أخبار عاجلة
الرئيسية » إقتصاد » خط الائتمان النفطي: إبتزاز إيراني..والنظام السوري يُذعن

خط الائتمان النفطي: إبتزاز إيراني..والنظام السوري يُذعن

كشفت مصادر مطلعة من مجلس الوزراء السوري لـ”المدن”، أن إيران فرضت على النظام إجراء تعديلات جوهرية على اتفاق خط الائتمان النفطي الموقع بينهما في العام 2013، كشرط أساسي لاستئناف تزويد سوريا بشحنات نفط إضافية. وجاءت تلك الشروط بعد توقف إمدادات النفط الإيراني لفترة تزيد عن ستة شهور، شهد خلالها الشارع السوري أزمات نفطية خانقة، تبعتها حزمة إجراءات تقشفية، وزيادة كبيرة في أسعار المشتقات النفطية.

وفيما توزعت الشروط الإيرانية بين الجانبين المالي، والسياسي المتعلق بتعزيز نفوذها المباشر عبر المليشيات الموالية لها في سوريا، أكدت المصادر لـ”المدن”، إذعان الجانب السوري لجميع الشروط المفروضة عليه، في محاولة منه للتخلص من أزمته غير المسبوقة.

مصادر “المدن”، أكدت إقرار مجلس الوزراء لهذه التعديلات، في حزيران/يونيو، وسط سرية مطلقة. إذ أحال القصر الجمهوري التعديلات إلى مجلس الوزراء، عبر وزارة الخارجية. وهذا الإجراء المتبع مع جميع الاتفاقيات الخاصة الموقعة مع إيران، طبعاً من دون السماح لمجلس الوزراء بالخوض بمحتوى الاتفاقيات أو مناقشتها. وأحيطت التعديلات بجو من السرية والكتمان، ولم يتطرق لها الإعلام الرسمي، ولم يتم الإفصاح عن تفاصيل أي من بنودها.

ولم تكشف المصادر عن فحوى وطبيعة الشروط السياسية المستجدة في التعديل الأخير، لكنها أشارت إلى أن أهم التعديلات المالية تتركز حول طريقة سداد قيم شحنات النفط الواردة إلى سوريا من إيران، وأزمنة استحقاقها. كما اشتملت التعديلات على إخلاء مسؤولية الجانب الإيراني مالياً عن مصائر الشحنات النفطية في البحر في حال تعرض الناقلات لأي من الحوادث كالغرق أو الحريق، أو الاحتجاز نتيجة العقوبات المفروضة.

مصادر “المدن” أشارت إلى أن مسؤولية الجانب الإيراني، وفق التعديلات الجديدة، باتت تقتصر على تزويد الناقلات المتجهة إلى سوريا بالنفط من الموانئ الإيرانية، وتضاف قيم الشحنات النفطية إلى ديون خط الائتمان من لحظة انطلاقها من إيران، بغض النظر عن مصيرها اللاحق أو عدم وصولها إلى الشواطئ السورية.

ويتحمل الجانب السوري، وفق هذه التعديلات، كل التبعات اللاحقة، بما فيها القيم المضافة على أجور النقل أو التأخير نتيجة اضطرارها لسلوك معابر مائية مختلفة أو الدوران في البحر، كما حدث مع الناقلة “غريس 1” المحتجزة في مضيق جبل طارق، بعدما تجنبت عبور البحر الأحمر كنوع من التمويه.

مصادر “المدن” لم تشر إلى تعديل الاتفاق لكميات النفط المستجرة من إيران شهرياً، غير أن الأخبار الرسمية السورية الصادرة عن مجلس الوزراء، كانت قد أكدت في حزيران/يونيو وصول ثلاث شحنات نفطية، بواقع مليون برميل لكل منها. فيما ينص اتفاق خط الائتمان النفطي السابق على تزويد سوريا بمليوني برميل شهرياً، ما يعني حدوث تعديل على الكميات، أو محاولة النظام تخزين كميات إضافية تحسبا للأسوأ في الأيام المقبلة.

وتتوافق هذه التعديلات مع تصريحات رسمية إيرانية سابقة كانت قد أشارت إلى عودة عدد من ناقلات النفط المتجهة إلى سوريا بعد رفض السلطات المصرية السماح لها بعبور قناة السويس، خصوصاً بعد تزايد العقوبات الأميركية على الجانب الإيراني مؤخراً، وفي ظل استمرار العقوبات على القطاع النفطي السوري. وتنسجم التعديلات أيضاً مع رغبة إيران في الحد من خسائرها وتحميل “البعض” منها للجانب السوري.

كما تتسق مع منطق الابتزاز الإيراني الساعي إلى مزيد من الامتيازات المالية والهيمنة السياسية في سوريا. ليست هذه المرة الأولى التي يتوقف فيها خط الائتمان الإيراني، فقد سبق توقفه في عام 2017، قبل حصول العقوبات الحالية عليها، ولم تستأنف طهران إمدادها لنظام الأسد بالنفط قبل حصولها على الثمن المناسب.

وما يعزز ذلك، تأكيد مصادر “المدن”، بأن إقرار تلك التعديلات يتزامن مع تحويل القصر الجمهوري لاتفاقات جديدة إلى مجلس الوزراء، تتعلق بالسماح لإيران بالتنقيب عن الغاز ما بين قارة في القلمون وحمص. وهي إشارة، بحسب المصادر، إلى الأثمان الجديدة التي سيدفعها النظام لإيران وفق التعديلات الأخيرة.

والمنطقة الممتدة بين القلمون وحمص، غنية بالغاز، وقد اكتشف العديد من الآبار فيها خلال الأعوام الماضية. وبحسب تقديرات سابقة فإن ثلاثة آبار تم اكتشافها في البريج وقارة ودير عطية، تحوي على احتياطي غاز يقدر بـ20 مليار متر مكعب. وللمنطقة أهمية جغرافية أيضاً لإيران، فهي تتوسط سوريا وقريبة من الحدود اللبنانية. وتقع المنطقة تحت النفوذ الإيراني العسكري، عبر مليشيا “حزب الله” اللبنانية.

النظام الإيراني الذي اعتاد أن يسرب بعض الأخبار المماثلة كنوع من الضغط على النظام ووضعه تحت الأمر الواقع، التزم بالكتمان ولم تصدر عنه أية تصريحات رسمية بهذا الخصوص على الرغم من تأكيدات سابقة لعدد من مسؤوليه على ضرورة سداد الديون المستحقة له على النظام السوري.

إلا أن مستشار وزارة الاقتصاد الإيرانية ميثم صادقي، كان قد ذكر في معرض نفيه لتوقف خط الائتمان النفطي الإيراني لأسباب مالية، أن خط الائتمان النفطي ينص صراحة على “تسديد الديون على شكل استثمارات إيرانية في الأراضي السورية”. وسبق لإيران في آذار/مارس أن أعلنت توليها إدارة المرفأ في اللاذقية.

التعديلات على اتفاق خط الائتمان النفطي ليست سوى حلقة بين اتفاقات سبقتها واتفاقات لاحقة، وتأتي ضمن التنافس والسباق المحموم بين إيران وروسيا على الثروات السورية وبسط اليد عليها، لقاء استمرار دعمهما المالي والسياسي والعسكري للنظام. في حين أن الهشاشة المالية والعسكرية التي يعاني منها النظام، لم تترك له إمكانية للمناورة أو رفض اتفاقات الإذعان. ولم يعد بوسعه سوى تقديم المزيد من التنازلات المالية والسيادية من اجل استمراره في الحكم.