أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » تحريم التبنّي، جريمة رجال الدين بحق الطفولة / د. عماد بوظو

تحريم التبنّي، جريمة رجال الدين بحق الطفولة / د. عماد بوظو

يقدم تحريم التبنّي مثالا آخر حول كيفية قيام رجال الدين بتحميل النصوص الدينية معاني بعيدة عنها، تؤدي إلى تعقيد حياة المسلمين بما لا يتماشى مع مقاصد الشريعة ومصلحة الإنسان وخاصة الطفل الذي حرمته ظروف الحياة من عناية الأبوين.

اتّبع رجال الدين المسلمون فتاوى قديمة لم يحاولوا دراستها أو التحقق من صحتها على أن التبنّي محرّم في الإسلام اعتمادا على الآية: “ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما” (الأحزاب 5)، والآية واضحة بأن انتساب الأبناء لآبائهم أكثر عدلا؛ لكن هناك فرق كبير بين عبارة “أكثر عدلا”، وبين جعل التبنّي محرّما كما ذكر رجال الدين في أحاديث نسبوها للرسول في مراحل لاحقة. أما اعتبار مجهولي النسب موالي على الطريقة التي كانت تنقسم فيها المجتمعات القديمة بين أسياد وعبيد أو أتباع فلم تعد مقبولة في عالم اليوم.

 

وحتى في الآية التي سبقتها من سورة الأحزاب: “وما جعل أدعياءكم أبناءكم”، فإنها تتكلم عن قصة محددة تدور حول زيد بن حارثة مولى السيدة خديجة الذي منحته للرسول بعد زواجها منه وكان زيد وقتها في الثلاثين من عمره ومن شدّة تعلقه بالرسول صار يدعى زيد بن محمد، ومن هنا أتت كلمة أدعياء أي الذين يدعون باسم شخص آخر وينسبون أنفسهم له، وما أتى بعدها من طلاقه لزوجته زينب بنت جحش وزواج الرسول منها، ولا يوجد سبب لتعميم أحكام هذه العلاقة الخاصة التي نشأت بين مولى وسيده على الرابطة المتينة التي تنشأ عند تبنّي الرضّع والأطفال وتأمين كافة احتياجاتهم والاعتناء بهم ومراقبتهم ساعة بساعة وهم يكبرون تحت أنظار والديهم.

شدد رجال الدين المسلمون خلال القرون الماضية الكثير من الحدود وبالغوا في العبادات بما يتجاوز ما هو مذكور في القرآن، ولكن ما ارتكبوه في موضوع تحريم التبنّي فاق في آثاره الضارة كل ذلك، لأنهم يلحقون أذى نفسي وجسدي بأعداد لا حصر لها من الأطفال نتيجة اتباع أحكام واجتهادات لا دليل على صحتها في قضية بالغة الحساسية.

فهناك سنويا الآلاف من الرضع وصغار الأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية أسرية نتيجة فقدانهم آباءهم الحقيقيين؛ وهناك في نفس الوقت عائلات لم تتح لها فرصة الإنجاب؛ لذلك فإن التبني يمكن أن يكون هو الحل الذي تتحقق فيه مصلحة الجميع، ولذلك فقد اعتمدته البشرية مبكرا، ووردت قواعده وشروطه في شريعة حمورابي وما زال مستمرا حتى اليوم حيث ينتشر التبني في جميع أنحاء العالم، وأباحته كافة القوانين الوضعية والدينية ولم يحرّمه سوى رجال الدين المسلمون.

يقوم نظام التبني على إنشاء شهادة ميلاد جديدة للطفل يذكر فيها الأب والأم بالتبني كآباء حقيقيين، وتكون له نفس الحقوق والواجبات التي للأبناء البيولوجيين بما فيها الإرث. ومن الممكن عند نضوج هذا الإنسان وإذا شعر والداه أن إخباره بالحقيقة لن يعرّضه لأي صدمة ولن يترك عنده أثرا ضارا إخباره بالواقع.

نتيجة عدم اقتناع الكثير من المسلمين بتحريم التبني، اضطّروا للتزوير

أما في الدول الإسلامية ونتيجة تحريم التبني وضع ما سمي بنظام الكفالة وفيه يعيش الطفل مع عائلة جديدة ولكن يمنع إطلاق اسم أبوه بالتبني عليه، ولذلك فإنه في العمر بين ست وثماني سنوات ومع تعلمه القراءة والكتابة سيبدأ بالتساؤل لماذا اسم والده المستخدم في الأوراق الرسمية والمدرسة وشهادة الميلاد يختلف عن اسم الأب الذي يعيش معه بالمنزل، ولا مفر عندها من إخباره بالحقيقة مع ما يترتب على معرفته بأنه مجهول النسب أو أن أهله قد تخلّوا عنه أو أنه أتى نتيجة علاقة “غير مشروعة” من صدمة. وفي هذه الحالة، قد تأخذ علاقته مع “عائلته” شكلها الحقيقي كنوع من التصدّق والعطف على طفل يتيم غريب وليس كأحد الأبناء، ونتيجة ذلك تقوم القوانين في البلاد الإسلامية بحرمان هؤلاء الأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة من الميراث من العائلة التي تكفلّتهم بما فيه راتب الوالدين التقاعدي، بحيث يعودون بلا معيل عند وفاة الأهل مهما كانوا أغنياء.

لتبرير هذه القسوة لجأ رجال الدين لاستخدام موضوع “الشرف”، عبرّت عنه تسجيلات للشيخ الشعراوي والقرضاوي قالوا فيها إنه بما أن الطفل المتبنّى ليس ابنا حقيقيا، فكيف ستنكشف عليه أمه أو أخته ومن في حكمهما بعد أن يكبر؟ وأين الغيرة على العرض، إذ تجري في عروق هذا الغريب دماء العائلة؟

المفارقة أن نفس رجال الدين هؤلاء يتحدثون بنفس الحماس والاقتناع، ولكن بطريقة معاكسة تماما، أن من تناول عددا بسيطا من الرضعات خلال بضع ساعات قد أصبح ابنا لمن أرضعته وبإمكانها مع نساء عائلتها أن تنكشف عليه شرعا، اعتمادا على أحاديث تقول: “يحرّم بالإرضاع ما يحرّم بالنسب”. وهنا يتجاهل رجال الدين ما قالوه في التبنّي عن الدم الغريب الذي يجري في عروق الطفل، لأن كتب الحديث حلّلت رابطة سببتها حادثة إرضاع عابرة وحرّمت علاقة مبنية على الحب والحنان والرعاية والتربية والأمومة.

تزداد الحاجة للتبني في الدول الإسلامية نتيجة البنية الاجتماعية المغلقة ومفهوم الفضيحة الذي لا يترك مخرجا للحمل خارج إطار الزواج أو غير المرغوب به، سوى وضعه في الشارع.

ورغم التكتّم في الدول الإسلامية على كثير من تلك الحوادث، فإن الإحصائيات في السعودية تقول إن هناك سنويا أكثر من 500 طفل مجهول الأبوين؛ أما مصر فإنها تقدم الصورة الحقيقية عن الآثار الضارة لتحريم التبني الذي منعه القانون المصري حتى عن المسيحيين رغم أن دينهم لا يحرّمه، فهناك في مصر بحدود 500 دار للأيتام، ويقدر عدد “اللقطاء” سنويا بالآلاف، وقد يصل عدد الأيتام للملايين، ومن الصعب معرفة عدد أطفال الشوارع ولكنهم على أقل تقدير بعشرات الآلاف ولا يحظون بأي رعاية. كما تكثر التقارير التي تتحدث عن كل أشكال سوء المعاملة والاستغلال التي يتعرض لها الأطفال في دور الأيتام، وقالت وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي إن 75 في المئة من هذه الدور تستحق الإغلاق، ورغم هذا الواقع المأساوي فإن مؤسسة الأزهر برفضها للتبني لا تترك لهؤلاء الأطفال من خيار سوى الشوارع أو هذه الملاجئ البائسة.

نتيجة عدم اقتناع الكثير من المسلمين بتحريم التبني، وعدم اعترافهم بالقوانين التي تمنعه فقد اضطّروا للتزوير، عن طريق استخراج شهادات ميلاد من قابلات أو أطباء يدّعون فيها أن عملية الولادة قد تمت بالمنزل ويتم فيها تسجيل أسماء الوالدين بالتبني كوالدين حقيقيين، وأحيانا تقوم هؤلاء الأمهات الوهميات بالاختفاء عدة أشهر في قرية أو حي بعيد لتعود مع الطفل الجديد، ويتم إحاطة هذه العملية بأقصى درجات السرية لأنها غير قانونية وقد تقود إلى السجن، ولكن الوالدين يقبلون بهذه المخاطرة لأنها تؤمّن لطفلهم حماية دائمة من هذا المجتمع وقوانينه الظالمة ونظرته السلبية له لظروف لا ذنب له فيها.

وتنفرد تونس بأنها البلد الوحيد في المنطقة الذي أباح قانونه التبني بحيث يحظى الطفل بفرصة العيش مع عائلته الجديدة التي تسجّل معلوماتها في أوراقه الثبوتية، مع الاحتفاظ بنسخة من شهادة ميلاده الأصلية إذا قرر في المستقبل البحث عن عائلته البيولوجية. وفي النموذج التونسي، هناك نظام التبني لمن يرغب ونظام الكفالة لمن يرى أن الدين يأمره بذلك، وبهذا تقدم تونس الطريق الذي يجب أن تسير عليه بقية الدول الإسلامية.

إذا كانت قلوب وعقول رجال الدين متحجرة لم تتمكن كل هذه المآسي التي يتعرض لها الأطفال من تحريكها، وإذا لم تكن المراكز الإسلامية قادرة على إصلاح خطابها الديني بما يتلاءم مع العصر ومصلحة المجتمع، فأين هي مؤسسات الدولة، التشريعية والتنفيذية والقضائية وأين مسؤوليتها وواجبها في العمل على حماية أبنائها وتأمين حياة كريمة لأطفالها؟ فصمت هذه المؤسسات عما يحدث واقتصار دورها على انتظار رجال الدين حتى يقوموا بإعادة النظر بفتاويهم لا يدل إلا على الضعف والتقصير ولا يمكن تبريره.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع