أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » آلام الغربة ! عبد الكريم البليخ

آلام الغربة ! عبد الكريم البليخ

صدقت مقولة الشاعر الذي قال:
مشيناها خطى كتبت علينا .. ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيّته بأرض .. فليس يموت في أرض سواها

تثير فينا هذه الأبيات نوازع خاصة لجهة آلام الغربة بكل مفاصلها، وما يصاحبها من ألم وحسرة وضيق حال، أضف إلى أنه يصف حالة الذل والقهر والفاقة التي أوصلتنا إلى بلاد قصيّة طالما كانت تسجل حلماً بالنسبة لنا، وللكثير من جيلنا، ومن سبقهم من الشباب الطموح الذي ظلّ يحلم، في السفر والإقامة في بلاد قصية، مثال بلاد العم سام، وغيرها من الدول الأوروبية.

وتتحدث القصيدة عن القضاء والقدر والموت، وأن الأرض الواسعة الرحبة فيها الكثير من الفرص لكل إنسان، وتحثّ المرء على عدم الرضوخ لواقع الحال المشين، فضلاً على السعي وراء حريته وتبديل حاله المزري إلى حال أفضل، وتخبره أنّ الموت المكتوب على الإنسان هو ملازم للمكان الذي سيحدث فيه كما قدره الله لا الإنسان، فسواءً لازمت مكانك أو غادرته فأنّى كنتم سيدرككم الموت حتى ولو كنتم في بروج مشيّدة!.
السفر مفتاح الحياة النبيلة، ويفتح أمام المرء آفاقاً غريبة، ويدفع به إلى أن يتعلّم أشياء جديدة، عبر نماذج أخرى كانت مغلقة أبوابها أمامه، ومن خلال التجربة والانخراط فيها، وهذا يكرّس تفعيل دورنا في الحياة بدلاً من عدم الانفعال والتفاعل فيها

وفي هذا المقام، أتذكر مقولة صديق طفولة، قضى أياماً طويلة في دراسة الطبّ في إحدى الدول الصديقة، وحاول، وبكل جهد مضنٍ بعد تخرجه من الجامعة أن يستقرّ به المقام في مدينة حلب الشهباء، إلّا أنَّ ظروفه القاهرة عادت به إلى لوعة الفراق، بغيابه مرةً أخرى عن الأهل والأصدقاء، ما اضطرته ظروفه للسفر إلى دول الخليج العربي ليتمكن من شراء شقّة سكنية في حي متواضع في مسقط رأسه، وهذا الصديق سبق له أن سافر في ما مضى إلى دول أميركا الجنوبية، واستطاع تقوية لغته الإنكليزية، ولم تدم فترة إقامته هناك أكثر من ستة أشهر، وعاد مرةً أخرى إلى مدينته يجر ذيول الغربة القاتلة، بعد أن قضى سنوات بعيداً عن الأهل والأحبّة مقيماً وحيداً في إحدى دول الخليج العربي، إلى أن التحق به البعض من أهل بيته واستمر يعاني آلام الغربة والبعد، وإلى اليوم، على الرغم من أنه كان رئيساً لمركز طبّي هناك. وهذا الصديق الطبيب، لطالما يردّد مقولة:

“اللي يحبّه ربّه يشوفو مُلكه”. وقد اتضح لي مع مرور الوقت أنَّ ما قاله صديقي المغترب في محلّه، وتجلّى ذلك من خلال السفر، الذي هو في الواقع يُعد مدرسة في هذه الحياة التي نعيش أوارها المستعر!

والسفر، كما يقال “قطعة من النار”، وإن تعددت أوجهه، سواء أكان ذلك بداعي العمل أو السياحة، فهو يثير في النفس مرارة الشوق واللوعة والفراق!! لوعة محب وعاشق ترك أهله وأصدقاءه وارتباطاته.

وإن كان هذا الأنموذج ما زال له بريقه بالنسبة لنا، نحن الذين جُبلنا على التغنّي بالأسفار والركض وراءها والتمجيد بها، وإن كانت فرصة لمن يريد الاستفادة منها في كثير من الأوجه، إلّا أنَّ ما يمكن أن نجنيه منها يحتاج إلى تركيز وصبر وأناة وحلم كبيرين، وفي النهاية سيكون الحصاد مثمراً، ولكن بقضاء أيام لا يمكن تصويرها ولا يمكن لها أن تعود، والعودة إليها فيها الكثير من الصعوبة، لأننا فقدناها..!

وفي لحظة ما يفقد المرء إنساناً عزيزاً، وهو في بلاد الغربة، وهذا الفقد، وإن كان مؤقتاً بعد أن جمعتهما الأيام، في عمل ما، وترك أحدهما الآخر، فقد يكون ذلك له أثره المباشر في تكوينه، وإن كانت الأيام شهدت على علاقتهما لفترة محدودة، إلا أن الألفة والود والاحترام دفعت به إلى التعلّق بذلك الصديق تعلقاً كبيراً، إذا قسناه بعلاقته مع صديق طفولة قد لا توازيه محبّة ذاك إلى هذا، وهنا يكون الأنموذج، وإن كان وقتياً إلّا أنّه أثمر صداقة مخلصة فيها الكثير من البهجة والوفاء.

فالسفر مفتاح الحياة النبيلة، ويفتح أمام المرء آفاقاً غريبة، ويدفع به إلى أن يتعلّم أشياء جديدة، عبر نماذج أخرى كانت مغلقة أبوابها أمامه، ومن خلال التجربة والانخراط فيها، وهذا يكرّس تفعيل دورنا في الحياة بدلاً من عدم الانفعال والتفاعل فيها.

كما لا ننسى أنَّ هناك نماذج متعدّدة في هذا الإطار تناولت السفر، وأبعاده ومحطاته والصعاب التي تواجه المرء، ومنها ما أورده الأديب الطبيب عبد السلام العجيلي، طيّب الله ثراه، عندما وصف لنا السفر في كتبه المنشورة، ومنها ما جاء في مجموعته القصصية: “دعوة إلى السفر”، و”حكايات من الرحلات”، على أنه حاجة ملحّة وضرورية بهدف الاطلاع وتنوير الفكر واتساع المعرفة، وغير ذلك من الكتّاب والمشاهير العظام..

ويقول الإمام الشافعي: “تغرّب عن الأوطان في طلب العلا، وسافر ففي الأسفار خمس فوائد: “تفريج همٍّ، واكتساب معيشةٍ، وعلم، وآداب، وصحبة ماجد”.

وكل ما يهمّنا أنَّ الخطى التي بدأنا لا تزال تخطو، ونأمل أن تكون كذلك حتى يكتب الله لنا أمراً كان مفعولاً.. ويظل للسفر نتائجه الإيجابية على المدى البعيد، وهذا ما يُبرر التحاقنا به والبحث عنه، بغض النظر عن نتائجه المادية.