أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » بحث عن السكينة بين الحكايات والأساطير… عن مقام الأربعين في دمشق وأسراره : بقلم زينة شهلا نقلا

بحث عن السكينة بين الحكايات والأساطير… عن مقام الأربعين في دمشق وأسراره : بقلم زينة شهلا نقلا

بقلم زينة شهلا نقلا عن موقع رصيف 22

الأحد 3 نوفمبر 201912:00

من عجائب العاصمة السورية دمشق أنّ من يسكنها، لا يتوقف عن اكتشاف أماكن جديدة فيها كلّ يوم، وأنها، رغم عدم اتساع مساحتها مقارنة بعواصم أخرى، تحتوي آلاف المعالم، منها تلك الشهيرة التي لا نتوقف عن زيارتها، ومنها ما يكون مرئياً وواضحاً للعيان، وقد نمرّ بجواره مئات المرّات، دون أن نلقي بالاً له ولأهميته.

بذلك، ليس من العجيب أن يكتشف أحد سكّان المدينة فجأة، وجود مقام أثريّ يقع في واحدة من أعلى نقاط جبلها الشهير، جبل قاسيون، وترتبط به العديد من الروايات التاريخية التي تعود إحداها لأولى الحكايات البشرية أي حكاية قابيل وهابيل.

إنه “مقام الأربعين”، أو “مغارة الدّم”. كثر لا يعرفون بوجوده، وقلائل هم من تحمّلوا مشقة الصعود إليه وزيارته، وملامسة الروايات المنسوجة حوله عن قرب، وفي الوقت ذاته التمتع بإطلالة علوية على المدينة النائمة في حضن جبلها وعلى سفوحه مترامية الأطراف.

مغارة ومقام والعديد من الأسماء والروايات

يرتفع جبل قاسيون، الذي يشرف على مدينة دمشق من كافة جهاتها، أكثر من 1100 متر عن سطح البحر، ويحتوي العديد من المغارات والكهوف، وأشهرها على الإطلاق “مغارة الدم”، والتي ترد في بعض الكتب التاريخية باسم “موضع الدّم”.

يعود ذلك لما يقوله العديد من المؤرخين عن كون هذه النقطة هي المكان الذي قتل فيه قابيل ابن آدم أخاه هابيل، ودليل ذلك وجود صخرة تحتوي على لون أحمر هو من بقايا دم القتيل الذي ظلّ عبرة وشاهداً على الجريمة، وشقّ على شكل فم مفتوح فيه أسنان ولسان ناتج عن شهقة أطلقها الجبل من هول الجريمة التي كان شاهداً على حدوثها قبل آلاف السنين أو رغبة منه بابتلاع القاتل جزاءً لما قام به، إضافة لنقاط ماء لا زالت تتساقط ببطء وهي دموع الجبل التي ذرفها حزناً على أول جريمة قتل في تاريخ البشرية.

تستفيض بعض الأساطير بدراسة تفاصيل شكل المغارة وحجارتها وإرجاعها إلى جذور تاريخية، فتشير إلى موضع يبدو وكأنه يبرز آثار أصابع يد ما، لتنسبه إلى حادثة كاد فيها سقف المغارة يقع على ظهر أحد الأنبياء ليضع الملاك جبرائيل يدَه مانعاً السقف من الوقوع، وتتابع تلك الأساطير حول وجود كلمة “الله” إلى جانب تلك الآثار، إضافة لقطعة من الحجر هي التي استخدمها قابيل لارتكاب جريمته.

ومن الجدير بالذكر أن أحد امتدادات سفوح جبل قاسيون نحو الريف الغربي للمدينة، وتحديداً في سهل الزبداني، يحتوي على مقام النبي هابيل، وهو الموقع الذي دُفن فيه هابيل بعد موته، حيث تقول الحكاية بأن قابيل استمرّ بالسير حاملاً جثة أخيه ولم يدرِ ماذا يفعل بها، حتى شاهد غراباً يدفن جثة غراب آخر في الأرض، ففعل الشيء نفسه.

وعلى مغارة الدّم وحولها، يقع مسجد ومقام الأربعين الذي أخذ هذا الجزء من الجبل فيما بعد اسمه منه، فصار يُدعى “جبل الأربعين”، وصار للمكان نفسه أيضاً عدة تسميات، منها “مزار الأربعين” و”رجال الأربعين”.

ولهذه التسمية أسباب عديدة كذلك، منها وجود أربعين محراباً داخل المسجد تعود إلى أربعين ولياً هم من يحرسون دمشق التي يتحدث سكانها على الدوام بأنها “محمية بأربعين ولي من كلّ سوء”، وإقامة أربعين رجل صالح في ما مضى داخل المغارة بهدف التعبد والصلاة، بعد أن كانوا هاربين من ظلم أحد الملوك الطغاة فشُق الجبل لهم ليحميهم.

وتحكي روايات عن أن هؤلاء الصالحين الأربعين تواجدوا يوماً في هذا الموقع مع رغيف واحد من الخبز، ورفض أيّ منهم تناول الرغيف تفضيلاً للآخرين على نفسه، مما أدّى في نهاية المطاف إلى وفاتهم جميعاً من الجوع، وبقاء رغيف الخبز على حاله، وهي حكاية تروى أيضاً عن مغارة مجاورة تدعى “مغارة الجوع”. وهناك حكاية أخرى تقول بأن النبي يحيى بن زكريا أقام في هذه المغارة أربعين عاماً.

وعن تاريخ مسجد الأربعين يشير المؤرخ السوري قتيبة الشهابي في كتابه “مشيّدات دمشق ذوات الأضرحة” إلى صعوبة معرفة تاريخ دقيق لتشييده، إلا أن أول ذكر له ورد في القرن السابع الهجري/الثالث عشر ميلادي على أنه “مسجد أتقن بناؤه على المغارة ويصعد إليه على أدراج”. وقد جُدّد المسجد في العهد العثماني عدّة مرات آخرها منتصف القرن التاسع عشر.

الوقت الأجمل للزيارة فجراً أو عند الغروب

كثيرٌ من سكان دمشق يجهلون اليوم وجود مغارة الدم ومقام الأربعين. البعض ينظر إليهما من أسفل، ويرى بقعة مضاءة في جبل قاسيون دون أن يعرف ماهيتها، وآخرون يشعرون بصعوبة الوصول إليها فلا يكترثون بها كفاية. لكن، ألا تثير كلّ تلك الروايات والأساطير الضاربة في القدم الفضول لاكتشافها عن قرب، واستغلال تلك الزيارة لاستراق النظر نحو المدينة من أعلى نقطة يمكن الوصول إليها في الجبل؟

تبدأ الرحلة لبلوغ المغارة والمقام من حيّ “ركن الدين” الواقع على سفح قاسيون مباشرة، حيث يمكن السير في هذا الحي صعوداً حتى بلوغ حي “الشيخ محي الدين”، ومن ثمّ يمكن الاستعانة بإحدى السيارات الصغيرة التي يستخدمها السكان للتنقل في تلك المنطقة التي تتميز بمنازلها المتلاصقة وحاراتها الضيقة التي تميل صعوداً ونزولاً مما يصعّب المشي فيها. وعند نقطة محددة، يتوجب الترجل من أيّ وسيلة نقل مستخدمة ومتابعة السير بين المنازل وفي طرق ضيّقة للغاية حتى الوصول لبداية السلم الحجري الذي يقود نحو المقام، ويتألف من حوالي 650 درجة.

تبدو الدرجات الأولى صعبة فهي متفاوتة الارتفاع وقد تتسبب بالانزلاق، وشيئاً فشيئاً تصبح أكثر انتظاماً مع وجود سور حديديّ يمكن الاتكاء عليه. ومع كل خطوة صاعدة، تتكشّف المزيد من مساحات المدينة، وعند بلوغ آخر الدرجات والوصول، الأمر الذي يتطلب حوالي الساعة، يبدو المشهد حابساً للأنفاس، خاصة إن كانت الرحلة خلال الربيع أو الخريف، وقبل الفجر أو عند الغروب، وهما التوقيتان الأفضل للرؤية ولتجنب الظلام أو أشعة الشمس الحارقة.

عند الدخول للمقام تطالع الزائرين فسحة صغيرة، ومن ثمّ يمكن التوجه نحو مغارة الدم ورؤية اللون الأحمر والفتحة في جبل “الشهقة” وقطرات المياه المتساقطة، أو يميناً نحو المسجد الذي تعلوه قبّة ملساء خضراء، ولا يحتوي أيّ زخارف أو نقوش أو تزيينات، ويمكن منه صعود درج خشبي نحو موضع الأربعين محراباً، أو يساراً نحو صالة واسعة لها نوافذ تبدو المدينة واضحة منها.

تمر الدقائق والساعات في المقام والمغارة دون حساب، ويشعر الزائرون بنوع نادر من السكينة، بعيداً عن ضجيج المدينة اليومي وبحضرة الأولياء الأربعين حماة المدينة وحرّاسها منذ مئات السنين، فيعود ليحكي عن هذه الرحلة الغريبة في حضن الجبل والتي تشبه حكاية من حكايات الخيال. “إن كنتم من سكان دمشق ولم تزوروا مقام الأربعين من قبل، فقد فاتكم واحد من أجمل وجوه المدينة، وإن كنتم خارجها فاحلموا به وحققوا الحلم.