أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » كولورادو… الولاية الجبلية : عبد الكريم البليخ

كولورادو… الولاية الجبلية : عبد الكريم البليخ

كولورادو… الولاية الجبلية
عبد الكريم البليخ

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
في صورة تواردت ذكرياتها في ذهني عفو الخاطر، وكانت المحطّة الأهمّ في حياتي، تذكّرت من خلالها رحلاتي المتعدّدة إلى الولايات المتحدة الأميركية، الحلم الأمل، لمعظم الشباب في كل الأوقات، وكانت ترسم ملامح شخصية غنية لكثير ممن تستدعي ظروفهم حبّ الاطلاع والسفر والمغامرة إلى بلاد الله الواسعة.

وفي هذه المرّة، فإنّ الحال يختلفُ كلياً عن المواقف التي سبق أن رويتها في ما مضى، وكنت وصلت فيها الولايات المتحدة الأميركية، وتنقلي ما بين الولايات متعدّدة الأوجه، والتي تشكل هاجساً مرعباً في تجانسها كشبكة متكاملة، وتشتمل على أهمية هذه الولاية عن غيرها. إنها سلسلة طويلة كمسبحة متراصّة مرتبطة بكتلة واحدة، وهي وحدها تقودنا إلى محور خاص، ووجه متعدد المثالب، وفي النتيجة، القلب واحد والروح كذلك.

وسبق لي أن زرت عددا لا بأس به من الولايات، والتي تشكل في هيكليتها عوامل جَذب غريبة، وأقمت في بعضها أياماً، وبعضها أشهراً، ومنها ما تجاوزت فترة الإقامة فيها العام ونيّفا..

ومن بين الولايات التي أُعجبت بها أيّما إعجاب، وأقمت فيها فترة لا بأس بها من الزمن، وكانت بالنسبة لي النافذة التي أطللتُ من خلالها على الكثير من الولايات المتحدة، ونالت قسماً كبيراً من عقلي وقلبي، ولاية كولورادو الجبلية، أو ما يُعرفُ عنها بالولاية الذهبية، وفي مدينتها دِنْفَر العاصمة بصورة خاصة، وأكثر ما يلفت فيها جمال أبنيتها الحديثة، ونسقها الذي يقف عنده أغلب أهلها وزوّارها الكثر، ناهيك باتساع مساحتها، وشوارعها الواسعة وطرقها المدهشة، والنظافة التي تلفت النظر، وحتى الشارات المرورية لها حضورها وبريقها الذي يقف عنده الزائر لما لها من ألوان خاصة، وفيها من الإبهار ما يكفي، وفي هذه الولاية حطّت بها قدمي، ولأوّل مرّة، في الثاني والعشرين من شهر يوليو/ تموز في عام 1999.
وصلت إلى مطعم أبو العبد، الذي أوصلني إليه عمار وأنزلني من سيارته، وودعته بكل احترام، وشكرته على ضيافته لي طوال تلك الفترة، على أن نلتقي في مرات قادمة، ونكون على تواصل دائم

ولم تقف زيارتي إلى هذه الولاية لمرّة واحدة فحسب، وإنما أتبعتها بزيارات متعاقبة، ولم يقف برنامج الزيارات عند ولاية كولورادو، فقد زرت عددا آخر غيرها، والموزعة على بيئات جغرافية متعدّدة، ومساحات شاسعة، وتدفّق إنساني غريب، وشلال عائم من الحركة والنشاط، ومن مختلف الملل والجنسيات تراهم يتسابقون لزيارتها، ومنهم من يرغب العمل بها لكسب قوت يومه، والعيش في كنفها.

وتتميز كولورادو بالجبال والغابات والسهول المرتفعة، والهضاب والوديان والأنهار والأراضي الصحراوية، وهي الأبرز بجغرافيتها المتنوّعة، بدءاً من جبال الألب، إلى السهول القاحلة والصحاري مع الكثبان الرملية الضخمة، والأخاديد العميقة والحجر الرملي والغرانيت، التي تشكل الصخور والأنهار والبحيرات والغابات الخضراء.

وفيها أعلى قمّة جبل ألبرت، 4.401 م في سلسلة جبال روكي الصخرية في أميركا الشمالية، وخلافاً لمعظم الدول الأخرى، وإن جنوب ولاية كولورادو هو من أكثر المناطق دفئاً من شمالها.

وكقاعدة عامّة، هناك زيادة في الارتفاع ليأتي الانخفاض في درجات الحرارة والذي يعمل على الزيادة في هطول الأمطار. شمال شرق، وشرق وجنوب شرق ولاية كولورادو في الغالب يتكوّن من السهول المرتفعة، في حين أنَّ كولورادو الشمالية هي مزيج من السهول مرتفعة التلال، والجبال. ومن أهم كنوزها السياحية حديقة روكي ماونتن الوطنية. هذه المنطقة الطبيعية هي موطن للجبال والبحيرات، ولمجموعة متنوّعة وواسعة من الحياة البرية، وتوفّر المنطقة لمسارات المشي، ومرافق التخييم، مع الفرص المتاحة لتسلّق الجبال، التزلّج، ركوب الخيل، والصيد تبعاً للموسم، فضلاً عن جبل إيفانز الذي يقع على الطريق السريع الذي يصل ارتفاعه إلى ما يزيد على 4,348 م، وهي أعلى الطرق الجبلية في الولايات المتحدة الأميركية، وهناك إطلالات جذب على الجبال العظيمة، والبحيرات الألبية والمراعي.

ومن مدنها دِنْفَر العاصمة، وهي أكثر المدن الأميركية ارتفاعاً عن سطح البحر، ومناخها متقلّب وغير ثابت. إذ يكون بارداً، وفجأةً يُصبح معتدلاً، وآخر مثلجاً وماطراً، إلّا أنّ فصل الصيف فيها يتميّز بحرارته الشديدة، ولكونها على ارتفاع عالٍ جداً، فإنّها كثيراً ما تضربها الصواعق، وتكثر فيها الحوادث، وتأتي دِنْفَر في المرتبة العاشرة من بين المدن الأميركية الأكثر أمناً.

وتشكل كولورادو، في مضمونها، طموح وهاجس كل شاب عربي يرغب في العيش والإقامة فيها، وزيارة بلاد العمّ سام، البلد الاقتصادي العملاق، وأنت تقيم فيه هذا يعني أنك تستدعي آفاقا واسعة، وخيالا خصبا للكتابة في حال أردت ذلك، والإقامة المريحة للمسافر والمغامر معاً.

إنّها بلد الإنتاج بحق، والإقامة فيها بدون دخل أو عمل، هذا يعني أنه سيشعرك بالإفلاس الحقيقي، وإن كنت تحتفظ بمئات من الدولارات، فانك ستخسرها لمجرد قضاء يوم واحد بعيداً عن أيّ عمل يشغل وقتك، ويُسهم في زيادة مدخراتك المالية. فالعمل فيها متوافر إلى حد ما وبسهولة، للراغبين به والباحثين عنه، وان كانت ساعاته طويلة، وقد تكون ممللة ومقرفة في بعضها إلاَّ أنه أفضل بكثير من البقاء بدونه، أو أي شيء تشغل به نفسك طوال اليوم، لأنك ستشاهد الجميع منخرطا فيه، وهذا لا يقتصر على فئة معينة من الشباب، وإنما ينسحب أيضـــاً على كبار السن، والعمل في هذا راحة غريبة، على عكس ما لحظناه، في أوروبا!

وإن كان حال العمل هنا يختلف، وإن توافر بالكاد تجد العمل الذي يناسب قدراتك ورغبتك، هذا إذا وجدت، وان أجر العامل ضئيل جداً لا يتناسب مع الجهد الذي يبذله، أضف أنه لا يكفي قوت يومه، وخاصة إذا كان يعيش مع أسرته، ما يعني أنه يحتاج إلى دخل إضافي لدفع إيجار مسكنه، وما يتبع ذلك من مستلزمات ضرورية!

وبالنسبة لي تعددت أماكن الانتقال والترّحال من ولاية إلى أخرى، بهدف معرفة واقع الناس، وطريقة معيشتهم. كيف يقضون يومهم بدون عمل، وأين؟ ما هي رؤيتهم للحياة، وما هي طبيعة الأعمال التي يقومون بها، والدافع الذي يجعلهم توّاقين للتسابق نحوها، وليجعل منهم بذرة يمكنها أن تنتج ثمرة، وتفعيلها لأجل العيش وسط حياة صاخبة، وآلة لا يمكن أن يلجمها الدوران عن التوقف أو ترحم أحداً؟

في ولاية كولورادو الأميركية، التي عشت فيها فترة من الزمن ولم أستمر، قررت السفر إلى ولايات أخرى بواسطة صديق كنت تعرفت إليه في مطار الملكة علياء الدولي، في إحدى رحلاتي قادماً من الولايات المتحدة الأميركية، وبعد عودته إلى أميركا، بعد قضاء فترة إجازته في مدينة حماة وسط سورية، قرّرت السفر إليه حيث يقيم في ولاية الميسيسبي. اتصلت به وأخبرته عن موعد سفري. استقبلني، بكل ود، في بيته بحضور زوجته الأميركية.

أقمت مع صديقي في منزله في ولاية الميسيسبي حوالي خمسة أشهر، وكان يدير في حينها محلاً لصناعة البيتزا، وأكدت عليه رغبتي في العمل معه بدلاً من المكوث مطولاً في البيت بدون فائدة، وتهرباً من حالة الملل والإحباط الذي انتابتني، وأنا بطبعي، الذي جبلتُ عليه، من محبّي العمل والخوض فيه مهما كانت صعوبته، وهذا ما أفضله على راحة ميتة!

لم يقصّر عمّار، صديقي المتأمرك، فرحّب بذلك وكلّفني ببعض الأعمال في محله الذي يعمل فيه نحو ثمانية عشر عاملاً وعاملة، وأغلبهن من الإناث صغيرات السنّ.

ظللتُ فترة على هذه الحالة، وفي يوم ما ذهبت معه في سيارته الصغيرة الشيفروليه إلى ولاية لويزيانا التي تبعد عن الميسيسبي نحو ساعة بالسيارة، وهناك تعرّفت إلى أحد المغتربين العرب، وطرحت عليه فكرة العمل معه، وترك العمل عند صديقي الذي يستغلني في دفع أجري، الذي بالكاد لا يذكر، وأكدت له أنني أقيم مع صاحب العمل في منزله، وسأخبره بترك العمل عنده، والعودة للعمل معه، والسبب الإغراء المادي الذي لم يكن متوافراً لي في عملي لدى صديقي عمّار الذي أقضي فيه ساعات طويلة ومنهكة، ودخلي زهيد جداً لا يرقى إلى نصف المبلغ الذي وعد به أبو العبد، صاحب المطعم العربي المشهور في لويزيانا، دفعه في حال العمل معه.

بعد نحو أسبوعين حملت أمتعتي ونزلت مع عمّار بسيارته الصغيرة الحمراء إلى لويزيانا من جديد، بعد أن أعلمته بأني سأترك العمل عنده ولدي الرغبة بالعمل لدى أبو العبد فلسطيني الأصل، والذي سيدفع لي المبلغ الذي يوازي ما أبذله من جهد، فضلاً عن أنه سيؤمّن لي المسكن المناسب.

هزَّ عمّار رأسه بالموافقة، وقال لي “أنك ستندم على تركك العمل لديّ، لا سيما وأن العمل الجديد الذي ستقوم به مجهد، وساعاته طويلة ضعف الساعات التي تشغلها هنا”.

وصلت إلى مطعم أبو العبد، الذي أوصلني إليه عمار وأنزلني من سيارته، وودعته بكل احترام، وشكرته على ضيافته لي طوال تلك الفترة، على أن نلتقي في مرات قادمة، ونكون على تواصل دائم.

دخلت مطعم أبو العبد، وهو رجل في عقده السادس من العمر، ومن سكان مدينة البيرة الفلسطينية. إنسان شديد التواضع، مسامح إلى حد كبير، وفيه من المروءة والشهامة والطيبة الشيء الكثير. رحّب بي، وطمأنني إلى أنه سيقوم على خدمتي، وتأمين ما أحتاج إليه، وأنا في قرارة نفسي لم أصدق كل هذا اللطف في تعامله الحسن، وخلاصي من العمل الذي كنت أقوم فيه في محل صديقي الذي سبق أن تعرفت عليه صدفة، والأجر البسيط الذي كان يدفعه لي، واستغلاله للعمال الذين بالكاد كان يدفع أجورهم بانتظام، رغم دخل محله الجيد الذي كان يحسده عليه الكثيرون من معارفه وأصدقائه.

كانت فرحتي لا توصف، في اليوم الثاني بعد أن قضيت أوّل أيّام العمل لدى أبو العبد الذي كان يُعاملنا، نحن العاملين لديه، المعاملة الحسنة التي تليق بإنسانيته وتواضعه الجمّ، وعارضاً علينا كل ما يمكن أن يخفّف عنّا من عبء الحياة والغربة التي استنشقنا رائحتها، وكان يبادر بدفع أجرتنا الأسبوعية في موعدها المحدّد، وما نحتاج إليه لقاء البقاء لديه في محاله الذي كنا نوليه أهمية خاصة بما يليق بصاحبه واحترامه الزائد لنا.