أخبار عاجلة
الرئيسية » شهداء ضحوا لاجلنا » عبد الباسط الساروت في ذمة الله : أهم كلمات الرثاء بحقه

عبد الباسط الساروت في ذمة الله : أهم كلمات الرثاء بحقه

https://www.facebook.com/akkad.aljabal/media_set?set=a.2164571223669266&type=3

الصحافي الياس خوري القدس العربي

حين احتفلنا بعبد الباسط الساروت وهو يصدح أغانيه الحمصية ويحرس ميادين الثورة بصوته، رأينا فيه صورة لاعب كرة القدم وهو يصدّ الكرة عن مرماه. يقف، ينحني، يركض، يقفز، ويغني.
الفتى الحمصي الجميل أخذنا إلى المدينة التي تحتضن نهر العاصي، وهناك رأينا حلماً.
وكانت الثورة.
الشعب الذي كُبّل بسلاسل الخوف انتصب كالرمح معلناً ثورته من أجل الحرية والكرامة، في مشرق عربي أذلّه الضباط واللصوص والطائفيون والخونة.
وهناك في ليالي الخالدية في حمص، كان الفتى الجميل يصرخ بالحرية، حارس منتخب سوريا للشباب في كرة القدم، تحوّل إلى حارس الحلم. الفتى الجميل الذي تشرق الحرية في بحة صوته صار تجسيداً لثورة مغدورة. كل الطغاة اجتمعوا في حلف دموي ضدّ الساروت وغياث مطر وحمزة الخطيب وباسل شحادة. كلهم شعروا بالخوف من يد طفل تكتب على الحائط وصوت فتى يغنّي وكاميرا تصوّر ووردة يحملها ثائر. الجيوش التي لم تقاتل عدواً إلا لتنهزم وجدت في شعب سوريا فرصتها كي تقتل. هناك فرق بين القتال والقتل، هؤلاء الذين قتلوا الشعب بشكل منهجي وحولوا سوريا إلى ساحة يتبارى فيها المجرمون، هؤلاء لم يقاتلوا إلّا ليقتلوا.
من زمن البدايات بقي الساروت شاهداً أخيراً على فيض الجنون الذي جعل من سوريا أرضاً لحروب الديكتاتورية والأصوليات ضد الشعب السوري، وكان على الفتى الذي أُجبر على مغادرة حمص أن يعبر في مفترقات الالتباس التي قادته إلى حيث لم يكن، ثم أعادته ليموت في مكانه الطبيعي، مقاتلاً حراً، وشهيداً يدافع عن حقه في الحياة.
سيرة الساروت تلخص حكاية السوريات والسوريين مع الحلم والفشل، مع اليأس وما بعد اليأس، فالفتى الحمصي رسم مسار التخبّط والحلم بحدسه الشعبي وارتباطه بالأرض السورية التي لم يغادرها، فسقى شجرة الحرية اليابسة دماً، ودفن صوته في التراب الذي صار جنّة الحالمين الوحيدة.
ولعل في موت الساروت في هذه اللحظة الدموية التي يعيشها ربيع السودان المدمّى ما يكشف هاوية الموت التي قادت العسكريتاريا وظلها الأصولي بلاد العرب إليها.
هناك في السودان امّحى الالتباس الذي غطّى سوريا بضباب صراع وحوش الاستبداد العربي بعضهم مع بعض.
في السودان انكشفت اللعبة كلها على حقيقتها، أنظمة العار الخليجية المتحالفة مع إسرائيل تجد نفسها في حلف واحد مع العسكريتاريا وعصابات الشبيحة وفلول الأصوليين. نظام القتلة والجنجويد الذي بناه عمر البشير بدماء السودانيات والسودانيين حليف للأصوليين وعميل للخليج المتأمرك المتصهين ويحميه الفيتو الروسي-الصيني في مجلس الأمن.

غداً عندما تنقشع هذه العتمة التي صنعها الاستبداد، غداً ستستعيدك حمص كي تستعيد اسمها من جديد، وكي يعود العاصي إلى مسيرته عاصياً على قانون الجغرافيا صاعداً إلى الأعلى كي يصبّ في بحر الحرية.

أخيراً ظهرت اللعبة على حقيقتها.
بعد أن فقدت العسكريتاريا العربية مبرر تسلطها، ارتمت في أحضان إمارات الكاز، وتحولت إلى صَدَفة جوفاء، تحكم بالعنف المطلق، لا هدف لها سوى البقاء في السلطة، حتى ولو كان ثمن السلطة إهدار كرامتها.
الدم الذي سال في العاصي يسيل اليوم في النيل، كما أن صرخة الحرية في الجزائر تعرف أنها قد تواجه في أية لحظة هوس الطغمة العسكرية بالسلطة المطلقة.
الآن يا عبد الباسط ترى في مرآة موتك ما حاول الجميع حجبه عن عينيك وعيوننا. أرادوا تأبيد الاستبداد باسمائه المختلفة. واليوم في السودان نكتشف أن للاستبداد اسماً واحداً هو العسكريتاريا، وأن جميع أسمائه الأخرى مستعارة، وليست سوى معبر للدول الإقليمية وغير الإقليمية كي تستبيح أرضنا.
الآن نفهم سرّ تعاطف العسكر المستبد في مصر مع نظام بشار، وسرّ استعجال الإمارات فتح سفارتها في دمشق.
كلهم يا عبد الباسط اجتمعوا من أجل قتلك وإخراس صوتك. هل تصدّق أن من خطف رزان زيتونة وسميرة الخليل كان يريد إسقاط النظام؟
لم يكن هؤلاء السفلة سوى صدى للمافيا العسكرية التي أرادتهم أداة لمزيد من توحيش المجتمع.
الوحش الذي رفع شعار «الأسد أو لا أحد»، هذا الوحش أفرغ سوريا من نصف شعبها، ويتابع المهمة كي لا يبقى في سوريا سوى العبيد.
وهذا ما يقوم به اليوم القتلة في المجلس العسكري السوداني، يسقون النيلين الأزرق والأبيض دماً، كي يعاد السودان إلى حظيرة الانحطاط العربية، محولين ميادين الخرطوم إلى ميدان الساعة في حمص.
أسفي على حمص لأنها لا تستطيع أن تقدّم الوداع اللائق ببطل تراجيدي اسمه عبد الباسط الساروت.
اخترتَ طريقك وذهبتَ إلى موتك كما يليق بأبطال الملاحم.
أما حمص العدية، حمص التي اقتحم شبابها السماء في بابا عمرو، حمص الساحرة حتى بعد تدمير أغلب معالمها، هذه المدينة التي لا تستطيع استقبال جثمانك، صارت اليوم مدينتك أنت.
لقد كتبت يا عبد الباسط الساروت اسمك على حجارتها السوداء، وعلقت صوتك على حيطانها، ورسمت وجهك على ترابها.
وحمص ستبقى في انتظار حارس صوتها ومغني ثورتها وزينة شبابها وشهيدها المضرّج بالحلم المغدور.
وغداً عندما تنقشع هذه العتمة التي صنعها الاستبداد، غداً ستستعيدك حمص كي تستعيد اسمها من جديد، وكي يعود العاصي إلى مسيرته عاصياً على قانون الجغرافيا صاعداً إلى الأعلى كي يصبّ في بحر الحرية.

أمير العراء

روجيه عوطة |

كان عبدالباسط الساروت ساحراً، ومرد هذا السحر، الذي يتصف به المحاربون، أنه، ومنذ العام ٢٠١١، منذ وقوع الثورة التي اسقطت كل شيء، أقام في العراء، ومع الوقت، علم كيف يحوله إلى مكانه، ويغدو أميره. في آخر طلة له مع رفاقه من حماه، أبدى ذلك السحر مكتملاً بوجه بهي، ثم عاد وأبداه من جديد في آخر أنشودة له، التي طبعتها نبرته، نبرة العزم بعد الفقد، ليكون قصدها الإمداد به لكل الأحرار في السودان، وفي الجزائر، وأينما كان. فمن سمات المحاربين أيضاً، أنه، وفي صراعه من أجل الحرية، يشعر بصراع امثاله، الذين يصنعون تواريخهم، وبهذا الشعور، يوآزرهم فيه.

جاء الساروت إلى العراء من العراء، برياضته، بجسده، بحركته، وانطلق في خوضه، مرة بصوته، ومرة بسلاحه، وبصوته وسلاحه في كل المرات. وضع الساروت كل وجوده في خدمة هذا الخوض، أي في اقباله على وجود مختلف، لا محل فيه لنظام بشار الأسد، لنظام المجزرة، فالثورة، في أساسها، هي وضع الوجود على المحك من أجل معاودة خلقه. الساروت مضى في هذا المذهب حتى عقبه، وهو، على حال كثرة من الثوار السوريين، تعداه، وانتقل إلى جانبه الآخر، حيث يلتقي بهم، وحيث يستقبلونه: حمزة الخطيب يمسكه بيده، ابو فرات يشد على كتفه، مي سكاف تبتسم له، وباسل شحادة يصوره، وغياث مطر يقدم له وردته، والحجي مارع يطلق الرصاص احتفالاً به… الجميع هنا يرحب به بين شعبه الثوري، بين هذا الشعب المقبل.

اذا كانت “كل ثورة تثوّر مفهوم الثورة” على قول فيلسوف، فمحاربوها هم وحدهم المنوطين بهذا التثوير، وتجربة الساروت دليل طويل على ذلك. إذ إن الثورة بالانطلاق منها هي الحياة بنفسها، هي الحياة، التي لا يتوقف اليوم طردها، فترجع عبرها، ليتخللها اندفاع، وتخبط، وشكيمة، وانجراح، وتعثر، وسقوط، ومواظبة، وهمة، وصراخ، وتنظيم، وحماسة، ورفض، ومستحيل، لتجيء عارية من أي ضبط، من أي تمثيل مسبق عنها، من أي نمذجة، من أي فرض عليها، ليصنعها محاربوها بالتوازي مع عيشها. بهذا المعنى، ثورة الساروت، وعندما لا تلتزم بأمر التشكل في خطاب أو في وجهة أو في لغة أو في منظر، تكون عين السياسة. “قبل الوجود، هناك السياسة”، يقول فيلسوف آخر، وثورة الساروت، لأنها وضع لهذا الوجود على المحك لخلق غيره، لا يمكن أن لا تكون سياسية، لا يمكن أن تكون سوى مثلما كانت.

لم ينزل أمير العراء روحه عن كفه، رفعها عليه وحيداً مع شعبه الذي قتله نظام بشار حافظ الأسد، ونفاه العالم “القذر والمتوحش” (رزان)، والغبي. بقي محارباً في تلك الأرض التي خرجت على الأبد، في تلك الأرض، التي تعرف عليها من خلال القتال، والتي احبها بفعله. فهو، وعلى تصريح منه، كلما حارب في مدينة وقرية وحي وشارع، يصير متمسكا أكثر فأكثر بكل هذه المطارح. المحاربون، وبقتالهم، لا يصنعون التاريخ سوى لأنهم يصنعون الجغرافيا، لأنهم يرسمون خرائط للأرض، لا من أجل اعتقالها، بل، وعلى العكس تماما، من أجل الدفاع عنها وتحريرها. صناعة وجود، وصناعة جغرافيا، وصناعة تاريخ، هذه هي حياة المحاربين، وهذه هي الثورة الساروتية.

ولكن، هل يموت محارب لنظام الأبد؟ طبعاً لا، وهنا، الجواب ليس ضربا من الإنشاء، لكنه، يستند إلى كون ثورة ذلك المحارب لا تزول بالمطلق، وهذا، لأنها تحضر في كل حدث من قبيلها، وعندها، ثمة من سيخوضها على نحوه، ثمة محاربون سيولدون على هذا النحو. فعبد الباسط الساروت لا يموت بل إنه يعبر، وكما كان محاربا في الأرض، كذلك، سيكون في الغياب.

 

هل انتظرنا موت الساروت.. لنرثيه؟

محمود اللبابيدي | الأحد 09/06/2

اختار الساروت، على طريقته، أن يذكرنا بنفسه؛ فرحل. هكذا ببساطة، خرج من محفل التراجيديا السورية، ليدخل عالمه؛ “جنة الشهداء”، كما كان يحلم بها في كل أناشيده. لا جدل في هذا، الساروت اختار عالمه الأخير، أياً كان وصفه، بنفسه. ذلك السهم الذي ظل يشد خاصرته إلى حمص، أخذه حيث الهوى الأبدي.

عالم الساروت النهائي، هو بامتياز، عالم اسطورته؛ حيث سيلتقي باخوته وخاله، و60 من رفاقه في “كتائب شهداء البياضة”. لا حاجز سيعيقه بعد اليوم من “للعليا وصلنا”. هكذا أراد، وهكذا خرج، معفراً بتراب أرض المعركة، كبطل من الميثيولوجيا الإغريقية، بنكهته الإسلامية.

ليس للساروت اليوم من ينتظره كي يغني. في حياته؛ كل من التقاه، طلب منه أن ينشد، في لحظة ما ولو خفية. في أكلح ساعات الحصار، حيث البراميل تتساقط كالمطر، كان يكافح بغنائه. صوته الأبح، كان علامته الفارقة، لا حراسة المرمى. به كان يطرد أشباح حمص القديمة المحاصرة، وهي كثيرة، كتعويذة أو تميمة.

إذ ليس طيف خالد بن الوليد، وحده، من يقطن حمص القديمة، بل عالم من الأسطورة متداخل مع عالمنا، خرج بعض معالمه مع تلك الفيديوهات لرفاق الساروت يرددون خلفه فصولاً من ملحمتهم، في أقبية بعيدة من القصف.

لا بد أنه جدّف في لحظة ما. وحدهم الآلهة لا يجدفون، هكذا نكذب على بعضنا ليستديم هذا الخدر اللذيذ. خدر الانعتاق من واقعة الوقائع، لحظة الكآبة السورية المقيمة في الروح. لا بد أنه جدّف في تلك اللحظة التي تخلت فيها الآلهة عنه، ليخرج مرغماً من أرض أراد بكل كيانه أن يموت فيها. لا أحد يملك القدرة على النفي، فكل الأبطال جدّفوا، عندما أدركوا عبثية تلك اللحظة. لا بد أنه سمعها تهمس في أذنه: لن تموت في حمص. لن تعود ولو جثة. هكذا على الأقل، يكون عقاب الآلهة. وإلا كيف كان سيستقيم معنى الأسطورة؟

وحين غادر حمص، لم تكن عقوبة النظر فوق الكتف، أقل من التحول تمثالاً من ملح، سرعان ما سينحل في سيولة الألم. مهما أطال شعره، ومهما مشى بين ألغام “داعش” و”النصرة”، ومهما وضع من عصائب. كان قدره قد تقرَّر. في ذلك المدى الأبعد، خارج العديّة، تمرّغ الساروت بالتجاهل، بإنكارنا حجم التراجيديا التي يعيش. اعتقدنا أنه بالخروج، بات كالآخرين، مجرد تائه آخر.

هل كنا بانتظار موته، كي نبكيه؟ هل يشفع تكرار أناشيده القديمة، ولو تُلِيت كالمزامير؟ لكن، على من نقرأها؟ مِن كثرة توّحد الأرباب، في عُصاب واقع حربنا، لم نجد وقتاً للسخرية. فالتراجيديا السورية، أكثر تراجيديات العالم غلاظة قلب، ولؤماً. أيكون ذلك، من عيشنا اللحظي فيها. وكأن التراجيديا من اختصاص المسارح فقط، أو كأنها شأن المشاهدين القابعين خارجها، لا من يؤدون أدوارهم.

حسناً، لم يكن الساروت يوماً هكتور، لا ولم يفكر يوماً بنزال أخيل. هكذا يريدنا الواقع أن نفكر فيه. نعم، كان الساروت فحسب. لكنه هو أيضاً مثل أبطال الميثيولوجيا، بطريقته. قد يعتقد البعض أن ذلك هو جوهره؛ بساطته. لا أبداً، تلك سمة مرافقة لما هو أصله الكياني؛ رعويته. هو مغن جوال، متشح بالسواد، يبكي أخوة ورفاقاً.

هو الذات الرعوية؛ غنائية بَدَوية كالحة على الشفاه كالملح. الحزن متجذر فيها، حتى يكاد غناؤها لا يستقيم إلا نشيجاً. هو البحّة تبحث عن صوت ترثيه. غنائية رعوية، يصلح فقط أن ينشدها مؤرخون جوالون يمتطون صهوة النسيان.

مهزوم بهزائمنا، ومنتصر بذاته الوحيدة، لا مُلكاً أراد، ولا مملكة. فقط لو أمكنه العودة “شهيداً”. كانت تلك أمنيته الوحيدة. قالها في كل أنشودة. بكى نفسه حتى أعياه الدمع. كم مرة طلب من أمه أن تزينه لتزفه؟ شئنا أم أبينا، صدقنا أم لم نصدق، هو الآن في عالمه الآخر، يطرق باب الغيب ويقارعه متفقداً من حضروا ومن سقطوا. هناك، هو أسطورة تعيش أسطرتها. أما هنا، ربما سيطول الوقت قبل أن ندرك حجم هذا الفراغ من الهراء.


نحن في مرآة الساروت

عمر قدور | الثلاثاء 11/06/2019

رحل مَن أصبح رمزاً وأُطلق عليه لقب “حارس الثورة” قبل سنوات، رحيله لم يجعل منه ذلك الرمز، بل مسيرته خلال الثورة، المسيرة التي تعادل ثلث عمره. قيل الكثير عن سيرته، وكانت حاضرة في أفلام جابت المهرجانات الدولية، بينما بقي يستأنفها في سوريا على طريقته، ووفق ما تتيحه ظروف المعركة التي لم يحد عنها. اختلف السوريون فور استشهاده، بين أغلبية ساحقة بكته وأقلية راحت تنال مما نُسب إليه من مبايعة داعش، وهي مبايعة لم تتجسد في ساحات القتال ولا في مسار أيديولوجي، وأغلب الظن أنها عبّرت عن نزقِ لحظةٍ قبل أن يتراجع عنها، من دون أن ننسى أولئك “الغانديين” الذين يجرحهم الترحم على أي مقاتل ضد الأسد.

رحيل الساروت، الذي اختار لنفسه واختارت له الظروف منذ انطلاق الثورة مساراً تراجيدياً، هو بمثابة مرآة تعكس حالنا، تعكس فشلنا وهزائمنا. البكاء عليه فيه الكثير من وجع الخسارة، وليس فيه الحد الأدنى من مشاعر الغضب والوعد باستئناف ما كان يمثله الرمز المفقود، لا لأن السوريين جميعاً أقلعوا عن الإنشاء والخطابة، وإنما من فرط الإحساس بالانكسار واليأس. الساروت كان بطلاً، بينما من تبقوا لا يرون في أنفسهم مشروع سيرة مشابه من حيث الروح القتالية وإن اختلفت الأساليب والمسارات، ولا يرى كثر منهم أن استئناف السيرة ممكن حقاً.

خرج الساروت مرغماً من سوريا لأكثر من سنة بقليل، ليعود إليها مقاتلاً مرة أخرى. في حين خرج قادة فصائل عسكرية محملين بالثروات، ليفتتحوا بأموالها مشاريع تجارية في تركيا، أو ليعرضوا خبراتهم كمرتزقة. الأهم أن الشباب السوري الذي خرج لم يعد، وهناك يأس من عودته يوماً، وهذا الشباب لم يكن يريد الانخراط في المعركة التي منحها الساروت حياته، حتى إذا كان مؤيداً لخوضها، وحتى إذا كان يتفجع اليوم على بطولته!

من دون مطالبة بتضحيات إضافية فوق التي شهدناها، لا نستطيع إنكار خروج نسبة عالية من الشباب الذي كان سباقاً إلى الثورة في وقت مبكر من عمرها. وحشية الأسد وقواته ومخابراته تفسر لنا هذا الخروج الاضطراري، ويريد البعض الآخر رمي المسؤولية على الإسلاميين الذين صارت لهم يد طولى في طور العسكرة ما أدى بهم إلى الاعتزال أو الاعتكاف. في أوقات مؤثرة كان من المحتمل أن تصنع فرقاً، غرق من هم في جهة الثورة في جدالات عقيمة حول التحولات الاضطرارية، وغابت أسئلة من نوع: لماذا ينبغي أن تكون العسكرة إسلامية؟ أو “طائفية بنظر البعض”، فلا ينخرط فيها منتقدو الإسلاميين؟ ولماذا تكون على شاكلة النموذج الليبي، ولا تكون متكيّفة مع واقع ما سُمّي “ثورة يتيمة” محرومة من وسائل فعالة للدفاع عن النفس؟

بالتأكيد كان ثمة خارج متواطئ، وكان له تأثير مطابق لتأثيره في هذا النوع من العسكرة، لكن هذا لا يعفي مجمل السوريين الذين لم يقترحوا ولم ينخرطوا في سبل أقل كلفة وأقل ارتهاناً للدعم. بالتأكيد أيضاً كانت هناك رغبة دولية وربما إقليمية في تحويل سوريا إلى ساحة لتصفية صراعات خارجية، لكن كان واقع الثورة نفسه أضعف من أن يفرض نفسه شريكاً ولاعباً يُحسب له حساب ضمن لوحة الصراع الكبرى.

ليست المسألة في السلمية أو في العسكرة أو في أي نهج آخر، هذه الاختلافات التي تظهر أو تُختلق طوال الوقت لم تأتِ بها أية قوة خارجية، هي بالضبط عدم قدرة السوريين على الانتظام وعلى العمل معاً. لم يعمل السوريين معاً على الصعيد السياسي، ولا كانت الفصائل تنسق معاركها على الأرض إلا أن عندما يجمعها الحصار وتفرض عليه الضرورة خوض المعركة معاً، وحتى تحت الحصار قامت فصائل بمقاتلة فصائل أخرى بدل قتال قوات الأسد، ولم يكن القتال البيني دائماً بسبب اختلاف أجندات الداعمين وإنما كان في العديد من الأحيان ضمن منطق إمارات الحرب.

لعل وضع السوريين في المنافي “مع استثناء المنافي العربية البائسة” يشرح الأمر، فنحن ليس لدينا في أي بلد قوة سورية منظمة، رغم ما تتيحه الأنظمة الديموقراطية من سهولة انتظام وتجمع. تجمعات التضامن الضئيلة العدد هنا وهناك عندما تكون هناك مأساة في الداخل ربما تعكس حال سوريي المنافي، إلا أن الوضع يستحق شرحاً أوفى. نستطيع العثور في فرنسا مثلاً على عدد من الجمعيات السورية المرخصة تجاوز المائة على الأقل، وهذه الجمعيات التي يُفترض بها الاشتراك في قضية واحدة غير قادرة على التنسيق فيما بينها، وبالطبع غير قادرة على إنشاء كيان يمثّلها جميعاً أمام الحكومة والمجتمع الفرنسيين. هنا، وفي تجارب أخرى في بلدان شبيهة، ليس هناك ما يمنع انتظام السوريين بشكل فعّال سوى عجزهم وفشلهم، وبسبب العجز والفشل على تشكيل قوة مؤثرة تم تفويت فرص ضرورية مهما بلغت ضآلتها.

حتى إذا تجاوزنا كل بلد على حدة، يتيح الشتات الأوروبي إمكانية الانتظام بسهولة للمقيمين فيه، وتتيح وسائل التواصل الحديثة إمكانية أخرى لتجاوز عوائق الجغرافيا. في هذه المساحة الشاسعة قد نعثر على جزر صغيرة معزولة لبعض المجموعات، إلا أن أياً منها لا يشكّل نواة لمشروع أعم، ولا يطمح إلى ذلك لقناعته باستحالة الوصول إلى مشروع جامع. لقد كان الوضع مبرراً في المرحلة الأولى بصدمة اللجوء، وبالحاجة إلى وقت لاستيعاب المجتمع الجديد، ليعود انكشاف عجز السوريين عن العمل معاً ولو لمرة واحدة ومن أجل هدف يُفترض أنه يجمعهم. ربما لاحقاً ستنتظم أجيال جديدة من سوريي الشتات، الأجيال التي نشأت أصلاً على ثقافة المجتمعات الجديدة، أما من جاؤوا محملين بالهزائم والعجز فلا يبدو أنهم قادرون على فعل ما لم يفعلوه حتى الآن.

صحيح أننا كسوريين تعرضنا لأبشع مقتلة في هذا القرن، وتعرضنا لأقسى عمليات التحطيم الاجتماعي والنفسي. ذلك لا ينفي امتثال شريحة واسعة منا لمصيرها، وصولاً إلى الامتثال الجماعي لفكرة عدم امتلاك السوريين لمصيرهم. لا يُحسب على المصادفة أن النجاحات التي حدثت هنا أو هناك كانت فردية بمعظمها، وإن خدمت الهدف العام، ولعل النجاحات الفردية مع الفشل الجماعي يشيران إلى بؤس ما نحن فيه.

لقد اختزل الساروت ما عجزنا عن فعله، بما يتعدى العجز الفردي إلى الفشل الجماعي. من جانبه مشى بقناعاته حتى النهاية، أما نحن فكنا بحاجة إلى أبطال مثله، بقدر ما نشعر بالفخر بهم نقنع بعدم قدرتنا على مجاراتهم. يستحق الساروت الحزن الكبير الذي حظي به، الرهان الأصعب يبدأ كما اعتدنا بعد انقضاء صدمة الحزن.

 

Eiad Charbaji

 

 

من كان يمسك بيد فدوى سليمان العلوية على المنصات ويشاركها الهتاف بينما أبناء من طائفتها يذبحون السوريين…مالو داعشي.
من هتف لكل السوريين وكل الطوائف لأجل الحرية… مالو داعشي
من شيع الشهيد باسل شحادة المسيحي، وغنى له تحت الصليب داخل كنيسة في حمص… مالو داعشي.
من أصدر قبل أيام فقط من استشهاده اغنية للثورة على إيقاع كل الآلات الموسيقية…مالو داعشي.
الساروت مالو داعشي حتى لو قالها بلسانه… ببساطة، الرجل كان مستعدا ليركب اي وسيلة مواصلات توصله إلى الجبهة التي تقاتل النظام. داعش كانت وسيلة من تلك الوسائل في مرحلة ما ولحظة هاربة من حياته، ربما بعد ان تملكه اليأس وفقد أربعة من اشقائه وعشرات من اصدقائه وتخلى عنه الجميع فضاقت به كل السبل، لكنه سرعان ما ترجل عنها، وركب وسائل اخرى توصله الى الجبهة.
في الفيديو الأخير رأيناه يركب الموتور وحيدا مهلهلا ليقاتل بسلاح فردي على جبهة اللطامنة، وجميعنا يعرف انه كان بإمكانه أن يخرج في موكب من البيكابات والبيكسيات والحراس ككل قادة الفصائل الذين يرمون جنودهم في أتون الموت ليقبضوا الدولارات على أرواحهم، ويفتتحوا بها مشاريع تجارية في تركيا والاردن.
غض، بسيط،غير مثقف، حماسي…يمكن أن نصفه كما نشاء، لكنه ابن بلد، صدح بصوتنا ومطالبنا، وضحى بروحه لأجلنا.
هؤلاء الذين نستخف بهم وننظر عليهم هم وقود كل الثورات التحررية في العالم، وليس نحن الذين ندعي الوعي والثقافة والعلم ونخشى على انفسنا حتى من انقطاع الواي فاي، ثم نتقدم لجني كل المكاسب.
انظروا في وجه أمه وكفوا ألسنتكم عنه….الساروت شرفنا وايقونتنا، و مالو داعشي… مالو داعشي.

 

 

«عندليب الثورة» في سوريا… صوت يتوقف

 

تسفي برئيل
هآرتس 10/6/2019

أطفال يأكلون الساندويشات من كيس نايلون، طفل بائس يمد يده إلى صحن طعام صغير، طفلان يرتكزان على عمود خيمة، امرأة شابة محجبة ترفع يديها بيأس وهي تشير إلى بيتها المهدوم، امرأة مشردة تقطع الخضار لإعداد الطعام لأولادها. وبعد ذلك على الفور تظهر صورة الزعماء، بشار الأسد وحسني مبارك ومعمر القذافي وعمر البشير، وصورة لكفي يدين رسم عليها شعار النصر.
هذا هو الفيلم القصير الأخير الذي نشره عبد الباسط الساروت قبل موته (27 سنة) الأسبوع الماضي في معركة ضد جنود الأسد. الساروت الذي بدأ حياته المهنية كحارس مرمى واعد في منتخب شبيبة مدينة حمص وجد نفسه في سن الـ 19 مقاتلاً في صفوف المتمردين. في فترة قصيرة عُرف بصوته الجميل وبأغنيات الثورة التي قام بتأليفها لصالح المتمردين. «عندليب الثورة»، «صوت التمرد»، «حارس الثورة» هذه الأسماء أطلقها عليه المعجبون به. في السنوات الثماني من نضاله أقام مليشيا خاصة به وترأسها، حاولت قوات الأمن السورية اغتياله ثلاث مرات، وعرضوا جائزة تبلغ 2 مليون ليرة سورية (35 ألف دولار) لمن يقتله. لقد اتهموه بأنه يتعاون مع قوات داعش، رغم أن النصرة، فرع القاعدة، اعتقلته من قبل.
خلال تلك الفترة، استمر في كتابة الأغنيات، وظهر إلى جانب الممثلة السورية فدوى سليمان التي قتلت هي أيضاً. بذلك أراد الغمز إلى وحدة الثورة ـ هو سني وهي علوية، يحاربان معاً ضد نظام الأسد. في العام 2013 تم عمل فيلم وثائقي عنه بعنوان «العودة إلى حمص»، الذي حصل على جائزة في مهرجان سندانس، وأصبح الفيلم الوثائقي الأول الذي عرض أحداث الحرب في سوريا من خلال قصته الشخصية. عندما نشر خبر وفاته في مستشفى في تركيا الذي نقل إليه بعد إصابته، ملأت التعزية الشبكات الاجتماعية، في سوريا وأرجاء العالم. «لقد كان ابناً لجميع الأمهات في سوريا»، كتب صهيب أيوب. «أعلنت أمي حدادها عليه وكأنه ابنها. أمي (70 سنة) وقد لا ترى حمص مرة أخرى في حياتها، فقدت اليوم مثلما فقد كل الأطفال في سوريا، صوت الثورة».
شعراء الثورة من تونس ومصر ومروراً بليبيا واليمن وسوريا، الذين برزوا خلال الثورات والمواجهات العنيفة، الذين قتلوا والذين نجحوا في الهرب من ملاحقة الشرطة، خلقوا تراثاً اجتماعياً ينتشر بين الموسيقى والكلمات البسيطة وتشمله ألبومات حرب هذه الثورات. كثيرون منهم اشتهروا في البلدات التي ولدوا وكبروا وقاتلوا فيها وهم معزولون، وذاع صيتهم في دولهم. وقليلون منهم عرفوا خارج بلادهم. ساروت واحد منهم، شاب وسيم ذو شعر طويل غير مرتب، يرتدي مثل أي شاب في جيله في الغرب، ملابس عسكرية، حيث يضع سترة واقية على جسمه مليئة بمخازن الذخيرة والقنابل ـ يظهر كبطل في فيلم حربي، ولكن في هذا الفيلم قتل أكثر من 600 ـ 700 ألف شخص والحرب لم تنته بعد. عشرات آلاف المقاتلين في جيل ساروت، أعضاء في عشرات المليشيات المنتشرة في محافظة إدلب، ينتظرون المعركة الكبيرة التي بدأت والتي ينوي فيها النظام تدمير بقايا قوات المعارضة. كل مليشيا من هذه المليشيات لها أبطال وأغنيات كتبت لها. أغان للحرية وطموح للنصر، أغان تتحدث عن النضال الذي لن ينته حتى سقوط النظام، وربما سيكون أحدها النشيد الوطني الجديد لسوريا.
هل نحتاج إلى كل هذه الأغنيات الوطنية؟ تساؤل كاتب الأعمدة مصطفى فضل في مقال لاذع نشره في موقع «رصيف 22» في 6 حزيران، يوم ذكرى حرب الأيام الستة «النكسة» للجيوش العربية. وباستهزاء كبير أشار إلى الأغنية المشهورة لعبد الحليم حافظ «عدا النهار والمغربية جاية» من تأليف عبد الرحمن الأبنودي في زمن قريب من استقالة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في أعقاب نتائج الحرب. «لكن بعد تراجع ناصر عن استقالته خلال يومين، غنى عبد الحليم أغنية جديدة هي «البندقية تكلمت»، رغم أن البندقية لم تتحدث بعد»، كتب فضل. نعرف الامتحان وغناء أغنيات الحداد والعويل، انتقد. وأخطر من ذلك.. فقد حول الزعماء أغنياتنا القومية إلى وسائل للتجنيد وأمور هامشية، مثل الأغنيات الوطنية التي تطلب من الجمهور التصويت في صناديق الاقتراع لانتخاب الرئيس الحالي. «أمة غير مستقرة سياسياً لا يمكنها إصلاح الوضع من خلال الأغنيات والأناشيد القومية. إذا أردنا الإصلاح فإنا بحاجة إلى أغنيات تنظر إلى الواقع مباشرة وتدعو إلى التغيير وتدافع عن مجتمع تربى على أغنيات مدح اشتراكية ناصر، مثل أغنيات عبد الحليم حافظ. وإن التحول إلى مجتمع السادات الرأسمالي، لا يمكنه مناقشة مشكلاته».
في مصر لا تسمع أغنيات الثورة أو أناشيد الحرية، فقد منعها عبد الفتاح السيسي. في سوريا ما زال هناك دور للشعراء المناضلين من أجل رفع معنويات المقاتلين، لكن قريباً أيضاً سيبقون أيتاماً. أغنية الثورة ستتوقف، أو-مثلما هي الحال في مصر ـ ستخدم السلطة التي ستسيطر عليها وتحولها لخدمتها.

تسفي برئيل
هآرتس

10/6/2019

عبد الباسط الساروت: سيرة ثورة مغدورة

 

 

قد يكون عبد الباسط الساروت الرجل الأكثر تجسيداً لمسار الثورة السورية في بهائها وارتجاليّتها وفي هنّاتها وتعرّجاتها، وصولاً الى نهاياتها التراجيدية.

فحارس مرمى نادي الكرامة الحمصي ومنتخب سوريا للشباب، المولود العام 1992 في حي البياضة الذي تقطنه غالبية من الوافدين الى حمص من ريفها، ويعيش فيه كما في بابا عمرو “بدوٌ” كانوا يوماً رحّلاً قبل أن يستقرّوا في ثالث مدن سوريا حجماً، اقتحم الثورة السورية بشعبيّته وبصوته ذي البحّة الشجيّة، ليقود المظاهرات ويحلّق كنسر فوق أكتاف محبّيه ممّن كانوا يصفّقون ويهتفون لصدّه الكرات، فصاروا يهتفون له ومعه من أجل الحرّية والعدالة وإسقاط النظام. عاش سلميّة الثورة في الساحات وقاد الجموع وشكّل لفترة ثنائياً أخّاذاً مع الفنانة الراحلة فدوى سليمان، العلوية المنبت والعلمانية المسلك، بما عناه الأمر يومها من رمزية أُريدَ لها كما لبعض الأهازيج والكتابات على الجدران مكافحة الطائفية والدفاع عن الوحدة الوطنية المُتخيّلة. وينبغي القول هنا، المُتخيّلة بصدق وإخلاص أو ربما باشتهاء وخشية اكتشاف فقدانٍ فظيع.

“بدّو العالم كلّها تبقى عبيد عندو… نحنا منّا عبيد إلا لربّ العالمين”.
بهذه الجملة اختصر الساروت بداية ثورته على بشار الأسد في الفيلم الوثائقي “وعر” الذي صُوّر في أشهر الثورة الأولى، أيام تحوّل حمص الى ما يشبه عاصمتها لجهة الحراك السلمي والمظاهرات اليومية والصحافة المواطنية وبداية المواجهات المسلّحة بين حُماة المتظاهرين وشبيحة النظام. وعطف على الجملة تكراراً عباراتٍ عن الكرامة والحرّية و”الموت ولا المذلّة”.
عبّر الساروت بعفويّته الأخّاذة حينها عن مزيج من تديّن شعبي يرفض الاستكانة للجور ويُؤثر الشهادة على الذلّ، وعن التزام بقيم “حداثية” تدور حول الحرّية وكرامة الفرد. ولعل في هذه الخلطة تحديداً ما مثّل معنى الانتفاضة الشعبية في سوريا وقتذاك، وتدفّق الجموع الى الطرقات والساحات رغم الرصاص والاعتقال والتعذيب والإعدامات الميدانية وذاكرة الخوف. فتجاوُر التكبير مع نداءات الحرّية وحّد رجالاً ونساءً من خلفيّات وأجيال مختلفة – ولَو أن جّلها من بيئات شعبية، حملت طوق حماية ميتافيزيقي يُعين على مواجهة القتل القائم أو المُحتمل، وتوقَ تحرّر مستقبلي من ثقل استبداد عمره في سوريا أكبر من أعمار معظم المتظاهرين والمعتصمين.

مع تحوّله الى واحد من رموز الثورة ومُنشدي اعتصامات الخالدية وغيرها من أحياء حمص “المحرّرة” ليلاً، انتشرت لعبد الباسط الساروت أغانٍ أو ترانيم لا تشبه الأناشيد الثورية الكلاسيكية، ولَو أنها تؤدّي وظائف الأخيرة التعبوية والدُعائية والتحريضية. فالساروت إذ غنّى في المظاهرات أو في الغرف المغلقة “يا وطنّا ويا غالي” بصوته المبحوح وبحزنه العميق سرد مسيرةً من القيامات الشعبية المتتالية و”القبضنة” أو “الجدعنة” في مواجهة النيران والسكاكين والدوس على الرؤوس، من درعا الى حمص، مُعرّجاً على زوايا الخريطة السورية التي لم يكن كثرٌ من السوريّين أنفسهم يعرفون أسماء العديد من قراها ودساكرها الثائرة. فَعل ذلك ببساطة وتلقائية تحوّلت مع أدائه “جنّة جنّة” الى تعبير عن تمسّك بالوطن المنشود ولَو كان “ناراً” من جهة، وعن ندامةٍ على عدم الانتفاض أو “الفزعة” لمدينة حماه بعد العام 1982 من جهة ثانية (“يا حماه سامحينا، والله حقّك علينا…”). والندامة هنا تعني الكثير. فالثورة السورية في العام 2011، كما معظم الثورات العربية، بدت في بعض جوانبها بحثاً عن زمن ضائع. زمن نهبته أنظمة الحكم، وسرقت أعمار من عاشه وأورثت لمن لم يكن قد وُلد فيه بعدُ، مثل الساروت، حالاً من الموات السياسي والمهانة المُعمّمة على المجتمع بأسرِه. وطلب الثأر لحماه بهذا المعنى بعد طلب السماح منها بدا سعياً لثأرٍ لجيلين على الأقل وثورةً على تاريخ مفصلي أو تأسيسي في سياق بناء الاستبداد وجدران خوفه في سوريا الأسد، دفعت ثمنه تلك المدينة المصلوبة لتكون عِبرةً لسواها.

ثم جاء حصار الأحياء الثائرة في حمص، بعد انتقال قسم كبير من متظاهريها السلميّين الى حمل السلاح دفاعاً عن أرواحهم وعن ذويهم إثر تصعيد النظام لقمعه وزجّه بالدبابات في مواجهة المعتصمين وقصفه لتجمّعاتهم وارتكابه المجازر المتنقّلة ضدّهم. وخسر الساروت في الحصار والقتل والاغتيال، رغم نجاته الشخصية منه مرّتين، أصدقاءه الواحد تلو الآخر. ثم خسر عمّه وخسر على مراحل أشقّاءه الأربعة، وانتقل الشاب العشريني من الغناء في الساحات الى القتال والغناء داخل بيوت شاحبة مع مقاتلين يستريحون أو عابري سبيل متضامنين أو صحافيين يغطّون ثورة مدينتهم. ولعلّ ترنيمته (الأشبه بالحِداء) “صامدين يا وطنّا صامدين رغم ظلم الظالمين” عبّرت عن سمات مرحلة حمص الجديدة التي عايشها، المخنوقة بالقصف والمعزولة عن العالم، الدافع يُتمها شبّانها الى ثنائيات عزيمة ويأس والى مواقع بحث عن التضامن ومقاومة الخوف، في المساجد أو في الكتائب المسلّحة أو في ما تبقى من شبكات إنترنت وخطوط هاتف تؤمّن تعلّقاً بالحياة خارج عتمة الحصار، أو بالأحرى فيها جميعها.
في تلك المرحلة، أسّس الساروت “كتيبة شهداء البياضة”، التي روى فيلم “العودة الى حمص” بعض يوميّاتها داخل الحصار وفي مواجهته. على أن مآل الكتيبة كان مأساوياً. إذ سقط معظم مقاتليها خلال معركة لفكّ الحصار عن بعض أحياء المدينة، التي سقطت بدورها بعد أشهر في أيدي النظام وحلفائه.

 

وإذا كان الوقت قد مرّ مكثّفاً في حيّز جغرافي ضيّق في سيرة الساروت الحمصية، فإنه بدا مفكّكاً بعد خروجه، تشبه محطّاته ما يُحيط بها من تقطّع أوصالٍ ورتابة انتظارٍ حيناً، وموت وتيه وتهجير جديد أحياناً أُخرى.

 

خرج الساروت من حمص العدّية في العام 2014. ترك خلفه حطاماً وآمالاً وأرواحاً وقبورا. تاه لفترة، وظهرت له تصريحات طائفية وصوَر مع رايات سوداء وتسجيلات بمصطلحات جهادية. وتحدّث البعض عن مبايعته خلافة البغدادي بعد تقرّب وجيز من جبهة النصرة. ثم اختفى الرجل وندُر الحديث عنه فيما خلا أنباءً عن محاولة اعتقاله من قِبل النصرة، الى أن عاد في ذكرى اندلاع الثورة في آذار 2018 ليظهر مُنشداً من جديد، يهتف ويغنّي بين جموع في بلدات ومدن إدلبية ترفع أعلام الثورة مع ما عناه أمر رفعها هذا من تحدٍّ في ظلّ الصراع القائم بين “خَضارها” ورايات السواد النازعة الى تمزيقه وحظره.

وإذا كان الوقت قد مرّ مكثّفاً في حيّز جغرافي ضيّق في سيرة الساروت الحمصية، فإنه بدا مفكّكاً بعد خروجه، تشبه محطّاته ما يُحيط بها من تقطّع أوصالٍ ورتابة انتظارٍ حيناً، وموت وتيه وتهجير جديد أحياناً أُخرى. والأرجح أن الساروت أراد عند انضمامه الأخير الى جيش العزة قائداً لفصيل اتّخذ من حمص مسمّى له العودةَ الى سيرته الأولى، والرباط في مواقع ريف حماه الشمالي، في أقرب نقطة خارج احتلال النظام وروسيا وإيران لمدينته ولأحلامه الممزّقة. هناك قاتل وقُتِل من صار بعمر السابعة والعشرين. واكتملت بمصرِعه سيرةٌ تراجيدية تعرّجت مسالكها وتعدّدت رمزيّاتها وظلّت شجاعته وصلابة موقفه من نظام أصابه بخسائر شخصية بمقدار المُصاب العام أبزر ملامحها.

هكذا يمكن تأريخ نواحي عدةّ في مسار الثورة السورية من خلال قراءة سيرة الساروت وما فيها من عفوية ورومانسية وشهامة وهشاشة وفقدان وغضب وتطرّف وبسالة وحصار، حملها جميعها صوتٌ شجيّ ومُحيّا بهيّ وقامة منتصبة تذكّر بذود صاحبها عن مرمى في رياضة عشقها يوماً وجعلت منه بطلاً لجمهوره الحمصي، قبل أن تنقله الثورة لترفعه على راحات جمهور توسّع وتبدّل ونسي بعضه الساروت، الى أن أعاد استشهاده تذكير الجميع بنبرته وبالأثر الذي تركه في كلّ من صادفه يوماً في ملعب أو ساحة أو جبهة أو يوتيوبٍ أو سكايبٍ أو هاتف نقّال.

لروحه السلام…

 

الساروت بدأ “بلبل الثورة” وانتهى “غيفارا سوريا”

 

 

مقال  للكاتب “إبراهيم حميدي” تحدث فيه عن مسيرة الناشط السوري الراحل “عبد الباسط الساروت” طوال سنوات الثورة السورية.

إليكم المقال كاملاً:

“سيرة عبد الباسط الساروت، تصلح رواية لسوريا في ثماني سنوات. تختلف عن سير معارضين آخرين عسكريين أو مدنيين، رحلوا أو قتلوا في الداخل أو الخارج. قصته تضم جميع «الإشارات والتحولات». من الاحتجاج السلمي إلى المعارك. عايش التظاهر والحصار والنزوح والفقر. من حمص «عاصمة الثورة» إلى إدلب «آخر معاقل المعارضة».

 

قبل 2011. كان الساروت حارس مرمى «منتخب الشباب» السوري وحارس «الكرامة» الحمصي. ومن هنا جاءته تسمية «حارس الثورة». وكان بين أول المنضمين إلى المظاهرات السلمية ثم منسقاً وقائداً فيها. شارك ونظم وغنى، فسمي «منشد الثورة» أو «بلبل الثورة».

 

أيضاً، كان بين أوائل الذين انضموا إلى العمل العسكري. ومع تحول المظاهرات إلى العسكرة، حمل الساروت السلاح وقاتل قوات النظام في حمص. وبعد حصار لسنتين ومع بدء عودة قوات الحكومة إلى أحياء المعارضة في «عاصمة الثورة» بدءاً من منتصف 2014. كان الساروت بين المهجرين إلى إدلب التي أصبحت «سوريا الصغرى» لأنها تضم مهجرين وفصائل من جميع المحافظات السورية.

 

الساروت، تنقل بين فصائل إسلامية ومعتدلة بحيث بات رمزاً من «رموز الثورة»، بحسب القيادي في «جيش العزة» محمود المحمود الذي وصفه بأنه «شاب خلوق ومن أشرس المقاتلين الذين عرفتهم، دائماً ما ينقل إصراره وعزيمته العالية للشباب من حوله».

 

الساروت، كما كان يتزعم المظاهرات، تقدم المعارك في شمال حماة. وكان بين أول الواصلين إلى قرية تل ملح لدى شن فصائل هجوماً مضاداً شمال حماة يوم الخميس. وظهر في فيديو يشد عزيمة المقاتلين، متوعداً باستمرار المعارك… إلى دمشق في استعادة لفيديو قديم له ينشد فيه أغنية مردداً «راجعين يا حمص (…) راجعين يا الغوطة الشرقية».

 

كان مقاتلاً مثل قادة معارضين آخرين مثل قائد «لواء التوحيد» عبد القادر صالح في حلب أو «جيش الإسلام» زهران علوش في غوطة دمشق اللذين قتلا بغارات جوية. تحول إلى «أيقونة للثورة» بهتافاته وغنائه ومشاركته في المظاهرات مثل مي سكاف وفدوى سليمان اللتين توفيتا في باريس. وشارك عشرات آلاف السوريين الذي فقدوا أسرهم، إذ إن والده وأربعة من أشقائه قتلوا خلال القصف والمعارك في حمص. وعاش رحلة الحصار والنزوح… والفقر كغيره من ملايين السوريين.

 

وفي عام 2014، روى فيلم «عودة إلى حمص» للمخرج طلال ديركي حكاية شابين من حمص أحدهما الساروت. كما تضمن ألبوماً غنائياً جمع أناشيد راجت خلال المظاهرات في عام 2012. أغنية «جنة» بصوت الساروت. وطُبعت صورته على طوابع بريدية صممها ناشطون معارضون في عام 2012 لتوثيق حركة الاحتجاجات ضد النظام.

 

بمجرد إعلان وفاته، هلل موالون لدمشق بذلك ووصفوه بـ«الإرهابي». ونعاه معارضون سياسيون وتسابقوا على تقديم تسميات جديدة له… كانت آخرها «غيفارا سوريا»، بحسب الزميل عدنان عبد الرزاق”.

نادر جبلي

قد لا أكون معجباً ببعض محطات الساروت وخياراته.. ولكن:
– من قال أن ما أراه هو الصواب، وأن معيار الخطأ والصواب يتمثل بشخصي الكريم، وبه تقاس الأشياء؟؟
– ومن قال أنه يمكن فصل خيارات الناس عن مقدماتها وسياقاتها وشروطها الموضوعية؟؟
– ومن قال أنني لو كنت مكان الساروت، بظروفه وبيئته، لاخترت ما هو أفضل؟؟
………………..
بعضنا، وربما أغلبنا، كنخب (مثقفة)، مصرٌّ على رؤية ومحاكمة الأشياء من خلال مفاهيم ومعايير نظرية أخلاقية مثالية موجودة في رأسه.. وهو يراها معزولة عن ظروفها الموضوعية وسياقاتها.. لذلك هو لا يراها فعلاً، ولا يفهمها، وحكمه عليها بالتالي يكون أعوراً كما ثقافته.. إذا افترضنا توفره على حسن النية..
لا أرى الساروت، بما له وما عليه، إلا نموذجاً للثائر الشجاع النقي النبيل المخلص النظيف.. الثائر الذي لم يهادن ولم يساوم ولم يُشترَ.. ولا أرانا إلا أقزاماً علاكين أمام قامته..

 

#الساروت في العناوين الرئيسية لكبرى الصحف:

الساروت أيقونة “الحرية” وبشار أسد ” الى مزبله التاريخ ”
نيويورك تايمز الاميركية: نجم كرة القدم السوري، رمز الثورة، يموت بعد المعركة

دويتشه فيلله الألمانية: الساروت..حارس المرمى السوري الذي تحول إلى المعارض

غارديان البريطانية: مقتل لاعب كرة قدم سوري و”مغني الثورة” في الصراع

بي بي سي: عبد الباسط الساروت: مقتل لاعب كرة القدم الواعد الذي تحول إلى صوت للانتفاضة ضد نظام بشار أسد

ديلي بيست: مقتل حارس مرمى كرة القدم السورية وأيقونة المعارضة في شمال غرب سوريا

لوموند الفرنسية : حارس مرمى كرة القدم السوري الذي أصبح أيقونة المعارضة يموت بعد معركة

دير شبيغل الألمانية: بعد حملة القمع ضد الاحتجاجات ، حمل ساروت السلاح ضد الدولة ، وتطورت المعارضة إلى السلاح

 

 

هيثم خليل مالح

في قلبي وجع
مع صبيحة هذا اليوم السبت ، الرابع من شوال ، للعام الهجري ،
الذي هجرناه ١٤٤٠ ، الموافق للثامن من حزيران ( يونيو) للعام
الميلادي ٢٠١٩، والتاسع للثوره ، وانا اتابع ما خطته انامل السوريين
الذين تشربت دماؤهم الثورة من ولادتها ، ولا زالوا على العهد باقون
وماضون لايضرهم من خذلهم ، اتابع ما خطته انامل الاطهار ، في
تأبين البطل الراحل ، عبد الباسط ساروت الذي ودع اخوته ووالده
قبله ، ويمر امامي مشهد ابنائي هؤلاء وامثالهم ، بينما تنحدر الدموع على وجنتي ، وزوجتي تقول لي ارحم نفسك فكلنا نسير اليها ، وكيف
امسك نفسي عن البكاء وقد شارفت على التسعين من عمري ، واقول
ماذا قدمت لحياتي وانا اتابع مشهد تساقط الشهداء ، زهرات تتساقط
من ابنائي واخوتي ، وانا العاجز عن فعل شيء ، لوقف هذه المجازر التي يرتكبها محور الشر في بلدي الحبيب ، وقد آلى هذا المحور ( روسيا ، ايران وذيلهم الاسد المربوط في دمشق الشام ) عاصمة الامويين،
على نفسه ان لا يدع في الشام الكنانة حجرا على حجر ، او نفسا من
نفس الثورة الا اخمده ، رحم الله الساروت ومن مضوا الى بارئهم وحمى
شباب ونساء وبنات ثورتنا ، هؤلاء هم الذين سيصنعون النصر ، باذن الله