أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » مبادرة السلام السوريّة : وضع سوريا تحت الوصاية الدوليّة المتعددة / بقلم: عصام زيتون

مبادرة السلام السوريّة : وضع سوريا تحت الوصاية الدوليّة المتعددة / بقلم: عصام زيتون

مبادرة السلام السوريّة

بقلم: عصام زيتون

15/05/2019

مقدّمة

الأزمة السوريّة المندلعة منذ 8 سنوات ليست أزمة تقليديّة عابرة لكيّ يتمّ التعامل معها بأسلوب نمطيّ تقليديّ. أنّها ازمة وجود وهويّة لمجموعة من الشعوبٍ والأقليات ولعقائد والطوائف التي وجدت نفسها في غفلة من التاريخ في هذه الجغرافيا والظروف المعقّدة. فما نراه اليوم من انقسام واختلاف واقتتال بين السوريّين هو نتيجة لاحتقانٍ تراكمات وتعقيدات تعود إلى فترة تأسيس سوريا بشكلها الحاليّ، بالإضافة إلى ما مرّت به منذ أكثر من مئة سنة حتّى وصل الحال إلى ما هو عليه اليوم. هذه الأزمة الداخليّة السوريّة أدّت إلى ضعف الدولة السوريّة استغلّته بعض الأطراف الطامعة لتحاول ابتلاع سوريا، هذا الواقع الجديد دفع الكثير من الأطراف للتدخّل عسكريّاً لحفظ مصالحهم الإستراتيجيّة منها والأمنيّة والاقتصادية. ما أنتج أزمة باتت تشكّل بشكلٍ واضح تهديد حقيقي للسلم والأمن العالميّين، وباتت تحتاج إلى تظافر جهودٍ إقليميّة ودوليّة للتعامل معها ومعالجة آثارها. كلّ هذا والشعب السوريّ يعاني القتل والتعذيب والانتهاكات من جميع الأطراف ومأساته مستمرةٌ وتزداد دمويّةً وتعقيدا.

أسباب وموجبات

داخليّا

1. الشعب السوري بمختلف مكوناته فشل في إيجاد حلّ مقبول لجميع الأطراف المتنازعة لإنهاء الحرب الدمويّة القائمة منذ 8 سنوت بسبب فقدان الثقة وعدم الاعتراف بوجود الآخر المختلف والهوّة الكبيرة بين وجهات النظر المختلفة.

2. المعارضة السوريّة عجزت خلال 8 سنوات من التوافق ولو بالحد الأدنى على مشروع وطني موحّد واقعي أو تشكيل أيّ فريق سياسي موحّد يكون بديل واقعي للنظام.

3. فشل الثورة بإسقاط النظام سياسيّاً وعسكريّا لاعتماد لغة السلاح والدين.

4. فشل النظام عبر50 سنة في تشكيل هويّة سوريّة يجتمع عليها السوريّون على اختلاف قومياتهم ودياناتهم ومذاهبهم أو حتّى بناء الثقة بينهم. بل عمل بشكلٍ منهجي وبقاعدة استبدادية دكتاتورية على تكريس الانقسام القومي والديني والطائفي والطبقي وفقدان الثقة بين السوريّين وتدمير روح العمل الجماعي لديهم بزرع التفرقة والأنانيّة وثقافة النفاق والتسلّق والوصوليّة والرشوة والمحسوبيّة، وغسل أدمغة الأجيال المتعاقبة بمفاهيم عنصرية مشوّهة وإيديولوجيّات مسمومة واستراتيجيّات خياليّة وقضايا وهميّة وشعاراتٍ زائفة. لقد حارب عبر 50 سنة أيّ بوادر لنشوء أيّ تيّار فكري أو سياسي حضاري مستقلّ. وجعل جميع مؤسّسات الدولة حتّى التربويّة والنقابيّة والخدميّة مراكزاً للأمن لا تنتج إلّا الفساد والفشل.

5. فشل النظام في إعادة الاستقرار والأمان إلى البلاد بعد 8 أعوام على الرغم من استخدامه لجميع أنواع الأسلحة – بما فيها المحرّمة دوليّاً – ضدّ شعبه بل عَمّق الهوة العدائية بين المكونات السورية.

6. لحينه يلعب النظام كما المعارضة على وتر الوطن والوطنيات وهم من فصّلوا الوطن على مقاسهم فقسموا الوطن وباعوه وتاجروا بالوطنيات، وزرعوا ثقافة التخوين المجاني للمكونات فيما بينها.

إقليميّاً ودوليّاً

1. نفس الهوّة الواسعة والشرخ العميق وانعدام الثقة بين السوريّين انتقلت وبنفس العمق والزخم أيضاً إلى ما بين دول الإقليم والعالم حول السوريين وعلى الجغرافيا السورية.

2. لن يتمكن طرف إقليميّ أو دوليّ واحد أن يبسط وحده السيطرة على سوريا كاملة بحيث يستطيع إخراج جميع المنخرطين في الملف السوري مهزومين منها.

3. السوريين لن يأمنوا ولن يوافقوا جميعهم على تولّي نفس الدولة مسؤوليّة الوصاية عن كامل سوريا. فالمحتلّ المجرم الروسي عند البعض هو نفسه المخلّص والحامي عند البعض الآخر!!

4. الدول الإقليميّة وحتّى الدوليّة لن تسمح بالتضحية بمصالحها ولا بسمعتها ولن تقبل الانسحاب من سوريا وسحب فصائلها بلا مقابل&8230; ولا ننسى بأنّ من سيخرج مهزوما عليه دفع كافّة التكاليف والتعويضات.

5. المهام والمسؤوليات والأعباء الّتي على دول الوصاية المقتَرَحَة القيام بها خلال الفترة الانتقالية المنشودة أكبر بكثير من قدرة طرف واحد أو حتّى حلف واحد على تحمّلها وانجازها منفرداً، ولا سيّما الملفّ الأمني وضبط فوضى السلاح والميليشيات، وفرض الأمن وبسط سلطة القانون واستلام ميزانيات إعادة الإعمار والّلاجئين والمهجّرين.

6. في سوريا هناك مشروع فارسي عدائي توسّعي عنصري اجتثاثي حاقد هو الأخطر وجوديّا على سوريا وعلى الإقليم إضافة للأطماع التركية للامتداد داخل الخارطة السورية بعقليتها العثمانية.

7. هناك مصالح ضخمة لدول مؤثره منها الاقتصادية والأمنيّة والإستراتيجيّة. هناك مشاكل ومسؤوليات وتحدّيات ومهام تعجز أيٌّ من تلك الدول عن التصدّي لها وإنجازها وتحمّلها منفردةً. وهناك أيضاً مصالح متقاطعة وأحلاف متواجهة ومشاريع متضاربة دوليّاً وإقليميّاً. وبالتالي لا بديل ولا مناصَ من تجزيئ المشكلة ليسهل حلها وتوزيع المهام ليسهل إنجازها وتحقيق الحدّ الأدنى من مصالح الأطراف المؤثّرة في سبيل إنشاء تحالف سياسي وعسكري دولي وإقليمي ويؤمّن الحماية للسوريّين على مختلف توجّهاتهم وقومياتهم واديانهم ومذاهبهم، يحيّد روسيا ويُجبر إيران كما تركيا على التخلّي عن مشروعهما والعودة إلى حدودهما. أما أن نستمر بوضع سورية كلها بمشاكلها والمتورطين فيها والمتنازعين عليها داخليا وإقليميا ودوليا على طاولة البحث لإيجاد حل واحد بحيث يقبل به الجميع فهو من المستحيلات فسيستمرّ الصراع ويتجدّد داخليّاً وإقليميّاً ودوليّاً.

8. نهايةٌ بأَلَم خيرٌ من ألم بلا نهاية.

تقوم مبادرة السلام السوريّة على مطالبة المجتمع الدولي دولاً ومنظّمات باستصدار قرار من مجلس الأمن وتحت الفصل السابع بما يلي:

1. الوقف الفوري لإطلاق النار

2. تشكيل لجنة أمميّة خاصّة بالوصاية الدوليّة على سوريا وإقرار فترة انتقالية من عشر سنوات كحدٍّ أقصى، يتمّ خلالها وضع سوريا تحت الوصاية الدوليّة المتعددة ووضع الخطط المنسّقة وتوحيد الجهود المتظافرة لتسهيل حلّ كافّة المشاكل ومعالجة كافّة الملفّات الّتي أنتجتها 8 سنوات من الحرب وأوّلها فرض الأمن وضبط فوضى السلاح والميليشيات بحسب خطّة موحّدة ومتزامنة بحيث تكون:

أ‌) محافظتي الّلاذقيّة وطرطوس تحت الوصاية والحماية الروسيّة، حيث تنحصر سلطة نظام الأسد الّذي سيقرّر مصيره السياسيّ شعب المحافظتين المؤيّد بغالبيّته بالتوافق مع الوصيّ الروسي، أمّا مصيره القانونيّ فيقرّره القضاء الدولي.

ب‌) المحافظات الجنوبيّة دمشق وريفها، درعا السويداء والقنيطرة تحت وصاية دول التعاون الخليجي والأردن ومصر بمشاركة وإشراف الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

ت‌) حلب وإدلب وحماة وحمص إلى حدود القلمون الشرقي تحت الوصاية والإشراف التركي بالتعاون مع الإتّحاد الأوربي.

ث‌) محافظات شرق الفرات (الرقّة، دير الزور، القامشلي والحسكة) تكون تحت وصاية الولايات المتّحدة الأمريكيّة بالتعاون مع الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال شرقي الفرات.

ج‌) واقع التغيير الديموغرافي الذي تعرضت له المناطق السورية نتيجة الصراعات المتعصبة والمتطرفة والعداوات التاريخية، يجب أن تعود إلى ما كانت علية قبل أحداث سوريا عام 2011.

ح‌) سيرورة إنكار قضية الشعب الكوردي، كشعب يعيش على أرضه التاريخية، يعطي قضية الشعب الكوردي خصوصية محورية واجبة الإقرار بالحل الدستوري التوافقي الضامن لحقوقهم، توازياً مع أي حل سوري، وتيمناً مع التجارب الديمقراطية الناجحة لدول لها ظروفها المشابهة لواقع المكونات والجغرافية السورية (كأمثلة: المملكة المتحدة البريطانية، بلجيكا، سويسرا , &8230;&8230;.. وكثير من الدول ذات الأنظمة الفيدرالية).

وبالطبع ستكون هيئة الأمم المتّحدة ممثّلةً وحاضرةً ومشرفةً على كل تفاصيل تحضير وتنفيذ المشروع على كامل الأراضي السوريّة. تأمين الحماية لجميع السوريّين على كامل الأراضي السوريّة وضمان حقّهم في التنقّل وفي اختيار مكان إقامتهم خلال الفترة الانتقالية، كلّ بحسب رغبته.

خ‌) حماية الحدود ومنع التسلّل وانتقال السلاح والمقاتلين،

د‌) تشكيل المجالس والإدارات المحليّة والبلديّات والّلجان من أهالي المناطق باعتماد الكفاءات التكنوقراطيّة المحليّة وباعتماد تموزج اللامركزيّة الإداريّة المؤقتة وصولاً للنظام الفيدرالي بسلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية.

ذ‌) مراعاة حقوق وخصوصيات المكونات الموجودة ضمن الخارطة السورية وفق الشرائع والقوانين الدولية المتعلقة بالشعوب والأقليات.

ر‌) إعادة إعمار المدن المدمّرة على أسس عصريّة ومتطوّرة.

ز‌) إعادة بناء الإنسان على أسس التسامح والتعايش وقبول الآخر المختلف وإشاعة ثقافة السلام لبناء الثقة.

س‌) إعادة الّلاجئين والنازحين إلى ديارهم.

ش‌) بناء كافّة مؤسّسات الدولة على أسس مهنيّة وحضارية حديثة وعلى رأسها المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة والخدميّة والتعليمية والتربوية بأسسها الديمقراطية.

ص‌) معالجة الهوّة التربويّة والتعليميّة الهائلة الّتي نتجت عن حرمان جيلٍ كامل من الأطفال السوريّين تحت سن 15 من المدارس، ملفّ المعاقين، الأيتام، الأرامل إلخ &8230;. ويتمّ فيها التمهيد والتأسيس لنشوء حراك سياسي ينتج عنه بناء الأحزاب السياسيّة الوطنيّة الّتي سترسم ملامح سورية المستقبل.

ض‌) لن بتمّ خلال الفترة الانتقالية اتّخاذ أيّ قرار مركزي يخصّ سوريا كدولة. وتتفق وتتوافق مكونات الشعب السوري في نهاية المرحلة الانتقالية على شكل الدولة الفيدرالي وهويّتها ودستورها العلماني التوافقي.

هناك انسداد في أفق الحلول، واحتقان وتحشيدات ويمكن لأيّ خطأ تقنيّ أن يشعل نزاعاً إقليميّاً ودوليّاً لن يستطيع أحد أن يتنبّأ بحدود انتشاره ولا بعواقبه. ومع أنّ المشروع يبدو مغامرة مكلفة وصعبة للجميع، لكنّه الخيار الأسهل والأضمن والأقلّ تكلفةً بالمقارنة مع الخيارات الكارثيّة الأخرى الّتي ستكون نتيجةً حتميّة لسياسة التأجيل وترحيل المشاكل بدلاً التصدّي لها.

إنّ كلّ يومٍ يزيد في عمر هذه الأزمة يجعل معه الحلّ أكثر صعوبةً. لابدّ للجميع من تقديم تنازلات مؤلمة لتفادي الكارثة المحدقة بالجميع.

أوّل خطوة على الطريق الصحيح هي الاعتراف بأنّنا على الطريق الخاطئ.

بقلم: عصام زيتون