أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » الطبيب عيدان… ومثال في البخل / عبد الكريم البليخ

الطبيب عيدان… ومثال في البخل / عبد الكريم البليخ

وإن كانت الصورة في مرآتها الأولى تشكل حواس اللقاء تارةً، والحوار الذي ننهج رؤيته في أهدافه الأولى تارةً أخرى، فإنَّ الرؤية أصبحت بكامل إطارها العام جليةً وواضحة للرائي والمتابع. وما يمكن أن أنقله وبعمق وبعيداً عن التجرّد، لمَ لا وقد أفضى الموقف إلى صورة سوداوية بغيضة ماسخة أشبه بغربال لا يمكن أن يحجب الشمس في أوّج أشعتها، والماء الذي يتسرّب من بين ثقوبه في جهته الأخرى!

هكذا كانت الصورة التي رسمتها في مخيلتي قبل حواري معه، ومجيئه إلى عيادته فرحاً بما أنجزه وما حققه من اكتمال المعرفة كما يظن، وفي نيل الشهادة العلمية التي كنا نفاخر بها، نحن أقاربه، لأنها بصراحة لا يمكن لأي شخص آخر الحصول عليها، وإنما ما جسّده من حدس ونتيجة وفعل مع الواقع ينمّ عن طالب مجد ومثابر، كما سبق له أن حقق العلامات العليا في أعلى مراتبها أثناء حصوله على شهادة الدراسة الثانوية العامّة بفرعها العلمي، وكان حديثه للصحافة المحلية التي وقفت إلى جانبه، وأجرت معه حواراً شاملاً شارحاً فيه مدى اهتمامه بالدراسة، والبرنامج اليومي الذي أدرجه ضمن مخططاته واتبعه بدقة للحصول على هذه النتيجة التي تحقق بعض آماله، وكان له ما أراد.

كان تحصيله مثالاً آخر في التفرّد والتميّز الذي كان يحسده عليه الكثيرون من أبناء جيله، وما حققه في الواقع لم يكن مجرد حلم وردي، وإنما ما قد رسمه بذاكرته وبقلبه فاق كل توقع، وكانت أسرته تعلّق عليه آمالاً كبيرة وأيّ آمال، فكان له ما أراد، لأنه اجتهد على نفسه ودرس وواصل الليل بالنهار للوصول إلى الهدف الأسمى، وهذا ما خطّه له والده، العامل البسيط في إحدى مؤسسات الدولة الذي كان يتابع دراسته أوّلاً بأوّل، وكان يهتم به الاهتمام غير العادي، إضافة إلى ما يملكه والده من أرض زراعية حيازتها لا تتجاوز العشرين دونماً، يقوم على زراعتها في الموسم الزراعي الشتوي والصيفي، وما تنتجه من حصاد وفير سواء لجهة القمح أو القطن، ويستبدل ذلك في موسم آخر بالذرة الصفراء، أو بالبطيخ الأحمر “الرقّي”، فهي بالكاد تكفي حاجة أسرته وتؤمّن ما تحتاج إليه من مصاريف كثيرة.

أحوال والده المادية لم تكن على ما يرام، وما يحصّله من راتبه الوظيفي ومن جهده الزراعي يدفع بهما إلى ابنه الطموح الذي يدرس الطبّ، إضافة إلى ما يخصص به من حصّة إضافية لابنه غفّار الذي يدرس في كلية الطبّ هو الآخر ونجح بتفوّق لفت إليه الأنظار.

وفي كل مرّة، ومع نهاية كل فصل دراسي، فإنّ ولده الثاني عيدان، الذي يدرس الطب البشري، يحفظ ما يُطلب منه عن ظهر قلب. إنه طالب مجد بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وطالما يحقق العلامة الكاملة في أغلب مواده الامتحانية التي يدرسها في الجامعة، والتي كان يخوضها بتفوّق مدهش، وهذا أكثر ما كان يُفرح والده القروي البسيط، فضلاً عن عمّه الذي كان يكن له اهتماماً كبيراً، ويتودّد إليه ويفاخر به كطبيب جاد ونشط وله مستقبله، وهذا ما كان يعني بالنسبة له فخراً لأسرته، ولأهل قريته وأبنائها.

وبعد سنوات، انقضت أيام الدراسة الجامعية، ونجح عيدان بتفوّق لافت في اجتياز المرحلة الأولى من دراسته في الجامعة، ما يعني أن أهل قريته التي يقيم فيها، والتي تبعد عن مركز المدينة نحو ثلاثين كيلومتراً، وبدعم من والده، أخذوا يحتفون به احتفاءً لم يسبق أن شهده أهل القرية من ذي قبل.

الفرحة عمّت القرية، وسمع بنجاحه وتفوقه أهالي القرى القريبة، وأصدقاؤه من أهل المدينة، الذين كانوا يدرسون رفقة في الجامعة وتفوق عليهم جميعاً وبسيطرة تامة على العلامات الكاملة، ما دفع به إلى دخول الجامعة لدراسة الاختصاص في الطب وهو الأصعب، وطبيعي أن هذا الجهد المبذول يصب أخيراً لجهة الكسب المادي مستقبلاً، وليس احتراماً لقسم أبقراط وشعاره المرفوع، الطبّ في خدمة المجتمع.

وهذه المقولة التي طالما ردّدها الأطباء المتخرجون حديثاً من الجامعة، إلّا أنها تحوّلت، وللأسف، إلى مهنة ابتزاز بالنسبة للمرضى الفقراء الذين يعانون من ضيق ذات اليد، بصورة خاصة، الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا يملكون المبلغ المالي الذي يمكن أن يدفعوا به للطبيب لقاء أجر المعاينة، ما يضطرهم مرغمين إلى الاستدانة من الأصدقاء لتبرئة ذمتهم!

وشارك الأقارب وأهل القرية فرحتهم في تخرّج الطبيب عيدان ابن قريتهم، ومساعدة عمّه له بشراء العيادة الطبّية له ولأخيه التي تليق بمقامهم وسط المدينة، وفي أحد شوارعها التي تكتظ بالناس ومن مختلف شرائح المجتمع.

شراء العيادة الطبية وإقبال الناس عليها مع أيامها الأولى من افتتاحها، كان بصراحة فأل خير بالنسبة للطبيبين الأخوة، ولأقاربهما الذين أخذوا بالتردد عليهما وبصورة يومية، لثقتهم بالطبيب عيدان الذي يستحق نيله هذه الشهادة، وعن جدارة، إلا أن المشكلة الأساس تكمن في فهمه للحياة، واقتصاره على العلم، وقتل العلاقات مع أقرب الناس إليه!

الناس الذين سبق ـن ساعدوه ومدّوا له يد العون في إنشاء هذه العيادة التي صارت تستقبل يومياً أعداداً كبيرة من المرضى، وصار مع أخيه الطبيب يكسبان مبالغ لا يستهان بها. دافعهما المادي كان فوق أي اعتبار لصديق أو قريب. المهم هو أن تدفع، وليس أن تلقى المعالجة الحسنة والتعامل الطيّب!

وفي إحدى المرات نقل لي صديق كان يتردد على عيادتهما الطبية، بصورة دائمة، تصرف الطبيب عيدان مع أحد أقاربه المرضى. وبعد أن دخل المريض غرفة الطبيب وعالج ابن عمه، ووصف له طبيعة المرض الذي يعاني منه، فوجئ، كما يقول صديقي عبد الهادي، من أن الطبيب المثابر طلب من ابن عمّه مراجعة السكرتيرة لأجل دفع أجر المعاينة. هذا الموقف المهين، وغير الاعتيادي، وهو من غير الممكن أن يقوم به طبيب عاقل حقق أعلى درجات النجاح، كما هو حال الطبيب عيدان الذي له سمعته واسمه كطبيب متخصص وحاذق أن يصل به الحال إلى أن يطلب من ابن عمّه دفع أجرة المعاينة!

الملفت، كما يؤكد صديقي عبد الهادي، أن والد المريض، عمّ الطبيب، هو من ساهم في شراء العيادة له ولأخيه الطبيب ليمارسا عملهما، ولولا عمّهما لما تمكنا من ممارسة نشاطهما الطبّي، وهذا ما لم يكن يتوقع حدوثه من الطبيب عيدان بالمطلق!

طبيعي أنَّ الصورة تكررّت مراراً وتكراراً في مكان إقامته، في القرية التي يقيم فيها، وطلب من ابن عمّه الذي يقيم في القرية أربعة آلاف ليرة سورية قبل أن يكشف عن المرض الذي يعاني منه، لقاء وخزه إبرة “ديكلون”.

وهذا ما يعني أن الطبيب عيدان تجاوز، وبحسب العرف، ما يمكن إلا أن نطلق عليه أنه الطبيب الذي خرج تماماً عن قواعد قسم أبقراط.. البحث عن المادة أولاً وقبل المعالجة، بدلاً من الطبّ من أجل العلاج وشفاء المرضى!

ويمكن أن نقول، بصراحة أكثر، إنَّ عيدان طبيب مادي بامتياز لا يعرف أي شيء لجهة العلاقات الإنسانية وتقديرها، على الرغم من أن عمّه لم يبخل عليه يوماً في تقديم يد المساعدة له ولأخيه الطبيب غفّار، وهذا كلّه لم يشفع لأبنائه من أن يمارس عليهم الأستذة والتعالي بعيداً عن تقدير العلاقة أياً كانت صلتها، وإنما فضّل إنهاءَها والحدّ منها ما دام أنها تجرّ إلى خسارته مادياً، كما يدّعي، وكان يحاربها بشراسة، لأن المادة تظل أهمّ من أيّ رابط اجتماعي، وهذا ما أفصح عنه وتمثّل ذلك من خلال تشبّثه بدستوره الدائم الذي طالما يتخذ منه خط سير له في حياته التي يعيشها، وبكل تفاخر.