أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » شكري القوتلي.. رئيس سوري نجا من حبل المشنقة ثلاث مرات وتنازل عن الحكم

شكري القوتلي.. رئيس سوري نجا من حبل المشنقة ثلاث مرات وتنازل عن الحكم

“تنفيذا لإرادة شعب الجزأين العربيين الغاليين، أرى من واجبي ونحن قادمون على الاستفتاء الشعبي المقرر لانتخاب رئيس الجمهورية العربية المتحدة، يوم الجمعة 21 فبراير/شباط 1958، أن أكون المواطن الأول، في الدولة الجديدة، الذي يرشح سيادة الرئيس جمال عبد الناصر رئيسا لها”.(1)

كان هذا جزءا من الخطاب التاريخي الذي ألقاه الرئيس “شكري القوتلي” في مجلس النواب السوري، والذي أعلن فيه تنازله عن رئاسة الجمهورية العربية المتحدة للرئيس جمال عبد الناصر، ليصبح أول وآخر رئيس عربي يتنازل عن الحكم، ليسجل القوتلي سطرا جديدا في وصف ملامح الرجل العربي والسياسي الأكثر جدلا في التاريخ الحديث.

فقد كان نضال القوتلي من أجل حصول سوريا على الاستقلال، وخلال رحلته الطويلة نجا من وضع حبل المشنقة حول عنقه ثلاث مرات، وعدّل الدستور لمد فترة رئاسته لولاية ثانية، قبل الانقلاب عليه من قِبل “حسني الزعيم”، وبعد خمس سنوات، عاد إلى الحكم مرة أخرى، لكنه هذه المرة تنازل عنه طواعية في سبيل الوحدة مع مصر، فمن يكون ذلك الشخص الذي تنازل بكل سهولة عن رئاسة دولة ضحى من أجلها كثيرا، كما أنها ليست أي دولة، بل بلد سيتقاتل حول سلطتها الآلاف ويموت مئات الآلاف ويُشرّد الملايين بعد قيام ثورة مارس/آذار 2011 في سوريا؟

من العراق إلى سوريا كيف بدأت قصة عائلة “آل قوتلي”؟

في 21 أكتوبر/تشرين الأول لعام 1891 في حي الشاغور بدمشق القديمة، وُلد “شكري بن محمود بن عبد الغني القوتلي” أول رئيس لسوريا بعد الاستقلال، لعائلة من التجار ومُلاك الأراضي نزحوا من العراق إلى سوريا منذ ستة قرون، وكانت لهذه العائلة مكانة مرموقة في المجتمع العربي، إذ كان “محمد سعيد القوتلي” شقيق جد القوتلي من ضمن الشخصيات التي دعاها الخديوي إسماعيل لحضور حفل افتتاح قناة السويس.(1)

في هذا البيت نشأ القوتلي محبا للغة العربية، ليلتحق بمدرسة “الآباء العازاريين” بدمشق، لاهتمامها بدراسة اللغة العربية، وبعد إنهاء دراسته فيها، انتسب إلى مدرسة “ثانوية عنبر” بدمشق، وبعد إتمام دراسته، اشترك في مسابقة الكلية “الشاهانية” بإسطنبول، أفضل مدرسة للعلوم السياسية والإدارية في الدولة العثمانية آنذاك.

كانت المسابقة عبارة عن امتحان لاختبار الطالب قبل قبوله في الجامعة، وقد تقدم للمسابقة 350 طالبا، نجح منهم 40طالبا، كان ترتيب القوتلي هو الخامس بينهم، ليلتحق بها عام 1908، العام الذي أعلن فيه الدستور العثماني، وهو المحطة التي شكّلت بداية القوتلي في العمل السياسي، فبعد عام من إعلان الدستور، أسس مع مجموعة من رفاقه “المنتدى الأدبي” بإسطنبول الذي ضم مجموعة من الشباب العربي، هدفهم الدفاع عن مصالح العرب، وتكوين كيان عربي واحد، وعارض المنتدى سياسة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، وأيّد انقلاب جمعية الاتحاد والترقي عليه، واستطاع تثبيت أقدامه في العمل السياسي، وانضم إليه العديد من الشباب من مختلف الدول العربية. (1) لكن هذه البداية الجريئة في ميدان العمل السياسي كادت أن تقضي على حياته كلها.

نضاله السياسي طريق إلى حبل المشنقة

عاد القوتلي إلى دمشق عام 1913 بعد تخرجه في الكلية، وهناك التحق بالعمل في ديوان “الولاية”، إذ كان يُفرض على خريجي الكلية التدرب لمدة ثلاث سنوات على أعمال الإدارة هناك، لكنه سرعان ما قدم استقالته رافضا تقبيل يد الوالي، إذ كان يفرض هذا البروتوكول على الموظفين آنذاك، ليكون هذا الأمر سببا في عودته من جديد إلى نضاله السياسي، وانضمامه إلى جمعية العربية الفتاة السرية المحظورة، التي تأسست عام 1911 في باريس، وفي عام 1913 أصبح للجمعية فرع في دمشق انضم إليه القوتلي، وقد نجحت الجمعية في ضم الكثير من السوريين لها، للعمل من أجل إنهاء تبعية سوريا للدولة العثمانية، في ذلك الوقت زار الأمير فيصل دمشق، وانضم إلى عضويتها، وعقد مع أعضائها عدة اجتماعات من أجل توحيد الجهود لمقاومة الدولة العثمانية(1).

وكانت نتيجة تلك الجهود السياسية أن ألقت السلطات العثمانية القبض على القوتلي وبعض من رفاقه، وبعد فترة أُطلق سراح القوتلي لمراقبته ومعرفة باقي الأعضاء، لكنهم فشلوا في الوصول عن طريقه لأيٍّ منهم، فعاد إلى السجن من جديد، وهناك تعرض لضغط رهيب، بين التحقيق والتعذيب من جهة، وبين إخلاصه لرفاقه من جهة أخرى، فقرر الانتحار خوفا من الاعتراف عليهم، وعلى إثر ذلك نُقل إلى المستشفى وظل فيها لمدة شهر، ثم عاد إلى السجن مرة أخرى، وصدر ضده حكم بالإعدام، لكن لم يُنفّذ بسبب قيام الشريف حسين بالثورة العربية الكبرى عام 1916، إذ هدد بإعدام الضباط والجنود الأتراك، الذين أخذهم كأسرى حرب، وعلى إثر ذلك أُفرج عن القوتلي ورفاقه وأُسقط عنه حكم الإعدام.(1)

في أثناء ذلك، نجحت الثورة العربية الكبرى في إسقاط الحكم العثماني في سوريا، وأصبح الملك فيصل حاكما لإقليم سوريا، وأمر القوتلي بتشكيل حكومة ولاية دمشق. في هذه الأثناء كانت بريطانيا وفرنسا قد وقّعتا معاهدة سايكس بيكو لتقسيم الدول العربية، ووقعت سوريا من نصيب فرنسا، التي أنهت حكم الملك فيصل في سوريا وحكمت بدلا منه، لتدشين بداية فترة الاستعمار الفرنسي في سوريا.

خلال هذه الفترة، أسس القوتلي حزب الاستقلال عام 1918، الذي يُعد استمرارا لجمعية “العربية الفتاة”، من أجل التوحد لمحاربة الاحتلال الفرنسي على سوريا، وفي 26 أبريل/نيسان 1920 عقد مؤتمر سان ريمو، وفيه نالت فرنسا انتدابها على سوريا، وفي العام نفسه قامت معركة ميسلون بين جيش الثورة الكبرى وفرنسا، واستشهد يوسف العظمة وزير الحربية السوري، وفازت فرنسا في المعركة(1)، وبدأت بملاحقة المعارضين لها، وأصدرت عام 1920حكما غيابيا بالإعدام على 34شخصا منهم القوتلي، لكنه استطاع هو ورفاقه الهرب من سوريا،(2) و تنقلوا بين مصر وفلسطين والدول الأوروبية للتنديد بمساوئ الاحتلال.(3)

وفور وصوله لألمانيا أسس شكري “المؤتمر السوري الفلسطيني” للدعوة إلى تحرير المنطقة العربية من الاحتلال الأجنبي، ونتيجة لذلك أصدرت فرنسا عفوا سياسيا عن القوتلي والسجناء السياسيين المحكوم عليهم بالإعدام، وعاد القوتلي إلى سوريا عام 1924، لكنه رفض التفاوض مع فرنسا قبل حصول سوريا على الجلاء (3)، وفي عام 1926 أصدرت فرنسا للمرة الثانية حكما جديدا بالإعدام على القوتلي، لتقديمه المساعدات والدعم المالي للثورة السورية، فما كان عليه إلا أن ترك سوريا وتنقل بين مصر والقدس والرياض للعودة من جديد للتنديد بجرائم الاحتلال، وترتب على هذا أن أصدرت فرنسا قرارا بإلغاء حكم الإعدام من عليه مرة أخرى، فعاد لسوريا عام 1930.(3)

من الإعدام إلى الرئاسة

في عام 1930، وقع الملك فيصل الذي دعم القوتلي في إنهاء الحكم العثماني على سوريا، ودعا إلى إقامة دولة عربية متحدة على المعاهدة الإنجليزية العراقية التي أعطت لبريطانيا حق إدارة الشؤون الخارجية والعسكرية للعراق، مما أفقد القوتلي أكثر حليف له، فلم يكن أمامه سوى خيار واحد وهو السير في طريقه لمحاربة الاحتلال، فشارك عام 1931 في المؤتمر”العربي القومي” بالقدس بهدف محاربة الاستعمار(4)، وفي عام 1932 أسس القوتلي ومجموعة من رفاقه، منهم “هاشم الأتاسي”، وجميل مردم بك، و”فخري البارودي”، الكتلة الوطنية للدعوة إلى استقلال سوريا، وشاركت الكتلة في تأسيس “جمعية تأسيسية” وافق عليها الشعب السوري للتواصل مع سلطة الانتداب الفرنسي لصياغة دستور للبلاد، كانت أبرز بنوده “إقامة حكومة تمثيلية ودستور ليبرالي”، لكن عطل الانتداب الفرنسي 5 من بنوده بحجة “تعارض البنود مع سلطات الانتداب”، وانتهى الأمر بعقد الكتلة الوطنية في عام 1936 المعاهدة السورية، على غرار المعاهدة العراقية البريطانية.(5)

وفي العام نفسه أصبح القوتلي عضوا في مجلس النواب السوري، وعندما شكّل جميل مردم الحكومة، عيّن القوتلي وزيرا للدفاع الوطني والمالية، وخلال هذه الفترة أسّس وزارة الدفاع، ونظّم موازنة الدولة وحقّق فائضا فيها، وعقد اتفاقا مع السعودية لعمل خط سكة حديد يربط بين دمشق والحجاز، مما أدى إلى ضيق وغضب فرنسا، التي انتهزت فرصة سفر القوتلي للسعودية وعقدت مع الحكومة السورية ممثلة في جميل مردم بك اتفاقيتي “البنك السوري والبترول”، والتي أعطت لفرنسا الأحقية في وجود الخبراء الفرنسيين، ووجود تعاون وتبادل بين البلدين، واحترام حقوق الأقليات، لكن هذه الاتفاقية أثارت غضب الكثير من الوزراء والنواب، وكان أكثرهم غضبا القوتلي الذي قدم استقالته من الوزارة 22 مارس/آذار 1938، لكنه ظل متمسكا بعضوية مجلس النواب، وسافر إلى أوروبا للمطالبة باستقلال سوريا.(6)

وفي عام 1940 حدث أمر أوقف عمل الكتلة الوطنية، وهو اتهام أعضاء الكتلة بقتل عبد الرحمن الشهبندر، فلجأ القوتلي إلى قنصل السعودية بدمشق لحمايتهم نظرا لعلاقته الوثيقة بالفرنسيين، وحقق مع القوتلي وثبتت براءته هو وأعضاء الكتلة بعد ظهور قاتل الشهبندر واعترافه بالجريمة. في عام 1941 انتُخب القوتلي زعيما للكتلة الوطنية خلفا لزعيمها الراحل إبراهيم هنانو نظرا لشعبيته الكبيرة، مما جعل الفرنسيين يبتعدون على القيام بأي إجراء تعسفي ضده، خاصة في ظل الإضرابات التي قام بها الشعب السوري، حتى حصلت سوريا على استقلالها عام 1941.(6)

وبعد وفاة رئيس سوريا تاج الدين الحسني عام 1943، رشح القوتلي نفسه للانتخابات الرئاسية، وفي 17 أغسطس/آب لعام 1943 أُعلن فوز القوتلي، ليكون أول رئيس لسوريا المستقلة.(7) لكن فرنسا لم تترك سوريا بهذه السهولة، ففي عام 1945قصفت فرنسا البرلمان السوري، وطلب المفوض البريطاني من القوتلي عقد معاهدة مع فرنسا لكنهُ رفض، وعلى إثر ذلك لجأ الاحتلال الفرنسي إلى حرب الشائعات، وكانت أولى هذه الشائعات هي إعدام القوتلي، وهروب أعضاء الحكومة خارج البلاد، مما زاد من إصرار القوتلي في الوقوف ضد الاحتلال، إذ قام بتهديد أعضاء الحكومة بتعرضهم للمحاكمة في حالة تقديم أحد منهم استقالته، مما أجبر فرنسا على جلاء قواتها عن سوريا 17 أبريل/نيسان 1946 حصلت سوريا على استقلالها الكامل (8).

من الرئاسة إلى الانقلاب

بدأت الحياة السياسية في سوريا مستقرة، وتأسس الكثير من الأحزاب السياسية، لعل أبرزها حركة الإخوان المسلمين السورية، والتي تعاونت مع القوى الوطنية والقوتلي ضد مشروع سوريا الكبرى الذي عرضته الأردن على سوريا، لكن هذا الاستقرار لم يستمر كثيرا خاصة بعد وقوع نكبة فلسطين، ثم تعديل القوتلي الدستور لتمديد فترة رئاسته لولاية ثانية، بالإضافة إلى انقسام الكتلة الوطنية إلى فريقين، فريق عُرف باسم “الحزب الوطني” ضم فيه المؤسسين القدامى للكتلة، وكان على رأسهم القوتلي، وفريق آخر عُرف باسم حزب “الشعب”، فأدى ذلك إلى حدوث انقسامات واسعة داخل المجتمع السوري، ولم تكن هذه الأمور فقط سببا للانقسامات (11).

فقد ذكر المفكر والأديب السوري كرد علي عن فترة حكم القوتلي قائلا:

“ملأ الوزارات بجنون بعديمي الكفاءة غير المؤهلين، فقط من أجل ولائهم السياسي، وأمر وزارة الأشغال العامة ببناء الطرق على ممتلكات عائلته على نفقة دافعي الضرائب، وأن تمطر الأموال العامة على الشعراء والمؤلفين الذين أشادوا باسمه، وأفسدوا المحاكم عن طريق تعيين قضاة كانوا متحيزين تجاهه”

وأشار بأن “إساءة القوتلي لمنصبه لم تكن من أجل الثراء الشخصي، فقد ورث ثروة كبيرة من عائلته، وهو ما أضافها في مشاريع في الزراعة والتجارة والصناعة، حتى لُقّب “بملك المشمش”. فقد كان لهُ هدف آخر، وهو استخدام الأجندة السياسية وسهولة الوصول إلى موارد الدولة من أجل دعم التأييد لنفسه وزمرته السياسية. بجانب استغلاله لكثرة الخلافات بين البرلمانيين السوريين بمهارة لصالحه”، أما خالد العظم، رئيس الوزراء في حكومة القوتلي، فذكر بأنه “كان يزرع بذور التنافس والبغض المتبادل بين الشخصيات السياسية حتى لا يتحدوا ضده. وهذا يعني أنه سيبقى وحده هو المسيطر على الموقف”.(12)

بالإضافة إلى مساندة بعض الأحزاب، مثل حزب البعث، و”الاشتراكيون العرب”، و”الحزب السوري القومي”، رغبة في الوصول للسلطة عن طريق المؤسسة العسكرية، كل هذا أفسح الطريق أمام حسني الزعيم، وهو ضابط سوري عُرف عنه حبه للحياة العسكرية الصارمة، وتقليده للشخصيات العسكرية، التي لعبت دورا محوريا في الحياة السياسية لشعوبها. وقد تدرج في المناصب العسكرية حتى حصل على رتبة عقيد، لكنه عُزل من منصبه واعتُقل عام 1941 من قِبل “القوات الديغولية الفرنسية”، وفي عام 1944 أفرج القوتلي عنه، وسمح بعودته لعمله، وهناك تولى العديد من المناصب، حتى تولى منصب قائد الجيش ورئيس الأركان، وقام بأول انقلاب عسكري غير دموي في سوريا في 33 مارس/آذار 1949، ثم قام باعتقال القوتلي، لكنه أطلق سراحه بعد تقديم استقالته، فسافر القوتلي إلى مصر واستقر في الإسكندرية، وما هي إلا أشهر قليلة حتى قام سامي الحناوي في 14 أغسطس/آب 1949 بالانقلاب على حسني الزعيم، وإعدامه بعد محاكمة عسكرية، وبعد مرور أربعة أشهر قام أديب الشيشكلي في 19 ديسمبر/كانون الأول 1949 بالانقلاب على سامي الحناوي، ووضعه في السجن، ثم أفرج عنه بعد ذلك، لتكون نهايته هو الاغتيال عام 1950 في أحد شوارع بيروت. (13)

وقد ظل الشيشكلي في الحكم حتى الانقلاب عليه عام 1954، وعلى إثر ذلك قدم استقالته، وهرب إلى بيروت ثم إلى السعودية حتى استقر في البرازيل، وفي عام 1960 اغتيل على يد شاب درزي، ليتولى “هاشم الأتاسي” الحكم بعد الشيشكلي (13)، وفي عام 1955 سافرت عدة وفود إلى مصر ممثلة في الهيئات الوطنية والسياسية في سوريا من أجل عودة القوتلي إلى الرئاسة، وفي 6 سبتمبر/أيلول 1955 اجتمع مجلس النواب وانتخب القوتلي رئيسا لسوريا للمرة الثالثة.(14)

المواطن العربي الأول يتنازل عن السلطة لرئيس مثله
“نقف ونعلن على الملأ باسم الشعب العربي في كل من الجزأين العربيين الغاليين مولد الجمهورية العربية المتحدة”

هذا ما قاله القوتلي عندما أعلن عن قيام الوحدة بين مصر وسوريا(15)، التي بدأت مبكرا بينهم قبل الإعلان عنها رسميا، ففي أثناء العدوان الثلاثي على مصر قام ضباط سوريون بتفجير خط أنابيب “التابلاين”، الذي تستورد أوروبا عن طريقه البترول من العراق، بالإضافة إلى استضافة إذاعة دمشق الإذاعة المصرية بعد ضرب العدوان لها، هذا على الجانب السوري، أما على الجانب المصري فقد أرسل عبد الناصر عام 1957 وحدات عسكرية للمشاركة مع القوات السورية لصد الهجمات التركية على سوريا، بجانب كل هذا فقد كانت فترة الخمسينيات بداية الدعوة إلى القومية العربية بين الدول في العالم العربي، وكل هذا قد سهّل قيام الوحدة. (16)

ففي 22 فبراير/شباط 1958 وقعت الوحدة بين مصر وسوريا، وتنازل الرئيس السوري شكري القوتلي عن الرئاسة إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ولُقّب بـ “المواطن العربي الأول”، ليكون أول رئيس عربي يتنازل عن الحكم لرئيس آخر (16)، وقيل إن القوتلي عندما تنازل عن الحكم قال لعبد الناصر: “مبروك عليك السوريون، يعتقد كل واحد منهم نفسه سياسيا، وواحد من اثنين يعتبر نفسه قائدا وطنيا، وواحد من أربعة يعتقد بأنه نبي، وواحد من عشرة يعتقد بأنه الله”، هناك من رأى بأن هذه المقولة هي مدح في الشعب السوري، وفيها “إشارة إلى حيوية ومقدرة الشعب السوري، من جهة، وإلى نزوع الفردانية والتميّز لدى كل فرد من أفراده”(17)، على الجانب الآخر هناك من أنكر قول القوتلي لتلك المقولة، وعدم وجود سند تاريخي لها. (18)

وقد وقع الاختيار على القاهرة عاصمة للجمهورية العربية المتحدة، وتغير العلم السوري إلى علم بنجمتين بدلا من ثلاثة نجوم، ولا يزال علم الجمهورية العربية المتحدة علما لسوريا حتى الآن. وقد تم توحيد البرلمان السوري مع المصري وأصبح مقره القاهرة، بجانب إلغاء كل الوزارات حتى أصبحت وزارة واحدة في القاهرة، كما طالب عبد الناصر بحل كل الأحزاب السورية، وانسحاب ضباط الجيش السوري من الحياة السياسية، وقد قَبِل السوريون بهذه الشروط ومنهم حزب البعث. (19)

وقد رأى بعض المؤرخين أن عبد الناصر لم يكن يرغب في الوحدة بين مصر وسوريا، وإنما وافق بعد مطالبة حزب البعث بذلك بجانب قيام الحزب بحملة من أجل اتحاد مصر مع سوريا، وعندما تولى عبد الناصر الحكم سيطر على كل أجهزة الدولة في سوريا، وأبعد حزب البعث عن الحكم، وقام بمصادرة أموال السوريين، والتأميم على ممتلكاتهم، وقد أثر كل هذا بالسلب على الاقتصاد السوري، مما أدى إلى الاحتجاجات والدعوات إلى الانفصال، وقد حاول عبد الناصر ردع هذه الاحتجاجات لكنه لم يستطع، وقد استغل ذلك بعض من الضباط البعثيين، وقاموا بالانقلاب على الوحدة في 8 مارس/آذار 1963.(19)

لم يكن القوتلي من المؤيدين لهذا الانقلاب، لكنه أيّد انفصال سوريا عن مصر بسبب انفراد عبد الناصر بالسلطة، وسيطرته على مقاليد الحكم(20). وقد صودرت أموال القوتلي بعد هذا الانقلاب، وعلى إثر ذلك رحل إلى بيروت، وظل فيها حتى وفاته في 30 يونيو/حزيران 1967، (21) ودفن في دمشق مسقط رأسه في مقبرة “الباب الكبير”، ومنعت السلطات المحافظات السورية من تشييع جنازته، ولكن قام سكان دمشق فقط بالزحف إلى الحدود، حتى سمحت السلطات بالدخول لهم، وحملوا نعشه وذهبوا للصلاة عليه في المسجد الأموي،(22) وبذلك تنتهي قصة أول رئيس عربي يتنازل عن الحكم لرئيس مثله بمحض إرادته.