أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » محاولة الانتحار لا تقلّ خطورة عن فعل الانتحار بحدّ ذاته

محاولة الانتحار لا تقلّ خطورة عن فعل الانتحار بحدّ ذاته

الانتحار. يُعرَّف الانتحار بأنّه ذلك الفعل المقصود الذي يأتي به أحدهم/ أحدنا، فيقتل نفسَه بنفسه. بذلك يضع الفاعل، من خلال فعله الذي يوصَف بالمأساويّ، حدّاً للحياة. هي ليست الحياة عموماً، إنّما حياته… تلك الحياة التي تُثقله. العجز عن تحمّل أعباء واقعه هو ما يدفعه إلى زهق روحه، عن سابق تصميم. هذا ما يسلّم به هؤلاء الذين يحاولون الغوص في النفس البشريّة وكذلك الذين يحاولون سبر المجتمع وأحوال أهله، بمعظمهم. قد لا يرضي ذلك كثيرين، فنجدهم يعبّرون عن امتعاضهم إزاء ذلك الفعل. بالنسبة إليهم فإنّ “التبرير” ليس مقنعاً، ويطلقون الأحكام على كلّ من تجرّأ على “الفعل الشنيع”.

في العاشر من شهر سبتمبر/ أيلول الجاري، كان الانتحار موضوع مناسبة أُدرجت على روزنامة الأيام العالميّة. ويتكرّر اليوم العالميّ لمنع الانتحار منذ عام 2003، علماً أنّه ليس يوماً يحظى بشعبيّة واسعة… فالموضوع خلافيّ. ثمّة إشكاليّات مختلفة ترتبط به من المنظور الدينيّ أو الفلسفيّ أو الأخلاقيّ. ويُعَدّ الانتحار بالتالي كفراً أو ازدراءً للحياة أو فعل أنانيّة أو دليل جبنٍ أو غير ذلك. وقد يدور في السياق نقاش يطول حول توصيف ذلك الفعل: هل هو عمل جبان أم شجاع؟

ثمّة من يقول إنّ الإقدام على إنهاء الحياة فعلٌ يائس وأنانيّ وجبان. ويُحمَّل مرتكب “الفعل الشنيع” مسؤوليّة المأساة التي تحلّ بمحيطه، لا سيّما عائلته، ويُلام أشدّ اللوم لأنّه “تخاذل” و”خذل من حوله”. بعيداً عن محيط ذلك “الخاطئ”، ماذا عنه هو؟ هل يكلّف اللائم نفسه عناء التوقّف لبرهة والسؤال عن حال فاعل الانتحار أم أنّه “مرتكب معصية” لا يستأهل ذلك؟ ربّما حينها يدرك ذلك اللائم وسواه ماذا يعني “الخذلان”. من يقدم على ذلك الفعل يأتي به وقد شعر بأنّ الحياة خذلته. ذلك الشعور الذي يستحوذ على أحدهم/ أحدنا ليس بالأمر اليسير. هذا ما يؤكّده هؤلاء الذين يحاولون الغوص في النفس البشريّة، لافتين إلى تبعات مأساويّة لذلك الشعور، منها الإقدام على الانتحار أو محاولة الانتحار.

ومحاولة الانتحار لا تقلّ خطورة عن فعل الانتحار بحدّ ذاته. هي إنذار بمثابة نداء استغاثة، وليست “فعلاً استعراضيّاً” أو “أسلوب تهويل” مثلما يحلو لكثيرين وصفها. كلّ محاولة انتحار سابقة تُعَدّ عامل الخطر الأوّل للانتحار، بحسب ما تؤكّد منظّمة الصحّة العالميّة في آخر بياناتها المنشورة بمناسبة اليوم العالميّ لمنع الانتحار. الناجي من عمليّة انتحار هو مشروع ضحيّة فعل محتّم. احتضانه بالطرق المناسبة قد يردّ عنه ذلك “القدَر”، وإنّ كان الأمر غير محسوم. لا تكفي ملاحظة ابتسامة عريضة على وجه ناجٍ للقول إنّ ما حصل هو “قطوع ومرق”. المرح والفكاهة لم يكونا ولن يكونا في يوم دليلاً على أنّ صاحبهما “في مأمن”. هما في أحيان كثيرة أسلوب محكم لكتم ألم وبؤس يعشّشان في أعماق نفس وروح.

ميليا بو جوده