أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » بعض من منشورات الأستاذ فاضل السباعي على فيسبوك / من فلوريدا.. إلى دمشق.. على “كرسي مُدَوْلب

بعض من منشورات الأستاذ فاضل السباعي على فيسبوك / من فلوريدا.. إلى دمشق.. على “كرسي مُدَوْلب

[من فلوريدا.. إلى دمشق.. على “كرسي مُدَوْلب”!]

إن قرأت فلن تشعر بملل!
– – – – – – – – – –

في فجر يوم الأحد (الثامن من حزيران/ يونيو 2015)، كنت أهمّ بالخروج من بيتٍ ما ظننتُ أني عائدٌ إليه بعد يومي هذا أبدا، تُرافقني ابنتي “سهير” وحفيدي “رامي”، في الطريق إلى “مطار اورلَنْدو”. وما فاتني، وأنا أمام باب الدارة (الفيلا)، أن أملأ كفّيّ من زهرات الياسمين، تلك الشجيرة التي كانت ابنتي “سوزان” قد جاءت بشَتْلتها في آخر رحلة لها ما بين الوطن وموطنها الجديد، قبل أن يعمّ شرُّ الاقتتال وشرارُه فتتعذّر الزيارة، وهي ذي “الياسمينة” وقد نمت جذوعًا وأغصانا، مستريحةً على عريشة خلفها، تزكو تحت شمس فلوريدا الدافئة وأمطارها الصيِّبة، وتعطي أزهارا ترشح عطرا شاميّا يملأ الصدور ويُذكّر بالوطن البعيد… وعن ذلك كتبت غير مرة في الخواطر التي أرسلها عبر الشبكة العنكبوتية.

في الطريق إلى اورلندو، مسافرًا من بلدة Palm Bay، هذا الطريق الذي نعبره بستين دقيقة، لم يكن يُراودني شعورٌ بالأسف لمغادرة هذه البلدة الخضراء الوديعة، التي أظلّتْني عشرين شهرا كاملة، مقيمًا بين أفراد ذُرّيّتي، من بنين وبنات، وأحفاد وأسباط، وكنائن وأصهار، ولكنّ ما كان يقلقني هو الخشية من مشقّة هذا السفر بطوله الزائد على ثلاثين ساعة، أترك فيه مطارا وأدخل آخر، تحلّق بي الطائرات وتحطّ، وأنا رجل – يا أصحابي – يدلف إلى التسعين غير متعثّر، لولا أنّ أبنائي الذين حجزوا لي للسفر، طلبوا خدمة “الكرسي المُدَوْلب” (Wheel chair)!

لحظة دخلنا مطار اورلندو، وعربة قد علتها حقائبي الثلاث يتولّى أمرها حفيدي، رأينا واحدا من تلك الكراسي، يدفعه خاليًا رجلٌ أسمر البشرة، فاستوقفناه، ووجدتُني أجلس فيه مرتاحا، والرجل يدفع! وعند المضيفة الأرضية توقّفنا، ونُقلت الحقيبتان، زنة كلّ واحدة خمسون باوند (23 كيلو غراما لا تزيد دانقا)، إلى الميزان، ولم تزد الصغيرة – التي ستبقى في يدي طَوال الرحلة – على خمسة عشر. انتظرنا قليلا، إلى أن آن لي أن أتحرّك، وأُذِن لابنتي بمرافقتي إلى الداخل، فقد غدوت – ابتداءً من هذه اللحظة – من “ذوي الاحتياجات الخاصة”، ولدى المضيفة كنا أودعنا الحقيبتين، وودّعني حفيدي الحبيب رامي، وأخذ الرجل الأسمر يدفع بي العربة، بعد أن نفحته ابنتي “ما فيه النصيب”، ومضينا.

هل أقول إنّ الزحام كان ينفسح أمامي بين الراجلين، فاجتاز التفتيش في مراحله الأولى، والتالية أيضا، فكأنّ مسؤولي الأمن هنا يقولون: وماذا في وُسع هذا الرجل الجالس على كرسي مدولب أن يفعل! وتركني الأسمر لشأني، ودخلت المكان راجلا أحمل حقيبتي الصغيرة بحنان.

والتقيت بابنتي، التي فارقتني لحظات، في الصالة حيث ينتشر على مقاعدها المسافرون، وخطر لها أن تملأ كفي بقدر من الدولارات الورقية، لأوزّعها – إكرامًا – على الذين يدفعون بي الكرسي في كلّ مراحل الانتقال. وتبادلنا من الحديث الوجاهي ما اعتقدت أنه آخر ما هنالك، فما أظنّ أننا سوف نلتقي، في مقبلات الأيام، في هذا الموطن المستعار أو في الوطن الأمّ، فالحرب تزداد استعارا… إلى أن نودي علينا أن هَلُمّوا! فودّعت بآخر القبلات، وغبت في جوف الطائرة، وغُصت في مقعدي، أفكر فيما مرّ بي من أيامي ههنا، التي بلغت ستمئة وعشرة، ما لي فيها وما عليّ، متصوّرًا أيامي الآتيات، وأنا أتنفّس أنسام الوطن، مستظلا البيت، تعانق عيناي هناك أوراقي وأقلامي، عالمي ذاك الذي ينفتح على الدنيا ويرود بي كل مكان!

لم يطل لبثي في هذا المطار إلا سويعات، ومثلَها استغرق الطيران حتى الهبوط في “مطار فيلادلفيا” العظيم، وقد ولّى الليل فنحن في وضَح النهار. وعند مغادرتي الطائرة، كان كرسيّ مدولب آخر لكن مطويّ، في انتظاري، أسرع صاحبه ينشره متيحًا لي الجلوس، وخرج بي من المسلك “الأوكورديونيّ” إلى ردهة فسيحة، وتوقف عند “عربة كهربائية” تقوم عليها امرأة، يُنبي شكلها عن أنها من قارّتي الأسيوية – الهند خاصة – أسلمني لها ومضى.

لبثت دقائق في هذه العربة، التي تتّسع لغير واحد من الراكبين، وعينا المرأة تجولان وكأنهما تبحثان عن ركاب آخرين، وأنا أُجيل الطرف في الأرجاء، فأرى محلات تقدّم معروضاتها في لألاء من الأناقة والترف، والناس ماضون إلى أحوالهم مستعجلين. فلما افتقدتْ مَن ظننتُها “هندية” ركابا يشاركونني اعتلاء عربتها، أعملت يديها، فسارت بي العربة، تتهادى فوق بلاط مرمري لامع، لا صوت، لا جلبة، إلا ما خيّل إليّ أنه حفيف أجنحة اليمام، تجتاز ردهة تُفضي بنا إلى أخرى، حتى توقفت عند “بساط متحرّك”، فتناولتْ حقيبتي اليدوية تحملها، ووطئنا البساط يسير بنا، ومنه انتقلنا إلى بساط آخر حيث ودّعتني، وصافحتْها يدي بالذي فيها، ثمّ سرت – غير هائم – إلى مكتب استعلامات، تتولاه شابة سوداء جميلة وأنيقة، أوعزت، بعد أن اطّلعت على بطاقة السفر، إلى رجل بجانبها، فنشر عربته، وأقلّني إلى مكتب الخطوط الجوية القطرية… وعلى المقاعد ههنا، صافح سمعي كلامٌ بالعربية، فاستأنست.

وما هي إلا هنيهة حتى تقدّمت مني مَن توسّمتُ فيها شخصية مديرة المحطة القطرية، شابةٌ ذات حجاب أنيق، بزيّها الرسمي، تطلب مني البطاقة وجواز السفر، لتعود إليّ وقد أنجزت كلّ شيء وأنا لم أغادر مقعدي… إلى أن أهابوا بنا أن نتوجّه إلى حيث الطائرة تنتظر، وأقلّني في هذا المطار الرائع كرسيٌّ مدولب رابع!

وبدأت الآن المرحلة الأطول من رحلتي، طائرةٌ تفارق قارّة، تمخر بنا الفضاء، مجتازةً بحارا ومحيطات، محلقةً فوق قارّة أخرى، وصولا إلى قارّتي الأسيوية.

أعترف بأني لم أعانِ مشقّةً كبيرة في احتمال الساعات الثلاث عشرة، المتواصلة، قبل أن تحين لحظة الهبوط. كنت أترك مقعدي، بين الفينة والأخرى، لأمشي في الممرات المتاحة، كسرًا للرتابة وتحريكا للجسد. وكم أفرحني أني نزلت أخيرا في أرض عربية اسمها “الدوحة”، وإن كان كثير ممّن يتحرّكون فيها يرطنون بالعربية وبغيرها!

وما بال هذ الذي يودّع الركاب في باب طائرته، يلمح في يدي البطاقة فيوعز إلى منتظرٍ، فيفتح هذا عربته، ويعبر بي متّسَعًا من المكان، وينزل بي مِصعدا، ثمّ يمضى يقطع المسافات، والناس أراهم يتحرّكون في استعجال، وألمح “قطارا” لا صوت له ولا حسّ ولا خبر، يكرج على سكّته هناك فوقَ مرتفع، يحمل أناسا ويعود بآخرين، وأنا أتعجّب مثل بدويّ ينزل المدينة لأول مرة… وركنت أخيرا، حيث ينتظر المغادرون إلى بيروت ساعة السفر.

لم يكن من عادتي أن أبادر بالوقوف في ممرات الطائرة، ساعة تحطّ على الأرض، أزاحم الركاب المستعجلين في النزول. أظلّ جالسا مسترخيا، ولم الاستعجال؟ الآن، والطائرة الصغيرة، الصغيرة جدا، تتوقّف في مطار بيروت، تلبّثت، حتى بلغ الزحام نهايته، فقمت أطلب حقيبتي اليدوية من الخزائن العلوية، سحبتها بقوة، فهي تزن سبعة كيلو، فتراءى لي أنها… أنها تغيّرت! هذه تُشبه حقيبتي، حجمًا ولونا، لكنها تفتقد “اليد” المخفيّة فيها التي إن سحبتها تمكّنت من جرّها. فتحت السحّاب، فبانت لي فيها أشياء “نسوية”، حذاء، جزمة ذات ساق مزركشة: لقد أخذت صاحبتها حقيبتي بالغلط… لم تنتهِ الرحلة على خير!

هُرعت، والمكان أوشك أن يكون خاويًا، إلى أحد المضيفين على باب الطائرة. تجاوب الرجل، بأن أخذ مني الحقيبة الملتبسة، وأعجلنا الخطا، لا كرسيّا مدولبا أرتاح فيه، ولا أسمر أو أسيويّا يدفع!

في الصالة، حيث وقف الناس أمام الكُوى المختلفة، هذه للسوريين وتلك لغيرهم، وخلف كلّ واحدة يقبع موظفُ أمن، يتناول جواز السفر، ويضرب على الحاسوب، ويختم، فهذا عابرٌ آمنٌ وأمين! درت أنا والمضيف القطري، بين المنتظمين صفوفا: لا أثر لحقيبة تشبه هذه التي بين أيدينا! وتركني المضيف معتذرا ومضى. هُرعت إلى رجل أمن يتجوّل. اجتهدت في أن أشرح مشكلتي:

ــ أحدهم، إحداهنّ، أخذت بالغلط حقيبتي لحظة نزولها من الطائرة. قد تكون أنجزت الآن أمرها عند الأمن وخرجت إلى الصالة هناك لتأخذ حقائبها الكبيرة من البساط الدائر! اسمح لي بالذهاب، أرجوك!

تأمّلني الرجل قليلا… ثمّ طلب مني جواز سفري “رهنًا” وهو يقول: تفضّل!

زاغت عيناي هناك. بساط يستقبل حقائب من هذه الطائرة أو تلك، وهذا بساط لحقائب القادمين من الدوحة. ليس بين المنتظرين، المنتظرات، من تحمل “حقيبتي”! عدت – وحقيبتها في يدي – مخيّب الرجاء، أستردّ جواز سفري.

سوريٌّ من الواقفين، بدا أنه لاحظ ما يتبدّى عليّ من قلق، يتقدّم مني وقد آلى على نفسه أن يساعدني، ما أطيب السوريين! جدّدت البحث في صالة الأمن، وهو إلى جواري، يقول لي: «هذه؟»، فأجيبه: «لا!»… إلى أن وقفنا إزاء عربة تعلوها حقيبة مشابهة! قلت: «لو تقرأ الاسم على البطاقة!»، تلك التي كانت ابنتي قد كتبتها بالانكليزية ونحن في مطار اورلندو وعلّقتها، فأتاني منه صوت رخيم: «Fadel Sibai… هل هذا اسمك؟». قلت للمرأة بقليل من الكياسة: «كيف تأخذين حقيبتي، وتَدَعين لي حقيبتك!»، وتركتها لمباغتتها وحيرتها وهي تتأمل ما ألقيت في عربتها، وعدت أشكر الصديق الذي أعانني.

وتذكّرت، بعد هذه المعاناة، الكرسيّ المدولب. سألت أحد العاملين، فتنصّل قبل أن يُحيلني إلى تلك الموظفة، المتصدّرة هناك، تُغيّب عينيها وراء نظارة سوداء، أجابت: «الأمر يحتاج إلى “طلب”، أنت تأخرت في تقديمه!»، ولما أخذت أشرح، تشاغلتْ فألجأتني إلى الذهاب.

وقفت، أخيرا، أمام كوّة شاغرة، بدا لي رجلُ الأمن وراءها “مُروّق” يتأمل. سألته في أمري، فأحالني إلى الكوّة التي ما زال يصطفّ أمامها “السوريون”، فبيّنت له مشكلتي وما عانيت من رَهق بحثًا عما افتقدت، فأشفق، وأخذ يضرب في الحاسوب استدعاءً لاسمي، ما إذا كنت “مطلوبا” أم أني أتمتّع بالبراءة! وفجأة رفع صوته بنَزَقٍ لبنانيّ نعرفه: «ما شفت أغرب من اسمك، أضرب فتطلع لي أشياء عجيبة!»، فتبسّمت له أحاسنُه القول: «كيف؟ اسمي ظريف. فاضل السباعي. ويقولون إني معدود بين الكتّاب. نشرتُ بعض كتبي في بلدك، موطن الأرز، لبنان!»، فأخذ يتأمّلني صامتًا، ثمّ “طَجّ” الختم على جواز السفر.

لم يطُل انتظاري عند البساط الدائر، فالتقطت حقيبتيّ الاثنتين، غير مستبدَلتين، وجعلتهما على ظهر عربة، ومضيت أدفعها – ولا أحد يدفع بي كرسيّا مدولبا! – نحو باب الخروج.

وكان في انتظاري أمام باب المطار صديقٌ لابني، “أسامة”، سوريّ يعمل في لبنان، وبجواره سائق سيارة سوريّ يعمل “على الخطّ” اسمه “أبو عمر”. تعارفٌ، وسؤال عن متاعب السفر. ودّعتُ، واتجه بي السائق نحو حدود الوطن.

في مدينة “شتورة” اللبنانية استأذن الرجل بالوقوف لحظةًً أمام “سوبر ماركت”، ذهب وعاد مهرولاً. تراءى لي أن أسأله: «ماذا اشتريت، يا أبو عمر؟»، قال: «بعضهم يفضّل المالبورو الأحمر، والبعض علبة متّة!»، فكنّا كلما مررنا بـ”حاجز” يلقي التحية على العسكريَّ بقوله: «مرحبا، يا كبير!»، ثمّ يناوله “المعلوم”.

وعلى أبواب دمشق، في مطالع “اوتوستراد المزّة”، كان ابني “فراس” ينتظرني، فليس لسيارات السفر أن تتجوّل في شوارع المدينة وصولا بي إلى بيتي. وآن لي أن أودّع آخر “رفاق الرحلة”، أبو عمر، الذي عرفت أنه “يتموّن” من المالبورو الأحمر وعلب المتّة قبل أن يدخل الحدود.

وهناك، كانت تنتظرني ابنتي خلود وابنُها الفنان التشكيلي “ماجد هنانو”، العائدان منذ قريبِ من القاهرة، ولولا وجودهما في بيتي لما عزمت على العودة إلى الوطن، وقد كنت كتبت وأنا فوق الأطلسي ذاهبًا إلى المغترب، يوم السابع من تشرين الأول 2013:

والله،
ما فارقتُك، يا وطني، خوفًا من عيونهم المبثوثة
ولا رَهَبًا من سيوفهم المسلولة

ولكن
لأنّ الأسرة التي أنجبتها على مدى نصف قرن ويزيد
قد تفرّق أفرادُها في كلّ اتجاه
ولم يبقَ لي بدمشق من إذا انتابني وجعٌ يمدّ يده إليّ بكأس ماء.

والتُقِطت صور لي لحظة دخولي حديقة بيتي.

وأما حفنة الياسمين، التي كنت قطفتها هنالك، فقد نثرت أزهارها الذابلات فوق تربة الياسمينة – الأم، في أرض الوطن.

ودخلتُ، تعانق عيناي أنفاس “وطني الأول”، بيتي الحميم.

دمشق الشام: صباح الجمعة 1-8-2015

فاضل السباعي

[بين الطالبات.. عند تحيّة العلم!]

في عام 1980 أو ما حوله، وكانت تلميذة في “الثانوي” ترتدي مثل زميلاتها “بدلة الفتوّة”، اقتحموا بيت الأسرة ساعة الفجر طلبًا لأخيها… الذي استطاع أن ينجو بالقفز من الجانب الخلفي للبناية.

وإذا كان فعلهم قد أفزع الأسرة وبثّ الهلع في نفوس الكبار والصغار، فإنها هي صحَّ عزمها على أن ترفع صوتها بالاحتجاج. فعند اصطفاف الطالبات في باحة المدرسة صباحا لتحيّة العَلم «وحدة حريّة اشتراكية»، استسنحت لحظةَ صمت رفعت فيها صوتها كما لم تتوقّع زميلاتها قائلة: «وأين الحرية وقد اقتحموا عند الفجر بيتنا يطاردون أخي الأصغر؟!». فألقَوا القبض عليها، وأخضعوها لمحاكمة انتهت بالحكم عليها ثلاث سنوات سجن تقضيها في سجن النساء في مدينة “قَطَنا” (غربيّ العاصمة دمشق).

ثمّ إنّ الوالدين دأبا على زيارتها كلّ أسبوع، متحمّلين مشقّة السفر من حلب إلى دمشق فـ قطنا، طَوال سنوات السجن الثلاث، التي شاؤوا هم أن يحتفظوا بها – “لدواع أمنية” – ثلاث سنوات أخرى!

وأما الأب فقد مات خلال السنوات الأولى قهرًا، وأما الأم فقد هدّتها الأمراض والأحزان، والابن خرج ولم يعد.

والبنت… تابعت الدراسة بعد إطلاق السراح، وتخرّجت في الجامعة، وهي تعمل، متزوجةً تربّي أبناءً متفوّقين، خارج حدود الوطن.

فلوريدا: مساء الثلاثاء 10-6-2014

 

[أذان.. في محراب مسجد قرطبة]

….. واستوقفني في مسجد قرطبة أن جهة القبلة لم يمسسها أحد قط، النقوش كما هي، والمحراب، واستوقفني أنّ الزوار يتأمّلون فيه كثيراً ففعلت مثلهم.

حينها استولى عليّ شعورٌ غريب، وتداعت إلى خيالي صور كثيرة: خطيب ذو فصاحة وبيان، وعالم فحل متمكّن، وقارئ ذو صوت رخيم، ووفود تأتي خاضعة أو طائعة أو طامعة، وخليفة غالب منتصر. أعلام الإسلام عالية، وجيوشه ظافرة، ومجده باذخ، وسفراؤه موضع الإكبار والإجلال.

صحوت من هذه السِّنَة العجلى لأجد نفسي أمام الحقائق العارية الحزينة، ونظرت فإذا بسلسلة وُضعت أمام المحراب حتى لا يقترب منه الزائرون وهم من شتى البلدان والأديان، كنت يومها ألبس الثوب العربي الأبيض خلافاً لعادتي في السفر لأن قرطبة حارة في الصيف، فكان منظري غريباً، ثم ازدادت غرابته حين اقتربت من السلسلة فأخذت أُؤَذن، وحين غضب الحارس الإسباني الذي يحمي المحراب، انتصرتْ لي – لتكتمل المفارقة – شابة إسبانية متكشّفة، وقالت للحارس كما فهمت فيما بعد: «نحن بلد حرّ فدعه يُغنّي كما يشاء!».

تنامت فيّ أشواق التاريخ والحزن والذكرى، فوجدتني أتخطى السلسلة وأنا مسلوب الإرادة، وكأنّ أحداً يأمرني فأستجيب له، ثم أقف في المحراب أصلي على أرضه الرخامية العارية ركعتين، أحيّي فيها المسجد، وأنا فرح إلى درجة الحزن، وحزين إلى درجة الفرح.

أُخذ الزائرون بمنظري، ثوباً وقياماً وركوعاً وسجوداً، فأخذوا يسارعون بالتقاط الصور التذكارية، ولعلهم ينظرون إليها فيما بعد، ويعرضونها على ذويهم قائلين: انظروا إلى ما كان يفعله هذا الغريب!

حينما خلوت إلى نفسي بعد حين، عجبت لما فعلت، بل سررت به، فربما لم يشهد المحراب أحداً سجد فيه منذ زمن طويل.

د. حيدر الغدير (من أبناء دير الزور، مواليد 1939)

********************************************

يخرج من المعتقل ضائعا مضيّعا!] بقلم: Samir Al Sharif
– – – – – – – – – –

قبل بضع ساعات في منطقة “باب مصلى”.. توقّفتُ أمام شابّ يسأل أحد المارة: وين أنا؟

وباستغراب أجابه الرجل: لِكْ ابني انت بباب مصلى.

الشاب: يعني وين أنا عمو؟

الرجل: بالشام انت بالشام!

الشاب: عمو انا هلق طلعت من المعتقل.. كيف بدي أروح على حلب؟

الشاب كان يرتدي بيجاما قطنية مقطّعة.. وقدماه ملفوفتان بالشاش تنزّان دما، وشحاطة بلاستيك تطبع على الأرض خطوات من دم.. وجسمه كان مليئا بالتقرّحات، أو ربما هو الجرب لم أستطع التمييز.

كان يمشي وكأنه يرى كوكبا ﻻ يعرفه.. ينظر في وجوهنا وعيناه جامدتان ﻻ تجدان تفسيرا لما يرى!!

[منقول بتصرف يسير] – – – – – – – – – –

تعليق مني:

كان لي، قبل بضع وثلاثين سنة، وقفةٌ في هذا المكان في باب مصلى، ساعة إطلاق سراحي من معتقل “الشيخ حسن” سيّئ السمعة، لكن لم تكن الملابس مقطّعة ولا في القدمين نزّ أو نزيف، كانت السجون يومذاك أقلّ فظاعة!

أخذت التكسي متوجّهًا إلى بيتي في “حيّ الروضة”. تراءى لي عند الوصول أن أقدّم مفاتيح البيت للسائق كي يفتح لي الباب المطلّ على الرصيف فأدلف دون أن يقع عليّ نظر أحد الجيران، فاعترى المسكينَ الخوف، وتوسّل إليّ لإعفائه، وانطلق بسيارته كما لو أنه أُطلق سراحه!

فلوريدا:
ليل الاثنين 9-6-2014

********************************

وتداخلت الأحلام] قصة بقلمي منشورة في مجلة “كل العرب” بباريس، العدد العاشر حزيران/ يونيو 2019، في زاويتي الشهرية “أيام وليال”
– – – – – – – – – –

دخل الدار. اجتاز الدهليز، وغدا في وسط الحوش. أحواض الزَّريعة لا يدَ تُعنى بها، والكرمة جفّت أغصانها وتفشّر الجذع. تحيط بالمكان غرفٌ يسكنها أناسٌ مهمّشون، يستغرقهم النوم في هذا الهزيع من الليل. صعد الدرج إلى غرفته، محظوظ أنه انفرد بالعلّيّة، الوحيدة، في هذه الدار العتيقة.

أخذ يستعرض في خاطره، وهو يُبدّل ملابسه، ما كان في السهرة التي يعود منها الآن. لقد خاض بين أصدقائه الحميمين في “الشؤون العامة”. ارتفعت فيها نبرة صوته.. فقال له أحدهم:
ــ وما نفعُ الكلمات في حضرة السيف، يا صديقي!

ونصحه آخر:

ــ لو “توفّر” نفسك، يا فصيحنا الجميل!

وسائرهم بدَوا له وكأنهم أرانبُ تقضم أوراق الخسّ في صمت.

استلقى في سريره، الذي تعوّد سمعُه أن يُصغي إلى أنينه عند كلّ تقلّب. وما كاد يحطّ رأسه على المخدّة.. حتى رآهم يموجون حوله يملؤون المكان!

لم يستغرب ذلك، فهو يدرك أنهم موجودون حتى تحت الجلد وداخل النفس المؤرّقة. وساقوه، معصوبَ العينين، إلى حيث تلقّى أول الأسئلة:

ــ أنت أنت، ألن تكفّ!

فسأله:

ــ عمّاذا تريدني أن أكفّ، يا سيدي القاضي؟

ــ “تغريداتك” المكررة.. عن الحرية وما شابه. أنت في هذه الليلة التي لم ينبلج فجرها، خضت أمام أصحاب لك فيما تسمّيه “الشؤون العامة”، عبّرت عن أوهام تعشّش في رأسك، من أنّ المواطنين في ذلّ القهر وأنهم في الكفاف يعيشون، وأنّ وأنّ… إلى آخر هذه المنظومة الممجوجة. ولتعلم أنّ كلّ شيء يصل إلينا بالتوّ واللحظة، حتى ما يجول في نفسك من أنّ الآخرين “أرانب يقضمون أوراق الخسّ في صمت”!

ــ ما قلته هناك أستطيع أن أردّده هنا.

ــ قله لأسمعه من لسانك.

ــ أنا من المطالبين بالحرية.

ــ تعني أنّ الحرية مفتقدة في وطننا الحبيب.

ــ قد كفّ الوطن عن أن يكون حبيبا…

قاطعه:

ــ فأنت تكره وطنك!

ــ دعني أُكمل عبارتي، يا سيدي. منذ أصبحتم تتباهَون بأنّ «كلّ شيء يصل إليكم بالتوّ واللحظة».

ــ ذلك حماية للوطن من الأعداء.

ــ عدوّنا الأكبر، اليوم، هو الفساد، ودون إزاحته لا يمكننا أن نترقّى أو نحارب الأعداء.

ــ تقول “فساد”! وهل في وطننا فساد؟

ــ أنت لا تراه لأنك ضالع فيه.

ــ أنا.. حتى أنا!

ــ أنت.. مِن راتبك مكّنتْك الأقدار من أن تودِع في بنوك الخارج ما…

علا الصوت:

ــ باااااس! انتهت المحاكمة. عد إلى العلّيّة، التي استأثرت بها دون جيرانك الذين تسمّيهم المهمّشين. يصل إليك حكمنا. لن نقطع لسانك، سوف نلفّ حول عنقك حبلا لا ينقطع!

في طريقه إلى البيت كان يردّد في ذات نفسه: حبلٌ يلتفّ حول العنق! كيف يصرفني إلى البيت!

وظلت تنتابه الأضغاث: رأسه يُعلّق في أنشوطة، يُسقطون ما تحت قدميه، يتأرجح في الهواء الطلق. ويرى مرة أخرى أعواد المشنقة قد انسلّت منه، وحلّقت في الفضاء وبقي هو فوق الكرسي، ينزل، يتأبّطه ويمضى…

قال في ذات نفسه: كأني في حلم!

وجد رأسه على المخدّة، تقلّب، فسمع أنين السرير.

أخذ القلم ليكتب. أحسّ حاجة. نزل الدرج.

من عجبٍ أن يرى في الحوش، بحوار الكرمة المتقشّرة، نفرًا، أخذوا يُحدّقون إليه مستغربين. تقدّم منه كبيرُهم يقول له في حزن:

ــ يؤسفنا أننا نفّذنا فيك حكم الإعدام قبل قليل!

قال:

ــ وكيف يمكن أن يكون حكم بالإعدام قد نُفذ فيّ، وهأناذا أمشي منتصب القامة!

فاستحيا الرجل، وعاد إلى جوار الدالية.

صعد إلى العلّية، فرأى فيها صديقيه، مَن وردت على لسانه كلمة “سيف” وذاك الذي وصفه “بالفصيح الجميل”! أخذا يُهدّئان من روعه.. وهو يُمعن فيها النظر، ويتساءل ما إذا كانا هما من أوصلا حديثه “بالتوّ واللحظة”!

ولبثا عنده.. إلى أن آن له أن يستيقظ، فأدرك أن أحلام هذه الليلة قد تداخلت واختلط بعضها في بعض.

وتناول القلم.. يُدوّن كلّ هذا الذي حصل.

********************************

[وازددتُ إيمانًا بالعدالة!]

… وفي نشرة قدّموها لنا، وأنا معتقلة بسجن النساء في “عدرا”، صادرة عن مكتبة الأسد، قرأت أنّ من مؤلفاتك التي تقتنيها هذه المكتبة العامة كتابا بعنوان “الابتسام في الأيام الصعبة”.

ولو تعلم، يا أستاذي الفاضل، كم كنت في حاجة إلى الابتسام وأنا في أيامي الصعبة الحزينة تلك التي استمرّت أحد عشر شهرا بلا ذنب جنيت سوى أني كنت أراسل إحدى الصحف العربية. وكان من حقّ المعتقلين كما وعدونا أن يطلبوا من إدارة السجن فيأتوا لنا بالكتاب من هذه المكتبة العامة الكبيرة لمطالعته، ولكنهم لم يردّوا على طلبي، فكررت وألححت دون جدوى… وأخيرا جاؤوا لي بكتاب عن فكر القائد الراحل.

وبعد أن أطلق سراحي أسرعت لقراءة كتابك، فكنت صدقًا يا أستاذ فاضل، أضحك من الأعماق عند قراءتي بعض قصصه، وأضحك عند غيرها مع إحساسي بالضيق والألم، وأما عندما وصلت إلى آخر قصص الكتاب “حوار للفصل الأخير”، كيف يتّهم مواطن بريء هو من المعارضة السلمية بقتل صديقه الحميم الموالي للنظام، يرسمون له الجريمة ويفرضون عليه الاعتراف، فإني أحسست وكأنّ يدًا تمتدّ إلى صدري وتعتصر قلبي. وليلتها لم أنم، ولكني ازددت إيمانًا بالعدالة، وعرفت لماذا منعوا عني الكتاب!

(شذى المداد) صحفيّة سوريّة في المهجر
– – – – – – – – – – – –
فلوريدا: ليل الأحد 8-6-2014



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع