أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » الغرف النسائية المغلقة على وسائل التواصل الإجتماعي تثير هواجس الرجال

الغرف النسائية المغلقة على وسائل التواصل الإجتماعي تثير هواجس الرجال

انتشرت في الآونة الأخيرة، مجموعات مغلقة على وسائل التواصل الإجتماعي، تعدّ مساحات آمنة للنساء، تتيح الحديث عن تجاربهن الخاصة كنساء وتقديم الدعم والتضامن لبعضهن البعض، من دون تدخل أو رقابة من قبل الذكور. بالطبع، تتخلّل أحاديث النساء الكثير من الشهادات الخاصة حول تعرّضهن للتحرّش وأشكال أخرى من التمييز والقمع، ما يشكّل تهديداً مباشراً لمجتمع يمارس عنفه الذكوري في الخفاء ويسعى جاهداً إلى طمس أصوات النساء وإسكاتها.

تغتنم النساء هذه المساحات المغلقة للتعبير بشكلٍ شفاف، وإن كان افتراضياً، عن الحروب المختلفة التي يخضنها كأفراد وكنوع اجتماعي عموماً. تروي كل عضوة قصتها من الزاوية التي تريد: صراعات عائلية، معاناة مع المرض، إهمال الوالدين، تعرّض للابتزاز، تحرّش، وما إلى ذلك. كما تختار نساء سرد تجاربهن الإيجابية عن نضالاتهن التي أثمرت نجاحاً. تتحدّثن عن طموحاتهن كما الإحباطات، عن علاقاتهن، عن غضبهن، وعن طفولتهن.

وبما أن السرية والخصوصية ليستا من خصائص العصر الإلكتروني الجديد، فإن هذه الاعترافات لا تظلّ دائماً حبيسة “فايسبوك” أو “واتس آب” كما هو مفترض، فتقدم أحياناً بعض العضوات غير الأمينات على نشر “سكرين شوتس” حول الأحاديث والنقاشات الدائرة في هذه المجموعات، علماً أنها على درجة عالية من الخصوصية وليست معدّة للتداول العام الذي قد يعرّض صاحبة الاعترافات إلى متاعب وخطر.

والحال أن خروج هذه القصص إلى العلن يؤدي عادةً إلى حالة هلع في صفوف الذكوريين، خصوصاً عند التطرّق إلى أمور “حرجة” كالتحرّش، الإغتصاب، الطلاق، إجحاف المحاكم الروحية، ظلم الآباء والأخوة، جرائم الشرف، التنمّر إلخ.. لا تسمّي النساء في اعترافاتهن أحداً بعينه، وتتكتم المتحدثة غالباً عن هوية “الجاني”، مع تركيزها على تجربتها الشخصية التي تبقى في إطار العموميات. إلا أن مجرد وجود هذه المساحات النسائية الخاصة والمفتوحة على احتمالات النقاش والتضامن وفضح الممارسات الذكورية وتكوين وعي نسوي، كفيلٌ بأن يزرع الخوف في نفوس القيمين على المنظومة البطريركية.

وعليه، أدّى مؤخراً تسريب محادثات من إحدى مجموعات “فايسبوك” إلى تحرّك بعض الرجال المصابين بهلع النسوية ونشرهم تحذيرات حول “مجموعات تنشر أفكار تحررية وغير أخلاقية تنافي الشرع والدين”. وقد جاء في إحدى المناشير المناهضة لهذه المجموعات أن “نشر ثقافة فضح الأسرار الشخصية يزيد الطين بلّة”، ودعا إلى العمل بالمثل القائل “تعاونوا على قضاء حاجاتكم بالكتمان”. كما يذكر البيان عدداً من الأسباب التي تبرّر، برأي ناشره، معاداته لهذه المساحات ومنها أن “الكلّ، ذكراً أو أنثى، يعاني من مشاكل”، وأن “المخوّلين حلّ المشاكل هم المتخصصون”. أما المبرّر الأكثر رمزيةً ودلالةً على مساعي الذكور إلى الحفاظ على صمت المرأة، فجاء على شكل تذرّعٍ بأن “القراءة المستمرّة للمشاكل داخل هذه الغروبات يصوّر الحياة على أنها سوداوية وعلى أن العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة ندية، متوترة، ومشحونة دائماً”.

قد تختلف التبريرات إلا أن الدافع الأول والأخير يتجسّد في حظر أي حديث حول التابوهات الاجتماعية التي ترادف “الفضائح” في المخيلة الذكورية. يدعو البعض النساء إلى التكتّم والسكوت لأن أي نقاش من هذا النوع يمسّ بالوضع الراهن ويهدّد الأدوار الجندرية التقليدية التي يجب صونها، مهما كان الثمن، وذلك في سبيل إستمرار المؤسسة العائلية، وإن كان على حساب المرأة وسلامتها.

والحال أن المساحات النسائية الخاصة لطالما استثارت مخيلة الرجل، فهي عصية على عينه المتجسّسة وقبضته المتمادية. وكما في الجنس، فإنها تستثيره أيضاً في العدوان، إذ يقتنع أنهن يتآمرن عليه، وذلك لوعيه الباطني بذنبه تجاه المرأة الذي لا بدّ أن يولّد لديّهن بعض الثورة. “إنهن يدبّرن بالطبع لهدم المنظومة الذكورية برمّتها!” يقول الرجل المصاب بالهلع، لكن بكلماتٍ أخرى من شبيه: “إنهن يدمّرن منظومة الأخلاق والقيم بفضح إنحرافات الرجال” أو “إنهن ينشرن غسيلهن الوسخ ويلطخن صيت الرجال”.

يأتي هذا في ظلّ تواتر أخبار عن مقتل نساء تحت التعنيف، في لبنان والعالم العربي، وكان آخرها خبر مقتل الشابة الفلسطينية إسراء غريب، على أيدي أخوتها، في جريمة شرف حرّكت الشارع الفلسطيني. وفيما تكتسح صور إسراء، منصات التواصل الاجتماعي، وتطاردنا صرخاتها واستغاثاتها خلال اللحظات الأخيرة التي وثقتها تسجيلات صوتية انتشرت في “فايسبوك”، لا يشكل ذلك ما يخيف بالنسبة إلى دعاة الصمت والتستّر، رغم أنه يشكّل دليلاً دامغاً على حاجة النساء إلى الدفاع عن أنفسهن، وإن بالكلام و”فضح الحقيقة”، بل وأحياناً عبر الإستنجاد بحليفات مجهولات على الإنترنت.