أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » حديث عن أكلة “اللحمة بالكرز : بقلم الأديب فاضل السباعي

حديث عن أكلة “اللحمة بالكرز : بقلم الأديب فاضل السباعي

[

تسلّمت، أمس الأول، من على باب بيتي، عبوةً من كرز “جبل الأربعين”، تَقْدمةً من صديق لم تره عيناي لكن عرفه خاطري على جدران الشابكة. ولم تكن حبّة الكرز بالكبيرة من ذاك الحلو الذي يتراوح لونه بين الورديّ والأحمر القاني، إنه من النوع الذي يستوطن “جبل الأربعين”، “جبل الزاوية”.

ولهذا الكرز حكايةٌ في حلب، أرويها لكم شعبيًّا وعلميّا!

أقول: الكرز فاكهة انتشرت زراعتها في بلاد الشام، وربما حُملت إليها من مواطنها الأصلية في أواسط آسيا، ذكرتْها كتبُ “المفردات الطبية” العربية باسم “المَحْلب” (“مفردات” ابن البَيْطار)، هذا الذي يسمّى في جبل الأربعين بـ”الوَشْنة”، وهو الكرز الصغيرُ حبُّه، المُزّ (الحامض)، الذي لا يغادره لونُه الأحمر القاني. وقد عمد زارعو الكرز، في جبل الأربعين وفي غيره من مزارع الوطن، إلى تطعيم الوشنة فتصبح كرزا حلوا مرغوبًا هو الشائع.

والكرز شجر من الفصيلة الورديّة، اسمه العلمي Cerasus mahaleb. وكلمة “الكرز” مستمدّة من الفرنسية Cerise. وسمعتُهم في مصر يسمّونه “الكَريز”. وتُشَبَّه بالكرز، لونًا ومنظرًا، شفاه العذارى!

ويطيب لي أن أضيف أني زرعت في حديقة بيتي بدمشق، قبل نحو عشرين سنة، غرسة كرز، قال مقدّمّها إليّ إنها من محافظة إدلب. ثمّ إني لاحظت أنّ هذه الشجرة تُزهر في منتصف آذار/ مارس ثمّ لا يَعقد زهرها أبدا، مردّ ذلك – كما بيّنوا – إلى أنّ في هذا الشجر مشكلةً تسمّى زراعيّا “العُقم الذاتي”، تعاني منه شجرة الكرز إذا كانت وحيدة بعيدة عن مثيلاتها. وأضيف أني رأيت في الأخبار أنّ اليابانيين يحتفلون في أواخر هذا الشهر، بإزهار شجر الكرز، يتابعون خلال أسبوع عقد زهره المرافَق بتساقط بَتَلاته [يُنظر كتابي “في جبل السُّمّاق، من أدب النُّزهات”، وزارة الثقافة، دمشق 2012].

قلت: “لحمة بالكرز”، أكلة أهل حلب المحبوبة في موسم الكرز. أعدّتْها أمس وطبختها ابنتي خلود. قطّعنا أرغفة الخبز “مثلّثات”، نَظَمناها في قاع جاطٍ كبير، وسكبنا على الخبز مَرَق الكرز المحلّى بالسكر، المدعوم بكُرات من اللحم في داخل كلّ منها حبّات صنوبر، ورششنا على ذلك كله شيئا من نثار القرفة، فوقه البقدونس المفروم، وإلى جوار هذا الفليفلة خضراء وحمراء، ولن أنسى الماء المبرّد!

وقد رأيتهم في دمشق لا يستسيغون أكل اللحم المطبوخ بالسكر! أقول لهم: لو تأكلون “اللحمة بالكرز” مرة تستطيبوها!

وشكرنا، بعد الإفطار، اليدين الكريمتين، وقد كان الدافع إلى الإهداء أنّ صاحبهما قرأ قبل أيام مناداتي: «آه، يا مشمش الغوطتين! ويا كرز جبل الأربعين!»، فكأنه أحبّ أن يواسيني فبعث إليّ ليس بالكرز وحده بل أيضا بغير قليل من مشمش الغوطتين، مِن جَنَى بستانه الملحق ببيته في “الصبّورة”. له مني أجمل التحايا.