أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » فارس الحلو وشربل خليل.. مقاربات “الاقلية المسيحية”

فارس الحلو وشربل خليل.. مقاربات “الاقلية المسيحية”

طوال الأيام القليلة الماضية تعرض الممثل السوري فارس الحلو لهجمات إلكترونية اتهمته بالعداء للإسلام والمسلمين، عطفاً على انتقادات وجهها لـ”الفكر الإخواني” أخيراً في “فايسبوك”، ووصلت الانتقادات إلى مستوى وضيع وطائفي، وهو ما يخالف ما قصده الحلو، حسبما أوضح مراراً وتكراراً في النقاشات التي لم تتوقف في صفحته الشخصية بعد.

وبغض النظر عن الجدل السياسي نفسه، والمرتبط إلى حد ما بالتوجهات السياسية التركية الأخيرة بخصوص سوريا، فإن الجدل وكيفية تفجره فجأة يحيل قسراً نحو نقاش مواز حول معنى الحرية من دون القدرة على انتهاك المقدسات، والنقاش حول توجيه انتقادات للدين نفسه، لا تسييسه فقط.

ويعتبر الشقان السابقان في المنطقة العربية، للأسف، من المحرمات، على الصعيدين الاجتماعي والسياسي في آن واحد. ولا يرتبط الأمر فقط بالدين الإسلامي بل بالأديان الأخرى، مثلما أثبتت قضية فرقة “مشروع ليلى” في لبنان هذا الأسبوع، والتي وصلت حد إطلاق المخرج اللبناني شربل خليل ما أسماه “مشروع شربل” من أجل علاج المثلية الجنسية.

تزامن حدثي الحلو و”مشروع ليلى”، مذهل، فالمؤسسة الدينية التقليدية لم تعد تقتصر على هيئات رسمية توجه جموع المؤمنين، بل باتت تلك المؤسسة أكثر التصاقاً بالمؤمنين أنفسهم، وتتحرك خلفهم ومعهم في آن واحد، بقوة السوشيال ميديا، والتي اصبحت الوسيلة المباشرة لعكس صورة المجتمعات العربية اليوم، ككانتونات طائفية ميليشياوية منغلقة لا أكثر.

والحال أن النكتة التي تداولت على نطاق واسع عطفاً على قضية “مشروع ليلى” ووصلت إلى جريدة “الحدود” الساخرة بأن المسيحيين خسروا حقهم بالتعالي على المسلمين بوصفهم أكثر انفتاحاً، هي الأكثر مرارة وواقعية، ليس من ناحية صحة الادعاء السابق من عدمه، بل لأنها ترتبط بحقيقة تحول الدين في المنطقة إلى محدد للهوية، على المستوى الشخصي والجماعي، بدلاً من كونه مجرد اعتقاد، وهو ما يفسر شدة الهجمتين على الحلو و”مشروع ليلى”، في ملاحظة لم تغب عن المعلقين أنفسهم في “فايسبوك” و”تويتر”.

وغذت هذه الهوياتِ الجديدة – القديمة سياساتُ دول المنطقة، فالسوريون السنة مثلاً يشعرون على الأغلب بأنهم في خطر وجودي نتيجة حملة الإبادة التي قام بها نظام بشار الأسد وحلفاؤه، ضدهم. وتعمل هذه السردية على تعزيز الانتماء الديني كمحدد للهوية، علماً أنها تتكرر لدى بقية الطوائف الدينية في البلاد كل على حدة، وتنشر كل طائفة بشكل منفرد إحصاءاتها الخاصة حول إفراغ البلاد من أبنائها، وظهرت ربما بشكل واضح في الحالة المسيحية السورية عند طرح مشروع القانون رقم 16 الخاص بوزارة الأوقاف في البلاد، العام الماضي.

ويعني ذلك في تفسير قاتم أن الهوية السورية قد لا تكون موجودة أصلاً خلف تلك الهويات المذهبية الضيقة، وهي نظرة يمكن أن تشمل دولاً عديدة في المشرق إلى حد ما بسبب تشابه في نوعية الخطاب السياسي. ويمكن تلمسها بالتحديد في حالة “مشروع ليلى”، ربطاً بالخطاب الطائفي في لبنان منذ الحرب الأهلية قبل عقود، وتكرار الخطاب حول إفراغ البلاد من المسيحيين، والحديث الدائم في السياسة المحلية عن التوازن الطائفي والديموغرافي.

وفي ظل هذا الخوف الوجودي على الهوية التي يمثلها الدين، بصبغته الطائفية: أرثوذكسي أو كاثوليكي أو سني أو علوي أو شيعي وغيرها، يصبح المس بالمقدسات في أغنية أو مجرد التلميح الى الدين في منشور عبر “فايسبوك”، حتى لو لم يكن المقصود منهما تحدي المقدس فعلاً، مثيراً للغضب على نطاق واسع ضمن أصحاب تلك الهوية، ويبلغ حد قمع الحريات كما هو ملاحظ بشكل متزايد في المنطقة، ولأسباب قد تكون تافهة ولا تستحق التوقف عندها، لدرجة الشعور بالخجل للانتماء إلى هذه البقعة الجغرافية، ولو بالاسم، عند مجرد الحديث عن تلك الحوادث أمام زملاء وأصدقاء في أوروبا أو حتى عند قراءة التعليقات الأجنبية على تلك “القصص الغريبة” في التغطيات العالمية عن المنطقة.

 

وتتنوع المظاهر التي تغذي المخاوف المحافظة، من التعبير عن المثلية الجنسية إلى الإلحاد وصولاً الى الحديث عن التغير المناخي وقيم العائلة، وفيما يبقى في الدول الغربية مجال للنقاش مع وجود هامش لليبراليين في الإعلام والسياسة وحتى في مواقع التواصل، تحت مظلة الديموقراطية، فإن المشهد يبدو قاتماً في المشرق الذي تحكمه سلطات مستبدة، لأن الجدل كله يتمحور حول الحق في الحديث عن تلك القضايا من أساسه، والتهمة جاهزة دائماً وهي الإساءة للذات الإلهية أو ازدراء الأديان، فيما تمتلئ مواقع التواصل بعشرات “المعلقين الاجتماعيين” الذين يناقشون “بانفتاح” ظواهر مسيئة للمجتمع، من وجهة نظرهم، مثل الإلحاد أو نزع الحجاب، ويقدمون الحلول لمكافحتها.

ولا بد القول هنا أن تجاوز المقدسات وارتكاب “المحرمات” والتعبير عن الإلحاد والسخرية من الرموز الدينية والانزعاج من حالة الحصار التي يفرضها الدين على الحياة اليومية في الشرق واحتلاله للفضاء العام، ليس مجرد تعالٍ من المثقفين على عامة الناس والبسطاء، وليست محاولة لجذب الانتباه لحصد شيء من الشهرة، ولا جزءاً من مؤامرة خارجية على القيم والأخلاق والمجتمع، بل هي حق طبيعي لأي شخص في حال رغب بذلك طالما أنه لا يميل في ممارسته نحو خطاب الكراهية.

ولا يعني ذلك إجبار المؤمنين عن التخلي عن معتقداتهم أو حتى دعوتهم لذلك بشكل ودي، بل ترك مساحة لغير المؤمنين أو أنصاف المؤمنين للحياة من دون تهديدات مستمرة. وللأسف قد لا يكون هنالك أي أمل بخصوص معركة الحريات في المنطقة، طالما أن بعض افراد المجتمع لا يكتفون بمعاقبة المرتد عن الدين بالقتل، وقتل المثليين جنسياً، بل يعتبرون مجرد التفكير والكتابة والفن جرائم خطيرة تهدد وجودها، في حال لم تكن “ملتزمة” و”نظيفة” ضمن المعايير السائدة.

وفي حالة الحلو، واجه الممثل الذي اشتهر بمعارضته لنظام الأسد بشكل مبدئي، تهماً بالإقصاء وبالإرهاب ولم يوصف بالإلحاد بل وضع في خانة طائفية بوصفه “مسيحياً”َ!، علماً أن الغضب انطلق من أن منشوره احتوى عبارة “كما سحقت النازية سيسحق السوريون الأحرار الفكر الإخواني والأسدي”، وكان الاعتراض الأساسي هو على مصطلح “سحق” لأنه يمثل، دعوة مبطنة لسحق الفكر الديني، أي الإسلام!



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع