أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » ماذا تبقى من المعارضة السورية من قوى ذات فعل حقيقي؟

ماذا تبقى من المعارضة السورية من قوى ذات فعل حقيقي؟

ماذا تبقى من المعارضة السورية من قوى ذات فعل حقيقي؟

 

بعد سيطرة النظام السوري وحلفائه على معظم الجغرافيا السورية، ولم يتبق تقريبًا كقوة حقيقية إلا إدلب، يبرز أمامنا تساؤل هام: ماذا تبقى من المعارضة السورية من قوى ذات فعل حقيقي؟

بعد أن سيطر النظام وحلفاؤه على معظم الجغرافيا السورية، ولم يتبق تقريبًا كقوة حقيقية إلا إدلب، فضلًا عن المناطق الخاضعة لحلفاء تركيا أو حلفاء الولايات المتحدة الأميركية، يبرز تساؤل: ماذا تبقى من المعارضة السورية من قوى ذات فعل حقيقي؟ وما الذي سيُعتبر منها في مفاوضات التسوية؟ وللإجابة على هذا التساؤل، ينبغي فهم حركية المعارضة وإشكالياتها وطبيعة قواها الراهنة، وتقييم أداورها المتبقية في ظل تنامي شروط موسكو وقدرتها على التحكم ببوصلة مسار جنيف بالاتكاء على مخرجات مسار أستانة السياسية والأمنية، بالإضافة إلى استشراف أدوراها المستقبلية ومدى قدرتها على تجاوز التحديات حتى تبقى في المشهد العام قبل “الإعلان الرسمي” عن خروجها التام من ميادين التأثير والضغط.

أطر وكيانات مثقلة بالإشكالات

منذ بدء أحداث الثورة السورية في مارس/آذار 2011؛ تنوعت وتطورت أطر التنظيم السياسي والعسكري للمعارضة وقوى الثورة؛ فإذا ما استثنينا الأحزاب والنخب المعارضة التقليدية (كالإخوان المسلمين، وحزب العمل الشيوعي، ونخب ربيع دمشق…إلخ) التي كانت فاعلة قبل الثورة؛ نجد أن الهياكل التنظيمية الأولى لقوى الثورة ونخب المعارضة بدأت في شبكات مدنية منظمة تهدف إلى تنسيق الفعل الثوري وقيادته وتُصدر البيانات السياسية الدالة على قيم الحراك وتوجهاته، كالتنسيقيات ولجان التنسيق المحلية ثم اتحاد التنسيقيات والهيئة العامة للثورة والمجلس الأعلى لقيادة الثورة؛ ومع تطور الأحداث وانتقالها لمستويات عسكرية؛ تم الدفع باتجاه الانتقال نحو اتجاهين منفصلين: الأول: باتجاه صيغ سياسية ائتلافية (هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي-المجلس الوطني والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة). والثاني: باتجاه التنظيمات الثورية والإسلامية العسكرية (كالفصائل الإسلامية ومجموعات الجيش الحر).

ومع سيادة الأدوات العسكرية وظهور الترهل في الأداء السياسي للأجسام الائتلافية بدأت مرحلة جديدة من التشكل السياسي، منها ما أخذ طابعًا حزبيًّا قوميًّا وآخر إسلاميًّا، ومنها ما اختار المنصة التجميعية للعمل المنظم. وبُعيد التدخل الروسي، في 30 سبتمبر/أيلول 2015، عُقد مؤتمرا فيينا في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2015 و14 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 (تحت اسم محادثات فيينا للسلام) والذي كان له دور مهم في دفع العجلة باتجاه استصدار القرار 2254 -أطلق مسار مفاوضات “الانتقال السياسي”- وضرورة إعادة تشكيل وفد المعارضة الذي سينخرط بالمفاوضات، وتم تكليف الرياض بهذا الخصوص. وتحت عنوان “توحيد المعارضة”، كانت اجتماعات الرياض 1، يومي 8-9 ديسمبر/كانون الأول 2015، والتي أفرزت “الهيئة العليا للمفاوضات” (كمرجعية سياسية)، والهيئة بدورها شكَّلت منها وفد التفاوض (كفريق تفاوض)؛ ولاحقًا ونظرًا للتطورات والضغوطات الدولية عُقد مؤتمر توسعة آخر في المملكة العربية السعودية في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وعُرف باسم رياض 2، تم فيها تشكيل “هيئة التفاوض السورية”، وضُمَّ إليها كل من منصتي القاهرة وموسكو. (انظر الجدول أدناه).

أما على المستوى المعارضة العسكرية وما تضمنته من تشكيلات عسكرية ثورية وإسلامية وقومية، فقد تشتت أثرها بحكم عدة عوامل، أهمها: غياب أطر للتنسيق والتشبيك بين الشق العسكري والسياسي، واختلال موازين القوى، و”الفصائلية” والاقتتال الداخلي والتحكم الخارجي. وتأثر المشهد الفصائلي للمعارضة المسلحة بشكل مباشر بحركية التدخل الروسي منذ عام 2015، الذي ركز على أولويات تطويع الجغرافية وتغيير الموازين العسكرية، وضرب بنى المعارضة وقوى الثورة العسكرية، لاسيما في إدلب وحلب (93% تقريبًا تم استهداف المعارضة وقوى الثورة، بينما أقل من 7% تم استهداف حواضن داعش وليس مقراته)؛ الأمر الذي أسهم في إخراج حلب الشرقية من معادلات التأثير العسكري؛ ومحاصرة جيوب المعارضة في محيط دمشق وغوطتيها، ومن ثم العمل على تهجير فواعلها العسكرية والثورية، كداريا ووادي بردى والمعضمية ودوما وحرستا وسواها؛ ناهيك عن دخول الجبهة الجنوبية والقلمون في مصالحات وتسويات مع النظام.

بالتزامن مع تعثر مسار العملية السياسية واختلال موازين القوى العسكرية، تقلصت خيارات المعارضة المسلحة، فانخرطت بعض فصائلها بمفاوضات الأستانة بضمانة أنقرة (كفيلق الشام، وحركة تحرير وطن، والفرقة الساحلية الأولى، والفرقة الساحلية الثانية، وجيش العشائر، وأجناد الشام، ولواء السلطان مراد، وجيش الإسلام، والجبهة الجنوبية، ولواء شهداء الإسلام، وقوات الشهيد أحمد العبدو)، تلك المنصة التي أرادها الروس منصة استثمار سياسي موازية لجنيف، أفرزت اتفاقيات خفض التصعيد التي أسهمت بدورها في تسكين جبهات تم قضمها لاحقًا من قبل محور النظام، كما ترافق خلال ذلك قيام الجيش التركي بالتعاون مع بعض فصائل المعارضة (لواء السلطان مراد؛ وفرقة الحمزة؛ ولواء سمرقند) في القيام بعمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” اللتين دفعتا باتجاه إعادة تنظيم الفاعلين العسكريين في تنظيمين، هما: “الجيش الوطني” وغرفة عمليات “غصن الزيتون”، وهذه الأخيرة انضمت لاحقًا للجيش الوطني.

كما أكد المشهد الأخير في معركة إدلب الأخيرة على خسارة المعارضة لجيب ريف حماه الشمالي، لتبقى مساحة السيطرة الفعلية للمعارضة بحدود 10000كم في منطقتي درع الفرات (جرابلس – أعزاز – الباب- الراعي)، وعفرين وبعض المناطق في إدلب وما حولها؛ ويوضح الجدول أدناه أهم القوى العسكرية المعارضة الفاعلة في هذه المناطق:

كما توجد هيئة تحرير الشام (اندماج جبهة فتح الشام، النصرة سابقًا، مع حركة نور الدين الزنكي ولواء الحق في بداية 2017) في محافظة إدلب وتتداخل حدود سيطرتها مع الجبهة الوطنية للتحرير؛ ولم تنجح الهيئة -رغم محاولاتها نسج علاقات مع المجتمع المحلي- في تجنب ردَّات الأفعال المحلية والدولية تجاهها، وبخاصة بعد سيطرتها على مدينة إدلب، وتشكيل الإدارة المدنية “حكومة الإنقاذ”؛ حيث لا تزال الهيئة تواجه تحديات وجودية وضغوطات محلية متصاعدة؛ وعلى الرغم من أن عدة عوامل كالنهج البراغماتي للهيئة سابقًا وسياسة “قضم الفصائل” قد أسهمت في تأجيل معركتها خلال الفترة السابقة، إلا أنه بعد تطورات إدلب الأخيرة يبدو أن خيار تفكيك الهيئة ملفًّا مفتوحًا على كل السيناريوهات.

رافقت حالة التدهور التي شهدتها المعارضة السياسية والعسكرية؛ جملة من الاختلالات البنيوية والوظيفية، من أبرزها:

– عدم البناء وفق قواعد تمثيلية حقيقية، مُحدثة شبه قطيعة مع جلِّ الهيئات المدنية و”الثورية” في الداخل السوري.

– أداء متعثر؛ إذ شكَّل التنافس بين مكونات الأجسام الائتلافية عاملًا معرقلًا باتجاه توحيد الرأي وتنسيق الأداء؛ كما أسهم هذا التنافس في تحول هذه الأجسام إلى ساحة للتضارب الدولي الذي يدعم اتجاهات وفرقًا متعددة داخلها.

– عدم تطوير استراتيجية حاسمة ومتسقة باتجاه “التنظيمات المتشددة” لاسيما أن المشهد العام في سوريا، منذ 2014، بات محكومًا بالحرب ضد الإرهاب كأولوية للمجتمع الدولي والاقليمي.

– حصر الفعل العسكري والسياسي للمعارضة منذ معركة حلب الشرقية عام 2016 بردات الفعل والسياسة الدفاعية، والتماهي مع الحلفاء تماهيًا تامًّا سواء على مستوى قرارها السياسي أو حتى العسكري.

أدوارٌ تتناقص وخيارات تتضاءل
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس السوري بشار الأسد (رويترز)

انحصر مسار العملية السياسية بعد التدخل الروسي، أواخر عام 2015، بفعالية أحدى المسارين: جنيف كمسار أممي للعملية السياسية، أو الأستانة كمسار أمني للدول الضامنة في سوريا، أو ربما مسار ثالث يجمع بينهما طالما أن بوصلة عمل جنيف تأثرت بمسار أستانة ومؤتمر الحوار الذي عُقد في سوتشي وأفرز تعريفًا تنفيذيًّا للحل السياسي، اختصره بمقترح لجنة دستورية؛ فعشر جولات من جنيف أسهمت في تحوير الغاية الرئيسية من العملية السياسية والمتمثلة في انتقال سياسي إلى سلال أربع: الحكم والدستور والأمن والانتخابات (انظر الجدول رقم 2)؛ وثلاث عشرة جولة في أستانا (انظر الجدول رقم 3) ثبَّتت الصراع بعد المكاسب التي حققها الروس في حلب الشرقية، ثم جزأت الجبهات وتعاطت مع كل منها باستراتيجية، واستطاعت أن تسهم في تغيير المعادلات العسكرية لصالح النظام.

لقد فرض التدخل الروسي على المعارضة السورية مناخات بالغة الصعوبة على المستوى السياسي والأمني؛ حيث أسهم هذا التدخل بشكل واضح ومباشر في إخراج المعارضة من معظم المناطق الحيوية للنظام ومحاصرة المناطق المتبقية بخيارات لا تتجاوز ثنائية “الرضوخ-التهجير”، وهذا ما كان بدرعا والغوطة الشرقية والغربية والقلمون وريف حمص الشمالي؛ كما استطاع هذا التدخل وما رافقه من هندسة سياسية وأمنية تحويل إدلب لمنطقة ذات ثقل عسكري نوعي وبيئة مليئة بالتحديات الصعبة (كتحدي اللاجئين والمهجَّرين، وتحديات التنمية، وتحدي سيطرة هيئة تحرير الشام وفوضى السلاح وغياب الاستقرار الأمني) ومحكومة باتفاق سوتشي الذي توصل إليه الرئيسان، الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان في 17 سبتمبر/أيلول 2018، والذي أفضى إلى اتفاق يقضي بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في محافظة إدلب.

لقد أسهم التعثر في مسار جنيف وسيادة مسار أستانة، وفق السياق أعلاه، في إحداث ثلاثة تحولات رئيسية في بنية المعارضة السياسية والعسكرية “الرسمية” ودفعها نحو تشكلات عدة:

1. إعادة تعريف المعارضة بأطر عابرة للائتلاف والفصائل العسكرية؛ وهو ما تجلى في “أجسام وظيفتها التفاوض” وذات بنية “متنوعة” كالهيئة العليا للمفاوضات ومن ثم هيئة التفاوض السورية (وتتألف من 36 عضوًا هم ثمانية من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وأربعة من منصة القاهرة، وأربعة من منصة موسكو، وثمانية مستقلون، وسبعة من الفصائل، وخمسة من هيئة التنسيق الوطني).

2. بدفع تركي؛ تشكيل وفد سياسي مرن (وفد المعارضة في أستانة) يضم شخصيات سياسية وعسكرية كطرف يمثل المعارضة في محادثات أستانة؛ وهو وفد غير ثابت البنية؛ والنسخة الأخيرة من أستانة 13 مثَّل وفد المعارضة أعضاء من الائتلاف وممثلون عن مجلس العشائر وممثلون عن بعض الفصائل العسكرية وممثلون عن مركز دراسات.

3. إعادة التشكيل للفصائل العسكرية في مناطق درع الفرات وعفرين في الجيش الوطني السوري؛ كقوة ضبط أمنية محلية وحليفة لأنقرة.

أما فيما يتعلق بخيارات “إعادة التشكل المحتملة” لهيئة تحرير الشام التي تواجه ضغوطات ومظاهرات محلية رافضة؛ واتهامات بفساد إداري ومالي وتضخم في جهازها الأمني وازدياد انتهاكاته؛ فهي محصورة بعدة اتجاهات، أهمها: الانتقال إلى قوة عسكرية وادارية وأمنية وحيدة عبر استئناف سياسة الحرب ضد “فصائل الثورة” وتعزيز سياسات الضبط الأمني محليًّا، ويعد هذا الاتجاه اتجاهًا ذا كلفٍ عالية ويعزز من احتمالات المواجهة العسكرية الدولية؛ أما الاتجاه الآخر فيتمثل في “استنساخ نموذج حزب الله” كقوة سياسية فاعلة وتقليص مراكز القوة فيها (في ماذا؟) والاستغناء عن العديد من الوظائف، وتركها للحكومة المؤقتة والفاعلين العسكريين المحليين مقابل استمرار استثمارها في الأدوات السياسية المحلية.

تعمل موسكو وفق مقاربة سياسية عسكرية، قائمة على تطويع الميدان وضرب المعارضة السورية وتحويل ذلك لمكتسبات سياسية
رويترز

إن موقف القوى السياسية والثورية من العملية الدستورية (المنتج المتعثر)، يدفع إلى التمايز بين نوعين من المعارضة؛ الأولى: المتماهية مع الحليف الدولي سواء هيئة المفاوضات السورية بما تشكله من تمثيل سياسي وحزبي مع الدول (5+2)، أو وفد المعارضة في الأستانة بما يشكله من تمثيل مع أنقرة. أما الثانية: فهي الرافضة دون أن تنتج أي صيغة بديلة، وهي مجموع قوى وشخصيات ثورية وسياسية لا تزال تبحث عن إجابات لسؤال إعادة التشكل السياسي في المهجر ومناطق النزوح واللجوء. وبذلك ينحصر دور المعارضة بدائرتين: الأولى: الانخراط التام والبحث عن هوامش حركة، أو الرفض التام ومعارضة النوع الأول والسعي للتأثير في المشهد السياسي بأدوات سياسية لم تتبلور بعد. بينما ستبقى هيئة تحرير الشام في المدى المنظور تعارض أية تسوية دون مقاومتها طالما أن معركة مواجهتها دوليًّا مؤجلة.

بالطرف الآخر من الجغرافية السورية شرق النهر (مناطق سيطرة الإدارة الذاتية والتي تمتد من عين عرب حتى الحسكة والقامشلي شرقًا، وحتى الرقة وأطراف من دير الزور جنوبًا) لا تزال صيغة الإدارة الذاتية هي الفاعل المحلي الأبرز؛ هذه الإدارة التي يشكِّل حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية -وحدات حماية الشعب YPG- عصبها الرئيس و”حليف واشنطن الأهم” في سوريا؛ لكنه لأسباب عديدة لا يزال خارج القوى المنخرطة بالعملية السياسية، ويدير كافة أعماله السياسية والعسكرية بمنطق “الطرف الثالث” وبديناميات الحكم الذاتي. كما أنه يواجه تهديدًا أمنيًّا مستمرًّا بحكم مواجهات أنقرة الأمنية والتي تصنف هذا الحزب ككيان إرهابي، وتعمل جاهدة على تحجيمه سواء عبر اتفاق المنطقة الآمنة أو عبر المفاوضات التي تديرها مع واشنطن باتجاه تغيير المنظومة، وتغيير تموضع الحزب فيه.

تبدُّل في عناصر التسوية

كان واضحًا منذ بيان فيينا، في أواخر 2015، الذي أتى بُعيد التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا، أن موسكو تعمل وفق مقاربة سياسية عسكرية، قائمة على تطويع الميدان وضرب المعارضة السورية وتحويل ذلك لمكتسبات سياسية توظفها لتعزيز سرديتها وتعريفها للملف السوري. وبهذا السياق، انتهجت موسكو استراتيجية الحل الصفري على المستوى العسكري في سوريا مستغلةً توظيف معادلة الإرهاب، فضربت ابتداءً مناطق سيطرة المعارضة في الساحل وأخرجت كافة جيوبها من مساحات سوريا المفيدة متبعة منهجية التهجير وصولًا لعودة السيطرة على حلب. ومن ثم توظيف مسار أستانة لتجميد الصراع وتغليب المصلحة الأمنية لدوله الثلاث؛ ومن ثم قضم موسكو لمناطق خفض التصعيد بدءًا من الغوطة الشرقية وليس انتهاء فيما يجري في شمال حماة وخسارة المعارضة لجيبها الاستراتيجي في هذه المنطقة (مورك واللطامنة والهبيط وخان شيخون والتمانعة).

على الرغم من إعلان رؤساء الدول الضامنة بأنقرة، تجاوزهم لكافة العراقيل التي تواجه تشكيل اللجنة الدستورية؛ إلا أن محددات عمل هذه اللجنة لا تزال تشهد العديد من التعقيدات
رويترز

وفق المدخلات والنتائج الراهنة (خسارات متدحرجة للمعارضة العسكرية لصالح النظام وحلفائه)؛ فإن العملية السياسية التي تتأثر بالمشهد العسكري تسير نحو سيناريوهات يتحكم “المنتصر” بشروط فاعليتها أو تجاهلها كليًّا؛ ولا تخرج العملية الراهنة عن كونها إطارًا لتكريس “الحل السياسي وفق المتخيَّل الروسي” مهما كان طرح الصفقة، خاصة بعدما ضمنت موسكو “أستنة” مسار جنيف، وتتمحور التسوية حاليًّا حول محورين:

1. اللجنة الدستورية وآلية عملها وبنيتها التي يفترض أن تضم 150 عضوًا مقسمة بالتساوي بين المعارضة؛ ونظام الأسد؛ ومنظمات المجتمع المدني/شخصيات مستقلة تسميهما الأمم المتحدة. وعلى الرغم من إعلان رؤساء الدول الضامنة في أنقرة، في 16 سبتمبر/أيلول 2019، تجاوزهم لكافة العراقيل التي تواجه تشكيل اللجنة؛ إلا أن محددات عمل هذه اللجنة (نظام رئاستها؛ إصدار القرار؛ شكل المخرج) لا تزال تشهد العديد من التعقيدات والتفاصيل والتي ستنعكس على حركية اللجنة ذاتها وتسبب لها العديد من العثرات؛ ومع مؤشرات اقتراب إعلان تشكيلها النهائي، فإن الوفد الذي سيمثل المعارضة فيها هو ذو الفرصة الأكبر لاستلام زمام الفاعلية السياسية من بين أجسام المعارضة، وهذه اللجنة تضم فعليًّا من مسار جنيف وأستانة وغيرهما، شخصيات المعارضة غير المنتمية لأية مؤسسة أو مسار.

2. ملفَّا إعادة الإعمار وعودة المهجرين واللاجئين: في ضوء الانسداد الحاصل؛ فإنه تتزايد المؤشرات على إيجاد منصة جديدة تبحث عن تفاهمات مشتركة في هذين الملفين، وتضم هذه المنصة كل دول 5+2 ودول الأستانة؛ ولكن لا يزال التوافق على وجود إيران هو المعضلة الدافعة لعدم وجودها.

لا تزال مؤشرات الاستقرار الحقيقي في سوريا غائبة؛ لكن هناك واقع عسكري جديد ليس الفاعلون السوريون هم الطرف المؤثر فيه، بل تتداخل فيه عدة قوى خارجية
رويترز

بالمقابل وعلى الأرض؛ فإن مشهد النفوذ الدولي في سوريا يؤكد على تشكل حدود أمنية وإدارية (مناطق الإدارة الذاتية التي تدعمها واشنطن، مناطق درع الفرات وعفرين وإدلب وتدعمها تركيا، مناطق سيطرة المعارضة وهيئة تحرير الشام؛ باقي المناطق ويدعمها الروس والإيرانيون). وبالتالي، ينبغي لأية تسوية شاملة إما أن تراعي هذه الحدود أو أن تصطدم معها ولهذا الاصطدام شروط ومحاذير تجعله ذا كلف عالية.

وعليه، فإن الفاعلين السياسيين والعسكريين في هذه المناطق المتشكلة تلك سيكون لهم تموضع ما في مشهد التسوية؛ وبالنسبة لمناطق المعارضة السورية (باستثناء مناطق الهيئة) هناك محاولة لإعادة التشكل السياسي في داخلها؛ إلا أنها لا تزال محصورة بثلاثة اتجاهات: الأول: الانطلاق من بنية وفد المعارضة في أستانة؛ والاتجاه الثاني يتمثل في إنتاج أطر سياسية إسلامية جديدة بحكم أن العلاقة بين الحركات الإسلامية السياسية (كالإخوان المسلمين ومجموعات أخرى) والضامن التركي هي علاقة جيدة، وبالتالي اتساع مساحة الاستثمار السياسي أمامها؛ أما الاتجاه الثالث فيتمثل في استمرار المحاولات الأهلية المحلية مثل تطوير أدوات وخطاب الهيئة السياسية لقوى الثورة في حلب وإدلب أو الدفع باتجاه حركات حزبية تضم وتستوعب مجاميع العسكر غير المنخرطة في المؤسسات والقوى الفاعلة.

إذًا، لا تزال مؤشرات الاستقرار الحقيقي في سوريا غائبة؛ لكن هناك واقع عسكري جديد ليس الفاعلون السوريون هم الطرف المؤثر فيه، بل تتداخل فيه كل من روسيا وتركيا وايران والولايات المتحدة الأميركية والتحالف الدولي والخليج والأردن والعراق ولبنان (باعتبار الدول الثلاث الأخيرة دولًا تضم لاجئين سوريين)، وأمام هذا المشهد يمكن استشراف أدوار المعارضة المستقبلية في ثلاثة محاور:

1. محور العملية الدستورية: حيث سيكون للقوى والشخصيات السياسية (قائمة المعارضة المرشحة) دور محدود في الضغط والتأثير على مخرجات هذه اللجنة في حال تشكلها وانطلاق أعمالها. وسيكون طموحها في مقاومة المحددات الروسية مرهونًا باستمرار بقاء القرار 2254 كمستند قانوني للعملية السياسية ورؤية دول 5+2 للتغيير الدستوري.

2. محور الحكم المحلي: باعتباره مدخلًا مهمًّا في أطروحات عدم المركزية؛ فهو يبدو أكثر وضوحًا في شرق النهر (الإدارة الذاتية) عما هو غربه؛ إذ لا تزال نماذج الحوكمة في مناطق المعارضة تجهد في سبيل تحقيق الضبط والاستقرار والتعافي المبكر، إلا أن ذلك سيعتمد على سياساتها في مواجهة العديد من التحديات (التحدي الأمني؛ والتحدي المالي؛ والتحدي التنموي؛ والهيكل المستقر)، ناهيك عما تفرزه تبعات وجود حكومة الإنقاذ (التابعة لهيئة تحرير الشام) على إدلب.

3. محور التنظيم السياسي المحلي: إذ تتدافع فعاليات الثورة داخل سوريا وخارجها نحو تنظيم حركتها السياسية؛ محاولة تجاوز إشكاليات التصدع الاجتماعي والتهجير وتقلص مساحات السيطرة؛ مركزة على استحقاقات سوريا الكبرى كإعادة الإعمار وعودة اللاجئين وما تستلزمه من بيئة آمنة مشجعة؛ وتشكيل حالة شعبية رافضة للانخراط في الانتخابات القادمة.

خاتمة

لم يبق من قوى المعارضة السياسية إلا تلك المنخرطة في مساري جنيف وأستانة لكن دون أوراق قوة وازنة تجعلها طرفًا مؤثرًا في التسوية المتوقعة
الجزيرة

شهدت المعارضة السورية، السياسية منها والعسكرية، عدة تحولات أثَّرت على بنيتها ووظيفتها وأثَّرت أيضًا على تموضعها السياسي والعسكري؛ وتعود أسباب ذلك للعديد من العوامل الموضوعية التي ارتبطت بحيثيات “إدارة الأزمة” دوليًّا ابتداءً ثم بالتدخل العسكري الروسي وأثره الواضح في تغيير شروط التعاطي مع الملف السوري؛ والعديد أيضًا من الأسباب الذاتية كعدم التنسيق بين الشق السياسي والعسكري وغياب الاستراتيجيات وعدم امتلاك شروط الفاعلية؛ حتى باتت المعارضة العسكرية اليوم تسيطر على أقل من عشرة آلاف كيلومتر مربع؛ والمعارضة السياسية جزء من ثلاثة أجزاء في لجنة دستورية يتم اختصار الحل السياسي فيها وتكييفه تدريجيًّا مع المنظور الروسي.

وأمام السيناريوهات المرتبطة بالتسوية في سوريا؛ تشهد المعارضة ما يمكن تسميته: إعادة تشكل، تحاول فيها أن تتصدى لتحديات الواقع السياسي والعسكري وذلك وفق ثلاثة اتجاهات: اتجاه مرتبط باللجنة الدستورية واتجاه متعلق بمسار أستانة الذي استطاع أن يفرض نفسه كفاعل رئيس في معادلات الأمن والسياسة، واتجاه محلي يدفع نحو التشكل الحزبي سواء المقاوم لهذا المسار الحاصل في العملية السياسية أو العمل على التكيف مع الواقع والاستعداد للانخراط في التسوية المحتملة.

عمومًا؛ وفقًا للسياق السياسي والعسكري الراهن؛ لم يبق من قوى المعارضة السياسية إلا تلك المنخرطة في مساري جنيف وأستانة لكن دون أوراق قوة وازنة تجعلها طرفًا مؤثرًا في التسوية المتوقعة؛ كما تقلص وتلاشى العديد من الفصائل العسكرية والثورية بحكم عدة عوامل ذاتية وموضوعية ولم يبق منها إلا ما هو ضمن أطر الجيش الوطني والجبهة الوطنية للتحرير وبعض الفصائل المستقلة، ما يُبقي لها فرص تأثير محدود في التسوية دون أن يعني ذلك انتفاء تحدياتها.

بالمقابل، لا تزال خيارات التعاطي الدولي مع مشروع الإدارة الذاتية (التي يشكِّل حزب الاتحاد الديمقراطي) عصبها الرئيس في شرق الفرات من جهة، وهيئة تحرير الشام من جهة أخرى؛ مفتوحة على كل الاحتمالات من المواجهة العسكرية الصلبة والتفكيك إلى احتمالات الاستمرار والبقاء.

معن طلاع
باحث