أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » اجتماع القدس الثلاثي : الهدف الأول منه إخراج إيران من سوريا بقلم : أسامة محمود آغي

اجتماع القدس الثلاثي : الهدف الأول منه إخراج إيران من سوريا بقلم : أسامة محمود آغي

اجتماع القدس الثلاثي : الهدف الأول منه إخراج إيران من سوريا

بقلم : أسامة محمود آغي

 

الهدف الحقيقي من الاجتماع الأمني في القدس بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية واسرائيل، هو إيجاد حلقة تعاونٍ أمنيٍ حقيقيةٍ بين الدول الثلاث، بما يخصّ الصراع في سوريا وآفاق الحل السياسي. هذه الحلقة يبدو الاتفاق على إطارها وتفصيلاتها أمراً ليس سهلاً، كما يتمُّ الترويج له. فالمقدمات السياسية للموقف الأمني للدول الثلاث ينطلق من مصالح متباينة، وقد تكون في لحظاتٍ متناقضة، فلا يجوز وضع الأمور في سلّة الاستسهال والاعتماد في قراءة الحدث على نظرية المؤامرة. فإذا أردنا معرفة قيمة اجتماع القدس بالنسبة للدولة الاسرائيلية، سيكون علينا الإقرار بأنّ هذا الاجتماع أبعدُ كثيراً من أن يكون اجتماعاً يخدم أجندة نتنياهو الانتخابية. وهو أمرٌ يدفعنا لتلمس مصالح اسرائيل الحقيقية من وراء هذا الاجتماع، والتي يمكن تكثيفها عبر محاور متعددة، تتمثّل بضرورة وصول الحال السورية إلى قاعٍ عميقةٍ من التفكك والعجز البنيوي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ووطنياً، وهو أمر يريح الدولة الاسرائيلية ربع قرن على الأقل، وهذا يمكن ترجمته عبر إعادة إنتاج نظام الحكم بصورةٍ لا تسمح لهذا النظام الجديد بأن يشكّل خطراً حقيقياً على الوجود الاسرائيلي، باعتبار اسرائيل دولةً تشترك بحدود مع سوريا هي الجولان السوري المحتل. وللوصول إلى هذا الهدف لخّص نتنياهو فهمه للحال السورية، حين تحدث في اجتماع القدس باسم الأطراف المشاركة في هذا الاجتماع، حيث قال : “دولنا الثلاث تريد أن ترى سوريا تنعم بالسلام وبالاستقرار وبالأمان، ولدينا أيضاً هدفٌ مشتركٌ وهو الضمان بأنّ أي قواتٍ أجنبية وصلت إلى سوريا بعد 2011 لن تبقى فيها”.
حديث نتنياهو يتركّز بالدرجة الأولى على الوجود العسكري الإيراني في سوريا، فهذا الوجود هو ما يُقلقُ اسرائيل على المديين المتوسط والبعيد، ولذلك تبدو مهمة إخراج القوات الموالية لإيران من سوريا مطلباً اسرائيلياً رئيسياً، وهو ما يفسّر قيام الطائرات الاسرائيلية بشنّ غارات كثيرة وفي أوقات متعددة على قواعد وتجمعات الميليشيات الإيرانية ومخازن أسلحتها. هذا المطلب الاسرائيلي الرئيسي يفسّر خوفها من التمدد الإيراني المتتالي في مفاصل الحياة السياسية والعسكرية والدينية السورية، وهو خوفٌ يتلاقى مع الجهد الأمريكي ضدّ إيران خارج جغرافية سوريا. فالأمريكيون يمارسون سياسة الحصار الاقتصادي على إيران عبر حزم العقوبات الاقتصادية الشديدة، وكان آخر هذه الاجراءات العقابية إدراج وزير خارجية إيران جواد ظريف ومرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي على قوائم هذه العقوبات.
ولفهم السياسة الأمريكية أكثر خلال المرحلة الحالية يمكن قراءة ما قاله بوضوح مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون بتاريخ 26/6/2019 “إنه يتوقع أنّ الضغوط التي تمارسها واشنطن على إيران ستدفعها إلى الجلوس إلى مائة التفاوض، وأضاف بولتون: إما أن يفهموا المغزى، أو سنمضي قُدُماً ببساطة في ممارسة أقصى الضغط”. هذه السياسة الأمريكية تتلاقى مع الجهد العسكري الاسرائيلي في تهشيم قدرات إيران الاقتصادية والعسكرية، إلى درجة قبول إيران لاحقاً بالعودة إلى مربعها الوطني، وعدم تصدير ثورتها، التي شكّلت محور وجود النظام الثيوقراطي في طهران. لكنّ الروس لا يقبلون بهذه الصيغة بهذه البساطة، رغم إدراكهم أن حجم التناقضات في المصالح بينهم وبين الإيرانيين في سوريا كبير، وستدفع هذه التناقضات الطرفين الروسي والإيراني في لحظة ما إلى مرحلة المواجهة العسكرية والسياسية، فالمشروع الإيراني في سوريا هدفه الرئيسي تحويل هذا البلد إلى حلقة رئيسية من مشروع الهلال الشيعي، الذي يعني محوراً اقتصادياً وسياسياً وإيديولوجياً حاسماً للإمبراطورية الفارسية، التي يسعى حكّام طهران من أجل بنائها، للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط برمته، وهو هدف يتناقض مع المصالح الروسية في سوريا. الروس قد يقبلون ببعض دورٍ لإيران في سوريا، ولكن يدركون أن اتساع هذا الدور الإيراني يعني الإطاحة بكلّ مصالحهم في هذا البلد، وهو أمرٌ لا يسمح الروس به. لذلك فالروس لا يزالون يعتقدون أن معركة كسر العظم بينهم وبين الإيرانيين في سوريا بعيدة بالمعنى الزمني عن هذه المرحلة، وهو ما يجعلهم يستفيدون من هذا الهامش الزمني، ويناورون بقيمته، وقد ظهر ذلك من خلال حديث نيقولاي باتروشيف سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، حيث قال من تل أبيب : “أنّ إيران حليفٌ وشريكٌ راسخٌ لموسكو، ونتعاون معها باستمرار، وأنّ تشويه صورة إيران كخطرٍ كبيرٍ غير مقبولٍ بالنسبة لروسيا، وأنّ طهران تُسهمُ في مكافحة الإرهاب واستتباب الوضع في سوريا”. هذا الكلام الذي يسوّقه باتروشيف، يتناقض مع حالات صراع دموية عديدة، جرت بين الطرفين الروسي والإيراني على الأرض السوريّة. كذلك تتناقض مع غضّ النظر الروسي عن الغارات الاسرائيلية على “حليفهم الإيراني”، فكيف يقولون أنّ حلفهم راسخٌ مع الإيرانيين، وهم يرون الطائرات والصواريخ الاسرائيلية تلتهم أجزاءً من قوّة حليفهم دون أن يدافعوا عنه أو يقفوا معه.
إذاً يمكننا تلمس أنّ اجتماع القدس كان محاولةً لإيجاد مربعات تقاطعاتٍ بين الدول الثلاث (اسرائيل -الولايات المتحدة – روسيا) حول افق حلّ الصراع السوري، والذي يبدأ من إخراج إيران من سوريا. الروس يريدون ثمناً مقبولاً لالتحاقهم بهذه الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية. الثمن ليس بالضرورة يتعلق بتعويم النظام الأسدي، فالروس باتوا مقتنعين أن تعويم هذا النظام، الذي أثقل نفسه بجرائم هائلة، بات أمراً صعباً للغاية. ولذلك فهم يقبلون بنظامٍ جديدٍ ضمن ضوابط سياسية واقتصادية ودستورية تحفظ لهم مصالحهم الاقتصادية والعسكرية في هذا البلد. إضافة إلى ذلك الروس يريدون البحث في ملفات أخرى مختلفٌ عليها بينهم وبين الأمريكيين والغرب، كملف أوكرانيا وفنزويلا والطاقة وغيرها. ولذا من الممكن القول أن الخلاف حول تشكيل اللجنة الدستورية السورية ربما يحسم خلال فترةٍ قصيرة، وهذا يندرج ضمن سلّة التفاهمات الأمريكية الروسية.
إذاً يمكننا القول أنّ القضية السورية هي جزءٌ من استراتيجية أمريكية غربية، تريد أن تُعيدَ ترتيب أحجار الدومينو الشرق أوسطية، بما يخدم الصراعات السياسية والاقتصادية والعسكرية الأمريكية مع الخطر القادم من الشرق.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع