أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » عارف دليلة : الديمقراطية هي أسوأ الأنظمة ، بإستثناء جميع الأنظمة الأخرى

عارف دليلة : الديمقراطية هي أسوأ الأنظمة ، بإستثناء جميع الأنظمة الأخرى

عارف دليلة

الديمقراطية هي أسوأ الأنظمة ، بإستثناء جميع الأنظمة الأخرى

(ونستون تشرشل)

نتيجة انتخابات اسطنبول، التي اعادت التأكيد ، وبثقة اكبر ، على انتصار الأغلبية الشعبية لخيارها السابق ، بإعادة انتخاب ممثل المعارضة، الذي استسهل الرئيس التركي أردوغان اسقاطه لإعادة عقارب الساعة إلى يوم كان رئيسا لبلدية اسطنبول ، ودون أن تنفعه وحزبه ، الإنجازات الهائلة التي حققاها لتركيا، كدولة وكمواطنين، في دعم اصرارهما على الاستمرار في الهيمنة على الحكم والامساك بمفاصل جميع مجالات الحياة العامة ، وبالأخص بعد نجاح الرئيس اردوغان في إجراء تغييرات دستورية تحول النظام التركي من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، وتحوله من رئيس جمهورية إلى سلطان، لعل ذلك يؤمن له استمرارا في الرئاسة إلى الأبد ، غيرة حتى ممن فعلوا لدولهم وشعوبهم عكس ما فعله هو تماما !

ان الطريقة التي تعامل بها المجتمع التركي (الناخبون) والنظام والمعارضة (النخب السياسية) مع غطرسة السلطان وإصراره على اعادة الانتخابات تعكس الرواسب اللاديمقراطية لدى الرئيس أردوغان الكامنة وراء توقعاته المنافية للصواب بامكانية رشوة الشعب لدعم السلطة الحاكمة ، تمثل كلها واحدة من أهم التجارب في تاريخ الديمقراطية على المستوى العالمي . 

ولعل أهم دروس هذه التجربة الهامة هي ان الديمقراطية يجب أن لا ترعب أحدا ، لأنها تملك في داخلها آلية تصحيح أخطائها ، اذا ما حدثت، وهذا ما يوجب عدم نعتها ب “أخطاء”، اصلا، مادامت الية التصحيح في داخل الديمقراطية حية وفعالة ، وما دامت تؤكد ان المرجعية يجب أن تكون ارادة الشعب ، اي اكثريته ، المعبرة عن وعيه وادراكه العميق للمصلحة العامة ، وقراره ، انطلاقا من ذلك، باختيار الأغلبية التي تحكم ، والاقلية التي تعارض ، في كل موسم ديمقراطي ، مع استعداده لتبديل مواقع الأكثرية التي تحكم والاقلية التي تعارض عندما يتبين ان الاختيار السابق لم يبرهن على صحته بالتجربة الواقعية . فتحت تأثير الكثير من الاعتبارات والضغوط من جميع الأنواع ، قد يحصل ان الاختيار الشعبي للأكثرية لم يكن مناسبا ، فيجري العمل ديمقراطيا على نقل القرار إلى كتف اكثرية جديدة ، وبطريقة سلمية. هذا ماحصل مؤخرا في فنلندا والدنمارك، مثلا، بحلول الوسط واليسار محل اليمين في البرلمان والحكومة . وهذا ما يشرح مضمون تعريف تشرشل للديمقراطية بأنها “أسوأ الأنظمة ، بإستثناء جميع الأنظمة الأخرى!”، تلك التي تفتقر إلى آلية التصحيح الفعالة والناجعة . والشرط لتفعيل هذه الآلية هو ارتقاء الرعايا إلى مواطنين أحرار ، وتساويهم أمام القانون ، الأمر الذي يجعل الجميع يثقون بالديمقراطية ويدافعون عنها ويقاومون التلاعب بها ، ايا كانت التوقعات والنتائج !

ان الارتقاء العام ، في الوعي والممارسة ، إلى مستوى المسؤولية في الاختيار والتغيير هو مهمة جميع الفاعليين الاجتماعيين في جميع مواقعهم . وان أعداء الديمقراطية هم أنفسهم أعداء الارتقاء العام في الوعي والممارسة، الذين يشدون المجتمع إلى الخلف ويغرقون الناس من جديد في أسوأ أشكال التخلف الحضاري التي كانوا قد خرجوا من عباءتها وانتفضوا عليها على مدى القرن العشرين كله. 

وبدءا من الانتخابات الجزائرية المشوهة التي جرت عقب عقود من الامتهان والتشويه لتضحيات الشعب الجزائري في ثورة المليون ونصف شهيد العظيمة حتى التحرر من استعمار بغيض دام مائة وثلاثين عاما ، هذه الانتخابات التي انتجت العشرية الرهيبة السوداء ، ثم انتخاب الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، الذي لم يستطع بعد انتخابه ان يخرج من الجلباب الضيق الذي تلبسه ليعلن انه رئيس مصر كلها ، وحامل تطلعات شعبها نحو النهضة والتقدم ، وما سبق هاتين التجربتين وما رافقهما وتبعهما من كوارث وانحرافات ، وصولا إلى اتهام الهبة السورية الإصلاحية الفصيحة الناصعة ربيع دمشق في مطلع هذه الألفية بأنها ستجر سورية إلى ” الجزأرة ” ( طبعا، تمثلا بالعشرية السوداء وليس بالانتفاضة الشعبية الديمقراطية الرائدة الجارية حاليا) ، وكذلك الحراك السوري الشعبي الشامل عام 2011 مع انطلاقة الربيع العربي ، وأخيرا ، ما نتتبعه خلال الشهور الأخيرة ، بقلق وبحذر شديدين ، ممزوجين بالفرح المكبوت ، من إمكانية نجاح تجربتين عربيتين ديمقراطيتين نوعيتين جديدتين ، التجربة السودانية والتجربة الجزائرية ، اللتين تتعرضان هذه الايام لضغوط قوية ، متضادة ، من الداخل ومن الخارج ، دعما او احباطا للتغيير الديمقراطي الوطني المستحق جدا الذي تحملان .

ان التجربة الاستنبولية التركية الرائعة بالامس تقدم دروسا هامة لجميع الأنظمة الحاكمة ، العربية الإسلامية ، على الأخص ، كما للشعوب ، ولكل السياسيين . 

واننا ، نحن السوريين ، الأكثر حاجة للتمعن في هذه التجربة العظيمة، بعد ثماني سنوات مريرة من الإفناء الذاتي الهمجي اودت بسورية ، دولة وشعبا وقدرات وتطلعات إلى مكانة الكيان الأكثر تهشيما وتخلفا وتشظيا في العالم ، هذا على إثر عقود طويلة من هدر الفرص والامكانيات ومن التحجر والاضمحلال والتلاشي الحضاري ، حتى أصبحنا النموذج الأكثر ظلامية على الإطلاق في تاريخ التطور والديمقراطية .

فهلا من يفهم ، وهلا من يتعظ ؟

المصدر: عارف دليلة – فيسبوك 

 

 



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع