أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » عبدالرزاق دحنون: تفتيش المرأة جسدياً

عبدالرزاق دحنون: تفتيش المرأة جسدياً

نشرت قناة الجسر الفضائية على موقعها شريطاً مصوراً من دقيقة وثلاثين ثانية صُوِّر مصادفة من داخل سيارة عابرة شرق دير الزور بالقرب من حقل العمر النفطي في البادية السورية. يُظهر الشريط بوضوح اعتداء عناصر من وحدات الحماية الكردية على أسرة كانت تركب دراجة نارية عند وصولها إلى حاجز عسكري. أعتقد أن المصور كان حازقاً فطناً شجاعاً امتلك حساً إنسانياً عالياً. ولكن لماذا اعتدى عناصر الحاجز على الرجل وزوجته وابنهم الصغير.

تمَّ رفع ملف القضية مع الشريط المصوَّر إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي كي تحقق في محتويات الشريط المسجل وصحته فكان محضر التحقيق مختصراً لأن القضية واضحة لا لبس فيها. وأعتقد أن قاضي التحقيق سيكون منصفاً إذا حكم على عناصر وحدات الحماية الكردية بإساءة استخدام السلطة العسكرية في حق أفراد هذه الأسرة.

وإليكم القصة كما وثقها مصادفة أحد المصورين في دقيقه ونصف الدقيقة على هاتفه النقال. ومن المؤكد ان الشخص الذي صور هذه الواقعة تعرض للتفتيش على حاجز وحدات الحماية الكردية، ولكن كان من الصعب اكتشاف ما قام به من توثيق لهذا المشهد الذي حدث أمامه:

الشريط المصور يُظهر طريقاً اسفلتية من حارة واحدة في بادية مترامية الأطراف ذات سماء زرقاء صافية، أغلب الظن أن المصور كان يركب سيارة عالية الكبين، لذلك استطاع تصوير المشهد الصامت بوضوح، وكأنه يحضن المشهد حضن المتمكن. زاوية التصوير تُظهر سيارة تكسي سوداء حديثة عبرت من الجانب الأيسر ومن ثم تجاوزت سيارة المصوِّر، ثمَّ لحقتها دراجة نارية على الأغلب نوع هوندا 125يقودها شاب عربي من أهل تلك المنطقة، تركب زوجته خلفه وخلفها ابنه البالغ من العمر أزيد من عشر سنوات.

حين وصلوا إلى أحد الحواجز العسكرية التي أنشأت على مفرق طرق يُرفرف علم الوحدات الكردية على سارية منصوبة في أعلى أكياس الرمل، بدأت قصة الاعتداء، وقد تقصَّد المصوِّر أن تكون لقطة علم الوحدات الكردية واضحة، وساعده بذلك وقوفه على الحاجز العسكري وتوثيق المشهد وهو ينتظر دوره ليتم تفتيشه هو الأخر، ومن ثمَّ يتابع طريقه.

تقدمت أولاً سيارة التكسي السوداء وتتوقف على الحاجز لحظة ثمَّ انطلقت في طريقها. خفف سائق الدراجة النارية من سرعته العادية، توقف قبالة العسكري الواقف في الحاجز، أعطاه بطاقة هويته، فأمره العسكري أن يترجل عن الدراجة، ترجل أفراد الأسرة، تقدم صاحب الدراجة بها إلى الأمام قليلاً، وضعها في حالة وقوف، واقترب من العسكري الذي أمره أن يرفع يديه للتفتيش الجسدي.

عند انتهاء تفتيش صاحب الدراجة اتجه العسكري تلقائياً إلى الزوجة وحين حاول وضع يديه على جسدها لتفتيشها استجمع صاحب الدراجة قواه وهجم على العسكري بكل ما يملك من عزم وغضب ورماه بعيداً عن زوجته، فما كان من عناصر الحاجز العسكري إلا الهجوم على الزوج بهراواتهم وقبضات أيديهم، ومن ثمَّ الهجوم على الزوجة أيضاً بالهراوة وأشبعوا الاثنين ضرباً، كان الطفل خارج كادر التصوير لم يظهر إلا في اللحظات الأخير من الشريط المصوَّر يجره أحد العساكر جراً وراء أهله الذين جرهم عناصر الحاجز إلى خلف غرفة الحاجز وبالتالي خارج كادر التصوير. لا نعلم ماذا حصل لهؤلاء بعد ذلك الهجوم، هل قتلوا، هل أفرج عنهم من قبل الوحدات الكردية، هل سجن الزوج وأطلق سراح الزوجة وابنها؟

لفت قاضي التحقيق نظر المحكمة إلى أن سبب هذا الاعتداء يعود كما ظهر في الشريط المصوَّر إلى اختلافات الثقافات بين بشر يعيشون في منطقة جغرافية واحدة، إلا أن عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم مختلف من مكون إلى آخر. العسكري من وحدات الحماية الكردية كان يقوم بعمله بشكل روتيني -أو هكذا ظهر في الصورة- وكان يمكن للموقف برمته ان يمرَّ بسلام لو لم يشعر ذلك الشاب الذي يرتدي الثوب العربي بالإهانة والغضب لتفتيش زوجته جسدياً أم ناظريه، وهو كان على استعداد أن يفقد حياته في سبيل منع ذلك العسكري من لمس زوجته. هُنا يظهر اختلاف الثقافات والعادات الاجتماعية. هل نبه قائد الحاجز عساكره أنه لا يحق لهم تفتيش النساء جسدياً، لأن هذه المهمة تقوم بها نساء في العادة في كل بقاع الأرض، حتى في أرقى مطارات العالم لا يستطيع الرجل تفتيش المرأة جسدياً علناً تحت أنظار زوجها، وقد يُعتبر هذا الفعل تحرشاً جنسياً فاضحاً، يمكن بسببه أن يذهب المفتش إلى السجن.

في التحقيق الذي اعتمد الشريط المصور تبين أن عناصر وحدات الحماية الكردية اعتدت على الزوجة دون سبب، إلا إذا كان عناصر الحاجز غفلوا عن سبب الهجوم الذي تعرَّض له زميليهم، وظنوا بأن الشاب صاحب الدراجة هو المعتدي فهو المذنب في هذا الهجوم. ولكن لو سألنا عساكر الحماية من الوحدات الكردية لماذا اعتديتم على المرأة وابنها بهذه الوحشية التي لا مبرر لها، ما ذنب المرأة هنا؟ لن نحصل في الغالب على جواب. ممكن أن يكون صاحب الدراجة النارية قد أخطأ التصرف في هذا الموقف وكان عنيفاً في ردة فعله، ويمكننا بسهولة تبرير فعلته، ولكن ما مبرر هجوم عناصر الحاجز على المرأة وابنها. هذا ما لم يستطع قاضي التحقيق فهمه، لذلك لا بد من إدانة عناصر الحاجز والمسؤول عنهم، وتجريمهم في هذه الواقعة.

الشريط المصوَّر



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع