أخبار عاجلة
الرئيسية » إقتصاد » إنقاذ “دويتشه بنك”: عرب يساندون العملاق الألماني

إنقاذ “دويتشه بنك”: عرب يساندون العملاق الألماني

حصد المساهمون في عملاق المصارف الألمانية والأوروبية، “دويتشه بنك”، الأرباح ومليارات الدولارات في فترات سابقة، لكنهم وجدوا أنفسهم الآن ملزمين بتحمّل فاتورة إصلاح المشكلات المالية التي طرأت على البنك في السنوات الماضية، وأفضت إلى عملية إعادة هيكلة لا تزال غير مضمونة ومرشّحة لتحميله مزيداً من التكاليف التي تُقدر بمليارات الدولارات.

العرب هم من أبرز المستثمرين في هذه المجموعة المصرفية الكبرى، وبعدما جنوا مكاسب من هذه المساهمة سابقاً، يبدو أن عليهم تحمّل جزءاً من أعباء عملية الإنقاذ الضخمة والتكاليف التي قد تترتّب عنها.

مغامرات الشراكة الألمانية العربية في هذا المصرف رُصدت عام 2007 عندما اشترى “مركز دبي المالي العالمي” 2.2% من أسهمه مقابل 1.3 مليار يورو، وذلك بعدما افتتح “دويتشه” أوّل مكتب تمثيلي في دبي عام 2001، وقبل أن يطوّر نشاطه فيها عام 2005 بعد أن أصبح عضواً مؤسساً في هذا المركز الإماراتي.

كما تمتلك قطر حُصصاً في أهم المجموعات التجارية والمصرفية في ألمانيا، وفي صدارتها “دويتشه” ومجموعة السيارات “فولكسفاغن”، وذلك في إطار محفظة أوروبية ضخمة أنشأها “جهاز قطر للاستثمار” (صندوق الثروة السيادي)، عبر شراء حصص في شركات، من بينها أيضاً “كريدي سويس” وبورصة لندن، فيما يستهدف الجهاز زيادة حجم الاستثمارات في الولايات المتحدة إلى 45 مليار دولار في العامين القادمين، بما يُعيد التوازن إلى محفظة أصوله وتقليص تركيزها على أوروبا.

وبحسب وكالة “رويترز”، يبلغ حجم استثمارات قطر في ألمانيا نحو 25 مليار يورو بقطاعات حيوية تتوزع بين شركات السيارات وتكنولوجيا المعلومات والبنوك، ومن أبرز هذه الاستثمارات 17% من الأسهم الأساسية لشركة السيارات “فولكسفاغن”، إضافة إلى نحو 11% مما يعرف بالأسهم الممتازة للشركة نفسها، أي ما مجموعه 12 مليار دولار.

وفي سياق تعزيز هذه الشراكة، كان أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، قد أعلن خلال زيارته برلين في سبتمبر/أيلول 2018، أن الدوحة تخطط لضخ استثمارات مباشرة بقيمة 10 مليارات يورو (11.64 مليار دولار) في الاقتصاد الألماني خلال خمس سنوات. وكانت صناديق قطرية قد اشترت 6.1% من “دويتشه” منتصف عام 2014، ثم ارتفعت حصتها إلى أقل بقليل من 10% في يوليو/تموز عام 2016.

ومطلع العام الجاري، أوردت شبكة “بلومبيرغ” الأميركية أن “دويتشه” كان يُجري محادثات بلغت مراحل متقدّمة للحصول على استثمار إضافي من قطر، مع سعي البنك الألماني إلى تحسين أوضاعه المالية، وذلك قبل أن تورد صحيفة “دير شبيغل” مطلع مارس/آذار الماضي، أن صندوق الثروة السيادي القطري يسعى لشراء حصة لا تقل عن 5% في “دويتشه”.

واستغناء دويتشه بنك عن 18 ألف موظف اعتباراً من مطلع الأسبوع الجاري حتى عام 2022، ضمن إعادة هيكلة تتكلف 7.4 مليارات يورو (8.3 مليارات دولار)، يعني بطبيعة الحال، أن المساهمين سيتحمّلون من أعباء هذه العملية ما يوازي النسبة التي يمتلكونها، ما يعني، تقديراً أولياً بحسب النسب المتداولة، أن الإمارات تتحمّل نظرياً ما قيمته 183 مليون دولار لقاء حصة 2.2%، مقابل 506 ملايين دولار لقطر عن الحصة البالغة 6.1%، إضافة إلى ما ستُفضي إليه العملية من خسارة سنوية جديدة، بعدما أثرت سلباً على أسهم البنك المتعثرة أصلاً.

أكبر بنوك ألمانيا كان أعلن يوم الأحد أنه سيتخلى عن وحدة الأسهم العالمية، وسيقلص العمليات الخاصة بأدوات الدخل الثابت، في تراجع عن خطة طموحة قائمة منذ فترة طويلة لجعل مصرفه الاستثماري المتعثر الذي يضم 38 ألف موظف، قوة كبيرة في “وول ستريت”، علماً أن عدد موظفي “دويتشه بنك” في العالم يناهز 91 ألفاً و500 موظف.

وبدّدت أسهم البنك مكاسب مبكرة حصدتها يوم الاثنين، وأغلقت منخفضة 5.4% في فرانكفورت بعدما أشار المدير المالي إلى “ضبابية كبيرة” بشأن الوصول إلى نقطة التعادل بين الإيرادات والنفقات عام 2020، علماً أن إجراءات إعادة الهيكلة تشمل تخفيضات كبيرة في عدد الموظفين وتغييرات في القيادة، ما قد يعرقل الهدف المتمثل في تحسين الأرباح الأساسية.

كان “دويتشه بنك” واحداً من بنوك أوروبية قليلة احتفظت بوجود كبير في الولايات المتحدة عقب الأزمة المالية التي نشبت في الفترة بين عامي 2007 و2009. ورغم ذلك، واجه البنك صعوبة في منافسة نظرائه الأميركيين، إذ أعاقته تحقيقات تنظيمية ودعاوى قضائية.

ورجحت التوقعات تركز تخفيضات الوظائف في الولايات المتحدة، رغم تشديد البنك على رغبته في الإبقاء على حضور كبير هناك، لأسباب من بينها خدمة العملاء الأوروبيين من الشركات التي تجري أنشطة في البلاد. غير أن بعض المساهمين حثوا على الانسحاب الكامل من الولايات المتحدة.

وفي إطار عملية الإصلاح، سيؤسّس “دويتشه بنك” ما يُعرف باسم “بنك الأصول الرديئة” لتقليص الأصول غير المرغوب فيها، بأصول مرجّحة بالمخاطر قيمتها 74 مليار يورو (83 مليار دولار).

وفي لندن، من المتوقع تسريح المئات من موظفي البنك، إذ قال الرئيس التنفيذي كريستيان سيفينغ، إنه يعيد تشكيل المصرف المتوقع أن يتكبد خسائر هذا العام، علماً أن مقر الأنشطة المصرفية الاستثمارية لـ”دويتشه بنك” في لندن يعمل فيه 8 آلاف موظف.

وتأُسّس “دويتشه بنك” عام 1870، ولطالما كان مصدراً رئيسياً للتمويل والمشورة للشركات الألمانية الراغبة في التوسّع بالخارج أو جمع أموال من أسواق السندات والأسهم.

وتمثل التخفيضات الكبيرة في مصرفه الاستثماري ارتداداً عن عملية توسّع على مدى عقود بدأها بشراء “مورغن غرينفيل” في لندن عام 1989، ثم واصلها بعد 10 سنوات بالاستحواذ على “بانكرز تراست” في الولايات المتحدة.

ويُعتبر صرف “دويتشه بنك” موظفاً من كل خمسة من قوّته العاملة، لخفضها إلى نحو 74 ألف وظيفة، جولة غير مسبوقة في عمليات التسريح داخل المصرف، وتتوّج الجولة الجديدة من تقليص الوظائف خطةً سابقة لصرف نحو ستة آلاف موظف تم تنفيذها بالفعل على مدار العام الماضي.

ويتوقع مديرو المصرف أن تُرهق خطة إعادة الهيكلة المقدرة كلفتها بثلاثة مليارات يورو نتائج الربع الثاني لهذا العام، ما سيتسبب بخسارة صافية بمليارين و800 مليون يورو، حسبما أوردت “فرانس برس”، فيما من المتوقع على مدار كامل العام أن يعود “دويتشه” إلى المنطقة الحمراء وتسجيل الخسائر بعد ملامسة الأرباح عام 2018، في حين أنه لا يعتزم دفع أرباح الأسهم هذا العام أو العام المقبل، ما يعني مزيداً من الأعباء على المساهمين فيه كُلٌ بحسب حصّته.

ويتوقع أن تكون إعادة هيكلة “دويتشه بنك” فرصته الأخيرة بعد انهيار مفاوضات الاندماج مع منافسه الألماني “كوميرتس بنك” بداية هذا العام، بعدما أخفقت المفاوضات رغم دعم وزارة المالية في برلين الصفقة خشية شراء جهة من خارج البلاد لوسيلة حيوية في تمويل اقتصاد البلاد. فعلى مدار الأعوام الأربعة الماضية، انخفضت القيمة السوقية للمصرف الكبير 75%، ما يجعله هدفاً محتملاً للاستحواذ من جهات أكبر.

ومع إغلاق الأسواق يوم الجمعة، بلغت قيمة “دويتشه” السوقية 15 مليار يورو، ما يضعه بقوة في ذيل المؤسسات المصرفية الأوروبية التي يُهيمن عليها “إتش.إس.بي.سي” البريطاني بقيمة تبلغ 165 مليار يورو و”بانكو سانتاندر” الإسباني بـ69 ملياراً و”بي.إن.بي باريبا” الفرنسي بـ54 ملياراً.

ومنذ توليه منصبه أوائل عام 2018 على رأس دويتشه بنك، حاول سيفينغ إعادة تركيز الخدمات في مجالات أعمال مُدرّة للأرباح على نحو مستقر، بما في ذلك الخدمات المصرفية للأفراد وما يسمى المعاملات المصرفية للشركات.

وفي الوقت نفسه، تحوّل تركيز “دويتشه” من محاولته منافسة مؤسسات مصرفية عملاقة تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها إلى اللعب على أرضه في ألمانيا وأوروبا.

وفي سياق التحوّلات الجديدة، سيوقف “دويتشه” جميع أنشطة تداول الأسهم تقريباً، كما سيُجري محادثات مع “بي.إن.بي باريبا” لبيع بعض أعماله وموظفيه في هذا المجال، ويُعيد بناء مجلس إدارته.