أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » التراجيديا السورية في فصلها الاخير

التراجيديا السورية في فصلها الاخير

ترحيل النازحين السوريين من تركيا قضية إنسانية مؤثرة، تنذر بإضافة المزيد من صور البؤس والشقاء على المشهد السوري الحزين، وتتسبب بالمزيد من الذل والهوان في حياة الملايين الذين تقطعت بهم سبل الثورة والهجرة والعودة. لكنها أيضاً، قضية سياسية خطرة، تسدل الستار على الفصل الاخير من التراجيديا السورية المستمرة..الذي ستكون ذروته ظهور سياسة تركية جديدة تجاه سوريا، تحسم الكثير من الجدل وتبدد الكثير من سؤ الفهم والتقدير.

طوال السنوات الثماني الماضية كانت تركيا، واحدة من أهم إشكاليات الثورة السورية، ومن أبرز عناوينها.رياح التغيير التي هبت على سوريا من الجنوب ومن الغرب الى حد ما، أثارت يومها قلق القيادة التركية، ودفعتها الى التحرك العاجل والمكثف باتجاه دمشق من أجل إقناع الرئيس بشار الاسد بالاصلاح ، والتحذير المتكرر من إرتكاب “حماة ثانية”، وإغرائه حتى بتمويل حملاته الانتخابية، حسب العرض الشهير الذي حمله وزير الخارجية التركية السابق أحمد داود أوغلو في واحدة من رحلاته السرية الثلاثين الى العاصمة السورية.

لم تلق تلك العروض التركية أذناً سورية صاغية، بل كانت تواجه على الدوام بالعنف المفرط في الشارع ، وبالاتهام الظالم بأن الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي كان حليف الاسد وشريكه في شهر العسل السوري التركي الممتد لسنوات سابقة، إنما يروج للاخوان المسلمين ويمهد لوصولهم الى الحكم. وعندما يئس أردوغان من محاولة تفادي الكارثة على حدوده الجنوبية، حسم الموقف بالقول: بشار سرُ أبيه.. ولا مجال للتفاهم معه، مهما كان الثمن.

في تلك الفترة، التي فتحت تركيا فيها ذراعيها لكل معارض سوري، من دون التدقيق في الهويات والانتماءات السياسية، راودت أردوغان أحلام الدخول الى دمشق فاتحاً، بحماية الجيش السوري الحر وفصائل المجلس الوطني، لكنه كان يصيغ خطاباً يشبه الخطاب الذي ألقاه في القاهرة على مسمع من الاخوان المسلمين المصريين، عن ضرورة إحترام علمانية الدولة ومدنية مؤسساتها وديموقراطية نظامها.

لكن تلك الاحلام، كانت تصطدم بالخلل العميق في تركيبة المعارضة السورية وصراعاتها وخلافاتها، وتجربتها التي لم تثمر ما هو شبيه الى حد ما بتجربة منظمة التحرير الفلسطينية، التي تحدت في وقت من الاوقات جميع مصادر التمويل المختلفة والمتنافسة، وحافظت على وطنية فلسطينية راسخة وعلى برنامج سياسي ما زال صالحاً حتى اليوم..برغم أن المعارضة السورية كانت على مسافة اسابيع من إسقاط النظام في العام 2015 ، حسب تقديرات روسية وإيرانية رسمية موثقة.

إنتهت الاحلام التركية مع التدخل العسكري الروسي، الأكبر من نوعه منذ حرب أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، وتواضعت الطموحات التركية في سوريا، وتراجعت الى المنطقة الامنية الحدودية، ومخاطر أي سيطرة كردية عليها، وجرى التسليم بأولوية الدور الروسي المغطى من الغرب ومن إسرائيل ومن غالبية العرب، ولم يبق سوى الاحتفاظ ببعض الخيوط والقنوات مع عدد صغير من التنظيمات السورية المسلحة، التي لم يجرِ التدقيق ايضاً بهويات وإنتماءات وخطابات أفرادها..علها تساهم في حماية الحدود التركية، وفي منع إخراج تركيا نهائياً من المعادلة السورية.

لكن الورقة الاهم التي إحتفظت بها تركيا كانت ورقة النازحين السوريين، الذين إستثمرت بهم الدولة التركية على جميع المستويات السياسية والانسانية والاجتماعية على أمل أن يصبحوا يوما ركيزة العلاقات الودية بين الشعبين والبلدين الجارين.. هم “ضيوف خمس نجوم” على الدولة والمجتمع التركيين، يعززون صورة تركيا الاخلاقية في مواجهة الغرب الذي كان يضيق ذرعاً من إستقبال أعداد لا تزيد على خمسة بالمئة ممن لجأوا الى تركيا وحدها.

هذه الورقة تتمزق الان. الود أصبح مفقوداً بين الشعبين، والمشروع المشترك صار مستحيلاً، والإستثمار المتبادل بات وهماً. الدولة التركية ليست جمعية خيرية، والمجتمع التركي لن يظل بيئة حاضنة للنزوح السوري. النازحون السوريون يدفعون اليوم الثمن الأخير لإخفاق الثورة، ولتواطوء العالم الذي تركهم فريسة سهلة للتوحش الروسي..الذي تساومه تركيا اليوم على الحد الادنى من مصالحها السورية.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع