينادي على الأم للإسراع في إعداد وجبة العشاء حتى يتناولها قبل صلاة العشاء، وبعدها يخلد إلى النوم حتى يستيقظ قبل صلاة الفجر كعادته. الأولاد الخمسة يحتفلون بأخيهم القادم من ليبيا بعد غياب طال عاما حيث كان يعمل هناك، الأخ الأكبر يسأل أخاه الثاني عن تفاصيل حياته في ليبيا، كيف قضى وقته، ما ظروف العمل هناك، هل صحيح أن القذافي مجنون كما يقول عنه الرئيس السادات، يسأل أيضا عن أقربائنا في ليبيا، كيف حالهم ومتى يعودون، والأخ يجيب بالتفاصيل ويحكي عن تفاصيل سفره وعودته وكأنه يحكي قصة شيقة ومثيرة خاصة وأنها لا تخلو من مغامرات الحياة في جبال ليبيا والتعامل مع البدو وكيف أنه قطع آلاف الكيلومترات في طريق عودته من بني غازي إلى المنيا في صعيد مصر.

في الركن الصغير جلس طفل لا يتجاوز عمره الثامنة، يتابع بشغف قصص إخوته الكبار ومغامراتهم طوال اليوم وهم يحكون التفاصيل الدقيقة والصغيرة لجدتهم التي كانت قريبة لقلوبهم، وكيف أنهم طاردوا ذئبا حاول أن يخطف الشاة الأكبر سوداء اللون، “عارفاها يا ستي”، هكذا سأل أخي الأوسط، وكيف أنهم هاجموا ثعلبا فر هاربا إلى زراعات القصب، وكيف أنهم ساعدوا أباهم في حرث الأرض وزراعتها بالبذور، كما يستمع الطفل لأخيه الثالث وهو يحكي لجدته كيف ساعد أباه في زراعة الأرض الشرقية بقصب السكر، وكيف أنه كان يخفي بقدميه عود القصب تحت الأرض ويردم عليه بالتراب حتى ينمو بسرعة، وكيف أنه زرع ملوخية وجرجيرا وفجلا وطماطم في الأرض الغربية.

الجدة كانت تسأل الأحفاد عن أدق التفاصيل، عن محصول القمح في الحقل البحري وهل اقترب موسم حصاد الذرة أم لا، وعن حال الكرنب المزروع في الحقل القريب من الجسر الواقع على الترعة، وهل اقترب موعد قلعه، وعن مياه الترعة، وهل كانت منخفضة أم مرتفعة وقت ري الأرض، وعن موعد حصاد عباد الشمس، ومتى ستأتون باللب الأسمر منه، وعن زراعة البطيخ وهل امتدت عروشها وظهرت ثمارها.

الأم كانت مشغولة في تحضير وجبة العشاء وكانت في نفس الوقت تتابع حديث الأبناء لجدتهم، كانت تكتفي برسم بسمة على وجهها من حين لآخر، وتكتفي بالقول من وقت لآخر: “شاطرين يا أولاد.. أنتو كدة رجالة.. ربنا يحفظكم من العين”، وبعدها تقرأ سورة الفلق، وتتمتم بصوت منخفض: “قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق”، وتدخل في لحظات دعاء طويلة للأبناء الستة.

“يا ساتر”.. صوت عالٍ قادم من خارج المنزل يكسر حوار الأطفال الشيق مع الجدة، كل آذان الأسرة ذهبت إلى مصدر الصوت، فنبرته معروفة، لكن أحدا من أفراد الأسرة لم يشاهد صاحب الصوت من شدة الظلام الذي يخيم على المكان.

أهلا بالأستاذ، قالها الابن الأكبر، وبعدها بادر الأب بالترحيب، وبادرت الأم بكلمة “يا أهلا وسهلا، زارنا النبي، يا دي النور، يا دي النور، تفضل يا أستاذ، على الرحب والسعة، بيتك ومطرحك”.

كان الأستاذ يلقى احترام الجميع، ومعروف عنه أنه يشجع أسر القرية على تعليم أولادها، كان يحارب الأمية والجهل المستشري بين أبناء القرية، كان الآباء وقتها لا يفضلون إرسال أولادهم إلى المدارس حتى يساعدوهم في زراعة الأرض، ولذا كانت نسبة التعليم في القرية متدنية جدا.

في صحن المنزل جلس الأستاذ بعد أن أفسح الجميع له المكان، لا أحد يعرف سر هذه الزيارة المفاجئة، فلا أحد من أفراد الأسرة عرف طريقه من قبل إلى المدرسة التي يعمل بها الأستاذ مدرسا للغة العربية والرياضيات، ولا أحد تعلم من الأصل، كان هناك سؤال على لسان الجميع لكن لم ينطقوا به وهو: “ما الذي أتى بالأستاذ لمنزلنا في تلك الساعة”.

قرأ الأستاذ أسئلة الجميع الحائرة، وشق صوته جدار الصمت في المكان، وقال إنه سمع أن أخي جاء من ليبيا ومعه قماش صوف، وأنه يريد قطعة قماش أو قطعتين حتى يفصلهما بدلة، وهنا تسابق الجميع مجدداً نحو التحية بالأستاذ الذي كان يرتدي ثوبا أبيض ويمسك بعصى في يده اليمنى، والتأكيد على أن الغالي رخيص، وأن طلبه غالٍ، وما هي إلا ثوانٍ حتى أحضر الأخ القادم من ليبيا شنطة السفر وأخرج منها عدة قطع من القماش الصوف الغالي وقدمها للأستاذ، بعد أن أكد له أنها هدية منه.

كان الطفل الصغير الذي لا يزال قابعا في ركن صحن البيت يتابع الحوار الدائر بين الأستاذ وأبيه وإخوته، كما كان يتابع قبل قليل حوار إخوته مع جدته.

وبينما يترقب الجميع رد فعل الأستاذ على نوعية القماش واختيار قطعتين من الأقمشة الكثيرة التي قدمت له، فإذا به يسأل سؤالا مفاجئا وغير متوقع، وهو يمسك في يده اليمنى بكوب الشاي الأسود المغلي على الكانون: من هذا الطفل “الأمور” الجالس في الركن؟

*يرد أخي الأكبر بصوت كله ثقة، والبسمة تعلو وجهه وكأنه يتفاخر بالطفل: “أخونا الصغير، آخر العنقود”.
– ما عمره؟
* 8 سنوات
– هل ألتحق بالمدرسة؟
* السؤال كان صادما للجميع، فلا أحد لدينا ذهب إلى المدرسة، الكل يساعد الأب في الحقل، لأن شغل الزراعة كثير ويحتاج إلى أيدٍ عاملة كثيرة، خاصة في أوقات الحصاد والحرث والري، وكانت الإجابة الصادرة من الإخوة الأربعة الجالسين في الصالة بالنفي.

– يرد الأستاذ والغضب يعلو وجهه: لماذا؟
– ترد الأم: “نصيبه”، وتواصل: “لا أحد من إخوته التحق بالمدرسة من قبل، الكل يساعد أباه في الحقل”.
– هل لديه شهادة ميلاد؟
* لا .

وهنا أشار الأستاذ بحزم إلى أخي الثاني وأصدر تعليمات صارمة: “بكرة”- أي غدا- تذهب إلى الوحدة الصحية لاستخراج شهادة ميلاد للطفل، وبعدها تأتيني ومعك 125 قرشا مصروفات للمدرسة، هو متأخر عن المدرسة لمدة عامين، لكن سأحاول تعويضهم عن طريق دمج كل سنتين في سنة واحدة، المهم، هو يساعدني ويكون شاطرا ويتفوق.

كان الأب والإخوة يتابعون حديث الأستاذ وتعليماته الصارمة، أما الأم فكان صوتها يرن في كل جنبات البيت “العشاء يا أولاد للأستاذ.. نحن زارنا النبي الليلة.. يا دى النور”.

فجأة يخيم الصمت على الجميع، الأب ينظر باستغراب لأولاده، والأستاذ يتفحص الأقمشة التي كانت أمامه. وفجأة وقف الأستاذ وقال: “توكلنا على الله.. هذان اللونان مناسبان للبدل”، وأشار إلى قطعتي قماش اختارهما من بين المجموعة التي أحضرها أخي له.

وبينما يغادر الأستاذ باب المنزل، يلتف وراءه مشاوراً على أخي الثاني قائلا له: “غدا منتظرك، تأتي بدري، ومعك شهادة الميلاد”.

بات الطفل ليله في قلق شديد، يتساءل مع نفسه، ما هي المدرسة، وماذا يفعلون بها، فهو لم يذهب إلى مدرسة من قبل، شأنه شأن معظم أطفال القرية أولاد الفلاحين، كان يذهب يوميا إلى الحقل حيث الزراعة والأشجار والخضرة والمياه التي يعشقها. ومن قساوة الأسئلة وغموض الموقف ذرفت عيناه بالدموع رغم محاولته كتمانها، حتى لا يتعرض لسخرية إخوته، فالسيدات عند إخوته هن من يبكين فقط، أما الرجالة، وأنا واحد منهم، فلا يبكون.

شعرت الأم بقلق وتوتر وحيرة الطفل الصغير، فاحتضنته بشدة، وراحت تحكي له حواديت وقصصا كعادتها عندما يخلد إلى النوم. حواديت ممزوجة بين الواقع والخيال، قصص عن والده الذي واجه أنثى الأسد بـ”الخشت” أو “النبوت” الذي كان يمسكه بيده فأرداها قتيلة، وكيف أنه قتل ذئبا كبيرا وهو يحاول خطف خروف من وسط قطعان الأغنام، وأنه أكل 20 بيضة في الغداء، وشرب خمسة أرطال سمنة مرة واحدة، كانت الأم تكرر علي القصص الأخيرة عندما أعزف عن تناول البيض والسمنة البلدي.

لم تبدد حواديت الأم قلق الطفل الذي راح يحدق في النور الخافت المنطلق من لمبة الجاز المعلقة في أحد جنبات الغرفة، وبعدها نام حتى استيقظ على الكروان صوت أمه الذي يعشقه ويدب السعادة في قلبه.

وبلمسة حانية على شعره قالت الأم لطفلها: “قم لكي تذهب إلى المدرسة”، استغرب الطفل الجملة، فلثاني مرة في حياته يسمع كلمة مدرسة، أول مرة سمعها ليلة أمس من الأستاذ، والثانية للتو من أمه، فيوميا يسمع كلمة “قم لتذهب إلى الغيط”- الحقل- مع إخوتك، أو أن أباك ينتظرك لتذهب معه إلى الحقل.

وبسرعة ارتدى الطفل الجلباب المقلم بخطوط عريضة زرقاء، وأمسك جيداً بيد أخيه الذي كان يحتمي به دوما من الكبار الذين يضربون الأطفال الصغار عندما يزاحمونهم في الشارع أثناء ممارسة لعب “الاستغماية” أو الكرة الشراب أو “السبع طوبات” أو “النحلة والدبور” و”التثبيت”، وفي وقت لاحق لعبة البلي.

ومن الوحدة الصحية حيث استخرجنا شهادة ميلاد انتقلنا بسرعة إلى المدرسة الملاصقة للوحدة ولا يفصلهما سوى النادي الرياضي، وقف الطفل مشدوها بما يشاهده. مدرسون وطلبة يقفون في طابور الصباح ويحيون العلم، أطفال متراصون يلعبون كرة القدم وليس كرة الشراب أو الليف التي كنا نلعبها أمام بيوتنا. مدرسون يعطون الأوامر للتلاميذ بالوقف بانتظام في طابور واحد والتحرك بعدها نحو الفصول.

لمح الأستاذ الطفل الحائر والمشدوه بالمنظر، وبصوت حازم كصوت أمس قال له: “قف هنا في الطابور، وبعدها تمشى مع الطلبة وتدخل الفصل الدراسي، وتتابع المدرس وهو يشرح على السبورة وغداً تحضر معك كراريس لتكتب بها”.

كراريس، فصل، كتابة، سبورة.. عالم غريب لم أعرفه من قبل، اندسست وسط التلاميذ، ودخلت الفصل وعلامات الاستفهام ترتسم في ذهني ولا أجد إجابة عليها، جلست في المقعد الأخير، لا أعرف ماذا أفعل، وبينما أنا غارق في مئات الأسئلة دخل الأستاذ ليبحث عني ويطلب مني بحزم أن أجلس في المقعد الأول، ومن المقعد الأول أنطلق التلميذ ليحصل على المرحلة الابتدائية في 4 سنوات بدلاً من ست سنوات، ثم الإعدادية، وفي الثانوية حصل على مجموع عالٍ أهله للالتحاق بإحدى كليات القمة بجامعة القاهرة، ومن الكلية انطلق لعالم الصحافة الرحب.