أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » من أيقظ العنصرية تجاه اللاجئين السوريين؟

من أيقظ العنصرية تجاه اللاجئين السوريين؟

كانت سوريا تاريخياً مطمعا للغزاة بسبب موقعها الإستراتيجي وازدهارها، ومحطة استقبال للاجئين لحسن وفادة شعبها للضيوف، وأصبحت لاحقا مركزاً هاما لأول إمبراطورية عربية إسلامية عندما صارت دمشق عاصمة للخلافة الأموية.

كانت سوريا عبر التاريخ مطمعا للغزاة بسبب موقعها الإستراتيجي وازدهارها، ومحطة استقبال للاجئين لحسن وفادة شعبها للضيوف، وأصبحت لاحقا مركزاً هاما لأول إمبراطورية عربية إسلامية عندما جعل معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- دمشق عاصمة للخلافة الأموية.

وفي عهد الخلافة العثمانية صارت ولاية حلب -التي كانت تضم ولاية كيليس وأنطاكيا وإسكندرون ومحافظة إدلب- الولايةَ الثانية في الأهمية مع القاهرة بعد العاصمة إسطنبول، حيث كانت تعتبر مركزاً اقتصادياً هاماً للخلافة.

استقبلت سوريا في القرن التاسع عشر والعشرين الأرمن المختلفين عن ثقافة السوريين بكل ترحاب، بل سُمح لهم بتكوين جمعياتهم وأنديتهم ومدارسهم وكنائسهم الخاصة التي لا تزال قائمة إلى الآن، ولم يغادر الأرمن سوريا بعد انفصال أرمينيا عن الاتحاد السوفياتي.

وكذلك الأرناؤوط والجزائريون الذين هاجروا منذ ثورة الأمير عبد القادر الجزائري إلى سوريا، ولم يتركوا سوريا بعد استقلال الجزائر بسبب اندماجهم، ولم يُنقل رفات الأمير عبد القادر الجزائري حتى عام ١٩٦٦.

ولاحقا استضافت سوريا الفلسطينيين الذين وصلوا إليها منذ نكبة ١٩٤٨، فعملوا فيها وشغلوا مناصب هامة في الدولة والمجتمع. وكذلك فعلت مع اللبنانيين والعراقيين، دون أن تكون هناك إشكاليات أو مظاهرات عنصرية تجاههم.

يتعرض السوريون في دول الجوار خلال الفترة الأخيرة لحملة ظالمة تحت مسميات شتى؛ ففي لبنان دوافعها عنصرية وتحت مسمى “الفينيقية” كما ذكر وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، مع أن الفينيقيين سكنوا سواحل بلاد الشام كافة وليس لبنان حصراً. ففي جوار اللاذقية؛ أبدعت أوغاريت أول أبجدية للإنسانية كانت نواة للكتابة الفينيقية. وأيضا بدوافع اقتصادية بسبب فشل نموذج الدولة اللبناني الذي يصدّر مشاكله -وعلى رأسها البطالة- للاجئين السوريين.

أما إذا فتشنا عن السبب الحقيقي لتلك الحملات فإننا سنرى أن حزب الله -حليف نظام الأسد وإيران- هو المسبب الرئيسي لذلك، وذلك بالتحالف مع التيار الوطني الحر الذي يجاريه في ذلك لتأمين الرئاسة لباسيل بعد الرئيس ميشال عون، فهو يرغب في دفع السوريين إلى وطنهم المشتعل ببراميل الأسد وطائرات روسيا مهما كانت نتائج عودتهم، ليكونوا تحت سيطرته الكاملة كما حدث في أماكن خفض التصعيد وإن سُجنوا أو قُتِّلوا، لتحقيق أهداف النظام بإعادة تأهيله دولياً.

أما الممارسات الأخيرة في تركيا فقد كانت مفاجأة وأصابت السوريين بالذهول لمخالفتها سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية منذ انطلاقة الثورة السورية، فقد كان الرئيس أردوغان صاحب مصطلح الأنصار والمهاجرين، وقدمت حكومته للسوريين استثناءات على صعيد العمل والعلاج المجاني، وسُمح لهم بافتتاح مدارس خاصة بهم ابتداء ثم قبلوا في المدارس التركية، ومُنحت الجنسية لقرابة مئة ألف منهم.

لكن من الواضح أن حزب العدالة أصيب -في الآونة الأخيرة- بحالة من الفزع لخسارته رئاسة بلديتيْ إسطنبول وأنقرة، مما أدى لمحاولات البعض رمي التهمة على الطرف الأضعف (السوريون)، خاصة بعد استخدام تلك الشماعة من قبل أحزاب المعارضة بشكل لافت في كافة الانتخابات، وآخر ذلك تصريح رئيس الحزب الجمهوري كمال كلشدار أوغلو بضرورة عودة العلاقات مع نظام الأسد.

ويرى البعض أن هناك دفعاً خفياً لفصم عرى التحالف ما بين الثورة السورية وتركيا، التي وقفت بقوة إلى جانب الثوار خلال المعارك الأخيرة.

كان من المناسب -بعد تلك النتائج- دراسة الأسباب الحقيقية لذلك والتي يمكن أن يكون أحدها عدم تنظيم العلاقة مع السوريين بشكل قانوني، بحيث يعرف الجميع الحقوق والواجبات كما قام بذلك رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم عندما أقر “وثيقة المدينة” بين كافة المكونات خشية أن تعود العصبيات السابقة، ولم يقبل أن تبقى مجرد علاقات عاطفية غير منظمة يمكن استهدافها بسهولة من المنافقين أو غيرهم من الأعداء.

وفي عصرنا الحديث؛ يمكن لأجهزة الاستخبارات العالمية أو الأحزاب والقوى المنافسة أن تستهدف بُنى المجتمع أو الموالين للأحزاب المنافسة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي ذات التأثير الخطير في تغيير مسارات اتجاه الرأي العام، والتي يمكن من خلالها استنفار الغرائز والنزعات الشعبوية البغيضة.

ومثال ذلك ما حدث بالولايات المتحدة التي جرى فيها التحقيق في تأثير هذه الوسائل في انتخاباتها الرئاسية 2016، واختراقها بواسطة أجهزة استخباراتية تابعة لروسيا التي تتميز في هذا الأمر بشكل لافت، إذ يتم استخدامها لهذه الوسائل بشكل وثيق وبالتعاون مع الجيش الإلكتروني لنظام الأسد وبعض الخلايا النائمة منذ بداية الثورة.

أما إن انتقلنا للأسباب الخفية لتلك الحملات الظالمة التي اجتاحت اللاجئين السوريين في أماكن اللجوء، وخاصة الدول التي فيها ثقل اللاجئين؛ فهذا يحتاج إلى تحليل عميق بالتزامن مع إعادة الكلام عن الحل السياسي في سوريا، لا سيما بعد فشل حملة النظام وروسيا وإيران على معقل الثورة في إدلب وحماة وحلب فشلاً ذريعاً، مما كشف عدم قدرة النظام على الحسم العسكري حتى مع دعم روسيا جوياً وإيران برياً.

إن العودة للتعامل مع الحل السياسي من بوابة اللجنة الدستورية، بعيداً عن قرارات جنيف ١ وجنيف ٢ والقرارين الأمميين ٢١١٨ و٢٢٥٤؛ بدأت منذ عهد المبعوث الأممي السابق ستيفان دي مستورا الذي كان يحاول فتح ثغرة في جدار المفاوضات مهما كانت سلبية باتجاه السوريين.

لقد جاءت التصريحات الأخيرة للمبعوث الأممي الحالي غير بيدرسون بشأن قبول روسيا والنظام لبدء عمل اللجنة الدستورية؛ بعد إطلاقه هو وأميركا وفرنسا لتهديدات مبطنة في حال عدم قبولهما ببدء عملها، تدعمها تسريبات دولية وأممية تتكلم عن رغبة دولية في إنجاز دستور لسوريا القادمة لإجراء انتخابات رئاسية خلال عام ٢٠٢١، وهو موعد الاستحقاق الرئاسي الشكلي منذ مجيء عائلة الأسد للحكم.

هذه الانتخابات المزمعة إقامتها تجعل ملف اللاجئين الانتخابي هاماً جداً في تحديد منصب رئيس سوريا أو رئاسة الحكومة القادمة، حسب نظام الحكم المتوافق عليه في اللجنة الدستورية وما إن كان رئاسيا أو نصف رئاسي أو برلمانيا، لإضفاء الشرعية عليها. علما بأن غالبية المعارضة تطالب بحل متكامل تكون على رأسه هيئة حكم انتقالي كامل الصلاحيات.

إن إثارة الإشكالات المفتعلة في دول اللجوء مع المجتمعات الحاضنة ستكون لها تأثيرات سلبية، ينتج عنها دفع السوريين للقبول بأية حلول مهما كانت بسبب ظروفهم المعيشية السيئة؛ فقد تم استنزافهم على كافة الصُّعُد الإنسانية والاقتصادية. وهذا ما تسعى له روسيا ونظام الأسد، وليس كما تروّج له من أن سبب الضغط لعودة اللاجئين هو إعادة الإعمار وكونه الشرط الرئيسي لتدفق الأموال.

إن التعامل مع هذه الحملات -المبرمجة سلفاً من قبل روسيا وإيران وحلفائهما في بعض دول الجوار باستغلال الأوضاع الاستثنائية لها- يتطلب وضع سيناريو مضادا، عبر التواصل مع الدول الصديقة ودول الاستضافة، وبرمجة أوضاع السوريين ودعمهم مادياً ومعرفياً وحتى نفسياً في أماكن اللجوء، وذلك بشكل قانوني يجعلهم قادرين على العيش الكريم وتعليم أولادهم وتجهيزهم للعودة إلى وطنهم بشكل فاعل، عندما يزول الظلم ويحاسب كل من ارتكب جريمة بحق السوريين.

لقد غابت الرؤية لدى قيادات الثورة بخصوص ملف اللاجئين الهام منذ إنشاء المجلس الوطني السوري، ولاحقاً الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وأيضا هيئة التفاوض؛ حيث اعتُبِر ملفاً ثانوياً، وبالتالي لم يقوموا بالتعامل معه بالطريقة المناسبة، فجعلوا كل تركيزهم على ملفات العلاقات الدولية والتفاوضية الشكلية، والتي أدارتها الدول الصديقة من باب ملف إدارة أزمة وليس إدارة حل.

ولذا لم يستطيعوا أن يحققوا من خلالها أية إنجازات تذكر، بينما كانوا يستطيعون توظيف ملف اللاجئين والنازحين لصالح الحل السياسي، من خلال تنظيم وجود اللاجئين في بلدان اللجوء، والبحث عن مصالحهم بتفعيل الشق القانوني ضد جرائم النظام بكافة أنواعها.

إن ملف اللاجئين ملف إنساني وإستراتيجي بامتياز للثورة السورية؛ ذلك أن السوريين -وخاصة جيل الشباب- اطلعوا في هجرتهم على نماذج جديدة في آليات الحكم، ابتداء بالانتخابات الديمقراطية الحقيقية من ألمانيا إلى تركيا، وأيضا مفهوم الدولة الخاضعة للشعب وليس مفهوم دولة العبيد، بالإضافة إلى التنمية الاقتصادية والنقابات الفاعلة ومكافحة الفساد.

ومن خلال اطلاعهم هذا على مفهوم الدولة العصرية وتحقيقهم لنجاحات لافتة، سيعود السوريون إلى وطنهم مسلحين بكل تلك المعارف ليجسدوها بشكل عملي، ويقوموا بربط سوريا المستقبل بعلاقات قوية مع تلك الدول من خلال الروابط الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كوّنوها خلال فترة اللجوء، وهو ما سيؤثر إيجاباً في بناء وطن حر قوي كما كانت سوريا على مر التاريخ والأجيال.

إن هذه التجربة المريرة يجب تحويلها إلى فرصة ممن يتبوأ المواقع القيادية قبل فوات الأوان، ليرتّبوا أمورهم وكافة الملفات القادرة على الضغط على نظام الأسد حتى يرضخ لحل سياسي عادل طالما حلم به السوريون، وذكرته بيانات الأمم المتحدة واجتماعات الدول الصديقة منذ انطلاق ثورتنا المباركة.

المصدر: الجزيرة نت