أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » يوميات تلميذ في مدرسة سومرية بقلم عبد الرزاق دحنون

يوميات تلميذ في مدرسة سومرية بقلم عبد الرزاق دحنون

من أطرف اكتشافات علماء الآثار في وادي الرافدين رسالة مُدوَّنة على ألواح الطين تحكي حالة تلميذ في مدرسة سومرية جنوب العراق.. وتبيِّن هذه الرسالة التي ألفها مدرس مجهول الاسم عاش في حدود عام 2000 قبل الميلاد، بكلماتها وعباراتها الواضحة البسيطة، كيف أن الطبيعة الإنسانية باقية كما هي لم تتبدل اللهم إلا القليل في خلال الألوف من السنين.

نجد أن التلميذ السومري لا يختلف كثيراً عن التلميذ الذي يعيش في عصرنا، فهو يخشى إن تأخر عن موعد بدء الدرس أن يُضرب بالعصا. فبعد أن يستيقظ في الصباح الباكر يحثُّ أمه أن تهيئ له طعام الغداء على عجل. وفي المدرسة نجد المعلم ومساعده يضربون التلميذ كلَّما أساء السلوك، والعلامة المسمارية التي تؤدي معنى الضرب مركبة من رمزيّ شيئين هما العصا واللحم أو الجلد. أما عن حال المعلم السومري فإن ما كان يحصل عليه من جعالة أو معاش كان كما يبدو ضئيل القدر لا يسدّ الرمق كحال زميله المعلم في أيامنا العجاف هذه، وكان يسعده أن يحصل على بعض العون من آباء التلاميذ.
استمع الأب إلى نصيحة ابنه التلميذ، جاء المدرس من المدرسة، وبعد أن دخل البيت أجلسوه في أشرف مكان، وقام التلميذ على خدمته، وأخذ الفتى يستعرض أمام أبيه كل ما تعلمه من فن الكتابة

هذه الرسالة كانت بلا شك من تأليف أحد أساتذة بيت الألواح وتبدأ بسؤال التلميذ: إلى أين كنت تذهب منذ أيامك المبكرة؟ كنت أذهب إلى المدرسة. وماذا كنت تفعل في المدرسة؟ يجيب التلميذ إجابة تشغل أكثر من نصف محتويات الرسالة حيث يقول: كنت أستظهر لوحي وآكل طعامي وأهيئ لوحي الجديد لأكتبه. وبعد العصر أنصرف من المدرسة وأعود إلى البيت فأجد أبي جالساً على عتبة باب الدار في انتظاري، فأطلع أبي علي درسي المكتوب، ثم أستظهر له لوحي فيسر أبي لذلك. وفي صباح اليوم التالي عدت إلى المدرسة متأخراً من أجل أرغفة من الخبز الطازج تأخرت أمي في خبزها على التنور. فقال عريف الصف: لماذا تأخرت عن دروسك؟ دخلت الصف وأنا وجل خافق القلب في حضرة مدرسي، وحييته باحترام.

وسواء قدم ذلك التلميذ تحيته أم لم يقدمها فإن يومه كان عصيباً، فقد تلقى الضرب بالعصا من أجل ما ارتكبه من هفوات كالتكلم والقيام في الصف والخروج من باب المدرسة، ولسوء طالعه ذلك اليوم فقد وبخه المعلم قائلاً: إن خط يدك في الاستنساخ رديء غير مرض، وضربه بالعصا من أجل ذلك. طفح كيل الصبي، فأشار على أبيه ناصحاً إياه بأن خير ما يفعله في هذا الشأن أن يدعو المدرس إلى بيته ويسترضيه ببعض الهدايا. وتعتبر هذه أول حالة مدونة عن التملق أو “مسح الجوخ” في تاريخ الإنسانية.

استمع الأب إلى نصيحة ابنه التلميذ، جاء المدرس من المدرسة، وبعد أن دخل البيت أجلسوه في أشرف مكان، وقام التلميذ على خدمته، وأخذ الفتى يستعرض أمام أبيه كل ما تعلمه من فن الكتابة، ثم قدم الطعام والشراب وكسا الأب المعلم حلّة جديدة ووضع خاتماً في إصبعه. طابت نفس المعلم من هذا الإكرام وحسن الضيافة فأخذ يطمئن ذلك الناشئ الطامح بتعلم فن الكتابة وقال له في لغة شعرية: أيها الفتى، لأنك لم تهمل قولي ولم تنبذ إرشادي، عسى أن تبلغ أعلى المراتب في فن الكتابة وعسى أن تكون القائد بين أخوتك وأن تصبح رئيساً على جميع أصدقائك، وليتك تبلغ الذرى بين طلاب المدرسة، حقاً لقد أحسنت إنجاز أعمال المدرسة وأصبحت طالب علم مجداً.

بهذه الكلمات المشجعة المليئة بالتفاؤل والأمل تنتهي هذه الرسالة التي تصف أيام الدراسة والتي كتبها ذلك الأستاذ الذي لم يكن ليحلم بأن قطعته الأدبية التي ألفها في الحياة المدرسية كما شاهدها في زمانه، ستبعث حية بعد أربعة آلاف عام، على يد أستاذ آخر من أهل القرن العشرين هو عالم الآثار البروفيسور صموئيل نوح كريمر حيث عرضها في كتابه الجميل “من ألواح سومر”.

هذه الرسالة كانت -لحسن حظنا- متداولة يحبها الناس في الأزمان القديمة، يدل على هذا ما لا يقل عن إحدى وعشرين نسخة وصلت إلينا وهي متفاوتة في حالاتها من حيث الكمال والحفظ . حيث يوجد ثلاث عشرة نسخة في متحف الجامعة في فيلادلفيا وسبع نسخ في متحف الشرق القديم في إسطنبول وواحدة في متحف اللوفر في باريس. والسؤال الذي يطرح نفسه في الختام، هل يستطيع تلميذ اليوم اقتفاء أثر رفيقه القديم؟ لا ندري، ربما.