أخبار عاجلة
الرئيسية » سينما وتلفزيون » عن المسلسل الأردني “جن”..جمع شرائح فاسدة وسلبية من كل مجتمع في مساحة ضيقة ولكنه لا يقول إن كل أفراد المجتمع هكذا

عن المسلسل الأردني “جن”..جمع شرائح فاسدة وسلبية من كل مجتمع في مساحة ضيقة ولكنه لا يقول إن كل أفراد المجتمع هكذا

ما هذا الهجوم على هذا المسلسل؟ أقصد أن المسلسل الأردني “جن” جمع شرائح فاسدة وسلبية من كل مجتمع في مساحة ضيقة، وقام بتقديمها، ولكنه لا يقول إن كل أفراد المجتمع هكذا، ومشاهد القبلات شاهدناها منذ زمن أفلام نور الشريف ونجلاء فتحي، ولكن أضيفت لها البذاءة والمجاهرة، فلماذا هذه الصدمة والثورة في مجتمعاتنا العربية التي من المفروض أن تكون الصورة العامة لها هي التمسّك بالعادات والتقاليد والمبادئ والأخلاق التي نشأنا وتربينا عليها، ولا نزال نربّي أولادنا عليها، وبأن الصورة الدخيلة هي الشاذة، ومن يحاول أن ينجح ويسلط الضوء على نفسه، أو على إنتاجه، فهو يضع تلك الصورة تحت المجهر.
في الوقت الذي عرضت شبكة نتفليكس الأميركية هذا المسلسل، تعالت الأصوات المستنكرة ما يحتويه من مشاهد لا أخلاقية، علما أن المسلسل نجح في تصوير البتراء مدينة عربية ساحرة وتاريخية على قناة تعرض إنتاجاتٍ عالمية، ويتابعها الجمهور متعدّد الجنسيات. ولذلك وقع القائمون على المسلسل في خطأ فادح، وهو اختيار إطار خارج عن البيئة العربية لترويج المسلسل من خلال رحلة مدرسية، ولاحظوا أنها مدرسية وليست “شلة أصحاب”، بمعنى أننا نضرب المنظومة التربوية في الصميم، لأن هؤلاء الطلاب والطالبات قد خرجوا من هذه المدرسة. ولو تخيلنا أن هذه المجموعة موجودة في كل مدرسة، لقلنا على المجتمعات السلام، في حين أن الطلبة والطالبات في مدارس كثيرة تجمعهم علاقات قويمة وإيجابية وبنّاءة، وهناك أنشطة كثيرة تخدم المجتمع تنتج من اجتماع الجنسين، وليس تبادل القبلات والألفاظ النابية والبذيئة التي لم يخل منها أيٌّ من مشاهد المسلسل، وكأن هذه الألفاظ وسيلة تفريغ طبيعية لما يشعر به المراهق من كبت وتشتت وضياع.
ربما كان الهجوم على المسلسل قد أخذ أبعادا أكثر مما يستحق، وحقق شهرة من الهجوم، لا من نجاح المضمون والإخراج، ولكننا أمام حالةٍ يجب التوقف عندها، هي أن من ينتقدون المسلسل على منصّات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام هم آباء وأمهاتٌ لديهم أبناء وبناتٌ من فصيلة أبطال المسلسل، ويقفون مكتوفي الأيدي أمام انقلاب القيم بحيث ينادي أحدهم والده مجرّدا من دون مسمّى “أبي”، أو يتلفظ بألفاظ، وتتبعها حركات خارجة أمام والديه، ويتضاحك الجميع؛ لخفة دم الابن الذي كبر وأصبح “مهرّجاً”.
الحقيقة أن صناع المسلسل فاشلون. وكثيرون من صناع المسلسلات العربية عموما فاشلون، لأن فشلهم في إنتاج دراما عربية مؤثرة وجادّة، وصادمة في الوقت نفسه، دفعهم إلى إنتاج نسخٍ مكرّرة من مسلسلات أميركية أو حتى تركية، يعرف الجميع الغرض من إنتاجها وعرضها في بلادٍ عربيةٍ، بعد ترجمتها أو دبلجتها، فهذا الإنتاج الرديء يعرض في بلاد منهارة اقتصاديا، ومن الطبيعي أن تتبع الانهيار الاقتصادي الرغبة في التقليد، حتى لو كان تقليدا أعمى. والظن أن تقليد كل ما هو خارج عن القيم العربية الأصيلة هو الرقي والتحضر بعينه.
ليست قصة جديدة على السينما أو الدراما أن تخرج مجموعة من الشباب إلى منطقةٍ ساحرةٍ نائيةٍ من الوطن للتمتع بجمال الطبيعة وقضاء أوقاتٍ طيبةٍ، بعيدا عن رقابة الأهل، وهذا الأهم، وأن تقع جريمة قتلٍ لمزيد من الإثارة، فعلينا أن نتذكّر كم فيلما مصريا تناول هذه الحبكة، وهرولنا خلف قاتل مجهول أو متسلسل حتى نهاية الفيلم، لنكتشف أن من يقوم بذلك هو أكثر أعضاء “الشلة” التزاما وهدوءا وصمتا!
عرض هذا المسلسل على قناة لا يمكن مشاهدتها إلا باشتراك مالي لا يعتبر رحمة بالمشاهدين، ولولا مواقع “السوشيال ميديا” لما عرف أحد بهذا المحتوى المصنّف رديئا، وكأن ما نعيشه من واقع، وما يشتكي منه السياح من تحرّش واستغلال ليس رديئا، ولا يسيء لبلد عربي، بل إنه يكرّس الصورة النمطية للسياح عن البلاد العربية أنها خيمة وجمل ورجل يغتصب امرأة جهارا نهارا تحت مسمّى الزواج، ويسيل لعابه حين يلمح شعرا أشقر وعينين زرقاوين.

سما حسن