أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » أورنينا.. أوركسترا سورية في قلب برلين

أورنينا.. أوركسترا سورية في قلب برلين

استطاعت فرقة الأوركسترا السورية “أورنينا” بقيادة المايسترو شفيع بدر الدين جمع ثلة في الشتات من العازفين السوريين المحترفين، المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، مع أربعة من أساتذة الغناء: لبانة القنطار، المقيمة في أميركا، ورشا رزق المقيمة في فرنسا، وعلي أسعد، المقيم في النمسا، وشادي علي، المقيم في السويد، بالإضافة الى كورال غنائي من مدينة برلين.

لا تأتي أهمية الحدث فقط في القدرة على توليف أطياف العازفين والمغنين السوريين المنتشرين في بقاع الأرض بل أيضاً بقدر ما تعلنه من تحد في الوقوف على أحد أهم المسارح في العالم حيث انطلقت أعمال إبداعية لكبار الفنانين العالميين، ويزعم بدر الدين أن هذه القاعة لم تشهد من قبل حضور هذه المادة الموسيقية بهذا الشكل الأوركسترالي وهذه المعالجة التراثية.

في 2002 وبعد أن حط شفيع بدر الدين رحاله في فرنسا، وهو الذي درس العود والكلارينيت والنظريات الموسيقية في المعهد العالي للموسيقا في دمشق وبعدها أتم دراسة التأليف الموسيقي في كونسرفوتوار ليون/فرنسا وقيادة الأوركسترا في كونسرفوتوار ديجون، أطلق فرقة صغيرة باسم “تقاسيم” وبانتقاله إلى لوكسمبورغ أسس فرقة أخرى مع نخبة من الموسيقيين السوريين.

شرارة البداية

كانت بداية تأسيس فرقة محترفة في المهجر ليست بالسهلة على شفيع بدر الدين بعد أن حط رحال هجرته في فرنسا عام 2002.

أكثر من تجربة خاضها بدر الدين، لكنه يذكر لـ”جاليات” أن البداية الحقيقية كانت في 2016 بعد تزايد أعداد السوريين القادمين إلى أوروبا، نتيجة ظروف الحرب والاستبداد في البلد. وبين هؤلاء الذين اتجهوا إلى القارة كان عدد لا بأس به من الموسيقيين السوريين وخريجين محترفين، وهنا لمعت الفكرة لدى الرجل لتأسيس “فرقة محترفة تقدم الكلاسيك والتقليدي العربي عموماً، والسوري خصوصاً برؤية حديثة”. ويضيف بدر الدين عن رؤيته الحداثوية في موسيقى انطلقت بمهاجرين أن “الخيط رفيع بين الأصالة والأصولية الفنية، في حين تلتزم الاولى بالتراث وتأخذ منه وتبني عليه، وفي الثانية تتشبث به وتعتبر مجرد المساس تشويه، وشخصياً أرى الاتجاهين إيجابيين ولكليهما جمالياته ولونه الخاص”.

الموسيقى والفنون عموما في مهجرها تبدو أكثر تحررا عند بدر الدين الذي انطلق قبل 3 أعوام مؤسسا فرقة أوركسترا أورنينا، بعد أن خاض تجربة تأسيس فرقة صغيرة حملت اسم “تقاسيم”، وعن ذلك يذكر بدر الدين أن “الفنون بطبيعتها مواجهة للاستبداد، وإن اعتاد المستبدون استخدامها لمصالحهم يبقى الاستثناء دوماً هو أن نحاول”.

في حفل برلين “صوت من سورية” لم يكن الجمهور العربي والغربي المتذوق للموسيقى أمام أوركسترا وغناء غير احترافي، فقد بدا واضحا انجذاب الحضور الكبير لأصوات ليست حديثة عهد في الأداء في مهاجرها الغربية. فالمغنية لبانة القنطار ذكرت لـ”جاليات” أنها تسعى عبر صوتها إلى “إحداث صدع في جدار الرداءة المنتشرة”. وجدير بالذكر أن القنطار حاصلة على عدة جوائز عالمية، وهي تجد المتلقي لما تقدمه فرقة أورنينا “حساسا ومتذوقا للفن الجيد والأصيل، ومن المهم جدا أن نبقي على تواصلنا مع الجمهور السوري في أوروبا من خلال المسارح حيث يقيمون”. وتضيف أن تأسيس الفرقة قبل نحو 3 سنوات “منحنا فرصة للالتقاء كموسيقيين شتتنا وضع بلدنا والحرب فيه لنستعيد التواصل ونستكمل مشاريعنا التي بدأناها في دمشق قبل تهجرنا”.

ورغم أن الانطلاقة سورية فإن أعضاء الفرقة لا ينقطعون، كما في احتفالية برلين على مسرحها العريق، “فيلهارموني”، عن إيقاعات عربية أوسع، وهم يؤكدون أن القطعة التي حملت تسمية “متتالية الربيع” هي تجميع إيقاعات لأغان من مختلف دول الربيع العربي، وتوزيعها بقالب أوركسترالي باعتبار أن “هذا تأكيد على خسارة الرهان في عزل تجارب الشعوب، فالحرب تفرق الجموع لكن الموسيقا تجمعهم”. وعن ذلك يضيف بدر الدين “المقطوعة ومع أنها ليست خطابا سياسيا إلا أنها موجهة للناس المؤمنين بحقيقة التغيير، لأولئك الذين خرجوا يطلبون التغيير الحقيقي في العالم العربي”.

فوجئ على سبيل المثال بعض الحضور العربي المهاجر في ألمانيا، ومن خارجها لحضور أمسية عربية، أن استمعوا من أورنينا إلى شيء من بلدهم.

وعن ذلك يقول الطبيب السوداني أحمد “لا أصدق أني استمعت لأغنية من بلدي السودان تؤدى بحناجر سورية على مسرح ألماني، كان ذلك تخطيا حقيقيا لكل حاجز”.

تفاعل حضاري

القصة بين فناني وموسيقيي سورية في مهجرهم تتخطى مجرد أداء إلى “سجال فكري وثقافي وحضاري”. وبالنسبة لمايسترو الفرقة بدر الدين فإن هذا التفاعل “رغم وعينا باختلاف اللغة إلا أن النص الغنائي محمول على حامل صوتي وهذا لا يحتاج ترجمة، وللفن قدرته الخاصة على ايصال الأفكار حسياً، فالاغتراب هو أن نكون هنا ونبقى غير مرئيين والخلاص رهن في مد الجسور بيننا وبينهم”.

وبين أبناء الجاليات العربية الحاضرين لأمسية أورنينا من وجدها فرصة لإعادة لم شمل ما تشتت خلال سنوات من هجرتهم. فقد ذكرت الصيدلانية السورية المقيمة في هولندا، سيلفا إبراهيم، أنها حضرت “خصيصا لحضور الأمسية لألتقي بمن فرقتنا الحرب عنهم خلال السنوات الخمس الماضية، ومن هؤلاء صديقتي يارا، عازفة كمان في الفرقة، ليس فقط لأشجعها، بل أيضا لأقول إنه من خلال حفل كهذا نقهر الشعور بالاغتراب، ونرفض الامتثال للصورة النمطية المنتشرة عن السوريين في أوروبا”.

وبالرغم من غياب اللغة فإن الحضور الألماني صفق بحماسة لأداء أورنينا، ووجدها فرصة للتعرف على الخلفية والوجه الآخر للسوريين الذين حضروا إلى بلدهم كلاجئين وبعيدا عن صورة تنميطهم بما دأب البعض، إعلاميا وسياسيا عمله تجاه هؤلاء. وعن ذلك ذكرت لـ”جاليات” ليزا كروس “فهمنا للغة العربية لم يكن ضرورة هنا، فالتأثر العاطفي والحسي كانا كبيرين بالإنصات إلى ألحان موسيقى عربية، فقد حضرت سابقا عديد المناسبات الموسيقية العربية في بلدنا، لكنني أجزم بأني لم أتأثر كما تأثرت اليوم مع فرقة أورنينا”.

المصدر: العربي الجديد – برلين- ديانا ملاك