ثقافة وفن – سوريتي http://www.souriyati.com موقع سوري الكتروني لكل السوريين Mon, 11 Nov 2019 11:29:00 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=4.9.12 133809177 أصدر 15 كتابا وواجه الموت على الجبال.. متتبعا شغفه تنقل العراقي باسم فرات بين 39 بلدا مترحلا بين الأصقاع http://www.souriyati.com/2019/11/11/127042.html Mon, 11 Nov 2019 10:44:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/11/11/127042.html

صدام أبو مازن-صنعاء

باسم فرات شاعر ورحالة ومصور فوتوغرافي، غادر العراق مبكرا جهة الأردن في أوائل التسعينيات بعد أن أنهى الخدمة العسكرية، وقاده شغف دفين للسفر بين العوالم ظل محبوسا بين جوانحه، لم يجرؤ أن يبوح به حتى لأقرب الأقربين له، بسبب ظروف مادية واجتماعية قاسية.

بعد أربع سنوات قضاها في الأردن منح حق اللجوء إلى نيوزيلندا، وهنا بدأت مغامرات باسم فرات الذي زار حتى الآن (39) بلدا، مترحلا بين الأصقاع، متسلقا الجبال، موغلا في الغابات، متواصلا مع الثقافات والحضارات واللغات والإثنيات ومتأملا إلى أين تمضي حكاية هذا الإنسان في عمارة الأمكنة وتدميرها في الآن نفسه.

شغف السفر والكتابة لا يزال حافزا له لاكتشاف بلدانا بكرا جديدة، ويبدو أن وجهته الحالية أفريقية، لينهي ما كان بدأه مؤخرا من مغامرة في بلاد أعالي النيل كانت حصيلتها كتابا خامسا له في "أدب الرحلات" صدر حديثا بعنوان "لؤلؤة واحدة وألف تل.. رحلات بلاد أعالي النيل" 2019، سبقته أربعة كتب هي على التوالي "مسافر مقيم.. عامان في أعماق الإكوادور"، و"الحلم البوليفاري.. رحلة كولومبيا الكبرى"، و"لا عشبة عند ماهوتا.. من منائر بابل إلى جنوب الجنوب" 2017، و"طواف بوذا.. رحلاتي إلى جنوب شرق آسيا" 2019.

ولا يتوقف باسم فرات في تدوين رحلاته ومغامراته حول العالم في كتب، لكنه بالمقابل يكتب هوسه بالمكان شعرا، وقبل أيام فقط صدر له عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوانه الشعري التاسع بعنوان "مبكرا في صباح بعيد".

شغف منذ الطفولة متذكرا المغامرة الأولى التي ترك فيها العراق وصولا إلى الأردن في 23 أبريل/نيسان 1993 يقول باسم فرات للجزيرة نت "كان الترحال شغفي منذ طفولتي، ولكن ظروفي المادية والاجتماعية منعتني من التصريح به لأقرب المقربين لي".

هجرة الأردن -التي استمرت أربع سنوات و26 يوما- توجت بحصول باسم فرات على اللجوء إلى نيوزيلندا، دون أن يدري أن قدميه تنزلقان به في أنحاء مترامية على هذه الأرض، وأن بلدانا تتناثر على خريطة شغفه بالمكان تنتظره لاكتشاف الدهشة ولمواجهة غير محسوبة مع الموت دافعها الوحيد هوس الترحال وعشق المكان الذي في البعيد. يقول فرات عن محطته الثانية (نيوزيلندا) "أقمت بها لثماني سنوات وعشرة أسابيع، وأستطيع القول إنني شاهدت جميع مدنها وبلداتها وقصباتها ومناطقها الجغرافية".

إلى هيروشيما بعد الإقامة في نيوزيلندا شاءت الظروف أن ينتقل باسم فرات إلى هيروشيما في اليابان في يوليو/تموز 2005، وتزامن ذلك مع ترتيبات لإحياء الذكرى الستين لإلقاء قنبلة هيروشيما "هنا كانت بداية حقيقية للسفر والتنقل والبحث المعرفي والاكتشاف الثقافي" يقول باسم.

زار الشاعر والرحالة باسم فرات من البلدان العربية سوريا، الأردن، الإمارات، قطر، البحرين، مصر، السودان، لبنان، تونس، ومن البلدان الآسيوية زي الجديدة (نيوزيلندا)، اليابان، أستراليا، تايوان، كوريا الجنوبية، لاوس، ميانمار، كمبوديا، فيتنام، تايلند، الصين وجنوب الصين بالتحديد، سنغافورة، ماليزيا، الهند.

وفي أميركا الجنوبية: الإكوادور، البيرو، كولومبيا، أما بلدان أفريقيا فزار إثيوبيا، كينيا، موزمبيق، رواندا، أوغندا، وفي القارة الأوروبية زار فرات هولندا، إسبانيا، إنجلترا، أسكتلندا، كرواتيا، الجبل الأسود، البوسنة والهرسك، تركيا.

وثمة مدن تنتظر، وثمة مطارات وقطارات وأرصفة ومعابد وأسواق وغابات وحكايات تغازل شاعرا مهووسا بالأمكنة وغموضها، ولعل باسم فرات في هذه الأثناء يكتب قصيدته على حافة نهر، أو توثق عدسته مشهدا من حياة البرية أو رقصة طائر حزين على غصن شجرة تهزها الريح.

بلدان الهامش يهتم باسم فرات باكتشاف جغرافيات مهملة وبلدانا تعيش في الهامش، فهو حتى الآن لم يزر أميركا أو عواصم المركز الأوروبي ومدن المركز المضيئة الصاخبة باستثناءات قليلة. وفي هذا الصدد، يقول باسم فرات إن لدينا في الكتابة مصطلحا اسمه "الحرق"، فنقول هذا الكاتب حرق سيرته الذاتية لأنه ذكر تفاصيلها كاملة في حواراته وكتاباته، بحيث لو كتبها في كتاب فلن يجد القارئ دهشة معرفية، والسبب أن كل ما يقرؤه في كتاب السيرة الذاتية قرأه سابقا في كتابات الكاتب نفسه.

بعيدا عن برلين وباريس ومستدركا، يتابع فرات بقوله إنه كذلك في الأمكنة، فمدن مثل باريس ولندن وبرلين ونيويورك وسواها من المدن الغربية استهلكت وأحرقت بسبب كثرة الشعراء والأدباء الذين زاروها وسكنوها وكتبوا عنها، فضلا عن ترددها الدائم في وسائل الإعلام العربية. ومن هنا يفضل الأمكنة البكر التي نادرا ما سكنها أو زارها أدباء، مثل نيوزيلندا، وهيروشيما "بوصفي سكنتها لثلاثة أعوام" وجمهورية لاوس (بلد غير ساحلي في قلب شبه الجزيرة الهند الصينية وصله فرات يوم 31 يوليو/تموز 2008) ومناطق نائية من تايلند وفيتنام وكمبوديا وميانمار، بل حتى الصين، لكنه لم يزر بكين والمدن الكبرى، بل زار أطرافها النائية المجاورة للاوس.

هذه الأمكنة فيها سحر الغموض، والاكتشاف البكر، فضلا عن ثراء ثقافي، ومنحتني شعريا الكثير مثلما حفزتني لتأليف خمسة كتب في أدب الرحلات والقادم أكبر مثلما آمل، كما يقول.

الشعر والكتابة بدأ باسم فرات بكتابة الشعر وهو في الابتدائية، ويقول عن البدايات: كنت قارئا نهما وما زلت، وكنت أحب معرفة التكوين الثقافي لكل شاعر وأديب ومفكر أعجب بكتاباته، فأذهلني طرفة بن العبد بسلوكه المختلف، وكذلك الصعاليك، وشغف المتنبي بالبحث عن الذات كما أرى، وكنت أحلم أن أزور الأماكن التي ترعرع فيها الشعراء والفلاسفة والكتاب أو زاروها، لكن صراع التفرد في داخلي انتصر، إذ لا أحب التقليد في الكتابة والقراءة والسلوك.

رحلات معرفية وجمالية 39 بلدا زارها الرحالة باسم فرات وكتب عنها، إنها تجربة مثيرة حتما، وهنا يشير باسم إلى أن رحلاته هناك معرفية جمالية بالمقام الأول، وأثرته ليس بمعلومات عن هذه البلدان وشعوبها وثقافاتها إنما عن العالم العربي ومفاهيم مثل الفرق بين القومية والإثنية والكتابة والتدوين، حيث كتب موضحا الفرق "فكل عرق وإثنية وقومية لها لغتها، ولكن لا يمكن لإثنية أن ترتقي لمرحلة القومية إذا لم تجمعها لغة معيارية واحدة تحوي على عدد كبير من الكتب والموسوعات التي مر على تدوينها مئات السنين أو كحد أدنى أكثر من 200 سنة".

ويتابع فرات "لأن الذاكرة الجمعية لكل مجموعة لغوية لا تستقر وتنشط إلا بعد مرور سبعة أجيال إن لم يكن عشرة أجيال، وكل جيل هو 30 سنة".

ويرى أن الأقوام التي ظهرت على مسرح التاريخ قديما مثل السومريين والأكديين والآشوريين والكشيين والحثيين والميديين ورثتهم الشرعيون كل شعوب المنطقة، حيث إن "من يحاول أن ينسب نفسه وقومه فقط لتلك الأقوام العتيقة أو بعضها أو من ينسب مدنا تاريخية له وحده ولا يملك تراثا تدوينيا فيها يمتد لعدة قرون سبقت الحرب العالمية الأولى فهو عنصري إلغائي إقصائي استحواذي، هذا مثال على ما أضافته لي هذه الرحلات" حسب تعبيره.

لا كنّاس في هيروشيما لم تكن مغامرات باسم فرات ورحلاته من بلد لبلد ومن مدينة لأخرى مفروشة بالورود، فهناك أماكن كانت رحلة اكتشافها مضنية، وأخرى اتسمت بيوميات جميلة. و يقول فرات "إقامتي في هيروشيما كانت الأجمل، لأني لأول مرة أختار بلدا، ولا أكون فيه لاجئا أو مطاردا بوصفي متجاوزا للإقامة ولا يحق لي العمل".

ويضيف عن رحلة هيروشيما: عشت متفرغا للشعر والقراءة، ولكن أكثر ما أحببته في هيروشيما خروج الناس في الصباح الباكر لتنظيف شوارع وأرصفة وأزقة وحدائق مناطق سكناهم أي حاراتهم، لم أرَ كناسا فيها، وهذا عندي قمة الرقي والجمال والتحضر.

ليلة الموت في جبال الإكوادور اشتبك باسم فرات غير مرة مع الموت، ولا ينسى باسم جبال غواغوا بيتشينتشا التي عاد منها للحياة بعد أن ظن أنه هالك لا محالة على ارتفاع 4700 متر فوق مستوى سطح البحر، في ذروة الليل ولا أحد بالجوار، حيث انعدم الأكسجين واشتد الصقيع، معتبرا تلك الليلة العصيبة لرحالة مغامر في جبال ذات تضاريس قاسية أصعب ليلة في حياته.

يشار إلى أن جبال غواغوا بيتشينتشا تقع في كيتو- الإكوادور وتطل على العاصمة كيتو، وقد زار فرات الإكوادور عامي 2011 و2014.

ويتذكر باسم "كنت جالسا في شرفة بيتي هناك في كيتو وهذه الجبال أمامي أتأملها كل يوم فقررت أن أتسلقها، كبرت الفكرة في داخلي وكانت رحلة عجائبية وصلت فيها للموت".

قصة لكل بلد كيف يخطط الرحالة باسم فرات لزيارة بلد ما؟ يجيب عن هذا السؤال بالقول إن لكل بلد تجربته وقصته، ويوضح "أحيانا العمل يأخذني إليه أو مؤتمر فأستغلها فرصها فأطيل إقامتي ولكن هنا أنتقل من فندق 4 أو 5 نجوم إلى نُزل بسيط جدا، وأدخل عادة للبلدان بلا قراءة ومعلومات، كي لا أجعل قراءاتي تسيرني، وإنما أنا أكتشف المكان بنفسي، ولكني أحرص وأنا هناك على اقتناء كتب ومنشورات تخص البلد، وحين عودتي أقرأ وأبحث في تاريخ البلد الثقافي والاجتماعي وجغرافيته".

تدوين مؤقت بفيسبوك أما مشاهداته على هامش يوميات السفر ومغامرات اكتشاف أماكن جديدة فيكتبها مبدئيا في منشورات تفاعلية في صفحته على فيسبوك، لكن كل منشور من كلمات محدودة سيتسع لاحقا ليصبح حيزا كبيرا من كتاب.

يقول باسم: ما أنشره في متصفحي في كتاب الوجه (فيسبوك) هو رؤوس أقلام لأني حين عودتي أقوم بتحريرها وإضافات قد تصل إلى عشرات المرات أكبر بعدد كلماتها، في أثناء التجوال في الغابات والجبال والمتاحف وغير ذلك أدون ملاحظات، وفي كثير من الأحيان إذا حانت الفرصة أنشر أو أنتظر حتى عودتي للنُزل وهناك أدون وأنشر بعضها، وبعض الملاحظات أحتفظ بها إلى حين عودتي حيث تكون مادة خصبة لتدوين الكتاب، كما إنني بوصفي مصورا فوتوغرافيا محترفا تساعدني الصور كثيرا في إعادة إنتاج مشاهداتي إن صح التعبير أو في التوغل في التفاصيل.

ويرى باسم فرات أن "أدب الرحلة" عربيا بدأ ينتعش خلال الأعوام الأخيرة، وعن علاقته بالمكان (تجربة الكتابة شعرا- تجوالا/ ثنائية الشعر والسفر) يؤكد أن كثرة أسفاره ألقت بظلالها على قصائده، وقد أصبح المكان يشكل حيزا واضحا في تجربته الشعرية حتى أن رسالة ماجستير تناولت "المكان في شعر باسم فرات" في جامعة بابل بالعراق.

باتجاه منابع النيل الأزرق وعن وجهته المقبلة (البلد رقم 40 الذي ينتظره)، قال فرات "على الأرجح دول أفريقية، لأني أحلم بالوصول إلى منابع النيل الأزرق بعد أن وصلت إلى منابع النيل الأبيض، وإلى ملتقى النيلين حيث أقيم منذ أعوام، ومصب نهر النيل في دمياط ورشيد، كما أحلم بالتوغل في أفريقيا أكثر لأنها كنز ومتحف مذهل ومدهش".

سيرة ترجمت أعمال باسم فرات إلى لغات عدة، منها الإنجليزية التي صدرت له بها ثلاث مجموعات شعرية، والإسبانية التي صدرت له بها مجموعة شعرية واحدة، فضلا عن لغات أخرى، مثل الألمانية والرومانية والفارسية والصينية واليابانية.

وأصدر فرات ديوانه الشعري الأول "أشد الهديل" عام 1999 عن دار ألواح في مدريد، والثاني "خريف المآذن" 2002 عن دار أزمنة في عمّان، والثالث "أنا ثانية" 2006 عن منشورات بابل، زيورخ- بغداد، والرابع "بلوغ النهر" 2012 عن الحضارة للنشر في القاهرة، ثم "أشهق بأسلافي وأبتسم" 2014 عن ذات الدار، و"أهـز النسيان" 2017 عن صهيل للنشر بالقاهرة، وعن نفس الدار صدر له "محبرة الرعاة" 2017، وكذلك "فأس تطعن الصباح".

كما أصدر ثلاثة كتب مختارات شعرية، وكتاب سيرة "دموع الكتابة.. مقالات في السيرة والتجربة" 2013.

]]>

صدام أبو مازن-صنعاء

باسم فرات شاعر ورحالة ومصور فوتوغرافي، غادر العراق مبكرا جهة الأردن في أوائل التسعينيات بعد أن أنهى الخدمة العسكرية، وقاده شغف دفين للسفر بين العوالم ظل محبوسا بين جوانحه، لم يجرؤ أن يبوح به حتى لأقرب الأقربين له، بسبب ظروف مادية واجتماعية قاسية.

بعد أربع سنوات قضاها في الأردن منح حق اللجوء إلى نيوزيلندا، وهنا بدأت مغامرات باسم فرات الذي زار حتى الآن (39) بلدا، مترحلا بين الأصقاع، متسلقا الجبال، موغلا في الغابات، متواصلا مع الثقافات والحضارات واللغات والإثنيات ومتأملا إلى أين تمضي حكاية هذا الإنسان في عمارة الأمكنة وتدميرها في الآن نفسه.

شغف السفر والكتابة لا يزال حافزا له لاكتشاف بلدانا بكرا جديدة، ويبدو أن وجهته الحالية أفريقية، لينهي ما كان بدأه مؤخرا من مغامرة في بلاد أعالي النيل كانت حصيلتها كتابا خامسا له في "أدب الرحلات" صدر حديثا بعنوان "لؤلؤة واحدة وألف تل.. رحلات بلاد أعالي النيل" 2019، سبقته أربعة كتب هي على التوالي "مسافر مقيم.. عامان في أعماق الإكوادور"، و"الحلم البوليفاري.. رحلة كولومبيا الكبرى"، و"لا عشبة عند ماهوتا.. من منائر بابل إلى جنوب الجنوب" 2017، و"طواف بوذا.. رحلاتي إلى جنوب شرق آسيا" 2019.

ولا يتوقف باسم فرات في تدوين رحلاته ومغامراته حول العالم في كتب، لكنه بالمقابل يكتب هوسه بالمكان شعرا، وقبل أيام فقط صدر له عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوانه الشعري التاسع بعنوان "مبكرا في صباح بعيد".

شغف منذ الطفولة متذكرا المغامرة الأولى التي ترك فيها العراق وصولا إلى الأردن في 23 أبريل/نيسان 1993 يقول باسم فرات للجزيرة نت "كان الترحال شغفي منذ طفولتي، ولكن ظروفي المادية والاجتماعية منعتني من التصريح به لأقرب المقربين لي".

هجرة الأردن -التي استمرت أربع سنوات و26 يوما- توجت بحصول باسم فرات على اللجوء إلى نيوزيلندا، دون أن يدري أن قدميه تنزلقان به في أنحاء مترامية على هذه الأرض، وأن بلدانا تتناثر على خريطة شغفه بالمكان تنتظره لاكتشاف الدهشة ولمواجهة غير محسوبة مع الموت دافعها الوحيد هوس الترحال وعشق المكان الذي في البعيد. يقول فرات عن محطته الثانية (نيوزيلندا) "أقمت بها لثماني سنوات وعشرة أسابيع، وأستطيع القول إنني شاهدت جميع مدنها وبلداتها وقصباتها ومناطقها الجغرافية".

إلى هيروشيما بعد الإقامة في نيوزيلندا شاءت الظروف أن ينتقل باسم فرات إلى هيروشيما في اليابان في يوليو/تموز 2005، وتزامن ذلك مع ترتيبات لإحياء الذكرى الستين لإلقاء قنبلة هيروشيما "هنا كانت بداية حقيقية للسفر والتنقل والبحث المعرفي والاكتشاف الثقافي" يقول باسم.

زار الشاعر والرحالة باسم فرات من البلدان العربية سوريا، الأردن، الإمارات، قطر، البحرين، مصر، السودان، لبنان، تونس، ومن البلدان الآسيوية زي الجديدة (نيوزيلندا)، اليابان، أستراليا، تايوان، كوريا الجنوبية، لاوس، ميانمار، كمبوديا، فيتنام، تايلند، الصين وجنوب الصين بالتحديد، سنغافورة، ماليزيا، الهند.

وفي أميركا الجنوبية: الإكوادور، البيرو، كولومبيا، أما بلدان أفريقيا فزار إثيوبيا، كينيا، موزمبيق، رواندا، أوغندا، وفي القارة الأوروبية زار فرات هولندا، إسبانيا، إنجلترا، أسكتلندا، كرواتيا، الجبل الأسود، البوسنة والهرسك، تركيا.

وثمة مدن تنتظر، وثمة مطارات وقطارات وأرصفة ومعابد وأسواق وغابات وحكايات تغازل شاعرا مهووسا بالأمكنة وغموضها، ولعل باسم فرات في هذه الأثناء يكتب قصيدته على حافة نهر، أو توثق عدسته مشهدا من حياة البرية أو رقصة طائر حزين على غصن شجرة تهزها الريح.

بلدان الهامش يهتم باسم فرات باكتشاف جغرافيات مهملة وبلدانا تعيش في الهامش، فهو حتى الآن لم يزر أميركا أو عواصم المركز الأوروبي ومدن المركز المضيئة الصاخبة باستثناءات قليلة. وفي هذا الصدد، يقول باسم فرات إن لدينا في الكتابة مصطلحا اسمه "الحرق"، فنقول هذا الكاتب حرق سيرته الذاتية لأنه ذكر تفاصيلها كاملة في حواراته وكتاباته، بحيث لو كتبها في كتاب فلن يجد القارئ دهشة معرفية، والسبب أن كل ما يقرؤه في كتاب السيرة الذاتية قرأه سابقا في كتابات الكاتب نفسه.

بعيدا عن برلين وباريس ومستدركا، يتابع فرات بقوله إنه كذلك في الأمكنة، فمدن مثل باريس ولندن وبرلين ونيويورك وسواها من المدن الغربية استهلكت وأحرقت بسبب كثرة الشعراء والأدباء الذين زاروها وسكنوها وكتبوا عنها، فضلا عن ترددها الدائم في وسائل الإعلام العربية. ومن هنا يفضل الأمكنة البكر التي نادرا ما سكنها أو زارها أدباء، مثل نيوزيلندا، وهيروشيما "بوصفي سكنتها لثلاثة أعوام" وجمهورية لاوس (بلد غير ساحلي في قلب شبه الجزيرة الهند الصينية وصله فرات يوم 31 يوليو/تموز 2008) ومناطق نائية من تايلند وفيتنام وكمبوديا وميانمار، بل حتى الصين، لكنه لم يزر بكين والمدن الكبرى، بل زار أطرافها النائية المجاورة للاوس.

هذه الأمكنة فيها سحر الغموض، والاكتشاف البكر، فضلا عن ثراء ثقافي، ومنحتني شعريا الكثير مثلما حفزتني لتأليف خمسة كتب في أدب الرحلات والقادم أكبر مثلما آمل، كما يقول.

الشعر والكتابة بدأ باسم فرات بكتابة الشعر وهو في الابتدائية، ويقول عن البدايات: كنت قارئا نهما وما زلت، وكنت أحب معرفة التكوين الثقافي لكل شاعر وأديب ومفكر أعجب بكتاباته، فأذهلني طرفة بن العبد بسلوكه المختلف، وكذلك الصعاليك، وشغف المتنبي بالبحث عن الذات كما أرى، وكنت أحلم أن أزور الأماكن التي ترعرع فيها الشعراء والفلاسفة والكتاب أو زاروها، لكن صراع التفرد في داخلي انتصر، إذ لا أحب التقليد في الكتابة والقراءة والسلوك.

رحلات معرفية وجمالية 39 بلدا زارها الرحالة باسم فرات وكتب عنها، إنها تجربة مثيرة حتما، وهنا يشير باسم إلى أن رحلاته هناك معرفية جمالية بالمقام الأول، وأثرته ليس بمعلومات عن هذه البلدان وشعوبها وثقافاتها إنما عن العالم العربي ومفاهيم مثل الفرق بين القومية والإثنية والكتابة والتدوين، حيث كتب موضحا الفرق "فكل عرق وإثنية وقومية لها لغتها، ولكن لا يمكن لإثنية أن ترتقي لمرحلة القومية إذا لم تجمعها لغة معيارية واحدة تحوي على عدد كبير من الكتب والموسوعات التي مر على تدوينها مئات السنين أو كحد أدنى أكثر من 200 سنة".

ويتابع فرات "لأن الذاكرة الجمعية لكل مجموعة لغوية لا تستقر وتنشط إلا بعد مرور سبعة أجيال إن لم يكن عشرة أجيال، وكل جيل هو 30 سنة".

ويرى أن الأقوام التي ظهرت على مسرح التاريخ قديما مثل السومريين والأكديين والآشوريين والكشيين والحثيين والميديين ورثتهم الشرعيون كل شعوب المنطقة، حيث إن "من يحاول أن ينسب نفسه وقومه فقط لتلك الأقوام العتيقة أو بعضها أو من ينسب مدنا تاريخية له وحده ولا يملك تراثا تدوينيا فيها يمتد لعدة قرون سبقت الحرب العالمية الأولى فهو عنصري إلغائي إقصائي استحواذي، هذا مثال على ما أضافته لي هذه الرحلات" حسب تعبيره.

لا كنّاس في هيروشيما لم تكن مغامرات باسم فرات ورحلاته من بلد لبلد ومن مدينة لأخرى مفروشة بالورود، فهناك أماكن كانت رحلة اكتشافها مضنية، وأخرى اتسمت بيوميات جميلة. و يقول فرات "إقامتي في هيروشيما كانت الأجمل، لأني لأول مرة أختار بلدا، ولا أكون فيه لاجئا أو مطاردا بوصفي متجاوزا للإقامة ولا يحق لي العمل".

ويضيف عن رحلة هيروشيما: عشت متفرغا للشعر والقراءة، ولكن أكثر ما أحببته في هيروشيما خروج الناس في الصباح الباكر لتنظيف شوارع وأرصفة وأزقة وحدائق مناطق سكناهم أي حاراتهم، لم أرَ كناسا فيها، وهذا عندي قمة الرقي والجمال والتحضر.

ليلة الموت في جبال الإكوادور اشتبك باسم فرات غير مرة مع الموت، ولا ينسى باسم جبال غواغوا بيتشينتشا التي عاد منها للحياة بعد أن ظن أنه هالك لا محالة على ارتفاع 4700 متر فوق مستوى سطح البحر، في ذروة الليل ولا أحد بالجوار، حيث انعدم الأكسجين واشتد الصقيع، معتبرا تلك الليلة العصيبة لرحالة مغامر في جبال ذات تضاريس قاسية أصعب ليلة في حياته.

يشار إلى أن جبال غواغوا بيتشينتشا تقع في كيتو- الإكوادور وتطل على العاصمة كيتو، وقد زار فرات الإكوادور عامي 2011 و2014.

ويتذكر باسم "كنت جالسا في شرفة بيتي هناك في كيتو وهذه الجبال أمامي أتأملها كل يوم فقررت أن أتسلقها، كبرت الفكرة في داخلي وكانت رحلة عجائبية وصلت فيها للموت".

قصة لكل بلد كيف يخطط الرحالة باسم فرات لزيارة بلد ما؟ يجيب عن هذا السؤال بالقول إن لكل بلد تجربته وقصته، ويوضح "أحيانا العمل يأخذني إليه أو مؤتمر فأستغلها فرصها فأطيل إقامتي ولكن هنا أنتقل من فندق 4 أو 5 نجوم إلى نُزل بسيط جدا، وأدخل عادة للبلدان بلا قراءة ومعلومات، كي لا أجعل قراءاتي تسيرني، وإنما أنا أكتشف المكان بنفسي، ولكني أحرص وأنا هناك على اقتناء كتب ومنشورات تخص البلد، وحين عودتي أقرأ وأبحث في تاريخ البلد الثقافي والاجتماعي وجغرافيته".

تدوين مؤقت بفيسبوك أما مشاهداته على هامش يوميات السفر ومغامرات اكتشاف أماكن جديدة فيكتبها مبدئيا في منشورات تفاعلية في صفحته على فيسبوك، لكن كل منشور من كلمات محدودة سيتسع لاحقا ليصبح حيزا كبيرا من كتاب.

يقول باسم: ما أنشره في متصفحي في كتاب الوجه (فيسبوك) هو رؤوس أقلام لأني حين عودتي أقوم بتحريرها وإضافات قد تصل إلى عشرات المرات أكبر بعدد كلماتها، في أثناء التجوال في الغابات والجبال والمتاحف وغير ذلك أدون ملاحظات، وفي كثير من الأحيان إذا حانت الفرصة أنشر أو أنتظر حتى عودتي للنُزل وهناك أدون وأنشر بعضها، وبعض الملاحظات أحتفظ بها إلى حين عودتي حيث تكون مادة خصبة لتدوين الكتاب، كما إنني بوصفي مصورا فوتوغرافيا محترفا تساعدني الصور كثيرا في إعادة إنتاج مشاهداتي إن صح التعبير أو في التوغل في التفاصيل.

ويرى باسم فرات أن "أدب الرحلة" عربيا بدأ ينتعش خلال الأعوام الأخيرة، وعن علاقته بالمكان (تجربة الكتابة شعرا- تجوالا/ ثنائية الشعر والسفر) يؤكد أن كثرة أسفاره ألقت بظلالها على قصائده، وقد أصبح المكان يشكل حيزا واضحا في تجربته الشعرية حتى أن رسالة ماجستير تناولت "المكان في شعر باسم فرات" في جامعة بابل بالعراق.

باتجاه منابع النيل الأزرق وعن وجهته المقبلة (البلد رقم 40 الذي ينتظره)، قال فرات "على الأرجح دول أفريقية، لأني أحلم بالوصول إلى منابع النيل الأزرق بعد أن وصلت إلى منابع النيل الأبيض، وإلى ملتقى النيلين حيث أقيم منذ أعوام، ومصب نهر النيل في دمياط ورشيد، كما أحلم بالتوغل في أفريقيا أكثر لأنها كنز ومتحف مذهل ومدهش".

سيرة ترجمت أعمال باسم فرات إلى لغات عدة، منها الإنجليزية التي صدرت له بها ثلاث مجموعات شعرية، والإسبانية التي صدرت له بها مجموعة شعرية واحدة، فضلا عن لغات أخرى، مثل الألمانية والرومانية والفارسية والصينية واليابانية.

وأصدر فرات ديوانه الشعري الأول "أشد الهديل" عام 1999 عن دار ألواح في مدريد، والثاني "خريف المآذن" 2002 عن دار أزمنة في عمّان، والثالث "أنا ثانية" 2006 عن منشورات بابل، زيورخ- بغداد، والرابع "بلوغ النهر" 2012 عن الحضارة للنشر في القاهرة، ثم "أشهق بأسلافي وأبتسم" 2014 عن ذات الدار، و"أهـز النسيان" 2017 عن صهيل للنشر بالقاهرة، وعن نفس الدار صدر له "محبرة الرعاة" 2017، وكذلك "فأس تطعن الصباح".

كما أصدر ثلاثة كتب مختارات شعرية، وكتاب سيرة "دموع الكتابة.. مقالات في السيرة والتجربة" 2013.

]]>
127042
عبدالرزاق دحنون: الشعب يشتم أم الزعيم في مثلثها المتساوي الساقين http://www.souriyati.com/2019/11/08/127013.html Fri, 08 Nov 2019 17:14:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/11/08/127013.html القصة القصيرة جداً هي قصة على كل حال، وهي تنجح وتجد لها مطرحاً بين فنون القص عندما تجمع في سطورها القليلة لغة رشيقة متينة. ينقل المؤلف بضاعته من الحكايات على ظهر اللغة العربية. حزينة، فرحة، لا فرق، المهم أن تترك هذه الحكايات تأثيراً حسناً في وجدان القارئ. فهل استطاع القاص السوري عمّار الأمير في مجموعته من القصص القصيرة جداً الصادرة حديثاً عن دار ميسلون للطباعة والنشر والتوزيع تحت عنوان "شتيمة موصوفة" أن يقدم لنا قصة قصيرة جداً ممتعة وشيقة. أعتقد أنه قد فعل، وها هي المجموعة أمامنا في مئة صفحة ضمت عناوين ثلاثة وستين قصة قصيرة جداً. تُكرس هذه القصص نفسها لرصد ومضات من حياتنا في هذه السنوات العجاف التي مرت على وطننا. سنوات الحرب السورية التي صنعت لنا حاضراً جديداً وأنتجت لنا علاقات متشابكة أراد عمّار الأمير تفكيكها ليخلق منها عالماً من تفاصيل صغيرة فصيحة أربكت البشر في علاقاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هذه الحرب الضروس التي طحنت رحاها البشر والحجر والشجر. يقول في قصة الخيمة الدفتر: زرت مخيماً تناثرت خيماته تحت أشجار الزيتون. كان المخيم فقيراً، قالوا لي إنّ القائم عليه صار غنياً! وقفت أمام طفل صغير حالم، غطت قماش خيمته رسوم، وأحرف عربية، وأجنبية. سألته: بماذا تحلم؟ قال: أريد أن تجف لعبتي التي يمسكها ملقط غسيل من أذنيها، وأريد ناراً تصنع قهوة لأبي، وأريد دفتراً أقلب صفحاته، كرهت الكتابة على قماش الخيمة. خفت أن تجرحه دموعي؛ فخرجت من المخيم مسرعاً تاركاً قلبي هناك. تناهى إلى مسمعي-بعد فترة- خبر احتراق الخيمة الدفتر في المخيم، والسبب: طفل أشعل ناراً؛ ليصنع قهوة لأبيه الذي أصيب جراء الحرب. يشتغل عمّار الأمير على مهل في نسج لوحات من مخيلة ثرَّة، تميل في نهجها نحو الواقعية النقدية وتأخذ بدلالات وصور الداخل السوري على نحو واضح، مما يسبغ على السرد كله طابعاً أنيقاً يميزه عن غيره ويهيئ له مكاناً في زحمة المشتغلين بهذا الفن الأدبي. اللافت في سرد القصص القصيرة جداً عناية القاص باختيار المفردات الأغنى والأليق للتعبير وإنشائه للجملة التي تكسر رتابة النثر من جهة وتُنجز الصورة الأعمق والأوضح في رسم الموقف من جهة ثانية. لنأخذ مثالاً قصة "على كومة تراب": رفع طفل كفه وهي مفتوحة. على يمينه طفلة خجلى تنفض يدها من التراب. وعلى يساره طفل يصنع إشارة نصر بإصبعيه. يلتفون ثلاثتهم حول طفلة لم تصنع أي إشارة؛ لأنها تشعر بآلام وخدر في موضع يدها التي بترت! كانوا أربعة أطفال في صورة. قصة " شتيمة موصوفة" والتي حملت المجموعة اسمها جاءت على الشكل التالي: لم أُحيِّ، ولن أُحِّيَ البطن الذي حملك يا سيدي الزعيم؛ لأني أخاف لكثرة بطولاتك أن تتطور تحيتي، فأُحيي النافذة التي أشرقت منها على العالم، تلك التي تقع أسفل بطن من أنجبتك، فتعتبرها شتيمة موصوفة يا سيدي الزعيم. اربكتني الجمل التي تشرح ما لا يشرح. نافذة، أشرقت، تلك التي تقع أسفل بطن من انجبتك، لماذا هذا يا عمَّار، لو كان الجاحظ حياً لكتبها كما يجب أن تكتب ولو كان فيها قلَّة أدب: لم أُحيِّ، ولن أُحِّيَ البطن الذي حملك يا سيدي الزعيم؛ لأني أخاف لكثرة بطولاتك أن تتطور تحيتي، فأُحيي "ك س أمك" فتعتبرها شتيمة موصوفة يا سيدي الزعيم. انظر إلى جمال هذا التعبير الذي أصاب الهدف مباشرة دون لفِّ أو دوران، ولكن المؤلف كان مؤدباً في استعمال تعابيره، فهذَّب اللفظ خوفاً من الرقيب المؤدب جداً، فاحتال وعمّى ثمَّ شرح حتى يصل إلى صيغة مقبولة، ولكنها مربكة كثيراً، وما كان له أن يغفل عن أن الجاحظ سمح بذلك في مؤلفاته. تحميل المجموعة القصصية "شتيمة موصوفة" عمَّار الأمير الصادرة حديتاً عن دار ميسلون للطباعة والنشر والتوزيع: https://www.maysaloon.com/wp-content/uploads/2019/09/%D9%85%D9%88%D8%B5%D9%88%D9%81%D8%A9.pdf]]> القصة القصيرة جداً هي قصة على كل حال، وهي تنجح وتجد لها مطرحاً بين فنون القص عندما تجمع في سطورها القليلة لغة رشيقة متينة. ينقل المؤلف بضاعته من الحكايات على ظهر اللغة العربية. حزينة، فرحة، لا فرق، المهم أن تترك هذه الحكايات تأثيراً حسناً في وجدان القارئ. فهل استطاع القاص السوري عمّار الأمير في مجموعته من القصص القصيرة جداً الصادرة حديثاً عن دار ميسلون للطباعة والنشر والتوزيع تحت عنوان "شتيمة موصوفة" أن يقدم لنا قصة قصيرة جداً ممتعة وشيقة. أعتقد أنه قد فعل، وها هي المجموعة أمامنا في مئة صفحة ضمت عناوين ثلاثة وستين قصة قصيرة جداً. تُكرس هذه القصص نفسها لرصد ومضات من حياتنا في هذه السنوات العجاف التي مرت على وطننا. سنوات الحرب السورية التي صنعت لنا حاضراً جديداً وأنتجت لنا علاقات متشابكة أراد عمّار الأمير تفكيكها ليخلق منها عالماً من تفاصيل صغيرة فصيحة أربكت البشر في علاقاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هذه الحرب الضروس التي طحنت رحاها البشر والحجر والشجر. يقول في قصة الخيمة الدفتر: زرت مخيماً تناثرت خيماته تحت أشجار الزيتون. كان المخيم فقيراً، قالوا لي إنّ القائم عليه صار غنياً! وقفت أمام طفل صغير حالم، غطت قماش خيمته رسوم، وأحرف عربية، وأجنبية. سألته: بماذا تحلم؟ قال: أريد أن تجف لعبتي التي يمسكها ملقط غسيل من أذنيها، وأريد ناراً تصنع قهوة لأبي، وأريد دفتراً أقلب صفحاته، كرهت الكتابة على قماش الخيمة. خفت أن تجرحه دموعي؛ فخرجت من المخيم مسرعاً تاركاً قلبي هناك. تناهى إلى مسمعي-بعد فترة- خبر احتراق الخيمة الدفتر في المخيم، والسبب: طفل أشعل ناراً؛ ليصنع قهوة لأبيه الذي أصيب جراء الحرب. يشتغل عمّار الأمير على مهل في نسج لوحات من مخيلة ثرَّة، تميل في نهجها نحو الواقعية النقدية وتأخذ بدلالات وصور الداخل السوري على نحو واضح، مما يسبغ على السرد كله طابعاً أنيقاً يميزه عن غيره ويهيئ له مكاناً في زحمة المشتغلين بهذا الفن الأدبي. اللافت في سرد القصص القصيرة جداً عناية القاص باختيار المفردات الأغنى والأليق للتعبير وإنشائه للجملة التي تكسر رتابة النثر من جهة وتُنجز الصورة الأعمق والأوضح في رسم الموقف من جهة ثانية. لنأخذ مثالاً قصة "على كومة تراب": رفع طفل كفه وهي مفتوحة. على يمينه طفلة خجلى تنفض يدها من التراب. وعلى يساره طفل يصنع إشارة نصر بإصبعيه. يلتفون ثلاثتهم حول طفلة لم تصنع أي إشارة؛ لأنها تشعر بآلام وخدر في موضع يدها التي بترت! كانوا أربعة أطفال في صورة. قصة " شتيمة موصوفة" والتي حملت المجموعة اسمها جاءت على الشكل التالي: لم أُحيِّ، ولن أُحِّيَ البطن الذي حملك يا سيدي الزعيم؛ لأني أخاف لكثرة بطولاتك أن تتطور تحيتي، فأُحيي النافذة التي أشرقت منها على العالم، تلك التي تقع أسفل بطن من أنجبتك، فتعتبرها شتيمة موصوفة يا سيدي الزعيم. اربكتني الجمل التي تشرح ما لا يشرح. نافذة، أشرقت، تلك التي تقع أسفل بطن من انجبتك، لماذا هذا يا عمَّار، لو كان الجاحظ حياً لكتبها كما يجب أن تكتب ولو كان فيها قلَّة أدب: لم أُحيِّ، ولن أُحِّيَ البطن الذي حملك يا سيدي الزعيم؛ لأني أخاف لكثرة بطولاتك أن تتطور تحيتي، فأُحيي "ك س أمك" فتعتبرها شتيمة موصوفة يا سيدي الزعيم. انظر إلى جمال هذا التعبير الذي أصاب الهدف مباشرة دون لفِّ أو دوران، ولكن المؤلف كان مؤدباً في استعمال تعابيره، فهذَّب اللفظ خوفاً من الرقيب المؤدب جداً، فاحتال وعمّى ثمَّ شرح حتى يصل إلى صيغة مقبولة، ولكنها مربكة كثيراً، وما كان له أن يغفل عن أن الجاحظ سمح بذلك في مؤلفاته. تحميل المجموعة القصصية "شتيمة موصوفة" عمَّار الأمير الصادرة حديتاً عن دار ميسلون للطباعة والنشر والتوزيع: https://www.maysaloon.com/wp-content/uploads/2019/09/%D9%85%D9%88%D8%B5%D9%88%D9%81%D8%A9.pdf]]> 127013 عرض وتحليل لكتاب جبال الأغاني والأنين ذكريات الجزء الأول للدكتور منير شحود بقلم الإعلامي شعبان عبود http://www.souriyati.com/2019/11/04/126938.html Mon, 04 Nov 2019 17:43:19 +0000 http://www.souriyati.com/?p=126938
كتاب جبال الأغاني والأنين لمنير شحود يأخذك بعيدًا جدا ، هو لوحة ملونة لكن من كلمات ، صائغ الذهب يشتغل بالذهب، والرسام بالريشة والألوان، لكن منير شحود اشتغل هذه اللوحة- الكتاب بالكلمات . القرية تغدو لوحة ، الوطن يغدو لوحة ، البيت ، الحقول ، كل شيء يرسمه بإتقان لكن من خلال الكلمات التي تأخذك إلى أقاص بعيدة في ذاكرتك: "في الوادي حيث تنفجر الينابيع وتتمايل الأغصان".. ثم "فوق الهضاب تدور القبرات محلقة في الهواء .....وحدها أزهار النرجس لا تخاف الشتاء" ليس الأمكنة فقط بل حتى تفاصيل حياتنا ، يجعلها ترتسم أمامنا كما لو أنها حصلت للتو حتى لو أختلفت العادات والأشخاص والأمكنة "تعود الحياة إلى المزارات في أيام الجمع ، رافقت أمي وباقي النساء لممارسة الطقوس الفريدة..." الكتاب ، المذكرات لم تتوقف عند المكان وأثره في تشكيل وعي منير شحود ، بل حتى مروره على الناس البسطاء ، الجيران ، الأب، الأخوة، وسرده حكاياتهم ، استفاد منها ليقول رأيًا وموقفًا في قضايا كبرى مثل الدين والتدين على سبيل المثال لكن بلغة رشيقة وسلسلة تستند الى التجربة وليس انطلاقًا من مواقف سياسية أو فلسفية مسبقة : "دفع حرمان النساء من التعامل مع الشؤون الدينية الى التعامل مع الدين بإحساس فطري صادق .. لم يقدسن النصوص". وبكل تأكيد لا يمكن لكتابة المذكرات أن تكتمل فصولها إذا لم تقف عند الأشخاص الأكثر حضورا في حياتنا ، أو سنوات عمرنا الأولى، سواء كانت الأم أو الأب: "كنت في الرابعة عشرة من عمري ولم يكن عقلي الصغير قادرا على تحمل كل ھذا الحزن الذي نخر في روحي، وبقيت فترة طويلة غير مصدق كیف یغیب من كان یشغل زوایا البیت بعنايته وسخطه، وتردد الجبال والوديان صدى مواويله وأمانيه. وحين أعدت بناء ضریحه مؤخرا، احترت ماذا سأكتب على شاهدة قبره، أردتها جملةوحیدة تعبر عن جوهر مواقفه فكانت: "قال الحق ولم تنصفه الحياة ... " الكتاب ليس الماضي فحسب، ليست الذكريات ، ليس جمال الأرض والقرية فقط بل هو سياسة وموقف أيضا، فما جرى من أحداث منذ بداية الثورة في سوريا ، كشفت لمنير شحود الكثير وربما أول ما كشفت معادن الأصدقاء والمعارف : "الى أن جاءت أحداث 2011 فانكشفت المواقف والقناعات ..." وبغض النظر عن كل التفاصيل التي وردت في الكتاب عن المكان وعلاقة الكتاب به، وبغض النظر أيضًا عن جمالية اللغة والبوح ، كان هناك خيطًا يجمع كل المذكرات وعموم فصول الكتاب ، أو لنقل ، مساراً بُنيت عليه كل ذكريات وانطباعات الكاتب ، هذا الخيط وهذا المسار يتجلى بالظروف الصعبة والتجربة الشخصية القاسية التي رافقت حياته منذ لحظة تشكل وعيه كطفل وحتى اليوم: "اعتدت الشقاء وصبرت عليه وكان حافزًا لا محبطًا ولا معيقا، وحملت آثاره في جسدي وفي نفسي". "جبال الأغاني والأنين" بوح مدهش لدرجة تعتقد أنه يتحدث عنك أو أنت من يتحدث...
Shaban Abboud
]]>
كتاب جبال الأغاني والأنين لمنير شحود يأخذك بعيدًا جدا ، هو لوحة ملونة لكن من كلمات ، صائغ الذهب يشتغل بالذهب، والرسام بالريشة والألوان، لكن منير شحود اشتغل هذه اللوحة- الكتاب بالكلمات . القرية تغدو لوحة ، الوطن يغدو لوحة ، البيت ، الحقول ، كل شيء يرسمه بإتقان لكن من خلال الكلمات التي تأخذك إلى أقاص بعيدة في ذاكرتك: "في الوادي حيث تنفجر الينابيع وتتمايل الأغصان".. ثم "فوق الهضاب تدور القبرات محلقة في الهواء .....وحدها أزهار النرجس لا تخاف الشتاء" ليس الأمكنة فقط بل حتى تفاصيل حياتنا ، يجعلها ترتسم أمامنا كما لو أنها حصلت للتو حتى لو أختلفت العادات والأشخاص والأمكنة "تعود الحياة إلى المزارات في أيام الجمع ، رافقت أمي وباقي النساء لممارسة الطقوس الفريدة..." الكتاب ، المذكرات لم تتوقف عند المكان وأثره في تشكيل وعي منير شحود ، بل حتى مروره على الناس البسطاء ، الجيران ، الأب، الأخوة، وسرده حكاياتهم ، استفاد منها ليقول رأيًا وموقفًا في قضايا كبرى مثل الدين والتدين على سبيل المثال لكن بلغة رشيقة وسلسلة تستند الى التجربة وليس انطلاقًا من مواقف سياسية أو فلسفية مسبقة : "دفع حرمان النساء من التعامل مع الشؤون الدينية الى التعامل مع الدين بإحساس فطري صادق .. لم يقدسن النصوص". وبكل تأكيد لا يمكن لكتابة المذكرات أن تكتمل فصولها إذا لم تقف عند الأشخاص الأكثر حضورا في حياتنا ، أو سنوات عمرنا الأولى، سواء كانت الأم أو الأب: "كنت في الرابعة عشرة من عمري ولم يكن عقلي الصغير قادرا على تحمل كل ھذا الحزن الذي نخر في روحي، وبقيت فترة طويلة غير مصدق كیف یغیب من كان یشغل زوایا البیت بعنايته وسخطه، وتردد الجبال والوديان صدى مواويله وأمانيه. وحين أعدت بناء ضریحه مؤخرا، احترت ماذا سأكتب على شاهدة قبره، أردتها جملةوحیدة تعبر عن جوهر مواقفه فكانت: "قال الحق ولم تنصفه الحياة ... " الكتاب ليس الماضي فحسب، ليست الذكريات ، ليس جمال الأرض والقرية فقط بل هو سياسة وموقف أيضا، فما جرى من أحداث منذ بداية الثورة في سوريا ، كشفت لمنير شحود الكثير وربما أول ما كشفت معادن الأصدقاء والمعارف : "الى أن جاءت أحداث 2011 فانكشفت المواقف والقناعات ..." وبغض النظر عن كل التفاصيل التي وردت في الكتاب عن المكان وعلاقة الكتاب به، وبغض النظر أيضًا عن جمالية اللغة والبوح ، كان هناك خيطًا يجمع كل المذكرات وعموم فصول الكتاب ، أو لنقل ، مساراً بُنيت عليه كل ذكريات وانطباعات الكاتب ، هذا الخيط وهذا المسار يتجلى بالظروف الصعبة والتجربة الشخصية القاسية التي رافقت حياته منذ لحظة تشكل وعيه كطفل وحتى اليوم: "اعتدت الشقاء وصبرت عليه وكان حافزًا لا محبطًا ولا معيقا، وحملت آثاره في جسدي وفي نفسي". "جبال الأغاني والأنين" بوح مدهش لدرجة تعتقد أنه يتحدث عنك أو أنت من يتحدث...
Shaban Abboud
]]>
126938
حلم عابر ومثقفون عابرون : فيصل دراج يكتب عن غالب هلسا وغائب طعمة فرمان والطاهر وطار وحيدر حيدر http://www.souriyati.com/2019/11/04/126928.html Mon, 04 Nov 2019 17:26:02 +0000 http://www.souriyati.com/?p=126928
فيصل دراج يكتب عن غالب هلسا وغائب طعمة فرمان والطاهر وطار وحيدر حيدر حلم عابر ومثقفون عابرون فيصل دراج مجلة الفيصل   «مدينة أقرب إلى الحلم، لا سلطة تراقب الناس، ولا مخبرون يحفرون في قلوب البشر، ضيقة واسعة، ومحاصرة مفتوحة». كلمات قالها الروائي غالب هلسا، ونحن نمشي في زقاق، قطعت عنه الكهرباء، في مدينة بيروت. كانت الحرب التي عطّلت السلطة لا تزال قائمة، وغالب قادمًا من بغداد التي رُحِّل إليها من القاهرة عام 1976م عاش فيها ثلاث سنوات. لم أكن التقيت غالبًا، الذي بدا طفلًا كبيرًا، نسي لغته الأولى واعتنق اللهجة المصرية. كنت قرأت روايته الأولى «الضحك» التي ترجم فيها الاغتراب أكثر من مرة، وروايته «الخماسين» التي وصفت معتقلًا سياسيًّا، استجار من التعذيب بالسماء، وأطلق صراخًا نفذ من الجدران والنوافذ ومرّ بساحة السجن وتسلق الهواء مستعطفًا قمرًا ساطعًا في ليلة باردة. لم أكن أذكر غالبًا، قبل أن أراه، وبعد أن رأيته، إلا تذكّرت «سجينه المعذب» الذي ضاقت به الأرض وانفتح على الفضاء. سألته بعد اللقاء عن سجينه، أجاب: عرفته شخصيًّا، خرج من المعتقل ودخل في صمت طويل، لازمه حيث ذهب. كان لهلسا وجه طفولي مليء، حافظ على قسماته الأولى، وشعر أقرب إلى الحمرة، ومشية مندفعة تصدم الهواء وتتطلع إلى فوق، يدعمها كتفان عريضان يلازمهما، صيفًا وشتاء، معطفٌ لا يتغيّر.. له صوت هادئ لا يرتفع إلا مصادفة، وسيجارة عصية على الانطفاء، وجهه البشوش وجملته الأليفة: «نشرب القهوة معًا!!»، التي تتبعها بعد ابتسامة عابرة، إشارة إلى الروائي الفرنسي أندريه بلزاك، الذي «قتلته أربع مئة ألف فنجان من القهوة»، كما لو كان غالب قاسم بلزاك كتابة الرواية والتآلف مع الموت في آن. دخل الجامعة الأميركية في بيروت والقاهرة، وحافظ على براءة لا تغيب، وعرف السجن وشغف بالسياسة واختلف إلى منافٍ عربية متعددة، ولم يغادره وجهه الطفولي. ولعل هذه الطفولة المستقرة زرعت فيه محبة للناس وخشية منهم، يؤثر الصمت ويخاصمهم كتابة ويوغل في الخصام ولا يتجاوز الكتابة، حال موقفه من جبرا إبراهيم جبرا وحنا مينة و«أدب المقاومة»، وهو الذي مايز بين «الأدب الثوري» و«الثورة في الأب»؛ إذ الأول شعارات تذوي قبل غروب الشمس وفي الثاني عمل في الأشكال وسجال مع النصوص المبدعة. كان في تجواله الطويل، وهو مشّاء بامتياز، يوغل في التذكار، يبدأ بماعين حيث ولد عام 1932م، ويتوقف ويذكر أمه بجملة مبتورة، ويمر على امرأة جميلة العينين، لاعبته طفلًا، وغازلها شابًّا، وحلم بها كهلًا، كأنها امرأة الأحلام يراها القلب ولا تبصرها العينان. وقد يوغل في الحديث عن بيت مهجور عبث فيه صبيًّا، ويمر على بائع مصري بسيط يساهر النيل ويسهر معه غالب ويتساهران مستذكرين فتاة جامعية تجلس نهارًا وحيدة على شاطئ النيل، ربما كان في الفتاة المستوحدة شيء من شخصية «نادية»، التي داعبها في روايته «الضحك». أفسح للذكريات مكانًا في روايته «البكاء على الأطلال»، واستدعى في مجموعته «وديع والقديسة ميلادة وآخرون» طفلًا فضوليًّا يمتعه الكلام ويتأذى من الصمت. كان يبدو، إن بسط يديه على ركبتيه ونظر إلى البعيد، إنسانًا من ذكريات يحلم بما كان ويجعل حاضره حضنًا لما تولّى مناجيًا «سلطانة»، عنوان روايته الأثيرة، الشابة الفاتنة التي تصد الزمن. كان يمشي معنا ويعد بأنه سيعيش «مئة وعشرين عامًا»، وهو الذي لم يبلغ الستين، توفي في 18/12/1989م. ربما عذوبة الذكريات هي التي دعته إلى أن يقول بشجن ذات مرة: حين أرجع إلى أمي أصبح شابًّا. ومع أن الذي تسكنه طفولته يرغب عن المخاطرة، كان غالبًا عاشقًا لمواقع الخطر مؤمنًا، ربما، أن الموت لا يحسم الأطفال. كان يمر ببيتي، خلال الهجوم الإسرائيلي الواسع على بيروت صيف 1982م، في عز الظهيرة، مرتديًا معطفه، يمسح عرقه ويطلب ماء ويردّد بلهجته المصرية: الطقس حرّ قوي. إذا سألته: أين كان؟ استكمل عفويته، وأجاب: «أتفقد الشوارع، فارغة تمامًا، خوفًا من الطائرات»، ويتهيأ للخروج قائلًا: «أريد أن أتفقد الرفاق المرابطين على البحر». وكان رفاقه «شعراء» مقاتلين، لا يعرفون عن السلاح إلى القليل، اختاروا هامش الحياة وندّدوا «بالقيادة الرسمية»، أشرف معهم على «مجلة الرصيف» التي تثني على الحرية وتسخر من الانصياع. لست أدري إن كان يتفقّد أمكنة الخطر أم يفتقد طمأنينة تساوي بين الحياة والموت. والأرجح أنه كان يحدّق في الطائرات المغيرة ويحاور قلبه هازئًا بعالم آثم لا سبيل إلى إصلاحه. ما ذكرتُ غالبًا إلا وذكرت روائيًّا عراقيًّا أَلِفَ البساطة والمنفى يُدعَى: غائب طعمة فرمان. حين زار بيروت عام 1981م أردنا، أنا وسعد الله ونوس، أن نجري معه مقابلة لصحيفة السفير كان سعد الله مسؤولًا عن قسمها الأدبي، فوجئ الرجل وقال مدهوشًا: «مقابلة معي، معي أنا، هل أنا جدير بلقاء أدبي، ناقد ومسرحي كبير؟». التف بأعضائه وبدا خجلًا، كأنه لم يكتب رواية: «النخلة والجيران»، التي حظيت بتقدير كبير، قبل زمن، ولا رواية «خمسة أصوات»، التي احتفى بها الفلسطيني غسان كنفاني، ولا أنجز ترجمة رائقة لأعمال أنطون تشيخوف وغيره من الأدباء الروس. كان أديبًا حقيقيًّا، تصرفت حياته به ولم يتصرف بها كما أراد، وسلبه المنفى المتواتر سهولة الكلام. طلب قبل الحوار أكثر من كوب ماء، ومسح نظارته وقال: «جاهز عيني، بس أبغي أن لا تكون الأسئلة صعبة». بدا بأناقته الرسمية عجوزًا يدخل مسابقة لم يتهيّأ لها. سأله أحدنا: كيف تقرأ علاقة الأيديولوجيا ببنية العمل الروائي؟ أذعره السؤال وأجاب بعد حيرة: «أيديولوجيا، أيديولوجيا! أن لا أفهم الكلمات الكبيرة، أكتب ما تهمس بي روحي وأترك قلمي يكتب كما يريد». كان قد أصدر حديثًا عن دار الآداب روايته «ظلال على النافذة»، استعاد فيها بغداد قديمة ورسم «ظلالها»، مدركًا أن المنفى أقام بينها وبينه ستارًا كثيفًا. سأله سعد الله: «كيف تكتب عن مدينة لم ترَها منذ زمن؟» أجاب: لا أصف وجوه البشر وضوضاء الشوارع إنما أكتب، أولًا، عن روح المدينة التي تسكن روحي، وتخاطب الأرواح خاصة أن بعض الذين عرفتهم ما زال على قيد الحياة، ولا يبخل علي بالرسائل والصور. غابت عني أشياء كثيرة، أكتفي اليوم بالشميم». اختلج صوت العراقي الطريد وطلب «ما يبلّ به الريق». كان الرجل يتذكّر، وقد وهن بصره، يدرك أن مواقع الصبا خالطتها الأطلال، ويسكب على الأطلال ألوانًا معتمة. وكإنسان مرت به غفوة قال: «أكتب عن أصوات بغداد كما استقرت في الذاكرة، لا أتخيل الأطلال، بل عما أرغب أن يظل هناك». نسي، ربما، أن وراء الرغبة المقموعة يتمادى الاغتراب، وأن تصوير العسل لا يجلب الحلاوة إلى الفم. سألته: «كيف تكون روائيًّا واقعيًّا، وتتمسك بماضٍ اجتاحه التحوّل؟». غضب عندها وقال: «إن كل الأدب الكبير أدبٌ عن الزمن المفقود». لكنه ما لبث أن ابتسم مستسلمًا وقال: «ربما لم أعد واقعيًّا، كما كنت، ربما دفعني المنفى إلى واقعية جديدة. انتظرا، على أية حال، روايتي القادمة: «المشتهى والمؤجّل». لم يدرك أن المشتهى هو المؤجّل، وأن المؤجّل يوافيه الأجل قبل أن يصل، وأن الضباب سيكون بطل رواية قادمة دعاها: «المركب». سألناه عن شخصيات أحبها في روايتين قديمتين «النخلة والجيران» و«القربان». أجاب: «العجوز الخبازة التي توقظ الديكة قبل أن تستيقظ ماتت في الواقع، ولم تمت في الذاكرة»، أما الحائرون في الرواية الثانية فحيرتهم القديمة أهون من حيرتي القائمة. لا يوجد عندي أبطال منتصرون والأدب الصادق موضوعه الخيبة». ترجم كلام «غائب» شقاء منفى متوالد، وضع رغباته خارجه، وطوّح بخارجه إلى مكان مجهول وعبّر، في الحالين، عن اغتراب ينهش جسد الإنسان المغترب. كان غالب هلسا كلما التقى أنثى في بيروت عاجلها بدعوة خجولة: «إيه رأيك في فنجان قهوة»، وكان غائب يشرب قهوته وحيدًا. تقاسم غائب وغالب أطيافًا بغدادية وهدوءًا متواضعًا، على خلاف الروائي الجزائري الطاهر وطّار، الذي يبدأ مبتسمًا ويخلّف وراءه رمادًا. التقيت الأخير مع غالب في «دار ابن رشد» ـ كانت في نهاية كورنيش المزرعة ـ لصاحبها السوري سليمان صبح الناحل البشوش الذي ينسى الأسماء ويستعيض عنها جميعًا بكلمة «هذا الواحد». ويطلق ضحكة صاخبة. سلم غالب وانصرف، وترك وطّار يتحدث عن روايته «الحب والموت في الزمن الحراشي»، ويسلم مخطوطته للناشر السوري، ويتابع الحديث بعربية فصحى مبرأة من اللهجة الجزائرية. قال وطّار: إن روايته الجديدة جزء ثانٍ لروايته: «اللاز» التي حظيت بانتشار واسع، واستكمال لروايتيه: «الحوات والقصر»، وهي أسطورة شعبية و«الزلزال» التي ناصرت «الثورة الزراعية» وانتصرت لها، وامتداد لمجموعته القصصية «الشهداء يعودون هذا الأسبوع». حاورته بعد قراءة روايته الجديدة، بدا ممتلئًا بذاته فخورًا بما أنجز، يتقبّل المديح بمسرّة، ولا يقبل النقد إلا على مضض. سألته هل يعتبر «اللاز»، ويعني «الآس» عند لاعبي الورق، بطلًا إيجابيًّا، بلغة ذاك الزمان، أجاب مسرعًا: بكل تأكيد. قلت: لكنه لم ينتصر وظهر مهزومًا بين مهزومين، ردّ قائلًا: «إن ما يبدو مهزومًا في لحظة، يرجع منتصرًا بعد حين، ومثال ذلك ظاهر في روايتي «الزلزال»، التي سجّلت انتصار الثورة الزراعية وهزيمة الأعداء الطبقيين هزيمة أخيرة». لم أدرِ، حينها، إن كان يتحدث باسم «حتمية تاريخية مجردة»، أم باسم سلطة سياسية حاكمة، ترى في انتصارها الذاتي نصرًا للجزائريين جميعًا. بدا الروائي مقتنعًا بما يقول، موقظًا في ذهني أسئلة عن الفارق بين الوهم والتخييل، وعن سطوة «الأيديولوجيا الحزبية»، التي تسبغ على المتوهم أبعادًا حقيقية، وتلك الحتمية التي كانت، في ذاك الزمان، «فلوكلورًا» يرضي قدرية فقيرة. دفعتني «إيمانيّته الذاتية» إلى مواجهته بنرجسيته المفرطة الساخرة في روايته إلى جانب «الحب والموت في الزمن الحرّاشي»، التي كتب فيها أن «التاريخ سيعطي اسمه مكانًا إلى جانب أراغون وإيلوار وماركس وأنجلس». قلت له: هذا استكبار لا يجوز، فأجاب محتدًّا: «يجب أن تقرأ روايتي من وجهة نظري، ونظر الجزائريين جميعًا، لا من وجهة نظر برجوازية». تساءلت في سري حينها: إن كان الانتساب إلى السلطة يفضي إلى العماء؟ وهل في هذا الانتساب ما يمحو المسافة بين روائي ومسؤول بيروقراطي محوّط بالعسكر والعسس؟ وهل هناك من مثقف حقيقي لا تلازمه الكآبة والشعور بالإخفاق؟ بعد إخفاق «الزلزال الوهمي» واقتراب الجزائر من حرب أهلية جاء وطّار برواية جديدة: «الشمعة والدهليز»، خلع فيها تفاؤله واكتفى بضباب الفكر والكتابة. يُفسد اختراع الواقع النظرَ والكتابةَ، ويملي على المثقف معادلات فاسدة الحلول، ويزيحه من عزلة نبيلة إلى عراء عالي الضجيج، ابتعد منه الروائي السوري حيدر حيدر، الذي عاش في الجزائر وعرف أهلها، وأدرج ما عاش وما عرف في رواية متشائمة المنظور: «وليمة لأعشاب البحر»، أغلقت صفحاتها بوحش أسطوري الأذى يدعى: السلطة القامعة. اختار حيدر، المثقف الساخر العصبي الطباع، أُنس البحر ليلًا، وامتلأ بصمته وضجيجه، وأدرك أن في الصمت حقيقة، وأن الائتلاف معه يستقدم ما هو حقيقي. بعيدًا من الغبطة كان، يلتف بعزلته ويسعى إلى تجويد الكتابة، وينتقل من كتاب إلى آخر موسعًا حواره الذاتي. ويكرر جملة عن الفقد والاغتراب: «ذهب الذين أحبهم، وبقيت مثل السيف فردًا». ولم يكن الفرد الذي يشبه السيف، إلا صديقًا كريمًا وروائيًّا حالمًا يمشي وراء كتابة، لا تشبه غيرها، كما كان يقول. عاد حيدر، بعد سنوات إلى قريته وبنى مسكنًا بسيطًا على البحر، وعاجل الموت غالب هلسا في دمشق، ودفن غائب فرمان في ضواحي موسكو، واستقر وطّار في أرض بلاده. لكلٍّ كان حلمه وطبعه، والطبائع تتغير، والأحلام تتحوّل إلى أثير.
]]>
فيصل دراج يكتب عن غالب هلسا وغائب طعمة فرمان والطاهر وطار وحيدر حيدر حلم عابر ومثقفون عابرون فيصل دراج مجلة الفيصل   «مدينة أقرب إلى الحلم، لا سلطة تراقب الناس، ولا مخبرون يحفرون في قلوب البشر، ضيقة واسعة، ومحاصرة مفتوحة». كلمات قالها الروائي غالب هلسا، ونحن نمشي في زقاق، قطعت عنه الكهرباء، في مدينة بيروت. كانت الحرب التي عطّلت السلطة لا تزال قائمة، وغالب قادمًا من بغداد التي رُحِّل إليها من القاهرة عام 1976م عاش فيها ثلاث سنوات. لم أكن التقيت غالبًا، الذي بدا طفلًا كبيرًا، نسي لغته الأولى واعتنق اللهجة المصرية. كنت قرأت روايته الأولى «الضحك» التي ترجم فيها الاغتراب أكثر من مرة، وروايته «الخماسين» التي وصفت معتقلًا سياسيًّا، استجار من التعذيب بالسماء، وأطلق صراخًا نفذ من الجدران والنوافذ ومرّ بساحة السجن وتسلق الهواء مستعطفًا قمرًا ساطعًا في ليلة باردة. لم أكن أذكر غالبًا، قبل أن أراه، وبعد أن رأيته، إلا تذكّرت «سجينه المعذب» الذي ضاقت به الأرض وانفتح على الفضاء. سألته بعد اللقاء عن سجينه، أجاب: عرفته شخصيًّا، خرج من المعتقل ودخل في صمت طويل، لازمه حيث ذهب. كان لهلسا وجه طفولي مليء، حافظ على قسماته الأولى، وشعر أقرب إلى الحمرة، ومشية مندفعة تصدم الهواء وتتطلع إلى فوق، يدعمها كتفان عريضان يلازمهما، صيفًا وشتاء، معطفٌ لا يتغيّر.. له صوت هادئ لا يرتفع إلا مصادفة، وسيجارة عصية على الانطفاء، وجهه البشوش وجملته الأليفة: «نشرب القهوة معًا!!»، التي تتبعها بعد ابتسامة عابرة، إشارة إلى الروائي الفرنسي أندريه بلزاك، الذي «قتلته أربع مئة ألف فنجان من القهوة»، كما لو كان غالب قاسم بلزاك كتابة الرواية والتآلف مع الموت في آن. دخل الجامعة الأميركية في بيروت والقاهرة، وحافظ على براءة لا تغيب، وعرف السجن وشغف بالسياسة واختلف إلى منافٍ عربية متعددة، ولم يغادره وجهه الطفولي. ولعل هذه الطفولة المستقرة زرعت فيه محبة للناس وخشية منهم، يؤثر الصمت ويخاصمهم كتابة ويوغل في الخصام ولا يتجاوز الكتابة، حال موقفه من جبرا إبراهيم جبرا وحنا مينة و«أدب المقاومة»، وهو الذي مايز بين «الأدب الثوري» و«الثورة في الأب»؛ إذ الأول شعارات تذوي قبل غروب الشمس وفي الثاني عمل في الأشكال وسجال مع النصوص المبدعة. كان في تجواله الطويل، وهو مشّاء بامتياز، يوغل في التذكار، يبدأ بماعين حيث ولد عام 1932م، ويتوقف ويذكر أمه بجملة مبتورة، ويمر على امرأة جميلة العينين، لاعبته طفلًا، وغازلها شابًّا، وحلم بها كهلًا، كأنها امرأة الأحلام يراها القلب ولا تبصرها العينان. وقد يوغل في الحديث عن بيت مهجور عبث فيه صبيًّا، ويمر على بائع مصري بسيط يساهر النيل ويسهر معه غالب ويتساهران مستذكرين فتاة جامعية تجلس نهارًا وحيدة على شاطئ النيل، ربما كان في الفتاة المستوحدة شيء من شخصية «نادية»، التي داعبها في روايته «الضحك». أفسح للذكريات مكانًا في روايته «البكاء على الأطلال»، واستدعى في مجموعته «وديع والقديسة ميلادة وآخرون» طفلًا فضوليًّا يمتعه الكلام ويتأذى من الصمت. كان يبدو، إن بسط يديه على ركبتيه ونظر إلى البعيد، إنسانًا من ذكريات يحلم بما كان ويجعل حاضره حضنًا لما تولّى مناجيًا «سلطانة»، عنوان روايته الأثيرة، الشابة الفاتنة التي تصد الزمن. كان يمشي معنا ويعد بأنه سيعيش «مئة وعشرين عامًا»، وهو الذي لم يبلغ الستين، توفي في 18/12/1989م. ربما عذوبة الذكريات هي التي دعته إلى أن يقول بشجن ذات مرة: حين أرجع إلى أمي أصبح شابًّا. ومع أن الذي تسكنه طفولته يرغب عن المخاطرة، كان غالبًا عاشقًا لمواقع الخطر مؤمنًا، ربما، أن الموت لا يحسم الأطفال. كان يمر ببيتي، خلال الهجوم الإسرائيلي الواسع على بيروت صيف 1982م، في عز الظهيرة، مرتديًا معطفه، يمسح عرقه ويطلب ماء ويردّد بلهجته المصرية: الطقس حرّ قوي. إذا سألته: أين كان؟ استكمل عفويته، وأجاب: «أتفقد الشوارع، فارغة تمامًا، خوفًا من الطائرات»، ويتهيأ للخروج قائلًا: «أريد أن أتفقد الرفاق المرابطين على البحر». وكان رفاقه «شعراء» مقاتلين، لا يعرفون عن السلاح إلى القليل، اختاروا هامش الحياة وندّدوا «بالقيادة الرسمية»، أشرف معهم على «مجلة الرصيف» التي تثني على الحرية وتسخر من الانصياع. لست أدري إن كان يتفقّد أمكنة الخطر أم يفتقد طمأنينة تساوي بين الحياة والموت. والأرجح أنه كان يحدّق في الطائرات المغيرة ويحاور قلبه هازئًا بعالم آثم لا سبيل إلى إصلاحه. ما ذكرتُ غالبًا إلا وذكرت روائيًّا عراقيًّا أَلِفَ البساطة والمنفى يُدعَى: غائب طعمة فرمان. حين زار بيروت عام 1981م أردنا، أنا وسعد الله ونوس، أن نجري معه مقابلة لصحيفة السفير كان سعد الله مسؤولًا عن قسمها الأدبي، فوجئ الرجل وقال مدهوشًا: «مقابلة معي، معي أنا، هل أنا جدير بلقاء أدبي، ناقد ومسرحي كبير؟». التف بأعضائه وبدا خجلًا، كأنه لم يكتب رواية: «النخلة والجيران»، التي حظيت بتقدير كبير، قبل زمن، ولا رواية «خمسة أصوات»، التي احتفى بها الفلسطيني غسان كنفاني، ولا أنجز ترجمة رائقة لأعمال أنطون تشيخوف وغيره من الأدباء الروس. كان أديبًا حقيقيًّا، تصرفت حياته به ولم يتصرف بها كما أراد، وسلبه المنفى المتواتر سهولة الكلام. طلب قبل الحوار أكثر من كوب ماء، ومسح نظارته وقال: «جاهز عيني، بس أبغي أن لا تكون الأسئلة صعبة». بدا بأناقته الرسمية عجوزًا يدخل مسابقة لم يتهيّأ لها. سأله أحدنا: كيف تقرأ علاقة الأيديولوجيا ببنية العمل الروائي؟ أذعره السؤال وأجاب بعد حيرة: «أيديولوجيا، أيديولوجيا! أن لا أفهم الكلمات الكبيرة، أكتب ما تهمس بي روحي وأترك قلمي يكتب كما يريد». كان قد أصدر حديثًا عن دار الآداب روايته «ظلال على النافذة»، استعاد فيها بغداد قديمة ورسم «ظلالها»، مدركًا أن المنفى أقام بينها وبينه ستارًا كثيفًا. سأله سعد الله: «كيف تكتب عن مدينة لم ترَها منذ زمن؟» أجاب: لا أصف وجوه البشر وضوضاء الشوارع إنما أكتب، أولًا، عن روح المدينة التي تسكن روحي، وتخاطب الأرواح خاصة أن بعض الذين عرفتهم ما زال على قيد الحياة، ولا يبخل علي بالرسائل والصور. غابت عني أشياء كثيرة، أكتفي اليوم بالشميم». اختلج صوت العراقي الطريد وطلب «ما يبلّ به الريق». كان الرجل يتذكّر، وقد وهن بصره، يدرك أن مواقع الصبا خالطتها الأطلال، ويسكب على الأطلال ألوانًا معتمة. وكإنسان مرت به غفوة قال: «أكتب عن أصوات بغداد كما استقرت في الذاكرة، لا أتخيل الأطلال، بل عما أرغب أن يظل هناك». نسي، ربما، أن وراء الرغبة المقموعة يتمادى الاغتراب، وأن تصوير العسل لا يجلب الحلاوة إلى الفم. سألته: «كيف تكون روائيًّا واقعيًّا، وتتمسك بماضٍ اجتاحه التحوّل؟». غضب عندها وقال: «إن كل الأدب الكبير أدبٌ عن الزمن المفقود». لكنه ما لبث أن ابتسم مستسلمًا وقال: «ربما لم أعد واقعيًّا، كما كنت، ربما دفعني المنفى إلى واقعية جديدة. انتظرا، على أية حال، روايتي القادمة: «المشتهى والمؤجّل». لم يدرك أن المشتهى هو المؤجّل، وأن المؤجّل يوافيه الأجل قبل أن يصل، وأن الضباب سيكون بطل رواية قادمة دعاها: «المركب». سألناه عن شخصيات أحبها في روايتين قديمتين «النخلة والجيران» و«القربان». أجاب: «العجوز الخبازة التي توقظ الديكة قبل أن تستيقظ ماتت في الواقع، ولم تمت في الذاكرة»، أما الحائرون في الرواية الثانية فحيرتهم القديمة أهون من حيرتي القائمة. لا يوجد عندي أبطال منتصرون والأدب الصادق موضوعه الخيبة». ترجم كلام «غائب» شقاء منفى متوالد، وضع رغباته خارجه، وطوّح بخارجه إلى مكان مجهول وعبّر، في الحالين، عن اغتراب ينهش جسد الإنسان المغترب. كان غالب هلسا كلما التقى أنثى في بيروت عاجلها بدعوة خجولة: «إيه رأيك في فنجان قهوة»، وكان غائب يشرب قهوته وحيدًا. تقاسم غائب وغالب أطيافًا بغدادية وهدوءًا متواضعًا، على خلاف الروائي الجزائري الطاهر وطّار، الذي يبدأ مبتسمًا ويخلّف وراءه رمادًا. التقيت الأخير مع غالب في «دار ابن رشد» ـ كانت في نهاية كورنيش المزرعة ـ لصاحبها السوري سليمان صبح الناحل البشوش الذي ينسى الأسماء ويستعيض عنها جميعًا بكلمة «هذا الواحد». ويطلق ضحكة صاخبة. سلم غالب وانصرف، وترك وطّار يتحدث عن روايته «الحب والموت في الزمن الحراشي»، ويسلم مخطوطته للناشر السوري، ويتابع الحديث بعربية فصحى مبرأة من اللهجة الجزائرية. قال وطّار: إن روايته الجديدة جزء ثانٍ لروايته: «اللاز» التي حظيت بانتشار واسع، واستكمال لروايتيه: «الحوات والقصر»، وهي أسطورة شعبية و«الزلزال» التي ناصرت «الثورة الزراعية» وانتصرت لها، وامتداد لمجموعته القصصية «الشهداء يعودون هذا الأسبوع». حاورته بعد قراءة روايته الجديدة، بدا ممتلئًا بذاته فخورًا بما أنجز، يتقبّل المديح بمسرّة، ولا يقبل النقد إلا على مضض. سألته هل يعتبر «اللاز»، ويعني «الآس» عند لاعبي الورق، بطلًا إيجابيًّا، بلغة ذاك الزمان، أجاب مسرعًا: بكل تأكيد. قلت: لكنه لم ينتصر وظهر مهزومًا بين مهزومين، ردّ قائلًا: «إن ما يبدو مهزومًا في لحظة، يرجع منتصرًا بعد حين، ومثال ذلك ظاهر في روايتي «الزلزال»، التي سجّلت انتصار الثورة الزراعية وهزيمة الأعداء الطبقيين هزيمة أخيرة». لم أدرِ، حينها، إن كان يتحدث باسم «حتمية تاريخية مجردة»، أم باسم سلطة سياسية حاكمة، ترى في انتصارها الذاتي نصرًا للجزائريين جميعًا. بدا الروائي مقتنعًا بما يقول، موقظًا في ذهني أسئلة عن الفارق بين الوهم والتخييل، وعن سطوة «الأيديولوجيا الحزبية»، التي تسبغ على المتوهم أبعادًا حقيقية، وتلك الحتمية التي كانت، في ذاك الزمان، «فلوكلورًا» يرضي قدرية فقيرة. دفعتني «إيمانيّته الذاتية» إلى مواجهته بنرجسيته المفرطة الساخرة في روايته إلى جانب «الحب والموت في الزمن الحرّاشي»، التي كتب فيها أن «التاريخ سيعطي اسمه مكانًا إلى جانب أراغون وإيلوار وماركس وأنجلس». قلت له: هذا استكبار لا يجوز، فأجاب محتدًّا: «يجب أن تقرأ روايتي من وجهة نظري، ونظر الجزائريين جميعًا، لا من وجهة نظر برجوازية». تساءلت في سري حينها: إن كان الانتساب إلى السلطة يفضي إلى العماء؟ وهل في هذا الانتساب ما يمحو المسافة بين روائي ومسؤول بيروقراطي محوّط بالعسكر والعسس؟ وهل هناك من مثقف حقيقي لا تلازمه الكآبة والشعور بالإخفاق؟ بعد إخفاق «الزلزال الوهمي» واقتراب الجزائر من حرب أهلية جاء وطّار برواية جديدة: «الشمعة والدهليز»، خلع فيها تفاؤله واكتفى بضباب الفكر والكتابة. يُفسد اختراع الواقع النظرَ والكتابةَ، ويملي على المثقف معادلات فاسدة الحلول، ويزيحه من عزلة نبيلة إلى عراء عالي الضجيج، ابتعد منه الروائي السوري حيدر حيدر، الذي عاش في الجزائر وعرف أهلها، وأدرج ما عاش وما عرف في رواية متشائمة المنظور: «وليمة لأعشاب البحر»، أغلقت صفحاتها بوحش أسطوري الأذى يدعى: السلطة القامعة. اختار حيدر، المثقف الساخر العصبي الطباع، أُنس البحر ليلًا، وامتلأ بصمته وضجيجه، وأدرك أن في الصمت حقيقة، وأن الائتلاف معه يستقدم ما هو حقيقي. بعيدًا من الغبطة كان، يلتف بعزلته ويسعى إلى تجويد الكتابة، وينتقل من كتاب إلى آخر موسعًا حواره الذاتي. ويكرر جملة عن الفقد والاغتراب: «ذهب الذين أحبهم، وبقيت مثل السيف فردًا». ولم يكن الفرد الذي يشبه السيف، إلا صديقًا كريمًا وروائيًّا حالمًا يمشي وراء كتابة، لا تشبه غيرها، كما كان يقول. عاد حيدر، بعد سنوات إلى قريته وبنى مسكنًا بسيطًا على البحر، وعاجل الموت غالب هلسا في دمشق، ودفن غائب فرمان في ضواحي موسكو، واستقر وطّار في أرض بلاده. لكلٍّ كان حلمه وطبعه، والطبائع تتغير، والأحلام تتحوّل إلى أثير.
]]>
126928
يأكل الطّاغية التمر… ويرجم الشعب بالنوى! بقلم عبد الرزاق دحنون / مع تحميل مجاني لكتاب الطاغية للدكتور إمام عبد الفتاح إمام http://www.souriyati.com/2019/11/01/126898.html Fri, 01 Nov 2019 11:15:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/11/01/126898.html بسط الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام -رحمه الله- في كتابه الخطير "الطاغية"، درساً فلسفياً لصور من الاستبداد السياسي عبر حقب تاريخية مديدة، ولخطورة أفكار الكتاب وجرأتها، طُبع مرات عديدة وصادرت طبعاته وزارات الثقافة في الدول العربية، حتى الطبعة الأولى المحترمة التي صدرت عن سلسلة عالم المعرفة والتي لا نعلم عدد نسخها لم تصل هي الأخرى إلى معظم القراء العرب. يتساءل المؤلف في مقدمة كتابه: من يجرؤ على القول في حضرة "الطاغية" ما بقي متربعاً على كرسي الحكم؟ نعم، من يجرؤ على القول يا سادتي في عهد هتلر أو موسوليني أو فرانكو أو عدنان أو ياقوت؟ فإذا ما تنفس الناس الصعداء بعد زوال هذا "الطاغية" أو ذاك، نسوا، أو تعمدوا نسيان تلك الأيام السوداء التي عاشوها في ظله، وظنوا -واهمين- أنها ذهبت إلى غير رجعة. من ينظر في تكوين شخصية الطاغية ويسبر أغوار هذه النفس الآثمة يجد خواء يسده البطش. حقيرة هي نفس الطاغية التي تبطش بالأشياء والأحياء بطش الصبيان مع أن الأمر مختلف عن ذلك أتم الاختلاف، لأن طول ألفة الفرد مع "الطاغية" لم يعد يجد -أي الفرد- معها حرجاً ولا غضاضة في الحديث اليومي عن إيجابياته وما فعله من أجلهم من جليل الأعمال. فحتى لو افترضنا صحة هذه "الإيجابيات الهائلة" فما قيمتها إذا كان ثمنها تدمير الإنسان وتحطيم قيمه وتحويل جماهير الشعب الغفيرة إلى جماجم وهياكل عظمية تسير في طول البلاد وعرضها منزوعة الضمير والوجدان، شخصيات تافهة تطحنها مشاعر الدونية والعجز، حقيرة النفس، منخورة العزيمة؟.. في "النظريات السياسية القديمة والحديثة" هناك فكرة واحدة لا خلاف عليها، هي أن حكم "الطاغية" هو أسوأ أنواع الحكم وأكثرها فساداً، لأنه نظام يستخدم السلطة استخداماً فاسداً، فينتج الفساد العام (Corruption) كما يسيء استخدام العنف ضد الموجودات البشرية والحيوانية والنباتية وحتى الجمادات التي تخضع له. وقد لا حظ أرسطو بحق أنه "لا يوجد رجل حر قادر على تحمل مثل هذا الضرب من الحكم، إذا كان في استطاعته أن يهرب منه" فالإنسان الحر لا يتحمل مثل هذه الأشكال التعسفية من الحكم، إلا مرغماً، أي إذا سدت أمامه كل أبواب الانعتاق. لذلك فإن عبارة أرسطو تعبر بدقة عن أولئك الذين يعشقون الحرية، ويمقتون العبودية، وينظرون إلى الطغيان على أنه تدمير للإنسان لأنه يحيل البشر إلى عظام نخرة. والمستبد يرغب في أن تكون رعيته كالغنم دوراً وطاعة، وكالكلاب تذللاً وتملقاً، والمثل الصيني يقول: "ليس أمام الغنم اختيار عندما تكون بين براثن الأسد"، ولا شك أن الاستبداد يهدم إنسانية الإنسان، والطغيان يحيل البشر إلى عبيد، وإذا تحول الناس إلى عبيد أو حيوانات مذعورة فقدوا قيمهم، فلا إخلاص، ولا ضمير، ولا وجدان، ولا أمانة، ولا صدق، ولا شجاعة، بل كذب، ونفاق، وتملق، ورياء، وتذلل ومداهنة ومحاولة للوصول إلى الأغراض والغايات من أحط السبل وأقذرها. وهكذا يتحول المجتمع في ظل "الطاغية" إلى عيون وجواسيس يرقب بعضها بعضاً، ويرشد بعضها عن البعض. وليس بخافٍ ما نراه في الكثير من المجتمعات العربية من أخ يرشد عن أخيه، وجار يكتب تقارير عن جاره، ومرؤوس يكتب زيفاً عن رئيسه. ومهما أنجز "الطاغية" من أعمال، ومهما قام من بناء ورقي جميل في ظاهره، فلا قيمة لأعماله، إذا يكفيه أنه دمر الإنسان. ولو فكرنا في الأمر لوجدنا أن حكم "الطاغية" هو السبب الحقيقي وراء تخلفنا الفكري والعلمي والاقتصادي، وأن الاستبداد هو المصدر الأساسي لكل رذائلنا الخلقية والاجتماعية والسياسية، لأن المواطن إذا فقد حريته الفردية، أعني وعيه الذاتي أو شخصيته المستقلة، وأصبح مدمجاً مع غيره في كتلة واحدة لا تمايز فيها كما هو الحال في قطيع الغنم فقد ضاعت آدميته في اللحظة نفسها، وقُتل فيه الخلق والإبداع وانعدم الابتكار، بل يصبح المبدع إن وجد، منحرفاً والمبتكر شاذاً وخارجاً عن الجماعة. ومن ينظر في تكوين شخصية "الطاغية" ويسبر أغوار هذه النفس الآثمة يجد خواء يسده البطش. حقيرة هي نفس "الطاغية" التي تبطش بالأشياء والأحياء بطش الصبيان.   الطاغية-kutub-pdf.net تحميل مجاني لكتاب الطاغية للدكتور إمام عبد الفتاح إمام]]> بسط الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام -رحمه الله- في كتابه الخطير "الطاغية"، درساً فلسفياً لصور من الاستبداد السياسي عبر حقب تاريخية مديدة، ولخطورة أفكار الكتاب وجرأتها، طُبع مرات عديدة وصادرت طبعاته وزارات الثقافة في الدول العربية، حتى الطبعة الأولى المحترمة التي صدرت عن سلسلة عالم المعرفة والتي لا نعلم عدد نسخها لم تصل هي الأخرى إلى معظم القراء العرب. يتساءل المؤلف في مقدمة كتابه: من يجرؤ على القول في حضرة "الطاغية" ما بقي متربعاً على كرسي الحكم؟ نعم، من يجرؤ على القول يا سادتي في عهد هتلر أو موسوليني أو فرانكو أو عدنان أو ياقوت؟ فإذا ما تنفس الناس الصعداء بعد زوال هذا "الطاغية" أو ذاك، نسوا، أو تعمدوا نسيان تلك الأيام السوداء التي عاشوها في ظله، وظنوا -واهمين- أنها ذهبت إلى غير رجعة. من ينظر في تكوين شخصية الطاغية ويسبر أغوار هذه النفس الآثمة يجد خواء يسده البطش. حقيرة هي نفس الطاغية التي تبطش بالأشياء والأحياء بطش الصبيان مع أن الأمر مختلف عن ذلك أتم الاختلاف، لأن طول ألفة الفرد مع "الطاغية" لم يعد يجد -أي الفرد- معها حرجاً ولا غضاضة في الحديث اليومي عن إيجابياته وما فعله من أجلهم من جليل الأعمال. فحتى لو افترضنا صحة هذه "الإيجابيات الهائلة" فما قيمتها إذا كان ثمنها تدمير الإنسان وتحطيم قيمه وتحويل جماهير الشعب الغفيرة إلى جماجم وهياكل عظمية تسير في طول البلاد وعرضها منزوعة الضمير والوجدان، شخصيات تافهة تطحنها مشاعر الدونية والعجز، حقيرة النفس، منخورة العزيمة؟.. في "النظريات السياسية القديمة والحديثة" هناك فكرة واحدة لا خلاف عليها، هي أن حكم "الطاغية" هو أسوأ أنواع الحكم وأكثرها فساداً، لأنه نظام يستخدم السلطة استخداماً فاسداً، فينتج الفساد العام (Corruption) كما يسيء استخدام العنف ضد الموجودات البشرية والحيوانية والنباتية وحتى الجمادات التي تخضع له. وقد لا حظ أرسطو بحق أنه "لا يوجد رجل حر قادر على تحمل مثل هذا الضرب من الحكم، إذا كان في استطاعته أن يهرب منه" فالإنسان الحر لا يتحمل مثل هذه الأشكال التعسفية من الحكم، إلا مرغماً، أي إذا سدت أمامه كل أبواب الانعتاق. لذلك فإن عبارة أرسطو تعبر بدقة عن أولئك الذين يعشقون الحرية، ويمقتون العبودية، وينظرون إلى الطغيان على أنه تدمير للإنسان لأنه يحيل البشر إلى عظام نخرة. والمستبد يرغب في أن تكون رعيته كالغنم دوراً وطاعة، وكالكلاب تذللاً وتملقاً، والمثل الصيني يقول: "ليس أمام الغنم اختيار عندما تكون بين براثن الأسد"، ولا شك أن الاستبداد يهدم إنسانية الإنسان، والطغيان يحيل البشر إلى عبيد، وإذا تحول الناس إلى عبيد أو حيوانات مذعورة فقدوا قيمهم، فلا إخلاص، ولا ضمير، ولا وجدان، ولا أمانة، ولا صدق، ولا شجاعة، بل كذب، ونفاق، وتملق، ورياء، وتذلل ومداهنة ومحاولة للوصول إلى الأغراض والغايات من أحط السبل وأقذرها. وهكذا يتحول المجتمع في ظل "الطاغية" إلى عيون وجواسيس يرقب بعضها بعضاً، ويرشد بعضها عن البعض. وليس بخافٍ ما نراه في الكثير من المجتمعات العربية من أخ يرشد عن أخيه، وجار يكتب تقارير عن جاره، ومرؤوس يكتب زيفاً عن رئيسه. ومهما أنجز "الطاغية" من أعمال، ومهما قام من بناء ورقي جميل في ظاهره، فلا قيمة لأعماله، إذا يكفيه أنه دمر الإنسان. ولو فكرنا في الأمر لوجدنا أن حكم "الطاغية" هو السبب الحقيقي وراء تخلفنا الفكري والعلمي والاقتصادي، وأن الاستبداد هو المصدر الأساسي لكل رذائلنا الخلقية والاجتماعية والسياسية، لأن المواطن إذا فقد حريته الفردية، أعني وعيه الذاتي أو شخصيته المستقلة، وأصبح مدمجاً مع غيره في كتلة واحدة لا تمايز فيها كما هو الحال في قطيع الغنم فقد ضاعت آدميته في اللحظة نفسها، وقُتل فيه الخلق والإبداع وانعدم الابتكار، بل يصبح المبدع إن وجد، منحرفاً والمبتكر شاذاً وخارجاً عن الجماعة. ومن ينظر في تكوين شخصية "الطاغية" ويسبر أغوار هذه النفس الآثمة يجد خواء يسده البطش. حقيرة هي نفس "الطاغية" التي تبطش بالأشياء والأحياء بطش الصبيان.   الطاغية-kutub-pdf.net تحميل مجاني لكتاب الطاغية للدكتور إمام عبد الفتاح إمام]]> 126898 عرض وتلخيص لرواية فادي قوشقجي الحاكم بأمر اللات تفضح ظلم وتجبر آل الأسد في سوريا http://www.souriyati.com/2019/10/30/126847.html Wed, 30 Oct 2019 11:23:54 +0000 http://www.souriyati.com/?p=126847 الحاكم بأمر اللات رواية صدرت عام 2010 عن دار أطلس للنشر والتوزيع بدمشق؛ رواية تعتمد على طريقة سرد متنوع، فهناك اختلاف في الشخصيات التي تجلس على منصة التعبير، وكذلك اختلاف أزمنة الحدث، ولا يغيب عن الرواية أسلوب التهكم والسخرية والتورية الشديدة. يلتقي المؤلف مع صديقه خوسيه الإسباني، واتفقا على أن يكتب المؤلف رواية يترجمها خوسيه إلى الإسبانية. تبدأ الرواية من حضور نبيل جعفر إلى الحانة لينتظر أصدقاءه: الثلاثي عماد وأنس وسهيل، لقد اتفقوا على أن يقضوا سهرة شراب معاً بعد فراق طالهم منذ زمن بعيد، نبيل ينتظر، وتنقضي السهرة ولا يأتي أصدقاؤه. يستغرب كيف لم يأتي أحد منهم؟، إنهم أصدقاءُ الدراسة وقد التقى بهم صدفة بعد عشرين عاماً من الفراق، يعود نبيل إلى ايام الدراسة، والمدرسة الثانوية التي كانوا بها، يتذكر أن أصدقاءه كانوا شلّة متماسكة، وأنهم يظهرون ولاءً صامتاً للحكم المسيطر على البلاد تحت اسم الجنرال، البلاد كلها تحت سيطرته، والناس منتمون له لتحقيق مصالحهم مهما كانت صغيرة أو تافهة، أو خوفا من بطشه، فكل معارض له هو إما سجين أو قتيل أو هارب، نعم يذكر نبيل أيام قامت حركة أشبه بالثورة على الجنرال منذ عشرات السنين، كيف واجهها بحرب استخدم فيها كلّ أنواع الأسلحة، وأدت لقتل آلاف الناس، وأغلبهم أبرياء لم يواجهوا الجنرال وسلطته أبدا. يتذكر نبيل تلك الأيام، وكيف كانوا يعاملون معلميهم بعدائيّة مقترنة بالمراهقة، ألا استاذهم في الفلسفة: كامل عبد المولى، لقد كان أستاذا متميزاً وممتلئا علماً ووعياً، ويعبر عن موقف سياسي معارض، لقد أشيع عنه أنه من “التنظيم” كتعبير عمن يواجه سلطة الجنرال، ويدفع الثمن الباهظ من حياته سجناً أو موتاً، كان المعلم قريباً من الطلاب، وأحبّه نبيل وأصدقاؤه الثلاثة. المعلم الذي اعتقل أكثر من مرة، وكل مرة لسنوات. تذكر نبيل كل ذلك وهو يفكر بعدم حضور أصدقائه القدامى إلى الحانة للسهر معهم، بدأ يبحث عنهم، وعلم أنهم قد ماتوا بعد لقائهم به، على تسلسل في ثلاثة أيام متتالية، لقد استغرب نبيل ذلك وبدأ يبحث، ما السبب في موتهم ؟!، وما الرابط العجيب في ذلك ؟! ، واكتشف أنهم التقوا صدفة بعد أكثر من عشرين عاماً بمعلمهم كامل عبد المولى وهو في مظهر مزرٍ، لقد كان في مشفى الأمراض العقلية، لقد أحاله الجنرال إلى التحقيق والتعذيب، وكان قد قرر أن يعذبه الى درجة الجنون، خاصة بعد أن تأكد أن المعلم هو من كان يسرب كتابات ضده، وتفضح نظامه وقمعه واستغلاله للناس إلى الخارج، و تنشر باسم مستعار، و لأن المعلم أدرك ذلك فقد مثّل أنّه قد أصيب بالجنون، وتم إخراجه من مشفى الأمراض العقلية؛ ليكون عِبرة بجنونه لكل من يفكر بمعارضة الجنرال، كان اللقاء صادماً للأصدقاء الثلاثة، الذين كانوا قد وطدوا حياتهم على الخنوع وتمثيل أنهم يحبون الجنرال، وولاؤهم له، وكانت المفاجأة الأكبر لهم أن يخرج بصحبة المعلم سجين مصاب بفقدان الذاكرة، لا يعرف الا برقم ٩، خرج ليتعرف عليه الأصدقاء أنه أخو أحدهم الذي أُخذ منذ عشرين عاما كمعتقل أيام قامت القوى السياسية “التنظيم” بثورة ضد الجنرال، وليأتي خبرٌ بعد سنوات أنه قتل في سجن الجنرال بعد محاولة تمرد، أنه لم يمت ، ها هو حي، لكنه لا يذكر من ماضيه أي شيء. ستأخذ الصدمة الأصدقاء الثلاثة، يتركون المعلم ومعه خلدون الفاقد الذاكرة على أن يتواصلوا معهم لاحقاً؛ لعلهم يساعدونه على استرجاع ماضيه وشخصيته. لكن الأصدقاء سيموتون من الغل والصدمة والخوف والقهر تباعا على ثلاثة أيام. يكتشف نبيل كل ذلك. كما تطلّ الرواية على الجنرال وعالمه الذاتي، إنه الحاكم بأمره، حاضر في كل شيء، يريد ترسيخ الانطباع عند كل الناس ومحيطيه أنه إله، حاضر بصوره ومنافقيه وأجهزته الأمنية في كل شيء، الأجهزة الأمنية التي تضم إلى صفوفها فراس ذلك السائق الذي يختطف فتاة، ويغتصبها هو وصديقة، وتلقي عليه القبض دورية أمنية، وتجعله يعمل لصالح الجنرال، وتغطي على جريمته، هذا نموذج لعناصر الأمن وأفعالهم. تقفز الرواية زمنياً الى زمن تنتصر به ثورة الحرية وتسقط الجنرال، ويصبح المعلم وزيرا للثقافة، ويعاد الاعتبار له، ولكل من ناضل ضد الجنرال. تكتمل الرواية عندما يقدم المخطوط نبيل الذي هو المؤلف الى خوسيه الذي هو ابن أخ خلدون فاقد الذاكرة، والذي هاجر إلى إسبانيا، ولذلك أراد ان يحيي ذكرى عمّه وذكرى كل من ناضل ضد الجنرال وحكمه القمعي المستبد الظالم. وهنا تنتهي الرواية. وختاماً نقول: إننا أمام رواية شجاعة جداً، فقد كتبت ونشرت في دمشق عام ٢٠١٠م، إنها تومئ للجنرال حافظ الأسد الحاكم الإله لسورية عبر ثلاثة عقود، والأهم أنها تنتهي بثورة الحرية التي يتوقع حصولها وانتصارها. نعم بعد سنة من نشر الرواية حصلت ثورة الحرية في سورية، صحيح أنها لم تنتصر حتى الآن ٢٠١٩م، لكنها كسرت حاجز مواجهة نظام القمع والاستبداد والاجرام في سورية، وكتبت السطور الأولى لانتصارها.   المصدر]]> الحاكم بأمر اللات رواية صدرت عام 2010 عن دار أطلس للنشر والتوزيع بدمشق؛ رواية تعتمد على طريقة سرد متنوع، فهناك اختلاف في الشخصيات التي تجلس على منصة التعبير، وكذلك اختلاف أزمنة الحدث، ولا يغيب عن الرواية أسلوب التهكم والسخرية والتورية الشديدة. يلتقي المؤلف مع صديقه خوسيه الإسباني، واتفقا على أن يكتب المؤلف رواية يترجمها خوسيه إلى الإسبانية. تبدأ الرواية من حضور نبيل جعفر إلى الحانة لينتظر أصدقاءه: الثلاثي عماد وأنس وسهيل، لقد اتفقوا على أن يقضوا سهرة شراب معاً بعد فراق طالهم منذ زمن بعيد، نبيل ينتظر، وتنقضي السهرة ولا يأتي أصدقاؤه. يستغرب كيف لم يأتي أحد منهم؟، إنهم أصدقاءُ الدراسة وقد التقى بهم صدفة بعد عشرين عاماً من الفراق، يعود نبيل إلى ايام الدراسة، والمدرسة الثانوية التي كانوا بها، يتذكر أن أصدقاءه كانوا شلّة متماسكة، وأنهم يظهرون ولاءً صامتاً للحكم المسيطر على البلاد تحت اسم الجنرال، البلاد كلها تحت سيطرته، والناس منتمون له لتحقيق مصالحهم مهما كانت صغيرة أو تافهة، أو خوفا من بطشه، فكل معارض له هو إما سجين أو قتيل أو هارب، نعم يذكر نبيل أيام قامت حركة أشبه بالثورة على الجنرال منذ عشرات السنين، كيف واجهها بحرب استخدم فيها كلّ أنواع الأسلحة، وأدت لقتل آلاف الناس، وأغلبهم أبرياء لم يواجهوا الجنرال وسلطته أبدا. يتذكر نبيل تلك الأيام، وكيف كانوا يعاملون معلميهم بعدائيّة مقترنة بالمراهقة، ألا استاذهم في الفلسفة: كامل عبد المولى، لقد كان أستاذا متميزاً وممتلئا علماً ووعياً، ويعبر عن موقف سياسي معارض، لقد أشيع عنه أنه من “التنظيم” كتعبير عمن يواجه سلطة الجنرال، ويدفع الثمن الباهظ من حياته سجناً أو موتاً، كان المعلم قريباً من الطلاب، وأحبّه نبيل وأصدقاؤه الثلاثة. المعلم الذي اعتقل أكثر من مرة، وكل مرة لسنوات. تذكر نبيل كل ذلك وهو يفكر بعدم حضور أصدقائه القدامى إلى الحانة للسهر معهم، بدأ يبحث عنهم، وعلم أنهم قد ماتوا بعد لقائهم به، على تسلسل في ثلاثة أيام متتالية، لقد استغرب نبيل ذلك وبدأ يبحث، ما السبب في موتهم ؟!، وما الرابط العجيب في ذلك ؟! ، واكتشف أنهم التقوا صدفة بعد أكثر من عشرين عاماً بمعلمهم كامل عبد المولى وهو في مظهر مزرٍ، لقد كان في مشفى الأمراض العقلية، لقد أحاله الجنرال إلى التحقيق والتعذيب، وكان قد قرر أن يعذبه الى درجة الجنون، خاصة بعد أن تأكد أن المعلم هو من كان يسرب كتابات ضده، وتفضح نظامه وقمعه واستغلاله للناس إلى الخارج، و تنشر باسم مستعار، و لأن المعلم أدرك ذلك فقد مثّل أنّه قد أصيب بالجنون، وتم إخراجه من مشفى الأمراض العقلية؛ ليكون عِبرة بجنونه لكل من يفكر بمعارضة الجنرال، كان اللقاء صادماً للأصدقاء الثلاثة، الذين كانوا قد وطدوا حياتهم على الخنوع وتمثيل أنهم يحبون الجنرال، وولاؤهم له، وكانت المفاجأة الأكبر لهم أن يخرج بصحبة المعلم سجين مصاب بفقدان الذاكرة، لا يعرف الا برقم ٩، خرج ليتعرف عليه الأصدقاء أنه أخو أحدهم الذي أُخذ منذ عشرين عاما كمعتقل أيام قامت القوى السياسية “التنظيم” بثورة ضد الجنرال، وليأتي خبرٌ بعد سنوات أنه قتل في سجن الجنرال بعد محاولة تمرد، أنه لم يمت ، ها هو حي، لكنه لا يذكر من ماضيه أي شيء. ستأخذ الصدمة الأصدقاء الثلاثة، يتركون المعلم ومعه خلدون الفاقد الذاكرة على أن يتواصلوا معهم لاحقاً؛ لعلهم يساعدونه على استرجاع ماضيه وشخصيته. لكن الأصدقاء سيموتون من الغل والصدمة والخوف والقهر تباعا على ثلاثة أيام. يكتشف نبيل كل ذلك. كما تطلّ الرواية على الجنرال وعالمه الذاتي، إنه الحاكم بأمره، حاضر في كل شيء، يريد ترسيخ الانطباع عند كل الناس ومحيطيه أنه إله، حاضر بصوره ومنافقيه وأجهزته الأمنية في كل شيء، الأجهزة الأمنية التي تضم إلى صفوفها فراس ذلك السائق الذي يختطف فتاة، ويغتصبها هو وصديقة، وتلقي عليه القبض دورية أمنية، وتجعله يعمل لصالح الجنرال، وتغطي على جريمته، هذا نموذج لعناصر الأمن وأفعالهم. تقفز الرواية زمنياً الى زمن تنتصر به ثورة الحرية وتسقط الجنرال، ويصبح المعلم وزيرا للثقافة، ويعاد الاعتبار له، ولكل من ناضل ضد الجنرال. تكتمل الرواية عندما يقدم المخطوط نبيل الذي هو المؤلف الى خوسيه الذي هو ابن أخ خلدون فاقد الذاكرة، والذي هاجر إلى إسبانيا، ولذلك أراد ان يحيي ذكرى عمّه وذكرى كل من ناضل ضد الجنرال وحكمه القمعي المستبد الظالم. وهنا تنتهي الرواية. وختاماً نقول: إننا أمام رواية شجاعة جداً، فقد كتبت ونشرت في دمشق عام ٢٠١٠م، إنها تومئ للجنرال حافظ الأسد الحاكم الإله لسورية عبر ثلاثة عقود، والأهم أنها تنتهي بثورة الحرية التي يتوقع حصولها وانتصارها. نعم بعد سنة من نشر الرواية حصلت ثورة الحرية في سورية، صحيح أنها لم تنتصر حتى الآن ٢٠١٩م، لكنها كسرت حاجز مواجهة نظام القمع والاستبداد والاجرام في سورية، وكتبت السطور الأولى لانتصارها.   المصدر]]> 126847 عرض وتلخيص لكتاب الناشط الاعلامي هادي العبد الله “حالات حرجة”.. http://www.souriyati.com/2019/10/28/126813.html Mon, 28 Oct 2019 11:34:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/10/28/126813.html في كتابه الصادر حديثاً يروي هادي العبد الله يوميات الحرب وشهادته على أحداث الثورة السورية بما في ذلك قصص الرفاق الراحلين وشجاعة المصورين وملاحم الثوار في مواجهة الموت والدمار.

خليل مبروك-إسطنبول

لا يبالي الإعلامي والناشط السوري الشاب هادي العبد الله كثيرا بالجنس الروائي الذي ينتمي له كتابه، فهو يعلم أن من يتجول بين دفتيه سيغرق في التعرف على "الحالات الحرجة" التي عاشها السوريون خلال ثماني سنوات هي عمر ثورتهم إلى اليوم.

ويروي العبد الله في كتابه -الذي أعلن عن إطلاقه رسميا مساء أمس السبت في مكتبة الشبكة العربية للأبحاث والنشر بمدينة إسطنبول التركية- الكثير من قصص الموت والحياة التي رافقته ورفاقه في رحلة تدوين الشهادة على قضية شعبه.

ولا يرى بكل الأحوال في كتابه -الصادر عن دار "جسور" للترجمة والنشر في إسطنبول- وثيقة تاريخية بقدر ما يعتبره شهادة حية على واقع ما زال السوريون يتفاعلون معه داخل الوطن وفي الشتات.

ويقول العبد الله للجزيرة نت إنه حاول في الكتاب نقل قصته مع الشهداء الأربعة رائد الفارس وخالد العيسى وحمود الجنيد وطراد الزهوري الذين عايشهم الثورة والذين تشبه حكايتهم حكاية المليون شهيد في سوريا.

هو واحد من الإعلاميين والناشطين السوريين الذين واكبوا فعاليات الثورة السورية منذ بداياتها، ووثقوا الكثير من قصصها، وقد ولد في القصير بحمص عام 1987 وحاز على جائزتي "الصحافة" من منظمة "مراسلون بلا حدود" وجائزة "الصحافة الألمانية" عام 2016.

العهد المكلف وأضاف العبد الله "نقلت العهد للشهداء من خلال فقرة في الكتاب اسمها العهد المكلف تروي قصة الإصابة التي تعرضت لها مع خالد العيسى عام 2016".

ومن يعرف العلاقة بين العبد الله الشاهد والعيسى الشهيد يفهم كيف ولدت قصة "الحالات الحرجة" ويفهم سر الترحيب الحار الذي قدمه المؤلف لوالدة الشهيد حين حضرت لقاء الإعلان عن كتابه.

ففي عام 2016 توجه الرفيقان إلى منطقة جسر الحاج في حلب لتوثيق مجزرة ارتكبها النظام السوري هناك، وبينما كانا منشغلين بتصوير الواقعة عادت مروحيات الأسد لتغرق المكان ببراميل الموت، فأصيب كلاهما برأسه قبل أن يتماثلا للشفاء.

عقب تلك الحادثة أحس العبد الله بمرارة فقد صديقه فطلب منه أن يعاهده بأن يحافظ على نفسه ولا يعرض حياته للخطر، لكن العيسى أبى وطلب من رفيقه أن يعاهده على أن يكمل كل منهما مسيرة الآخر في حال استشهاده، وهذا ما كان.

ويؤكد العبد الله أن كتاب "الحالات الحرجة" الذي يقع في 192 صفحة من الحجم المتوسط يمثل تجربة شخصية حاول من خلالها أن يعيش الثورة من جديد وأن يروي للناس كيف عاش بنفسه الحدث، وكيف كانت مشاعره منذ أن شارك بأول مظاهرة إلى اليوم.

ويشير إلى أن كل ما ورد في الكتاب حقائق لا تخالطها أي كلمة أو سطر من خيال المؤلف أو المحرر، موضحا أنه سيضمن المزيد من الوقائع التي استرجعها بعد إرسال الكتاب للطباعة في طبعات لاحقة.

حكاية شعب وتزدحم سردية الشاب السوري بلون الدم وتفوح منها رائحة البارود المنبعث من براميل الموت في حمص والقلمون وريف دمشق والقصير، لكنه لا يتردد في نسب دور البطولة في كل تلك الوقائع لرفاقه الذين قضوا على درب الثورة.

وأمام العشرات من الشبان السوريين والعرب قال العبد الله إن فكرة جمع مشاهداته في كتاب قد ولدت بعد استشهاد العيسى الذي ترك رحيله في نفسه ألما كبيرا دفعه إلى حد التفكير بالانتحار.

وأشار إلى أن صديقه المحرر جود اقترح عليه أن يكتب كل ما مر فيه من مشاهدات على الثورة السورية على أن يتولى جود مسؤولية تحرير هذا الكتاب الذي لا يحمل صورا أدبية بقدر ما يقص من سير وشواهد من أيام الثورة.

يرتبط اسم الكتاب بدراسة العبد الله لمساق "العناية بالحالات الحرجة" في كلية التمريض بجامعة حمص، قبل أن يتوجه لدراسة الماجستير بهذا الاختصاص، فهو يرى أن كل ما عاشه الشعب السوري ويعيشه حالات حرجة.

المصدر: الجزيرة نت]]>
في كتابه الصادر حديثاً يروي هادي العبد الله يوميات الحرب وشهادته على أحداث الثورة السورية بما في ذلك قصص الرفاق الراحلين وشجاعة المصورين وملاحم الثوار في مواجهة الموت والدمار.

خليل مبروك-إسطنبول

لا يبالي الإعلامي والناشط السوري الشاب هادي العبد الله كثيرا بالجنس الروائي الذي ينتمي له كتابه، فهو يعلم أن من يتجول بين دفتيه سيغرق في التعرف على "الحالات الحرجة" التي عاشها السوريون خلال ثماني سنوات هي عمر ثورتهم إلى اليوم.

ويروي العبد الله في كتابه -الذي أعلن عن إطلاقه رسميا مساء أمس السبت في مكتبة الشبكة العربية للأبحاث والنشر بمدينة إسطنبول التركية- الكثير من قصص الموت والحياة التي رافقته ورفاقه في رحلة تدوين الشهادة على قضية شعبه.

ولا يرى بكل الأحوال في كتابه -الصادر عن دار "جسور" للترجمة والنشر في إسطنبول- وثيقة تاريخية بقدر ما يعتبره شهادة حية على واقع ما زال السوريون يتفاعلون معه داخل الوطن وفي الشتات.

ويقول العبد الله للجزيرة نت إنه حاول في الكتاب نقل قصته مع الشهداء الأربعة رائد الفارس وخالد العيسى وحمود الجنيد وطراد الزهوري الذين عايشهم الثورة والذين تشبه حكايتهم حكاية المليون شهيد في سوريا.

هو واحد من الإعلاميين والناشطين السوريين الذين واكبوا فعاليات الثورة السورية منذ بداياتها، ووثقوا الكثير من قصصها، وقد ولد في القصير بحمص عام 1987 وحاز على جائزتي "الصحافة" من منظمة "مراسلون بلا حدود" وجائزة "الصحافة الألمانية" عام 2016.

العهد المكلف وأضاف العبد الله "نقلت العهد للشهداء من خلال فقرة في الكتاب اسمها العهد المكلف تروي قصة الإصابة التي تعرضت لها مع خالد العيسى عام 2016".

ومن يعرف العلاقة بين العبد الله الشاهد والعيسى الشهيد يفهم كيف ولدت قصة "الحالات الحرجة" ويفهم سر الترحيب الحار الذي قدمه المؤلف لوالدة الشهيد حين حضرت لقاء الإعلان عن كتابه.

ففي عام 2016 توجه الرفيقان إلى منطقة جسر الحاج في حلب لتوثيق مجزرة ارتكبها النظام السوري هناك، وبينما كانا منشغلين بتصوير الواقعة عادت مروحيات الأسد لتغرق المكان ببراميل الموت، فأصيب كلاهما برأسه قبل أن يتماثلا للشفاء.

عقب تلك الحادثة أحس العبد الله بمرارة فقد صديقه فطلب منه أن يعاهده بأن يحافظ على نفسه ولا يعرض حياته للخطر، لكن العيسى أبى وطلب من رفيقه أن يعاهده على أن يكمل كل منهما مسيرة الآخر في حال استشهاده، وهذا ما كان.

ويؤكد العبد الله أن كتاب "الحالات الحرجة" الذي يقع في 192 صفحة من الحجم المتوسط يمثل تجربة شخصية حاول من خلالها أن يعيش الثورة من جديد وأن يروي للناس كيف عاش بنفسه الحدث، وكيف كانت مشاعره منذ أن شارك بأول مظاهرة إلى اليوم.

ويشير إلى أن كل ما ورد في الكتاب حقائق لا تخالطها أي كلمة أو سطر من خيال المؤلف أو المحرر، موضحا أنه سيضمن المزيد من الوقائع التي استرجعها بعد إرسال الكتاب للطباعة في طبعات لاحقة.

حكاية شعب وتزدحم سردية الشاب السوري بلون الدم وتفوح منها رائحة البارود المنبعث من براميل الموت في حمص والقلمون وريف دمشق والقصير، لكنه لا يتردد في نسب دور البطولة في كل تلك الوقائع لرفاقه الذين قضوا على درب الثورة.

وأمام العشرات من الشبان السوريين والعرب قال العبد الله إن فكرة جمع مشاهداته في كتاب قد ولدت بعد استشهاد العيسى الذي ترك رحيله في نفسه ألما كبيرا دفعه إلى حد التفكير بالانتحار.

وأشار إلى أن صديقه المحرر جود اقترح عليه أن يكتب كل ما مر فيه من مشاهدات على الثورة السورية على أن يتولى جود مسؤولية تحرير هذا الكتاب الذي لا يحمل صورا أدبية بقدر ما يقص من سير وشواهد من أيام الثورة.

يرتبط اسم الكتاب بدراسة العبد الله لمساق "العناية بالحالات الحرجة" في كلية التمريض بجامعة حمص، قبل أن يتوجه لدراسة الماجستير بهذا الاختصاص، فهو يرى أن كل ما عاشه الشعب السوري ويعيشه حالات حرجة.

المصدر: الجزيرة نت]]>
126813
عبدالرزاق دحنون: مكتبة إبلا في إدلب من أقدم مكتيات العالم http://www.souriyati.com/2019/10/28/126790.html Mon, 28 Oct 2019 10:44:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/10/28/126790.html يزعم أهل الشمال السوري أن بلداتهم الصغيرة المنسية المتناثرة على الهضاب الكلسية –والتي كان زيت زيتونها يُضيء شوارع روما ذات يوم- هي سرة بلاد الشام, والوارثة لملاحة الحضارات القديمة في الشرق العربي, على الرغم من إهمال ياقوت الحموي ذكر معظمها في معجمه, لأنها لم تكن في أيامه إلا قرى زراعية صغيرة, أومدن أثرية مهجورة, أو رسوم دارسة, في حين ذكر تلك البلدات الكبيرة العامرة بالحياة , كمعرة النعمان بلدة فيلسوف المعرة "أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي" المكني بأبي العلاء المعري, ونحن نفتخر بأن تربتنا تحتضن رفات ذلك الإنسان الجليل. وعلى بُعد بضعة كيلو مترات إلى الشرق من معرة النعمان يرقد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز في دير شرقي, والناس تظن قبره في دمشق. ازدانت هذه الملاحة الحضارية حُسناً ورونقاً وألقاً مع اكتشاف وثائق وسجلات القصر الملكي في مكتبة "إبلا" في "تل مرديخ" عام 1975 والتي ضمت أقدم مجموعة من الوثائق الرسمية وأكملها لدولة ظهرت في شمال بلاد الرافدين. محفوظات القصر الملكي أضافت معلومات جديدة كل الجدة إلى تاريخ سورية والمشرق القديم في النصف الثاني من الألف الثالث قبل ميلاد السيد المسيح. ويمكننا القول هنا بثقة تامة إن اكتشاف مكتبة "إبلا" يضعنا وجهاً لوجه أمام أعظم الاكتشافات الأثرية في القرن الماضي. حدث ذلك في أحد أيام تشرين الأول من عام 1975 فقد كان أحد العمال يعالج تراباً هشاً من بقيا أرضية غرفة في الجناح الشمالي الغربي من القصر الملكي, شاهد فتحة صغيرة عمل على توسيعها فظهرت حجرة كبيرة تحت أقدامه, وعندما قام المنقبون بتوسيع تلك الفتحة وجدوا أنفسهم في حجرة واسعة حيث ظهر أمام أعينهم آلاف الرقم الفخارية الصحيحة والمكسورة وقد تكدست بعضها فوق بعض. و صرَّحت غابرييلا ماتييه زوجة باولو ماتييه مكتشف مملكة "إبلا" في ذلك اليوم قائلة: "عندما رأينا الحجرة ووقعت عيوننا على كومة الألواح تملكنا شعور هستيري, إنها تشبه تماماً المكتبة التي أغلقها أمينها البارحة في الساعة الخامسة". يقول باولو ماتييه رئيس البعثة الايطالية العاملة في تل مرديخ ومكتشف مكتبة "إبلا": "تتألف المكتبة الملكية من عدد ضخم من رقم الفخار الطينية بلغت نحو سبعة عشر ألف وخمسمائة رقم وكسرة طينية مكتوبة, تُشكل بمجموعها الأرشيف الملكي في "إبلا", تتألف من نصوص إدارية واقتصادية وقضائية ودينية وأدبية ومدرسية وقوائم معجمية ورسائل ومعاهدات. وهي رقم كُتبت بالخط المسماري, ورُتّبت على رفوف خشبية. تختلف الرقم الفخارية من حيث الحجم فمعظمها صغير لا يتجاوز أبعاده بضعة سنتمترات كالنصوص الاقتصادية وبعضها كبير الحجم تتراوح أبعاده ما بين خمسة وثلاثين سنتمتراً وأربعين سنتمتراً وله شكل مربع او مستطيل كالمعاهدات والقوائم المعجمية. وتُظهر لنا حجرة مكتبة الأرشيف الملكي ترتيباً مكتبياً عملياً للرقم الفخارية التي كانت موجودة فيها. حيث رُتبت الرقم الفخارية على رفوف خشبية -يُعتقد أنها ثلاثة- مثبتة في الجدران ولها دعائم أرضية بحيث وضعت الصغيرة فوق والكبيرة تحت. و يبلغ عمق الرف في حدود ثمانين سنتمتر وتفصله عن الرف الذي يليه مسافة في حدود خمسين سنتمتر. وقد تحوَّلت تلك الرفوف والدعائم الخشبية إلى رماد نتيجة النيران التي أصابت القصر الملكي وأدت إلى شوي الرقم الطينية وأكسبتها صلابة ساعدتها على تحدي عاديات الزمان". عُثر في حجرة مجاورة للمكتبة على رقم طينية وعلى جرة مملوءة بالطين وبعض أدوات الكتابة -أقلام من العظم- مما يُثبت أن هذه الحجرة كانت تُستخدم لكتابة الرقم الطينية. وقد أكد رئيس البعثة الإيطالية باولو ماتييه أن المكتبة هُدمتْ مع القصر الملكي وقد بدا تأثير الحريق واضحاً على الخشب المتفحم وعلى "الطوب" المُجفف تحت أشعة الشمس والذي بُنيت به جدران المكتبة والقصر الملكي. وقد رجَّح أن هذا الحريق تم بفعل الملك "نارام –سن" حفيد مؤسس الدولة الأكادية "شارو- كين" في حدود عام (2250 ) قبل الميلاد, والذي يفخر في كتاباته:" إني أنا الذي فتح إبلا ولم يكن بإمكان أحد قبلي أن يقوم بهذا العمل". أثار اكتشاف مكتبة "إبلا" ضجَّة علمية كبرى بين علماء الأثار ومؤرخي الشرق القديم, فقد كانت النظرة السابقة تزعم أن سورية -خاصة في الشمال- كانت خلال تاريخها القديم منطقة نزاع دائم بين الممالك والامبراطوريات الكبرى التي قامت على شواطئ دجلة والفرات, فجاء اكتشاف سجلات القصر الملكي في مكتبة "إبلا" ليؤكد أمرين: الأول أن الحضارة يمكن أن تنشأ وتتطور بعيدة عن الأنهار الكبرى فدولة "إبلا" كانت منطقة زراعية كبيرة اعتمدت -بشكل رئيسي- على مياه الأمطار والمحاصيل البعلية. والثاني أن سورية كانت في الألف الثالث قبل الميلاد دولة قوية ومركزاً حضارياً مهماً كما هو حال دول المدن السومرية في وادي الرافدين: أور, اريدو, لارسا, أوروك, لكش, أومّا, ايسن, أدب, نيبور, كيش, أشنونا, بابل, ماري. هذه المدن العامرة بالحضارة كانت أرقى الأماكن في العالم التي نشأت على حافة أحواض القصب على ضفاف دجلة والفرات, وفيها ولدت الكتابة في حدود الألف الرابع قبل الميلاد, لذلك فإن اكتشاف مكتبة مملكة "إبلا" في إدلب يُعد أحد أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين. إبلا: https://www.youtube.com/watch?v=JtUk-dTIvCc&t=176s]]> يزعم أهل الشمال السوري أن بلداتهم الصغيرة المنسية المتناثرة على الهضاب الكلسية –والتي كان زيت زيتونها يُضيء شوارع روما ذات يوم- هي سرة بلاد الشام, والوارثة لملاحة الحضارات القديمة في الشرق العربي, على الرغم من إهمال ياقوت الحموي ذكر معظمها في معجمه, لأنها لم تكن في أيامه إلا قرى زراعية صغيرة, أومدن أثرية مهجورة, أو رسوم دارسة, في حين ذكر تلك البلدات الكبيرة العامرة بالحياة , كمعرة النعمان بلدة فيلسوف المعرة "أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي" المكني بأبي العلاء المعري, ونحن نفتخر بأن تربتنا تحتضن رفات ذلك الإنسان الجليل. وعلى بُعد بضعة كيلو مترات إلى الشرق من معرة النعمان يرقد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز في دير شرقي, والناس تظن قبره في دمشق. ازدانت هذه الملاحة الحضارية حُسناً ورونقاً وألقاً مع اكتشاف وثائق وسجلات القصر الملكي في مكتبة "إبلا" في "تل مرديخ" عام 1975 والتي ضمت أقدم مجموعة من الوثائق الرسمية وأكملها لدولة ظهرت في شمال بلاد الرافدين. محفوظات القصر الملكي أضافت معلومات جديدة كل الجدة إلى تاريخ سورية والمشرق القديم في النصف الثاني من الألف الثالث قبل ميلاد السيد المسيح. ويمكننا القول هنا بثقة تامة إن اكتشاف مكتبة "إبلا" يضعنا وجهاً لوجه أمام أعظم الاكتشافات الأثرية في القرن الماضي. حدث ذلك في أحد أيام تشرين الأول من عام 1975 فقد كان أحد العمال يعالج تراباً هشاً من بقيا أرضية غرفة في الجناح الشمالي الغربي من القصر الملكي, شاهد فتحة صغيرة عمل على توسيعها فظهرت حجرة كبيرة تحت أقدامه, وعندما قام المنقبون بتوسيع تلك الفتحة وجدوا أنفسهم في حجرة واسعة حيث ظهر أمام أعينهم آلاف الرقم الفخارية الصحيحة والمكسورة وقد تكدست بعضها فوق بعض. و صرَّحت غابرييلا ماتييه زوجة باولو ماتييه مكتشف مملكة "إبلا" في ذلك اليوم قائلة: "عندما رأينا الحجرة ووقعت عيوننا على كومة الألواح تملكنا شعور هستيري, إنها تشبه تماماً المكتبة التي أغلقها أمينها البارحة في الساعة الخامسة". يقول باولو ماتييه رئيس البعثة الايطالية العاملة في تل مرديخ ومكتشف مكتبة "إبلا": "تتألف المكتبة الملكية من عدد ضخم من رقم الفخار الطينية بلغت نحو سبعة عشر ألف وخمسمائة رقم وكسرة طينية مكتوبة, تُشكل بمجموعها الأرشيف الملكي في "إبلا", تتألف من نصوص إدارية واقتصادية وقضائية ودينية وأدبية ومدرسية وقوائم معجمية ورسائل ومعاهدات. وهي رقم كُتبت بالخط المسماري, ورُتّبت على رفوف خشبية. تختلف الرقم الفخارية من حيث الحجم فمعظمها صغير لا يتجاوز أبعاده بضعة سنتمترات كالنصوص الاقتصادية وبعضها كبير الحجم تتراوح أبعاده ما بين خمسة وثلاثين سنتمتراً وأربعين سنتمتراً وله شكل مربع او مستطيل كالمعاهدات والقوائم المعجمية. وتُظهر لنا حجرة مكتبة الأرشيف الملكي ترتيباً مكتبياً عملياً للرقم الفخارية التي كانت موجودة فيها. حيث رُتبت الرقم الفخارية على رفوف خشبية -يُعتقد أنها ثلاثة- مثبتة في الجدران ولها دعائم أرضية بحيث وضعت الصغيرة فوق والكبيرة تحت. و يبلغ عمق الرف في حدود ثمانين سنتمتر وتفصله عن الرف الذي يليه مسافة في حدود خمسين سنتمتر. وقد تحوَّلت تلك الرفوف والدعائم الخشبية إلى رماد نتيجة النيران التي أصابت القصر الملكي وأدت إلى شوي الرقم الطينية وأكسبتها صلابة ساعدتها على تحدي عاديات الزمان". عُثر في حجرة مجاورة للمكتبة على رقم طينية وعلى جرة مملوءة بالطين وبعض أدوات الكتابة -أقلام من العظم- مما يُثبت أن هذه الحجرة كانت تُستخدم لكتابة الرقم الطينية. وقد أكد رئيس البعثة الإيطالية باولو ماتييه أن المكتبة هُدمتْ مع القصر الملكي وقد بدا تأثير الحريق واضحاً على الخشب المتفحم وعلى "الطوب" المُجفف تحت أشعة الشمس والذي بُنيت به جدران المكتبة والقصر الملكي. وقد رجَّح أن هذا الحريق تم بفعل الملك "نارام –سن" حفيد مؤسس الدولة الأكادية "شارو- كين" في حدود عام (2250 ) قبل الميلاد, والذي يفخر في كتاباته:" إني أنا الذي فتح إبلا ولم يكن بإمكان أحد قبلي أن يقوم بهذا العمل". أثار اكتشاف مكتبة "إبلا" ضجَّة علمية كبرى بين علماء الأثار ومؤرخي الشرق القديم, فقد كانت النظرة السابقة تزعم أن سورية -خاصة في الشمال- كانت خلال تاريخها القديم منطقة نزاع دائم بين الممالك والامبراطوريات الكبرى التي قامت على شواطئ دجلة والفرات, فجاء اكتشاف سجلات القصر الملكي في مكتبة "إبلا" ليؤكد أمرين: الأول أن الحضارة يمكن أن تنشأ وتتطور بعيدة عن الأنهار الكبرى فدولة "إبلا" كانت منطقة زراعية كبيرة اعتمدت -بشكل رئيسي- على مياه الأمطار والمحاصيل البعلية. والثاني أن سورية كانت في الألف الثالث قبل الميلاد دولة قوية ومركزاً حضارياً مهماً كما هو حال دول المدن السومرية في وادي الرافدين: أور, اريدو, لارسا, أوروك, لكش, أومّا, ايسن, أدب, نيبور, كيش, أشنونا, بابل, ماري. هذه المدن العامرة بالحضارة كانت أرقى الأماكن في العالم التي نشأت على حافة أحواض القصب على ضفاف دجلة والفرات, وفيها ولدت الكتابة في حدود الألف الرابع قبل الميلاد, لذلك فإن اكتشاف مكتبة مملكة "إبلا" في إدلب يُعد أحد أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين. إبلا: https://www.youtube.com/watch?v=JtUk-dTIvCc&t=176s]]> 126790 .: كتاب نهايه أسطوره/للكاتبه هانم داود http://www.souriyati.com/2019/10/10/126798.html Thu, 10 Oct 2019 09:44:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/10/10/126798.html كتاب نهايه أسطوره/للكاتبه هانم داود مزيج من الأحداث الإجتماعيه و البوليسيه والنفسيه والرومانسيه والدراميه،عدم الانصياع إلى سيطره الأخرين عليك وطموحاتهم الهدامه،أى لاتترك المجال لهيمنه الآخرين عليك وتحطيم مستقبلك،وعدم الانقياد وراء أهوائنا وشهواتنا وهفواتنا، سيمفونية رائعة تعزفها قلوب عاشقه للحريه للحب للحياه وما الأشياء التى حين تجتمع عليه تصم آذانه نحو أطماعه،لا تغلق،عينيك حتى لا تفلت منك المفاجأه،روايه تأخذك الى عالم البوليسيه والصراع الخيال والواقعيه بحلوها ومرها وللكاتبه روايه صوت العصيان عن ثوره 25 يناير ،وروايه وخنت قلبى عن ثوره 30 يونيو فى قالب بوليسى روايه: نهايه أسطوره للكاتبه: هانم داود وتدور أحداث الرواية حول حرب أكتوبر والسعى لتحرير الأرض وحول سيطره فكره إحتلال الأرض عند المستبد "نهايه أسطوره" هدف معظم أبطال الروايه الإستحواذ والثراء والسيطره على ما يملك الأخرين،وسعى الطرف الأخر لتحرير نفسه من قبضه المستبد مهما كانت قوته كان يظن أن أحلامه تحققت ،لمجرد السطو على ممتلكات الآخرين،وأن جرائمه لن يتكشفها أحد،ولم يجرؤ أحد على التصدى له،ولا يستطيع الاقتصاص منه مظلوم، يختبأ فى أحلامه،يسكن أوهامه،وجسور القوه التى صنعها من أوهامه،يعدو من خلالها للحياه، تبعده عن الحقيقه ،و تصبح فى لحظات،طوق للمظلوم تنهى طموحاته يا ترى مالذى يؤرقه وماالذى يطرب له قلبه الآن هل مازالت تطارده أشياء لا يعلم مصدرها،ودماء الأبرياء تهاجمه، هانم داود المصدر: .]]> كتاب نهايه أسطوره/للكاتبه هانم داود مزيج من الأحداث الإجتماعيه و البوليسيه والنفسيه والرومانسيه والدراميه،عدم الانصياع إلى سيطره الأخرين عليك وطموحاتهم الهدامه،أى لاتترك المجال لهيمنه الآخرين عليك وتحطيم مستقبلك،وعدم الانقياد وراء أهوائنا وشهواتنا وهفواتنا، سيمفونية رائعة تعزفها قلوب عاشقه للحريه للحب للحياه وما الأشياء التى حين تجتمع عليه تصم آذانه نحو أطماعه،لا تغلق،عينيك حتى لا تفلت منك المفاجأه،روايه تأخذك الى عالم البوليسيه والصراع الخيال والواقعيه بحلوها ومرها وللكاتبه روايه صوت العصيان عن ثوره 25 يناير ،وروايه وخنت قلبى عن ثوره 30 يونيو فى قالب بوليسى روايه: نهايه أسطوره للكاتبه: هانم داود وتدور أحداث الرواية حول حرب أكتوبر والسعى لتحرير الأرض وحول سيطره فكره إحتلال الأرض عند المستبد "نهايه أسطوره" هدف معظم أبطال الروايه الإستحواذ والثراء والسيطره على ما يملك الأخرين،وسعى الطرف الأخر لتحرير نفسه من قبضه المستبد مهما كانت قوته كان يظن أن أحلامه تحققت ،لمجرد السطو على ممتلكات الآخرين،وأن جرائمه لن يتكشفها أحد،ولم يجرؤ أحد على التصدى له،ولا يستطيع الاقتصاص منه مظلوم، يختبأ فى أحلامه،يسكن أوهامه،وجسور القوه التى صنعها من أوهامه،يعدو من خلالها للحياه، تبعده عن الحقيقه ،و تصبح فى لحظات،طوق للمظلوم تنهى طموحاته يا ترى مالذى يؤرقه وماالذى يطرب له قلبه الآن هل مازالت تطارده أشياء لا يعلم مصدرها،ودماء الأبرياء تهاجمه، هانم داود المصدر: .]]> 126798 .: كتاب نهايه أسطوره/للكاتبه هانم داود http://www.souriyati.com/2019/10/04/126917.html Fri, 04 Oct 2019 15:51:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/10/04/126917.html كتاب نهايه أسطوره/للكاتبه هانم داود مزيج من الأحداث الإجتماعيه و البوليسيه والنفسيه والرومانسيه والدراميه،عدم الانصياع إلى سيطره الأخرين عليك وطموحاتهم الهدامه،أى لاتترك المجال لهيمنه الآخرين عليك وتحطيم مستقبلك،وعدم الانقياد وراء أهوائنا وشهواتنا وهفواتنا، سيمفونية رائعة تعزفها قلوب عاشقه للحريه للحب للحياه وما الأشياء التى حين تجتمع عليه تصم آذانه نحو أطماعه،لا تغلق،عينيك حتى لا تفلت منك المفاجأه،روايه تأخذك الى عالم البوليسيه والصراع الخيال والواقعيه بحلوها ومرها وللكاتبه روايه صوت العصيان عن ثوره 25 يناير ،وروايه وخنت قلبى عن ثوره 30 يونيو فى قالب بوليسى روايه: نهايه أسطوره للكاتبه: هانم داود وتدور أحداث الرواية حول حرب أكتوبر والسعى لتحرير الأرض وحول سيطره فكره إحتلال الأرض عند المستبد "نهايه أسطوره" هدف معظم أبطال الروايه الإستحواذ والثراء والسيطره على ما يملك الأخرين،وسعى الطرف الأخر لتحرير نفسه من قبضه المستبد مهما كانت قوته كان يظن أن أحلامه تحققت ،لمجرد السطو على ممتلكات الآخرين،وأن جرائمه لن يتكشفها أحد،ولم يجرؤ أحد على التصدى له،ولا يستطيع الاقتصاص منه مظلوم، يختبأ فى أحلامه،يسكن أوهامه،وجسور القوه التى صنعها من أوهامه،يعدو من خلالها للحياه، تبعده عن الحقيقه ،و تصبح فى لحظات،طوق للمظلوم تنهى طموحاته يا ترى مالذى يؤرقه وماالذى يطرب له قلبه الآن هل مازالت تطارده أشياء لا يعلم مصدرها،ودماء الأبرياء تهاجمه، ]]> كتاب نهايه أسطوره/للكاتبه هانم داود مزيج من الأحداث الإجتماعيه و البوليسيه والنفسيه والرومانسيه والدراميه،عدم الانصياع إلى سيطره الأخرين عليك وطموحاتهم الهدامه،أى لاتترك المجال لهيمنه الآخرين عليك وتحطيم مستقبلك،وعدم الانقياد وراء أهوائنا وشهواتنا وهفواتنا، سيمفونية رائعة تعزفها قلوب عاشقه للحريه للحب للحياه وما الأشياء التى حين تجتمع عليه تصم آذانه نحو أطماعه،لا تغلق،عينيك حتى لا تفلت منك المفاجأه،روايه تأخذك الى عالم البوليسيه والصراع الخيال والواقعيه بحلوها ومرها وللكاتبه روايه صوت العصيان عن ثوره 25 يناير ،وروايه وخنت قلبى عن ثوره 30 يونيو فى قالب بوليسى روايه: نهايه أسطوره للكاتبه: هانم داود وتدور أحداث الرواية حول حرب أكتوبر والسعى لتحرير الأرض وحول سيطره فكره إحتلال الأرض عند المستبد "نهايه أسطوره" هدف معظم أبطال الروايه الإستحواذ والثراء والسيطره على ما يملك الأخرين،وسعى الطرف الأخر لتحرير نفسه من قبضه المستبد مهما كانت قوته كان يظن أن أحلامه تحققت ،لمجرد السطو على ممتلكات الآخرين،وأن جرائمه لن يتكشفها أحد،ولم يجرؤ أحد على التصدى له،ولا يستطيع الاقتصاص منه مظلوم، يختبأ فى أحلامه،يسكن أوهامه،وجسور القوه التى صنعها من أوهامه،يعدو من خلالها للحياه، تبعده عن الحقيقه ،و تصبح فى لحظات،طوق للمظلوم تنهى طموحاته يا ترى مالذى يؤرقه وماالذى يطرب له قلبه الآن هل مازالت تطارده أشياء لا يعلم مصدرها،ودماء الأبرياء تهاجمه، ]]> 126917 أورنينا.. أوركسترا سورية في قلب برلين http://www.souriyati.com/2019/09/29/126432.html Sun, 29 Sep 2019 09:16:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/09/29/126432.html استطاعت فرقة الأوركسترا السورية "أورنينا" بقيادة المايسترو شفيع بدر الدين جمع ثلة في الشتات من العازفين السوريين المحترفين، المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، مع أربعة من أساتذة الغناء: لبانة القنطار، المقيمة في أميركا، ورشا رزق المقيمة في فرنسا، وعلي أسعد، المقيم في النمسا، وشادي علي، المقيم في السويد، بالإضافة الى كورال غنائي من مدينة برلين. لا تأتي أهمية الحدث فقط في القدرة على توليف أطياف العازفين والمغنين السوريين المنتشرين في بقاع الأرض بل أيضاً بقدر ما تعلنه من تحد في الوقوف على أحد أهم المسارح في العالم حيث انطلقت أعمال إبداعية لكبار الفنانين العالميين، ويزعم بدر الدين أن هذه القاعة لم تشهد من قبل حضور هذه المادة الموسيقية بهذا الشكل الأوركسترالي وهذه المعالجة التراثية. في 2002 وبعد أن حط شفيع بدر الدين رحاله في فرنسا، وهو الذي درس العود والكلارينيت والنظريات الموسيقية في المعهد العالي للموسيقا في دمشق وبعدها أتم دراسة التأليف الموسيقي في كونسرفوتوار ليون/فرنسا وقيادة الأوركسترا في كونسرفوتوار ديجون، أطلق فرقة صغيرة باسم "تقاسيم" وبانتقاله إلى لوكسمبورغ أسس فرقة أخرى مع نخبة من الموسيقيين السوريين. شرارة البداية كانت بداية تأسيس فرقة محترفة في المهجر ليست بالسهلة على شفيع بدر الدين بعد أن حط رحال هجرته في فرنسا عام 2002. أكثر من تجربة خاضها بدر الدين، لكنه يذكر لـ"جاليات" أن البداية الحقيقية كانت في 2016 بعد تزايد أعداد السوريين القادمين إلى أوروبا، نتيجة ظروف الحرب والاستبداد في البلد. وبين هؤلاء الذين اتجهوا إلى القارة كان عدد لا بأس به من الموسيقيين السوريين وخريجين محترفين، وهنا لمعت الفكرة لدى الرجل لتأسيس "فرقة محترفة تقدم الكلاسيك والتقليدي العربي عموماً، والسوري خصوصاً برؤية حديثة". ويضيف بدر الدين عن رؤيته الحداثوية في موسيقى انطلقت بمهاجرين أن "الخيط رفيع بين الأصالة والأصولية الفنية، في حين تلتزم الاولى بالتراث وتأخذ منه وتبني عليه، وفي الثانية تتشبث به وتعتبر مجرد المساس تشويه، وشخصياً أرى الاتجاهين إيجابيين ولكليهما جمالياته ولونه الخاص". الموسيقى والفنون عموما في مهجرها تبدو أكثر تحررا عند بدر الدين الذي انطلق قبل 3 أعوام مؤسسا فرقة أوركسترا أورنينا، بعد أن خاض تجربة تأسيس فرقة صغيرة حملت اسم "تقاسيم"، وعن ذلك يذكر بدر الدين أن "الفنون بطبيعتها مواجهة للاستبداد، وإن اعتاد المستبدون استخدامها لمصالحهم يبقى الاستثناء دوماً هو أن نحاول". في حفل برلين "صوت من سورية" لم يكن الجمهور العربي والغربي المتذوق للموسيقى أمام أوركسترا وغناء غير احترافي، فقد بدا واضحا انجذاب الحضور الكبير لأصوات ليست حديثة عهد في الأداء في مهاجرها الغربية. فالمغنية لبانة القنطار ذكرت لـ"جاليات" أنها تسعى عبر صوتها إلى "إحداث صدع في جدار الرداءة المنتشرة". وجدير بالذكر أن القنطار حاصلة على عدة جوائز عالمية، وهي تجد المتلقي لما تقدمه فرقة أورنينا "حساسا ومتذوقا للفن الجيد والأصيل، ومن المهم جدا أن نبقي على تواصلنا مع الجمهور السوري في أوروبا من خلال المسارح حيث يقيمون". وتضيف أن تأسيس الفرقة قبل نحو 3 سنوات "منحنا فرصة للالتقاء كموسيقيين شتتنا وضع بلدنا والحرب فيه لنستعيد التواصل ونستكمل مشاريعنا التي بدأناها في دمشق قبل تهجرنا". ورغم أن الانطلاقة سورية فإن أعضاء الفرقة لا ينقطعون، كما في احتفالية برلين على مسرحها العريق، "فيلهارموني"، عن إيقاعات عربية أوسع، وهم يؤكدون أن القطعة التي حملت تسمية "متتالية الربيع" هي تجميع إيقاعات لأغان من مختلف دول الربيع العربي، وتوزيعها بقالب أوركسترالي باعتبار أن "هذا تأكيد على خسارة الرهان في عزل تجارب الشعوب، فالحرب تفرق الجموع لكن الموسيقا تجمعهم". وعن ذلك يضيف بدر الدين "المقطوعة ومع أنها ليست خطابا سياسيا إلا أنها موجهة للناس المؤمنين بحقيقة التغيير، لأولئك الذين خرجوا يطلبون التغيير الحقيقي في العالم العربي". فوجئ على سبيل المثال بعض الحضور العربي المهاجر في ألمانيا، ومن خارجها لحضور أمسية عربية، أن استمعوا من أورنينا إلى شيء من بلدهم. وعن ذلك يقول الطبيب السوداني أحمد "لا أصدق أني استمعت لأغنية من بلدي السودان تؤدى بحناجر سورية على مسرح ألماني، كان ذلك تخطيا حقيقيا لكل حاجز". تفاعل حضاري القصة بين فناني وموسيقيي سورية في مهجرهم تتخطى مجرد أداء إلى "سجال فكري وثقافي وحضاري". وبالنسبة لمايسترو الفرقة بدر الدين فإن هذا التفاعل "رغم وعينا باختلاف اللغة إلا أن النص الغنائي محمول على حامل صوتي وهذا لا يحتاج ترجمة، وللفن قدرته الخاصة على ايصال الأفكار حسياً، فالاغتراب هو أن نكون هنا ونبقى غير مرئيين والخلاص رهن في مد الجسور بيننا وبينهم". وبين أبناء الجاليات العربية الحاضرين لأمسية أورنينا من وجدها فرصة لإعادة لم شمل ما تشتت خلال سنوات من هجرتهم. فقد ذكرت الصيدلانية السورية المقيمة في هولندا، سيلفا إبراهيم، أنها حضرت "خصيصا لحضور الأمسية لألتقي بمن فرقتنا الحرب عنهم خلال السنوات الخمس الماضية، ومن هؤلاء صديقتي يارا، عازفة كمان في الفرقة، ليس فقط لأشجعها، بل أيضا لأقول إنه من خلال حفل كهذا نقهر الشعور بالاغتراب، ونرفض الامتثال للصورة النمطية المنتشرة عن السوريين في أوروبا". وبالرغم من غياب اللغة فإن الحضور الألماني صفق بحماسة لأداء أورنينا، ووجدها فرصة للتعرف على الخلفية والوجه الآخر للسوريين الذين حضروا إلى بلدهم كلاجئين وبعيدا عن صورة تنميطهم بما دأب البعض، إعلاميا وسياسيا عمله تجاه هؤلاء. وعن ذلك ذكرت لـ"جاليات" ليزا كروس "فهمنا للغة العربية لم يكن ضرورة هنا، فالتأثر العاطفي والحسي كانا كبيرين بالإنصات إلى ألحان موسيقى عربية، فقد حضرت سابقا عديد المناسبات الموسيقية العربية في بلدنا، لكنني أجزم بأني لم أتأثر كما تأثرت اليوم مع فرقة أورنينا". المصدر: العربي الجديد - برلين- ديانا ملاك]]> استطاعت فرقة الأوركسترا السورية "أورنينا" بقيادة المايسترو شفيع بدر الدين جمع ثلة في الشتات من العازفين السوريين المحترفين، المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، مع أربعة من أساتذة الغناء: لبانة القنطار، المقيمة في أميركا، ورشا رزق المقيمة في فرنسا، وعلي أسعد، المقيم في النمسا، وشادي علي، المقيم في السويد، بالإضافة الى كورال غنائي من مدينة برلين. لا تأتي أهمية الحدث فقط في القدرة على توليف أطياف العازفين والمغنين السوريين المنتشرين في بقاع الأرض بل أيضاً بقدر ما تعلنه من تحد في الوقوف على أحد أهم المسارح في العالم حيث انطلقت أعمال إبداعية لكبار الفنانين العالميين، ويزعم بدر الدين أن هذه القاعة لم تشهد من قبل حضور هذه المادة الموسيقية بهذا الشكل الأوركسترالي وهذه المعالجة التراثية. في 2002 وبعد أن حط شفيع بدر الدين رحاله في فرنسا، وهو الذي درس العود والكلارينيت والنظريات الموسيقية في المعهد العالي للموسيقا في دمشق وبعدها أتم دراسة التأليف الموسيقي في كونسرفوتوار ليون/فرنسا وقيادة الأوركسترا في كونسرفوتوار ديجون، أطلق فرقة صغيرة باسم "تقاسيم" وبانتقاله إلى لوكسمبورغ أسس فرقة أخرى مع نخبة من الموسيقيين السوريين. شرارة البداية كانت بداية تأسيس فرقة محترفة في المهجر ليست بالسهلة على شفيع بدر الدين بعد أن حط رحال هجرته في فرنسا عام 2002. أكثر من تجربة خاضها بدر الدين، لكنه يذكر لـ"جاليات" أن البداية الحقيقية كانت في 2016 بعد تزايد أعداد السوريين القادمين إلى أوروبا، نتيجة ظروف الحرب والاستبداد في البلد. وبين هؤلاء الذين اتجهوا إلى القارة كان عدد لا بأس به من الموسيقيين السوريين وخريجين محترفين، وهنا لمعت الفكرة لدى الرجل لتأسيس "فرقة محترفة تقدم الكلاسيك والتقليدي العربي عموماً، والسوري خصوصاً برؤية حديثة". ويضيف بدر الدين عن رؤيته الحداثوية في موسيقى انطلقت بمهاجرين أن "الخيط رفيع بين الأصالة والأصولية الفنية، في حين تلتزم الاولى بالتراث وتأخذ منه وتبني عليه، وفي الثانية تتشبث به وتعتبر مجرد المساس تشويه، وشخصياً أرى الاتجاهين إيجابيين ولكليهما جمالياته ولونه الخاص". الموسيقى والفنون عموما في مهجرها تبدو أكثر تحررا عند بدر الدين الذي انطلق قبل 3 أعوام مؤسسا فرقة أوركسترا أورنينا، بعد أن خاض تجربة تأسيس فرقة صغيرة حملت اسم "تقاسيم"، وعن ذلك يذكر بدر الدين أن "الفنون بطبيعتها مواجهة للاستبداد، وإن اعتاد المستبدون استخدامها لمصالحهم يبقى الاستثناء دوماً هو أن نحاول". في حفل برلين "صوت من سورية" لم يكن الجمهور العربي والغربي المتذوق للموسيقى أمام أوركسترا وغناء غير احترافي، فقد بدا واضحا انجذاب الحضور الكبير لأصوات ليست حديثة عهد في الأداء في مهاجرها الغربية. فالمغنية لبانة القنطار ذكرت لـ"جاليات" أنها تسعى عبر صوتها إلى "إحداث صدع في جدار الرداءة المنتشرة". وجدير بالذكر أن القنطار حاصلة على عدة جوائز عالمية، وهي تجد المتلقي لما تقدمه فرقة أورنينا "حساسا ومتذوقا للفن الجيد والأصيل، ومن المهم جدا أن نبقي على تواصلنا مع الجمهور السوري في أوروبا من خلال المسارح حيث يقيمون". وتضيف أن تأسيس الفرقة قبل نحو 3 سنوات "منحنا فرصة للالتقاء كموسيقيين شتتنا وضع بلدنا والحرب فيه لنستعيد التواصل ونستكمل مشاريعنا التي بدأناها في دمشق قبل تهجرنا". ورغم أن الانطلاقة سورية فإن أعضاء الفرقة لا ينقطعون، كما في احتفالية برلين على مسرحها العريق، "فيلهارموني"، عن إيقاعات عربية أوسع، وهم يؤكدون أن القطعة التي حملت تسمية "متتالية الربيع" هي تجميع إيقاعات لأغان من مختلف دول الربيع العربي، وتوزيعها بقالب أوركسترالي باعتبار أن "هذا تأكيد على خسارة الرهان في عزل تجارب الشعوب، فالحرب تفرق الجموع لكن الموسيقا تجمعهم". وعن ذلك يضيف بدر الدين "المقطوعة ومع أنها ليست خطابا سياسيا إلا أنها موجهة للناس المؤمنين بحقيقة التغيير، لأولئك الذين خرجوا يطلبون التغيير الحقيقي في العالم العربي". فوجئ على سبيل المثال بعض الحضور العربي المهاجر في ألمانيا، ومن خارجها لحضور أمسية عربية، أن استمعوا من أورنينا إلى شيء من بلدهم. وعن ذلك يقول الطبيب السوداني أحمد "لا أصدق أني استمعت لأغنية من بلدي السودان تؤدى بحناجر سورية على مسرح ألماني، كان ذلك تخطيا حقيقيا لكل حاجز". تفاعل حضاري القصة بين فناني وموسيقيي سورية في مهجرهم تتخطى مجرد أداء إلى "سجال فكري وثقافي وحضاري". وبالنسبة لمايسترو الفرقة بدر الدين فإن هذا التفاعل "رغم وعينا باختلاف اللغة إلا أن النص الغنائي محمول على حامل صوتي وهذا لا يحتاج ترجمة، وللفن قدرته الخاصة على ايصال الأفكار حسياً، فالاغتراب هو أن نكون هنا ونبقى غير مرئيين والخلاص رهن في مد الجسور بيننا وبينهم". وبين أبناء الجاليات العربية الحاضرين لأمسية أورنينا من وجدها فرصة لإعادة لم شمل ما تشتت خلال سنوات من هجرتهم. فقد ذكرت الصيدلانية السورية المقيمة في هولندا، سيلفا إبراهيم، أنها حضرت "خصيصا لحضور الأمسية لألتقي بمن فرقتنا الحرب عنهم خلال السنوات الخمس الماضية، ومن هؤلاء صديقتي يارا، عازفة كمان في الفرقة، ليس فقط لأشجعها، بل أيضا لأقول إنه من خلال حفل كهذا نقهر الشعور بالاغتراب، ونرفض الامتثال للصورة النمطية المنتشرة عن السوريين في أوروبا". وبالرغم من غياب اللغة فإن الحضور الألماني صفق بحماسة لأداء أورنينا، ووجدها فرصة للتعرف على الخلفية والوجه الآخر للسوريين الذين حضروا إلى بلدهم كلاجئين وبعيدا عن صورة تنميطهم بما دأب البعض، إعلاميا وسياسيا عمله تجاه هؤلاء. وعن ذلك ذكرت لـ"جاليات" ليزا كروس "فهمنا للغة العربية لم يكن ضرورة هنا، فالتأثر العاطفي والحسي كانا كبيرين بالإنصات إلى ألحان موسيقى عربية، فقد حضرت سابقا عديد المناسبات الموسيقية العربية في بلدنا، لكنني أجزم بأني لم أتأثر كما تأثرت اليوم مع فرقة أورنينا". المصدر: العربي الجديد - برلين- ديانا ملاك]]> 126432 من جحيم الوطن إلى جنة المنفى.. كتاب سوريون يواصلون الإبداع في ألمانيا http://www.souriyati.com/2019/09/26/126343.html Thu, 26 Sep 2019 09:54:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/09/26/126343.html وصل عدد من الكتاب والشعراء والمثقفين السوريين إلى ألمانيا كلاجئين، واستمروا بالكتابة والنشاط الثقافي من المهجر، وحكوا عن مشاعرهم المتناقضة بين الحنين إلى الوطن والبدء مجددا في بلد وثقافة مختلفين.

عارف حمزة-ألمانيا

الوطن والمنفى عن تجربته يقول القاص كنان خدّاج (29 عاما) "يوم قررتُ عبور البحر نحو أوروبا، اختصرتُ كل ما ملكتُ في حقيبة ظهرٍ صغيرة وبطاقة ذاكرة حفظت عليها كتاباتي.. أتذكرُ أنني كنتُ طوال الوقت أردد كالببغاء: وطني حقيبة وبطاقة ذاكرة. وحين بدأ القارب المطاطي بالغرق، كان علينا أن نرمي الحقائب.. تحسستُ جيبي وأنا أراقبُ البحر يبتلعُ كلّ تلك الأوطان، واطمأننتُ حين تلمّستُ بطاقة الذاكرة".

أما الشاعرة الكردية السورية وداد نبي فتقول عن تجربتها إنها واجهت صعوبات في اللغة والبدء مجددا "من الصفر الذي كنا قد تجاوزناهُ بمراحل حين كنا في بلدنا".

الانتماء والكتابة وبسؤالها عن العلاقة بين الانتماء إلى مكانٍ ما والاستمرار في الكتابة؟ تقول وداد -التي أصدرت مجموعتين شعريتيّن قبل مجيئها إلى ألمانيا، وصدرت لها مجموعة بالألمانية هذا العام- إن الاستمرار في الكتابة تطلّبَ الكثير من الجهد. وتتابع "قدومي إلى برلين كان عن طريق المهربين وتجار البشر والشاحنات، في رحلة استمرت قرابة الشهر وانتهت في مخيمات اللجوء وطوابير الانتظار الطويلة.. حينها لم أفكر أبدا لا بالكتابة ولا بالقراءة، كنت أفكر فقط كيف أجتاز يومي لآخره بأقل رغبة في الانتحار".

وبعد الاستقرار في المكان الجديد، بدأت وداد تستمدّ مادتها الخام في الكتابة من محطات القطار وأجوائها، وتقول "في هذا المكان الجديد أصبحت لغتي لغة قريبة إلى الشارع، إلى الحياة بكل تفاصيلها الصغيرة بدءًا من قطع تذكرة القطار إلى أول متشرد يطلب مني معونة، إلى العازفين المتجولين في المحطات والشوارع، إلى رائحة البول المختلطة بالعرق لبشر نائمين على الأرصفة دون أن يكترثوا بنظرات المارة وتلصّصهم على حيواتهم وأجسادهم المرمية كشيء زائد عن الحياة".

ويتدخل كنّان خداج الذي أصدر مجموعته القصصية الأولى "لستُ لعبتكم اللعينة" وهو في ألمانيا، ليشرح موقفه من المنفى، معتبرًا أنه من الصعب أن يتحدث عن المنفى دون أن يسقط في فخّ التناقض.

ويضيف خداج للجزيرة نت أن "مفهوميْ المنفى والوطن يكبران ويتغيّران في داخلي مع السنين.. لم أعد أملكُ تلك الثقة لأقول هذا هو الوطن وهذا هو المنفى.. الكثير من الأشياء التي تجعل من الوطن وطنا -على الصعيد الشخصي- لم تعد موجودة، والكثير من الأشياء التي تجعل من الوطن منفى ما زالت موجودة".

هاينريش بول ونادي القلم في المقابل وصل كتّاب سوريون كثيرون عن طريق المنح المقدّمة من مؤسسة الكاتب الألماني هاينريش بول (1917 - 1985) حامل جائزة نوبل للآداب لعام 1978، وكذلك من نادي القلم الألماني.

وعن هذا الكتاب يقول إنه "أشبَهُ بقصة تتحدث عن العبور، العبور في النصوص الأخرى، وعبوري الشخصي إلى تاريخي الشخصي، وكان هذا مدعاة لراحةٍ مؤقتةٍ وزائفةٍ، إذ تكالبت التحديّات، فإمّا أكون موجودا في الأقلّ الممكن أو أنتهي إلى ربّ أسرة يتفرّج على التلفزيون ويفصفصُ بذور عبّاد الشمس".

ما يثير الانتباه أنّ أكثر مَن جاؤوا أصدر كتابا جديدا على الأقل باللغة العربيّة، ومنهم مَن شارك في أنطولوجيّات مشتركة، وهناك من صدر له كتاب مُترجم إلى الألمانيّة وحصل على منح وجوائز. وبعضهم ظل مرتبطا بفعاليّات تخصّ المؤسسة أو نادي القلم، وكذلك مع مؤسسات أخرى، ومنهم مَن ترأس تحرير أوّل صحيفة عربيّة تصدر بألمانيا، ومن صار صلة وصل بين الكتّاب العرب والمهرجانات التي تُقام في ألمانيا، ومنهم مَن أسّس "حالة" التي تنظّم أمسيات لكتّاب سوريين وعرب مُقيمين في الأراضي الألمانية.

تحولات الكتابة الروائيّة والمترجمة رباب حيدر وصلت بدعوة من مؤسسة هاينريش بول أيضا، وكانت قد نشرت روايتها الأولى في سوريا بعنوان "أرض الرمان"، ثمّ أنهت روايتها الثانية في سوريا لكنها رمتها عندما وصلت إلى ألمانيا، لأن السؤال الذي تطرحه الرواية تغيّر. وهكذا تقول "بدأت أكتب من جديد، وكلما تعمقت بـ الهُنا ظهر بوضوح أنه لا يختلف عن الهُناك إلا في القليل: ببعض القانون هنا وفقدان الأمل هناك، بينما البشر هم أنفسهم هنا وهناك".

ما يثير الانتباه أيضا أنّ كتّاب الموجة الجديدة ما زالوا يكتبون باللغة العربيّة، ربّما لحداثة التجربة، وعن ذلك تقول رباب حيدر "حين بدأت تعلم اللغة الألمانية، بتُّ أكثر اهتماما باللغة العربية، وكلما تورطت أكثر في اللغة الجديدة أوليتُ مفردات العربية اهتماما أكبر.. باتت الكلمة بلغتي الأم أكثر عمقاً، محمّلة بمعناها وتاريخها واستخدامها وأشياء عاطفية من الذاكرة كالحنين! لم يُطبق عليّ الحنين بعد، وهذا أكثر ما أخشاه".

ويقول المطرود إن "روح الندّية لم تتركني ألهثُ خلف قارئ مختلف عرقيا أو مكانيا، بقدر ما صرتُ أحرصُ على قارئي بلغتي، مع حرصي وأمنياتي بتوفر مترجمٍ ينطلق من محبتهِ للمغاير وليسَ من وظيفتهِ وتفكيرهِ بالأجر، وهنا أشتغلُ بكلّ ما يتوفر لي على ما أحسبه جديدًا".

]]>
وصل عدد من الكتاب والشعراء والمثقفين السوريين إلى ألمانيا كلاجئين، واستمروا بالكتابة والنشاط الثقافي من المهجر، وحكوا عن مشاعرهم المتناقضة بين الحنين إلى الوطن والبدء مجددا في بلد وثقافة مختلفين.

عارف حمزة-ألمانيا

الوطن والمنفى عن تجربته يقول القاص كنان خدّاج (29 عاما) "يوم قررتُ عبور البحر نحو أوروبا، اختصرتُ كل ما ملكتُ في حقيبة ظهرٍ صغيرة وبطاقة ذاكرة حفظت عليها كتاباتي.. أتذكرُ أنني كنتُ طوال الوقت أردد كالببغاء: وطني حقيبة وبطاقة ذاكرة. وحين بدأ القارب المطاطي بالغرق، كان علينا أن نرمي الحقائب.. تحسستُ جيبي وأنا أراقبُ البحر يبتلعُ كلّ تلك الأوطان، واطمأننتُ حين تلمّستُ بطاقة الذاكرة".

أما الشاعرة الكردية السورية وداد نبي فتقول عن تجربتها إنها واجهت صعوبات في اللغة والبدء مجددا "من الصفر الذي كنا قد تجاوزناهُ بمراحل حين كنا في بلدنا".

الانتماء والكتابة وبسؤالها عن العلاقة بين الانتماء إلى مكانٍ ما والاستمرار في الكتابة؟ تقول وداد -التي أصدرت مجموعتين شعريتيّن قبل مجيئها إلى ألمانيا، وصدرت لها مجموعة بالألمانية هذا العام- إن الاستمرار في الكتابة تطلّبَ الكثير من الجهد. وتتابع "قدومي إلى برلين كان عن طريق المهربين وتجار البشر والشاحنات، في رحلة استمرت قرابة الشهر وانتهت في مخيمات اللجوء وطوابير الانتظار الطويلة.. حينها لم أفكر أبدا لا بالكتابة ولا بالقراءة، كنت أفكر فقط كيف أجتاز يومي لآخره بأقل رغبة في الانتحار".

وبعد الاستقرار في المكان الجديد، بدأت وداد تستمدّ مادتها الخام في الكتابة من محطات القطار وأجوائها، وتقول "في هذا المكان الجديد أصبحت لغتي لغة قريبة إلى الشارع، إلى الحياة بكل تفاصيلها الصغيرة بدءًا من قطع تذكرة القطار إلى أول متشرد يطلب مني معونة، إلى العازفين المتجولين في المحطات والشوارع، إلى رائحة البول المختلطة بالعرق لبشر نائمين على الأرصفة دون أن يكترثوا بنظرات المارة وتلصّصهم على حيواتهم وأجسادهم المرمية كشيء زائد عن الحياة".

ويتدخل كنّان خداج الذي أصدر مجموعته القصصية الأولى "لستُ لعبتكم اللعينة" وهو في ألمانيا، ليشرح موقفه من المنفى، معتبرًا أنه من الصعب أن يتحدث عن المنفى دون أن يسقط في فخّ التناقض.

ويضيف خداج للجزيرة نت أن "مفهوميْ المنفى والوطن يكبران ويتغيّران في داخلي مع السنين.. لم أعد أملكُ تلك الثقة لأقول هذا هو الوطن وهذا هو المنفى.. الكثير من الأشياء التي تجعل من الوطن وطنا -على الصعيد الشخصي- لم تعد موجودة، والكثير من الأشياء التي تجعل من الوطن منفى ما زالت موجودة".

هاينريش بول ونادي القلم في المقابل وصل كتّاب سوريون كثيرون عن طريق المنح المقدّمة من مؤسسة الكاتب الألماني هاينريش بول (1917 - 1985) حامل جائزة نوبل للآداب لعام 1978، وكذلك من نادي القلم الألماني.

وعن هذا الكتاب يقول إنه "أشبَهُ بقصة تتحدث عن العبور، العبور في النصوص الأخرى، وعبوري الشخصي إلى تاريخي الشخصي، وكان هذا مدعاة لراحةٍ مؤقتةٍ وزائفةٍ، إذ تكالبت التحديّات، فإمّا أكون موجودا في الأقلّ الممكن أو أنتهي إلى ربّ أسرة يتفرّج على التلفزيون ويفصفصُ بذور عبّاد الشمس".

ما يثير الانتباه أنّ أكثر مَن جاؤوا أصدر كتابا جديدا على الأقل باللغة العربيّة، ومنهم مَن شارك في أنطولوجيّات مشتركة، وهناك من صدر له كتاب مُترجم إلى الألمانيّة وحصل على منح وجوائز. وبعضهم ظل مرتبطا بفعاليّات تخصّ المؤسسة أو نادي القلم، وكذلك مع مؤسسات أخرى، ومنهم مَن ترأس تحرير أوّل صحيفة عربيّة تصدر بألمانيا، ومن صار صلة وصل بين الكتّاب العرب والمهرجانات التي تُقام في ألمانيا، ومنهم مَن أسّس "حالة" التي تنظّم أمسيات لكتّاب سوريين وعرب مُقيمين في الأراضي الألمانية.

تحولات الكتابة الروائيّة والمترجمة رباب حيدر وصلت بدعوة من مؤسسة هاينريش بول أيضا، وكانت قد نشرت روايتها الأولى في سوريا بعنوان "أرض الرمان"، ثمّ أنهت روايتها الثانية في سوريا لكنها رمتها عندما وصلت إلى ألمانيا، لأن السؤال الذي تطرحه الرواية تغيّر. وهكذا تقول "بدأت أكتب من جديد، وكلما تعمقت بـ الهُنا ظهر بوضوح أنه لا يختلف عن الهُناك إلا في القليل: ببعض القانون هنا وفقدان الأمل هناك، بينما البشر هم أنفسهم هنا وهناك".

ما يثير الانتباه أيضا أنّ كتّاب الموجة الجديدة ما زالوا يكتبون باللغة العربيّة، ربّما لحداثة التجربة، وعن ذلك تقول رباب حيدر "حين بدأت تعلم اللغة الألمانية، بتُّ أكثر اهتماما باللغة العربية، وكلما تورطت أكثر في اللغة الجديدة أوليتُ مفردات العربية اهتماما أكبر.. باتت الكلمة بلغتي الأم أكثر عمقاً، محمّلة بمعناها وتاريخها واستخدامها وأشياء عاطفية من الذاكرة كالحنين! لم يُطبق عليّ الحنين بعد، وهذا أكثر ما أخشاه".

ويقول المطرود إن "روح الندّية لم تتركني ألهثُ خلف قارئ مختلف عرقيا أو مكانيا، بقدر ما صرتُ أحرصُ على قارئي بلغتي، مع حرصي وأمنياتي بتوفر مترجمٍ ينطلق من محبتهِ للمغاير وليسَ من وظيفتهِ وتفكيرهِ بالأجر، وهنا أشتغلُ بكلّ ما يتوفر لي على ما أحسبه جديدًا".

]]>
126343
فواد الكنجي: النفري، فتح أول مدخل للحداثة في الشعر العربي الحديث والمعاصرة http://www.souriyati.com/2019/09/20/126336.html Fri, 20 Sep 2019 11:34:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/09/20/126336.html ‫ النفري، فتح أول مدخل للحداثة في الشعر العربي الحديث والمعاصرة فواد الكنجي حين نتحدث عن (النفري، محمد بن عبد الجبار بن حسن) لا بد بدا إن نحيط علما بطبيعة البيئة وتأثيراتها في تكوين شخصيته، ففي القرن الرابع الهجري أي بحدود (913-1010 ميلادي) وهي الفترة التي عاش فيها و كانت الدولة العباسية تحكم البلاد الإسلامية، رغم إن مصادر التاريخ عن حياته قليلة جدا؛ وان كل ما تم معرفته عن الرجل جاء من خلال كتاب (الفتوحات المكية) لـ(ابن العربي، محي الدين) الذي أشار إليه، وان كتاب الوحيد الذي نسب إلى (النفري) جاء من خلال ما جمعة حفيده (أبو عبد الله محمد بن عبد الله) تحت اسم (المواقف والمخاطبات)، بكون (النفري) لم يدون أي حرف منه وهو على قيد الحياة؛ بسبب خشيته بان لا يكون مصيره كمصير(الحلاج) الذي قتل في القرن (الثالث الهجري) بشكل لا يمكن تصويره لبشاعة قتله وبسبب مواقفه وأرائه الصوفية؛ تلك الآراء التي كان (النفري) يؤمن بها؛ ولهذا لم يدون تجلياته.. وفيوضاته.. وشطحاته.. وإشرافاته.. وهي بنفس النمط الروحية التي كان (الحلاج) يكتب فيها، ولهذا فان جل ما دونه (النفري) من أفكار وفيوضات روحية؛ كتب على قصاصات ورقيه صغيره جمعها - فيما بعد - حفيده في كتاب سماه (المواقف والمخاطبات) - كما ذكرنا - والكتاب عبارة عن رسالتين هما (المواقف) و(المخاطبات)، و رسالة (المواقف) في هذا الكتاب تتضمن على سبعة وسبعون موقفا، إما (المخاطبات) فتتضمن من ست وخمسون مخاطبة، الذي اكتشفه ونشره المستشرق البريطاني (جون آرثر أربري) سنة (1934 ميلادية) ثم جاء الأب (بولس انويا) سنة 1973 لينشر ما لم ينشر من رسالتي (المواقف) و(المخاطبات) في كتاب عنونه تحت اسم (نصوص صوفية غير منشورة) . فـ(النفري) عاش في عصر (الدولة العباسية) التي شهدت تطورات حضارية في شتى مناحي الحياة الثقافية.. والعلمية.. والسياسية.. والاجتماعية.. والاقتصادي؛ لدرجة التي سميت فترتهم بـ(الفترة الذهبية)، لما أولوا خلفائها من دور وأهمية على كل مستويات الحياة وتحديدا في تعميق حب العلم والمعرفة والبحث والترجمة في مجال الأدب والفلسفة والطب والرياضيات والفلك، وذلك من خلال تأسيس دور الثقافة والمعرفة والعلم، وكان أشهرها دار (الحكمة)، والتي كان مقرها في (بغداد)، وكانت (الدولة العباسية) تقدم منح دراسية مغرية لطالبين العلم والمعرفة والبحوث العلمية؛ ولهذا قامت الدولة برصد كل إمكانياتها المادية والمعنوية في هذا المجال؛ بل قامت بتعيين أشهر العلماء وتوظيفهم في (دار الحكمة) من شتى المنابع والمناهج والعقائد الدينية والفكرية والفلسفية والعلمية والترجمة؛ ليعملوا سوية بروح من المحبة والأمان والسلام؛ من اجل توعية الإنسان وتوسيع مداركه، وكان الخلفاء في (الدولة العباسية) يشجعون تحديدا أعمال الترجمة؛ وتم تقديم منح ومكافأة مجزية لترجمة الإعمال الفلسفية اليونانية؛ وذلك بغية لتكوين مكتبة كبيرة وشاملة لمختلف أنواع المعارف، ومن أوجه اهتمام (العباسيين) في المجالات العلمية والطبية، عملوا على توسيع دائرة المعرفة عبر تطويرهم لتقنيات الطباعة التي استقطبوا فكرتها من الصينيين بعد حرب نشبت بينهم وبين الصين عام 751م . وفي ظل هذه البيئة التي زخرت بالتطورات على كل المستويات؛ واخذ المجتمع يتوجه نحو المادية بتوسيع نطاق التجارة التي أخذت مداها تتسع مع تطور نمط الحياة والتغيرات المجتمعية؛ فكان بطبعة هذا التطور ما يولد نقيضه في المجتمع، كما حدث في التاريخ الحديث للأمم بعد (الثورة الصناعية) وما أعقبها من تغيرات مجتمعية في نمط الحياة نتيجة تطورات الحاصلة في قرن الثامن والتاسع عشر الميلادي وما بعدها، فكان (الاغتراب) وليد لهذه التطورات سواء في العصور ما بعد (الثورة الصناعية) أو إثناء وما بعد الازدهار في عصر (العباسيين)، فكان (الصوفية) نموذج لهذا (الاغتراب) في عصرهم، لأن من طبيعة أي نزعة تطويرية للإنسان تظهر في المجتمع - كحاصل تحصيل - ما يحرض لولادة نقيضه إلى الظهور، فـ(الصوفية) هي نمط من الغربة والاغتراب وهي نقيض التطور والتوجهات المادية؛ لان نمط الحياة الإسلامية بعد إن أخذت تتوسع الدولة الإسلامية في القرن الثالث الهجري أصبحت عواصمها نقطة تمركز تجارية هائلة؛ وأصبح المال هو دائرة التي تحرك الإنسان نحو الانغماس في الإعمال التجارية والصناعية من اجل كسب مزيد من المال وتوسيع نطق العمل لتجميع الثروات؛ كما حدث في عهد (هارون الرشيد)، ولان نمط الحياة وسياسة الخلفاء كانت تتجه بهذا الاتجاه لبناء قدرات الدولة؛ فان أي تعارض كان يقوم ضد هذا الاتجاه كل محطة استهداف و مراقبة؛ ولهذا كانت (الصوفية) هي أول دائرة منعت أنشطتها في عصر (العباسيين)، وحين نستقصى لبوادر ظهور (الصوفية) فإننا نستشف بكونها ظهرت نتيجة الفساد الذي اخذ يستشري في أركان الدولة الإسلامية ما بعد القرن الثالث الهجري وكان ظهورها رد فعل أخلاقي قبل إن تتجه نحو التقشف والزهد والتمرد عن ما هو يسود في المجتمع من القوى المادية، لان (الصوفية) لا تفهم الحياة إلا من خلال الله بكونها حيث هي الله نفسه، وهو الشعور الذي رسخ مشاعر (الاغتراب) في الذات المتصوفين والابتعاد عن الحياة، ولهذا اعترضوا الفقهاء كل ما ورد في مدونات المتصوفة؛ واعتبروا أفكارهم تكفيرية تخالف العقيدة؛ ولهذا اخذوا يراقبون المتصوفة ويشنون حملات تطهير عنيفة ضدهم؛ وما كان حكمهم الصادر بحق (الحلاج) وقتله بشكل بشع؛ إلا لإسكات كل من يفكر بالاتجاه اتجاها صوفيا في الحياة، فبعد إن سجن (الحلاج) لفترة تجاوزت تسعة سنوات ثم حكم علية بالقتل بتهمة التكفير والزندقة؛ جيئي من سجنه وفي ساحة عامة وإمام جمع من الناس تم جلده إلف سوط؛ وبعد الجلد تم صلبه؛ وبعد انتقال روحه جيء به في اليوم الثاني من بعد موته فتم قطع رأسه ويداه و رجلاه وبعدها تم حرق جسده وقاموا برمي رماده في نهر دجله، ويقال بان رأسه علق على سور الجسر الجديد وعلقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه لتشاهده عامة الناس؛ ويقال بان بعد أمد جمع رأسه و يداه ورجلاه وتم دفنه في القبر المعروف في الجانب (الكرخ) من مدينة (بغداد) والمعروف بمرقد (الحلاج) والذي ما زال قائما إلى يومنا هذا؛ رغم ما يتعرض بين حين وأخر إلى الإهمال ولأسباب عقائدية. وفعلا بعد قتل (الحلاج) صمت الصوفيون لعدة قرون، ولهذا السبب لم يدون (النفري) أي حرف من تجلياته - كما ذكرنا - خوفا من اعتقاله وقتله؛ لذلك تمسك بالصمت وكتم كل ما في أعماقه خوفا من سلطة وبطش الخلفاء والأمراء ومن أهل الفقه والشريعة، لذلك كان شديد الحذر والتحفظ بآرائه ومعتقداته الصوفية؛ الأمر الذي جعله شخصية مجهولة عند مؤرخي عصره، ولهذا جاءت نافذة أفكاره موجزة ورمزية لتتجه إلى عمق النص الصوفي بإيجاز وبإبهام وتركيز وغموض؛ فقدم تجلياته الروحية بأسلوب مركز وبلغة رمزية جذابة تبعث الروح في داخل النص بشكل غير مباشر، وما عمق أسلوب تحليله وتقديمه لنصوص التي كتبها إلا بداية ونقطة انطلاق لتطوير أساليب (الحداثة) التي طرأت على اللغة العربية في ذلك العصر وما بعده على صعيد الشعر والنثر؛ من حيث الجوانب الفنية وتحديدا في (الشكل) و(المضمون)، فاتجهت نصوص صياغة شتى صنوف الأدب المعروفة - آنذاك - باتجاه الصور الفنية.. والخيال.. والفكر.. واللغة.. والى تعبيرات معاصره غير مألوفة في الشعر ومغايرة عن الشعر التقليدي المعروف منذ (العصر الجاهلي)، وهذا الاتجاه المتطور والغير التقليدي ساد و ورد في قصائد اغلب شعراء هذا العصر؛ إي في (العصر العباسي)، حيث تطورت الصياغات الشعرية بشكل ملحوظ نتيجة طبيعة التغيرات المجتمعية التي حدثت في هذا العصر باختلاط الثقافة العربية بغيرها من ثقافات الأمم التي تم انضمامها تحت حكم (الدولة العباسية)؛ وهذا ما اثر تأثيرا كبير في مفردات اللغة العربية؛ الأمر الذي وسع أفاق اللغة الشعرية من حيث إغراضه.. وأساليبه.. وفنونه.. وبلاغته.. وهو ما ابعد الشعر عن الصياغات التقليدية واخذ الشعراء يستخدمون الألفاظ والتشبيهات خارج المألوف ليدخل الشعر العربي مرحلة من تطور ملحوظ في (الشكل) و(المحتوى)، ولهذا اتجه النص الشعري - وخاصة عند الشعراء الصوفية - إلى عدة اتجاهات ومنها كان الاتجاه التجريدي.. والرمزي.. والإيحائي، وهذه ما قاد النص ليخرج بشكل (غامض) و(مبهم) لاعتماد النص على الصور مختلطة بين ما هو في (الذهن) وما هو في (الخيال)، وهذا ما نجده في نص (النفري)؛ رغم إن (الحلاج) سبقه بهذا التميز حيث (الرؤية) و(الخيال) و(الذهن)، وهو ما يميز نص (النفري) أكثر من الأفكار ألمقدمة، وهذه السمات هي سمات (الحداثة الشعرية) المندمجة بين (الرؤية) و(الخيال) و(الفكر) الغير المرتبط بموضع موحد؛ فيأتي مبعثرا بمفردات ورموز تلمح من البعيد إلى الموضوع ذاته، وهذا نمط من الأسلوب هو ما نلتمسها في (الشعر الحديث) الذي يتميز بـ(التجريد) و(الرمزية) و(الإيحاء)، وهي إشارات التي تقود النص إلى ركائز دلالة لاستنباط المعاني المتعلقة بين العلة والمعلول، ولهذا فان (الصوفية) رفدت (الشعر العربي الحديث) بكثير من هذه المميزات، حيث استنبط منها تعبيرات حداثية في الضياع.. والاغتراب.. والهروب.. واللا جدوى.. والخيال.. والتيه.. والصمت المفعم بالرمز.. والحديث الغامض .. والهذيان الذي لا يشير إلى معنى بقدر ما يوحي إلى معاني لا حدود لها لكي تبقى تنمو مع النص، فـ(الغموض الصوفي) هو في متن النص (الشعر العربي الحديث) يربط بين المتناقضات والمعاني الضبابية وبين الموت والحياة.. والليل مع النهار.. والصمت مع الكلام.. واليأس والأمل، فهذه الرؤية الصوفية معبئة بالإتعاب تتكئ على ضياع الإنسان وهي كرؤية (الشعر العربي الحديث والمعاصر) في عصر (ما بعد الحداثة)، رؤية الحياة والعالم ونظرة إلى الزمن والغموض وعبء الذات التي تبحث تارة عن الحوار بـ(رؤية ميتافيزيقية) وتارة أخرى بـ(رؤية وجودية)، وهذا ما أعطى لـ(الشعر العربي الحديث) رؤية فنية نابعة من (الرمز) و(الخيال)، ليعبر الشعر عن مكنونات الذات الوجدانية والروحية وبإبعاد صوفية للشاعر؛ لان عالم الشعر هو عالم شبيه بالصوفية؛ ولكن بنمط أخر في طبيعة الفهم لأدراك إسرار العالم والكون؛ وهذا ما قاد الشعر إلى الغموض لان الشاعر لجئ إلى الإيحاءات.. والرموز.. والخيال.. وتجريد.. لعدم كشف ما يجول في أعماقه ولأسباب كثيرة كالصوفية، ولهذا اتجهت قصائد (الشعر العربي الحديث) إلى إسهاب في الغموض كتجليات صوفية وكنوع من أنواع اغتراب الروح؛ وهذا الغموض أصبح سمة الهروب اللغة الشعرية إلى الإمام؛ ليتم البحث عن دلالاتها وفق نمط ثقافة المتلقي، وهنا فان ليس هناك في اللغة الشعرية شيء اسمه (الغموض) بقدر ما يتعلق أمره بصعوبة فهم مدارات الروحية التي انطلق النص منها؛ وهذا ما يقود إلى بذل جهد من المتلقي ليصل إلى ما وهو المقصود.. وقد لا يصل ......! لذا فان ممهدات لهذه (الحداثة) التي يشهدها عصرنا الحالي؛ هي آتية من خلال تأثيرات فكرية التي طرأت على طبيعة القصيدة في الشعر العربي في (العصر العباسي) نتيجة لتطورت الحاصلة على كل مناحي الحياة - كما ذكرناها - ولهذا فان الشعراء في هذا العصر اخذوا يتحررون من القيود الشعرية التقليدية وان لم يكن بشكل الذي هو الحال علية (الشعر المعاصر) ولكن في زمانها كانت تغييرا نوعيا من حيث (الشكل) و(المضمون) وضمن أيطار اللغة والمفردة الشعرية ذات الدلالة والبعد الواحد؛ مستعين بمفردات تواكب تجليات الشاعر؛ فلم يعد الشعر يتداول المفردات التقليدية للشعر القديم بل استحدثوا مفردات شفافة قادرة على التماس بوجدان الشاعر والمتلقي، لتكون مفرداته قادرة لكشف والتماس والمناجاة والوصف بإبعاد نفسية وروحية لم يبلغها الشعر من قبل، كما نلتمس ذلك في أشعار (أبو فراس الحمداني) و (المتنبي) و(أبو العلاء المعري) و(أبو نواس) و(ابن الرومي) و(أبو تمام) و(بشار بن برد) و(الشريف المرتضى) و(أبو العتاهية) و(البحتري) و(بهاء الدين زهير) و(الحلاج) وغيرهم وهم من الشعراء (العصر العباسي) . وضمن هذه البيئة كانت (الصوفية) في القرن الثالث والرابع الهجري تتأثر تأثيرا كبيرا بالمفردة الشعرية التي كانت تواكب (حداثة ذلك العصر)؛ فجاءت المفردات (الصوفية) بعيدة عن قواعد الأصولية والنظم التقليدية في لغة الشعر؛ تحمل تصالحها مع روحها.. ومنصهرة في غربة ذاتها.. وتحمل سموها في روح الشاعر الصوفي، لتكون تجليات (الشعر الصوفي) نموذجا أخر لـ(الحداثة الشعرية) آنذاك؛ والتي نرى تأثراته في (الشعر الحديث والمعاصر) كقيمة لغوية لا يمكن تجاوزها في (الشعر العربي الحديث) خاصة المفردة الشعرية لـ(الحلاج) والتي تأثرا بها (النفري) وصاغ أسلوبه بمنهجه الصوفي؛ فاحدث الأخير طفرة كبيره بأسلوب (الحداثة) وبنوع المفردة.. والإيحاء.. والرمز.. والتأويل.. والخيال.. ليرتقي بالتعبير إلى مستوى (جماليات البلاغة) أثرت بنوعيتها على (الشعر العربي الحديث) فواكبها بما تحمل من صور بلاغية مدهشة بالغرابة والذهول تحمل في متنها تقاطع وتناقض وبانطلاق روحي حر وبما يعبر عنه العقل اللاواعي مطلقا العنان للخيال ليعبر بتلقائية عن فلسفة تجريد مبتعدا عن تحديد أي نص يتصل بالديانات السماوية سواء لليهودية أو المسيحية أو الإسلامية - إلا ما ندر- بقدر ما اعتمد على (الوقفة) و(الرؤية) وهذه الإشارات كلها تبحث عن حقيقة الإنسان الباطنية والمعنوية بغية الوصول إلى الحقيقة دون ذكر التسميات. فـ(الوقفة) عند (النفري) جاء في كتابه الأول (المواقف)، حيث (( يبدأ كل فصل بقوله: (أوقفني) ويردفها بقوله:( قال لي )، وكأنه يتلقى الخطاب الإلهي بعد أن يتم حال الوقف ويتهيأ للإنصات؛ وأن دلالة مقام (الواقفة) تشير إلى أن المعنى يصبح ملكا لله وحده لا غير، ظاهريا وباطنيا ويطبق كل الشروط المتعلقة بتكامله داخل هذا المقام . إما (الرؤيا) فهي آخر أبواب (الواقف) في سلم المعنى الذاتي الإلهي؛ ومفتاح (الرؤيا) هي اللحظة المطلقة بلا ذاكرة ولا عنوان ولا تسميات، فهي القدرة الذاتية والكمالية لاختراق كل شيء و سلب شيئته، وإزاحة كل الحجب والموانع والأستار وكل غيرية وسوائية عن ذاتها المستقلة، فمن خلال (الرؤيا) يستطيع (الواقف) أن يرى كل شيء من وراء كل شيء، وأن يرى الحقيقة الإلهية من وراء كل الأشياء . أما المخاطبات، فهي في حال أدنى، حيث يصبح (النفري) هنا في حال العبد، وتبدأ كل من كلماته بـ(يا عبد) وهنا يبدو القائل والمخاطب، كما أن للمسألة وجها آخر، حيث يأخذ (النفري) موقف المخاطب، فكأنه يأخذ مكان (الله) وهو يخاطب عبيده..)) . وهنا لا أتوسع في تفاصيل الطرق التصوفية و فيوضاتهم وإشراقاتهم وتجلياتهم؛ بقدر ما نويت توضح بهذا الوجيز من الكلام عن التفسير الصوفي لمضامين الكتاب (المواقف والمخاطبات)، لان مجال الحديث في هذا المقال يقتصر إلى تسليط الضوء عن (المفردة الشعرية) التي وردت في هذا الكتاب والتي كان لها تأثيرا كبيرا على (الحداثة الشعرية) في (الشعر العربي الحديث والمعاصر) ومنه (الشعر هايكو)، ومن ذلك سأختار بعض من هذه النماذج التي دونت في كتاب (النفري) والمعنون بـ(المواقف والمخاطبات) ونأخذ منها : ((.. أوقفني في القرب وقال لي: ما من شيء أبعد من شيء ولا من شيء أقرب من شيء إلا حكم إثباتي له في القرب والبعد..)) . ((.. وقال لي: إن لم تظهرني على لسانك لم أنصرك على عدوك ..)) . ((.. وقال لي: إذا لم أوت عبدي من كل شيء فليس هو عبدي الفارغ وإن تفرغ مما أتيته لأنه قد بقي بيني وبينه ما لم أؤته وإنما عبدي الفارغ إلا مني فهو عبدي الذي آتيته من كل شيء سببا وأتيته منه علما وأتيته منه حكما فرأى الحكم جهرة ثم تفرغ من العلم وتفرغ من الحكم فألقاهما معاً إلي فذاك هو عبدي الفارغ من سواي.. )) . ((.. وقال لي : بين النطق والصمت برزخ فيه قبر العقل وقبور الأشياء..)) . ((.. كلما اتسعت الرؤيا , ضاقت العبارة.. )) . ((.. أوقفني في قف وقال لي: إذا قلت لك قف فقف لي لا لك ولا لأخاطبك ولا لآمرك ولا لتسمع مني ولا لما تعرف مني ولا لما لا تعرف مني ولا لأوقفني ولا وليا عبد قف لا لأخاطبك ولا تخاطبني بل أنظر إليك وتنظر إلي فلا تزل عن هذا الموقف حتى أتعرف إليك وحتى أخاطبك وحتى آمرك فإذا خاطبتك وإذا حادثتك فابك إن أردت علي البكاء وإن أردت على فوتي بخطابي وعلى فوتي بمحادثتي..)) . ((.. وقال لي: إذا قلت لك قف فوقفت لا لخطابي عرفت الوقوف بين يدي وإذا عرفت الوقوف بين يدي حرمتك على سواي وإذا حرمتك على سواي كنت من أهل صيانتي..)) . ((.. وقال لي: إذا عرفت كيف تقول إذا قلت لك قف لي فقد فتحت لك الباب إلي فلا أغلقه دونك أبدا وأذنت لك أن تدخله إلي فلا أمنعك أبدا فإذا أردت الوقوف لي فاستعمل أدبي ولك أن تدخل متى شئت وليس لك أن تخرج إذا شئت فإذا دخلت إلي فقف ولا تخرج إلا بمحادثتي وبتعرفي فما لم أحادثك وما لم أتعرف فأنت في المقام مقام الله وإذا تعرفت إليك فأنت في مقام المعرفة.. )) . ((.. وقال لي: إذا قلت لك قف لي فعرفت كيف تقف لي فلا تخرج عن مقامك ولو هدمت كل كون بيني وبينك فألحقك بالهدم فاعرف هذا قبل أن تقف لي ثم قف لي فلا تخرج أو أتعرف إليك بما تعرف مني..)) . ((.. وقال لي: لو جاءك في رؤيتي هدم السموات والأرض ما تزيل ولو طار بك في غيبتي طائر بسرك ما ثبت ذلك لتعلم قيوميتي بك واستيلائي عليك..)) . ((.. وقال لي: أيهما تسألني الرؤية لا عن المسألة أم الغيبة على المسألة الغيبة قاعدة ما بين وبينك في إظهارك..)) . ((.. وقال لي: ألا تعلقت بي في الوارد كما تتعلق بي في صرفه..)) . ((.. وقال لي: التعلق الأول بي والتعلق الثاني بك..)) . ((.. وقال لي: التعلق بي في الوارد لا يصرفه لا لإقراره ولا لمكثه ولا لزواله..)) . ((.. وقال لي: قل يا من أورده أشهدني ملكوت برك في ذكرك وأذقني حنان ذكرك في إشهادي فأرنك مثبتا حتى تقوم بي رؤيتك في إثباتك ووار عني ما ارتبط بالثبت مني ومنه وناجني من وراء ما أعلمتني حتى أكون باقيا بك فيما عرفتني وسر بي إليك عن قرار ما يستقر به وصفي بوصفي ونادني يا عبد سقطت معرفة سواي فما ضرك ثبت تعرفي لك هو حسبك..)) . ((.. وقال لي: العالم يخبر عن الأمر والنهي وفيهما علمه والعارف يخبر عن حقي وفيه معرفته والواقف يخبر عني وفي وقفته..)) . ((.. أوقفني في نور وقال لي: لا أقبضه ولا أبسطه ولا أطويه ولا أنشره ولا أخفيه ولا أظهره وقال: يا نور انقبض وانبسط وانطو وانتشر وأخف وأظهر فانقبض وأنبسط وانطوى وانتشر وخفي وظهر ورأيت حقيقة لا أقبض وحقيقة يا نور انقبض..)) . ((.. وقال لي: ليس أكثر من هذه العبارة فانصرف فرأيت طلب رضاه معصيته فقال لي: أطعني فإذا أطعتني فما أطعتني ولا أطاعني أحد فرأيت الوحدانية الحقيقية والقدرة الحقيقية فقال: غض عن هذا كله وانظر إليك وإذا نظرت إليك لم أرض وأنا أغفر ولا أبالي..)) . ((.. لا يوجد في حضر الله غير الله، فمن كان في حضر الله غاب عند كل شي وغاب عنه كل شي غير رب الأشياء..)) . ((.. يا عبد من رآني قر إلي ومن قر إلي قر في الوجد بي ومن لم يرني فلا قرار له أين يقر..)) . (( .. في بحر ولم يسمه وقال لي: لا اسميه لأنك لي لا له وإذا عرفتك سواي فأنت..)) . (( .. أجهل الجاهلين والكون كله سواي فما دعا إلي لا إليه فهو مني فإن أجبته عذبتك ولم أقبل ما تجيء به وليس لي منك بد وحاجتي كلها عندك فاطلب مني الخبز والقميص فإني أفرح وجالسني أسرك ولا يسرك غيري وانظر إلي فإني ما أنظر إلا إليك وإذا جئتني بهذا كله وقلت لك إنه صحيح فما أنت مني ولا أنا منك..)) . (( .. وقال لي اقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح، وإذا دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه، وإذا خرج فلا تمده، وافرح فإني لا أحب إلا الفرحان، وقل لهم قبلني وحدي وردكم كلكم، فإذا جاؤوا معك، قبلتهم ورددتك، وإذا تخلفوا عذرتهم ولمتك، فرأيت الناس كلهم براء..)) . (( .. وقال لي العلم الذي ضده الجهل علم الحرف، والجهل الذي ضده العلم جهل الحرف، فاخرج من الحرف تعلّم علمًا لا ضد له، وهو الرباني, وتجهل جهلاً لا ضد له، وهو اليقين الحقيقي..)) . ((.. قال لي التقط الحكمة من أفواه الغافلين عنها كما تلتقطها من أفواه العامدين لها، انك تراني وحدي في حكمة الغافلين لا في حكمة العامدين..)). ((.. وترى النار تقول ليس كمثله شيء، وترى الجنة تقول ليس كمثله شيء، وترى كل شيء يقول ليس كمثله شي..)) . ((.. وقال لي: لا يكون المنتهى حتى تراني من وراء كل شيء..)) . ((.. وقال لي: من لم يرني من وراء الضدين رؤية واحدة ما رآني..)) . ((..وقال لي: نم لتراني، فإنك تراني؛ واستيقظ لنراك، فإنك لا تراني..)) . ((.. القلب يتغير وقلب القلب لا يتغير والحزن قلب القلب..)) . ((.. وقال لي اعرف من أنت فمعرفتك من أنت هي قاعدتك التي لا تتهدم وهي سكينتك التي لا تزل..)) . ((.. وقال لي: القرب الذي تعرفه مسافة، والبعد الذي تعرفه مسافة، وأنا القريب البعيد بلا مسافة..)) . ((.. ومعرفتك بالبلاء بلاء، وإنكارك للبلاء بلاء..)) . ((.. يا عبد.. شيء كان، وشيء يكون، وشيء لا يكون. فشيء كان: حبي لك، وشيء يكون: تراني، وشيء لا يكون: لا تعرفني معرفة أبدا..)) . ((.. وقال لي حسن الظن طريق من طرق اليقين..)) . ((.. وقال لي: سر، فأنا دليلك إلي..)) . (( .. وقال لي: انظر بعين قلبك إلى قلبك، وانظر إلى بقلبك كله..)) . (( .. إنما أُحادثك لترى؛ فإذا رأيت، فلا حديث..)) . (( .. أوقفني في الصفح الجميل وقال لي: لا ترجع إلى ذكر الذنب فتذنب بذكر الرجوع.. )) . (( .. وقال لي: اخرج إلى البرية الفارغة واقعد وحدك حتى أراك فإني إذا رأيتك عرجت بك من الأرض إلى السماء ولم احتجب عنك..)) . ((.. وقال لي: ليس الكاف تشبيها هي حقيقة أنت لا تعرفها إلا بتشبيه..)) . ((.. وقال لي: اعرض نفسك على لقائي في كل يوم مرة أو مرتين وألق ما بدا كله والقني وحدك كذا أعلمك كيف تتأهب للقاء الحق..)) . ((.. يا عبد من رآني عرفني وإلا فلا، من عرفني صبر علي وإلا فلا..)) . ((.. وقال لي الدنيا لمن صرفته عنها وصرفتها عنه، والآخرة لمن أقبلت بها إليه وأقبلت به علي..)) . (( .. وقال لي اذكرني مرة أمح بها ذكرك كل مرة..)) . ((.. أوقفني في البحرِ فرأيت المراكب تغرق، والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح؛ وقال لي: لم يسلم من ركب.. وقال لي: خاطر من ألقى بنفسه ولم يركب.. وقال لي: هلك من ركب وما خاطر.. وقال لي: في المخاطرة جزء من النجاة ..)) . ((.. وقال لهم: لا تخرجوا قلبا عن حد معرفته، فإن أخرجتموه عنها فلا تردوه، فإن رجع هو فلا تمنعوه، ومن أخرجتموه فاصحبوه حتى يصل إلى ما أخرجتموه إليه ..)) . (( .. وقال لي: سد باب قلبك الذي يدخل منه سواي، لأن قلبك بيتي.. )) . (( .. غششتك إن دللتك على سواي.. )) . ((.. وقال لي: آليت لا أقبلك وأنت ذو سبب أو نسب.. )) . ((.. وقال لي: لا يجاورني وجد بسواي.. )) . (( .. أوقفني في ما يبدو فرأيته لا يبدو فيخفى ولا يخفى فيبدو ولا معنى فيكون معنى.. )) . (( .. إن عرفتني بمعرفة أنكرتني من حيث عرفتني -من سألك عني فسله عن نفسه فان عرفها فعرفني عليه -المعرفة نار تأكل المحبة لأنها تشهدك حقيقة الغنى عنك.. )) . ((.. وقال لي إذا رأيتني فاعرض عمن اعرض عنك واقبل إليك.. )) . ((.. وقال لي القراء ثلاثة فقارئ عرف الكل وقارئ عرف النصف وقارئ عرف الدرس..)) . ((.. وقال لى اعرف من أنت فمعرفتك من أنت هي قاعدتك التي لا تتهدم و هي سكينتك التي لا تزل.. )) . ((.. وقال لي بيتك هو طريقك، بيتك هو قبرك، بيتك هو حشرك ، انظر كيف تراه، كذا ترى ما سواه..)) . ((.. وقال لي الدنيا لمن صرفته عنها وصرفتها عنه، والآخرة لمن أقبلت بها إليه وأقبلت به علي..)) . ((.. وقال لي: أنا الذي أثبتك فبي ثبت وأنا الذي أسمعتك فبي سمعت وأنا لا سواي فيما لم أبد وأنا لا سواي فيما أبدي إلا بي..)) . ((.. وقال لي : وزن معرفتك كوزن ندمك..)) . ((.. وقال لي : فتحت لكل عارف محق بابا إلي فلا أغلقه دونه فمنه يدخل ومنه يخرج وهو سكينته التي لا تفارقه..)) . ((.. وقال لي: يا صاحب العبادة الوجهية وجه وجهك إلي وجه وجه همك إلي وجه وجه قلبك إلي وجه وجه سمعك إلي وجه وجه سكونك إلي.. )) . ((.. وقال لي: ما كل عبد يعرف لغتي فتخاطبه، ولا كل عبد يفهم ترجمتي فتحادثه.. )) . ((.. وأوقفني في الحزن، وجاءني بكل حزين فرأيت حزن كل حزين على فوته، لا على شيء منه، ولا على شيء به ولا على شيء له. ورأيت.. )) . ((.. وقال لي لولاي ما أبصرت العيون مناظرها، ولا رجعت الأسماع بمسامعها..)) . ((.. يا عبد.. شيء كان, وشيء يكون, وشيء لا يكون، فشيء كان : حبي لك وشيء يكون : تراني وشيء لا يكون : لا تعرفني معرفة..)) . ومن خلال هذه النماذج التي اخترناها فان تأملنا بنصوصها سنكتشف حجم البلاغة والقدرة الإبداعية في (اللغة) من جهة، ومن جهة أخرى في (اللغة الشعرية) المستحدثة قياسا للفترة التي كتبت فيها، حيث كان الشعر العربي آنذاك يكتب بقوالب الصدر.. والعجز.. والوزن.. والقافية، بينما ما كتبه (النفري) بعيدا عن هذه القوالب، فلو أخذنا هذه المقاطع مما قاله (النفري) والتي ذكرناه أنفا؛ وسأكتبها بطريقة (حداثية) كما اليوم تكتب قصائد (الشعر العربي الحديث)؛ لأن ما ورد عن (النفري) من نصوص؛ ورد وكتب بشكل نثري وبدون أي تقييد بصيغ الشعر التقليدي المعروف آنذاك من حيث الصدر.. والعجز.. والوزن.. والقافية، وسنلاحظ بأننا حقيقة إمام نصوص شعرية حديثة ومعاصرة ، حيث مفرداتها.. وصياغتها.. واختزالها.. وخيالها.. وتلاعب بالمفردات.. ورمزيتها.. ولغزها.. وإيحائها.. والمعنى الباطني المراد منها، وهذا ما قاد النص إلى (الغموض) كما هو الغموض في (الشعر الحديث) الذي استنبط الكثير من محتوياته الشكلية من نصوص (النفري)، بل إن نصوص الشعر المسمى بـ(الشعر الهايكو) هو الأكثر تأثيرا إن لم نقل انه يتطابق من حيث (الشكل) و(المحتوى) بصياغات (النفري)، بل إننا نجد نصوص (النفري) بأنها اقرب بكثير من نصوص الشعر (الهايكو). ولتوضيح الفكرة أكثر سأقتطف بعض من نصوص (النفري) وسأكتبه بطريقة (الشعر الحديث) والشعر (الهايكو) لنلاحظ ما ذكرناه: ((.. بيتك هو طريقك.. بيتك هو قبرك.. بيتك هو حشرك.. انظر كيف تراه.......! كذا ترى ما سواه ..)) . ومقطع أخر: ((..القلب يتغير.. وقلب القلب لا يتغير.. والحزن، قلب القلب ..)) . ومقطع أخر: ((.. القرب الذي تعرفه مسافة.. والبعد الذي تعرفه مسافة.. وأنا القريب البعيد بلا مسافة..)) . ومقطع أخر: شيءٌ كان.. وشيء يكون.. وشيء لا يكون. فشيء كان: حبي لك وشيء يكون: تراني وشيء لا يكون: لا تعرفني معرفة أبدا..)) . وأيضا نختار: ((..اقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح.. وإذا دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه.. وإذا خرج فلا تمده.. وافرح، فإني لا أحب إلا الفرحان.. وقل لهم: قبلني وحدي وردكم كلكم.. فإذا جاؤوا معك، قبلتهم ورددتك.. وإذا تخلفوا عذرتهم ولمتك.. فرأيت الناس كلهم براء.....)) . وأيضا نذكر: ((..نم لتراني.. فإنك تراني واستيقظ لنراك.. فإنك لا تراني..)) . وأيضا نذكر: ((.. لا أقبضه.. ولا أبسطه.. ولا أطويه.. ولا أنشره.. ولا أخفيه.. ولا أظهره.. وقال: يا نور انقبض وانبسط.. وانطو وانتشر.. وأخف وأظهر .. فانقبض.. وأنبسط.. وانطوى.. وانتشر.. وخفى وظهر ورأيت حقيقة لا أقبض وحقيقة يا نور انقبض.. )) . وإذ ما أخذنا مقاطع من (الشعر الحديث) سنلاحظ حجم تأثير (الحداثة) بأسلوب (النفري) في صياغة العبارات.. والمفردات.. والرمز.. والإيحاء.. والتأويل والتناقض.. والتلاعب بالمفردات من حيث التقديم والتأخير.. والإيحاء.. والمعنى الباطني للمفردة . فمن قصيدة (أولد واحترق) لشاعر (عبد الوهاب ألبياتي) حيث يقول: ((.. تستيقظ (لارا) في ذاكرتي قط تتريا تربص بي ..يتمطى.. يتثاءب يخدش وجهي المحموم ويحرمني النوم أراها في قاع جحيم المدن القطبية تشنقني بضفائرها وتعلقني مثل الأرنب فوق الحائط مشدودًا في خيط دموعي ..)) . اما من شعر (محمد الماغوط ) فاخترنا من قصيدة (وطني) هذا المقطع: ((.. أحب التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف ولكنني أحب الرصيف أكثر .. أحب النظافة والاستحمام والعتبات الصقيلة وورق الجدران ولكني أحب الو حول أكثر..)) . اما من الشاعر (صلاح عبد الصبور) اخترنا من قصيدة (مرثية رجل تافه) هذا المقطع: ((..مضت حياته...كما مضت ذليلة موطاة كأنها تراب مقبرة وكان موته الغريب باهتا.. مباغتا الميتة المكررة كان بلا أهل..بلا صحاب ..)) . إما الشاعر (بدر شاكر السياب) فمن قصيدة (أنشودة المطر) اخترنا: ((..عيناك غابتا نخيل ساعةَ السحر او شرفتان راح ينأى عنهما القمر عيناك حين تبسمان تورق الكروم وترقص الأضواء ... كالأقمار في نهر يرجه المجداف وهنا ساعة السحر كأنما تنبض في غورهما، النجوم وتغرقان في ضبابٍ من أسى شفيف كالبحر سرح اليدين فوقه المساء دفء الشتاء فيه وارتعاشه الخريف والموت.. والميلاد.. والظلام.. والضياء فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء ونشوة وحشية تعانق السماء كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر..)) . ومن الشاعر (بلند الحيدري) اخترنا من قصيدة (عبث) هذا المقطع: (( .. وستبتغين ... وترفضين وستضحكين ... وتحزنين ولكم سيحملك الخيال لكن.. هناك هناك في العبث الذي لا تدركين ستظل ساعتك الأنيقة تلهو بأغنية عتيقة ولن تري ما تبرين ستتكتك اللحظات فيها كل حين ستتكتك اللحظات في المنفي الصغير ولا مصير وتمر عابثة بما تتأملين ولكنما أنت التي لا تدركين فستبغين.. وترقصين وستضحكين.. وتحزنين ولكم سيحملك الخيال فتحملين..)) . إما الشاعر (جبران خليل جبران) فنختار من قصيدة (النبي) هذا المقطع: (( .. المحبة.. لا تعطي إلا ذاتها.. المحبة.. لا تأخذ إلا من ذاتها.. لا تملك المحبة.. شيئا ولا تريد أن أحد يملكها.. لأن المحبة مكتفية بالمحبة..)) . اما الشاعر (اودنيس) فنختار من قصيدة معنونه (الحب جسد ) حيث يقول: ((..الحب جسد أحن ثيابه الليل للأعماق منارات لا تهدي إلا إلى اللج شجرة الحور مئذنة هل المؤذن الهواء..؟ أقسى السجون وأمرها تلك التي لا جدران لها..)) . وأيضا من قصائد (اودنيس) نختار قصيدة (أول التهجية) حيث يقول: ((.. نقدر.. الآن, أن نتساءل كيف التقينا ....! نقدر.. الآن, أن نتهجى طريق الرجوع ونقول: الشواطئ مهجورة والقلوع خبر عن حطام نقدر.. الآن, أن ننحني.. ونقول: انتهينا ..)) . إما من الشاعر(محمود درويش) فنختار من قصيدة (لاعب النرد) هذا المقطع: ((.. من أَنا لأقول لكم ما أَقول لكم ؟ وأَنا لم أكن حجراً صقلَته المياه فأصبح وجها ولا قَصبا ثقبته الرياح فأصبح نايا ..)). وفي مقطع أخر من نفس القصيدة يقول: ((..ومشى الخوف بي ومشيت به حافيا ناسيا ذكرياتي الصغيرة عما أُريد من الغد - لا وقت للغد- أَمشي.. أهرول.. أركض..أصعد.. أنزل.. أصرخ.. أَنبح.. أعوي.. أنادي.. أولول.. أُسرع..أ ُبطئ.. أهوي.. أخف.. أجف.. أسير.. أطير.. أرى.. لا أرى.. أتعثر.. أَصفر.. أخضر.. أزرق.. أنشق.. أجهش.. أعطش.. أتعب.. أسغب.. أسقط.. أنهض.. أركض.. أنسى.. أرى.. لا أرى.. أتذكر.. أَسمع .. أُبصر.. أهذي.. اهلوِس.. أهمس.. أصرخ.. لا أستطيع .. أَئن..أُجن.. أَضل.. أقل.. وأكثر.. أسقط.. أعلو.. وأهبط .. أُدمى..ويغمى علي ومن حسن حظي أن الذئاب اختفت من هناك مصادفة أو هروبا من الجيش لا دور لي في حياتي سوى أَنني عندما عـلمتني تراتيلها قلت : هل من مزيد ؟ وأَوقدت قنديلها ثم حاولت تعديلها كان يمكن أن لا أكون سنونوة لو أرادت لي الريح ذلك، والريح حظ المسافر ..)) . ومن خلال هذه النماذج - وليس حصرا - فان (الحداثة) في الشعر العربي نجدها في صيغ التلاعب بالمفردة العربية ونوعيتها ولغتها التي هي الأقرب إلى الوجدان؛ وفي صياغة الجمل الشعرية بصيغتها النثرية كما هي الحال عند (النفري) باختلاف إشكالها وتجلياتها، فنصوصهم جلها مبنية وفق التجربة الإبداعية الفريدة لـ(النفري) باعتبار تجلياته كانت لها تأثير واضحا لأغلب شعراء العرب في العصر الحديث، بل نجد تجلياته الصوفية وأسلوب كتاباته امتدت - بهذا الشكل وذاك - إلى شرق أسيا رغم إننا نجد تأثراته الصوفية واضحة في الفكر الفلسفي عند (البوذية) و(الكونفوشية) و(التاويه الصينيه) و(الزرادشتيه)، وهذا العمق الروحي في تجربة الشعراء الشرقيين بصورة عامة تبرز فلسفة نكران الذات والإحساس بالاغتراب الروح وهو نفس النمط الروحي عند (النفري)، وهذا النمط من التفكير هو ما يدفع الذات إلى الصمت بعد إن يفقد الإنسان مفرداته؛ وحين يواجه العالم حيث التناقض واللامعقول والمادية؛ لتتسع أفاق التجربة الشعرية في نهاية القرن التاسع عشر؛ رغم إننا ومنذ القرن السادس عشر وما بعدها نجد نماذج شعرية كثيرة كتبوا شعراء إشعارهم بروحية الشعر الذي تم تسميته بالشعر(الهايكو)؛ وكان أبرزهم الشاعر الياباني (ماتسو باشو 1644- 1694) لذي يعتبر أول شعراء (الهايكي)؛ فـ(الهايكو) عنده يقوم على التلميح عن ما هو المسكوت عنه، فكتب وكتبوا الشعراء من الذين تأثروا بهذا نمط من الكتابات الشعرية و بروح فلسفة مشتقة من روح التصوف في الشعر، ونلاحظ بان تأثيرات أسلوب (النفري) واضحة في تجليات هؤلاء الشعراء من الذين تبنوا كتابة الشعر بأسلوب (الهايكو)؛ وربما تكون تجلياته (الصوفية) وصلت إلى شرق أسيا عبر اختلاط الثقافات وتأثيراتهم بالثقافة العربية وفلسفاتها، وهذه تأثيرات ظهرت كنوع جديد من أنماط الشعر سميي عندهم بالشعر (الهايكو)، وفلسفة هذا النوع من الشعر الحديث استمد عناصره من روح الفلسفة الصوفية الشعرية الشرقية وخاصة من خلال نصوص (النفري) أو من سبقوه من الشعراء الصوفية كـ(الحلاج) وغيره. وهنا لابد ن نذكر بعض مما قاله (الحلاج ) من الشعر لتكون المقاربة أكثر وضوحا في هذا المقال بعد إن طرحنا من (النفري) نماذج لاستدلال، فمن (الحلاج نذكر: ((.. أنا من أهوى ومن أهوى أنا .. نـحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني.. أبصرته وإذا أبصـرته كان أنـا روحه روحي وروحي روحه من رأى روحين حلا بدنـا روحه روحي وروحي روحه إن يشاء شئت وان شئت يشاء..)) . وأيضا من (الحلاج) نذكر: ((.. الـــعيـن تبــصر من تهوى وتفقده وناظر القلب لا يخلو مـــن الـنظر إن كَان ليس معي فَالذكر منه معي يراه قلبي وإن غاب عن بصري الوجد يطرب من في الوجد راحته الوجد عند وجود الحق مفقود قد كان يوحشني وجدي ويؤنسني لرؤية وجد من في الوجد موجود ..)) . وأيضا يقول (الحلاج): ((.. إذا هجرت فمن لي ومن يحمل كلي ومن بروحي و راحي يا أكثري واقلي . احبك البعض مني فقد ذهبت بكلي يا كل كلي .. فكن لي إن لم تكن لي فمن لي....! يا كل كلي وأهلي عند انقطاعي ومن لي ما لي سوى الروح.. خذها والروح جهد المقل ..)) . ومن خلال نصوص الصوفية لـ(النفري) او (الحلاج) أو غيرهم من الشعراء المتصوفة؛ سنلاحظ مدى تأثر شعراء شرق أسيا بهذا نمط من الإشعار (الصوفية) وتحديدا في الشعر (الياباني) من حيث التلاعب بالمفردة ونقيضها والتركيز والاختصار والإيجاز والإبهام . ومن تلك نماذج نختار من الشعر (الهايكو) نموذج من أشعار الشاعر الياباني (ماتسو باشو ، 1644 - 1694) حيث يقول: ((.. من وقت لآخر ، السحب تريحنا من كثرة رؤية القمر..)) . وأيضا نختار: ((.. يالروعة من لا يظن أن الحياة زائلة، حين يرى وميض البرق ..)) . إما من الشاعر الياباني (كوباياشي إسا - 1763 – 1827 ) فنختار: ((..حمامة تسدي نصيحة يا بومة ! بدلي تعبيرك، في مطر الربيع ..)) . إما من الشاعر (أنوموتو كيكاكو - 1661 – 1707 ) فنختار: ((.. المتسول، سعيد يحمل السماء والأرض ليلتحف بهما في الصيف..)) . وأيضا من الشعر (الهايكو) نختار نماذج قدمها الشاعر(بول شاؤول) في مقال له تحت عنوان (مختارات من شعر الهايكو) وهي مختارات عن كتاب صدرت في باريس عام 2011 والكتاب ترجمة من شعر (الهايكو الياباني) عن دار (فايار) وقدم لها الشاعر الفرنسي (إي بونفو) وهذه المختارات ترجمها الشاعر (روجيه مونييه) المتأثر أصلاً بـ(الهايكو)، ومن نماذج التي وردت نذكر: نموذجا الشاعر(ماتسو باشو) حيث يقول: ((.. على غصن.. غار غراب في هذا المساء الخريفي..)) . وأيضا من الشعر(ماتسو باشو) نختار: ((.. مطر الشتاء يتساقط على الإسطبل.. ديك يصيح ..)) . ومن شعر الشاعر (سنكاكو) نختارك: ((.. كأن تزيح بالقدم ما كان من دون أن تنظر إلى الوراء.. ..... يمضي العام ..)) . ومن أشعار (إيسا) نختار: ((.. لا أريد أن يكون لي شأن مع هذا العالم الكريه وتنفصل قطرة الندى ..)) . وأيضا نختار من شعر(إيسا): ((..نار فحم الغابات أيامنا تنحسر بالطريقة ذاتها ..)) . و أيضا من شعر(إيسا) نختار: ((..عشب السهول يسقط تستطيع العين أن ترى البرد الذي يتضاعف ..)) . واليوم فان في الساحة الثقافية العربية نخب من الشعراء الشباب يكتبون الشعر (الهايكو) وبصيغ جدا متقدمة وهي مفعمة بروح من الفلسفة الفكرية ملهمه، وكثير من هذه النصوص المقدمة من لدن شعراء الشباب نلاحظ تأثيراتهم بالنصوص (النفري) لأنهم وجدوا في تجربته الشعرية التصوفية منفذا لطرح أفكارهم عبر نصوص نثرية موجزه.. ومختصرة.. ورمزية.. ومجازية.. وموجهة.. تحمل في طياتها إشارات مبهمة تخبئي ما وراءها معاني يمكن تأويلها حسب ثقافة القارئ كأسلوب الذي اتجه (النفري) في كتاباته وهو يقصد بما لا يقال أو لا يمكن قوله لموانع عدة؛ وهذا ما يقود الشعراء لاستحداث أسلوب ترفع بمستوى اللغة الشعرية بما لم تعرفها اللغة الشعر القديمة؛ وهذا هو إشراق اللغة في تقديم نفسها وانفتاحها للحداثة وتقبلها للمفردات المستحدثة في تطور الحضارة؛ ولهذا فان كتابات (النفري) و(الحلاج) فتحت أول مدخل للحداثة الشعرية وفي اللغة، وهذا الاستحداث مازال تأثيراته على اللغة الشعرية الحديثة قائما إلى يومنا؛ ولهذا فان اغلب شعراء الحداثة في عصرنا الحاضر متأثرون بسياقات وأفكار وصياغات ودلالات وأساليب اللغوية لـ(النفري) من حيت الترميز.. والاختزال.. والتلاعب بالمفردة اللغوية وبعيدا عن سياقات تلك الحقبة التاريخية أو ما قبلها؛ حيث ألتفعيلة والبلاغة يطغي على الشعر التقديم حيث يتجه - بدا وانتهاء - لأغرض مقصودة مدحا.. أو هجاءا.. أو تعظيما.. أو فخرا.. أو حماسا، وكل هذه الاتجاهات الشعرية التي كانت سائدة في عصر (النفري) لم يلتزم بها؛ وكان لعدم التزامه بهذه القواعد بمثابة تمرد عن أخلاقيات وأعراف المجتمع المتعارف عليها في المجتمعات القبلية؛ ولهذا كان يغشى بالبوح وكتابة نصوصه؛ لان (النفري) كغيره من الشعراء التصوف وجدوا عجزا في التعبير عن مكنوناتهم الروحية بقوالب الشعر التقليدي؛ ولهذا تحرروا من تلك القيود (شكلا) و(مضمونا) وتعمقوا في البحث عن مفردات لها إيحاءات متعددة قابلة لتأويل؛ وليس لها فضاء محدد؛ وغير ماطرة بقوالب؛ لان مفردات التصوف تنطلق من أعماق الروح وهي تعاني اغترابها وهي تحاول الفرار بدون حواجز وحدود، وهذه هي جمالية المفردة التي تسبح في فضاء الروح فتتوارد خلجات الشاعر مع وجدانه؛ لتأتي كل مفردة تحمل استقلاليتها في دخل النص؛ وهذا ما نلاحظه مدى تأثير شعراء الحداثة بهذه التجليات الصوفية كشعراء الذين ذكرناهم أنفا - كنماذج وليس الحصر - لان في الساحة العربية قائمة طويلة من الشعراء لا يمكن حصر أسماءهم في هذه الأسطر القليلة؛ والتي جل أشعارهم النثرية أو قصائدهم في (الشعر الحر) هي صدى لـ(الشعر العربي الصوفي)؛ ولكن بلون معاصر لحالة اغتراب الإنسان؛ وهذا هو سر الإبداع للشعر الحداثي وجمالياته، لان الحركة التعبيرية في (الشعر الحديث أو المعاصر) هي ذاتها في (الشعر الصوفي) ومفرداته سواء ما نجده عند (الحلاج) أو (النفري) او (ابن العربي) و(ابن الفارض) وغيرهم من المتصوفة سواء في لغة الحب أو المعرفة أو في استخدام المفردات وأسلوب استخدامها بين الشيء ونقيضه.. وانأ والأخر.. والاغتراب والضياع.. والترميز والذاتية.. والمجاز والإيحاء، وكل ذلك فتح للحداثة الشعر أبوابه من خلال مداخل الصوفية؛ لينطلق إلى اللا محدود بعد إن وجد الشاعر الحداثي الإنسانية بصورة عامة وهي (متشيئة) في ظل الإنتاج المادي وعبوديته في المصانع والمعامل والصراعات السياسية والحروب؛ وهذا ما قاد الاتجاه الشعري في (الشعر العربي الحديث والمعاصر) ليتوجه توجها اقرب إلى الصوفية من حيث التجريد.. والترميز.. والتركيز.. والإيحاء والغموض.. والهذيان، بعد إن وجد الشاعر ذاته مغتربة في عالم ملئه قسوة وشرور؛ وهذا ما أدى إلى اتساع الرؤية التصوفية التجريدية في إشعار الشعراء الحداثة للبحث عن وطن قابل لسكن، وهذا ما لا يكون، إلا حين يعتنق إنسان (الحب) كدين للوطن.. وعقيدة.. وسياسة له، لترتقي بذات الإنسانية وتحررها من مفاسد المادة والاستغلال الصناعي والتجاري؛ حيث السمو والتحرر وهي مكامن في روح الشعر الحديث تجلو مع تجليات الصوفية عن متنفس ومتغير للحياة .]]> ‫ النفري، فتح أول مدخل للحداثة في الشعر العربي الحديث والمعاصرة فواد الكنجي حين نتحدث عن (النفري، محمد بن عبد الجبار بن حسن) لا بد بدا إن نحيط علما بطبيعة البيئة وتأثيراتها في تكوين شخصيته، ففي القرن الرابع الهجري أي بحدود (913-1010 ميلادي) وهي الفترة التي عاش فيها و كانت الدولة العباسية تحكم البلاد الإسلامية، رغم إن مصادر التاريخ عن حياته قليلة جدا؛ وان كل ما تم معرفته عن الرجل جاء من خلال كتاب (الفتوحات المكية) لـ(ابن العربي، محي الدين) الذي أشار إليه، وان كتاب الوحيد الذي نسب إلى (النفري) جاء من خلال ما جمعة حفيده (أبو عبد الله محمد بن عبد الله) تحت اسم (المواقف والمخاطبات)، بكون (النفري) لم يدون أي حرف منه وهو على قيد الحياة؛ بسبب خشيته بان لا يكون مصيره كمصير(الحلاج) الذي قتل في القرن (الثالث الهجري) بشكل لا يمكن تصويره لبشاعة قتله وبسبب مواقفه وأرائه الصوفية؛ تلك الآراء التي كان (النفري) يؤمن بها؛ ولهذا لم يدون تجلياته.. وفيوضاته.. وشطحاته.. وإشرافاته.. وهي بنفس النمط الروحية التي كان (الحلاج) يكتب فيها، ولهذا فان جل ما دونه (النفري) من أفكار وفيوضات روحية؛ كتب على قصاصات ورقيه صغيره جمعها - فيما بعد - حفيده في كتاب سماه (المواقف والمخاطبات) - كما ذكرنا - والكتاب عبارة عن رسالتين هما (المواقف) و(المخاطبات)، و رسالة (المواقف) في هذا الكتاب تتضمن على سبعة وسبعون موقفا، إما (المخاطبات) فتتضمن من ست وخمسون مخاطبة، الذي اكتشفه ونشره المستشرق البريطاني (جون آرثر أربري) سنة (1934 ميلادية) ثم جاء الأب (بولس انويا) سنة 1973 لينشر ما لم ينشر من رسالتي (المواقف) و(المخاطبات) في كتاب عنونه تحت اسم (نصوص صوفية غير منشورة) . فـ(النفري) عاش في عصر (الدولة العباسية) التي شهدت تطورات حضارية في شتى مناحي الحياة الثقافية.. والعلمية.. والسياسية.. والاجتماعية.. والاقتصادي؛ لدرجة التي سميت فترتهم بـ(الفترة الذهبية)، لما أولوا خلفائها من دور وأهمية على كل مستويات الحياة وتحديدا في تعميق حب العلم والمعرفة والبحث والترجمة في مجال الأدب والفلسفة والطب والرياضيات والفلك، وذلك من خلال تأسيس دور الثقافة والمعرفة والعلم، وكان أشهرها دار (الحكمة)، والتي كان مقرها في (بغداد)، وكانت (الدولة العباسية) تقدم منح دراسية مغرية لطالبين العلم والمعرفة والبحوث العلمية؛ ولهذا قامت الدولة برصد كل إمكانياتها المادية والمعنوية في هذا المجال؛ بل قامت بتعيين أشهر العلماء وتوظيفهم في (دار الحكمة) من شتى المنابع والمناهج والعقائد الدينية والفكرية والفلسفية والعلمية والترجمة؛ ليعملوا سوية بروح من المحبة والأمان والسلام؛ من اجل توعية الإنسان وتوسيع مداركه، وكان الخلفاء في (الدولة العباسية) يشجعون تحديدا أعمال الترجمة؛ وتم تقديم منح ومكافأة مجزية لترجمة الإعمال الفلسفية اليونانية؛ وذلك بغية لتكوين مكتبة كبيرة وشاملة لمختلف أنواع المعارف، ومن أوجه اهتمام (العباسيين) في المجالات العلمية والطبية، عملوا على توسيع دائرة المعرفة عبر تطويرهم لتقنيات الطباعة التي استقطبوا فكرتها من الصينيين بعد حرب نشبت بينهم وبين الصين عام 751م . وفي ظل هذه البيئة التي زخرت بالتطورات على كل المستويات؛ واخذ المجتمع يتوجه نحو المادية بتوسيع نطاق التجارة التي أخذت مداها تتسع مع تطور نمط الحياة والتغيرات المجتمعية؛ فكان بطبعة هذا التطور ما يولد نقيضه في المجتمع، كما حدث في التاريخ الحديث للأمم بعد (الثورة الصناعية) وما أعقبها من تغيرات مجتمعية في نمط الحياة نتيجة تطورات الحاصلة في قرن الثامن والتاسع عشر الميلادي وما بعدها، فكان (الاغتراب) وليد لهذه التطورات سواء في العصور ما بعد (الثورة الصناعية) أو إثناء وما بعد الازدهار في عصر (العباسيين)، فكان (الصوفية) نموذج لهذا (الاغتراب) في عصرهم، لأن من طبيعة أي نزعة تطويرية للإنسان تظهر في المجتمع - كحاصل تحصيل - ما يحرض لولادة نقيضه إلى الظهور، فـ(الصوفية) هي نمط من الغربة والاغتراب وهي نقيض التطور والتوجهات المادية؛ لان نمط الحياة الإسلامية بعد إن أخذت تتوسع الدولة الإسلامية في القرن الثالث الهجري أصبحت عواصمها نقطة تمركز تجارية هائلة؛ وأصبح المال هو دائرة التي تحرك الإنسان نحو الانغماس في الإعمال التجارية والصناعية من اجل كسب مزيد من المال وتوسيع نطق العمل لتجميع الثروات؛ كما حدث في عهد (هارون الرشيد)، ولان نمط الحياة وسياسة الخلفاء كانت تتجه بهذا الاتجاه لبناء قدرات الدولة؛ فان أي تعارض كان يقوم ضد هذا الاتجاه كل محطة استهداف و مراقبة؛ ولهذا كانت (الصوفية) هي أول دائرة منعت أنشطتها في عصر (العباسيين)، وحين نستقصى لبوادر ظهور (الصوفية) فإننا نستشف بكونها ظهرت نتيجة الفساد الذي اخذ يستشري في أركان الدولة الإسلامية ما بعد القرن الثالث الهجري وكان ظهورها رد فعل أخلاقي قبل إن تتجه نحو التقشف والزهد والتمرد عن ما هو يسود في المجتمع من القوى المادية، لان (الصوفية) لا تفهم الحياة إلا من خلال الله بكونها حيث هي الله نفسه، وهو الشعور الذي رسخ مشاعر (الاغتراب) في الذات المتصوفين والابتعاد عن الحياة، ولهذا اعترضوا الفقهاء كل ما ورد في مدونات المتصوفة؛ واعتبروا أفكارهم تكفيرية تخالف العقيدة؛ ولهذا اخذوا يراقبون المتصوفة ويشنون حملات تطهير عنيفة ضدهم؛ وما كان حكمهم الصادر بحق (الحلاج) وقتله بشكل بشع؛ إلا لإسكات كل من يفكر بالاتجاه اتجاها صوفيا في الحياة، فبعد إن سجن (الحلاج) لفترة تجاوزت تسعة سنوات ثم حكم علية بالقتل بتهمة التكفير والزندقة؛ جيئي من سجنه وفي ساحة عامة وإمام جمع من الناس تم جلده إلف سوط؛ وبعد الجلد تم صلبه؛ وبعد انتقال روحه جيء به في اليوم الثاني من بعد موته فتم قطع رأسه ويداه و رجلاه وبعدها تم حرق جسده وقاموا برمي رماده في نهر دجله، ويقال بان رأسه علق على سور الجسر الجديد وعلقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه لتشاهده عامة الناس؛ ويقال بان بعد أمد جمع رأسه و يداه ورجلاه وتم دفنه في القبر المعروف في الجانب (الكرخ) من مدينة (بغداد) والمعروف بمرقد (الحلاج) والذي ما زال قائما إلى يومنا هذا؛ رغم ما يتعرض بين حين وأخر إلى الإهمال ولأسباب عقائدية. وفعلا بعد قتل (الحلاج) صمت الصوفيون لعدة قرون، ولهذا السبب لم يدون (النفري) أي حرف من تجلياته - كما ذكرنا - خوفا من اعتقاله وقتله؛ لذلك تمسك بالصمت وكتم كل ما في أعماقه خوفا من سلطة وبطش الخلفاء والأمراء ومن أهل الفقه والشريعة، لذلك كان شديد الحذر والتحفظ بآرائه ومعتقداته الصوفية؛ الأمر الذي جعله شخصية مجهولة عند مؤرخي عصره، ولهذا جاءت نافذة أفكاره موجزة ورمزية لتتجه إلى عمق النص الصوفي بإيجاز وبإبهام وتركيز وغموض؛ فقدم تجلياته الروحية بأسلوب مركز وبلغة رمزية جذابة تبعث الروح في داخل النص بشكل غير مباشر، وما عمق أسلوب تحليله وتقديمه لنصوص التي كتبها إلا بداية ونقطة انطلاق لتطوير أساليب (الحداثة) التي طرأت على اللغة العربية في ذلك العصر وما بعده على صعيد الشعر والنثر؛ من حيث الجوانب الفنية وتحديدا في (الشكل) و(المضمون)، فاتجهت نصوص صياغة شتى صنوف الأدب المعروفة - آنذاك - باتجاه الصور الفنية.. والخيال.. والفكر.. واللغة.. والى تعبيرات معاصره غير مألوفة في الشعر ومغايرة عن الشعر التقليدي المعروف منذ (العصر الجاهلي)، وهذا الاتجاه المتطور والغير التقليدي ساد و ورد في قصائد اغلب شعراء هذا العصر؛ إي في (العصر العباسي)، حيث تطورت الصياغات الشعرية بشكل ملحوظ نتيجة طبيعة التغيرات المجتمعية التي حدثت في هذا العصر باختلاط الثقافة العربية بغيرها من ثقافات الأمم التي تم انضمامها تحت حكم (الدولة العباسية)؛ وهذا ما اثر تأثيرا كبير في مفردات اللغة العربية؛ الأمر الذي وسع أفاق اللغة الشعرية من حيث إغراضه.. وأساليبه.. وفنونه.. وبلاغته.. وهو ما ابعد الشعر عن الصياغات التقليدية واخذ الشعراء يستخدمون الألفاظ والتشبيهات خارج المألوف ليدخل الشعر العربي مرحلة من تطور ملحوظ في (الشكل) و(المحتوى)، ولهذا اتجه النص الشعري - وخاصة عند الشعراء الصوفية - إلى عدة اتجاهات ومنها كان الاتجاه التجريدي.. والرمزي.. والإيحائي، وهذه ما قاد النص ليخرج بشكل (غامض) و(مبهم) لاعتماد النص على الصور مختلطة بين ما هو في (الذهن) وما هو في (الخيال)، وهذا ما نجده في نص (النفري)؛ رغم إن (الحلاج) سبقه بهذا التميز حيث (الرؤية) و(الخيال) و(الذهن)، وهو ما يميز نص (النفري) أكثر من الأفكار ألمقدمة، وهذه السمات هي سمات (الحداثة الشعرية) المندمجة بين (الرؤية) و(الخيال) و(الفكر) الغير المرتبط بموضع موحد؛ فيأتي مبعثرا بمفردات ورموز تلمح من البعيد إلى الموضوع ذاته، وهذا نمط من الأسلوب هو ما نلتمسها في (الشعر الحديث) الذي يتميز بـ(التجريد) و(الرمزية) و(الإيحاء)، وهي إشارات التي تقود النص إلى ركائز دلالة لاستنباط المعاني المتعلقة بين العلة والمعلول، ولهذا فان (الصوفية) رفدت (الشعر العربي الحديث) بكثير من هذه المميزات، حيث استنبط منها تعبيرات حداثية في الضياع.. والاغتراب.. والهروب.. واللا جدوى.. والخيال.. والتيه.. والصمت المفعم بالرمز.. والحديث الغامض .. والهذيان الذي لا يشير إلى معنى بقدر ما يوحي إلى معاني لا حدود لها لكي تبقى تنمو مع النص، فـ(الغموض الصوفي) هو في متن النص (الشعر العربي الحديث) يربط بين المتناقضات والمعاني الضبابية وبين الموت والحياة.. والليل مع النهار.. والصمت مع الكلام.. واليأس والأمل، فهذه الرؤية الصوفية معبئة بالإتعاب تتكئ على ضياع الإنسان وهي كرؤية (الشعر العربي الحديث والمعاصر) في عصر (ما بعد الحداثة)، رؤية الحياة والعالم ونظرة إلى الزمن والغموض وعبء الذات التي تبحث تارة عن الحوار بـ(رؤية ميتافيزيقية) وتارة أخرى بـ(رؤية وجودية)، وهذا ما أعطى لـ(الشعر العربي الحديث) رؤية فنية نابعة من (الرمز) و(الخيال)، ليعبر الشعر عن مكنونات الذات الوجدانية والروحية وبإبعاد صوفية للشاعر؛ لان عالم الشعر هو عالم شبيه بالصوفية؛ ولكن بنمط أخر في طبيعة الفهم لأدراك إسرار العالم والكون؛ وهذا ما قاد الشعر إلى الغموض لان الشاعر لجئ إلى الإيحاءات.. والرموز.. والخيال.. وتجريد.. لعدم كشف ما يجول في أعماقه ولأسباب كثيرة كالصوفية، ولهذا اتجهت قصائد (الشعر العربي الحديث) إلى إسهاب في الغموض كتجليات صوفية وكنوع من أنواع اغتراب الروح؛ وهذا الغموض أصبح سمة الهروب اللغة الشعرية إلى الإمام؛ ليتم البحث عن دلالاتها وفق نمط ثقافة المتلقي، وهنا فان ليس هناك في اللغة الشعرية شيء اسمه (الغموض) بقدر ما يتعلق أمره بصعوبة فهم مدارات الروحية التي انطلق النص منها؛ وهذا ما يقود إلى بذل جهد من المتلقي ليصل إلى ما وهو المقصود.. وقد لا يصل ......! لذا فان ممهدات لهذه (الحداثة) التي يشهدها عصرنا الحالي؛ هي آتية من خلال تأثيرات فكرية التي طرأت على طبيعة القصيدة في الشعر العربي في (العصر العباسي) نتيجة لتطورت الحاصلة على كل مناحي الحياة - كما ذكرناها - ولهذا فان الشعراء في هذا العصر اخذوا يتحررون من القيود الشعرية التقليدية وان لم يكن بشكل الذي هو الحال علية (الشعر المعاصر) ولكن في زمانها كانت تغييرا نوعيا من حيث (الشكل) و(المضمون) وضمن أيطار اللغة والمفردة الشعرية ذات الدلالة والبعد الواحد؛ مستعين بمفردات تواكب تجليات الشاعر؛ فلم يعد الشعر يتداول المفردات التقليدية للشعر القديم بل استحدثوا مفردات شفافة قادرة على التماس بوجدان الشاعر والمتلقي، لتكون مفرداته قادرة لكشف والتماس والمناجاة والوصف بإبعاد نفسية وروحية لم يبلغها الشعر من قبل، كما نلتمس ذلك في أشعار (أبو فراس الحمداني) و (المتنبي) و(أبو العلاء المعري) و(أبو نواس) و(ابن الرومي) و(أبو تمام) و(بشار بن برد) و(الشريف المرتضى) و(أبو العتاهية) و(البحتري) و(بهاء الدين زهير) و(الحلاج) وغيرهم وهم من الشعراء (العصر العباسي) . وضمن هذه البيئة كانت (الصوفية) في القرن الثالث والرابع الهجري تتأثر تأثيرا كبيرا بالمفردة الشعرية التي كانت تواكب (حداثة ذلك العصر)؛ فجاءت المفردات (الصوفية) بعيدة عن قواعد الأصولية والنظم التقليدية في لغة الشعر؛ تحمل تصالحها مع روحها.. ومنصهرة في غربة ذاتها.. وتحمل سموها في روح الشاعر الصوفي، لتكون تجليات (الشعر الصوفي) نموذجا أخر لـ(الحداثة الشعرية) آنذاك؛ والتي نرى تأثراته في (الشعر الحديث والمعاصر) كقيمة لغوية لا يمكن تجاوزها في (الشعر العربي الحديث) خاصة المفردة الشعرية لـ(الحلاج) والتي تأثرا بها (النفري) وصاغ أسلوبه بمنهجه الصوفي؛ فاحدث الأخير طفرة كبيره بأسلوب (الحداثة) وبنوع المفردة.. والإيحاء.. والرمز.. والتأويل.. والخيال.. ليرتقي بالتعبير إلى مستوى (جماليات البلاغة) أثرت بنوعيتها على (الشعر العربي الحديث) فواكبها بما تحمل من صور بلاغية مدهشة بالغرابة والذهول تحمل في متنها تقاطع وتناقض وبانطلاق روحي حر وبما يعبر عنه العقل اللاواعي مطلقا العنان للخيال ليعبر بتلقائية عن فلسفة تجريد مبتعدا عن تحديد أي نص يتصل بالديانات السماوية سواء لليهودية أو المسيحية أو الإسلامية - إلا ما ندر- بقدر ما اعتمد على (الوقفة) و(الرؤية) وهذه الإشارات كلها تبحث عن حقيقة الإنسان الباطنية والمعنوية بغية الوصول إلى الحقيقة دون ذكر التسميات. فـ(الوقفة) عند (النفري) جاء في كتابه الأول (المواقف)، حيث (( يبدأ كل فصل بقوله: (أوقفني) ويردفها بقوله:( قال لي )، وكأنه يتلقى الخطاب الإلهي بعد أن يتم حال الوقف ويتهيأ للإنصات؛ وأن دلالة مقام (الواقفة) تشير إلى أن المعنى يصبح ملكا لله وحده لا غير، ظاهريا وباطنيا ويطبق كل الشروط المتعلقة بتكامله داخل هذا المقام . إما (الرؤيا) فهي آخر أبواب (الواقف) في سلم المعنى الذاتي الإلهي؛ ومفتاح (الرؤيا) هي اللحظة المطلقة بلا ذاكرة ولا عنوان ولا تسميات، فهي القدرة الذاتية والكمالية لاختراق كل شيء و سلب شيئته، وإزاحة كل الحجب والموانع والأستار وكل غيرية وسوائية عن ذاتها المستقلة، فمن خلال (الرؤيا) يستطيع (الواقف) أن يرى كل شيء من وراء كل شيء، وأن يرى الحقيقة الإلهية من وراء كل الأشياء . أما المخاطبات، فهي في حال أدنى، حيث يصبح (النفري) هنا في حال العبد، وتبدأ كل من كلماته بـ(يا عبد) وهنا يبدو القائل والمخاطب، كما أن للمسألة وجها آخر، حيث يأخذ (النفري) موقف المخاطب، فكأنه يأخذ مكان (الله) وهو يخاطب عبيده..)) . وهنا لا أتوسع في تفاصيل الطرق التصوفية و فيوضاتهم وإشراقاتهم وتجلياتهم؛ بقدر ما نويت توضح بهذا الوجيز من الكلام عن التفسير الصوفي لمضامين الكتاب (المواقف والمخاطبات)، لان مجال الحديث في هذا المقال يقتصر إلى تسليط الضوء عن (المفردة الشعرية) التي وردت في هذا الكتاب والتي كان لها تأثيرا كبيرا على (الحداثة الشعرية) في (الشعر العربي الحديث والمعاصر) ومنه (الشعر هايكو)، ومن ذلك سأختار بعض من هذه النماذج التي دونت في كتاب (النفري) والمعنون بـ(المواقف والمخاطبات) ونأخذ منها : ((.. أوقفني في القرب وقال لي: ما من شيء أبعد من شيء ولا من شيء أقرب من شيء إلا حكم إثباتي له في القرب والبعد..)) . ((.. وقال لي: إن لم تظهرني على لسانك لم أنصرك على عدوك ..)) . ((.. وقال لي: إذا لم أوت عبدي من كل شيء فليس هو عبدي الفارغ وإن تفرغ مما أتيته لأنه قد بقي بيني وبينه ما لم أؤته وإنما عبدي الفارغ إلا مني فهو عبدي الذي آتيته من كل شيء سببا وأتيته منه علما وأتيته منه حكما فرأى الحكم جهرة ثم تفرغ من العلم وتفرغ من الحكم فألقاهما معاً إلي فذاك هو عبدي الفارغ من سواي.. )) . ((.. وقال لي : بين النطق والصمت برزخ فيه قبر العقل وقبور الأشياء..)) . ((.. كلما اتسعت الرؤيا , ضاقت العبارة.. )) . ((.. أوقفني في قف وقال لي: إذا قلت لك قف فقف لي لا لك ولا لأخاطبك ولا لآمرك ولا لتسمع مني ولا لما تعرف مني ولا لما لا تعرف مني ولا لأوقفني ولا وليا عبد قف لا لأخاطبك ولا تخاطبني بل أنظر إليك وتنظر إلي فلا تزل عن هذا الموقف حتى أتعرف إليك وحتى أخاطبك وحتى آمرك فإذا خاطبتك وإذا حادثتك فابك إن أردت علي البكاء وإن أردت على فوتي بخطابي وعلى فوتي بمحادثتي..)) . ((.. وقال لي: إذا قلت لك قف فوقفت لا لخطابي عرفت الوقوف بين يدي وإذا عرفت الوقوف بين يدي حرمتك على سواي وإذا حرمتك على سواي كنت من أهل صيانتي..)) . ((.. وقال لي: إذا عرفت كيف تقول إذا قلت لك قف لي فقد فتحت لك الباب إلي فلا أغلقه دونك أبدا وأذنت لك أن تدخله إلي فلا أمنعك أبدا فإذا أردت الوقوف لي فاستعمل أدبي ولك أن تدخل متى شئت وليس لك أن تخرج إذا شئت فإذا دخلت إلي فقف ولا تخرج إلا بمحادثتي وبتعرفي فما لم أحادثك وما لم أتعرف فأنت في المقام مقام الله وإذا تعرفت إليك فأنت في مقام المعرفة.. )) . ((.. وقال لي: إذا قلت لك قف لي فعرفت كيف تقف لي فلا تخرج عن مقامك ولو هدمت كل كون بيني وبينك فألحقك بالهدم فاعرف هذا قبل أن تقف لي ثم قف لي فلا تخرج أو أتعرف إليك بما تعرف مني..)) . ((.. وقال لي: لو جاءك في رؤيتي هدم السموات والأرض ما تزيل ولو طار بك في غيبتي طائر بسرك ما ثبت ذلك لتعلم قيوميتي بك واستيلائي عليك..)) . ((.. وقال لي: أيهما تسألني الرؤية لا عن المسألة أم الغيبة على المسألة الغيبة قاعدة ما بين وبينك في إظهارك..)) . ((.. وقال لي: ألا تعلقت بي في الوارد كما تتعلق بي في صرفه..)) . ((.. وقال لي: التعلق الأول بي والتعلق الثاني بك..)) . ((.. وقال لي: التعلق بي في الوارد لا يصرفه لا لإقراره ولا لمكثه ولا لزواله..)) . ((.. وقال لي: قل يا من أورده أشهدني ملكوت برك في ذكرك وأذقني حنان ذكرك في إشهادي فأرنك مثبتا حتى تقوم بي رؤيتك في إثباتك ووار عني ما ارتبط بالثبت مني ومنه وناجني من وراء ما أعلمتني حتى أكون باقيا بك فيما عرفتني وسر بي إليك عن قرار ما يستقر به وصفي بوصفي ونادني يا عبد سقطت معرفة سواي فما ضرك ثبت تعرفي لك هو حسبك..)) . ((.. وقال لي: العالم يخبر عن الأمر والنهي وفيهما علمه والعارف يخبر عن حقي وفيه معرفته والواقف يخبر عني وفي وقفته..)) . ((.. أوقفني في نور وقال لي: لا أقبضه ولا أبسطه ولا أطويه ولا أنشره ولا أخفيه ولا أظهره وقال: يا نور انقبض وانبسط وانطو وانتشر وأخف وأظهر فانقبض وأنبسط وانطوى وانتشر وخفي وظهر ورأيت حقيقة لا أقبض وحقيقة يا نور انقبض..)) . ((.. وقال لي: ليس أكثر من هذه العبارة فانصرف فرأيت طلب رضاه معصيته فقال لي: أطعني فإذا أطعتني فما أطعتني ولا أطاعني أحد فرأيت الوحدانية الحقيقية والقدرة الحقيقية فقال: غض عن هذا كله وانظر إليك وإذا نظرت إليك لم أرض وأنا أغفر ولا أبالي..)) . ((.. لا يوجد في حضر الله غير الله، فمن كان في حضر الله غاب عند كل شي وغاب عنه كل شي غير رب الأشياء..)) . ((.. يا عبد من رآني قر إلي ومن قر إلي قر في الوجد بي ومن لم يرني فلا قرار له أين يقر..)) . (( .. في بحر ولم يسمه وقال لي: لا اسميه لأنك لي لا له وإذا عرفتك سواي فأنت..)) . (( .. أجهل الجاهلين والكون كله سواي فما دعا إلي لا إليه فهو مني فإن أجبته عذبتك ولم أقبل ما تجيء به وليس لي منك بد وحاجتي كلها عندك فاطلب مني الخبز والقميص فإني أفرح وجالسني أسرك ولا يسرك غيري وانظر إلي فإني ما أنظر إلا إليك وإذا جئتني بهذا كله وقلت لك إنه صحيح فما أنت مني ولا أنا منك..)) . (( .. وقال لي اقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح، وإذا دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه، وإذا خرج فلا تمده، وافرح فإني لا أحب إلا الفرحان، وقل لهم قبلني وحدي وردكم كلكم، فإذا جاؤوا معك، قبلتهم ورددتك، وإذا تخلفوا عذرتهم ولمتك، فرأيت الناس كلهم براء..)) . (( .. وقال لي العلم الذي ضده الجهل علم الحرف، والجهل الذي ضده العلم جهل الحرف، فاخرج من الحرف تعلّم علمًا لا ضد له، وهو الرباني, وتجهل جهلاً لا ضد له، وهو اليقين الحقيقي..)) . ((.. قال لي التقط الحكمة من أفواه الغافلين عنها كما تلتقطها من أفواه العامدين لها، انك تراني وحدي في حكمة الغافلين لا في حكمة العامدين..)). ((.. وترى النار تقول ليس كمثله شيء، وترى الجنة تقول ليس كمثله شيء، وترى كل شيء يقول ليس كمثله شي..)) . ((.. وقال لي: لا يكون المنتهى حتى تراني من وراء كل شيء..)) . ((.. وقال لي: من لم يرني من وراء الضدين رؤية واحدة ما رآني..)) . ((..وقال لي: نم لتراني، فإنك تراني؛ واستيقظ لنراك، فإنك لا تراني..)) . ((.. القلب يتغير وقلب القلب لا يتغير والحزن قلب القلب..)) . ((.. وقال لي اعرف من أنت فمعرفتك من أنت هي قاعدتك التي لا تتهدم وهي سكينتك التي لا تزل..)) . ((.. وقال لي: القرب الذي تعرفه مسافة، والبعد الذي تعرفه مسافة، وأنا القريب البعيد بلا مسافة..)) . ((.. ومعرفتك بالبلاء بلاء، وإنكارك للبلاء بلاء..)) . ((.. يا عبد.. شيء كان، وشيء يكون، وشيء لا يكون. فشيء كان: حبي لك، وشيء يكون: تراني، وشيء لا يكون: لا تعرفني معرفة أبدا..)) . ((.. وقال لي حسن الظن طريق من طرق اليقين..)) . ((.. وقال لي: سر، فأنا دليلك إلي..)) . (( .. وقال لي: انظر بعين قلبك إلى قلبك، وانظر إلى بقلبك كله..)) . (( .. إنما أُحادثك لترى؛ فإذا رأيت، فلا حديث..)) . (( .. أوقفني في الصفح الجميل وقال لي: لا ترجع إلى ذكر الذنب فتذنب بذكر الرجوع.. )) . (( .. وقال لي: اخرج إلى البرية الفارغة واقعد وحدك حتى أراك فإني إذا رأيتك عرجت بك من الأرض إلى السماء ولم احتجب عنك..)) . ((.. وقال لي: ليس الكاف تشبيها هي حقيقة أنت لا تعرفها إلا بتشبيه..)) . ((.. وقال لي: اعرض نفسك على لقائي في كل يوم مرة أو مرتين وألق ما بدا كله والقني وحدك كذا أعلمك كيف تتأهب للقاء الحق..)) . ((.. يا عبد من رآني عرفني وإلا فلا، من عرفني صبر علي وإلا فلا..)) . ((.. وقال لي الدنيا لمن صرفته عنها وصرفتها عنه، والآخرة لمن أقبلت بها إليه وأقبلت به علي..)) . (( .. وقال لي اذكرني مرة أمح بها ذكرك كل مرة..)) . ((.. أوقفني في البحرِ فرأيت المراكب تغرق، والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح؛ وقال لي: لم يسلم من ركب.. وقال لي: خاطر من ألقى بنفسه ولم يركب.. وقال لي: هلك من ركب وما خاطر.. وقال لي: في المخاطرة جزء من النجاة ..)) . ((.. وقال لهم: لا تخرجوا قلبا عن حد معرفته، فإن أخرجتموه عنها فلا تردوه، فإن رجع هو فلا تمنعوه، ومن أخرجتموه فاصحبوه حتى يصل إلى ما أخرجتموه إليه ..)) . (( .. وقال لي: سد باب قلبك الذي يدخل منه سواي، لأن قلبك بيتي.. )) . (( .. غششتك إن دللتك على سواي.. )) . ((.. وقال لي: آليت لا أقبلك وأنت ذو سبب أو نسب.. )) . ((.. وقال لي: لا يجاورني وجد بسواي.. )) . (( .. أوقفني في ما يبدو فرأيته لا يبدو فيخفى ولا يخفى فيبدو ولا معنى فيكون معنى.. )) . (( .. إن عرفتني بمعرفة أنكرتني من حيث عرفتني -من سألك عني فسله عن نفسه فان عرفها فعرفني عليه -المعرفة نار تأكل المحبة لأنها تشهدك حقيقة الغنى عنك.. )) . ((.. وقال لي إذا رأيتني فاعرض عمن اعرض عنك واقبل إليك.. )) . ((.. وقال لي القراء ثلاثة فقارئ عرف الكل وقارئ عرف النصف وقارئ عرف الدرس..)) . ((.. وقال لى اعرف من أنت فمعرفتك من أنت هي قاعدتك التي لا تتهدم و هي سكينتك التي لا تزل.. )) . ((.. وقال لي بيتك هو طريقك، بيتك هو قبرك، بيتك هو حشرك ، انظر كيف تراه، كذا ترى ما سواه..)) . ((.. وقال لي الدنيا لمن صرفته عنها وصرفتها عنه، والآخرة لمن أقبلت بها إليه وأقبلت به علي..)) . ((.. وقال لي: أنا الذي أثبتك فبي ثبت وأنا الذي أسمعتك فبي سمعت وأنا لا سواي فيما لم أبد وأنا لا سواي فيما أبدي إلا بي..)) . ((.. وقال لي : وزن معرفتك كوزن ندمك..)) . ((.. وقال لي : فتحت لكل عارف محق بابا إلي فلا أغلقه دونه فمنه يدخل ومنه يخرج وهو سكينته التي لا تفارقه..)) . ((.. وقال لي: يا صاحب العبادة الوجهية وجه وجهك إلي وجه وجه همك إلي وجه وجه قلبك إلي وجه وجه سمعك إلي وجه وجه سكونك إلي.. )) . ((.. وقال لي: ما كل عبد يعرف لغتي فتخاطبه، ولا كل عبد يفهم ترجمتي فتحادثه.. )) . ((.. وأوقفني في الحزن، وجاءني بكل حزين فرأيت حزن كل حزين على فوته، لا على شيء منه، ولا على شيء به ولا على شيء له. ورأيت.. )) . ((.. وقال لي لولاي ما أبصرت العيون مناظرها، ولا رجعت الأسماع بمسامعها..)) . ((.. يا عبد.. شيء كان, وشيء يكون, وشيء لا يكون، فشيء كان : حبي لك وشيء يكون : تراني وشيء لا يكون : لا تعرفني معرفة..)) . ومن خلال هذه النماذج التي اخترناها فان تأملنا بنصوصها سنكتشف حجم البلاغة والقدرة الإبداعية في (اللغة) من جهة، ومن جهة أخرى في (اللغة الشعرية) المستحدثة قياسا للفترة التي كتبت فيها، حيث كان الشعر العربي آنذاك يكتب بقوالب الصدر.. والعجز.. والوزن.. والقافية، بينما ما كتبه (النفري) بعيدا عن هذه القوالب، فلو أخذنا هذه المقاطع مما قاله (النفري) والتي ذكرناه أنفا؛ وسأكتبها بطريقة (حداثية) كما اليوم تكتب قصائد (الشعر العربي الحديث)؛ لأن ما ورد عن (النفري) من نصوص؛ ورد وكتب بشكل نثري وبدون أي تقييد بصيغ الشعر التقليدي المعروف آنذاك من حيث الصدر.. والعجز.. والوزن.. والقافية، وسنلاحظ بأننا حقيقة إمام نصوص شعرية حديثة ومعاصرة ، حيث مفرداتها.. وصياغتها.. واختزالها.. وخيالها.. وتلاعب بالمفردات.. ورمزيتها.. ولغزها.. وإيحائها.. والمعنى الباطني المراد منها، وهذا ما قاد النص إلى (الغموض) كما هو الغموض في (الشعر الحديث) الذي استنبط الكثير من محتوياته الشكلية من نصوص (النفري)، بل إن نصوص الشعر المسمى بـ(الشعر الهايكو) هو الأكثر تأثيرا إن لم نقل انه يتطابق من حيث (الشكل) و(المحتوى) بصياغات (النفري)، بل إننا نجد نصوص (النفري) بأنها اقرب بكثير من نصوص الشعر (الهايكو). ولتوضيح الفكرة أكثر سأقتطف بعض من نصوص (النفري) وسأكتبه بطريقة (الشعر الحديث) والشعر (الهايكو) لنلاحظ ما ذكرناه: ((.. بيتك هو طريقك.. بيتك هو قبرك.. بيتك هو حشرك.. انظر كيف تراه.......! كذا ترى ما سواه ..)) . ومقطع أخر: ((..القلب يتغير.. وقلب القلب لا يتغير.. والحزن، قلب القلب ..)) . ومقطع أخر: ((.. القرب الذي تعرفه مسافة.. والبعد الذي تعرفه مسافة.. وأنا القريب البعيد بلا مسافة..)) . ومقطع أخر: شيءٌ كان.. وشيء يكون.. وشيء لا يكون. فشيء كان: حبي لك وشيء يكون: تراني وشيء لا يكون: لا تعرفني معرفة أبدا..)) . وأيضا نختار: ((..اقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح.. وإذا دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه.. وإذا خرج فلا تمده.. وافرح، فإني لا أحب إلا الفرحان.. وقل لهم: قبلني وحدي وردكم كلكم.. فإذا جاؤوا معك، قبلتهم ورددتك.. وإذا تخلفوا عذرتهم ولمتك.. فرأيت الناس كلهم براء.....)) . وأيضا نذكر: ((..نم لتراني.. فإنك تراني واستيقظ لنراك.. فإنك لا تراني..)) . وأيضا نذكر: ((.. لا أقبضه.. ولا أبسطه.. ولا أطويه.. ولا أنشره.. ولا أخفيه.. ولا أظهره.. وقال: يا نور انقبض وانبسط.. وانطو وانتشر.. وأخف وأظهر .. فانقبض.. وأنبسط.. وانطوى.. وانتشر.. وخفى وظهر ورأيت حقيقة لا أقبض وحقيقة يا نور انقبض.. )) . وإذ ما أخذنا مقاطع من (الشعر الحديث) سنلاحظ حجم تأثير (الحداثة) بأسلوب (النفري) في صياغة العبارات.. والمفردات.. والرمز.. والإيحاء.. والتأويل والتناقض.. والتلاعب بالمفردات من حيث التقديم والتأخير.. والإيحاء.. والمعنى الباطني للمفردة . فمن قصيدة (أولد واحترق) لشاعر (عبد الوهاب ألبياتي) حيث يقول: ((.. تستيقظ (لارا) في ذاكرتي قط تتريا تربص بي ..يتمطى.. يتثاءب يخدش وجهي المحموم ويحرمني النوم أراها في قاع جحيم المدن القطبية تشنقني بضفائرها وتعلقني مثل الأرنب فوق الحائط مشدودًا في خيط دموعي ..)) . اما من شعر (محمد الماغوط ) فاخترنا من قصيدة (وطني) هذا المقطع: ((.. أحب التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف ولكنني أحب الرصيف أكثر .. أحب النظافة والاستحمام والعتبات الصقيلة وورق الجدران ولكني أحب الو حول أكثر..)) . اما من الشاعر (صلاح عبد الصبور) اخترنا من قصيدة (مرثية رجل تافه) هذا المقطع: ((..مضت حياته...كما مضت ذليلة موطاة كأنها تراب مقبرة وكان موته الغريب باهتا.. مباغتا الميتة المكررة كان بلا أهل..بلا صحاب ..)) . إما الشاعر (بدر شاكر السياب) فمن قصيدة (أنشودة المطر) اخترنا: ((..عيناك غابتا نخيل ساعةَ السحر او شرفتان راح ينأى عنهما القمر عيناك حين تبسمان تورق الكروم وترقص الأضواء ... كالأقمار في نهر يرجه المجداف وهنا ساعة السحر كأنما تنبض في غورهما، النجوم وتغرقان في ضبابٍ من أسى شفيف كالبحر سرح اليدين فوقه المساء دفء الشتاء فيه وارتعاشه الخريف والموت.. والميلاد.. والظلام.. والضياء فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء ونشوة وحشية تعانق السماء كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر..)) . ومن الشاعر (بلند الحيدري) اخترنا من قصيدة (عبث) هذا المقطع: (( .. وستبتغين ... وترفضين وستضحكين ... وتحزنين ولكم سيحملك الخيال لكن.. هناك هناك في العبث الذي لا تدركين ستظل ساعتك الأنيقة تلهو بأغنية عتيقة ولن تري ما تبرين ستتكتك اللحظات فيها كل حين ستتكتك اللحظات في المنفي الصغير ولا مصير وتمر عابثة بما تتأملين ولكنما أنت التي لا تدركين فستبغين.. وترقصين وستضحكين.. وتحزنين ولكم سيحملك الخيال فتحملين..)) . إما الشاعر (جبران خليل جبران) فنختار من قصيدة (النبي) هذا المقطع: (( .. المحبة.. لا تعطي إلا ذاتها.. المحبة.. لا تأخذ إلا من ذاتها.. لا تملك المحبة.. شيئا ولا تريد أن أحد يملكها.. لأن المحبة مكتفية بالمحبة..)) . اما الشاعر (اودنيس) فنختار من قصيدة معنونه (الحب جسد ) حيث يقول: ((..الحب جسد أحن ثيابه الليل للأعماق منارات لا تهدي إلا إلى اللج شجرة الحور مئذنة هل المؤذن الهواء..؟ أقسى السجون وأمرها تلك التي لا جدران لها..)) . وأيضا من قصائد (اودنيس) نختار قصيدة (أول التهجية) حيث يقول: ((.. نقدر.. الآن, أن نتساءل كيف التقينا ....! نقدر.. الآن, أن نتهجى طريق الرجوع ونقول: الشواطئ مهجورة والقلوع خبر عن حطام نقدر.. الآن, أن ننحني.. ونقول: انتهينا ..)) . إما من الشاعر(محمود درويش) فنختار من قصيدة (لاعب النرد) هذا المقطع: ((.. من أَنا لأقول لكم ما أَقول لكم ؟ وأَنا لم أكن حجراً صقلَته المياه فأصبح وجها ولا قَصبا ثقبته الرياح فأصبح نايا ..)). وفي مقطع أخر من نفس القصيدة يقول: ((..ومشى الخوف بي ومشيت به حافيا ناسيا ذكرياتي الصغيرة عما أُريد من الغد - لا وقت للغد- أَمشي.. أهرول.. أركض..أصعد.. أنزل.. أصرخ.. أَنبح.. أعوي.. أنادي.. أولول.. أُسرع..أ ُبطئ.. أهوي.. أخف.. أجف.. أسير.. أطير.. أرى.. لا أرى.. أتعثر.. أَصفر.. أخضر.. أزرق.. أنشق.. أجهش.. أعطش.. أتعب.. أسغب.. أسقط.. أنهض.. أركض.. أنسى.. أرى.. لا أرى.. أتذكر.. أَسمع .. أُبصر.. أهذي.. اهلوِس.. أهمس.. أصرخ.. لا أستطيع .. أَئن..أُجن.. أَضل.. أقل.. وأكثر.. أسقط.. أعلو.. وأهبط .. أُدمى..ويغمى علي ومن حسن حظي أن الذئاب اختفت من هناك مصادفة أو هروبا من الجيش لا دور لي في حياتي سوى أَنني عندما عـلمتني تراتيلها قلت : هل من مزيد ؟ وأَوقدت قنديلها ثم حاولت تعديلها كان يمكن أن لا أكون سنونوة لو أرادت لي الريح ذلك، والريح حظ المسافر ..)) . ومن خلال هذه النماذج - وليس حصرا - فان (الحداثة) في الشعر العربي نجدها في صيغ التلاعب بالمفردة العربية ونوعيتها ولغتها التي هي الأقرب إلى الوجدان؛ وفي صياغة الجمل الشعرية بصيغتها النثرية كما هي الحال عند (النفري) باختلاف إشكالها وتجلياتها، فنصوصهم جلها مبنية وفق التجربة الإبداعية الفريدة لـ(النفري) باعتبار تجلياته كانت لها تأثير واضحا لأغلب شعراء العرب في العصر الحديث، بل نجد تجلياته الصوفية وأسلوب كتاباته امتدت - بهذا الشكل وذاك - إلى شرق أسيا رغم إننا نجد تأثراته الصوفية واضحة في الفكر الفلسفي عند (البوذية) و(الكونفوشية) و(التاويه الصينيه) و(الزرادشتيه)، وهذا العمق الروحي في تجربة الشعراء الشرقيين بصورة عامة تبرز فلسفة نكران الذات والإحساس بالاغتراب الروح وهو نفس النمط الروحي عند (النفري)، وهذا النمط من التفكير هو ما يدفع الذات إلى الصمت بعد إن يفقد الإنسان مفرداته؛ وحين يواجه العالم حيث التناقض واللامعقول والمادية؛ لتتسع أفاق التجربة الشعرية في نهاية القرن التاسع عشر؛ رغم إننا ومنذ القرن السادس عشر وما بعدها نجد نماذج شعرية كثيرة كتبوا شعراء إشعارهم بروحية الشعر الذي تم تسميته بالشعر(الهايكو)؛ وكان أبرزهم الشاعر الياباني (ماتسو باشو 1644- 1694) لذي يعتبر أول شعراء (الهايكي)؛ فـ(الهايكو) عنده يقوم على التلميح عن ما هو المسكوت عنه، فكتب وكتبوا الشعراء من الذين تأثروا بهذا نمط من الكتابات الشعرية و بروح فلسفة مشتقة من روح التصوف في الشعر، ونلاحظ بان تأثيرات أسلوب (النفري) واضحة في تجليات هؤلاء الشعراء من الذين تبنوا كتابة الشعر بأسلوب (الهايكو)؛ وربما تكون تجلياته (الصوفية) وصلت إلى شرق أسيا عبر اختلاط الثقافات وتأثيراتهم بالثقافة العربية وفلسفاتها، وهذه تأثيرات ظهرت كنوع جديد من أنماط الشعر سميي عندهم بالشعر (الهايكو)، وفلسفة هذا النوع من الشعر الحديث استمد عناصره من روح الفلسفة الصوفية الشعرية الشرقية وخاصة من خلال نصوص (النفري) أو من سبقوه من الشعراء الصوفية كـ(الحلاج) وغيره. وهنا لابد ن نذكر بعض مما قاله (الحلاج ) من الشعر لتكون المقاربة أكثر وضوحا في هذا المقال بعد إن طرحنا من (النفري) نماذج لاستدلال، فمن (الحلاج نذكر: ((.. أنا من أهوى ومن أهوى أنا .. نـحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني.. أبصرته وإذا أبصـرته كان أنـا روحه روحي وروحي روحه من رأى روحين حلا بدنـا روحه روحي وروحي روحه إن يشاء شئت وان شئت يشاء..)) . وأيضا من (الحلاج) نذكر: ((.. الـــعيـن تبــصر من تهوى وتفقده وناظر القلب لا يخلو مـــن الـنظر إن كَان ليس معي فَالذكر منه معي يراه قلبي وإن غاب عن بصري الوجد يطرب من في الوجد راحته الوجد عند وجود الحق مفقود قد كان يوحشني وجدي ويؤنسني لرؤية وجد من في الوجد موجود ..)) . وأيضا يقول (الحلاج): ((.. إذا هجرت فمن لي ومن يحمل كلي ومن بروحي و راحي يا أكثري واقلي . احبك البعض مني فقد ذهبت بكلي يا كل كلي .. فكن لي إن لم تكن لي فمن لي....! يا كل كلي وأهلي عند انقطاعي ومن لي ما لي سوى الروح.. خذها والروح جهد المقل ..)) . ومن خلال نصوص الصوفية لـ(النفري) او (الحلاج) أو غيرهم من الشعراء المتصوفة؛ سنلاحظ مدى تأثر شعراء شرق أسيا بهذا نمط من الإشعار (الصوفية) وتحديدا في الشعر (الياباني) من حيث التلاعب بالمفردة ونقيضها والتركيز والاختصار والإيجاز والإبهام . ومن تلك نماذج نختار من الشعر (الهايكو) نموذج من أشعار الشاعر الياباني (ماتسو باشو ، 1644 - 1694) حيث يقول: ((.. من وقت لآخر ، السحب تريحنا من كثرة رؤية القمر..)) . وأيضا نختار: ((.. يالروعة من لا يظن أن الحياة زائلة، حين يرى وميض البرق ..)) . إما من الشاعر الياباني (كوباياشي إسا - 1763 – 1827 ) فنختار: ((..حمامة تسدي نصيحة يا بومة ! بدلي تعبيرك، في مطر الربيع ..)) . إما من الشاعر (أنوموتو كيكاكو - 1661 – 1707 ) فنختار: ((.. المتسول، سعيد يحمل السماء والأرض ليلتحف بهما في الصيف..)) . وأيضا من الشعر (الهايكو) نختار نماذج قدمها الشاعر(بول شاؤول) في مقال له تحت عنوان (مختارات من شعر الهايكو) وهي مختارات عن كتاب صدرت في باريس عام 2011 والكتاب ترجمة من شعر (الهايكو الياباني) عن دار (فايار) وقدم لها الشاعر الفرنسي (إي بونفو) وهذه المختارات ترجمها الشاعر (روجيه مونييه) المتأثر أصلاً بـ(الهايكو)، ومن نماذج التي وردت نذكر: نموذجا الشاعر(ماتسو باشو) حيث يقول: ((.. على غصن.. غار غراب في هذا المساء الخريفي..)) . وأيضا من الشعر(ماتسو باشو) نختار: ((.. مطر الشتاء يتساقط على الإسطبل.. ديك يصيح ..)) . ومن شعر الشاعر (سنكاكو) نختارك: ((.. كأن تزيح بالقدم ما كان من دون أن تنظر إلى الوراء.. ..... يمضي العام ..)) . ومن أشعار (إيسا) نختار: ((.. لا أريد أن يكون لي شأن مع هذا العالم الكريه وتنفصل قطرة الندى ..)) . وأيضا نختار من شعر(إيسا): ((..نار فحم الغابات أيامنا تنحسر بالطريقة ذاتها ..)) . و أيضا من شعر(إيسا) نختار: ((..عشب السهول يسقط تستطيع العين أن ترى البرد الذي يتضاعف ..)) . واليوم فان في الساحة الثقافية العربية نخب من الشعراء الشباب يكتبون الشعر (الهايكو) وبصيغ جدا متقدمة وهي مفعمة بروح من الفلسفة الفكرية ملهمه، وكثير من هذه النصوص المقدمة من لدن شعراء الشباب نلاحظ تأثيراتهم بالنصوص (النفري) لأنهم وجدوا في تجربته الشعرية التصوفية منفذا لطرح أفكارهم عبر نصوص نثرية موجزه.. ومختصرة.. ورمزية.. ومجازية.. وموجهة.. تحمل في طياتها إشارات مبهمة تخبئي ما وراءها معاني يمكن تأويلها حسب ثقافة القارئ كأسلوب الذي اتجه (النفري) في كتاباته وهو يقصد بما لا يقال أو لا يمكن قوله لموانع عدة؛ وهذا ما يقود الشعراء لاستحداث أسلوب ترفع بمستوى اللغة الشعرية بما لم تعرفها اللغة الشعر القديمة؛ وهذا هو إشراق اللغة في تقديم نفسها وانفتاحها للحداثة وتقبلها للمفردات المستحدثة في تطور الحضارة؛ ولهذا فان كتابات (النفري) و(الحلاج) فتحت أول مدخل للحداثة الشعرية وفي اللغة، وهذا الاستحداث مازال تأثيراته على اللغة الشعرية الحديثة قائما إلى يومنا؛ ولهذا فان اغلب شعراء الحداثة في عصرنا الحاضر متأثرون بسياقات وأفكار وصياغات ودلالات وأساليب اللغوية لـ(النفري) من حيت الترميز.. والاختزال.. والتلاعب بالمفردة اللغوية وبعيدا عن سياقات تلك الحقبة التاريخية أو ما قبلها؛ حيث ألتفعيلة والبلاغة يطغي على الشعر التقديم حيث يتجه - بدا وانتهاء - لأغرض مقصودة مدحا.. أو هجاءا.. أو تعظيما.. أو فخرا.. أو حماسا، وكل هذه الاتجاهات الشعرية التي كانت سائدة في عصر (النفري) لم يلتزم بها؛ وكان لعدم التزامه بهذه القواعد بمثابة تمرد عن أخلاقيات وأعراف المجتمع المتعارف عليها في المجتمعات القبلية؛ ولهذا كان يغشى بالبوح وكتابة نصوصه؛ لان (النفري) كغيره من الشعراء التصوف وجدوا عجزا في التعبير عن مكنوناتهم الروحية بقوالب الشعر التقليدي؛ ولهذا تحرروا من تلك القيود (شكلا) و(مضمونا) وتعمقوا في البحث عن مفردات لها إيحاءات متعددة قابلة لتأويل؛ وليس لها فضاء محدد؛ وغير ماطرة بقوالب؛ لان مفردات التصوف تنطلق من أعماق الروح وهي تعاني اغترابها وهي تحاول الفرار بدون حواجز وحدود، وهذه هي جمالية المفردة التي تسبح في فضاء الروح فتتوارد خلجات الشاعر مع وجدانه؛ لتأتي كل مفردة تحمل استقلاليتها في دخل النص؛ وهذا ما نلاحظه مدى تأثير شعراء الحداثة بهذه التجليات الصوفية كشعراء الذين ذكرناهم أنفا - كنماذج وليس الحصر - لان في الساحة العربية قائمة طويلة من الشعراء لا يمكن حصر أسماءهم في هذه الأسطر القليلة؛ والتي جل أشعارهم النثرية أو قصائدهم في (الشعر الحر) هي صدى لـ(الشعر العربي الصوفي)؛ ولكن بلون معاصر لحالة اغتراب الإنسان؛ وهذا هو سر الإبداع للشعر الحداثي وجمالياته، لان الحركة التعبيرية في (الشعر الحديث أو المعاصر) هي ذاتها في (الشعر الصوفي) ومفرداته سواء ما نجده عند (الحلاج) أو (النفري) او (ابن العربي) و(ابن الفارض) وغيرهم من المتصوفة سواء في لغة الحب أو المعرفة أو في استخدام المفردات وأسلوب استخدامها بين الشيء ونقيضه.. وانأ والأخر.. والاغتراب والضياع.. والترميز والذاتية.. والمجاز والإيحاء، وكل ذلك فتح للحداثة الشعر أبوابه من خلال مداخل الصوفية؛ لينطلق إلى اللا محدود بعد إن وجد الشاعر الحداثي الإنسانية بصورة عامة وهي (متشيئة) في ظل الإنتاج المادي وعبوديته في المصانع والمعامل والصراعات السياسية والحروب؛ وهذا ما قاد الاتجاه الشعري في (الشعر العربي الحديث والمعاصر) ليتوجه توجها اقرب إلى الصوفية من حيث التجريد.. والترميز.. والتركيز.. والإيحاء والغموض.. والهذيان، بعد إن وجد الشاعر ذاته مغتربة في عالم ملئه قسوة وشرور؛ وهذا ما أدى إلى اتساع الرؤية التصوفية التجريدية في إشعار الشعراء الحداثة للبحث عن وطن قابل لسكن، وهذا ما لا يكون، إلا حين يعتنق إنسان (الحب) كدين للوطن.. وعقيدة.. وسياسة له، لترتقي بذات الإنسانية وتحررها من مفاسد المادة والاستغلال الصناعي والتجاري؛ حيث السمو والتحرر وهي مكامن في روح الشعر الحديث تجلو مع تجليات الصوفية عن متنفس ومتغير للحياة .]]> 126336 رواية PDF : لهذا أخفينا الموتى.. شهادة للتاريخ، توثق أفعال النظام : الكاتب: وائل الزهراوي. http://www.souriyati.com/2019/09/13/126029.html Fri, 13 Sep 2019 13:57:04 +0000 http://www.souriyati.com/?p=126029 الكاتب: وائل الزهراوي. قراءة: أحمد العربي الناشر: دار وائل للنشر والتوزيع. الأردن./ ط١، إلكترونية، ٢٠١٩م. لهذا أخفينا الموتى: رواية أقرب لأن تكون شهادة ذاتية لكاتبها وائل الزهراوي عن تجربة اعتقاله، وما عايشه من ظروف قاهرة ولا إنسانية، ومعاناته أبان الثورة السورية التي بدأت في ٢٠١١م. تبدأ الرواية أو الشهادة من وائل الذي يكتب بصيغة المتكلم يخبر قرّاءه عمّا حصل معه، وائل في المعتقل في إحدى فروع الأمن، نفهم بعد ذلك أنه في مدينة حلب، ونفهم أيضا أن وائل أحد الناشطين في التظاهر في الأيام الأولى للثورة. وائل في معتقل تحت الأرض محشورا مع أعداد كبيرة جدا غيره في غرف لا تتسع لهم، وأحيانا في زنزانات أصغر، يتناوب عليهم عناصر الأمن تعذيبا وضربا كل الوقت، وليس في أثناء التحقيق فقط. وائل داخل مسلخ بشري بكل معنى الكلمة، المحقق معهم يعودون إمّا موتى من آثار التعذيب أو بين الحياة والموت، لا أهمية لحياة المعتقلين، فإن مات أحدهم تحت التعذيب أو في أثناء التعذيب المستمر المصرح به للسجانين، يرمى في غرفة الموتى أو في الممر الضيق في قبو فرع الأمن، يتعايش وائل مع استباحته وهدر إنسانيته رغما عنه، المهم أن يستطيع مواصلة الحياة. عاش وائل والمعتقلون حوله أهوال عذاب لم يكن يحلم به أو يتصوره، ويمكن أن يعيشها البشر، أشكال التعذيب متنوعة بجميع أدوات الضرب والشبح والدولاب والصعق الكهربائي والحرق بالشمعة، الأسوأ التعذيب، التجويع، والتعطيش، ومعايشة المعتقلين الميتين حولهم كل الوقت. الهدف الأساسي للمعتقل أن يحافظ على حياته وعقله، ينجح القليل بذلك، الأغلب يموت بهذه الظروف أو يجن ثم يموت، كثيرين يقتلون بالتحقيق أو بتعذيب السجانين المفوضين بشكل مطلق بحياة هؤلاء البشر المقرر تعذيبهم أسوأ تعذيب وأطول وقت ممكن، وإن ماتوا بعد ذلك فلا مشكلة. هؤلاء المعتقلين ضحية جروح وكسور وأمراض لا تعالج بل تتفاقم لتصبح أوبئة مؤلمة ومهلكة، معايشة جثث الموتى والمصابين والدود ينهش بهم، معايشة استدعاء المعتقل للتحقيق، أما أن لا يعود مطلقا، أو يعود ميتا، أو يعود مهشما بين الحياة والموت، قد يستمر بالحياة وعلى الأغلب يموت بعد وقت قصير. التحقيق؛ لا تحقيق فقط مبرر لمزيد من التعذيب والقتل، لم نعرف ما هي جريمة وائل سوى أنه متظاهر مثل مئات آلاف الشباب السوريين، هدف اعتقال الشباب والنساء والأطفال هنا هو تعذيبهم من ثم قتلهم، هذا ما يفهمه وائل. في المعتقل نساء كثيرات، أطفال يشاهدون الأهوال ويستغيثون ولا مجيب، عائلات كاملة أب وأم وأطفالهم، يقتل الأطفال تحت بصر الأهل وتغتصب الأم وتقتل، ويقتل الأب بعد أن فقد عقله، هذه نماذج متكررة يشاهدها وائل ولا يستطيع أن يفعل شيئا، بالكاد يستطيع الحفاظ على حياته. يعايش وائل كل ذلك وهو موقن أنه سيموت مثل غيره في المعتقل، تهيمن عليه صورة طفلتيه، وما أخبارهم؟ وكيف يعيشون في الخارج؟ هم بقايا الأمل الذي يربطه بالحياة خارج المعتقل، يستدعى للتحقيق مجددا ولا جديد عندهم، لكن رحلة العذاب تتجدد، يتعايش مع من حوله يذهل من قدرة البعض في هذه الظروف القاسية واللاإنسانية أن يبتسم وينصح ويصبّر ويزرع الأمل، أن يتفانى في خدمة غيره من المعتقلين، وأن يتقدمهم لينال قسطهم من التعذيب، وهذا يعني أن يموت في أغلب الأحيان. يستدعى وائل ليبلغ أنه سيفرج عنه، لم نعلم لمَ اعتقل إلا تكهنات، أنه ناشط بالتظاهر، ولا لماذا أطلق صراحه يعود إلى بيته وكأنه خُلق من جديد، ممتلئا رعبا من هول ما عايش. عاد لحلب التي وجد أنها انقسمت بعضها محتل من النظام كما عبر والبعض في يدي الثوار، لكنهم تحت الحصار والقصف والدمار والموت المحتمل كل الوقت، أصبحت حياة الناس جحيما بين انتظار رغيف خبز لا يأتي وأطفال أدمنوا الجوع، ومحاولات العبور للشطر الآخر للحصول على خبز وبعض خضار ليكون الثمن طلقة قناص وموت جديد يتراكم في قائمة موت السوريين. يعاود الأمن اعتقال وائل، لتعود قصة الاعتقال والعذابات المصاحبة لها مجددا، ثم يفرج عنه دون أن يعرف لماذا اعتقل أفرج عنه. عاد مجددا لمعاناة حياة الحصار والتجويع والقصف والتدمير لمدينته حلب. وفي يوم يبلّغ أن الأمن يبحث عنه. يقرر الهرب يحصل على هوية مزورة، ويتوجه إلى الحدود التركية، وهناك يصل إلى حاجز يسيطر عليه الثوار، يشعر بالحرية والسعادة، يخبرهم عن حاله، لكنهم يكذبونه ويتهمونه بأنه قد يكون مخترقا للثورة ومخبرا للنظام. يصاب بالصدمة والخيبة وتساءل إلى أين تقودنا الثورة والثوار؟. كان قبل هروبه قد زار بيت أحد المعتقلين الكبار بالسن الذي أصرّ عليه بزيارة بيته. نعم كان هذا الرجل قد هرب من سوريا إبان الصراع مع النظام في ثمانينات القرن الماضي إلى الغرب حيث صنع نفسه وبنى مجده الاقتصادي، لكنه بقي يحن للبلد وللحرية، عندما حصلت الثورة عاد إلى سوريا ليعتقل مجددا ثم يقتل ويدفع ثمنا متأخرا لصالح النظام. تنتهي الرواية؛ ووائل بعيدا عن سوريا في قارة أخرى، يدوّن ما حصل معه ومع كثير من الشعب السوري، يدونه شهادة للتاريخ، ووثيقة لعل العدالة تتحقق يوما ويحاسب نظام مستبد همجي مجرم عن أفعاله كلها. في تحليل الرواية نقول: نحن أمام رواية مؤلمة.. مؤلمة جدا، شهادة للتاريخ، توثق أفعال النظام لذاكرة الشعوب، وانتصارا للحق وللعدالة القادمة يوما. منتصرة للشعب السوري وما قدم من تضحيات، موثقة الألم ناشرته للمعرفة والهواء النظيف، وليوم ما تشرق به شمس الحرية. نعم قدم الشعب السوري أجيالا متتابعة عبر عقود من المعتقلين والشهداء والمنفيين المطالبين بالكرامة الإنسانية وبالحرية والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل. وسيستمر بذلك إلى أن تنتصر ثورتنا، ونسترد حقوقنا الإنسانية كشعب وأفراد يستحقون الحياة والأمل والمستقبل الأفضل.
وائل الزهراوي روائي سوري، هذا أول عمل نقرأه له.     رواية-لهذا-أخفينا-الموتى-.   PDF]]>
الكاتب: وائل الزهراوي. قراءة: أحمد العربي الناشر: دار وائل للنشر والتوزيع. الأردن./ ط١، إلكترونية، ٢٠١٩م. لهذا أخفينا الموتى: رواية أقرب لأن تكون شهادة ذاتية لكاتبها وائل الزهراوي عن تجربة اعتقاله، وما عايشه من ظروف قاهرة ولا إنسانية، ومعاناته أبان الثورة السورية التي بدأت في ٢٠١١م. تبدأ الرواية أو الشهادة من وائل الذي يكتب بصيغة المتكلم يخبر قرّاءه عمّا حصل معه، وائل في المعتقل في إحدى فروع الأمن، نفهم بعد ذلك أنه في مدينة حلب، ونفهم أيضا أن وائل أحد الناشطين في التظاهر في الأيام الأولى للثورة. وائل في معتقل تحت الأرض محشورا مع أعداد كبيرة جدا غيره في غرف لا تتسع لهم، وأحيانا في زنزانات أصغر، يتناوب عليهم عناصر الأمن تعذيبا وضربا كل الوقت، وليس في أثناء التحقيق فقط. وائل داخل مسلخ بشري بكل معنى الكلمة، المحقق معهم يعودون إمّا موتى من آثار التعذيب أو بين الحياة والموت، لا أهمية لحياة المعتقلين، فإن مات أحدهم تحت التعذيب أو في أثناء التعذيب المستمر المصرح به للسجانين، يرمى في غرفة الموتى أو في الممر الضيق في قبو فرع الأمن، يتعايش وائل مع استباحته وهدر إنسانيته رغما عنه، المهم أن يستطيع مواصلة الحياة. عاش وائل والمعتقلون حوله أهوال عذاب لم يكن يحلم به أو يتصوره، ويمكن أن يعيشها البشر، أشكال التعذيب متنوعة بجميع أدوات الضرب والشبح والدولاب والصعق الكهربائي والحرق بالشمعة، الأسوأ التعذيب، التجويع، والتعطيش، ومعايشة المعتقلين الميتين حولهم كل الوقت. الهدف الأساسي للمعتقل أن يحافظ على حياته وعقله، ينجح القليل بذلك، الأغلب يموت بهذه الظروف أو يجن ثم يموت، كثيرين يقتلون بالتحقيق أو بتعذيب السجانين المفوضين بشكل مطلق بحياة هؤلاء البشر المقرر تعذيبهم أسوأ تعذيب وأطول وقت ممكن، وإن ماتوا بعد ذلك فلا مشكلة. هؤلاء المعتقلين ضحية جروح وكسور وأمراض لا تعالج بل تتفاقم لتصبح أوبئة مؤلمة ومهلكة، معايشة جثث الموتى والمصابين والدود ينهش بهم، معايشة استدعاء المعتقل للتحقيق، أما أن لا يعود مطلقا، أو يعود ميتا، أو يعود مهشما بين الحياة والموت، قد يستمر بالحياة وعلى الأغلب يموت بعد وقت قصير. التحقيق؛ لا تحقيق فقط مبرر لمزيد من التعذيب والقتل، لم نعرف ما هي جريمة وائل سوى أنه متظاهر مثل مئات آلاف الشباب السوريين، هدف اعتقال الشباب والنساء والأطفال هنا هو تعذيبهم من ثم قتلهم، هذا ما يفهمه وائل. في المعتقل نساء كثيرات، أطفال يشاهدون الأهوال ويستغيثون ولا مجيب، عائلات كاملة أب وأم وأطفالهم، يقتل الأطفال تحت بصر الأهل وتغتصب الأم وتقتل، ويقتل الأب بعد أن فقد عقله، هذه نماذج متكررة يشاهدها وائل ولا يستطيع أن يفعل شيئا، بالكاد يستطيع الحفاظ على حياته. يعايش وائل كل ذلك وهو موقن أنه سيموت مثل غيره في المعتقل، تهيمن عليه صورة طفلتيه، وما أخبارهم؟ وكيف يعيشون في الخارج؟ هم بقايا الأمل الذي يربطه بالحياة خارج المعتقل، يستدعى للتحقيق مجددا ولا جديد عندهم، لكن رحلة العذاب تتجدد، يتعايش مع من حوله يذهل من قدرة البعض في هذه الظروف القاسية واللاإنسانية أن يبتسم وينصح ويصبّر ويزرع الأمل، أن يتفانى في خدمة غيره من المعتقلين، وأن يتقدمهم لينال قسطهم من التعذيب، وهذا يعني أن يموت في أغلب الأحيان. يستدعى وائل ليبلغ أنه سيفرج عنه، لم نعلم لمَ اعتقل إلا تكهنات، أنه ناشط بالتظاهر، ولا لماذا أطلق صراحه يعود إلى بيته وكأنه خُلق من جديد، ممتلئا رعبا من هول ما عايش. عاد لحلب التي وجد أنها انقسمت بعضها محتل من النظام كما عبر والبعض في يدي الثوار، لكنهم تحت الحصار والقصف والدمار والموت المحتمل كل الوقت، أصبحت حياة الناس جحيما بين انتظار رغيف خبز لا يأتي وأطفال أدمنوا الجوع، ومحاولات العبور للشطر الآخر للحصول على خبز وبعض خضار ليكون الثمن طلقة قناص وموت جديد يتراكم في قائمة موت السوريين. يعاود الأمن اعتقال وائل، لتعود قصة الاعتقال والعذابات المصاحبة لها مجددا، ثم يفرج عنه دون أن يعرف لماذا اعتقل أفرج عنه. عاد مجددا لمعاناة حياة الحصار والتجويع والقصف والتدمير لمدينته حلب. وفي يوم يبلّغ أن الأمن يبحث عنه. يقرر الهرب يحصل على هوية مزورة، ويتوجه إلى الحدود التركية، وهناك يصل إلى حاجز يسيطر عليه الثوار، يشعر بالحرية والسعادة، يخبرهم عن حاله، لكنهم يكذبونه ويتهمونه بأنه قد يكون مخترقا للثورة ومخبرا للنظام. يصاب بالصدمة والخيبة وتساءل إلى أين تقودنا الثورة والثوار؟. كان قبل هروبه قد زار بيت أحد المعتقلين الكبار بالسن الذي أصرّ عليه بزيارة بيته. نعم كان هذا الرجل قد هرب من سوريا إبان الصراع مع النظام في ثمانينات القرن الماضي إلى الغرب حيث صنع نفسه وبنى مجده الاقتصادي، لكنه بقي يحن للبلد وللحرية، عندما حصلت الثورة عاد إلى سوريا ليعتقل مجددا ثم يقتل ويدفع ثمنا متأخرا لصالح النظام. تنتهي الرواية؛ ووائل بعيدا عن سوريا في قارة أخرى، يدوّن ما حصل معه ومع كثير من الشعب السوري، يدونه شهادة للتاريخ، ووثيقة لعل العدالة تتحقق يوما ويحاسب نظام مستبد همجي مجرم عن أفعاله كلها. في تحليل الرواية نقول: نحن أمام رواية مؤلمة.. مؤلمة جدا، شهادة للتاريخ، توثق أفعال النظام لذاكرة الشعوب، وانتصارا للحق وللعدالة القادمة يوما. منتصرة للشعب السوري وما قدم من تضحيات، موثقة الألم ناشرته للمعرفة والهواء النظيف، وليوم ما تشرق به شمس الحرية. نعم قدم الشعب السوري أجيالا متتابعة عبر عقود من المعتقلين والشهداء والمنفيين المطالبين بالكرامة الإنسانية وبالحرية والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل. وسيستمر بذلك إلى أن تنتصر ثورتنا، ونسترد حقوقنا الإنسانية كشعب وأفراد يستحقون الحياة والأمل والمستقبل الأفضل.
وائل الزهراوي روائي سوري، هذا أول عمل نقرأه له.     رواية-لهذا-أخفينا-الموتى-.   PDF]]>
126029
أبناء الوحشة… رواية تعالج مشاكل المرأة السورية في زمن الحرب : للصحفية السورية فوز الفارس http://www.souriyati.com/2019/09/13/126026.html Fri, 13 Sep 2019 11:23:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/09/13/126026.html أبناء الوحشة… رواية تعالج مشاكل المرأة السورية في زمن الحرب خاص: صوت سوريات - تركيا صدرت عن دار موزاييك رواية (أبناء الوحشة) وهي الرواية الأولى للصحفية السورية فوز الفارس، المقيمة في تركية، وهي من مواليد مدينة حماة ١٩٨١، وتحمل إجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة حلب. حيث تعمل الكاتبة مع منظمة تهتم بالتاريخ الشفوي من خلال توثيق سرديات الحرب وروايات النساء وشهاداتهن المختلفة عنها، بوصف المرأة كيان مستقل له حضوره ومشاركته بعيدًا عن الصورة النمطية المتمثّلة بصورة الضحية في وسائل الإعلام. وتعالج " رواية أبناء الوحشة "، مشاكل المرأة السورية التي عايشت سنوات الحرب الثمانية؛ حيث الخيانات وخيبة الأمل من جهة؛ واشتداد وتيرة المعارك والقصف والنزوح المتكرر؛ بين مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة المعارضة من جهة أخرى. . إذ تحاول راضية أن تنجو مع أطفالها من هذه المحرقة بأقل الخسائر بعد أن لاحقها الفقد وخطف كثيرًا ممن تحب، لتفكّر في النهاية بخلاصها الفرديّ. حيث تصور الرواية حالة الخراب الداخلي والمآلات التي وصل إليها الإنسان السوري، وخاصة المرأة التي تحمّلت العبء الأكبر من حرب تسربت من دون عناء إلى حياة شخوص الرواية المتصدّعة بالأصل والتي لاتحتاج إلى حرب لتتهاوى.]]> أبناء الوحشة… رواية تعالج مشاكل المرأة السورية في زمن الحرب خاص: صوت سوريات - تركيا صدرت عن دار موزاييك رواية (أبناء الوحشة) وهي الرواية الأولى للصحفية السورية فوز الفارس، المقيمة في تركية، وهي من مواليد مدينة حماة ١٩٨١، وتحمل إجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة حلب. حيث تعمل الكاتبة مع منظمة تهتم بالتاريخ الشفوي من خلال توثيق سرديات الحرب وروايات النساء وشهاداتهن المختلفة عنها، بوصف المرأة كيان مستقل له حضوره ومشاركته بعيدًا عن الصورة النمطية المتمثّلة بصورة الضحية في وسائل الإعلام. وتعالج " رواية أبناء الوحشة "، مشاكل المرأة السورية التي عايشت سنوات الحرب الثمانية؛ حيث الخيانات وخيبة الأمل من جهة؛ واشتداد وتيرة المعارك والقصف والنزوح المتكرر؛ بين مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة المعارضة من جهة أخرى. . إذ تحاول راضية أن تنجو مع أطفالها من هذه المحرقة بأقل الخسائر بعد أن لاحقها الفقد وخطف كثيرًا ممن تحب، لتفكّر في النهاية بخلاصها الفرديّ. حيث تصور الرواية حالة الخراب الداخلي والمآلات التي وصل إليها الإنسان السوري، وخاصة المرأة التي تحمّلت العبء الأكبر من حرب تسربت من دون عناء إلى حياة شخوص الرواية المتصدّعة بالأصل والتي لاتحتاج إلى حرب لتتهاوى.]]> 126026 ميشيل كيلو يفاجئ الوسط الأدبي برواية “دير الجسور” !!.. (دار ميسلون، إسطنبول، 2019) http://www.souriyati.com/2019/09/13/125996.html Fri, 13 Sep 2019 10:31:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/09/13/125996.html فاجأنا الكاتب السوري، ميشيل كيلو، نحن قرّاءَه وأصدقاءَه، أخيراً، بإصدار عمل أدبي، لا تزيّد هنا في الزّعم إنه عالي القيمة إبداعياً، مبنىً ولغةً وإيقاعاً. اعتبرَه "قصةً طويلة"، كما كتب على غلاف "دير الجسور" (دار ميسلون، إسطنبول، 2019)، في حذرٍ من أن يعتبره روايةً، ربما بدافعٍ من عدم رغبته في أن يُظنّ مندسّاً بين جموعٍ من كتّابٍ عربٍ لهذا النوع الأدبي، لا ينفكّون يزيدون. ولكن صاحب هذه الكلمات يُشهر هنا أن ميشيل كيلو، في موقعته الأدبية هذه، لم ينجح فحسب في إنجاز روايةٍ، وإنما نجح أيضا في اختبار ملكةٍ لديه، وهي إتقان التعبير الأدبي، الرفيع فنّياً، عن حواشي النفس ودواخلها. تُسعفه، في أمره هذا، سَعَةٌ وفيرةٌ في معجمه، وانتباهاتٌ حاذقةٌ إلى المفردات الأدقّ والأكثر تسديداً في إصابته المعاني والمقاصد، وكذا الأكثر إيحاءً بالدلالات وامتلاءً بالمغازي. والشاهد على الإعجاب البادي هنا بملكة الأديب ميشيل كيلو هذه أنه راح في "دير الجسور" إلى جوف ضابط أمنٍ، ودخل في أخيلته ومداركه، وجالَ في جوّانياته، وأنْطقه ليقول مخاوفَه وأحلامَه وارتعاشاته، ومواطن ضعفه وأوهامه، وكل شيء فيه، وعن مباذله ومخازيه، وسلبه إخوته. أبدعت لغة ميشيل كيلو، المنسرحة، والمشحونة بثقافةٍ عاليةٍ، في تشخيص الحالة الطقوسية التي تتملّك هذا الضابط في خدمته الدولة، في رضاه عن أن يكون برغيّاً في دواليبها. (تذكّر هنا برواية نجيب محفوظ "حضرة المحترم"). ونجحت، قبل ذلك وبعده، في تصوير وطأة السّحق الثقيلةِ القبضة، بكل تفاصيلها الكابوسية، الكافكاوية أحياناً، والتي تمحو أي كينونةٍ لضابط الأمن هذا، ولا تجعله سوى شيءٍ، يصلُح مرّة ولا يصلح في أخرى. ومن مفارقاتٍ غير قليلةٍ تناوش أفهام قارئ "دير الجسور"، الرواية القصيرة، غزيرة الظلال، أن كاتبها، وهو المعارض السوري الجسور لكل سلطةٍ مستبدّة، اختار منطقة الاستبداد نفسَها، أي تجبّرها الشديد الفظاظة على روح الإنسان ووجوده، مطلق الإنسان، لقناعةٍ بأن أبناء هذه السلطة في آلة المحو والفتك التي تقيمها هم أيضاً من ضحاياها، عندما لا تراهم سوى مستخدَمين، آلاتٍ تؤدّي أغراضاً، ولا يبعث حالُها هذا على غير الجزع. يُغامر ميشيل كيلو في ضربته الروائية المفاجئة في اكتراثه الكثير بتدمير دولة التسلّط القاهرة الذات الإنسانية لكل من يخدمونها، وتصيب المغامرة غرضها. تأتي الرواية، في أولى صفحاتها، على فظائع غرف التعذيب لناسٍ سيقوا إلى أقبية المخابرات المميتة، غير أنها، تالياً، تُفرد صفحاتها لسرد العقيد عاصي الخالد عن نفسِه، بضمير أناه المغيّبة، المعذّبة بفقدانها الجوهر الفرداني المحض. سلكت "دير الجسور" خياراً، في بناء عالمها السردي الخاص، يقوم على تأثيث فضاءٍ زمانيٍّ غير متعيّن، فلا تُعرف في أي الأزمنة وقعت جائحة ضابط الجيش الذي صار ضابط مخابرات، لمّا كُلّف بالتقصّي في بلدةٍ اسمها دير الجسور بشأن حالة شخصٍ ملتبس التفاصيل، يُعرّف بأنه من أعتى المتآمرين على الوطن. كما أن هذه البلدة، وكذا ضيعة مزار الوحش وبلدة مزار الدب، لا يعرّفك السرد، المتتابع بلغة أنا الراوي، ببلادها. هذا إذا فاتك أن تلحظ اسم سورية، مرةً وحيدة، في ص 51، الأمر الذي يرجّح أن هذه الإشارة، اليتيمة، إما فلتت من ميشيل كيلو سهواً، أو أنه أراد إسعاف قارئ عمله النابه هذا بهذه الإحالة التي لا تستقيم مع وجود مسمّيات البلدات والضيعات التي لا وجود لها في القُطر السوري، سيما وأن الحال الشبحيّ لأوضاع بلدة دير الجسور (حدودية مع بلد مجاور معاد!) لا ينطق عن أي شبهٍ مع مثيلٍ له يمكن أن يحدس به القارئ، لتعيين مكانٍ معلومٍ في سورية. وهنا، يجد كاتب هذا الثناء على الرواية أن الالتباس البديع في مسار سردها كان الأدعى فيه، والأبلغ كثافةً وترميزاً، أن يخلو من تلك الإشارة إلى سورية، لتبقى هذه الإحالة، العالية المنزلة فنياً، ذاهبةً فقط إلى الجوهراني الإنساني في تشخيص أثقال القهر القاسي على النفس البشرية، وإنْ في موقع خادم السلطة الذي لا يقرّ بفقدانه الإحساس بنفسه والأشياء، كما حدّث وقال، إلا عندما انهال السوط على جسده العاري.. في الزنزانة التي انتهى إليها في مختتم النص. مقادير التخييل الوفيرة، وغرائبيّة وقائعها، والتهكّمية البادية في ثنايا السرد، والمرسلات غير الخافية فيه، من بعض أسباب إعجابٍ مستحقٍ بصنيع ميشيل كيلو الروائي .. المفاجئ الطيب. المصدر: العربي الجديد معن البياري ما إن عدت من قرية «مزار الدب »، قرية آبائي وأجدادي، حيث كانت القيادة قد طلبت إليّ مواصلة التحقيق في مسألة على قدر كبير من الخطر، أمتنع عن التطرق إليه في تقريري هذا السري جدًا، والخاص جدًا؛ حتى تلقيت أمرًا بالسفر إلى بلدة اسمها «دير الجسور »، مكلفًا بدراسة ما أسماه مدير الفرع «الخلفيات الاجتماعية التي أنجبت واحدًا من عتاة المتآمرين، المدعو عربي الجسري، الملقب بعرباوي. قلبت في ذهني أسماء المناطق والبلدات التي أعرفها في بلادي، أو تلك التي مر ذكرها خلال التحقيقات مع مجرمين، تحدروا من أمكنتها المختلفة، فلم أجد بينها بلدة أو قرية اسمها «دير الجسور »؛ فقصدت مكتب المشرفين في الفرع على التطور الجغرافي للوطن، أستعلم عن «الدير » وأوضاعها، فإذا بهم يخبرونني بأنهم لم يسمعوا -هم أيضًا- باسمها من قبل؛ فخلتهم -أول وهلة- يمازحونني، أو يمتنعون عن تقديم المعلومات التي بحوزتهم إلي، وترددت بين أن أصدقهم، وهم الذين يعرفون سورية شبرًا فشبرًا، أو أنصرف إلى مكتبي، ومنه أوجه كتابًا رسميًا إليهم، ممهورًا بتوقيع وخاتم السيد مدير الفرع، أطلب فيه تزويدي بما لديهم من معلومات عن الدير. لكنني لم أنفذ ما كنت عازمًا عليه؛ لأن أحد الضباط توجه إلى خزانة مصفحة، فتحها وأخرج منها كتابًا، فتحه وأخذ يقرأ فيه بصوت خافت، يصعب سماعه، وهو مكب عليه؛ ليحجبه عن أنظاري. وبعد دقائق، وصل فضولي خلالها إلى ذروته، رفع رأسه، والتفت إليّ، وقال بصوت بدا لي معدوم الاكتراث: «ليست «دير الجسور » بلدة، بمعنى الكلمة، بل هي أقرب إلى معزل، يقع على الحدود مع البلد المعادي… https://www.maysaloon.com/shop/literature/deir-aljsoor 10 Dollar ]]> فاجأنا الكاتب السوري، ميشيل كيلو، نحن قرّاءَه وأصدقاءَه، أخيراً، بإصدار عمل أدبي، لا تزيّد هنا في الزّعم إنه عالي القيمة إبداعياً، مبنىً ولغةً وإيقاعاً. اعتبرَه "قصةً طويلة"، كما كتب على غلاف "دير الجسور" (دار ميسلون، إسطنبول، 2019)، في حذرٍ من أن يعتبره روايةً، ربما بدافعٍ من عدم رغبته في أن يُظنّ مندسّاً بين جموعٍ من كتّابٍ عربٍ لهذا النوع الأدبي، لا ينفكّون يزيدون. ولكن صاحب هذه الكلمات يُشهر هنا أن ميشيل كيلو، في موقعته الأدبية هذه، لم ينجح فحسب في إنجاز روايةٍ، وإنما نجح أيضا في اختبار ملكةٍ لديه، وهي إتقان التعبير الأدبي، الرفيع فنّياً، عن حواشي النفس ودواخلها. تُسعفه، في أمره هذا، سَعَةٌ وفيرةٌ في معجمه، وانتباهاتٌ حاذقةٌ إلى المفردات الأدقّ والأكثر تسديداً في إصابته المعاني والمقاصد، وكذا الأكثر إيحاءً بالدلالات وامتلاءً بالمغازي. والشاهد على الإعجاب البادي هنا بملكة الأديب ميشيل كيلو هذه أنه راح في "دير الجسور" إلى جوف ضابط أمنٍ، ودخل في أخيلته ومداركه، وجالَ في جوّانياته، وأنْطقه ليقول مخاوفَه وأحلامَه وارتعاشاته، ومواطن ضعفه وأوهامه، وكل شيء فيه، وعن مباذله ومخازيه، وسلبه إخوته. أبدعت لغة ميشيل كيلو، المنسرحة، والمشحونة بثقافةٍ عاليةٍ، في تشخيص الحالة الطقوسية التي تتملّك هذا الضابط في خدمته الدولة، في رضاه عن أن يكون برغيّاً في دواليبها. (تذكّر هنا برواية نجيب محفوظ "حضرة المحترم"). ونجحت، قبل ذلك وبعده، في تصوير وطأة السّحق الثقيلةِ القبضة، بكل تفاصيلها الكابوسية، الكافكاوية أحياناً، والتي تمحو أي كينونةٍ لضابط الأمن هذا، ولا تجعله سوى شيءٍ، يصلُح مرّة ولا يصلح في أخرى. ومن مفارقاتٍ غير قليلةٍ تناوش أفهام قارئ "دير الجسور"، الرواية القصيرة، غزيرة الظلال، أن كاتبها، وهو المعارض السوري الجسور لكل سلطةٍ مستبدّة، اختار منطقة الاستبداد نفسَها، أي تجبّرها الشديد الفظاظة على روح الإنسان ووجوده، مطلق الإنسان، لقناعةٍ بأن أبناء هذه السلطة في آلة المحو والفتك التي تقيمها هم أيضاً من ضحاياها، عندما لا تراهم سوى مستخدَمين، آلاتٍ تؤدّي أغراضاً، ولا يبعث حالُها هذا على غير الجزع. يُغامر ميشيل كيلو في ضربته الروائية المفاجئة في اكتراثه الكثير بتدمير دولة التسلّط القاهرة الذات الإنسانية لكل من يخدمونها، وتصيب المغامرة غرضها. تأتي الرواية، في أولى صفحاتها، على فظائع غرف التعذيب لناسٍ سيقوا إلى أقبية المخابرات المميتة، غير أنها، تالياً، تُفرد صفحاتها لسرد العقيد عاصي الخالد عن نفسِه، بضمير أناه المغيّبة، المعذّبة بفقدانها الجوهر الفرداني المحض. سلكت "دير الجسور" خياراً، في بناء عالمها السردي الخاص، يقوم على تأثيث فضاءٍ زمانيٍّ غير متعيّن، فلا تُعرف في أي الأزمنة وقعت جائحة ضابط الجيش الذي صار ضابط مخابرات، لمّا كُلّف بالتقصّي في بلدةٍ اسمها دير الجسور بشأن حالة شخصٍ ملتبس التفاصيل، يُعرّف بأنه من أعتى المتآمرين على الوطن. كما أن هذه البلدة، وكذا ضيعة مزار الوحش وبلدة مزار الدب، لا يعرّفك السرد، المتتابع بلغة أنا الراوي، ببلادها. هذا إذا فاتك أن تلحظ اسم سورية، مرةً وحيدة، في ص 51، الأمر الذي يرجّح أن هذه الإشارة، اليتيمة، إما فلتت من ميشيل كيلو سهواً، أو أنه أراد إسعاف قارئ عمله النابه هذا بهذه الإحالة التي لا تستقيم مع وجود مسمّيات البلدات والضيعات التي لا وجود لها في القُطر السوري، سيما وأن الحال الشبحيّ لأوضاع بلدة دير الجسور (حدودية مع بلد مجاور معاد!) لا ينطق عن أي شبهٍ مع مثيلٍ له يمكن أن يحدس به القارئ، لتعيين مكانٍ معلومٍ في سورية. وهنا، يجد كاتب هذا الثناء على الرواية أن الالتباس البديع في مسار سردها كان الأدعى فيه، والأبلغ كثافةً وترميزاً، أن يخلو من تلك الإشارة إلى سورية، لتبقى هذه الإحالة، العالية المنزلة فنياً، ذاهبةً فقط إلى الجوهراني الإنساني في تشخيص أثقال القهر القاسي على النفس البشرية، وإنْ في موقع خادم السلطة الذي لا يقرّ بفقدانه الإحساس بنفسه والأشياء، كما حدّث وقال، إلا عندما انهال السوط على جسده العاري.. في الزنزانة التي انتهى إليها في مختتم النص. مقادير التخييل الوفيرة، وغرائبيّة وقائعها، والتهكّمية البادية في ثنايا السرد، والمرسلات غير الخافية فيه، من بعض أسباب إعجابٍ مستحقٍ بصنيع ميشيل كيلو الروائي .. المفاجئ الطيب. المصدر: العربي الجديد معن البياري ما إن عدت من قرية «مزار الدب »، قرية آبائي وأجدادي، حيث كانت القيادة قد طلبت إليّ مواصلة التحقيق في مسألة على قدر كبير من الخطر، أمتنع عن التطرق إليه في تقريري هذا السري جدًا، والخاص جدًا؛ حتى تلقيت أمرًا بالسفر إلى بلدة اسمها «دير الجسور »، مكلفًا بدراسة ما أسماه مدير الفرع «الخلفيات الاجتماعية التي أنجبت واحدًا من عتاة المتآمرين، المدعو عربي الجسري، الملقب بعرباوي. قلبت في ذهني أسماء المناطق والبلدات التي أعرفها في بلادي، أو تلك التي مر ذكرها خلال التحقيقات مع مجرمين، تحدروا من أمكنتها المختلفة، فلم أجد بينها بلدة أو قرية اسمها «دير الجسور »؛ فقصدت مكتب المشرفين في الفرع على التطور الجغرافي للوطن، أستعلم عن «الدير » وأوضاعها، فإذا بهم يخبرونني بأنهم لم يسمعوا -هم أيضًا- باسمها من قبل؛ فخلتهم -أول وهلة- يمازحونني، أو يمتنعون عن تقديم المعلومات التي بحوزتهم إلي، وترددت بين أن أصدقهم، وهم الذين يعرفون سورية شبرًا فشبرًا، أو أنصرف إلى مكتبي، ومنه أوجه كتابًا رسميًا إليهم، ممهورًا بتوقيع وخاتم السيد مدير الفرع، أطلب فيه تزويدي بما لديهم من معلومات عن الدير. لكنني لم أنفذ ما كنت عازمًا عليه؛ لأن أحد الضباط توجه إلى خزانة مصفحة، فتحها وأخرج منها كتابًا، فتحه وأخذ يقرأ فيه بصوت خافت، يصعب سماعه، وهو مكب عليه؛ ليحجبه عن أنظاري. وبعد دقائق، وصل فضولي خلالها إلى ذروته، رفع رأسه، والتفت إليّ، وقال بصوت بدا لي معدوم الاكتراث: «ليست «دير الجسور » بلدة، بمعنى الكلمة، بل هي أقرب إلى معزل، يقع على الحدود مع البلد المعادي… https://www.maysaloon.com/shop/literature/deir-aljsoor 10 Dollar ]]> 125996 الحبّ الوَعر.. قصة: نجم الدين سمّان http://www.souriyati.com/2019/09/10/125950.html Tue, 10 Sep 2019 14:48:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/09/10/125950.html الحبّ الوَعر.. قصة: #نجم_الدين_سمّان طوالَ المسافة؛ ليلًا؛ حتى حدودِ لبنان؛ كانت معي. لم ينتبِه إليها المُهَرِّبُ الذي يقودنا في ظُلمَةِ الليل؛ أخذَ منّي عُربُونَ شخصٍ واحد؛ ثم قال: - عندما نَصِل إلى لبنان.. تدفع باقي المبلغ. لم أكن أنوي أن أُغَادِرَ سورية؛ لم أفكِّر يومًا بأنّي سأصبحُ مُجرَّدَ لاجئ غير شرعيّ؛ أردَفَ المُهَرِّب: - سنتفادَى نقاطَ حزبِ الله؛ وتفادَوا أنتُم حينَ تصِلُون مناطقَ أنصَارِه. ثمَّ أطلَقَ آهةً سحيقةً مِن بينِ رئتيه: - أنا من بَلدَةِ "القُصِير" نجَوتُ بأعجوبةٍ مِن بينِ أيديهم. قلتُ في نفسي: - يَخَالُ نفسَهُ قد نَجَت؛ جَسَدُهُ وَحدَهُ.. نَجَا. فأردَفَ المُهرِّبُ: – لم أعُد أنامُ بعُمقٍ منذ عام؛ أغفو رُبعَ ساعةٍ لأفيقَ على صُوَرِ المذبحة. تخيَّلتُ كوابيسَهُ على هيئةِ صورةٍ فوتوغرافيةٍ لزوجته وأطفاله؛ تتناهشها السكاكينُ، من حيث كانوا يبتسمونَ للكاميرا؛ ولحياةٍ انتهت بموتٍ رَجِيم !. نهضَ المُهرِّبُ وقد ابتلعَ غصَّتَهُ وقِصَّتَه: - أمامنا أربعُ ساعاتٍ من المشي، ممنوع حتى الهَمسُ بينكم؛ والتدخين؛ ربما كَشَفَنَا بَصِيصُ سيكارة؛ مفهوم. فالتفتُ إليها.. هامِساً: - إذا تَعِبتِ.. سأحمِلُكِ على كتفيَّ ما تبقَّى من الطريق. كأنّما ضَحِكَت؛ فَضَحِكتُ لها؛ رمقني جاري في القافلة؛ ثمَّ كأنَّهُ هَمَسَ لزوجته: - الله يعين الناس؛ صارت تحكي مع حالها؛ مِن هَولِ ما رأيناه. انطلقَ الجميعُ في عَتمَةِ الليل؛ من أطرافِ "حيِّ الوَعر" في حمص؛ باتجاه الحدود اللبنانية. فيما بعد.. استلمَنِي مُهرِّبٌ آخرَ؛ قُربَ مرفأ طرابلس؛ أخذ منّي أيضاً عُربُونَ شخصٍ واحدٍ؛ وسيأخذُ ما تبقّى حين نَصِلُ قِبَالَةَ مدينةِ “مِرسِين” التركيّة. على ظهرِ باخرةِ النقل؛ ما بينَ صناديقِ البضائع؛ تمَدَّدنا؛ استعملتُ مِعطَفِي الطويل.. غطاءً لنا؛ وكتفي مع ذراعي.. وِسَادةً لرأسها؛ ثم أخذَنَا نَومٌ طويل جدًا؛ حتى لكأنّا لم نَستفِق إلّا قِبَالَةَ شاطئِ مِرسِين. كان الوقتُ ليلاً.. أيضاً. حين أنزلونا إلى القوارب المطاطيّة؛ خِلتُها قد تاهَت مِنّي؛ أنزلوها إلى قاربٍ لستُ فيه؛ ثمّ هَدَأت روحي حين لَمَحتُهَا في قاربي؛ تتدثَّرُ بمعطفي. من حَظِّنا.. كان البحرُ رائِقاً؛ وأضواءُ مِرسين واضحةً في عَتمَةِ الليل؛ فاتجهنا بالقوارب نحوها. لكنّ الحظّ.. لا يأتينا في كُلِّ مرَّة. حين صَعَدنا للمرّة الثالثة إلى قاربٍ مطّاطيّ؛ وتكدَّسنا فيه: عشرينَ رجلًا وثماني نساءٍ وطفلين؛ لم يكن بحرُ “إيجَة” رائِقاً. قال لنا المُهرِّبُ التركيّ: - الجزيرةُ اليونانية على بُعد ثلاثة أميالٍ بَحرِيَّةٍ فقط. ثم أضافَ مُخَاطِبًا إيَّاي: - حَاذِر أن تضِيعَ البُوصِلَةُ منك. بعدَ مِيلٍ بَحرِيَّةٍ واحدة؛ تغيَّرَ كلُّ شيء؛ صارَ البحرُ أكثرَ اضطراباً؛ وتلبَّدَت السماءُ بالغيوم؛ فضحكتُ حينَ هَمَستُ من خوفي؛ بيني وبينَ نفسي: - سنرى.. نجومَ الظهر!. رأيتها تضحَكُ أيضاً؛ حتى بَانَ المَفرِقُ بينَ أسنانها؛ فبدَت لي كأرنبةٍ وقد باغَتَها دُوَار البحر؛ ثم أتتنا موجةٌ عاليةٌ قليلاً؛ واهتزَّ المركبُ بنا؛ قال شابٌ من بانياس: – الله يسترنا من المَوجَةِ السابعة. مع الموجة السادسة.. خِلتُهَا تنزلِقُ من القارب؛ يتخَاطَفُها الموج؛ كِدتُ أتركُ المِقوَد؛ وأرمي بنفسي وراءَهَا لأُنقِذَهَا. للتوِّ.. انحسرَت المَوجَةُ؛ فرأيتها تمسَح الزبدَ عن وجهها؛ وتبتسمُ لي. مع الموجة السابعة.. شَعَرتُ بأنِّي أنزلقُ إلى القاع؛ والموجُ يُدَوِّمُ بي؛ حَبَستُ الهواءَ في رئتيَّ؛ مُحَاوِلاً الصعودَ إلى سطح البحر؛ خِلتُ لوهلةٍ.. بأنِّي نَجَوتُ؛ بأنِّي لَمَحتُها بقربي؛ فانتشلتُهَا من غَرَقِهَا ومن غَرَقِي؛ ثمّ تلاشى إحساسي بِوَزني؛ وبِرِئَتَيّ؛ وبالمِلحِ الذي أنا فيه؛ ولم استفِق إلّا هنا؛ لَمَحتُ وجهَهَا يبتسمُ لي؛ ثمّ عُدتُ إلى غيبوبتي؛ وكأنّما أتهادى إلى قاعِ البحرِ من جديد. حين صحوتُ.. ابتسمَت مُمرِّضَةٌ لي؛ ثمّ قالت شيئاً بِلُغةٍ لا أعرفها؛ ثمّ جاء الطبيب؛ فسألني: - هل تعرف الانكليزية؟. هززتُ رأسي فربَتَ على يدي: – كُتِبَت لكَ حياةٌ جديدة؛ وَجَدَكَ الصيّادون تطفو على سطح الماء. وقالت له الممرضة باليونانيّة؛ ثمّ ترجَمَ الطبيبُ لي: – كُنتَ طوالَ الوقت تُنادي باسمٍ ما؛ طوالَ غيبوبتِك. التفتُ نحو الممرضة: - أمَل..؟!. هَزَّت رأسها إيجاباً؛ وابتسمَت؛ فرَجَوتُ الطبيب أن يبحثَ عنها؛ في المستشفى هنا؛ وكِدتُ أنهضُ: - سأبحثُ عنها بنفسي عند الشاطئ. رَجَاني أن أهدَأَ؛ ثمّ أخرجت الممرضة شيئاً ملفوفاً بالقصدير؛ داخِلَ كيسٍ بلاستيكيٍّ؛ أعطتني إيَّاهُ؛ فعرفتُ بأنّه هاتفي النقّال ومعه أوراقي؛ ثمَّ تبيَّنَ لي بأنه ما يزالُ يعملُ؛ فسألتُ الطبيب: - هل لديكم إشارةُ إنترنِت؟. علّقت الممرضة: - في جهازي انترنت. سألتها إذا كانت تستخدمُ “الواتس أب” وحين قالت: أحياناً؛ رَجَوتُهَا أن تتصِلَ برقمٍ أعطيتها إيّاه؛ حاولت الممرضة ثم قالت بأنّ الرقمَ خارج التغطية. كَتَبَ الطبيبُ أدويةً لي؛ ثمَّ غادر؛ فأحسستُ بالوَهنِ من جديد؛ ثمّ بإبرةٍ في وَرِيدِي؛ ثمّ باسترخاءٍ.. كأنما لو أنِّي داخل ضَبَابٍ أبيض؛ وفي بستانٍ أعرِفُهُ؛ ثمَّ غَفَوت. حين استفقتُ.. جاءت الممرضة وهي تُبَرطِم بِلُغَةِ زوربا؛ مُشيرةً إلى هاتفها؛ مُرَدِّدَةً اسمَ أمل؛ ثمّ ناولتني هاتفها؛ فأدركتُ حينها بأنّ أمَل ما تزالُ في "حيّ الوعر" فاتصلتُ؛ كأنما كان رنينُ المكالمة الآن؛ يلفُّ حَولَ الأرض كلّها؛ ليصِلَ إليها؛ سمعتُ ضجيجاً فقط؛ فصرخت: - أمَل.. أمَل. انقطعَ الاتصال.. فحاولتُ ثانيةً: - أمَل.. أمَل. أخيرًا.. سمعتُ صَوتَها وسطَ الضجيج: - ما هذهِ الأصواتُ مِن حَولِك؟. - أنا تحت القصف؛ لا تهتمّ "عُمر الشَقِي.. بقي" المُهمّ سلامتك أنت. - الأوباش.. عادوا إلى قَصفِ الوَعر. - تعوَّدنا.. ثمَّ صوتُ قذيفةٍ قريبة؛ سادَ صمت؛ تجمّدتُ؛ ثمّ صوتُ قذيفةٍ ثانية؛ أقوى من الأولى وأقرَب؛ حتى أنّ المُمرِّضة قد سمِعَتهُ فارتعدَت؛ قلتُ لها: – نظامنا يقتلنا؛ جيشنا يقصفنا. ثم جاءني صوتُ أمَل من جديد: - خَمِّن.. أينَ أنا؟. - في الوَعر.. ضحِكَت.. سَمِعتُ ضحكتَهَا؛ ثم قالت: - تحت التخت. - شُو؟! - تعرِف تَختَ أمّي النحاسيّ القديم؛ تختَ ليلةِ دَخلِتهَا؛ المُوَرَّق بعناقيد العنب؛ وعليه فَرشَة صوف؛ أنا تحته؛ أين أنت؟. - صِرتُ باليونان؛ لو هَرَبتِ معي؛ كنّا الآن بخير. - كيف سأترُكُ أمّي وَحدَها؛ أنتَ سمِعتَها حينَ قالت: لن أخرُجَ من بيتي إلّا.. إلى قبري. تابعت أمل: - ثمَّ خَطَفَتها قذيفةُ هَاونٍ وهي تَشتِلُ الباذنجان في حديقةِ البيت. خِلتُ بأنّي أرى دمعتين في عينيّ أمل؛ ثمّ أتاني صَوتُهَا مُتقطِّعًا: - أزهرَت الشَتلات؛ قطفتُ ثمارَهَا صغيرةً وغَضَّة؛ عَمِلتُ منه “مَكدوساً” بآخرِ ما تبقّى لدينا مِن زَيت؛ ثمَّ وَزَّعتُهُ للجيران على روحها. كانت المُمرضة تبتسم.. بينما تَسمعُ حواراً لا تَفهَمُه؛ فحَجَبتُ الجَوَّالَ غريزياَ بكفّي.. وهَمَست: - أموت في مَكدُوسَاتِك يا "أمُّول ". سمعتها تضحك: - أموت فيك يا غليظ؛ ما عاد يهمّني شي وأنا أسمع صوتك؛ بحِبَّك.. ثمّ سَمِعتُ أصواتَ قذائفٍ لا يُمكِنُ عَدُّها؛ وتقطّعَ الصوت؛ لم أدرِ إذا كانت قد سمعتني.. انقطعَ الاتصال. – أمَل.. أمَل. كِدتُ أهوِي من السرير؛ أسندتني المُمرِّضَةُ؛ ودخلتُ في غَيبُوبَتِي مِن جديد. *- استانبول 20 – 11 – 2016 - من مجموعتي القصصية: حرش هابيل - دار ميسلون 2018]]> الحبّ الوَعر.. قصة: #نجم_الدين_سمّان طوالَ المسافة؛ ليلًا؛ حتى حدودِ لبنان؛ كانت معي. لم ينتبِه إليها المُهَرِّبُ الذي يقودنا في ظُلمَةِ الليل؛ أخذَ منّي عُربُونَ شخصٍ واحد؛ ثم قال: - عندما نَصِل إلى لبنان.. تدفع باقي المبلغ. لم أكن أنوي أن أُغَادِرَ سورية؛ لم أفكِّر يومًا بأنّي سأصبحُ مُجرَّدَ لاجئ غير شرعيّ؛ أردَفَ المُهَرِّب: - سنتفادَى نقاطَ حزبِ الله؛ وتفادَوا أنتُم حينَ تصِلُون مناطقَ أنصَارِه. ثمَّ أطلَقَ آهةً سحيقةً مِن بينِ رئتيه: - أنا من بَلدَةِ "القُصِير" نجَوتُ بأعجوبةٍ مِن بينِ أيديهم. قلتُ في نفسي: - يَخَالُ نفسَهُ قد نَجَت؛ جَسَدُهُ وَحدَهُ.. نَجَا. فأردَفَ المُهرِّبُ: – لم أعُد أنامُ بعُمقٍ منذ عام؛ أغفو رُبعَ ساعةٍ لأفيقَ على صُوَرِ المذبحة. تخيَّلتُ كوابيسَهُ على هيئةِ صورةٍ فوتوغرافيةٍ لزوجته وأطفاله؛ تتناهشها السكاكينُ، من حيث كانوا يبتسمونَ للكاميرا؛ ولحياةٍ انتهت بموتٍ رَجِيم !. نهضَ المُهرِّبُ وقد ابتلعَ غصَّتَهُ وقِصَّتَه: - أمامنا أربعُ ساعاتٍ من المشي، ممنوع حتى الهَمسُ بينكم؛ والتدخين؛ ربما كَشَفَنَا بَصِيصُ سيكارة؛ مفهوم. فالتفتُ إليها.. هامِساً: - إذا تَعِبتِ.. سأحمِلُكِ على كتفيَّ ما تبقَّى من الطريق. كأنّما ضَحِكَت؛ فَضَحِكتُ لها؛ رمقني جاري في القافلة؛ ثمَّ كأنَّهُ هَمَسَ لزوجته: - الله يعين الناس؛ صارت تحكي مع حالها؛ مِن هَولِ ما رأيناه. انطلقَ الجميعُ في عَتمَةِ الليل؛ من أطرافِ "حيِّ الوَعر" في حمص؛ باتجاه الحدود اللبنانية. فيما بعد.. استلمَنِي مُهرِّبٌ آخرَ؛ قُربَ مرفأ طرابلس؛ أخذ منّي أيضاً عُربُونَ شخصٍ واحدٍ؛ وسيأخذُ ما تبقّى حين نَصِلُ قِبَالَةَ مدينةِ “مِرسِين” التركيّة. على ظهرِ باخرةِ النقل؛ ما بينَ صناديقِ البضائع؛ تمَدَّدنا؛ استعملتُ مِعطَفِي الطويل.. غطاءً لنا؛ وكتفي مع ذراعي.. وِسَادةً لرأسها؛ ثم أخذَنَا نَومٌ طويل جدًا؛ حتى لكأنّا لم نَستفِق إلّا قِبَالَةَ شاطئِ مِرسِين. كان الوقتُ ليلاً.. أيضاً. حين أنزلونا إلى القوارب المطاطيّة؛ خِلتُها قد تاهَت مِنّي؛ أنزلوها إلى قاربٍ لستُ فيه؛ ثمّ هَدَأت روحي حين لَمَحتُهَا في قاربي؛ تتدثَّرُ بمعطفي. من حَظِّنا.. كان البحرُ رائِقاً؛ وأضواءُ مِرسين واضحةً في عَتمَةِ الليل؛ فاتجهنا بالقوارب نحوها. لكنّ الحظّ.. لا يأتينا في كُلِّ مرَّة. حين صَعَدنا للمرّة الثالثة إلى قاربٍ مطّاطيّ؛ وتكدَّسنا فيه: عشرينَ رجلًا وثماني نساءٍ وطفلين؛ لم يكن بحرُ “إيجَة” رائِقاً. قال لنا المُهرِّبُ التركيّ: - الجزيرةُ اليونانية على بُعد ثلاثة أميالٍ بَحرِيَّةٍ فقط. ثم أضافَ مُخَاطِبًا إيَّاي: - حَاذِر أن تضِيعَ البُوصِلَةُ منك. بعدَ مِيلٍ بَحرِيَّةٍ واحدة؛ تغيَّرَ كلُّ شيء؛ صارَ البحرُ أكثرَ اضطراباً؛ وتلبَّدَت السماءُ بالغيوم؛ فضحكتُ حينَ هَمَستُ من خوفي؛ بيني وبينَ نفسي: - سنرى.. نجومَ الظهر!. رأيتها تضحَكُ أيضاً؛ حتى بَانَ المَفرِقُ بينَ أسنانها؛ فبدَت لي كأرنبةٍ وقد باغَتَها دُوَار البحر؛ ثم أتتنا موجةٌ عاليةٌ قليلاً؛ واهتزَّ المركبُ بنا؛ قال شابٌ من بانياس: – الله يسترنا من المَوجَةِ السابعة. مع الموجة السادسة.. خِلتُهَا تنزلِقُ من القارب؛ يتخَاطَفُها الموج؛ كِدتُ أتركُ المِقوَد؛ وأرمي بنفسي وراءَهَا لأُنقِذَهَا. للتوِّ.. انحسرَت المَوجَةُ؛ فرأيتها تمسَح الزبدَ عن وجهها؛ وتبتسمُ لي. مع الموجة السابعة.. شَعَرتُ بأنِّي أنزلقُ إلى القاع؛ والموجُ يُدَوِّمُ بي؛ حَبَستُ الهواءَ في رئتيَّ؛ مُحَاوِلاً الصعودَ إلى سطح البحر؛ خِلتُ لوهلةٍ.. بأنِّي نَجَوتُ؛ بأنِّي لَمَحتُها بقربي؛ فانتشلتُهَا من غَرَقِهَا ومن غَرَقِي؛ ثمّ تلاشى إحساسي بِوَزني؛ وبِرِئَتَيّ؛ وبالمِلحِ الذي أنا فيه؛ ولم استفِق إلّا هنا؛ لَمَحتُ وجهَهَا يبتسمُ لي؛ ثمّ عُدتُ إلى غيبوبتي؛ وكأنّما أتهادى إلى قاعِ البحرِ من جديد. حين صحوتُ.. ابتسمَت مُمرِّضَةٌ لي؛ ثمّ قالت شيئاً بِلُغةٍ لا أعرفها؛ ثمّ جاء الطبيب؛ فسألني: - هل تعرف الانكليزية؟. هززتُ رأسي فربَتَ على يدي: – كُتِبَت لكَ حياةٌ جديدة؛ وَجَدَكَ الصيّادون تطفو على سطح الماء. وقالت له الممرضة باليونانيّة؛ ثمّ ترجَمَ الطبيبُ لي: – كُنتَ طوالَ الوقت تُنادي باسمٍ ما؛ طوالَ غيبوبتِك. التفتُ نحو الممرضة: - أمَل..؟!. هَزَّت رأسها إيجاباً؛ وابتسمَت؛ فرَجَوتُ الطبيب أن يبحثَ عنها؛ في المستشفى هنا؛ وكِدتُ أنهضُ: - سأبحثُ عنها بنفسي عند الشاطئ. رَجَاني أن أهدَأَ؛ ثمّ أخرجت الممرضة شيئاً ملفوفاً بالقصدير؛ داخِلَ كيسٍ بلاستيكيٍّ؛ أعطتني إيَّاهُ؛ فعرفتُ بأنّه هاتفي النقّال ومعه أوراقي؛ ثمَّ تبيَّنَ لي بأنه ما يزالُ يعملُ؛ فسألتُ الطبيب: - هل لديكم إشارةُ إنترنِت؟. علّقت الممرضة: - في جهازي انترنت. سألتها إذا كانت تستخدمُ “الواتس أب” وحين قالت: أحياناً؛ رَجَوتُهَا أن تتصِلَ برقمٍ أعطيتها إيّاه؛ حاولت الممرضة ثم قالت بأنّ الرقمَ خارج التغطية. كَتَبَ الطبيبُ أدويةً لي؛ ثمَّ غادر؛ فأحسستُ بالوَهنِ من جديد؛ ثمّ بإبرةٍ في وَرِيدِي؛ ثمّ باسترخاءٍ.. كأنما لو أنِّي داخل ضَبَابٍ أبيض؛ وفي بستانٍ أعرِفُهُ؛ ثمَّ غَفَوت. حين استفقتُ.. جاءت الممرضة وهي تُبَرطِم بِلُغَةِ زوربا؛ مُشيرةً إلى هاتفها؛ مُرَدِّدَةً اسمَ أمل؛ ثمّ ناولتني هاتفها؛ فأدركتُ حينها بأنّ أمَل ما تزالُ في "حيّ الوعر" فاتصلتُ؛ كأنما كان رنينُ المكالمة الآن؛ يلفُّ حَولَ الأرض كلّها؛ ليصِلَ إليها؛ سمعتُ ضجيجاً فقط؛ فصرخت: - أمَل.. أمَل. انقطعَ الاتصال.. فحاولتُ ثانيةً: - أمَل.. أمَل. أخيرًا.. سمعتُ صَوتَها وسطَ الضجيج: - ما هذهِ الأصواتُ مِن حَولِك؟. - أنا تحت القصف؛ لا تهتمّ "عُمر الشَقِي.. بقي" المُهمّ سلامتك أنت. - الأوباش.. عادوا إلى قَصفِ الوَعر. - تعوَّدنا.. ثمَّ صوتُ قذيفةٍ قريبة؛ سادَ صمت؛ تجمّدتُ؛ ثمّ صوتُ قذيفةٍ ثانية؛ أقوى من الأولى وأقرَب؛ حتى أنّ المُمرِّضة قد سمِعَتهُ فارتعدَت؛ قلتُ لها: – نظامنا يقتلنا؛ جيشنا يقصفنا. ثم جاءني صوتُ أمَل من جديد: - خَمِّن.. أينَ أنا؟. - في الوَعر.. ضحِكَت.. سَمِعتُ ضحكتَهَا؛ ثم قالت: - تحت التخت. - شُو؟! - تعرِف تَختَ أمّي النحاسيّ القديم؛ تختَ ليلةِ دَخلِتهَا؛ المُوَرَّق بعناقيد العنب؛ وعليه فَرشَة صوف؛ أنا تحته؛ أين أنت؟. - صِرتُ باليونان؛ لو هَرَبتِ معي؛ كنّا الآن بخير. - كيف سأترُكُ أمّي وَحدَها؛ أنتَ سمِعتَها حينَ قالت: لن أخرُجَ من بيتي إلّا.. إلى قبري. تابعت أمل: - ثمَّ خَطَفَتها قذيفةُ هَاونٍ وهي تَشتِلُ الباذنجان في حديقةِ البيت. خِلتُ بأنّي أرى دمعتين في عينيّ أمل؛ ثمّ أتاني صَوتُهَا مُتقطِّعًا: - أزهرَت الشَتلات؛ قطفتُ ثمارَهَا صغيرةً وغَضَّة؛ عَمِلتُ منه “مَكدوساً” بآخرِ ما تبقّى لدينا مِن زَيت؛ ثمَّ وَزَّعتُهُ للجيران على روحها. كانت المُمرضة تبتسم.. بينما تَسمعُ حواراً لا تَفهَمُه؛ فحَجَبتُ الجَوَّالَ غريزياَ بكفّي.. وهَمَست: - أموت في مَكدُوسَاتِك يا "أمُّول ". سمعتها تضحك: - أموت فيك يا غليظ؛ ما عاد يهمّني شي وأنا أسمع صوتك؛ بحِبَّك.. ثمّ سَمِعتُ أصواتَ قذائفٍ لا يُمكِنُ عَدُّها؛ وتقطّعَ الصوت؛ لم أدرِ إذا كانت قد سمعتني.. انقطعَ الاتصال. – أمَل.. أمَل. كِدتُ أهوِي من السرير؛ أسندتني المُمرِّضَةُ؛ ودخلتُ في غَيبُوبَتِي مِن جديد. *- استانبول 20 – 11 – 2016 - من مجموعتي القصصية: حرش هابيل - دار ميسلون 2018]]> 125950 أعلام الأدب : موباسان / تحميل كتب ومؤلفات جي دي موباسان http://www.souriyati.com/2019/09/04/125807.html Wed, 04 Sep 2019 17:35:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/09/04/125807.html رتَّب لنا سومرست موم لقاءً مع أستاذه موباسان، لم أتوقع أن يكون اللقاء بهذه السرعة؛ فالرجل معروف بدقته وصرامته، ما لم يطرأ جديد على ساحته الخاصة، لا سيَّما إن كان الجديد يتعلق بفتاة حسناء أو امرأة لعوب؛ فإنه يطوي الزمن وينتهب الأرض ويطلِّق الكتابة، وبعدما يشبع نهمه الجنسي يعود لارتداء زي الكتابة. وعنه يقول أناتول فرانس: "موباسان دون ريب واحد من أروع كتاب القصة، في بلدٍ كتب فيه كثيرون كثيرًا من القصص، بل والقصص الجيدة، إنه يمتلك ثلاث مزايا كبرى هي الوضوح والوضوح ثم الوضوح". ومع التزامه بالموعد المضروب، لكنه لم يقوَ على الحديث، كان ممددًا على سريره ينظر إلينا نظرات تتأرجح بين الشك والتوسُّل، وأقبل طبيبه الخاص ليطمئن على صحته. بعد مدة من الفحص المضني، أشعل الطبيب سيجارةً ووضعها في فم موباسان، وقال اتركوه الآن على الأقل ساعتين؛ فإنه أصيب بالزهري Syphilis لعلاقاته الجنسية المتعددة، وقد بدأت رحلته مع المرض سنة 1876، والآن تُلِح عليه أعراض الدوخة وتشوش الرؤية وكوابيس وهلاوس اكتئابية، ربما يتحدث إليكم بعد ساعات. خرجنا من غرفته ليستريح قليلًا، وكان الطبيب آخرنا خروجًا من الغرفة، وعلى الرغم من أننا جميعًا سمعنا موباسان يرفع عقيرته قائلًا "أحب جسد المرأة حبي للعشب والأنهار والبحار"، وأردف بعدها "أنا مصابٌ في غرائزي في أفكاري، في أحاسيسي وعقلي، وعندي أن القناعات والأفكار والأخلاق تروق البلهاء"، لكن الطبيب نصحنا بالانتظار خارج غرفته حتى يستفيق ويتأهب للحديث. كتب موباسان كتلة الشحم متأثرًا بأسلوب فلوبير في مدام بوفاري، وهي سيرة ذاتية لامرأة تعيسة في زواجها، ويرجع نجاح قصة موباسان لعمله صحافي أخبار في مجلة Gil Blas وكذلك La Gaulois وأيضًا في صدى باريس ثم لوفيغارو وكان روغون -وهو أعرف الناس به- إلى جانب الطبيب؛ فلما خرجنا قال روغون: "إنه كان يمعن في الشراب، يحلم بالرياضة والتجديف على القارب يوم الأحد، يأكل بنهم ولا ينام إلا لمامًا، مفتول الذراعين، يُمطِر من حوله بألفاظ يندى لها الجبين". وفي جلستنا خارج الغرفة، تجاذبنا أطراف الحديث وكان خلاصة ما دار بيننا أن موباسان عاش بين عامي (1850 – 1893)، ومن ألقابه تشيخوف فرنسا، وعميد القصة القصيرة. تربى في كنف غوستاف فلوبير وإميل زولا، قرأ كتابات شارل بودلير مرارًا وتكرارًا، وتشبع بأفكار شوبنهاور، كرَّس حياته لفن القصة، وخلَّف ثروة أدبية متميزة، يعد أستاذ القصة القصيرة، وينصِّبه النقاد غير الفرنسيين القاص الفرنسي الأوحد. وأضاف بعضهم بفخر واعتزاز، ولربما كان من مريدي أدب موباسان: تأثر به كثيرون من أعلام الأدب، على رأسهم الإنكليزي ويليام سومرست موم. في فرنسا وقبل عام 1970، لم ينل أيَّ قدر من الاهتمام الأدبي، ثم أصبح أيقونة أدبية مرموقة وكاتبًا طبيعيًا موهوبًا، وتحقق له شطر كبير من هدفه إذ أراد أن يصبح كاتبًا شهيرًا ينبذ الفقر، ويجني ثروةً طائلة ينفقها في الملذات. وقال رجل سبعيني العمر، أزرق العينين، نحيل الجسم مهندم الثياب، تكسو ملامحه ابتسامة خلابة: في يوم 5 أغسطس/آب 1850، شهدت منطقة "فيكامب Fecamp" الساحلية مولد هنري رينيه ألبير غي دو موباسان، شبَّ في قصر من قصور القرن السادس عشر ينم على وضعٍ اجتماعيٍ مرموق، لأبٍ من سلالة النورمانديين ضعيف الشخصية يعمل سمسارًا، وأم -وتدعى لورا ليبواتفان- متسلطة. واستطرد السبعيني: هيمنت الأم على ولدها وأثرت في حياته، وألزمته الميل للقراءة والكتابة، شجعته واهتمت به من نعومة أظفاره، وأوكلت به صديقها غوستاف فلوبير. لم يقف اهتمامها به عند هذا الحد، بل جمعت له حكايا يستمد منها مواضيع كتاباته، وصحَّحت له الأخطاء اللغوية. انفصلت لورا عن زوجها وعاشت لابنها، وأدخلته أمه إكليركية إيغيتو ثم ثانوية روان، ونتيجة التصاقه الشديد بها فإن انفعالاتها وتشنجاتها انطبعت في مخيلته، وورث عنها البؤس والتعاسة والطابع الكئيب القلق، وقرر ألا يخوض تجربة الزواج واستغنى عنها بالعلاقات العابرة، أمضى شبابه على شاطئ النورماندي، ولازمته ذكريات تلك الأيام حتى على سرير الموت! وبلهجة حزينة وملامح معبرة، أضاف السبعيني: عاشت أمه حياةً غلب عليها الاعتلال والمرض، حاولت الانتحار غير مرة، خنقت نفسها بشعرها الطويل ولم تفلح طريقتها. في بداياته، أحبَّ موباسان الحياة وانغمس في ملذاتها من رأسه إلى قدمه، لكنه تأثر بأمه وانفطر قلبه لحالها؛ فأورثه ذلك شعورًا مريرًا تجاه الحياة، وغلبت عليه نزعة الشعور بالشيخوخة. عزف عن الزواج لأنه -وفق رؤيته- يقضي على الإبداع، وانكب على الكتابة؛ فكتب خلال 12 سنة (1880 – 1892) مجموعة قصصية وست روايات وثلاثة مجلدات من حكايا الرحلات ومئات الأخبار. ربما يرجع نشاطه الأدبي المحموم لتوقعاته المتشائمة؛ فإنه توقع أن يموت بغتةً، وتأثر في ذلك بموت أستاذه فلوبير المفاجئ، وكذلك بحالة أمه النفسية والعصبية، ونتيجة للنشاط المتحامل على البدن قضى سريعًا! وكان في الحاضرين ناقد كبير، ضخم البطن، أخضر العينين، مدخن شره، حسن السيرة، يكثر ذكر جملة "وأعتقد اعتقادًا جازمًا"، وقال الناقد بلهجة تقريرية وثائقية: خلال عشر سنوات قضاها موظفًا عاديًا، قسَّم حياته بين العمل ومباريات تجديف المراكب وتدريب قاسٍ على يد فلوبير بوساطة أمه. استهل حياته العملية سنة 1873 كاتبًا في وزارة البحرية، كان خاملًا في عمله غير كفء، ما أسخط عليه رؤساءه؛ فترك العمل سنة 1870، واشترك في الحرب السبعينية (1870 – 1871) كجندي صغير، والتحق -بعد الحرب- للعمل في وزارة المعارف بمنصب كبير، وظهرت موهبته الأدبية حينها، لم تزد مدة عمله في المعارف عن سنة ونصف. وبينما يبلع الناقد ريقه، قلت في نفسي: لعل القارئ يربط بين مشاركة موباسان في الحرب السبعينية، ومشاركة سومرست موم في الحرب العالمية الأولى، وما اكتسباه أدبيًا من هذه التجربة. إذن موباسان ابن عائلة مفككة بالأساس، عانى خيبة الأمل وخاض الحرب السبعينية وتأثر بالهزيمة، وقرأ لشوبنهاور التشاؤمي الأول، فضلًا عن حالة أمه النفسية والصحية؛ فاجتمعت هذه العوامل في أدبه بشكلٍ ملموس. تشكلت هويته الثقافية ببلوغه سن الثلاثين، وفي العام نفسه نشر روايته كتلة الشحم/ الدهن؛ فاكتسب احترام النقاد وعزز ثقته بنفسه. كتاباته الأولى وكان الناقد من هواة الحديث دون انقطاع فقال دون أن يترك لغيره مجالًا للتعليق أو الإضافة: أول قصصه "كتلة الشحم" أو كتلة الدهن ويترجمها بعضهم إلى "كرة الودك"، وهي بالفرنسية "بول دوسويف Boule de Suif"، ظهرت في كتاب باسم "أمسيات مدان" سنة 1880 وفي نفس يوم وفاة أستاذه فلوبير! وفور ظهورها كُتبت له الشهرة، تفوق على الكتَّاب الواقعيين قاطبةً، لدرجة أن النقاد الذين ناصبوا الواقعية عداءً مريرًا، ومنهم برونتيير، أشادوا بأعمال موباسان وأقروا بتفوقه؛ فأصبح علمًا من أعلام القصة الفرنسية بل والعالمية. اغتنم أحدهم فرصة إمساك الناقد بزجاجة مياه معدنية، وبينما يشرب الناقد قال الآخر بسرعة قبل أن يعود الناقد إلى استلام دفة الحديث: وخلاصتها أن مجموعة هربوا من جحيم الاحتلال سنة 1870، ركبوا عربة من روان إلى الهافر، وفي الطريق تستوقفهم دورية ألمانية ثم تحتجزهم، كانت برفقتهم إحدى المومسات؛ فطلبوا إليها أن تسلِّم نفسها للضابط البروسي، وبعدما يقضي منها وطره يسمح لهم بالمرور والنجاة من الأسر. نظر الناقد للمتحدث بغضب، وربما قال في نفسه "يعني كان لازم أشرب دلوقت!" لكن المتحدث أدرك أن من يفوته القطار فلن يعود إليه، ولذلك واصل: تمنّعت المرأة أول الأمر، لكنها وبإلحاحٍ لم ينقطع نزلت على رغبتهم، وكان لهم ما أرادوا وانعتقوا جميعًا من ربقة الأسر. استأنفت العربة رحلتها، لكن الناس تنكروا للمومس وتجنبوا الحديث معها، ليس ذلك فحسب، بل إنهم رفضوا أن تشاركهم الطعام أو الشراب، ونعتوها بأحط الصفات وأقذع السباب، تناسوا أنهم من توسلوا إليها قبل ساعات، وأنهم أقنعوها أن تُقدِم على هذه الخطوة لتنقذ حيواتهم. هنا، استوقف الناقد المتحدثَ وطلب الكلمة ليقول: نجحت القصة نجاحًا غير مسبوق، وهي أول أعماله القصصية، غير أنه سبقها بمسرحية "حكاية الزمن القديم" سنة 1879، ثم بمحاولة شعرية سنة 1880 في ديوان "أشعار"، لكن المسرحية والشعر لم يجدا أي قبولٍ يُذكر، بينما رسمت القصة ملامح موباسان الأدبية. كتلة الشحم وإن ظهرت سنة 1880 وعرفت بأول أعماله، لكنه دخل عالم الكتابة قبلها بخمس سنوات، واكتسب شهرته من نجاح كتلة الشحم، قال عنها فلوبير "إنها تحفة فنية"؛ فقد قرأها فلوبير وأبدى ملاحظاته عليها غير مرة، ما ساعد موباسان على التعديل والتحسين، لكنها نشرت يوم وفاة فلوبير. بعد "كتلة الشحم"، كتب موباسان 300 قصة ما بين عامي (1880 - 1890)، نشرت في 18 مجلدًا، وفي قصصه الأولى نحا المنحى الفلسفي؛ فاهتم بالمغزى فوق اهتمامه بالقصة، بينما في مؤلفاته التالية (في الأسرة 1881، ابنة المزرعة) أولاها قدرًا كبيرًا من السرد القصصي، وتحمل قصة "في الأسرة" نقدًا لاذعًا صوَّر فيها تكالب صغار الموظفين على المال، يتقاسمون إرث والدتهم العجوز، وهم يتوهمونها قد رحلت الرحيل الأخير، بينما تستيقظ العجوز من سباتها الطويل؛ لتجد نفسها في بيتها المنهوب! شعر الناقد بالتعب وأن الناس قد سأمت تفرُّده بزمام الكلام؛ فرمى بكرة الحديث إلى ممثل مسرحي شاب، فاتني أن أدوِّن اسمه، لكنه قال: مقارنة بتلميذه سومرست موم؛ فإن نجم موباسان لم يلمع في المسرح، ولم يشعر بامتلاك موهبة حقيقية تؤهله للكتابة المسرحية، كان يتردد في دخول صالات العرض المسرحية؛ لأنه ظل غريبًا عن تقاليد المسرح، بل كان يبدي بُغضًا شديدًا للمسرح! ربما مبعث ذلك أن أعماله المسرحية لم تحقق نجاحًا يذكر، ومن تلك الأعمال "تاريخ الزمن القديم"، "إعادة"، "موزوت"، "خيانة كونتيسة رون"، بينما حققت مسرحيته "الوئام العائلي" نجاحًا مقبولًا، وعُرضت مسرحيته "إعادة" على مسرح النورماندي أربع مرات. وأضاف الممثل المسرحي: فشل موباسان المسرحي لا يختلف عن فشل تشيخوف، وكما جرى مع ديدرو فإن أفضل مسرحياته هي قصصه ورواياته؛ فعندما يدفع الكاتب بالأحداث إلى أقصى حد، يغدو إنتاجه المسرحي قويًا ومتينًا. إن لم يظفر بنجاحٍ ملموس في دنيا المسرح؛ فقد أفاد منه في ضبط أعماله الروائية، لا سيَّما في الحوار وتفصيلاته. وفي سنة 1897، عبَّر موباسان عن رفضه المسرح بشكل مقتضب، إذ قال "بئس المسرح! لن أكتب بعد الآن"، وفي العام نفسه نشر سومرست موم أول أعماله "ليزا من لامبث". محيط عمله وبداياته أما عن محيط عمله وبداياته الأدبية؛ فقد تصدر للحديث عنها بعض أصدقائه المقربين فقال: أفاد موباسان في أعماله من قصص أصدقائه وزملائه، فصوَّر أخلاقهم في شيء من السخرية والاحتقار، ورسم فيها بعض المشاهد الطبيعية. كان شاغله الشاغل إتقان الكتابة، لم يقتصر على المطالعة وحدها، كانت بنيته القوية باعثًا على تهافت متواصل في طلب اللذة الحسية، كثيرًا ما اختلف إلى نوادي المجتمع الراقي، لم يبتعد عن المجتمع العام أو ينعزل عنه، شأن أستاذه فلوبير وإميل زولا. عاش في بيته وحيدًا مع خادمه فرنسوا، ولخوفه من الوحدة كان يسهر الليل -وكذلك كان العندليب الأسمر- في الملاهي الليلية. ينتمي إلى الطبقة البرجوازية، لكنه آثر صداقة العمال والطلبة وفقراء المجتمع الفرنسي، وسافر إلى دول كثيرة منها الجزائر وإيطاليا وانكلترا، ومن واقع سفرياته استمد محتوى أدب الرحلات مثل "في الشمس"، و"على الماء"، و"حياة المتشرد". لم يتجاوز عمره الأدبي 12 سنة، أنجز خلالها أكثر من 300 قصة عدا الروايات والمسرحيات، شهرته خارج فرنسا فاقت شهرته داخلها! من أشهرها قصة "حياة 1883"، "صديق مخلص 1885"، "بيير وجان 1888"، "قوي كالموت 1889"، "قلبنا 1890"، له ست روايات طوال كتبها بين عامي (1883 - 1890)؛ الصديق الظريف، مون أوريول، بيير وجان، قوي كالموت، قلبنا، حياة. وله يخت يسمى "الصديق الظريف Bel-Ami"، طاف به منتجعات النورماندي والريفيرا، وكتب رواية تحمل العنوان نفسه. روى موباسان في "الصديق الظريف" قصة صعود صحافي لا موهبة له، أعطى صورة ساخرة مشوبة بالهجاء للمجتمع الباريسي؛ الوصولي الصغير "جورج دوروا" يعمل في السكة الحديد، له وجه جميل وضمير واسعٌ مرن، صديقه الصحافي "فورستيه" لا يكتب مقالاته، بل تكتبها زوجته الجميلة مادلين. يساعد فورسيه صديقه ليدخل بلاط صاحبة الجلالة، ويموت فورسيه بعد مدة وجيزة؛ ليتزوج دوروا من مادلين لتكتب له المقالات، وبعدما وجد بديلًا لمادلين، يبحث عن طريقة لإزاحتها من طريقه، ويفاجئها يومًا بخيانتها له مع الوزير المشهور، ويهرب دوروا مع ابنة عشيقته القديمة، هذه الابنة قد ورثت عدة ملايين بعد وفاة زوجها؛ ليصبح الوصولي جورج دوروا بارونًا وصاحب نفوذ. مر الوقت سريعًا وسمعنا موباسان ينادي خادمه فرنسوا، وأدركنا أنه استعاد قدرًا ولو يسيرًا من عافيته، وقررنا الدخول عليه والحديث إليه عن علاقته بالمرأة، وأسلوبه في الكتابة، وسخريته اللاذعة وتشاؤمه الشوبنهاوري، وذكرياته مع أمه وقبل ذلك كله تتلمذه على يد فلوبير، وسننقل لكم بعض ما جرى في هذا الحوار قريبًا.

https://www.kutubpdfbook.com/ تحميل كتب ومؤلفات جي دي موباسان

عن المؤلف جي دي موباسان:

جي دي موباسان كاتب وروائي فرنسي وأحد آباء القصة القصيرة الحديثة وكان عضوا في ندوة إميل زولا. ولد موباسان بقصر ميرونمسنل بنورمانديا، وكان له أب من سلالة أرستقراطية تدهورت إلى مباءة الافلاس أمه من سلالة من العامة سمت إلى الخلق الفني وكانت ترثى دوما ذكرى أخيها الشاعر وتطمح في أن ينشأ ابنها كرجل سوي. درس موباسان القانون، والتحق بالجيش الفرنسي ثم عمل ككاتب في البحرية وقابل جوستاف فلوبير عن طريق صلات أسرته ليصبح فيما بعد تلميذه المخلص، وقد قدم فلوبير لتلميذه نظرية للنجاح الأدبي تتكون من ثلاثة أجزاء : لاحظ، لاحظ، ثم لاحظ. من أشهر قصصه : "كرة الشحم"، "بيير وجان"، بيل أمي ومن أهم قصصه القصيرة: " العقد"، "الآنسة فيفي" ، في الحقول.]]>
رتَّب لنا سومرست موم لقاءً مع أستاذه موباسان، لم أتوقع أن يكون اللقاء بهذه السرعة؛ فالرجل معروف بدقته وصرامته، ما لم يطرأ جديد على ساحته الخاصة، لا سيَّما إن كان الجديد يتعلق بفتاة حسناء أو امرأة لعوب؛ فإنه يطوي الزمن وينتهب الأرض ويطلِّق الكتابة، وبعدما يشبع نهمه الجنسي يعود لارتداء زي الكتابة. وعنه يقول أناتول فرانس: "موباسان دون ريب واحد من أروع كتاب القصة، في بلدٍ كتب فيه كثيرون كثيرًا من القصص، بل والقصص الجيدة، إنه يمتلك ثلاث مزايا كبرى هي الوضوح والوضوح ثم الوضوح". ومع التزامه بالموعد المضروب، لكنه لم يقوَ على الحديث، كان ممددًا على سريره ينظر إلينا نظرات تتأرجح بين الشك والتوسُّل، وأقبل طبيبه الخاص ليطمئن على صحته. بعد مدة من الفحص المضني، أشعل الطبيب سيجارةً ووضعها في فم موباسان، وقال اتركوه الآن على الأقل ساعتين؛ فإنه أصيب بالزهري Syphilis لعلاقاته الجنسية المتعددة، وقد بدأت رحلته مع المرض سنة 1876، والآن تُلِح عليه أعراض الدوخة وتشوش الرؤية وكوابيس وهلاوس اكتئابية، ربما يتحدث إليكم بعد ساعات. خرجنا من غرفته ليستريح قليلًا، وكان الطبيب آخرنا خروجًا من الغرفة، وعلى الرغم من أننا جميعًا سمعنا موباسان يرفع عقيرته قائلًا "أحب جسد المرأة حبي للعشب والأنهار والبحار"، وأردف بعدها "أنا مصابٌ في غرائزي في أفكاري، في أحاسيسي وعقلي، وعندي أن القناعات والأفكار والأخلاق تروق البلهاء"، لكن الطبيب نصحنا بالانتظار خارج غرفته حتى يستفيق ويتأهب للحديث. كتب موباسان كتلة الشحم متأثرًا بأسلوب فلوبير في مدام بوفاري، وهي سيرة ذاتية لامرأة تعيسة في زواجها، ويرجع نجاح قصة موباسان لعمله صحافي أخبار في مجلة Gil Blas وكذلك La Gaulois وأيضًا في صدى باريس ثم لوفيغارو وكان روغون -وهو أعرف الناس به- إلى جانب الطبيب؛ فلما خرجنا قال روغون: "إنه كان يمعن في الشراب، يحلم بالرياضة والتجديف على القارب يوم الأحد، يأكل بنهم ولا ينام إلا لمامًا، مفتول الذراعين، يُمطِر من حوله بألفاظ يندى لها الجبين". وفي جلستنا خارج الغرفة، تجاذبنا أطراف الحديث وكان خلاصة ما دار بيننا أن موباسان عاش بين عامي (1850 – 1893)، ومن ألقابه تشيخوف فرنسا، وعميد القصة القصيرة. تربى في كنف غوستاف فلوبير وإميل زولا، قرأ كتابات شارل بودلير مرارًا وتكرارًا، وتشبع بأفكار شوبنهاور، كرَّس حياته لفن القصة، وخلَّف ثروة أدبية متميزة، يعد أستاذ القصة القصيرة، وينصِّبه النقاد غير الفرنسيين القاص الفرنسي الأوحد. وأضاف بعضهم بفخر واعتزاز، ولربما كان من مريدي أدب موباسان: تأثر به كثيرون من أعلام الأدب، على رأسهم الإنكليزي ويليام سومرست موم. في فرنسا وقبل عام 1970، لم ينل أيَّ قدر من الاهتمام الأدبي، ثم أصبح أيقونة أدبية مرموقة وكاتبًا طبيعيًا موهوبًا، وتحقق له شطر كبير من هدفه إذ أراد أن يصبح كاتبًا شهيرًا ينبذ الفقر، ويجني ثروةً طائلة ينفقها في الملذات. وقال رجل سبعيني العمر، أزرق العينين، نحيل الجسم مهندم الثياب، تكسو ملامحه ابتسامة خلابة: في يوم 5 أغسطس/آب 1850، شهدت منطقة "فيكامب Fecamp" الساحلية مولد هنري رينيه ألبير غي دو موباسان، شبَّ في قصر من قصور القرن السادس عشر ينم على وضعٍ اجتماعيٍ مرموق، لأبٍ من سلالة النورمانديين ضعيف الشخصية يعمل سمسارًا، وأم -وتدعى لورا ليبواتفان- متسلطة. واستطرد السبعيني: هيمنت الأم على ولدها وأثرت في حياته، وألزمته الميل للقراءة والكتابة، شجعته واهتمت به من نعومة أظفاره، وأوكلت به صديقها غوستاف فلوبير. لم يقف اهتمامها به عند هذا الحد، بل جمعت له حكايا يستمد منها مواضيع كتاباته، وصحَّحت له الأخطاء اللغوية. انفصلت لورا عن زوجها وعاشت لابنها، وأدخلته أمه إكليركية إيغيتو ثم ثانوية روان، ونتيجة التصاقه الشديد بها فإن انفعالاتها وتشنجاتها انطبعت في مخيلته، وورث عنها البؤس والتعاسة والطابع الكئيب القلق، وقرر ألا يخوض تجربة الزواج واستغنى عنها بالعلاقات العابرة، أمضى شبابه على شاطئ النورماندي، ولازمته ذكريات تلك الأيام حتى على سرير الموت! وبلهجة حزينة وملامح معبرة، أضاف السبعيني: عاشت أمه حياةً غلب عليها الاعتلال والمرض، حاولت الانتحار غير مرة، خنقت نفسها بشعرها الطويل ولم تفلح طريقتها. في بداياته، أحبَّ موباسان الحياة وانغمس في ملذاتها من رأسه إلى قدمه، لكنه تأثر بأمه وانفطر قلبه لحالها؛ فأورثه ذلك شعورًا مريرًا تجاه الحياة، وغلبت عليه نزعة الشعور بالشيخوخة. عزف عن الزواج لأنه -وفق رؤيته- يقضي على الإبداع، وانكب على الكتابة؛ فكتب خلال 12 سنة (1880 – 1892) مجموعة قصصية وست روايات وثلاثة مجلدات من حكايا الرحلات ومئات الأخبار. ربما يرجع نشاطه الأدبي المحموم لتوقعاته المتشائمة؛ فإنه توقع أن يموت بغتةً، وتأثر في ذلك بموت أستاذه فلوبير المفاجئ، وكذلك بحالة أمه النفسية والعصبية، ونتيجة للنشاط المتحامل على البدن قضى سريعًا! وكان في الحاضرين ناقد كبير، ضخم البطن، أخضر العينين، مدخن شره، حسن السيرة، يكثر ذكر جملة "وأعتقد اعتقادًا جازمًا"، وقال الناقد بلهجة تقريرية وثائقية: خلال عشر سنوات قضاها موظفًا عاديًا، قسَّم حياته بين العمل ومباريات تجديف المراكب وتدريب قاسٍ على يد فلوبير بوساطة أمه. استهل حياته العملية سنة 1873 كاتبًا في وزارة البحرية، كان خاملًا في عمله غير كفء، ما أسخط عليه رؤساءه؛ فترك العمل سنة 1870، واشترك في الحرب السبعينية (1870 – 1871) كجندي صغير، والتحق -بعد الحرب- للعمل في وزارة المعارف بمنصب كبير، وظهرت موهبته الأدبية حينها، لم تزد مدة عمله في المعارف عن سنة ونصف. وبينما يبلع الناقد ريقه، قلت في نفسي: لعل القارئ يربط بين مشاركة موباسان في الحرب السبعينية، ومشاركة سومرست موم في الحرب العالمية الأولى، وما اكتسباه أدبيًا من هذه التجربة. إذن موباسان ابن عائلة مفككة بالأساس، عانى خيبة الأمل وخاض الحرب السبعينية وتأثر بالهزيمة، وقرأ لشوبنهاور التشاؤمي الأول، فضلًا عن حالة أمه النفسية والصحية؛ فاجتمعت هذه العوامل في أدبه بشكلٍ ملموس. تشكلت هويته الثقافية ببلوغه سن الثلاثين، وفي العام نفسه نشر روايته كتلة الشحم/ الدهن؛ فاكتسب احترام النقاد وعزز ثقته بنفسه. كتاباته الأولى وكان الناقد من هواة الحديث دون انقطاع فقال دون أن يترك لغيره مجالًا للتعليق أو الإضافة: أول قصصه "كتلة الشحم" أو كتلة الدهن ويترجمها بعضهم إلى "كرة الودك"، وهي بالفرنسية "بول دوسويف Boule de Suif"، ظهرت في كتاب باسم "أمسيات مدان" سنة 1880 وفي نفس يوم وفاة أستاذه فلوبير! وفور ظهورها كُتبت له الشهرة، تفوق على الكتَّاب الواقعيين قاطبةً، لدرجة أن النقاد الذين ناصبوا الواقعية عداءً مريرًا، ومنهم برونتيير، أشادوا بأعمال موباسان وأقروا بتفوقه؛ فأصبح علمًا من أعلام القصة الفرنسية بل والعالمية. اغتنم أحدهم فرصة إمساك الناقد بزجاجة مياه معدنية، وبينما يشرب الناقد قال الآخر بسرعة قبل أن يعود الناقد إلى استلام دفة الحديث: وخلاصتها أن مجموعة هربوا من جحيم الاحتلال سنة 1870، ركبوا عربة من روان إلى الهافر، وفي الطريق تستوقفهم دورية ألمانية ثم تحتجزهم، كانت برفقتهم إحدى المومسات؛ فطلبوا إليها أن تسلِّم نفسها للضابط البروسي، وبعدما يقضي منها وطره يسمح لهم بالمرور والنجاة من الأسر. نظر الناقد للمتحدث بغضب، وربما قال في نفسه "يعني كان لازم أشرب دلوقت!" لكن المتحدث أدرك أن من يفوته القطار فلن يعود إليه، ولذلك واصل: تمنّعت المرأة أول الأمر، لكنها وبإلحاحٍ لم ينقطع نزلت على رغبتهم، وكان لهم ما أرادوا وانعتقوا جميعًا من ربقة الأسر. استأنفت العربة رحلتها، لكن الناس تنكروا للمومس وتجنبوا الحديث معها، ليس ذلك فحسب، بل إنهم رفضوا أن تشاركهم الطعام أو الشراب، ونعتوها بأحط الصفات وأقذع السباب، تناسوا أنهم من توسلوا إليها قبل ساعات، وأنهم أقنعوها أن تُقدِم على هذه الخطوة لتنقذ حيواتهم. هنا، استوقف الناقد المتحدثَ وطلب الكلمة ليقول: نجحت القصة نجاحًا غير مسبوق، وهي أول أعماله القصصية، غير أنه سبقها بمسرحية "حكاية الزمن القديم" سنة 1879، ثم بمحاولة شعرية سنة 1880 في ديوان "أشعار"، لكن المسرحية والشعر لم يجدا أي قبولٍ يُذكر، بينما رسمت القصة ملامح موباسان الأدبية. كتلة الشحم وإن ظهرت سنة 1880 وعرفت بأول أعماله، لكنه دخل عالم الكتابة قبلها بخمس سنوات، واكتسب شهرته من نجاح كتلة الشحم، قال عنها فلوبير "إنها تحفة فنية"؛ فقد قرأها فلوبير وأبدى ملاحظاته عليها غير مرة، ما ساعد موباسان على التعديل والتحسين، لكنها نشرت يوم وفاة فلوبير. بعد "كتلة الشحم"، كتب موباسان 300 قصة ما بين عامي (1880 - 1890)، نشرت في 18 مجلدًا، وفي قصصه الأولى نحا المنحى الفلسفي؛ فاهتم بالمغزى فوق اهتمامه بالقصة، بينما في مؤلفاته التالية (في الأسرة 1881، ابنة المزرعة) أولاها قدرًا كبيرًا من السرد القصصي، وتحمل قصة "في الأسرة" نقدًا لاذعًا صوَّر فيها تكالب صغار الموظفين على المال، يتقاسمون إرث والدتهم العجوز، وهم يتوهمونها قد رحلت الرحيل الأخير، بينما تستيقظ العجوز من سباتها الطويل؛ لتجد نفسها في بيتها المنهوب! شعر الناقد بالتعب وأن الناس قد سأمت تفرُّده بزمام الكلام؛ فرمى بكرة الحديث إلى ممثل مسرحي شاب، فاتني أن أدوِّن اسمه، لكنه قال: مقارنة بتلميذه سومرست موم؛ فإن نجم موباسان لم يلمع في المسرح، ولم يشعر بامتلاك موهبة حقيقية تؤهله للكتابة المسرحية، كان يتردد في دخول صالات العرض المسرحية؛ لأنه ظل غريبًا عن تقاليد المسرح، بل كان يبدي بُغضًا شديدًا للمسرح! ربما مبعث ذلك أن أعماله المسرحية لم تحقق نجاحًا يذكر، ومن تلك الأعمال "تاريخ الزمن القديم"، "إعادة"، "موزوت"، "خيانة كونتيسة رون"، بينما حققت مسرحيته "الوئام العائلي" نجاحًا مقبولًا، وعُرضت مسرحيته "إعادة" على مسرح النورماندي أربع مرات. وأضاف الممثل المسرحي: فشل موباسان المسرحي لا يختلف عن فشل تشيخوف، وكما جرى مع ديدرو فإن أفضل مسرحياته هي قصصه ورواياته؛ فعندما يدفع الكاتب بالأحداث إلى أقصى حد، يغدو إنتاجه المسرحي قويًا ومتينًا. إن لم يظفر بنجاحٍ ملموس في دنيا المسرح؛ فقد أفاد منه في ضبط أعماله الروائية، لا سيَّما في الحوار وتفصيلاته. وفي سنة 1897، عبَّر موباسان عن رفضه المسرح بشكل مقتضب، إذ قال "بئس المسرح! لن أكتب بعد الآن"، وفي العام نفسه نشر سومرست موم أول أعماله "ليزا من لامبث". محيط عمله وبداياته أما عن محيط عمله وبداياته الأدبية؛ فقد تصدر للحديث عنها بعض أصدقائه المقربين فقال: أفاد موباسان في أعماله من قصص أصدقائه وزملائه، فصوَّر أخلاقهم في شيء من السخرية والاحتقار، ورسم فيها بعض المشاهد الطبيعية. كان شاغله الشاغل إتقان الكتابة، لم يقتصر على المطالعة وحدها، كانت بنيته القوية باعثًا على تهافت متواصل في طلب اللذة الحسية، كثيرًا ما اختلف إلى نوادي المجتمع الراقي، لم يبتعد عن المجتمع العام أو ينعزل عنه، شأن أستاذه فلوبير وإميل زولا. عاش في بيته وحيدًا مع خادمه فرنسوا، ولخوفه من الوحدة كان يسهر الليل -وكذلك كان العندليب الأسمر- في الملاهي الليلية. ينتمي إلى الطبقة البرجوازية، لكنه آثر صداقة العمال والطلبة وفقراء المجتمع الفرنسي، وسافر إلى دول كثيرة منها الجزائر وإيطاليا وانكلترا، ومن واقع سفرياته استمد محتوى أدب الرحلات مثل "في الشمس"، و"على الماء"، و"حياة المتشرد". لم يتجاوز عمره الأدبي 12 سنة، أنجز خلالها أكثر من 300 قصة عدا الروايات والمسرحيات، شهرته خارج فرنسا فاقت شهرته داخلها! من أشهرها قصة "حياة 1883"، "صديق مخلص 1885"، "بيير وجان 1888"، "قوي كالموت 1889"، "قلبنا 1890"، له ست روايات طوال كتبها بين عامي (1883 - 1890)؛ الصديق الظريف، مون أوريول، بيير وجان، قوي كالموت، قلبنا، حياة. وله يخت يسمى "الصديق الظريف Bel-Ami"، طاف به منتجعات النورماندي والريفيرا، وكتب رواية تحمل العنوان نفسه. روى موباسان في "الصديق الظريف" قصة صعود صحافي لا موهبة له، أعطى صورة ساخرة مشوبة بالهجاء للمجتمع الباريسي؛ الوصولي الصغير "جورج دوروا" يعمل في السكة الحديد، له وجه جميل وضمير واسعٌ مرن، صديقه الصحافي "فورستيه" لا يكتب مقالاته، بل تكتبها زوجته الجميلة مادلين. يساعد فورسيه صديقه ليدخل بلاط صاحبة الجلالة، ويموت فورسيه بعد مدة وجيزة؛ ليتزوج دوروا من مادلين لتكتب له المقالات، وبعدما وجد بديلًا لمادلين، يبحث عن طريقة لإزاحتها من طريقه، ويفاجئها يومًا بخيانتها له مع الوزير المشهور، ويهرب دوروا مع ابنة عشيقته القديمة، هذه الابنة قد ورثت عدة ملايين بعد وفاة زوجها؛ ليصبح الوصولي جورج دوروا بارونًا وصاحب نفوذ. مر الوقت سريعًا وسمعنا موباسان ينادي خادمه فرنسوا، وأدركنا أنه استعاد قدرًا ولو يسيرًا من عافيته، وقررنا الدخول عليه والحديث إليه عن علاقته بالمرأة، وأسلوبه في الكتابة، وسخريته اللاذعة وتشاؤمه الشوبنهاوري، وذكرياته مع أمه وقبل ذلك كله تتلمذه على يد فلوبير، وسننقل لكم بعض ما جرى في هذا الحوار قريبًا.

https://www.kutubpdfbook.com/ تحميل كتب ومؤلفات جي دي موباسان

عن المؤلف جي دي موباسان:

جي دي موباسان كاتب وروائي فرنسي وأحد آباء القصة القصيرة الحديثة وكان عضوا في ندوة إميل زولا. ولد موباسان بقصر ميرونمسنل بنورمانديا، وكان له أب من سلالة أرستقراطية تدهورت إلى مباءة الافلاس أمه من سلالة من العامة سمت إلى الخلق الفني وكانت ترثى دوما ذكرى أخيها الشاعر وتطمح في أن ينشأ ابنها كرجل سوي. درس موباسان القانون، والتحق بالجيش الفرنسي ثم عمل ككاتب في البحرية وقابل جوستاف فلوبير عن طريق صلات أسرته ليصبح فيما بعد تلميذه المخلص، وقد قدم فلوبير لتلميذه نظرية للنجاح الأدبي تتكون من ثلاثة أجزاء : لاحظ، لاحظ، ثم لاحظ. من أشهر قصصه : "كرة الشحم"، "بيير وجان"، بيل أمي ومن أهم قصصه القصيرة: " العقد"، "الآنسة فيفي" ، في الحقول.]]>
125807
كيف تقرأ لوحة فنية؟.. دليلك لفهم الفنون التشكيلية http://www.souriyati.com/2019/08/30/125618.html Fri, 30 Aug 2019 10:04:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/08/30/125618.html

هند مسعد

يقف المهتمون بالفنون التشكيلية عادة أمام إشكالية فهم اللوحات وما معناها وما هي مدارس الفن التشكيلي وما الفرق فيما بينها؟ وهو ما جعل مسألة "كيف نقرأ لوحة فنية" مادة خصبة أفرد لها العديد من النقاد الكثير من المقالات والمنشورات لتعين المُتابعين لهذا المجال على فهمه.

ويرى العديد من رواد ونقاد الفنون التشكيلية أن تعلم قراءة اللوحات أمر سهل جدا يحتاج إتقانه فقط بعض المواظبة والشغف.

وأفردت عدة متاحف على مواقعها على الإنترنت عددا من الخطوات السلسة التي يمكن للهواة اتباعها ببساطة لفهم الأعمال الفنية.

ووفقا للمعرض القومي الفنون في إنجلترا (The National Gallery of Art) فإن فهم أي عمل فني مثل فهم أي كتاب، حيث يقوم القارئ بفك الرموز لفهم المعنى، ثم يستمعن النظر في لغة الجسد، ثم يصقل قراءته بكثرة الممارسة.

ومع ذلك، وحسبما نشر المعرض على موقعه على الإنترنت، هناك فرق جوهري بين قراءة كتاب وقراءة عمل فني، ألا وهو أن الأول حين نقرأه فإننا نتخيل المشهد عبر الجُمل والعبارات. أما في اللوحة فالمشهد مرسوم ومُقدم لنا بالفعل، وكل ما علينا هو فهم معناه فقط.

كما لا يتطلب الوصول للوحات نفسها الجهد الكبير من الهواة. فهناك عدد كبير من المواقع يقدم عددا ضخما من اللوحات ومتاحة على الإنترنت مع الشرح مثل متحف اللوفر ومتحف أورسيه وغيرهما.

ويستطيع المهتم كتابة "لوحات القرن التاسع عشر أو (19th century paintings)" في أي محرك بحث، وسيجد نفسه أمام كم هائل من الأعمال الفنيّة.

أما إذا كان المهتم يبحث عن لوحات تتناول مواضيع فنية بعينها، مثل المناظر الطبيعية أو المواضيع الدينية، فكل ما عليه كتابة "لوحات مناظر طبيعية القرن الثامن عشر" مثلا، وهكذا فإن البحث باستخدام كلمات مفتاحية أو حقبة زمنية يضع الباحث أمام بحر من الأعمال الفنية والتي يستطيع أن ينتقي منها ما شاء.

جديرٌ بالذكر أن المهتم يستطيع تغيير الحقبة الزمنية للوصول لأكبر قدر من الأعمال مثل كتابة القرن التاسع عشر والثامن عشر عند البحث أو أي عدد من القرون.

وقد أفردت الموسوعة العالمية "ويكيبيديا" شرحا لجميع مدارس الفنون التشكيليّة مرتبة حسب الحروف الأبجدية، وتتناول التقسيم التاريخي منذ العصر الحجري حتى اليوم، ومرفق بكل مدرسة لوحات تدل على أسلوبها الذي تميزت به عن غيرها.

ومع ذلك، يرى العديد من النقاد أن كتابة مراجعة قصيرة لأي لوحة لا تحتاج معرفة مطولة بمدارس الفنون أو تاريخ الفن أصلا.

فإن كان الباحث أو المهتم لا يعرف نوع المدرسة التي تنتمي لها اللوحة، يستطيع كتابة اسم اللوحة والرسام في أي محرك بحث. وهنا ستظهر له معلومات كثيرة عن الرسام واللوحة والمدرسة التي تنتمي لها وظروف رسمها وهلم جرا.

وبعد أن نصل لمعلومات اللوحة، نأتي لمرحلة كتابة أو تدوين المراجعة. ويستطيع أي شخص أن يقدم مراجعة للوحة دون أن يكون كاتبا متمرسا أو محررا فنيا.

ويكفي أنّ تشرح محتوى العمل بأسلوبك الخاص. فقط اكتب.. ماذا ترى؟ وماذا يعجبك؟ مثلا طفل يمسك وردة: طفل بريء ووردة جميلة. فلا يوجد حاجة لاستعراض أي عضلات كتابية.

في نفس الصدد، فإن فهم المدارس يأتي بكثرة تجميع اللوحات والقراءة عنها. مع الوقت يتكون عند المتابع حصيلة معرفية بطبيعة كل مدرسة فيتعرف على نوع المدرسة بمجرد رؤية اللوحة.

لذلك، فإن الممارسة المُتكررة تعد أهم وسيلة لإتقان القراءة. كما أن تجميع أكبر عدد من الأعمال يساعد المتابع على المستوى الشخصي فسيشعر أن روحه اتسعت بقدر سعة هذا الجمال.

ويستطيع المهتم أن يلجأ لعدد من الكتب للاستزادة إن أراد. فهناك مؤلف "أسرار الفن التشكيلي" للدكتور محمود بسيوني، وهو كتاب مبسط يستهدف القارئ العربي حيث يتناول مدخل الفنون التشكيلية، ويرفقها بالأمثلة والمقارنات ليكون لدى القارئ خبرة بصرية.

كذلك هناك كتاب "تاريخ عباقرة الفن التشكيلي في العالم.. وأشهر ما خلفوه من روائع خالدة عبر العصور" تأليف محيي الدين طالو، والذي يتناول أشهر وأهم الرسامين في تاريخ الفن التشكيلي.

كما يتناول الكتاب الحقب الزمنية المختلفة التي تعد علامات بارزة في تاريخ الفن. وللمؤلف أيضا كتاب مهم عن الفنون الإسلامية بعنوان "المرشد الفني إلى أصول إنشاء وتكوين الزخرفة الإسلامية" يتناول نشأة وتطور الفن الإسلامي على وجه الخصوص.

هناك أيضا كتاب "حيرة الفن التشكيلي العربي ما بين جذور واغتراب" تأليف خير الدين عبد الرحمن، ويتناول طبيعة ونشأة الهوية العربية للفن التشكيلي مع التركيز على التيارات الدينية والسياسية التي أثرت عليه.

ويعتبر "الفنون التشكيلية وكيف نتذوقها" لمؤلفه برنارد مايرز واحدا من أبسط الكتب وأيسرها للولوج لعالم الفنون. وقد قام بترجمته كل من الدكتور سعد المنصوري ومسعد القاضي. وهو متوفر على الإنترنت.

المصدر: الجزيرة نت]]>

هند مسعد

يقف المهتمون بالفنون التشكيلية عادة أمام إشكالية فهم اللوحات وما معناها وما هي مدارس الفن التشكيلي وما الفرق فيما بينها؟ وهو ما جعل مسألة "كيف نقرأ لوحة فنية" مادة خصبة أفرد لها العديد من النقاد الكثير من المقالات والمنشورات لتعين المُتابعين لهذا المجال على فهمه.

ويرى العديد من رواد ونقاد الفنون التشكيلية أن تعلم قراءة اللوحات أمر سهل جدا يحتاج إتقانه فقط بعض المواظبة والشغف.

وأفردت عدة متاحف على مواقعها على الإنترنت عددا من الخطوات السلسة التي يمكن للهواة اتباعها ببساطة لفهم الأعمال الفنية.

ووفقا للمعرض القومي الفنون في إنجلترا (The National Gallery of Art) فإن فهم أي عمل فني مثل فهم أي كتاب، حيث يقوم القارئ بفك الرموز لفهم المعنى، ثم يستمعن النظر في لغة الجسد، ثم يصقل قراءته بكثرة الممارسة.

ومع ذلك، وحسبما نشر المعرض على موقعه على الإنترنت، هناك فرق جوهري بين قراءة كتاب وقراءة عمل فني، ألا وهو أن الأول حين نقرأه فإننا نتخيل المشهد عبر الجُمل والعبارات. أما في اللوحة فالمشهد مرسوم ومُقدم لنا بالفعل، وكل ما علينا هو فهم معناه فقط.

كما لا يتطلب الوصول للوحات نفسها الجهد الكبير من الهواة. فهناك عدد كبير من المواقع يقدم عددا ضخما من اللوحات ومتاحة على الإنترنت مع الشرح مثل متحف اللوفر ومتحف أورسيه وغيرهما.

ويستطيع المهتم كتابة "لوحات القرن التاسع عشر أو (19th century paintings)" في أي محرك بحث، وسيجد نفسه أمام كم هائل من الأعمال الفنيّة.

أما إذا كان المهتم يبحث عن لوحات تتناول مواضيع فنية بعينها، مثل المناظر الطبيعية أو المواضيع الدينية، فكل ما عليه كتابة "لوحات مناظر طبيعية القرن الثامن عشر" مثلا، وهكذا فإن البحث باستخدام كلمات مفتاحية أو حقبة زمنية يضع الباحث أمام بحر من الأعمال الفنية والتي يستطيع أن ينتقي منها ما شاء.

جديرٌ بالذكر أن المهتم يستطيع تغيير الحقبة الزمنية للوصول لأكبر قدر من الأعمال مثل كتابة القرن التاسع عشر والثامن عشر عند البحث أو أي عدد من القرون.

وقد أفردت الموسوعة العالمية "ويكيبيديا" شرحا لجميع مدارس الفنون التشكيليّة مرتبة حسب الحروف الأبجدية، وتتناول التقسيم التاريخي منذ العصر الحجري حتى اليوم، ومرفق بكل مدرسة لوحات تدل على أسلوبها الذي تميزت به عن غيرها.

ومع ذلك، يرى العديد من النقاد أن كتابة مراجعة قصيرة لأي لوحة لا تحتاج معرفة مطولة بمدارس الفنون أو تاريخ الفن أصلا.

فإن كان الباحث أو المهتم لا يعرف نوع المدرسة التي تنتمي لها اللوحة، يستطيع كتابة اسم اللوحة والرسام في أي محرك بحث. وهنا ستظهر له معلومات كثيرة عن الرسام واللوحة والمدرسة التي تنتمي لها وظروف رسمها وهلم جرا.

وبعد أن نصل لمعلومات اللوحة، نأتي لمرحلة كتابة أو تدوين المراجعة. ويستطيع أي شخص أن يقدم مراجعة للوحة دون أن يكون كاتبا متمرسا أو محررا فنيا.

ويكفي أنّ تشرح محتوى العمل بأسلوبك الخاص. فقط اكتب.. ماذا ترى؟ وماذا يعجبك؟ مثلا طفل يمسك وردة: طفل بريء ووردة جميلة. فلا يوجد حاجة لاستعراض أي عضلات كتابية.

في نفس الصدد، فإن فهم المدارس يأتي بكثرة تجميع اللوحات والقراءة عنها. مع الوقت يتكون عند المتابع حصيلة معرفية بطبيعة كل مدرسة فيتعرف على نوع المدرسة بمجرد رؤية اللوحة.

لذلك، فإن الممارسة المُتكررة تعد أهم وسيلة لإتقان القراءة. كما أن تجميع أكبر عدد من الأعمال يساعد المتابع على المستوى الشخصي فسيشعر أن روحه اتسعت بقدر سعة هذا الجمال.

ويستطيع المهتم أن يلجأ لعدد من الكتب للاستزادة إن أراد. فهناك مؤلف "أسرار الفن التشكيلي" للدكتور محمود بسيوني، وهو كتاب مبسط يستهدف القارئ العربي حيث يتناول مدخل الفنون التشكيلية، ويرفقها بالأمثلة والمقارنات ليكون لدى القارئ خبرة بصرية.

كذلك هناك كتاب "تاريخ عباقرة الفن التشكيلي في العالم.. وأشهر ما خلفوه من روائع خالدة عبر العصور" تأليف محيي الدين طالو، والذي يتناول أشهر وأهم الرسامين في تاريخ الفن التشكيلي.

كما يتناول الكتاب الحقب الزمنية المختلفة التي تعد علامات بارزة في تاريخ الفن. وللمؤلف أيضا كتاب مهم عن الفنون الإسلامية بعنوان "المرشد الفني إلى أصول إنشاء وتكوين الزخرفة الإسلامية" يتناول نشأة وتطور الفن الإسلامي على وجه الخصوص.

هناك أيضا كتاب "حيرة الفن التشكيلي العربي ما بين جذور واغتراب" تأليف خير الدين عبد الرحمن، ويتناول طبيعة ونشأة الهوية العربية للفن التشكيلي مع التركيز على التيارات الدينية والسياسية التي أثرت عليه.

ويعتبر "الفنون التشكيلية وكيف نتذوقها" لمؤلفه برنارد مايرز واحدا من أبسط الكتب وأيسرها للولوج لعالم الفنون. وقد قام بترجمته كل من الدكتور سعد المنصوري ومسعد القاضي. وهو متوفر على الإنترنت.

المصدر: الجزيرة نت]]>
125618
إليسا تعتزل الفن : لم تعد قادرة على العمل في حقل “يشبه المافيا” http://www.souriyati.com/2019/08/20/125371.html Tue, 20 Aug 2019 10:52:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/08/20/125371.html فاجأت النجمة اللبنانية إليسا، جمهورها في العالم العربي، بتغريدة اطلقتها في حسابها الخاص على موقع التواصل تويتر، ذكرت فيها انها قررت اعتزال الغناء. واشارت النجمة اللبنانية إلى إن ألبومها الجديد الذي ينتظره جمهورها سيكون الأخير، وبه سوف تختتم حياتها الفنية، مضيفة بالقول: "أعد هذا الألبوم الجديد بكثير من المحبة والعاطفة، وسيكون الأخير في عملي الفني". عن اسباب اقدامها على انهاء حياتها الفنية، أوضحت إليسا، أنها تتخذ هذا القرار وقلبها "حزين"، لكنها أكدت على انها مقتنعة بقرارها هذا، كونها لم تعد قادرة على العمل في حقل "يشبه المافيا" حسب وصفها، وأنها لن تستطيع أن تكون منتجة أكثر من ذلك. وتفاعل مغردون مع قرار الفنانة إليسا المفاجئ، موجهين لها تغريدات، تشجعها على الاستمرار في مشوارها الفني، وان محبتهم لها يمنحها القوة لتجاوز المصاعب، واعتبر اخرون ان قرارها خسارة كبيرة، ونوه معجبون الى تواجد المافيا في مختلف المجالات، ولكن على الاشخاص المؤثرين والناجحين، عدم ترك الساحة لهم، انما عليها ان تفضحهم. ]]> فاجأت النجمة اللبنانية إليسا، جمهورها في العالم العربي، بتغريدة اطلقتها في حسابها الخاص على موقع التواصل تويتر، ذكرت فيها انها قررت اعتزال الغناء. واشارت النجمة اللبنانية إلى إن ألبومها الجديد الذي ينتظره جمهورها سيكون الأخير، وبه سوف تختتم حياتها الفنية، مضيفة بالقول: "أعد هذا الألبوم الجديد بكثير من المحبة والعاطفة، وسيكون الأخير في عملي الفني". عن اسباب اقدامها على انهاء حياتها الفنية، أوضحت إليسا، أنها تتخذ هذا القرار وقلبها "حزين"، لكنها أكدت على انها مقتنعة بقرارها هذا، كونها لم تعد قادرة على العمل في حقل "يشبه المافيا" حسب وصفها، وأنها لن تستطيع أن تكون منتجة أكثر من ذلك. وتفاعل مغردون مع قرار الفنانة إليسا المفاجئ، موجهين لها تغريدات، تشجعها على الاستمرار في مشوارها الفني، وان محبتهم لها يمنحها القوة لتجاوز المصاعب، واعتبر اخرون ان قرارها خسارة كبيرة، ونوه معجبون الى تواجد المافيا في مختلف المجالات، ولكن على الاشخاص المؤثرين والناجحين، عدم ترك الساحة لهم، انما عليها ان تفضحهم. ]]> 125371 سعاد العامري: ذاكرة فلسطينية في دمشق http://www.souriyati.com/2019/07/09/124615.html Tue, 09 Jul 2019 20:46:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/07/09/124615.html لم تأت الكاتبة والمعمارية الفلسطينية سعاد العامري (1951) إلى حقل الكتابة الروائية إلّا في مرحلةٍ متأخّرة من حياتها، حين نشرت روايتها الأولى "شارون وحماتي: يوميات الحرب في رام الله" (2003). تُرجمت الرواية، التي كتبتها خلال حصار قوّات الاحتلال الإسرائيلي مدينة رام الله سنة 2002، إلى قرابة عشرين لغةً، وحازت عدّة جوائز أدبيّة، لتجعل من مؤلّفتها واحدةً من أبرز الروائيات العربيات اللواتي يكتب عنهنّ بالإنكليزية اليوم. تتالت إصداراتها الروائية في ما بعد؛ ومن بينها "غولدا نامت هنا" (2013)، والتي تتتبّع فيها أثر أفرادٍ من عائلات فلسطينية داخل بلدهم المحتلّ وفي بلدان الشتات. ومن خلال حكاياتٍ أشخاص عاديّين في خلفية تحضر فيها مشاهد من فنّ العمارة الفلسطينية، تسخر العامري من محاولات الاحتلال محوَ الهوية الفلسطينية في القدس الغربية. وفي "مراد مراد: لا شيء تخسره إلّا حياتك" (2016)، اقتربت العامري من الحياة الإنسانية والاجتماعية لعمّال فلسطينيين يُغامرون للحصول على فرص عملٍ في المناطق المحتلّة، من خلال حكاياتٍ ترويها استناداً إلى تجربة شخصية قادتها إلى التنكُّر في زي رجلٍ وعبور الحدود "الإسرائيلية"، بشكل "غير قانوني" مع مجموعة من العمّال الفلسطينيّين. آخر رواياتها تحمل عنوان "دمشقيَ" (my damascus)، وقد صدرت بالإنكليزية عن "دار نساء بلا حدود" سنة 2016. في هذا العمل، تسرد الكاتبة، التي وُلدت في مدينة يافا لأب فلسطيني وأمّ سورية، مصائر ثلاثة أجيال من عائلةٍ في مدينة دمشق، من خلال قصّة شابّة فلسطينية تُدعى بسيمة تُسافر إلى العاصمة السورية وتتزوّج فيها، لكن فلسطين تظلّ حاضرةً في ذاكرتها وذاكرة أبنائها وأحفادها. تمزج الرواية بين التاريخ الجماعي والقصص الشخصية في حارات وأزقّة المدينة السورية العتيقة التي تُحوّلها العامري إلى شخصية من لحم ودم. قبل أيّام، صدرت النسخة العربية من الرواية عن "منشورات المتوسّط" في روما، بترجمة أنجزها الكاتب السوري المقيم في إسطنبول عماد الأحمد، على أن تصدر لاحقاً ضمن سلسلة "الأدب أقوى" التي تتضمّن طبعاتٍ فلسطينية لعددٍ من إصدارات "المتوسّط". ويُنتظَر أن يجري إطلاق الرواية في جلسةٍ تستضيفها "مؤسّسة عبد الحميد القطّان" في رام الله مساء بعد غدٍ الخميس، بحضور المؤلّفة. يُذكَر أن سعاد العامري تُقيم في الضفّة الغربية منذ 1981؛ حيثُ تعمل أستاذةً في العمارة بجامعة بيرزيت في رام الله. حازت دكتوراه في الهندسة المعمارية التي درستها في "الجامعة الأميركية" ببيروت، وجامعتَي أدنبرة وميشيغان، وأسّست عام 1991 مركز "رواق" الذي يُعنى بإعادة تأهيل وحماية التراث المعماري الفلسطيني. من مؤلّفاتها في مجال العمارة: "عمارة قرى كراسي"، و"البلاط التقليدي في فلسطين" بالاشتراك مع لينا صبح، و"العمارة الفلاحية في فلسطين: الفضاء والقرابة والنوع الاجتماعي". ]]> لم تأت الكاتبة والمعمارية الفلسطينية سعاد العامري (1951) إلى حقل الكتابة الروائية إلّا في مرحلةٍ متأخّرة من حياتها، حين نشرت روايتها الأولى "شارون وحماتي: يوميات الحرب في رام الله" (2003). تُرجمت الرواية، التي كتبتها خلال حصار قوّات الاحتلال الإسرائيلي مدينة رام الله سنة 2002، إلى قرابة عشرين لغةً، وحازت عدّة جوائز أدبيّة، لتجعل من مؤلّفتها واحدةً من أبرز الروائيات العربيات اللواتي يكتب عنهنّ بالإنكليزية اليوم. تتالت إصداراتها الروائية في ما بعد؛ ومن بينها "غولدا نامت هنا" (2013)، والتي تتتبّع فيها أثر أفرادٍ من عائلات فلسطينية داخل بلدهم المحتلّ وفي بلدان الشتات. ومن خلال حكاياتٍ أشخاص عاديّين في خلفية تحضر فيها مشاهد من فنّ العمارة الفلسطينية، تسخر العامري من محاولات الاحتلال محوَ الهوية الفلسطينية في القدس الغربية. وفي "مراد مراد: لا شيء تخسره إلّا حياتك" (2016)، اقتربت العامري من الحياة الإنسانية والاجتماعية لعمّال فلسطينيين يُغامرون للحصول على فرص عملٍ في المناطق المحتلّة، من خلال حكاياتٍ ترويها استناداً إلى تجربة شخصية قادتها إلى التنكُّر في زي رجلٍ وعبور الحدود "الإسرائيلية"، بشكل "غير قانوني" مع مجموعة من العمّال الفلسطينيّين. آخر رواياتها تحمل عنوان "دمشقيَ" (my damascus)، وقد صدرت بالإنكليزية عن "دار نساء بلا حدود" سنة 2016. في هذا العمل، تسرد الكاتبة، التي وُلدت في مدينة يافا لأب فلسطيني وأمّ سورية، مصائر ثلاثة أجيال من عائلةٍ في مدينة دمشق، من خلال قصّة شابّة فلسطينية تُدعى بسيمة تُسافر إلى العاصمة السورية وتتزوّج فيها، لكن فلسطين تظلّ حاضرةً في ذاكرتها وذاكرة أبنائها وأحفادها. تمزج الرواية بين التاريخ الجماعي والقصص الشخصية في حارات وأزقّة المدينة السورية العتيقة التي تُحوّلها العامري إلى شخصية من لحم ودم. قبل أيّام، صدرت النسخة العربية من الرواية عن "منشورات المتوسّط" في روما، بترجمة أنجزها الكاتب السوري المقيم في إسطنبول عماد الأحمد، على أن تصدر لاحقاً ضمن سلسلة "الأدب أقوى" التي تتضمّن طبعاتٍ فلسطينية لعددٍ من إصدارات "المتوسّط". ويُنتظَر أن يجري إطلاق الرواية في جلسةٍ تستضيفها "مؤسّسة عبد الحميد القطّان" في رام الله مساء بعد غدٍ الخميس، بحضور المؤلّفة. يُذكَر أن سعاد العامري تُقيم في الضفّة الغربية منذ 1981؛ حيثُ تعمل أستاذةً في العمارة بجامعة بيرزيت في رام الله. حازت دكتوراه في الهندسة المعمارية التي درستها في "الجامعة الأميركية" ببيروت، وجامعتَي أدنبرة وميشيغان، وأسّست عام 1991 مركز "رواق" الذي يُعنى بإعادة تأهيل وحماية التراث المعماري الفلسطيني. من مؤلّفاتها في مجال العمارة: "عمارة قرى كراسي"، و"البلاط التقليدي في فلسطين" بالاشتراك مع لينا صبح، و"العمارة الفلاحية في فلسطين: الفضاء والقرابة والنوع الاجتماعي". ]]> 124615 كذبوا عليكم حين أخبروكم ان اسمهم هو ” الهنود الحمر ” http://www.souriyati.com/2019/07/09/124574.html Tue, 09 Jul 2019 10:32:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/07/09/124574.html كذبوا عليكم حين قالوا لكم كريستوف كلومبوس اكتشف قارة جديدة ؛كريستوف كولومبوس كان مجرما .. كذبوا عليكم حين أخبروكم ان اسمهم هو " الهنود الحمر '' وكذبت عليكم هوليوود حين صورتهم لكم وحوشا يأكلون لحم البشر واقليات يقومون باغتصاب الأطفال وذبح النساء وتقديمهن كقرابين ... لم يكونوا اقليات .. ولم يكونوا مجرمين ؛ كانوا شعبا عظيما وحضارة عريقة ضاربة في العمق ؛ كانوا ملايين البشر ويمثلون قرابة ثلث سكان الأرض في ذلك الوقت ؛ كانوا أمة مسالمة تعيش على الصيد وتربية المواشي ولم يكن أبدا من طبعم العدوانية والإعتداء رغم الغزو والحروب التي كانت بينهم لم يكونوا أبدا سببا في تعاسة اي شعب من شعوب الأرض ؛ كانوا يعيشون في جنة بعيدا عن الحروب والتناحر الاوروبي والمجاعات وبعيدا عن القذارة والسياسة وكل شيء .. حتى جاءهم الأوروبيون .. لذالك حين تسمع موسيقاهم اليوم تشعر انها حزن وانين ؛ لأنهم تعرضوا لأشنع إبادة في التاريخ ،، إبادة لم يتحدث عنها أحد ؛ ولك ان تتصور كيف اختفت حضارة أزيد من مئة مليون إنسان وكيف اختفى أكثر من مئة شعب مختلف في طرفة عين وتم اجهاظهم من كتب التاريخ ؛ مزقهم الإنسان الجاهل بقتلهم .. ومزقهم أكثر الانسان المثقف حين كذب على التاريخ ودون القصة بالإتجاه المعاكس ... المجازر الأكبر في تاريخ الإنسانية ! اجل لقد قتلوهم بدون رحمة ولم يفرقوا بين الصغير والكبير والطفل الرضيع,, كانت حرب إبادة شاملة الهدف منها اقتلاع أمة كاملة من جذور التاريخ ؛ ونحن الحمقى الذين نتصور الهنود الحمر على أنهم شعب همجي فوضوي ولا نعرف الأمور على حقيقتها.. الإعلام قلب كل الموازين هناك وصور المجرم ضحية والضحية مجرم والنتيجة كانت قتل مئات الملايين من البشر دون أن يسمع بهم أحد ،، حين هربوا إلى قمم الجبال واعتصموا بها طلبا للرحمة من نيران الأوروبيين وبنادقهم ومدافعهم وطلبوا أن تتم معاملتهم بقليل من الإنسانية عقد الأوروبيون الصلح معهم وأرسلوا لهم الأغطية والأفرشة والأدوية في بادرة للصلح تقبلها الهنود الحمر بصدر رحب لأنهم شعب بدائي بسيط ابله لشدة بساطته... ولم يكونوا يعلمون أن تلك الأغطية كانت محملة بالجراثيم والأمراض القاتلة ففتك بهم الطاعون والأمراض والأوبئة وقضى عليهم ،، حتى تعفن هواء القارة الأمريكية من رائحة الجثث !! لقد كانت حربا لإبادة إنسانية برمتها .. واقتلاع حضارة كاملة وإذابتها في ذاكرة التاريخ,, بهذه الخطوة بنت أمريكا حظارتها ! العاهرة التي تتحدث اليوم عن السلام والديمقراطية تريد أن تجعلنا ننسى افعالها وانها أصلا قامت بطرق غير إنسانية ! 🐕💔 الأدب السياسي الساخر]]> كذبوا عليكم حين قالوا لكم كريستوف كلومبوس اكتشف قارة جديدة ؛كريستوف كولومبوس كان مجرما .. كذبوا عليكم حين أخبروكم ان اسمهم هو " الهنود الحمر '' وكذبت عليكم هوليوود حين صورتهم لكم وحوشا يأكلون لحم البشر واقليات يقومون باغتصاب الأطفال وذبح النساء وتقديمهن كقرابين ... لم يكونوا اقليات .. ولم يكونوا مجرمين ؛ كانوا شعبا عظيما وحضارة عريقة ضاربة في العمق ؛ كانوا ملايين البشر ويمثلون قرابة ثلث سكان الأرض في ذلك الوقت ؛ كانوا أمة مسالمة تعيش على الصيد وتربية المواشي ولم يكن أبدا من طبعم العدوانية والإعتداء رغم الغزو والحروب التي كانت بينهم لم يكونوا أبدا سببا في تعاسة اي شعب من شعوب الأرض ؛ كانوا يعيشون في جنة بعيدا عن الحروب والتناحر الاوروبي والمجاعات وبعيدا عن القذارة والسياسة وكل شيء .. حتى جاءهم الأوروبيون .. لذالك حين تسمع موسيقاهم اليوم تشعر انها حزن وانين ؛ لأنهم تعرضوا لأشنع إبادة في التاريخ ،، إبادة لم يتحدث عنها أحد ؛ ولك ان تتصور كيف اختفت حضارة أزيد من مئة مليون إنسان وكيف اختفى أكثر من مئة شعب مختلف في طرفة عين وتم اجهاظهم من كتب التاريخ ؛ مزقهم الإنسان الجاهل بقتلهم .. ومزقهم أكثر الانسان المثقف حين كذب على التاريخ ودون القصة بالإتجاه المعاكس ... المجازر الأكبر في تاريخ الإنسانية ! اجل لقد قتلوهم بدون رحمة ولم يفرقوا بين الصغير والكبير والطفل الرضيع,, كانت حرب إبادة شاملة الهدف منها اقتلاع أمة كاملة من جذور التاريخ ؛ ونحن الحمقى الذين نتصور الهنود الحمر على أنهم شعب همجي فوضوي ولا نعرف الأمور على حقيقتها.. الإعلام قلب كل الموازين هناك وصور المجرم ضحية والضحية مجرم والنتيجة كانت قتل مئات الملايين من البشر دون أن يسمع بهم أحد ،، حين هربوا إلى قمم الجبال واعتصموا بها طلبا للرحمة من نيران الأوروبيين وبنادقهم ومدافعهم وطلبوا أن تتم معاملتهم بقليل من الإنسانية عقد الأوروبيون الصلح معهم وأرسلوا لهم الأغطية والأفرشة والأدوية في بادرة للصلح تقبلها الهنود الحمر بصدر رحب لأنهم شعب بدائي بسيط ابله لشدة بساطته... ولم يكونوا يعلمون أن تلك الأغطية كانت محملة بالجراثيم والأمراض القاتلة ففتك بهم الطاعون والأمراض والأوبئة وقضى عليهم ،، حتى تعفن هواء القارة الأمريكية من رائحة الجثث !! لقد كانت حربا لإبادة إنسانية برمتها .. واقتلاع حضارة كاملة وإذابتها في ذاكرة التاريخ,, بهذه الخطوة بنت أمريكا حظارتها ! العاهرة التي تتحدث اليوم عن السلام والديمقراطية تريد أن تجعلنا ننسى افعالها وانها أصلا قامت بطرق غير إنسانية ! 🐕💔 الأدب السياسي الساخر]]> 124574 شبيحة المجرم بشار يعارضون زيارة كارول سماحة الى دمشق : لمعرفة السبب افتح الرابط http://www.souriyati.com/2019/06/26/124361.html Wed, 26 Jun 2019 11:45:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/06/26/124361.html لا يمكن وصف الحملة التي تعرضت لها المغنية اللبنانية كارول سماحة من طرف موالين للنظام السوري، بأنها عنصرية، أو ردّ من سوريين معتزين بوطنيتهم في وجه عنصرية مضادة يتعرض لها سوريون آخرون في لبنان، بل هي تجلٍّ جديد لشعور متضخم بالنصر من طرف الموالين للنظام السوري، الذين باتوا يزايدون على خطاب النظام الدبلوماسي والإعلامي، بعد سنوات من الضخ الرسمي في هذا الإطار. وشن موالون للنظام السوري هجوماً غاضباً ضد سماحة، معبّرين عن رفضهم استقبالها في دمشق لإحياء حفلة في قلعة دمشق، الشهر المقبل، بعد أيام من حفلة أحيتها المغنية نوال الزغبي، لم تشهد هذا الكمّ من الاستقطاب السياسي، وذلك رغم رفض الزغبي في مؤتمرها الصحافي الإدلاء بأي تصريح، لصالح النظام أو ضده، كما لم تعاني الزغبي من تبعات غنائها أغنية "جنة جنة جنة" التي وإن كانت تصنف كأغنية من التراث العراقي، إلا أنها ارتبطت في ذهن السوريين بالثورة السورية، بعدما غناها المعارض البارز عبد الباسط الساروت الذي فارق الحياة في وقت سابق من الشهر الجاري. ولا يعود غضب موالي النظام على سماحة إلى جنسيتها اللبنانية، مثلما يقتضي التعريف العنصري هنا، بل يرجع إلى تغريدة قديمة من العام 2016، للصحافي اللبناني ربيع فران، تعاطف فيها مع أطفال حلب، خلال الحملة العسكرية الهمجية للنظام وحلفائه حينها على أحياء المدينة الشرقية، والتي شكلت ربما ذروة العنف الذي مارسه النظام في البلاد. وكان ذنب سماحة أنها أعادت تغريد تلك التغريدة لا أكثر. وشاركت في الحملة الغاضبة أسماء معروفة بتشبيحها مثل الممثل والمخرج عارف الطويل على سبيل المثال. إثر ذلك، أصدرت سماحة، بياناً توضيحياً عبر صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، تبرأت فيه من أي موقف سياسي، وقالت: "أرفض أن ينسب لي أو ينسبني أحد أو يلصق بي موقفاً سياسياً ليس صادراً عني شخصياً، سابقاً أو حتى الآن، طوال مسيرتي الفنية لم أعبّر يوماً عن رأيي السياسي على أي منصة اعلامية حتى لا أوضع في إطار اصطفافات سياسية في زمن انقساماتها، طالما أن مواقفي وأغنياتي تعبّر عن توجهي الفني والإنساني". وتابعت: "يبدو أن هناك من يتولى التحريض ضد حفلتي في دمشق في 13 يوليو ضمن مهرجان فني وثقافي يهدف لإظهار البُعد الحضاري والثقافي لسورية.. وحتى هذا التاريخ أستعد للقاء جمهوري الغالي في سوريا الحبيبة بحماسة شديدة وأنتظر موعد اللقاء بشوق كبير.. مع خالص حبي للشعب السوري". والحال أن بيان سماحة هذا لا يخلو من مغالطات، إذ شاركت عبر صفحاتها الاجتماعية في السابق، منشورات عديدة، حيّت فيها الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، وقالت عنه العام 2015: "قادة مثله، لا نراهم سوى مرة كل 200 عام". وكتبت العام 2013: "بعد منع تسليح الجيش اللبناني والقضاء على الجيش العراقي والسيطرة على تونس وليبيا، لم يبق سوى الجيش السوري والمصري، الخطة واضحة ليتكم تفهمون". هذه المواقف من سماحة، ليست إنسانية بالتأكيد بل هي مواقف سياسية، وتفتح الباب على التساؤل عن معنى الموقف "الإنساني" بعد الربيع العربي، الذي أظهر بوضوح مدى الانقسام بين المدنيين في عدد من الدول العربية، وأنظمتهم الحاكمة التي ترتكب جرائم ضد الإنسانية. وبالتالي يقتضي الموقف الإنساني الذي يتشدق به فنانون كثر، لتبرير مشاركتهم في أنشطة فنية وثقافية تشرف عليها أجهزة رسمية، مثل الحفلات الفنية في سوريا التي تمولها وزارة الثقافة أو وزارة السياحة في حكومة النظام، أن يقفوا إلى جانب الشعوب التي تعاني من الاضطهاد، وليس العكس كما يحصل اليوم. بالطبع، لا مشكلة ربما في أن يلاحق الفنانون، سماحة أو غيرها، "رزقهم" بتركيزهم على جانب "البزنس" من نشاطهم الفني، ولن ينزعج أحد من المعجبين إن كان النجوم صريحين في حديثهم عن تلك النقطة، لأنها تبقى مهما كانت براغماتية، أفضل من النفاق الذي يمارس في التصريحات الباهتة حول الإنسانية والخلافات السياسية والأمن والأمان، لأن النفاق في النهاية لا يجلب لصاحبه سوى الاحتقار العام من كافة الأطراف. هذا الاحتقار الذي عبّر عنه موالو النظام السوري، ضد سماحة، يعود إلى فائض القوة المعنوية التي يشعرون بها في خطاب النظام الإعلامي والدبلوماسي الذي يروج لـ"النصر العسكري"، ويعني ذلك أن موقف النظام المتقبّل للأصوات التي لم تتكلم ضده بسوء طوال سنوات الثورة السورية، ليس موجوداً إزاء الأصوات التي صنعها بنفسه خلال الفترة نفسها، والتي باتت تبالغ في إظهار ولائها لرموز وقامات "الدولة السورية"، في مختلف المجالات، من رفض فناني النظام عودة الفنانين الرماديين والمعارضين لحضن الوطن، ومن بينهم عابد فهد، وصولاً لإظهار موقف متشنج من الفنانين العرب "الرماديين" كسماحة، بحجة وجود أصوات وطنية "وقفت إلى جانب الدولة السورية بشكل مشرف". هذا الخطاب المتشنج يرتبط بتغير سياسي وأمني، فمن جهة يحاول النظام الانفتاح على الأصوات التي لا تعتبر مسيئة له، لترويج فكرة الحياة الطبيعية التي ترتبط بدورها بمشاريع إعادة الإعمار في مرحلة لاحقة. ومن جهة أخرى، باتت الظروف الأمنية تسمح بتوجه تلك الأصوات إلى سوريا للعمل، لكن الخاسرين في هذه المعادلة هم الأصوات التي دعمت النظام طوال سنوات الحرب في البلاد من الداخل السوري، وتأملت في أن ترتفع مكانتها كمكافأة على ذلك الموقف "الوطني"، وهو ما لم يحصل، لأن غالبية تلك الأسماء، مغمورة، ولا تشكل إضافة للنظام في هذا التوقيت. ويدل على ذلك، أن الهجمة على سماحة لم تصدر عن نقيب الفنانين زهير رمضان، الصوت الرسمي، مثلما هو المعتاد، إذ كانت نقابة الفنانين هي الجهة التي تولت معركة تصفية الحسابات مع فناني البلاد، والتي تولت أيضاً مهمة تصنيف درجات الولاء والمعارضة لدى الفنانين السوريين والعرب، ولم يكن ذلك موقفاً شخصياً من رمضان، لأنه ناطق رسمي باسم النظام وجزء منه، ولا يستطيع أن يذهب بعيداً في ولائه، مهما كان تشبيحياً، من غير غطاء سياسي له. موقف النقابة الانفتاحي تجاه سماحة يتجلى في موقفها المنفتح المشابه تجاه نجمة عربية أخرى هي الممثلة والمغنية سيرين عبد النور. ففي العام 2017 تم منعها من دخول سوريا، مؤقتاً، من طرف رمضان نفسه، رغم أن الزيارة حينها كانت بقصد تصوير مسلسل "قناديل العشاق"، لكن النقابة ترحب اليوم بعبد النور التي تستعد لإحياء حفلة في مدينة اللاذقية الساحلية قريباً، من دون أن تعتذر عن زيارتها للاجئين السوريين في الأردن، وهو الشرط الذي وضعه رمضان أمام مسامحة عبد النور، وغيرها، على "غلطهم بحق سوريا". وسط ذلك، لا يمكن الاكتفاء بتبسيط ما حدث مع سماحة واختصاره في كلمة "العنصرية". فما تشهده سوريا، إعلامياً وفنياً، بموازاة المتغيرات السياسية والأزمات المالية، وضغوط البيئة الموالية للنظام عليه، أكبر من اختصارها في تأويلات ساذجة، خصوصاً إن كانت تلك التأويلات مرتبطة بسردية أوسع، في الإعلام الرسمي والحليف، تسعى لتلميع سياسة النظام الانفتاحية على محيطه الأوسع، لا أكثر.]]> لا يمكن وصف الحملة التي تعرضت لها المغنية اللبنانية كارول سماحة من طرف موالين للنظام السوري، بأنها عنصرية، أو ردّ من سوريين معتزين بوطنيتهم في وجه عنصرية مضادة يتعرض لها سوريون آخرون في لبنان، بل هي تجلٍّ جديد لشعور متضخم بالنصر من طرف الموالين للنظام السوري، الذين باتوا يزايدون على خطاب النظام الدبلوماسي والإعلامي، بعد سنوات من الضخ الرسمي في هذا الإطار. وشن موالون للنظام السوري هجوماً غاضباً ضد سماحة، معبّرين عن رفضهم استقبالها في دمشق لإحياء حفلة في قلعة دمشق، الشهر المقبل، بعد أيام من حفلة أحيتها المغنية نوال الزغبي، لم تشهد هذا الكمّ من الاستقطاب السياسي، وذلك رغم رفض الزغبي في مؤتمرها الصحافي الإدلاء بأي تصريح، لصالح النظام أو ضده، كما لم تعاني الزغبي من تبعات غنائها أغنية "جنة جنة جنة" التي وإن كانت تصنف كأغنية من التراث العراقي، إلا أنها ارتبطت في ذهن السوريين بالثورة السورية، بعدما غناها المعارض البارز عبد الباسط الساروت الذي فارق الحياة في وقت سابق من الشهر الجاري. ولا يعود غضب موالي النظام على سماحة إلى جنسيتها اللبنانية، مثلما يقتضي التعريف العنصري هنا، بل يرجع إلى تغريدة قديمة من العام 2016، للصحافي اللبناني ربيع فران، تعاطف فيها مع أطفال حلب، خلال الحملة العسكرية الهمجية للنظام وحلفائه حينها على أحياء المدينة الشرقية، والتي شكلت ربما ذروة العنف الذي مارسه النظام في البلاد. وكان ذنب سماحة أنها أعادت تغريد تلك التغريدة لا أكثر. وشاركت في الحملة الغاضبة أسماء معروفة بتشبيحها مثل الممثل والمخرج عارف الطويل على سبيل المثال. إثر ذلك، أصدرت سماحة، بياناً توضيحياً عبر صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، تبرأت فيه من أي موقف سياسي، وقالت: "أرفض أن ينسب لي أو ينسبني أحد أو يلصق بي موقفاً سياسياً ليس صادراً عني شخصياً، سابقاً أو حتى الآن، طوال مسيرتي الفنية لم أعبّر يوماً عن رأيي السياسي على أي منصة اعلامية حتى لا أوضع في إطار اصطفافات سياسية في زمن انقساماتها، طالما أن مواقفي وأغنياتي تعبّر عن توجهي الفني والإنساني". وتابعت: "يبدو أن هناك من يتولى التحريض ضد حفلتي في دمشق في 13 يوليو ضمن مهرجان فني وثقافي يهدف لإظهار البُعد الحضاري والثقافي لسورية.. وحتى هذا التاريخ أستعد للقاء جمهوري الغالي في سوريا الحبيبة بحماسة شديدة وأنتظر موعد اللقاء بشوق كبير.. مع خالص حبي للشعب السوري". والحال أن بيان سماحة هذا لا يخلو من مغالطات، إذ شاركت عبر صفحاتها الاجتماعية في السابق، منشورات عديدة، حيّت فيها الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، وقالت عنه العام 2015: "قادة مثله، لا نراهم سوى مرة كل 200 عام". وكتبت العام 2013: "بعد منع تسليح الجيش اللبناني والقضاء على الجيش العراقي والسيطرة على تونس وليبيا، لم يبق سوى الجيش السوري والمصري، الخطة واضحة ليتكم تفهمون". هذه المواقف من سماحة، ليست إنسانية بالتأكيد بل هي مواقف سياسية، وتفتح الباب على التساؤل عن معنى الموقف "الإنساني" بعد الربيع العربي، الذي أظهر بوضوح مدى الانقسام بين المدنيين في عدد من الدول العربية، وأنظمتهم الحاكمة التي ترتكب جرائم ضد الإنسانية. وبالتالي يقتضي الموقف الإنساني الذي يتشدق به فنانون كثر، لتبرير مشاركتهم في أنشطة فنية وثقافية تشرف عليها أجهزة رسمية، مثل الحفلات الفنية في سوريا التي تمولها وزارة الثقافة أو وزارة السياحة في حكومة النظام، أن يقفوا إلى جانب الشعوب التي تعاني من الاضطهاد، وليس العكس كما يحصل اليوم. بالطبع، لا مشكلة ربما في أن يلاحق الفنانون، سماحة أو غيرها، "رزقهم" بتركيزهم على جانب "البزنس" من نشاطهم الفني، ولن ينزعج أحد من المعجبين إن كان النجوم صريحين في حديثهم عن تلك النقطة، لأنها تبقى مهما كانت براغماتية، أفضل من النفاق الذي يمارس في التصريحات الباهتة حول الإنسانية والخلافات السياسية والأمن والأمان، لأن النفاق في النهاية لا يجلب لصاحبه سوى الاحتقار العام من كافة الأطراف. هذا الاحتقار الذي عبّر عنه موالو النظام السوري، ضد سماحة، يعود إلى فائض القوة المعنوية التي يشعرون بها في خطاب النظام الإعلامي والدبلوماسي الذي يروج لـ"النصر العسكري"، ويعني ذلك أن موقف النظام المتقبّل للأصوات التي لم تتكلم ضده بسوء طوال سنوات الثورة السورية، ليس موجوداً إزاء الأصوات التي صنعها بنفسه خلال الفترة نفسها، والتي باتت تبالغ في إظهار ولائها لرموز وقامات "الدولة السورية"، في مختلف المجالات، من رفض فناني النظام عودة الفنانين الرماديين والمعارضين لحضن الوطن، ومن بينهم عابد فهد، وصولاً لإظهار موقف متشنج من الفنانين العرب "الرماديين" كسماحة، بحجة وجود أصوات وطنية "وقفت إلى جانب الدولة السورية بشكل مشرف". هذا الخطاب المتشنج يرتبط بتغير سياسي وأمني، فمن جهة يحاول النظام الانفتاح على الأصوات التي لا تعتبر مسيئة له، لترويج فكرة الحياة الطبيعية التي ترتبط بدورها بمشاريع إعادة الإعمار في مرحلة لاحقة. ومن جهة أخرى، باتت الظروف الأمنية تسمح بتوجه تلك الأصوات إلى سوريا للعمل، لكن الخاسرين في هذه المعادلة هم الأصوات التي دعمت النظام طوال سنوات الحرب في البلاد من الداخل السوري، وتأملت في أن ترتفع مكانتها كمكافأة على ذلك الموقف "الوطني"، وهو ما لم يحصل، لأن غالبية تلك الأسماء، مغمورة، ولا تشكل إضافة للنظام في هذا التوقيت. ويدل على ذلك، أن الهجمة على سماحة لم تصدر عن نقيب الفنانين زهير رمضان، الصوت الرسمي، مثلما هو المعتاد، إذ كانت نقابة الفنانين هي الجهة التي تولت معركة تصفية الحسابات مع فناني البلاد، والتي تولت أيضاً مهمة تصنيف درجات الولاء والمعارضة لدى الفنانين السوريين والعرب، ولم يكن ذلك موقفاً شخصياً من رمضان، لأنه ناطق رسمي باسم النظام وجزء منه، ولا يستطيع أن يذهب بعيداً في ولائه، مهما كان تشبيحياً، من غير غطاء سياسي له. موقف النقابة الانفتاحي تجاه سماحة يتجلى في موقفها المنفتح المشابه تجاه نجمة عربية أخرى هي الممثلة والمغنية سيرين عبد النور. ففي العام 2017 تم منعها من دخول سوريا، مؤقتاً، من طرف رمضان نفسه، رغم أن الزيارة حينها كانت بقصد تصوير مسلسل "قناديل العشاق"، لكن النقابة ترحب اليوم بعبد النور التي تستعد لإحياء حفلة في مدينة اللاذقية الساحلية قريباً، من دون أن تعتذر عن زيارتها للاجئين السوريين في الأردن، وهو الشرط الذي وضعه رمضان أمام مسامحة عبد النور، وغيرها، على "غلطهم بحق سوريا". وسط ذلك، لا يمكن الاكتفاء بتبسيط ما حدث مع سماحة واختصاره في كلمة "العنصرية". فما تشهده سوريا، إعلامياً وفنياً، بموازاة المتغيرات السياسية والأزمات المالية، وضغوط البيئة الموالية للنظام عليه، أكبر من اختصارها في تأويلات ساذجة، خصوصاً إن كانت تلك التأويلات مرتبطة بسردية أوسع، في الإعلام الرسمي والحليف، تسعى لتلميع سياسة النظام الانفتاحية على محيطه الأوسع، لا أكثر.]]> 124361 فواد الكنجي: مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان http://www.souriyati.com/2019/06/25/124284.html Tue, 25 Jun 2019 09:31:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/06/25/124284.html مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان فواد الكنجي المدخل الإعمال الإبداعية لـ(جورج برنارد شو 1856 – 1950) هي التي فرضت نفسها وحضورها في المسرح العالمي بما تركته من تأثيرات كبيرة على الثقافة الإنسانية؛ لان يقيننا بان لا إبداع يتحقق إلا وفق آلية معقدة من البناء الثقافي والمعرفي وإمكانية (المبدع) في تشكيلها؛ حيث يقوم بتنظيم آلياتها لتعبير عنها في أعمال أدبية وفنية هادفة، فـ(المبدع) الحقيقي هو الذي يمتلك عمقا معرفيا وإدراكا واطلاعا على المنجزات الثقافية لمختلف شعوب الأرض أكانت تراثية أو حديثة أو معاصرة؛ ليستفاد منها لتكوين خزينته المعرفية والثقافية والتي تؤهله لتعبير عن موضوعات تلامس واقع المجتمعات التي يعيش فيها من اجل توعية الإنسان وإشراقه بثقافة وأفكار و بقيم إنسانية راقية تنير عقليته وسلوكه في المجتمع، لان في مجمل الأعمال الفكر من الأدب.. والفن.. والحضارة الإنسانية.. هي سلسلة متواصلة غير منقطعة من تراكمات فكرية تطرح لخدمة الإنسانية ورفدها بكل ما يعزز قدرات الإنسان في الرقي والازدهار والتحضر والتي تتكون وتتواصل نموها عبر مراحل التاريخ . ومن هنا فان التجربة الإبداعية التي تم توظيفها من قبل (برنارد شو) تم عبر مخزونه الثقافي ومن خلال خصوصيته وما استوحاه من موضوعات محلية وتراثية وعالمية؛ وعلى ضوء ذلك تم توظيف أدواته لإيجاد طقوس وعلاقات ضمن محيطه لهدف التغير وتوعية الإنسان ولتحسين سلوكه وتصرفاته اليومية ؛ لتفرض حضورها؛ ومن ثم تؤسس لها هوية خاصة في مجال الإبداع تمتلك القدرة على استقطب وإثارة الإعجاب ولفت الأنظار، وكل ذلك لا يتم للمبدع - أي كان ومنهم (برنارد شو) - ما لم يتم استجابة لتجارب تراثية وتاريخية وواقعية واجتماعية وتفاعله مع الحداثة لتنطلق من خصوصية المبدع وانتمائه لمحيطه الجغرافي؛ ليكون ما يقدمه (المبدع) ذو خصوصية لظروف البيئية ولها سمات اجتماعية هادفة بعيدا عن التقليد ومحاكاة الآخرين، فكلما كان المبدع قادرا على خلق خصوصية التميز كلما تقدم خطوة لتأسيس عملا إبداعيا هادفا ومؤهلا ليوازي تجارب الفنية العالمية . فـ(برنارد شو) ما كان يصل بفنه وإبداعه إلى العالمية إلا من خلال قدرته على استلهام محيطه المحلي الذي عاش فيه وقد أثار إحساسه، وهو كإنسان جمع بين تراكمات معاناته وما ذاقه من مرارة الحياة وقسوتها وهذه المعاناة هي التي صنعت مفرداته . فـ(برنارد شو) هو الإنسان جمع بين تراكمات المعاناة ليصنع منها مفردات لغته بوعي وإحساس تخاطب الأفئدة، ونحن نعلم بان (الكتابة) ما هي إلا أداة لتخفيف معاناة ألروح واغترابها من واقع المعاش فرض على المبدع فرضا؛ وهكذا جهد (برنارد شو) ومن خلال إمكانياته في استنطاق كل مفردات التاريخ والموروث والحياة الاجتماعية المحلية؛ فحقق نجاحه محليا ليتجه بعد ذلك في تكريس إبداعه عالميا، بعد إن أخذت إبداعاته وأعماله المسرحية تترجم وتسافر إلى مختلف مدن العالم وتلاقي نجاحا باهرا؛ بكونها كانت تحمل تجديدا وأسلوبا مغايرا عما كان سائدا؛ كونه طعم مسرحه بنكهة طقوس من (السخرية) الهادفة بطابعها المحلي والتراثي ويرسل إشارات زمانية ومكانية ضمنا و وفق خصوصية ودلالات لغوية معبرة عن واقع المجتمع من اجل التغير ومن اجل أهداف إنسانية نبيلة، مما استقطبت أعماله المسرحية اهتمام كل شعوب الأرض بما أثار فيهم متعة التأمل وفضول المعرفة، وهذا ما قاد اكبر رؤساء العالم مقابلته من (ستالين) و(تشرشل) وملوك وأمراء آخرين . حياته وإبداعه فـ(جورج برنارد شو 1856 -1950) كاتب مسرحي اعتبر رمزا للأدب الساخر الهادف؛ ومن أهم كتاب المسرح الاجتماعي؛ ولد في (دبلن – أيرلندي) وفي صباه غادر إلى (لندن - بريطانيا) وعاش فيها حتى وفاته، ورغم انه ترك الدراسة منذ الصغر ولكنه اصقل موهبته بكثرة المطالعة وقراءة لكتب الفلسفة والأدب واطلاعه على شتى أنواع الفنون وإبداعات الكتاب، ولكونه كان شديد تأثير بوالده، إذ كان منذ الصغر يرافقه في الذهاب إلى العمل؛ وقد عرف عن ولده بكونه شخص عنيد وسكير و ذو نكتة خفيفة، فورث هذا الطفل الشيء الكثير من خفة الدم والده وسخريته؛ والتي شكلت هذه الميزة - فيما بعد - الإطار العام لإنتاجه الفكري، لنستشف من ذلك حجم تأثير البيئة على سلوك (برنارد شو) منذ نعومة أظافره والتي تعد إحدى الأسباب لإبداعه الأدبي؛ وكما تأثرت علاقة البيئة الحاضنة له بعد انفصال والديه على سلوكه؛ مما اضطر الاعتماد على نفسه في كسب الرزق؛ رغم كونه رافق والده العمل منذ الصغر، ليكتسب (برنارد شو) خلال هذه الفترة الكثير من تجارب الحياة، فقد أمعن في تتبع ومراقبة حياة الفقراء بشكل مباشر؛ مما اتخذ من تلك الصور مشاهد حقيقية لتكوين أفكار لرواياته وقصصه ومسرحياته، فقد تعاطف مع معاناتهم مما جعله من اشد مناصرين ومدافعين عن حقوقهم، ومما عمق هذا الاتجاه في تفكيره و ولوعته بالقراءة ومتابعة الأفكار التقدمية الاشتراكية بشكل ملفت؛ فكان كثير التردد إلى دور الكتب والمكتبات العامة ليقرأ وليثقف نفسه بالعلم والمعرفة، رغم انه ترك دراسته ولم يتواصل التعليم المدرس بكونه اعتقد بان نظام التعليم في المدارس الحكومية تفرض عليه التلقين الإجباري، فاعتبر ذلك شيء من التقيد لحريته واعتبره سجن لا يطيقه، فرفض فكرة التعليم من اجل التحصيل الدراسي؛ فترك دراسته لأنه لم يجد فيها ما يبغي في توسيع معرفته بالتأمل والبحث والتفكير الحر والمطالعة، فشغف بفكرة التعليم من اجل العلم والمعرفة وتوسيع مدارك الإنسان لا من اجل الحصول على شهادات مدرسية، وهكذا اخذ يوسع مدركاته الفكرية بمزيد من المطالعة والقراءة والتأمل في الفكر الإنساني وفي علوم الأدب و الفلسفة متأثرا بالأفكار التي تتضمنها هذه الكتب ودلالاتها الخيالية والجمالية ولغتها العلمية، وكان تركيزه يتجه نحو الكتب الاشتراكية وكتابات (ماركس) و(انجلز)، فاخذ يتعمق في مناهجها من اجل وصول إلى براهين ونتائج كي يتيقن على ما يذهب إليه، ومن تلك المعطيات اخذ (برنارد شو) يفحص تجارب الحياة وظواهرها ليعتمد على تجسيدها عبر الرؤية وحدس وخيال وكأدوات فكرية وفلسفية يأخذ منها أسلوبا واتجاها أدبي ليتنفس فيها عبر كتابة مسرحيات هادفة يكتب فيها عما يكابده وبلغة تعبيرية جمالية صيغت بطابعها الفلسفي؛ فتناول شتى مواقف الحياة؛ فاتت مسرحياته برؤية فلسفية، لان (برنارد شو) تيقن بان لا يمكن لأي معنى إن يصل إلى هدفه ما لم نعيش تجربة ذاتها؛ فأنت لا تعرف معنى (الحب) ما لم تعش تجربته؛ وهكذا مع كل تجارب الحياة، ومن خلال هذه التجربة تستطيع حين ذاك إن تفلسف في ذلك الاتجاه لتصل إلى مستوى الدهشة التي هي تعطي للعمل الأدبي والفني قيمته الجمالية . ومن هنا فان مخيلة (برنارد شو) خضعت لتجارب وتواصل يومي مع قضايا المجتمع، تلك القضايا التي أمعن فيها (برنارد شو) تفكيره لإبداع مفاهيم تواكب المعرفة على كل مستويات الإفراد في المجتمع؛ وليس حكرا لفئة مثقفة فحسب، لان في نظره أي عمل لا يقوم على الحقائق ولا يلامس واقع المجتمع ستكون صورته مظللة، ومن هنا لابد لأي عمل مسرحي جاد؛ يصل إلى مبتغاة في التعليم والتوعية؛ لا بد أن يكون ذلك العمل مترجما لحقيقة واقع الحياة التي نعيشها لكي يتم استيعابها بشكل معرفي نحصن أنفسنا من المنزلقات؛ وعلينا إن نكتشف ونكشف متناقضات الحياة ونأخذ منها معالجات وبشتى تأويلات وإيحاءات ودلالات بكون ذلك هو الذي يحرك الفكر الإنساني ويبعده عن الجمود؛ ليكون تجديده بتجديد الفكر وبالتعبير صادق لتكون تلك التعبيرات صالحة بمعانيها المتعددة لحياة الإنسانية وبصورة اشمل وأوسع شكلا ومضمونا، وهذا المسار هو مسار الذي اتجه (برنارد شو) وبني تشكيله وخطابه ولغته في مسرحياته والذي حافظ على توازنه المعرفي بأفضل الأحوال، لتتصف نصوصه بكونها (اجتماعية) بامتياز وبارتباطها بأيدلوجية (اشتراكية)، فكان مناصرا ومدافعا عن هذه ألأيدلوجية؛ حيث اعتبر (برنارد شو) أحد مفكري ومؤسسي (الاشتراكية الفابية)، وقد انخرط في العمل السياسي؛ وبدأ نشاطه في مجال الحركة (الاشتراكية)، وقد تأثر بنظرية (التطور) وكان من الملحدين المتسامحين مع الأديان وانضم للجمعية (الفابية) - وهي جمعية (انكليزية) سعى أعضاؤها إلى نشر المبادئ (الاشتراكية) بالوسائل السلمية - إن إيمان (برنارد شو) بالفكر (الاشتراكي)، والتي صار بفضها إعماله تلاقي اهتمام النقاد والجماهير وتستقطب التفاتاتهم بأفضل صورة؛ بكونه نجح في استقطاب الجناح الثقافي والاجتماعي من أفراد المجتمع إلى مسرحياته وقد سلك في إيصال أفكاره (الاشتراكية) ضمن القضايا (الاجتماعية) عبر أسلوب (السخرية) التي تميز (برنارد شو) باتجاه قضايا السياسة.. والعلم.. والدين.. والاجتماع، ليجعل منه أسطورة في عالم المسرح لحجم ما استخدم فيها عبارات (السخرية) و(ضروب ألهجائه) و(الطرفة أو النكتة الخفيفة) لتتداول إلى يومنا هذا؛ فما تخلو مسرحية من مسرحياته ذات الطابع الاجتماعي منها؛ بتناول مشاكل الحب والفلسفة والسياسة وقضايا الاجتماعية بأسلوب شفاف؛ لتكون تلك الأعمال مرآة لهموم المجتمع من جهة ولألمه من جهة أخرى؛ وقدمها بأطروحات لا تخلو من السخرية وإبداعها وبنكهة تلامس هموم الإفراد التي تميز بها نتيجة وعيه في كيفية تكوين عباراتها بما امتلك من معرفة وأدوات متقنة وثقافة عالية، ليكون مسرحه نموذجا للأدب الهادف؛ سعيا لتطوير الفكر والوعي المجتمعي من اجل صناعة عالم أفضل . لقد تمكن (برنارد شو) من خلال وعيه ونظرته العميقة للحياة خلق فلسفة متميزة ومنفردة في إبداعه المسرحي، لتشكل مضامينها المقدمة عالما من المسرح الحديث، لأنه استطاع تغير أسلوب المسرح التقليدي عبر نظرة واقعية؛ تقدم المسرحية من خلال طرح موضوعا فلسفيا ليتم فيها تقديم تحليلات نقدية حول المضمون المقدم؛ كما في مسرحية (بجماليون - سيدتي الجميلة) على سبيل المثال وليس الحصر، فيتم ربط موضوع المسرحية التي يقدمها الكاتب بأفكاره، وهذه إحدى مميزات حداثة المسرح؛ والتي ارتبطت بخصوصية الكاتب (برنارد شو)، فجل ما قدمه من مسرحيات تكون موضوعاتها تعبيرا عن مضامين وتقنيات والبني الشكلية فيها متجهة من خلال فلسفة الكاتب ونظرته باتجاه واقع الحياة الحديثة آنذاك، والتي في مجمل مسرحياته يركز عن موضوع لا يخرج إطارها من فكرة الموضوع ذاته في كيفية (دفع الحياة ) إلى الإمام وفي (قوة الحياة) ليتبنى هذا الموقف من خلال إحدى شخصيات المسرحية التي تجسد هذه المواقف، لتعبر مسرحيته عن نظرة فلسفية بمضمون عميق وذات بعد تربوي وثقافي لتتجه بنية مسرحياته في طرح أسئلة ذات أهمية في محاولة لخلق تصور معين لهذه الحالة أو لتلك، لان في نظر (برنارد شو) بان في طبيعة الإنسان ميول (غريزية) تتجه نحو الحرية والسعادة والاستقلال؛ وهذه الأمور هي من تدفع الإنسان إلى الثورة والتمرد على العادات والتقاليد، وهذه ما يقود (برنارد شو) إلى تعميق التنظير في الموضوع ويفلسفه بشكل مثير، كما نجد ذلك في مسرحية (الإنسان والسوبرمان) و (الإنسان والسلاح) و مسرحية (منزل القلوب المحطمة)، لنجد بان (برنارد شو) يقدم شخصيات متنوعة في عالم المسرح من فلاسفة.. ومخترعين.. ومفكرين.. وفنانين.. ومجددين، من اجل رفع الوعي الإنسان من اجل المعرف والكمال، في وقت الذي يركز عن طبيعة الغرائز الإنسانية والتكامل بين (المرأة) و(الرجل) وتقديم مضامين بهذا الاتجاه لتجاوز فكرة الرجعية الرجل ونظرته المتخلفة باتجاه (المرأة)، من اجل القضاء عن أي تعصب فكري باتجاهها، كما قدمها في (سيدتي الجميلة)، لان في اعتقاد (برنارد شو) أي عناد باتجاه الدوافع الداخلية ونكرانها أو محاولة لتجاوزها ما هو إلا إقرار لنهايتنا، لذ فان أي تعصب لن يجدي، وما على الإنسان إلا الاتجاه نحو (التغير) من اجل قوة الحياة الجميلة ودفعها إلى الإمام، ولهذا عكف (برنارد شو) إلى تعميق طرح الأسئلة كما هو في طبيعة الفلسفة في طرح الأسئلة من اجل الوصول إلى الحقائق، فمسرحيته تتجه بهذا الاتجاه في طرح تساؤلات مهمة في طبيعة الحياة وفي طبيعة الأشياء التي تؤثر على السعادة من منغصات الألم.. والحزن.. والحرمان؛ ومن اجل السعي الناجح إلى إمكانية الإنسان العيش بأفضل الحياة وإبقاء تواصله؛ وهي محاور رئيسية في جل مسرحياته التي يتجاوز عددها على (خمسين) مسرحية التي ما تزال تتربع على المسارح العالمية مثل (بيوت الأرامل - 1892) و (السلاح والإنسان) و(استعداد للزواج) و ( سوء الزواج ) و(القديس يوحنا) و(بيت القلوب المحطمة - 1919) و( الإنسان وسوبرمان- 1905) و( كانديدا - 1897) و( الخطيئة الأولى- 1894) و (سيدتي الجميلة او بيجماليون - 1913) التي نال عنها (برنارد شو) جائزة نوبل عام 1925، و(العابث) و(مهنة السيد وارن) و(لن تستطيع أن تتنبأ) و(تحول الكابتن براس باوند) و(قيصر وكليوباترا - 1901) و(جنيف - 1898) و (الرائد باربرا - 1905) و(ثلاث مسرحيات للمتطهرين) و (القديسة جوان) و(حيرة طبيب - 1906) و(عربة التفاح) و(على الثلج) و (حواري الشيطان - 1897) و(لا أكاد أصدق) و(جزيرة جون بول الأخرى) و(المال ليست له رائحة - 1892) و(المليونيرة - 1934) ومسرحيات أخرى، وجل إعماله المسرحية كتبها (برنارد شو) من اجل زيادة الوعي عند الإنسان ومن اجل فتح بصيرته اتجاه الحياة بما يعمق في ذاته القيم الأخلاقية لإصلاح مسيرة حياته ومن اجل قيم مجتمعية سامية، ولم يسعى (برنارد شو) من خلال كل كتباته سوى إلى هذا الهدف؛ لأنه لم يسعى إلى باعث أخر لأنه كما قال : ((إن بإمكان إن أعيش واحصل على لقمة عيش بدون المسرح)). وكما هو معروف عنه انه عاش حياة كفيفة ولم يسعى إلى الغنى وامتلاك القصور والعمارات؛ وهو الأمر الذي جعله يرفض استلام جائزة (نوبل) للآداب عام 1925 التي منحت له ولكن بعد تفاوضه مع الأكاديمية وافق على قبول الجائزة متبرعا بقيمتها من اجل تشجيع نشر إعمال المؤلفين إلى اللغة الانكليزية من بلاد الشمال أي من وطنه الأصلي (ايرلندا) بعد إن أقنعته زوجته أن استلام الجائزة بمثابة اعتراف بوطنه (أيرلندا)، لان (برنارد شو) كان متعاطفا مع الفقراء والطبقات السحيقة ومنددا بالنظام الرأسمالي الجشع، وقد ظلت مواقفه هذه قائمة حتى وفاته؛ الأمر الذي جعله يرفض زيارة الولايات (الأمريكية) حتى لا يرى تمثال (الحرية) فيها وهي الدولة التي تمتهن الإنسان ويذل فيها، فـ(أمريكا) بنسبة له هي الدولة انتقلت من البدائية إلى الانحلال دون أن تعرف الحضارة وهذه هي سخرية القدر- كما يقول - ولهذا كانت ميوله (الاشتراكية) طاغية في أعمالة وتصرفاته فعلا وقولا، لذلك سخر قلمه وأدبه وفنه المسرحي من اجل مناصرة الطبقات الكادحة وقضايا الإنسانية في كل إعماله المسرحية، وقد جسد هذه المشاعر في مسرحيته (الرائد باربرا) بعد إن أعطى لكتاباته بعدا (اشتراكيا) و بعد إن تحولت حياته إلى كاتب مرموق، بعد أمد ليس بالقصير لم تحضي كتباته أي صدى عند المتلقين، ولكن بتحوله (الاشتراكي) وتسخير قلمه لقضايا الطبقات الكادحة وتميز كتباته بنقد الفكر الإنساني وبالكفاءة عالية وبما طغت عليها بطابع (السخرية اللاذعة) والتي من خلالها عبر عن هموم وتطلعات المجتمع، فلم تخلو إعماله إلا وقد صاغها وسبكها في قالب من (السخرية الخفيفة) تحمل في متنها جرعة من الضحك ولمسة من الفكاهة؛ ولكن بطابع نقدي تربوي وليس بشكل عبثي غير مجدي؛ لان إيمانه كان يتجه بان الفكاهة؛ وهي انعكاس حقيقي لـ(مرآة الواقع)، فكانت كل طرائفه تتمتع بخفة وعفوية صادقة وتأتي بسرعة بديهة؛ وهذه الصفات امتزجت بشكل تام مع طبيعة شخصيته والتي تميزت بقالب خاص ومتميز؛ وقد ورث هذه ميزة في شخصيته من (والده) الذي عرف عنه بأنه كان في إي موقف يمر فيه إلا وكان يطلق تعليق بنكته وسخرية ويجهر بما يفعل؛ كونه كان على الدوام يحتسي الكثير من الخمر الأمر الذي يجعله لا يبالي بأي شيء فكان يجهر برأيه بسرعة خاطر دون مبالاة ويخالف المألوف متمردا على التقاليد السائدة، وكان(برنارد شو ) وهو في سنين الطفولة يرافقه – كما ذكرنا - فتعلم الشيء الكثير من (والده) ولكن في نفس الوقت شكل احتساء الخمر لديه رد فعل خاص بكونه تجنب احتسائها طوال حياته؛ بما طبع في ذهنه من حالة سكر (والده) فابتعد عنها؛ ولكن تعلم من سخرية (والده) وتعليقاته ونكاته العفوية وهو في حالة السكر الشيء الكثير، وقد جندها (برنارد شو) بوعي وحنكة في أدبه المسرحي بعد إن صقل موهبته في الكتابة عبر التثقيف الذاتي، ولهذا حول هذا النمط من (السخرية) إلى وسيلة لتعبير عن مفاهيم وغايات تعليمية تكون سريعة الفهم ومقبولة عند المتلقي؛ لذلك نجح (برنارد شو) في هذا السياق كل النجاح وتميز أدبه بها بشكل كبير، ولان (برنارد شو) تميز بهذا النمط من الطرفة والفكاهة والسخرية فإننا لا بد إن نذكر شي مما قاله في هذا المجال : نماذج من مواقفه وسخرياته يقال بان (برنارد شو) كان في إحدى المناسبات حين أتاه احد الصحفيين وسال (برنارد شو) عن إمكانيته في تعريف الرأسمالية.....؟ و (برنارد شو) كما هو معروف كان نحيفا وشعر رأسه قليل وذو لحية طويلة، فأجاب بسرعة خاطر: ((...الرأسمالية ...(بعد أن مرر يديه على لحيته) : إنها غزارة في الإنتاج، ( وبعدها مرر يديه على رأسه) وسوء في التوزيع...)). و يروى أيضا عن (برنارد شو)، إن الراقصة (ايزادورا) المشهورة في بريطانيا عرضت على (برنارد شو) عرضا مغريا فقالت له: ((...أنا أجمل نساء انكلترا، وأنت يا (برنارد شو) أذكى رجال انكلترا، وأنها لفرصة لو أنجبت منك طفلا، لجمع بين جمالي وذكائك فيكون أعجوبة العصر. فرد (برنارد شو): ارفض العرض....! وقال: لأني أخشى إن يخرج الولد وقد جمع بين عقلك أنت و جسمي أنا ... فيكون مصيبة العصر.... !)) . وأيضا روي عن (برنارد شو)، أن سيدة قالت له: ((لو كنت متزوجة منك لوضعت لك السم في القهوة . فأجابها (برنارد شو) : عزيزتي.. لو كنت زوجك لشربتها)). وسئل (برنارد شو) ذات مرة عن إحدى النساء إن كانت جميلة أم لا.. فقال: ((..دعني أراها عندما تستيقظ من نومها صباحا..........!)) ومن مواقف الطريفة لـ(برنارد شو) أيضا، انه كان ذات مرة يتجول في المكتبات التي تبيع الكتب القديمة، فهو كثيرا ما كان يتردد إليها، فوجد إحدى كتبه بين تلك الكتب وحين رفع ليتصفح كتابه هذا فوجئ بتوقيه في إهداء خاص إلى احد أصدقاءه، وعلى الفور قام (برنارد شو) بشراء هذه النسخة وكتب تحت الإهداء الأول: ((جورج برنارد شو يجدد تحياته إلى من يحترم الكلمة حق الاحترام .....!))، وأرسل النسخة بالبريد المضمون إلى هذا الصديق . ومن مواقفه الطريفة أيضا، حين التقى (ستالين) زعيم (الاتحاد السوفيتي) الذي كان (برنارد شو) من اشد المعجبين ومن المتحمسين ومن المؤيدين لتجربة (السوفيتية)، فجرى بين الشخصين حديث مطول لأكثر من ساعة وعند ختامه قال (ستالين) عن (برنارد شو) انه ((متعب لكنه مخلص وصادق)). فقال (برنارد شو) عن (ستالين) : (( إنني شديد الإعجاب بهذا (الجورجي) الذي كان بإمكانه أن يكون ابن غير شرعي لكاردينال ارستقراطي)). ويقال أن (ستالين) أعجبته هذه الملاحظة وظل طوال سنوات يرويها في مجالسه الخاصة . و يذكر بان (برنا رد شو) حين زار (ستالين) كانت ترافقه زوجته السيدة (أستور)، والتي لم تكن تتعاطف مع التجربة (السوفيتية) ولا مع (ستالين) تحديدا، علما بان (ستالين) كان مسبقا يعلم بهذه المعلومة، ومع هذا وافق بمقابلته لها احتراما لزوجها (برنا د شو) وحين قابلته سألته: ((متى يا سيدي الرئيس ستتوقف عن قتل الناس بنفس الطريقة التي كانت تجري أيام القيصر..))، ويبدو إن (ستالين) كان يتوقع منها هذا السؤال بكونه كان لديه معلومات عن مواقفها حتى قال لها مبتسما: ((حين يتحقق السلام)) . ومن طرائفه أيضا إن (تشترشل – رئيس وزراء أنكترى آنذاك) كان صديقا حميما لـ(برنارد شو) وكان يحب التحرش معه ليستمتع بسخرياته، فقال لـ(برنارد شو): ((.. إن من يراك يا (شو) - و (شو) هي كلمة مختصرة كانت تطلق لـ( برنارد شو) - يظن أن في (إنجلترا) مجاعة، حيث كان (برنارد شو) ذو بنية نحيفة جدا، بينما كان (تشيرشل) بدينا....!)) فأجاب (برنارد شو) على الفور: ((.. ومن يراك يعرف سبب هذه المجاعة....!)). ومن مواقف أخرى بين الرجلين هي انه ذات مرة أرسل (برنا رد شو) بطاقة دعوة إلى (تشيرشل) لحضور عرض إحدى مسرحياته ورفق معها ملاحة كتب فيها، ((بإمكانك إحضار صديق معك إن كان لك صديق.....!)). فرد (تشيرشل) الدعوة معتذرا، بكون لديه ارتباط أخر، ورافق رده بملاحظة تقول: ((أرجو أن ترسل لي بطاقتين للعرض التالي إذ كان هناك عرض......)) . أما طرائفه عن (المرأة) نذكر منها ((.. لم أشاهد في حياتي (امرأة) إلا ولها من القبح ما يغطي جمالها ......! )) . ((.. الزواج حياة شراكة، الرجل يقوم بالتدبير، والمرأة بالتبذير ......! )) . ((.. بعض النساء لديهن القدرة على تسلية أي رجل إلا الزوج.....! )) . ((.. الشخص الوحيد الذي يأمر (المرأة) بالصمت فتطيعه، هو المصور ....! )) . ((.. من قال أن (المرأة) ليس لها رأي....! (المرأة) لها كل يوم رأي جديد ....! )) . ((.. هناك رواية بوليسية مسلسلة يقبض فيها على الجاني من أول فصل....إنني أعني رواية الزواج.......! )) . ((.. (المرأة) الذكية ليست بحاجة لحق الاقتراع ولا تمانع بأن تترك الرجل يحكم طالما أنها تحكمه.......! )) . ((.. إخلاص (المرأة) كالتوابل، الإكثار منها يضر والإقلاع منها يمنع اللذة......! )) . ((.. تقلق (المرأة) على المستقبل لحين إن تجد زوجا، و يقلق الزوج على المستقبل بعد أن يجد زوجة ......! )) . ((.. يشعر (الرجل) بقوته فيغدق رحمته على (المرأة)، وتشعر (المرأة) بضعفها فتقسو على (الرجل).....! )) . ((.. (المرأة) هي (جمع) للهموم و (طرح) للأموال و(مضاعفة) للأعداء و(تقسيم) للرجال.....! )) . ((.. لتختبر مدى تهذيب (الرجل) أو (المرأة) راقب سلوكهم أثناء التشاجر.....! )) . ومما قاله (برنارد شو) في الحكمة: ((.. نصف المعرفة أكثر خطورة من الجهل.....! )) . ((.. الصمت هو أفضل تعبير عن الاحتقار......! )) . ((.. اختر الصمت كفضيلة؛ لأنك بفضله تسمع أخطاء الآخرين.. وتتجنب أن تقع فيها.....! )) . ((.. الموضة كالوباء تنتشر بسرعة.....! )) . ((.. إن طريق الحياة تمر عبر مصنع الموت....! )) . ((.. لا يمكن أن تكون بطلا ما لم تختبر الجبن......! )) . ((.. لقد علمتنا التجارب أن الإنسان لن يتعلم أبدا من تجاربه.....! )) . ((.. يمكن للإنسان أن يصعد أعلى القمم، لكن لا يمكنه البقاء هناك طويلا......! )) . ((.. الإنسان الذي لا يعرف كيف يعيش: يستحق الموت......! )) . ((.. لا نتوقف عن اللعب لأننا كبرنا.. إننا نكبر لأننا توقفنا عن اللعب.....! )) . ((.. القاعدة الذهبية هي أنه لا يوجد قواعد ذهبية.....! )) . ((.. لو كان لديك تفاحة ولدي تفاحة وتبادلناهما بيننا سيبقى لدى كل منا تفاحة واحدة، لكن لو كان لديك فكرة ولدي فكرة وتبادلنا هذه الأفكار، فعندها كل منا سيكون لديه فكرتين.....! )) . ((.. إنني أغفر لـ(نوبل) أنه اخترع الديناميت، ولكنني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل . )) . ((.. ليس هناك سوى دين واحد ولكن بمئات من النسخ.....! )) . ((.. السعادة كالقمح ينبغي ألا نستهلكه إذا لم نساهم في إنتاجه......! )) . ((..طالما لدي طموح فلدي سبب للحياة لان القناعة تعني الموت.....! )) . ((.. عليك أن تعتني بنفسك وبأناقتك، لأنك النافذة التي من خلالها يجب أن ترى العالم .....! )) . ((.. تمتع بصحتك قبل أن يصيبك المرض، وأنفق كل ما لديك قبل أن تموت....! )) . ((.. النجاح ليس عدم فعل الأخطاء, النجاح هو عدم تكرار الأخطاء....! )) . ((.. استطاعت الإنسانية أن تحقق العظمة والجمال والحقيقة والمعرفة والفضيلة والحب الأزلي، فقط على الورق......! )) . ((.. عندما يكون الآخر قريبا؛ نفكر بحسناته وإلا سيكون تحمله أمرا صعبا، ولكن في غيابه نسلي أنفسنا بتذكر مساوئه.......!)) . إما أقواله في السياسة ((.. الانتخابات هي رعب معنوي مثلها مثل الحروب، إلا أنه لا تسفك فيها الدماء، لكنها بالنسبة للمتورطين فيها مثل الوقوع في الوحل......! )) . ((.. السلطة لا تفسد الرجال، إنما الأغبياء إن وضعوا في السلطة فإنهم يفسدونها.......! )) . ((.. الاغتيال هو إجراء متطرف من الرقابة.......! )) . ((.. أول شرط للاستمرار هو إلغاء الرقابة........! )) . ((.. الحرية هي المسؤولية. ولهذا يخشاها معظم الرجال....! )) . ((.. تعلمت منذ زمن ألا أتصارع مع خنزير أبدا، لأنني سأتسخ أولا ولأنه سيسعد بذلك.....! )) . ((.. (الإنسان) هو الحيوان الوحيد الذي يثير رعبي.. بينما لا يشكل (الأسد الشبعان) أي أذى؛ فليس لديه أي مذاهب أو طوائف أو أحزاب......!)) . وهذه الأنماط من السخرية الهادفة تخللت في معظم مسرحياته مما أعطت لها طابعا متميز استقطبت الجماهير إليها بما إثارته في فكر ووعي وأحاسيس المتفرج، وكانت هذه (السخرية) بمثابة ترجمة صادقة لمشاعر الشعب تطرح خلجاتهم وتعبر عن حياتهم بما يعتريها من آلام.. وأحزان.. وبؤس.. وشقاء.. وآمال.. وأفراح، وهكذا كان (برنارد شو) يسلط الضوء على القضايا الاجتماعية من خلال تجربة الحياتية؛ لذلك اتجه في كتابة مسرحياته اتجاها اجتماعيا كناقد ومفكرا ليعبر عما تعانيه الطبقات السحيقة في المجتمع وتحديدا (الطبقة العمالية) التي كانت وكما التمسها من خلال تجربته في الحياة من استغلال.. واستعباد.. وقهر.. وحرمان.. وحالة الاغتراب التي كانت تسود أوساط هذه الطبقات، لذلك عمل في مسرحه على تسليط الضوء عن معاناة هذه الطبقات من اجل تحريضهم وتوعيتهم وتقويمهم؛ ليضطلع بالمسرح من مقولة (الماركسية) بمحاولة ((تغيير العالم بدلا من تفسيره...))، لان وظيفة المسرح (الاجتماعي) الذي التزم (برنارد شو) بمبادئه جعله مرآة تعكس آراءه (الاشتراكية) التي تسعى إلى إزالة الفوارق الاجتماعية بين الطبقات؛ ليعبر عن مصالح العمال وأمالهم، مسرح يتخذ من (الكوميديا) و(تراجيديا) اتجاها يمزج بينهما؛ فكان حريصا بان يقدم نصا(ميلودراما) يمزج بين الدمعة والضحك، لذلك حرص على تقديم مسرحا يتميز بناءه بوضوح الدراما مع شخصيات التي تقدم نفسها بنفسها وهي ترى وتلمس الحياة من خلال الأخر أو الآخرين، لذلك يكون الإنسان في مسرح (برنارد شو) أهم من الأداء التمثيلي وديكور المسرح لان تركيز مسرحه يقوم على الفكر (الاشتراكي)، ومن هنا تكمن صعوبة فهم مسرحه دون التوغل لمعرفة هدف المسرحية وطبيعة شخصياتها، كون (برنارد شو) كما أوضحنا سابقا انتمى إلى (الفابية الاشتراكية) وهو مذهب الذي يتجه اتجاها (اشتراكيا) ويدعو إلى المساواة والابتعاد عن الحروب وسفك الدماء دون سبب كما طرحها في مسرحية (الأسلحة والرجل) ، وبدل عن ذلك يجب الاعتماد على سياسة الجدل الفكري والحوار والنقاش كلغة بديلة عن الحروب متأثرا بآراء (هيغل) في الجدلية ومن خلال هذا الجدل كان (برنارد شو) يعالج القضايا الاجتماعية في مسرحياته، كما نلاحظ ذلك في مسرحية (بيت محطم القلب) و مسرحة (بيوت الأرامل) كما وانه كان حريصا على إن يسكب مسرحياته بنكهة كوميدية ساخرة كما نلاحظ ذلك في مسرحية (جزيرة جان بول الأخرى) التي تمتلئ مشاهدها من مقاطع مضحكة والى أقصى درجات الضحك . نماذج من مسرحياته فـ(برنارد شو) طرح موضوعات لمعالجة كل ألازمات الاجتماعية محرضا ومنورا وعي الطبقات المضطهدة من اجل تغير واقعها وتغير العالم ومن اجل إيقاظ وعي الإنسان وتنشئة الإنسان قادرا على هذا التغير، ولذلك حرص (برنارد شو) على إن يقدم نصا يشارك المتفرج مع العرض لا إن يكون مجرد متلقي، ليجعل من المسرح محطة لا يتوجه المجتمع إليه بل المسرح يتوجه إلى المجتمع لكي يسعى إلى تغير المجتمع، لان (برنارد شو) أراد إن يجعل من المسرح هدفا تربويا وأخلاقيا وسياسيا من اجل ترسيخ القيم الهادفة لمجتمع وساعيا لتوفير حلول لمشكلات المجتمع و تنشئته تنشئة اجتماعية ليكون مرآة تعكس ملامح المجتمع بكل ما هو فيه من محاسن وسيئات ليحفزه بتوجيه تربوي مؤثر لتغيير واقعه وليجعل الإنسان واعيا بأفعاله ولحب الخير والفضيلة ونبذ العنف والكراهية التي تلحق الأذى والضرر العام في المجتمع، لذلك عمل (برنارد شو) من خلال المسرح ليجعله ورشة تتدرب فيها النفس الإنسانية على القيم والأخلاق النبيلة والفضيلة؛ ليتم إعادة تقدير مواقفها واعتماد على لغة المنطق والعقل كأساس لأي رأي وموقف يتخذه الإنسان ليكون مواقفه سليمة لبناء أهداف سامية؛ وليتم تحقيق هدف الإنسانية في التنمية الاجتماعية، والقدوة الحسنة، لان مسعى (برنارد شو) كان من المسرح بان يجعله أداة لتحريك الشعوب والثورة ضد الظلم والفقر والفوارق الطبقية والاضطهاد. لذلك حرض (برنارد شو) على مسرح فكري اجتماعي يتناول فيه شتى نواحي الحياة لتكون موضوعات مسرحياته منبرا لعلاج أمراض المجتمع، ومن هنا تكمن أهمية مسرح (برنارد شو) بكونه خطاب مؤثر وهادف تنطلق حبكته وفق سياق درامي كوميدي وتراجيدي من اجل إثارة المشاهد وفق مواقف طريفة وهادفة لتصل الفكرة إلى المتلقي بسلاسة وعفوية فيتفاعل مع إحداثها تفاعلا ايجابيا لتسهم في أغناء وعي المجتمع فكريا وثقافيا كي يرتقى المجتمع إلى مستوى تحمل مسؤولياته في بناء ثقافة اجتماعية تساهم لرقيه. بجماليون أو سيدتي الجميلة فلو أخذنا مسرحية (بجماليون) التي كتبها (برنادشو) والتي اشتهرت باسم (سيدتي الجميلة) بعد ان تم اقتباس فكرتها إلى فلم سينمائي عام 1935 وفاز سيناريو الفلم الذي كتبه (برنارد شو) بجائزة (أوسكار) السينمائية عام 1939 كأفضل فلم مقتبس من مسرحية (بجماليون)، وقد سبق له الفوز بجائزة(نوبل) للآداب عام 1925 ، كما ذكرنا سابقا . وتعتبر هذه المسرحية من أفضل وأروع مسرحيات (برنارد شو) حيث وجدوا النقاد ومطلعي المسرح بكونها مليئة بقيم ومشاعر إنسانية فياضة استطاع (برنارد شو) التعبير بصدق بتعاطفه مع شخصية المسرحية التي خلقها وهي ممتلئة بنزعة إنسانية عميقة؛ ومع هذه الشخصية البسيطة - ولو انه كان ضد عملية الخلق التي تعرضت هذه الشخصية وضد الفنان المبدع لهذه الشخصية - فـ(برنارد شو) في هذا العمل أتقن لغته لتكون بقوة الفكرة التي انطلق في بلورتها في شخصية المسرحية.. وكيفية تقبل هذه الشخصية فكرة التعلم.. و(الاتيكيت) الكلام.. وكيفية الصرف والتكلم.. وكيفية التفكر.. وكيفية مواجه الفكرة.. وكيف وعيها بما تفعله خارج انطباعات لبيئة التي عاشت فيها.. وتعلم سلوكياتها لتواجه نمط أخر من سلوكيات هي جديدة لها . فالمسرحية بحجم عمقها الإنساني؛ هي طريفة وممتعة فكرا.. وفنا.. وإبداعا، فمسرحية (بجماليون) هي مسرحية مقتبسة من أسطورة (بجماليون اليونانية)، حيث تذهب (الأسطورة) بكون هناك نحات نحت تمثالا من الحجر المرمر لوجه وجسد امرأة، وارد أن تكون في منتهى الجمال والروعة فبالغ في صقلها وتعبير في تقسيمات وجهها وجسدها؛ لدرجة التي لم يبقى من جمالها وروعتها سوى النطق، ورمز هذه (الأسطورة) يستخدم في الإشارة إلى كل من يخلق شيئا جميلا ومميزا من أشياء عادية لا تثير المتلقي . ومن هذا المعنى اقتبس (برنارد شو) فكرة مسرحيته في (سيدتي الجميلة - بجماليون)، حيث قام بدور الفنان المبدع شخصية اسماها (برنارد شو) في المسرحية بـ(البروفيسور هنري هيجنز) وصديقه (الكولونيل بيكرنغ) حيث دار النقاش بينهما حول فتاة هي (اليزا دوليتل)، التي وجدوها في إحدى الأسواق وهي تبيع الزهور و تتحدث بلغة سوقية مبتذلة التصرف ومشاكسة، فأثار تصرفات هذه الفتاة (هيغنز) ليقول لصديقه إن بإمكانه خلال فترة وجيزة أن يحول هذه الفتاة إلى سيدة أرستقراطية، عبر تعليمها أسلوب الحديث وتدريبها على (الاتيكيت) وأصول الكلام وكيفية الحديث ليحولها إلى نسخة من سيدات المجتمع الارستقراطي وخلال ستة أسابيع فقط . فيرد (الكولونيل) منطقيا هذا غير ممكن، ليقوم الرهان بين الطرفين وعلى أثر ذلك يذهب (هنري هيغنز) إلى بائعة الزهور الصبية (اليزا) ويعرض عليها أن يعلمها المنطق مقابل بعض مال يعطيه لها ومال آخر يعطيه لأبيها، فبدون تردد توافق الفتاة، فيصطحبها في كل براءة إلى منزله وتبدأ التمارين على الفور، وهو يشعر بأنه يسابق الزمن. غير أن (اليزا) لم تخيب أمل (هيغنز)، بل تتجاوب معه إلى درجة أنها خلال التمارين أبدت من الاستعداد والفهم والذكاء واللباقة ما أذهل (هيغنز)، وخلال فترة محددة، نجحت (اليزا) في كل الاختبارات التي أجريت لها، من حيث نطق اللغة وأدائها وأسلوب الحوار؛ ولقد تجلى ذلك كله خلال حفلة صاخبة أقيمت في حديقة منزل احد أصدقاء (هنري هيغنز) حيث اصطحب (هيغنز) تلميذته (اليزا) إلى الحفلة ليقدمها إلى الحفل من دون أن يكشف سرها لأحد على أنها (دوقة - أو سيدة راقية)، وبالفعل تصرفت (اليزا) بمنتهى الذوق و(الاتيكيت) وهي في غاية الجمال والأناقة، وكأنها - دوقة أو سيدة راقية - حقيقية، وهذا تصرفها اثأر ذهول (هيغنز) و(الكولونيل)، في كيفية تصرفها وكأنها من أرقى العائلات الأرستقراطية. وبهذا النجاح اخذ (هنري هيغنز) و(الكولونيل) يهنئان نفسيهما وبنجاح التلميذة وقدرتها على إقناع الجميع بأنها سيدة المجتمع الارستقراطي حقيقية، ولكن في هذه الإثناء انتبهت (اليزا) إلى أساتذتها وهم لا يقيمان أي وزن لجهد التي هي بذلته في التعليم، فهي من جهة لم تبالي كثيرا بموقف (الكولونيل) لأنها لم تهتم به رغم انه كان يبادلها الود، ولكن موقف (هنري هيغنز) أغاظها كثيرا لأنها كانت مغرمة به؛ في وقت الذي لم يلاحظ ولم يشعر بها؛ وهذا ما أحزنها؛ والآن هو يتجاهلها كامرأة وإنسانة من لحم ودم تشعر وتحس وتتألم، بكونه كان يعتبرها مجرد مادة يختبر دراساته، صحيح أنها كانت مادة طيعة بين يديه مثل المادة التي صنع منها (بيجماليون) نحته كما جاء الحديث في (الأسطورة)، لكنها في نهاية الأمر هي كائن بشري تشعر وتحس وتحب وتحزن وتبكي وهي على يقين بأنها ليست مجرد دمية مصنوعة من الحجر، وهذا الإحساس كان عند (اليزا) بينما أستاذها (هنري هيغنز) يعيش خارجه هذا الإحساس، كونه كان مهووس بعلمه وبانتصاره ولم يخطر في باله أن للمادة التي اشتغل عليها فيها مشاعر ونبض وإحساس، ففي الوقت الذي كان ينمي لدى (اليزا) أسلوب الحياة الناجح، كان يملئ قلبها حب.. وحنان.. وشوق، وحين عجزت (اليزا) من قدرة (هيغنز) فهم مشاعرها اتجاه بعد انتصاره، تذهب إلى منزل والدته، السيدة الليبرالية الواعية، وهذه إذ تؤنب ابنها و تدفعه إلى التفكير في الأمر مليا ليدرك بأن (اليزا) أصبحت جزءا من حياته، ولكن ليس على النحو الذي كانت تأمله (اليزا) . حين يتوجه (هيغنز) إليها في صبيحة اليوم التالي يطلب منها السماح والعفو ويعرض عليها أن تعود إلى منزله لتعيش معه ومع صديقه (الكولونيل) كأصدقاء، فتثير غيض (اليزا) وغضبها فهي لم تشعر بأن (هيغنز) يغدر بحبها بل إنه الآن يغدر بكرامتها أيضا، فترفض العرض كونها لا تسعى إلى الحصول على صدقة منه وصداقة أو حياة مترفة، بل إن جل ما كان تبتغي هو الحب والحنان وأن ينظر(هيغنز) إليها بنظرة الحب، لكنه (هيغنز) يرفض ذلك، فيحاول إقناعها بأن هذا الأمر يتعارض مع طبيعته، ولهذا لم يبقى أمام (اليزا) التي أصبحت إنسانة لها شخصيتها بما تمتلك من ثقة بالنفس وقدرة على مجابهة الحياة، لذلك قررت أن تخرج من حياة أستاذها لتعلن أمامه وردا على تجاهل (هيغنز) المتواصل لعواطفها كي تتزوج من فتى فقير، لكنه نبيل، يوازيها عمرها وثقافتها و كان يحبها منذ زمن بعيد، كما أنها تعلن أمام (هيغنز) أنها لم تعد راغبة من الآن وصاعدا العودة إلى بيع الزهور طالما أن لهجتها الجديدة لا تمكنها من هذا؛ لذلك قررت التوجه نحو التدريس لتصبح أستاذة صوتيات، مثل معلمها (هيغنز) بل وتسعى إلى منافسته . ومن روعة حبكة هذه المسرحية اخذ عنها الكثير من الاقتباسات ولكن في بعض من هذه الاقتباسات تم تبديل نهايتها كما ظهر في عرض الفلم (سيدتي الجميلة) حيث تخرج نهاية سعيدة إذ يرتبط (هيغنز) و(إليزا) برباط الزوج في النهاية . بيوت الأرامل اما مسرحيته (بيوت الأرامل) والتي تعتبر من مسرحيات التي تتناول القضايا الاجتماعية فيها سكب (برنارد شو) كل مقومات والأسس التي أقام وبني عليها مسرح (برنارد شو) الاجتماعي فكريا وفنيا وضمن اتجاه الاشتراكي، فالمسرحية كتبت وعرضت في بداية العقد الأخير من القرن التاسع عشر، يدور موضوعها حول الطبيب الإنكليزي الشاب اسمه (ترنش) الذي يلتقي وهو في رحلة على ضفاف نهر (الرين) بصبية شابة إنكليزية تدعى (بلانش) فيقعان في قصة حب، ولكن حين يلتقي (ترنش) بوالد حبيبته (بلانش) وكان يدعو (سانتوريوس) يكتشف بأنه شخص بخيل جشع حقق ثروة الهائلة من خلال استغلال الفقراء وتأجيرهم منازل متهالكة آيلة على السقوط ولا تتمتع بأي ميزات صحية، ولا يقوم بصيانتها على الإطلاق، لان كل هم (سانتوريوس) هو الحصول على الأموال، ومن خلال تواصل الإحداث يكتشف (ترنش) من خلال موظف يعمل لدى (سانتوريوس) جشاعة هذا الأخير وإجرامه، ولذلك حين استطلع على مجمل سيرة عائلة خطيبته؛ فانه يطلب من خطيبته أن تتزوجه من دون أن تقدم أية أموال، فهو لن يقبل أي مال في حياته يأتي من مصدر غير نزيه و قذر إلى هذا الحد، لكن خطيبته (بلانش) ترفض ويتوقف مشروع الزواج، ولكن الموظف الذي كان قد فضح الحكاية كلها والذي كان يعمل عند والد خطيبته يتدخل ويصلح الأمور فيما بينهم، بكونه ذكر بأن والدها أقام مؤخرا بإنشاء مشروع سكني بمال نزيه؛ ليكون هذا المدخل حلا وسطي يسهل قبول كل طرف بالآخر وعودة الخطيبين بعضهما إلى بعض......! الرجل والسوبرمان إما مسرحية (برنارد شو) التي تربط بين وهم الأفكار وحتمية الواقع هي مسرحية (الرجل والسوبرمان) التي تعتبر من أطول مسرحياته كونها تتألف من أربعة فصول طويلة، فالموضوع الأساس للمسرحية يأتي عبر تفسير يخضع السجال حوله من خلال (حلم)، ليشكل هذا الحوار في المسرحية ما يمكننا أن نسميه (مسرحا داخل المسرح)، حيث يتداخل في المسرحية الصراعات والشخصيات والسجال والأحداث والأفكار والمواقف المتنوعة والمتناقضة في بعض الأحيان، إلى درجة إننا نشعر فيها بأننا أمام أمرين الأول (أمام الواقع) و الثاني (أمام الحلم) . فـ(برنارد شو) أرد أن في هذا العمل أن يطرح الأفكار والهموم التي كانت تشغل أفكاره وهو يتطلع إلى القرن العشرين وهو يطل على تطورات مجتمعية تحمل في طياتها صراعات الأفكار والمبادئ وعلى كاف أصعدة الحياة، حيث (المرأة) تتطلع قدما لأخذ حقوقها، وانتشار الأفكار التطورية (الدارونية) والوجودية والليبرالية والاشتراكية والى غيرها من الأفكار الاجتماعية، لذلك جاءت المسرحية بكونها أشبه بدروس فكرية التي أراد (برنارد شو) طرحها. فالموضوع رغم كونه طرح للأفكار إلا أن المسرحية أخذت طابعا كوميديا، فالمسرحية تسلط الضوء عن فتاة محاطة بوصيين من أساتذة بعد وفاة والدها، الأول يدعو (رامسدن) رجل كبير في السن وذو توجهات ليبرالية و صديق العائلة والثاني يدعو (جون تانر) وهو ذو نزعة ثورية ومؤلف ثوري، ومن هنا تتضح حجم التنافس بين الشخصيتين، فالأول صاحب القيم يتبنى أفكار تقدمية و يعارض أفكار الثاني الذي يتبنى أفكار (داروين) الذي يتجه اتجاها لتامين ولادة (إنسان سوبرمان)، ولهذا فانه يحمل أفكار غريبة، حيث يعتقد بان (المرأة) هي المسيطرة على الرجل، حتى حين يعتقد الرجل أنه هو المسيطر، ومن هنا فان الفتاة الحسناء (آن وايتفيلد) تتطلع لزواج منه سرا، ولكنه يتهرب من هذه الفكرة لأن في اعتقاده بأن الزواج والزوجة سيحولانه إلى كائن (بيولوجي)، فالزواج في ضنه سيضع حدا لنشاطه الفكري؛ بكون حسب اعتقاده في نظرية التطور بان وظيفة (المرأة) هي العمل على إبقاء النوع البشري عبر الحمل والولادة، و رغم أفكاره الغريبة هذه إلا أن (آن وايتفيلد) مغرمة بـ(جون تانر) الذي لا يتنبه إلى هذا، معتقدا بأنها ستتزوج من (اوكتافيوس روبنسون)، بكون صديقه مغرم بها حد الجنون، ولكن الأمور تتعقد حين يجتمع الحضور لمناقشة وصية والد (آن وايتفيلد)، ليعلن إن (فيوليت) شقيقة (أوكتافيوس حامل)، لكنها لن تبوح باسم رجلها، ولهذا فان (رامسدن) و(أوكتافيوس) يفاجئان بهذا الخبر، لكن (جون تانر) يثني على شجاعة (فيوليت) حين تكشف هوية رجلها وهو (هكتور) أمريكي الجنسية، فهم يتزوجان سرا في انتظار وصول (والد هكتور) من أميركا، في هذه الأثناء اخبر سائق (جون تانر) بان (آن وايتفيلد) تحبه وحين علم بهذا الأمر قرر الهروب لكي يتجنب أية فكرة عن الزواج، فيتوجه هو وسائقه إلى (سييرا نيفادا – الاسبانية)، ولكن أثناء فراره يتم القبض عليه وعلى سائقة من قبل زعيم قطاع الطرق المتمرد (مندوزا)، ليتبين لنا انه كان في الأصل صبي فندق وكان مغرماً بـ(لويز) أخت السائق لكنها رفضته، في اختصار صار (جون تانر) وسائقه في الأسر، و بعد حوار طويل ومتشعب مع زعيم قطاع الطرق المتمرد (مندوزا)، يخلد إلى النوم ليحلم بأنه - وهنا تبدأ القصة المسرحية تتداخل لتشكل المسرح داخل المسرح - وفي (الحلم) يرى دون جوان (تينوريو) بملامح (جون تانر)، و(الدونيا آنيا) رمز (المرأة) الكاملة في الأوبرا الشهيرة - ولها ملامح (آن وايتفيلد)، كما نرى التمثال والشيطان تباعا، أولهما له ملامح (رامسدن) والثاني ملامح (مندوزا) لتتعالى دراما المسرحية إلى مشاهد من الحوار والسجال والصخب بين الشخصيات الأربعة، حيث جميعا معا في الجحيم ، لكن هذا (الجحيم) ليس هنا مكانا للعذاب بل هو مملكة من ملذات عابرة وخيالات حادة؛ وكلها هذه الأمور هي تناقض مع عقل (جون تانر) . وهذا التناقضات التي تطرح هنا هي من صميم أفكار (برنارد شو) الذي حاول طرحها بعمق في هذه المسرحية، ومما طرحه قوله بان (الشيطان) هو في ذات الرجل لم يخلق سوى الحروب والدمار، بينما خلقت (المرأة) النوع الإنساني، وتتشعب الحوارات لتناول مفاهيم عن (الحب) و(الرومنطيقية) وما إلى ذلك، لينتهي الحلم بـ(آن وايتفيلد) التي كانت تسعى إلى الزواج من (السوبرمان)، وحين لم تجده ولم يتحقق لها هذا الحلم تقرر أن تصنعه بنفسها، وهنا يصحو (جون تانر) ومعه (مندوزا ) من هذا الحلم، ليعلما بأن (آن وايتفيلد) تبحث عن (جون تانر)، وجردت حملة لذلك، لتنتهي الأحداث على خير، وبالشكل الذي يرضي المتفرجين، إذ يرضخ (جون تانر) في نهاية الأمر لقوة الحياة وبيولوجيتها مجسدة بـ(آن وايتفيلد) و متخليا عن أفكاره . ويذكر هنا بان (برنارد شو) كتب مسرحية (الرجل والسوبرمان) في عام 1903 وهو في مقتبل العمر كنت أفكاره في أوج النضج لذلك عمل على تفلسف في لغة فن المسرح، ولهذا يقال لمسرحية (الرجل والسوبرمان) بأنها (ملهاة فلسفة) كونها من انضج مسرحياته على الإطلاق . كلمة الختام ولهذا سيبقى (برنارد شو) كاتبا (اشتراكيا) استطاع بلورة المفاهيم (الاشتراكية) بشكل سليم في مسرحياته التي تميزت بطابعها الاجتماعي العقلاني والتربوي والتثقيفي، ليجل من شخصياته محاورا لمعالجة الكثير من مشاكل الفلسفية التي طرحت من خلالها والتي واكبت عصر النهضة وما أفرزته من أفكار؛ ليتخذ لنفسه اتجاه لم يحد عنه لإرساء قيم (الاشتراكية) التي تزكي مصالح المجتمع على المصالحة الأفراد الذاتية الأنانية، وهذا الموقف الذي تبناه (برنارد شو) عبر عنها بأسلوب جاد وصادق وهادف؛ ليعطي صورة واقعية لما يتناوله، فهو لم يسعى للمبالغة في عملية تجديد للأشكال الفنية للمسرح؛ بقدر ما سعى إلى تجديد مضامين النص المسرحي وتحديدا في مساعيه في إيجاد أعلى درجات (السخرية) ولا سيما في المواضيع الجادة؛ لكي تصل الفكرة إلى المتلقي بشكل مؤثر ومقبول، ولهذا اشتهر موضوعات مسرحياته بهذه (السخرية) الهادفة، لتتحول النصوص عنده إلى نصوص فكاه.. وتعليق ساخر.. ونكتة خفيفة.. ولكن لها مغزى ودلاله عميقة في الفكر، كونه حول كل ما تناول قلمه من موضوعات جادة إلى (سخرية) هادفة لها دلالات فكرية في غاية الأهمية في أسلوب النقد الغير المباشر؛ سواء ما كان يتعلق أمرها بالحرب أو الحب أو العنف أو القضايا الاجتماعية الأخرى لدرجة التي باتت (السخرية) الحسنة والهادفة نقطة متميزة في عالم (برنارد شو) المسرحي . المصدر: فواد الكنجي]]> مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان فواد الكنجي المدخل الإعمال الإبداعية لـ(جورج برنارد شو 1856 – 1950) هي التي فرضت نفسها وحضورها في المسرح العالمي بما تركته من تأثيرات كبيرة على الثقافة الإنسانية؛ لان يقيننا بان لا إبداع يتحقق إلا وفق آلية معقدة من البناء الثقافي والمعرفي وإمكانية (المبدع) في تشكيلها؛ حيث يقوم بتنظيم آلياتها لتعبير عنها في أعمال أدبية وفنية هادفة، فـ(المبدع) الحقيقي هو الذي يمتلك عمقا معرفيا وإدراكا واطلاعا على المنجزات الثقافية لمختلف شعوب الأرض أكانت تراثية أو حديثة أو معاصرة؛ ليستفاد منها لتكوين خزينته المعرفية والثقافية والتي تؤهله لتعبير عن موضوعات تلامس واقع المجتمعات التي يعيش فيها من اجل توعية الإنسان وإشراقه بثقافة وأفكار و بقيم إنسانية راقية تنير عقليته وسلوكه في المجتمع، لان في مجمل الأعمال الفكر من الأدب.. والفن.. والحضارة الإنسانية.. هي سلسلة متواصلة غير منقطعة من تراكمات فكرية تطرح لخدمة الإنسانية ورفدها بكل ما يعزز قدرات الإنسان في الرقي والازدهار والتحضر والتي تتكون وتتواصل نموها عبر مراحل التاريخ . ومن هنا فان التجربة الإبداعية التي تم توظيفها من قبل (برنارد شو) تم عبر مخزونه الثقافي ومن خلال خصوصيته وما استوحاه من موضوعات محلية وتراثية وعالمية؛ وعلى ضوء ذلك تم توظيف أدواته لإيجاد طقوس وعلاقات ضمن محيطه لهدف التغير وتوعية الإنسان ولتحسين سلوكه وتصرفاته اليومية ؛ لتفرض حضورها؛ ومن ثم تؤسس لها هوية خاصة في مجال الإبداع تمتلك القدرة على استقطب وإثارة الإعجاب ولفت الأنظار، وكل ذلك لا يتم للمبدع - أي كان ومنهم (برنارد شو) - ما لم يتم استجابة لتجارب تراثية وتاريخية وواقعية واجتماعية وتفاعله مع الحداثة لتنطلق من خصوصية المبدع وانتمائه لمحيطه الجغرافي؛ ليكون ما يقدمه (المبدع) ذو خصوصية لظروف البيئية ولها سمات اجتماعية هادفة بعيدا عن التقليد ومحاكاة الآخرين، فكلما كان المبدع قادرا على خلق خصوصية التميز كلما تقدم خطوة لتأسيس عملا إبداعيا هادفا ومؤهلا ليوازي تجارب الفنية العالمية . فـ(برنارد شو) ما كان يصل بفنه وإبداعه إلى العالمية إلا من خلال قدرته على استلهام محيطه المحلي الذي عاش فيه وقد أثار إحساسه، وهو كإنسان جمع بين تراكمات معاناته وما ذاقه من مرارة الحياة وقسوتها وهذه المعاناة هي التي صنعت مفرداته . فـ(برنارد شو) هو الإنسان جمع بين تراكمات المعاناة ليصنع منها مفردات لغته بوعي وإحساس تخاطب الأفئدة، ونحن نعلم بان (الكتابة) ما هي إلا أداة لتخفيف معاناة ألروح واغترابها من واقع المعاش فرض على المبدع فرضا؛ وهكذا جهد (برنارد شو) ومن خلال إمكانياته في استنطاق كل مفردات التاريخ والموروث والحياة الاجتماعية المحلية؛ فحقق نجاحه محليا ليتجه بعد ذلك في تكريس إبداعه عالميا، بعد إن أخذت إبداعاته وأعماله المسرحية تترجم وتسافر إلى مختلف مدن العالم وتلاقي نجاحا باهرا؛ بكونها كانت تحمل تجديدا وأسلوبا مغايرا عما كان سائدا؛ كونه طعم مسرحه بنكهة طقوس من (السخرية) الهادفة بطابعها المحلي والتراثي ويرسل إشارات زمانية ومكانية ضمنا و وفق خصوصية ودلالات لغوية معبرة عن واقع المجتمع من اجل التغير ومن اجل أهداف إنسانية نبيلة، مما استقطبت أعماله المسرحية اهتمام كل شعوب الأرض بما أثار فيهم متعة التأمل وفضول المعرفة، وهذا ما قاد اكبر رؤساء العالم مقابلته من (ستالين) و(تشرشل) وملوك وأمراء آخرين . حياته وإبداعه فـ(جورج برنارد شو 1856 -1950) كاتب مسرحي اعتبر رمزا للأدب الساخر الهادف؛ ومن أهم كتاب المسرح الاجتماعي؛ ولد في (دبلن – أيرلندي) وفي صباه غادر إلى (لندن - بريطانيا) وعاش فيها حتى وفاته، ورغم انه ترك الدراسة منذ الصغر ولكنه اصقل موهبته بكثرة المطالعة وقراءة لكتب الفلسفة والأدب واطلاعه على شتى أنواع الفنون وإبداعات الكتاب، ولكونه كان شديد تأثير بوالده، إذ كان منذ الصغر يرافقه في الذهاب إلى العمل؛ وقد عرف عن ولده بكونه شخص عنيد وسكير و ذو نكتة خفيفة، فورث هذا الطفل الشيء الكثير من خفة الدم والده وسخريته؛ والتي شكلت هذه الميزة - فيما بعد - الإطار العام لإنتاجه الفكري، لنستشف من ذلك حجم تأثير البيئة على سلوك (برنارد شو) منذ نعومة أظافره والتي تعد إحدى الأسباب لإبداعه الأدبي؛ وكما تأثرت علاقة البيئة الحاضنة له بعد انفصال والديه على سلوكه؛ مما اضطر الاعتماد على نفسه في كسب الرزق؛ رغم كونه رافق والده العمل منذ الصغر، ليكتسب (برنارد شو) خلال هذه الفترة الكثير من تجارب الحياة، فقد أمعن في تتبع ومراقبة حياة الفقراء بشكل مباشر؛ مما اتخذ من تلك الصور مشاهد حقيقية لتكوين أفكار لرواياته وقصصه ومسرحياته، فقد تعاطف مع معاناتهم مما جعله من اشد مناصرين ومدافعين عن حقوقهم، ومما عمق هذا الاتجاه في تفكيره و ولوعته بالقراءة ومتابعة الأفكار التقدمية الاشتراكية بشكل ملفت؛ فكان كثير التردد إلى دور الكتب والمكتبات العامة ليقرأ وليثقف نفسه بالعلم والمعرفة، رغم انه ترك دراسته ولم يتواصل التعليم المدرس بكونه اعتقد بان نظام التعليم في المدارس الحكومية تفرض عليه التلقين الإجباري، فاعتبر ذلك شيء من التقيد لحريته واعتبره سجن لا يطيقه، فرفض فكرة التعليم من اجل التحصيل الدراسي؛ فترك دراسته لأنه لم يجد فيها ما يبغي في توسيع معرفته بالتأمل والبحث والتفكير الحر والمطالعة، فشغف بفكرة التعليم من اجل العلم والمعرفة وتوسيع مدارك الإنسان لا من اجل الحصول على شهادات مدرسية، وهكذا اخذ يوسع مدركاته الفكرية بمزيد من المطالعة والقراءة والتأمل في الفكر الإنساني وفي علوم الأدب و الفلسفة متأثرا بالأفكار التي تتضمنها هذه الكتب ودلالاتها الخيالية والجمالية ولغتها العلمية، وكان تركيزه يتجه نحو الكتب الاشتراكية وكتابات (ماركس) و(انجلز)، فاخذ يتعمق في مناهجها من اجل وصول إلى براهين ونتائج كي يتيقن على ما يذهب إليه، ومن تلك المعطيات اخذ (برنارد شو) يفحص تجارب الحياة وظواهرها ليعتمد على تجسيدها عبر الرؤية وحدس وخيال وكأدوات فكرية وفلسفية يأخذ منها أسلوبا واتجاها أدبي ليتنفس فيها عبر كتابة مسرحيات هادفة يكتب فيها عما يكابده وبلغة تعبيرية جمالية صيغت بطابعها الفلسفي؛ فتناول شتى مواقف الحياة؛ فاتت مسرحياته برؤية فلسفية، لان (برنارد شو) تيقن بان لا يمكن لأي معنى إن يصل إلى هدفه ما لم نعيش تجربة ذاتها؛ فأنت لا تعرف معنى (الحب) ما لم تعش تجربته؛ وهكذا مع كل تجارب الحياة، ومن خلال هذه التجربة تستطيع حين ذاك إن تفلسف في ذلك الاتجاه لتصل إلى مستوى الدهشة التي هي تعطي للعمل الأدبي والفني قيمته الجمالية . ومن هنا فان مخيلة (برنارد شو) خضعت لتجارب وتواصل يومي مع قضايا المجتمع، تلك القضايا التي أمعن فيها (برنارد شو) تفكيره لإبداع مفاهيم تواكب المعرفة على كل مستويات الإفراد في المجتمع؛ وليس حكرا لفئة مثقفة فحسب، لان في نظره أي عمل لا يقوم على الحقائق ولا يلامس واقع المجتمع ستكون صورته مظللة، ومن هنا لابد لأي عمل مسرحي جاد؛ يصل إلى مبتغاة في التعليم والتوعية؛ لا بد أن يكون ذلك العمل مترجما لحقيقة واقع الحياة التي نعيشها لكي يتم استيعابها بشكل معرفي نحصن أنفسنا من المنزلقات؛ وعلينا إن نكتشف ونكشف متناقضات الحياة ونأخذ منها معالجات وبشتى تأويلات وإيحاءات ودلالات بكون ذلك هو الذي يحرك الفكر الإنساني ويبعده عن الجمود؛ ليكون تجديده بتجديد الفكر وبالتعبير صادق لتكون تلك التعبيرات صالحة بمعانيها المتعددة لحياة الإنسانية وبصورة اشمل وأوسع شكلا ومضمونا، وهذا المسار هو مسار الذي اتجه (برنارد شو) وبني تشكيله وخطابه ولغته في مسرحياته والذي حافظ على توازنه المعرفي بأفضل الأحوال، لتتصف نصوصه بكونها (اجتماعية) بامتياز وبارتباطها بأيدلوجية (اشتراكية)، فكان مناصرا ومدافعا عن هذه ألأيدلوجية؛ حيث اعتبر (برنارد شو) أحد مفكري ومؤسسي (الاشتراكية الفابية)، وقد انخرط في العمل السياسي؛ وبدأ نشاطه في مجال الحركة (الاشتراكية)، وقد تأثر بنظرية (التطور) وكان من الملحدين المتسامحين مع الأديان وانضم للجمعية (الفابية) - وهي جمعية (انكليزية) سعى أعضاؤها إلى نشر المبادئ (الاشتراكية) بالوسائل السلمية - إن إيمان (برنارد شو) بالفكر (الاشتراكي)، والتي صار بفضها إعماله تلاقي اهتمام النقاد والجماهير وتستقطب التفاتاتهم بأفضل صورة؛ بكونه نجح في استقطاب الجناح الثقافي والاجتماعي من أفراد المجتمع إلى مسرحياته وقد سلك في إيصال أفكاره (الاشتراكية) ضمن القضايا (الاجتماعية) عبر أسلوب (السخرية) التي تميز (برنارد شو) باتجاه قضايا السياسة.. والعلم.. والدين.. والاجتماع، ليجعل منه أسطورة في عالم المسرح لحجم ما استخدم فيها عبارات (السخرية) و(ضروب ألهجائه) و(الطرفة أو النكتة الخفيفة) لتتداول إلى يومنا هذا؛ فما تخلو مسرحية من مسرحياته ذات الطابع الاجتماعي منها؛ بتناول مشاكل الحب والفلسفة والسياسة وقضايا الاجتماعية بأسلوب شفاف؛ لتكون تلك الأعمال مرآة لهموم المجتمع من جهة ولألمه من جهة أخرى؛ وقدمها بأطروحات لا تخلو من السخرية وإبداعها وبنكهة تلامس هموم الإفراد التي تميز بها نتيجة وعيه في كيفية تكوين عباراتها بما امتلك من معرفة وأدوات متقنة وثقافة عالية، ليكون مسرحه نموذجا للأدب الهادف؛ سعيا لتطوير الفكر والوعي المجتمعي من اجل صناعة عالم أفضل . لقد تمكن (برنارد شو) من خلال وعيه ونظرته العميقة للحياة خلق فلسفة متميزة ومنفردة في إبداعه المسرحي، لتشكل مضامينها المقدمة عالما من المسرح الحديث، لأنه استطاع تغير أسلوب المسرح التقليدي عبر نظرة واقعية؛ تقدم المسرحية من خلال طرح موضوعا فلسفيا ليتم فيها تقديم تحليلات نقدية حول المضمون المقدم؛ كما في مسرحية (بجماليون - سيدتي الجميلة) على سبيل المثال وليس الحصر، فيتم ربط موضوع المسرحية التي يقدمها الكاتب بأفكاره، وهذه إحدى مميزات حداثة المسرح؛ والتي ارتبطت بخصوصية الكاتب (برنارد شو)، فجل ما قدمه من مسرحيات تكون موضوعاتها تعبيرا عن مضامين وتقنيات والبني الشكلية فيها متجهة من خلال فلسفة الكاتب ونظرته باتجاه واقع الحياة الحديثة آنذاك، والتي في مجمل مسرحياته يركز عن موضوع لا يخرج إطارها من فكرة الموضوع ذاته في كيفية (دفع الحياة ) إلى الإمام وفي (قوة الحياة) ليتبنى هذا الموقف من خلال إحدى شخصيات المسرحية التي تجسد هذه المواقف، لتعبر مسرحيته عن نظرة فلسفية بمضمون عميق وذات بعد تربوي وثقافي لتتجه بنية مسرحياته في طرح أسئلة ذات أهمية في محاولة لخلق تصور معين لهذه الحالة أو لتلك، لان في نظر (برنارد شو) بان في طبيعة الإنسان ميول (غريزية) تتجه نحو الحرية والسعادة والاستقلال؛ وهذه الأمور هي من تدفع الإنسان إلى الثورة والتمرد على العادات والتقاليد، وهذه ما يقود (برنارد شو) إلى تعميق التنظير في الموضوع ويفلسفه بشكل مثير، كما نجد ذلك في مسرحية (الإنسان والسوبرمان) و (الإنسان والسلاح) و مسرحية (منزل القلوب المحطمة)، لنجد بان (برنارد شو) يقدم شخصيات متنوعة في عالم المسرح من فلاسفة.. ومخترعين.. ومفكرين.. وفنانين.. ومجددين، من اجل رفع الوعي الإنسان من اجل المعرف والكمال، في وقت الذي يركز عن طبيعة الغرائز الإنسانية والتكامل بين (المرأة) و(الرجل) وتقديم مضامين بهذا الاتجاه لتجاوز فكرة الرجعية الرجل ونظرته المتخلفة باتجاه (المرأة)، من اجل القضاء عن أي تعصب فكري باتجاهها، كما قدمها في (سيدتي الجميلة)، لان في اعتقاد (برنارد شو) أي عناد باتجاه الدوافع الداخلية ونكرانها أو محاولة لتجاوزها ما هو إلا إقرار لنهايتنا، لذ فان أي تعصب لن يجدي، وما على الإنسان إلا الاتجاه نحو (التغير) من اجل قوة الحياة الجميلة ودفعها إلى الإمام، ولهذا عكف (برنارد شو) إلى تعميق طرح الأسئلة كما هو في طبيعة الفلسفة في طرح الأسئلة من اجل الوصول إلى الحقائق، فمسرحيته تتجه بهذا الاتجاه في طرح تساؤلات مهمة في طبيعة الحياة وفي طبيعة الأشياء التي تؤثر على السعادة من منغصات الألم.. والحزن.. والحرمان؛ ومن اجل السعي الناجح إلى إمكانية الإنسان العيش بأفضل الحياة وإبقاء تواصله؛ وهي محاور رئيسية في جل مسرحياته التي يتجاوز عددها على (خمسين) مسرحية التي ما تزال تتربع على المسارح العالمية مثل (بيوت الأرامل - 1892) و (السلاح والإنسان) و(استعداد للزواج) و ( سوء الزواج ) و(القديس يوحنا) و(بيت القلوب المحطمة - 1919) و( الإنسان وسوبرمان- 1905) و( كانديدا - 1897) و( الخطيئة الأولى- 1894) و (سيدتي الجميلة او بيجماليون - 1913) التي نال عنها (برنارد شو) جائزة نوبل عام 1925، و(العابث) و(مهنة السيد وارن) و(لن تستطيع أن تتنبأ) و(تحول الكابتن براس باوند) و(قيصر وكليوباترا - 1901) و(جنيف - 1898) و (الرائد باربرا - 1905) و(ثلاث مسرحيات للمتطهرين) و (القديسة جوان) و(حيرة طبيب - 1906) و(عربة التفاح) و(على الثلج) و (حواري الشيطان - 1897) و(لا أكاد أصدق) و(جزيرة جون بول الأخرى) و(المال ليست له رائحة - 1892) و(المليونيرة - 1934) ومسرحيات أخرى، وجل إعماله المسرحية كتبها (برنارد شو) من اجل زيادة الوعي عند الإنسان ومن اجل فتح بصيرته اتجاه الحياة بما يعمق في ذاته القيم الأخلاقية لإصلاح مسيرة حياته ومن اجل قيم مجتمعية سامية، ولم يسعى (برنارد شو) من خلال كل كتباته سوى إلى هذا الهدف؛ لأنه لم يسعى إلى باعث أخر لأنه كما قال : ((إن بإمكان إن أعيش واحصل على لقمة عيش بدون المسرح)). وكما هو معروف عنه انه عاش حياة كفيفة ولم يسعى إلى الغنى وامتلاك القصور والعمارات؛ وهو الأمر الذي جعله يرفض استلام جائزة (نوبل) للآداب عام 1925 التي منحت له ولكن بعد تفاوضه مع الأكاديمية وافق على قبول الجائزة متبرعا بقيمتها من اجل تشجيع نشر إعمال المؤلفين إلى اللغة الانكليزية من بلاد الشمال أي من وطنه الأصلي (ايرلندا) بعد إن أقنعته زوجته أن استلام الجائزة بمثابة اعتراف بوطنه (أيرلندا)، لان (برنارد شو) كان متعاطفا مع الفقراء والطبقات السحيقة ومنددا بالنظام الرأسمالي الجشع، وقد ظلت مواقفه هذه قائمة حتى وفاته؛ الأمر الذي جعله يرفض زيارة الولايات (الأمريكية) حتى لا يرى تمثال (الحرية) فيها وهي الدولة التي تمتهن الإنسان ويذل فيها، فـ(أمريكا) بنسبة له هي الدولة انتقلت من البدائية إلى الانحلال دون أن تعرف الحضارة وهذه هي سخرية القدر- كما يقول - ولهذا كانت ميوله (الاشتراكية) طاغية في أعمالة وتصرفاته فعلا وقولا، لذلك سخر قلمه وأدبه وفنه المسرحي من اجل مناصرة الطبقات الكادحة وقضايا الإنسانية في كل إعماله المسرحية، وقد جسد هذه المشاعر في مسرحيته (الرائد باربرا) بعد إن أعطى لكتاباته بعدا (اشتراكيا) و بعد إن تحولت حياته إلى كاتب مرموق، بعد أمد ليس بالقصير لم تحضي كتباته أي صدى عند المتلقين، ولكن بتحوله (الاشتراكي) وتسخير قلمه لقضايا الطبقات الكادحة وتميز كتباته بنقد الفكر الإنساني وبالكفاءة عالية وبما طغت عليها بطابع (السخرية اللاذعة) والتي من خلالها عبر عن هموم وتطلعات المجتمع، فلم تخلو إعماله إلا وقد صاغها وسبكها في قالب من (السخرية الخفيفة) تحمل في متنها جرعة من الضحك ولمسة من الفكاهة؛ ولكن بطابع نقدي تربوي وليس بشكل عبثي غير مجدي؛ لان إيمانه كان يتجه بان الفكاهة؛ وهي انعكاس حقيقي لـ(مرآة الواقع)، فكانت كل طرائفه تتمتع بخفة وعفوية صادقة وتأتي بسرعة بديهة؛ وهذه الصفات امتزجت بشكل تام مع طبيعة شخصيته والتي تميزت بقالب خاص ومتميز؛ وقد ورث هذه ميزة في شخصيته من (والده) الذي عرف عنه بأنه كان في إي موقف يمر فيه إلا وكان يطلق تعليق بنكته وسخرية ويجهر بما يفعل؛ كونه كان على الدوام يحتسي الكثير من الخمر الأمر الذي يجعله لا يبالي بأي شيء فكان يجهر برأيه بسرعة خاطر دون مبالاة ويخالف المألوف متمردا على التقاليد السائدة، وكان(برنارد شو ) وهو في سنين الطفولة يرافقه – كما ذكرنا - فتعلم الشيء الكثير من (والده) ولكن في نفس الوقت شكل احتساء الخمر لديه رد فعل خاص بكونه تجنب احتسائها طوال حياته؛ بما طبع في ذهنه من حالة سكر (والده) فابتعد عنها؛ ولكن تعلم من سخرية (والده) وتعليقاته ونكاته العفوية وهو في حالة السكر الشيء الكثير، وقد جندها (برنارد شو) بوعي وحنكة في أدبه المسرحي بعد إن صقل موهبته في الكتابة عبر التثقيف الذاتي، ولهذا حول هذا النمط من (السخرية) إلى وسيلة لتعبير عن مفاهيم وغايات تعليمية تكون سريعة الفهم ومقبولة عند المتلقي؛ لذلك نجح (برنارد شو) في هذا السياق كل النجاح وتميز أدبه بها بشكل كبير، ولان (برنارد شو) تميز بهذا النمط من الطرفة والفكاهة والسخرية فإننا لا بد إن نذكر شي مما قاله في هذا المجال : نماذج من مواقفه وسخرياته يقال بان (برنارد شو) كان في إحدى المناسبات حين أتاه احد الصحفيين وسال (برنارد شو) عن إمكانيته في تعريف الرأسمالية.....؟ و (برنارد شو) كما هو معروف كان نحيفا وشعر رأسه قليل وذو لحية طويلة، فأجاب بسرعة خاطر: ((...الرأسمالية ...(بعد أن مرر يديه على لحيته) : إنها غزارة في الإنتاج، ( وبعدها مرر يديه على رأسه) وسوء في التوزيع...)). و يروى أيضا عن (برنارد شو)، إن الراقصة (ايزادورا) المشهورة في بريطانيا عرضت على (برنارد شو) عرضا مغريا فقالت له: ((...أنا أجمل نساء انكلترا، وأنت يا (برنارد شو) أذكى رجال انكلترا، وأنها لفرصة لو أنجبت منك طفلا، لجمع بين جمالي وذكائك فيكون أعجوبة العصر. فرد (برنارد شو): ارفض العرض....! وقال: لأني أخشى إن يخرج الولد وقد جمع بين عقلك أنت و جسمي أنا ... فيكون مصيبة العصر.... !)) . وأيضا روي عن (برنارد شو)، أن سيدة قالت له: ((لو كنت متزوجة منك لوضعت لك السم في القهوة . فأجابها (برنارد شو) : عزيزتي.. لو كنت زوجك لشربتها)). وسئل (برنارد شو) ذات مرة عن إحدى النساء إن كانت جميلة أم لا.. فقال: ((..دعني أراها عندما تستيقظ من نومها صباحا..........!)) ومن مواقف الطريفة لـ(برنارد شو) أيضا، انه كان ذات مرة يتجول في المكتبات التي تبيع الكتب القديمة، فهو كثيرا ما كان يتردد إليها، فوجد إحدى كتبه بين تلك الكتب وحين رفع ليتصفح كتابه هذا فوجئ بتوقيه في إهداء خاص إلى احد أصدقاءه، وعلى الفور قام (برنارد شو) بشراء هذه النسخة وكتب تحت الإهداء الأول: ((جورج برنارد شو يجدد تحياته إلى من يحترم الكلمة حق الاحترام .....!))، وأرسل النسخة بالبريد المضمون إلى هذا الصديق . ومن مواقفه الطريفة أيضا، حين التقى (ستالين) زعيم (الاتحاد السوفيتي) الذي كان (برنارد شو) من اشد المعجبين ومن المتحمسين ومن المؤيدين لتجربة (السوفيتية)، فجرى بين الشخصين حديث مطول لأكثر من ساعة وعند ختامه قال (ستالين) عن (برنارد شو) انه ((متعب لكنه مخلص وصادق)). فقال (برنارد شو) عن (ستالين) : (( إنني شديد الإعجاب بهذا (الجورجي) الذي كان بإمكانه أن يكون ابن غير شرعي لكاردينال ارستقراطي)). ويقال أن (ستالين) أعجبته هذه الملاحظة وظل طوال سنوات يرويها في مجالسه الخاصة . و يذكر بان (برنا رد شو) حين زار (ستالين) كانت ترافقه زوجته السيدة (أستور)، والتي لم تكن تتعاطف مع التجربة (السوفيتية) ولا مع (ستالين) تحديدا، علما بان (ستالين) كان مسبقا يعلم بهذه المعلومة، ومع هذا وافق بمقابلته لها احتراما لزوجها (برنا د شو) وحين قابلته سألته: ((متى يا سيدي الرئيس ستتوقف عن قتل الناس بنفس الطريقة التي كانت تجري أيام القيصر..))، ويبدو إن (ستالين) كان يتوقع منها هذا السؤال بكونه كان لديه معلومات عن مواقفها حتى قال لها مبتسما: ((حين يتحقق السلام)) . ومن طرائفه أيضا إن (تشترشل – رئيس وزراء أنكترى آنذاك) كان صديقا حميما لـ(برنارد شو) وكان يحب التحرش معه ليستمتع بسخرياته، فقال لـ(برنارد شو): ((.. إن من يراك يا (شو) - و (شو) هي كلمة مختصرة كانت تطلق لـ( برنارد شو) - يظن أن في (إنجلترا) مجاعة، حيث كان (برنارد شو) ذو بنية نحيفة جدا، بينما كان (تشيرشل) بدينا....!)) فأجاب (برنارد شو) على الفور: ((.. ومن يراك يعرف سبب هذه المجاعة....!)). ومن مواقف أخرى بين الرجلين هي انه ذات مرة أرسل (برنا رد شو) بطاقة دعوة إلى (تشيرشل) لحضور عرض إحدى مسرحياته ورفق معها ملاحة كتب فيها، ((بإمكانك إحضار صديق معك إن كان لك صديق.....!)). فرد (تشيرشل) الدعوة معتذرا، بكون لديه ارتباط أخر، ورافق رده بملاحظة تقول: ((أرجو أن ترسل لي بطاقتين للعرض التالي إذ كان هناك عرض......)) . أما طرائفه عن (المرأة) نذكر منها ((.. لم أشاهد في حياتي (امرأة) إلا ولها من القبح ما يغطي جمالها ......! )) . ((.. الزواج حياة شراكة، الرجل يقوم بالتدبير، والمرأة بالتبذير ......! )) . ((.. بعض النساء لديهن القدرة على تسلية أي رجل إلا الزوج.....! )) . ((.. الشخص الوحيد الذي يأمر (المرأة) بالصمت فتطيعه، هو المصور ....! )) . ((.. من قال أن (المرأة) ليس لها رأي....! (المرأة) لها كل يوم رأي جديد ....! )) . ((.. هناك رواية بوليسية مسلسلة يقبض فيها على الجاني من أول فصل....إنني أعني رواية الزواج.......! )) . ((.. (المرأة) الذكية ليست بحاجة لحق الاقتراع ولا تمانع بأن تترك الرجل يحكم طالما أنها تحكمه.......! )) . ((.. إخلاص (المرأة) كالتوابل، الإكثار منها يضر والإقلاع منها يمنع اللذة......! )) . ((.. تقلق (المرأة) على المستقبل لحين إن تجد زوجا، و يقلق الزوج على المستقبل بعد أن يجد زوجة ......! )) . ((.. يشعر (الرجل) بقوته فيغدق رحمته على (المرأة)، وتشعر (المرأة) بضعفها فتقسو على (الرجل).....! )) . ((.. (المرأة) هي (جمع) للهموم و (طرح) للأموال و(مضاعفة) للأعداء و(تقسيم) للرجال.....! )) . ((.. لتختبر مدى تهذيب (الرجل) أو (المرأة) راقب سلوكهم أثناء التشاجر.....! )) . ومما قاله (برنارد شو) في الحكمة: ((.. نصف المعرفة أكثر خطورة من الجهل.....! )) . ((.. الصمت هو أفضل تعبير عن الاحتقار......! )) . ((.. اختر الصمت كفضيلة؛ لأنك بفضله تسمع أخطاء الآخرين.. وتتجنب أن تقع فيها.....! )) . ((.. الموضة كالوباء تنتشر بسرعة.....! )) . ((.. إن طريق الحياة تمر عبر مصنع الموت....! )) . ((.. لا يمكن أن تكون بطلا ما لم تختبر الجبن......! )) . ((.. لقد علمتنا التجارب أن الإنسان لن يتعلم أبدا من تجاربه.....! )) . ((.. يمكن للإنسان أن يصعد أعلى القمم، لكن لا يمكنه البقاء هناك طويلا......! )) . ((.. الإنسان الذي لا يعرف كيف يعيش: يستحق الموت......! )) . ((.. لا نتوقف عن اللعب لأننا كبرنا.. إننا نكبر لأننا توقفنا عن اللعب.....! )) . ((.. القاعدة الذهبية هي أنه لا يوجد قواعد ذهبية.....! )) . ((.. لو كان لديك تفاحة ولدي تفاحة وتبادلناهما بيننا سيبقى لدى كل منا تفاحة واحدة، لكن لو كان لديك فكرة ولدي فكرة وتبادلنا هذه الأفكار، فعندها كل منا سيكون لديه فكرتين.....! )) . ((.. إنني أغفر لـ(نوبل) أنه اخترع الديناميت، ولكنني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل . )) . ((.. ليس هناك سوى دين واحد ولكن بمئات من النسخ.....! )) . ((.. السعادة كالقمح ينبغي ألا نستهلكه إذا لم نساهم في إنتاجه......! )) . ((..طالما لدي طموح فلدي سبب للحياة لان القناعة تعني الموت.....! )) . ((.. عليك أن تعتني بنفسك وبأناقتك، لأنك النافذة التي من خلالها يجب أن ترى العالم .....! )) . ((.. تمتع بصحتك قبل أن يصيبك المرض، وأنفق كل ما لديك قبل أن تموت....! )) . ((.. النجاح ليس عدم فعل الأخطاء, النجاح هو عدم تكرار الأخطاء....! )) . ((.. استطاعت الإنسانية أن تحقق العظمة والجمال والحقيقة والمعرفة والفضيلة والحب الأزلي، فقط على الورق......! )) . ((.. عندما يكون الآخر قريبا؛ نفكر بحسناته وإلا سيكون تحمله أمرا صعبا، ولكن في غيابه نسلي أنفسنا بتذكر مساوئه.......!)) . إما أقواله في السياسة ((.. الانتخابات هي رعب معنوي مثلها مثل الحروب، إلا أنه لا تسفك فيها الدماء، لكنها بالنسبة للمتورطين فيها مثل الوقوع في الوحل......! )) . ((.. السلطة لا تفسد الرجال، إنما الأغبياء إن وضعوا في السلطة فإنهم يفسدونها.......! )) . ((.. الاغتيال هو إجراء متطرف من الرقابة.......! )) . ((.. أول شرط للاستمرار هو إلغاء الرقابة........! )) . ((.. الحرية هي المسؤولية. ولهذا يخشاها معظم الرجال....! )) . ((.. تعلمت منذ زمن ألا أتصارع مع خنزير أبدا، لأنني سأتسخ أولا ولأنه سيسعد بذلك.....! )) . ((.. (الإنسان) هو الحيوان الوحيد الذي يثير رعبي.. بينما لا يشكل (الأسد الشبعان) أي أذى؛ فليس لديه أي مذاهب أو طوائف أو أحزاب......!)) . وهذه الأنماط من السخرية الهادفة تخللت في معظم مسرحياته مما أعطت لها طابعا متميز استقطبت الجماهير إليها بما إثارته في فكر ووعي وأحاسيس المتفرج، وكانت هذه (السخرية) بمثابة ترجمة صادقة لمشاعر الشعب تطرح خلجاتهم وتعبر عن حياتهم بما يعتريها من آلام.. وأحزان.. وبؤس.. وشقاء.. وآمال.. وأفراح، وهكذا كان (برنارد شو) يسلط الضوء على القضايا الاجتماعية من خلال تجربة الحياتية؛ لذلك اتجه في كتابة مسرحياته اتجاها اجتماعيا كناقد ومفكرا ليعبر عما تعانيه الطبقات السحيقة في المجتمع وتحديدا (الطبقة العمالية) التي كانت وكما التمسها من خلال تجربته في الحياة من استغلال.. واستعباد.. وقهر.. وحرمان.. وحالة الاغتراب التي كانت تسود أوساط هذه الطبقات، لذلك عمل في مسرحه على تسليط الضوء عن معاناة هذه الطبقات من اجل تحريضهم وتوعيتهم وتقويمهم؛ ليضطلع بالمسرح من مقولة (الماركسية) بمحاولة ((تغيير العالم بدلا من تفسيره...))، لان وظيفة المسرح (الاجتماعي) الذي التزم (برنارد شو) بمبادئه جعله مرآة تعكس آراءه (الاشتراكية) التي تسعى إلى إزالة الفوارق الاجتماعية بين الطبقات؛ ليعبر عن مصالح العمال وأمالهم، مسرح يتخذ من (الكوميديا) و(تراجيديا) اتجاها يمزج بينهما؛ فكان حريصا بان يقدم نصا(ميلودراما) يمزج بين الدمعة والضحك، لذلك حرص على تقديم مسرحا يتميز بناءه بوضوح الدراما مع شخصيات التي تقدم نفسها بنفسها وهي ترى وتلمس الحياة من خلال الأخر أو الآخرين، لذلك يكون الإنسان في مسرح (برنارد شو) أهم من الأداء التمثيلي وديكور المسرح لان تركيز مسرحه يقوم على الفكر (الاشتراكي)، ومن هنا تكمن صعوبة فهم مسرحه دون التوغل لمعرفة هدف المسرحية وطبيعة شخصياتها، كون (برنارد شو) كما أوضحنا سابقا انتمى إلى (الفابية الاشتراكية) وهو مذهب الذي يتجه اتجاها (اشتراكيا) ويدعو إلى المساواة والابتعاد عن الحروب وسفك الدماء دون سبب كما طرحها في مسرحية (الأسلحة والرجل) ، وبدل عن ذلك يجب الاعتماد على سياسة الجدل الفكري والحوار والنقاش كلغة بديلة عن الحروب متأثرا بآراء (هيغل) في الجدلية ومن خلال هذا الجدل كان (برنارد شو) يعالج القضايا الاجتماعية في مسرحياته، كما نلاحظ ذلك في مسرحية (بيت محطم القلب) و مسرحة (بيوت الأرامل) كما وانه كان حريصا على إن يسكب مسرحياته بنكهة كوميدية ساخرة كما نلاحظ ذلك في مسرحية (جزيرة جان بول الأخرى) التي تمتلئ مشاهدها من مقاطع مضحكة والى أقصى درجات الضحك . نماذج من مسرحياته فـ(برنارد شو) طرح موضوعات لمعالجة كل ألازمات الاجتماعية محرضا ومنورا وعي الطبقات المضطهدة من اجل تغير واقعها وتغير العالم ومن اجل إيقاظ وعي الإنسان وتنشئة الإنسان قادرا على هذا التغير، ولذلك حرص (برنارد شو) على إن يقدم نصا يشارك المتفرج مع العرض لا إن يكون مجرد متلقي، ليجعل من المسرح محطة لا يتوجه المجتمع إليه بل المسرح يتوجه إلى المجتمع لكي يسعى إلى تغير المجتمع، لان (برنارد شو) أراد إن يجعل من المسرح هدفا تربويا وأخلاقيا وسياسيا من اجل ترسيخ القيم الهادفة لمجتمع وساعيا لتوفير حلول لمشكلات المجتمع و تنشئته تنشئة اجتماعية ليكون مرآة تعكس ملامح المجتمع بكل ما هو فيه من محاسن وسيئات ليحفزه بتوجيه تربوي مؤثر لتغيير واقعه وليجعل الإنسان واعيا بأفعاله ولحب الخير والفضيلة ونبذ العنف والكراهية التي تلحق الأذى والضرر العام في المجتمع، لذلك عمل (برنارد شو) من خلال المسرح ليجعله ورشة تتدرب فيها النفس الإنسانية على القيم والأخلاق النبيلة والفضيلة؛ ليتم إعادة تقدير مواقفها واعتماد على لغة المنطق والعقل كأساس لأي رأي وموقف يتخذه الإنسان ليكون مواقفه سليمة لبناء أهداف سامية؛ وليتم تحقيق هدف الإنسانية في التنمية الاجتماعية، والقدوة الحسنة، لان مسعى (برنارد شو) كان من المسرح بان يجعله أداة لتحريك الشعوب والثورة ضد الظلم والفقر والفوارق الطبقية والاضطهاد. لذلك حرض (برنارد شو) على مسرح فكري اجتماعي يتناول فيه شتى نواحي الحياة لتكون موضوعات مسرحياته منبرا لعلاج أمراض المجتمع، ومن هنا تكمن أهمية مسرح (برنارد شو) بكونه خطاب مؤثر وهادف تنطلق حبكته وفق سياق درامي كوميدي وتراجيدي من اجل إثارة المشاهد وفق مواقف طريفة وهادفة لتصل الفكرة إلى المتلقي بسلاسة وعفوية فيتفاعل مع إحداثها تفاعلا ايجابيا لتسهم في أغناء وعي المجتمع فكريا وثقافيا كي يرتقى المجتمع إلى مستوى تحمل مسؤولياته في بناء ثقافة اجتماعية تساهم لرقيه. بجماليون أو سيدتي الجميلة فلو أخذنا مسرحية (بجماليون) التي كتبها (برنادشو) والتي اشتهرت باسم (سيدتي الجميلة) بعد ان تم اقتباس فكرتها إلى فلم سينمائي عام 1935 وفاز سيناريو الفلم الذي كتبه (برنارد شو) بجائزة (أوسكار) السينمائية عام 1939 كأفضل فلم مقتبس من مسرحية (بجماليون)، وقد سبق له الفوز بجائزة(نوبل) للآداب عام 1925 ، كما ذكرنا سابقا . وتعتبر هذه المسرحية من أفضل وأروع مسرحيات (برنارد شو) حيث وجدوا النقاد ومطلعي المسرح بكونها مليئة بقيم ومشاعر إنسانية فياضة استطاع (برنارد شو) التعبير بصدق بتعاطفه مع شخصية المسرحية التي خلقها وهي ممتلئة بنزعة إنسانية عميقة؛ ومع هذه الشخصية البسيطة - ولو انه كان ضد عملية الخلق التي تعرضت هذه الشخصية وضد الفنان المبدع لهذه الشخصية - فـ(برنارد شو) في هذا العمل أتقن لغته لتكون بقوة الفكرة التي انطلق في بلورتها في شخصية المسرحية.. وكيفية تقبل هذه الشخصية فكرة التعلم.. و(الاتيكيت) الكلام.. وكيفية الصرف والتكلم.. وكيفية التفكر.. وكيفية مواجه الفكرة.. وكيف وعيها بما تفعله خارج انطباعات لبيئة التي عاشت فيها.. وتعلم سلوكياتها لتواجه نمط أخر من سلوكيات هي جديدة لها . فالمسرحية بحجم عمقها الإنساني؛ هي طريفة وممتعة فكرا.. وفنا.. وإبداعا، فمسرحية (بجماليون) هي مسرحية مقتبسة من أسطورة (بجماليون اليونانية)، حيث تذهب (الأسطورة) بكون هناك نحات نحت تمثالا من الحجر المرمر لوجه وجسد امرأة، وارد أن تكون في منتهى الجمال والروعة فبالغ في صقلها وتعبير في تقسيمات وجهها وجسدها؛ لدرجة التي لم يبقى من جمالها وروعتها سوى النطق، ورمز هذه (الأسطورة) يستخدم في الإشارة إلى كل من يخلق شيئا جميلا ومميزا من أشياء عادية لا تثير المتلقي . ومن هذا المعنى اقتبس (برنارد شو) فكرة مسرحيته في (سيدتي الجميلة - بجماليون)، حيث قام بدور الفنان المبدع شخصية اسماها (برنارد شو) في المسرحية بـ(البروفيسور هنري هيجنز) وصديقه (الكولونيل بيكرنغ) حيث دار النقاش بينهما حول فتاة هي (اليزا دوليتل)، التي وجدوها في إحدى الأسواق وهي تبيع الزهور و تتحدث بلغة سوقية مبتذلة التصرف ومشاكسة، فأثار تصرفات هذه الفتاة (هيغنز) ليقول لصديقه إن بإمكانه خلال فترة وجيزة أن يحول هذه الفتاة إلى سيدة أرستقراطية، عبر تعليمها أسلوب الحديث وتدريبها على (الاتيكيت) وأصول الكلام وكيفية الحديث ليحولها إلى نسخة من سيدات المجتمع الارستقراطي وخلال ستة أسابيع فقط . فيرد (الكولونيل) منطقيا هذا غير ممكن، ليقوم الرهان بين الطرفين وعلى أثر ذلك يذهب (هنري هيغنز) إلى بائعة الزهور الصبية (اليزا) ويعرض عليها أن يعلمها المنطق مقابل بعض مال يعطيه لها ومال آخر يعطيه لأبيها، فبدون تردد توافق الفتاة، فيصطحبها في كل براءة إلى منزله وتبدأ التمارين على الفور، وهو يشعر بأنه يسابق الزمن. غير أن (اليزا) لم تخيب أمل (هيغنز)، بل تتجاوب معه إلى درجة أنها خلال التمارين أبدت من الاستعداد والفهم والذكاء واللباقة ما أذهل (هيغنز)، وخلال فترة محددة، نجحت (اليزا) في كل الاختبارات التي أجريت لها، من حيث نطق اللغة وأدائها وأسلوب الحوار؛ ولقد تجلى ذلك كله خلال حفلة صاخبة أقيمت في حديقة منزل احد أصدقاء (هنري هيغنز) حيث اصطحب (هيغنز) تلميذته (اليزا) إلى الحفلة ليقدمها إلى الحفل من دون أن يكشف سرها لأحد على أنها (دوقة - أو سيدة راقية)، وبالفعل تصرفت (اليزا) بمنتهى الذوق و(الاتيكيت) وهي في غاية الجمال والأناقة، وكأنها - دوقة أو سيدة راقية - حقيقية، وهذا تصرفها اثأر ذهول (هيغنز) و(الكولونيل)، في كيفية تصرفها وكأنها من أرقى العائلات الأرستقراطية. وبهذا النجاح اخذ (هنري هيغنز) و(الكولونيل) يهنئان نفسيهما وبنجاح التلميذة وقدرتها على إقناع الجميع بأنها سيدة المجتمع الارستقراطي حقيقية، ولكن في هذه الإثناء انتبهت (اليزا) إلى أساتذتها وهم لا يقيمان أي وزن لجهد التي هي بذلته في التعليم، فهي من جهة لم تبالي كثيرا بموقف (الكولونيل) لأنها لم تهتم به رغم انه كان يبادلها الود، ولكن موقف (هنري هيغنز) أغاظها كثيرا لأنها كانت مغرمة به؛ في وقت الذي لم يلاحظ ولم يشعر بها؛ وهذا ما أحزنها؛ والآن هو يتجاهلها كامرأة وإنسانة من لحم ودم تشعر وتحس وتتألم، بكونه كان يعتبرها مجرد مادة يختبر دراساته، صحيح أنها كانت مادة طيعة بين يديه مثل المادة التي صنع منها (بيجماليون) نحته كما جاء الحديث في (الأسطورة)، لكنها في نهاية الأمر هي كائن بشري تشعر وتحس وتحب وتحزن وتبكي وهي على يقين بأنها ليست مجرد دمية مصنوعة من الحجر، وهذا الإحساس كان عند (اليزا) بينما أستاذها (هنري هيغنز) يعيش خارجه هذا الإحساس، كونه كان مهووس بعلمه وبانتصاره ولم يخطر في باله أن للمادة التي اشتغل عليها فيها مشاعر ونبض وإحساس، ففي الوقت الذي كان ينمي لدى (اليزا) أسلوب الحياة الناجح، كان يملئ قلبها حب.. وحنان.. وشوق، وحين عجزت (اليزا) من قدرة (هيغنز) فهم مشاعرها اتجاه بعد انتصاره، تذهب إلى منزل والدته، السيدة الليبرالية الواعية، وهذه إذ تؤنب ابنها و تدفعه إلى التفكير في الأمر مليا ليدرك بأن (اليزا) أصبحت جزءا من حياته، ولكن ليس على النحو الذي كانت تأمله (اليزا) . حين يتوجه (هيغنز) إليها في صبيحة اليوم التالي يطلب منها السماح والعفو ويعرض عليها أن تعود إلى منزله لتعيش معه ومع صديقه (الكولونيل) كأصدقاء، فتثير غيض (اليزا) وغضبها فهي لم تشعر بأن (هيغنز) يغدر بحبها بل إنه الآن يغدر بكرامتها أيضا، فترفض العرض كونها لا تسعى إلى الحصول على صدقة منه وصداقة أو حياة مترفة، بل إن جل ما كان تبتغي هو الحب والحنان وأن ينظر(هيغنز) إليها بنظرة الحب، لكنه (هيغنز) يرفض ذلك، فيحاول إقناعها بأن هذا الأمر يتعارض مع طبيعته، ولهذا لم يبقى أمام (اليزا) التي أصبحت إنسانة لها شخصيتها بما تمتلك من ثقة بالنفس وقدرة على مجابهة الحياة، لذلك قررت أن تخرج من حياة أستاذها لتعلن أمامه وردا على تجاهل (هيغنز) المتواصل لعواطفها كي تتزوج من فتى فقير، لكنه نبيل، يوازيها عمرها وثقافتها و كان يحبها منذ زمن بعيد، كما أنها تعلن أمام (هيغنز) أنها لم تعد راغبة من الآن وصاعدا العودة إلى بيع الزهور طالما أن لهجتها الجديدة لا تمكنها من هذا؛ لذلك قررت التوجه نحو التدريس لتصبح أستاذة صوتيات، مثل معلمها (هيغنز) بل وتسعى إلى منافسته . ومن روعة حبكة هذه المسرحية اخذ عنها الكثير من الاقتباسات ولكن في بعض من هذه الاقتباسات تم تبديل نهايتها كما ظهر في عرض الفلم (سيدتي الجميلة) حيث تخرج نهاية سعيدة إذ يرتبط (هيغنز) و(إليزا) برباط الزوج في النهاية . بيوت الأرامل اما مسرحيته (بيوت الأرامل) والتي تعتبر من مسرحيات التي تتناول القضايا الاجتماعية فيها سكب (برنارد شو) كل مقومات والأسس التي أقام وبني عليها مسرح (برنارد شو) الاجتماعي فكريا وفنيا وضمن اتجاه الاشتراكي، فالمسرحية كتبت وعرضت في بداية العقد الأخير من القرن التاسع عشر، يدور موضوعها حول الطبيب الإنكليزي الشاب اسمه (ترنش) الذي يلتقي وهو في رحلة على ضفاف نهر (الرين) بصبية شابة إنكليزية تدعى (بلانش) فيقعان في قصة حب، ولكن حين يلتقي (ترنش) بوالد حبيبته (بلانش) وكان يدعو (سانتوريوس) يكتشف بأنه شخص بخيل جشع حقق ثروة الهائلة من خلال استغلال الفقراء وتأجيرهم منازل متهالكة آيلة على السقوط ولا تتمتع بأي ميزات صحية، ولا يقوم بصيانتها على الإطلاق، لان كل هم (سانتوريوس) هو الحصول على الأموال، ومن خلال تواصل الإحداث يكتشف (ترنش) من خلال موظف يعمل لدى (سانتوريوس) جشاعة هذا الأخير وإجرامه، ولذلك حين استطلع على مجمل سيرة عائلة خطيبته؛ فانه يطلب من خطيبته أن تتزوجه من دون أن تقدم أية أموال، فهو لن يقبل أي مال في حياته يأتي من مصدر غير نزيه و قذر إلى هذا الحد، لكن خطيبته (بلانش) ترفض ويتوقف مشروع الزواج، ولكن الموظف الذي كان قد فضح الحكاية كلها والذي كان يعمل عند والد خطيبته يتدخل ويصلح الأمور فيما بينهم، بكونه ذكر بأن والدها أقام مؤخرا بإنشاء مشروع سكني بمال نزيه؛ ليكون هذا المدخل حلا وسطي يسهل قبول كل طرف بالآخر وعودة الخطيبين بعضهما إلى بعض......! الرجل والسوبرمان إما مسرحية (برنارد شو) التي تربط بين وهم الأفكار وحتمية الواقع هي مسرحية (الرجل والسوبرمان) التي تعتبر من أطول مسرحياته كونها تتألف من أربعة فصول طويلة، فالموضوع الأساس للمسرحية يأتي عبر تفسير يخضع السجال حوله من خلال (حلم)، ليشكل هذا الحوار في المسرحية ما يمكننا أن نسميه (مسرحا داخل المسرح)، حيث يتداخل في المسرحية الصراعات والشخصيات والسجال والأحداث والأفكار والمواقف المتنوعة والمتناقضة في بعض الأحيان، إلى درجة إننا نشعر فيها بأننا أمام أمرين الأول (أمام الواقع) و الثاني (أمام الحلم) . فـ(برنارد شو) أرد أن في هذا العمل أن يطرح الأفكار والهموم التي كانت تشغل أفكاره وهو يتطلع إلى القرن العشرين وهو يطل على تطورات مجتمعية تحمل في طياتها صراعات الأفكار والمبادئ وعلى كاف أصعدة الحياة، حيث (المرأة) تتطلع قدما لأخذ حقوقها، وانتشار الأفكار التطورية (الدارونية) والوجودية والليبرالية والاشتراكية والى غيرها من الأفكار الاجتماعية، لذلك جاءت المسرحية بكونها أشبه بدروس فكرية التي أراد (برنارد شو) طرحها. فالموضوع رغم كونه طرح للأفكار إلا أن المسرحية أخذت طابعا كوميديا، فالمسرحية تسلط الضوء عن فتاة محاطة بوصيين من أساتذة بعد وفاة والدها، الأول يدعو (رامسدن) رجل كبير في السن وذو توجهات ليبرالية و صديق العائلة والثاني يدعو (جون تانر) وهو ذو نزعة ثورية ومؤلف ثوري، ومن هنا تتضح حجم التنافس بين الشخصيتين، فالأول صاحب القيم يتبنى أفكار تقدمية و يعارض أفكار الثاني الذي يتبنى أفكار (داروين) الذي يتجه اتجاها لتامين ولادة (إنسان سوبرمان)، ولهذا فانه يحمل أفكار غريبة، حيث يعتقد بان (المرأة) هي المسيطرة على الرجل، حتى حين يعتقد الرجل أنه هو المسيطر، ومن هنا فان الفتاة الحسناء (آن وايتفيلد) تتطلع لزواج منه سرا، ولكنه يتهرب من هذه الفكرة لأن في اعتقاده بأن الزواج والزوجة سيحولانه إلى كائن (بيولوجي)، فالزواج في ضنه سيضع حدا لنشاطه الفكري؛ بكون حسب اعتقاده في نظرية التطور بان وظيفة (المرأة) هي العمل على إبقاء النوع البشري عبر الحمل والولادة، و رغم أفكاره الغريبة هذه إلا أن (آن وايتفيلد) مغرمة بـ(جون تانر) الذي لا يتنبه إلى هذا، معتقدا بأنها ستتزوج من (اوكتافيوس روبنسون)، بكون صديقه مغرم بها حد الجنون، ولكن الأمور تتعقد حين يجتمع الحضور لمناقشة وصية والد (آن وايتفيلد)، ليعلن إن (فيوليت) شقيقة (أوكتافيوس حامل)، لكنها لن تبوح باسم رجلها، ولهذا فان (رامسدن) و(أوكتافيوس) يفاجئان بهذا الخبر، لكن (جون تانر) يثني على شجاعة (فيوليت) حين تكشف هوية رجلها وهو (هكتور) أمريكي الجنسية، فهم يتزوجان سرا في انتظار وصول (والد هكتور) من أميركا، في هذه الأثناء اخبر سائق (جون تانر) بان (آن وايتفيلد) تحبه وحين علم بهذا الأمر قرر الهروب لكي يتجنب أية فكرة عن الزواج، فيتوجه هو وسائقه إلى (سييرا نيفادا – الاسبانية)، ولكن أثناء فراره يتم القبض عليه وعلى سائقة من قبل زعيم قطاع الطرق المتمرد (مندوزا)، ليتبين لنا انه كان في الأصل صبي فندق وكان مغرماً بـ(لويز) أخت السائق لكنها رفضته، في اختصار صار (جون تانر) وسائقه في الأسر، و بعد حوار طويل ومتشعب مع زعيم قطاع الطرق المتمرد (مندوزا)، يخلد إلى النوم ليحلم بأنه - وهنا تبدأ القصة المسرحية تتداخل لتشكل المسرح داخل المسرح - وفي (الحلم) يرى دون جوان (تينوريو) بملامح (جون تانر)، و(الدونيا آنيا) رمز (المرأة) الكاملة في الأوبرا الشهيرة - ولها ملامح (آن وايتفيلد)، كما نرى التمثال والشيطان تباعا، أولهما له ملامح (رامسدن) والثاني ملامح (مندوزا) لتتعالى دراما المسرحية إلى مشاهد من الحوار والسجال والصخب بين الشخصيات الأربعة، حيث جميعا معا في الجحيم ، لكن هذا (الجحيم) ليس هنا مكانا للعذاب بل هو مملكة من ملذات عابرة وخيالات حادة؛ وكلها هذه الأمور هي تناقض مع عقل (جون تانر) . وهذا التناقضات التي تطرح هنا هي من صميم أفكار (برنارد شو) الذي حاول طرحها بعمق في هذه المسرحية، ومما طرحه قوله بان (الشيطان) هو في ذات الرجل لم يخلق سوى الحروب والدمار، بينما خلقت (المرأة) النوع الإنساني، وتتشعب الحوارات لتناول مفاهيم عن (الحب) و(الرومنطيقية) وما إلى ذلك، لينتهي الحلم بـ(آن وايتفيلد) التي كانت تسعى إلى الزواج من (السوبرمان)، وحين لم تجده ولم يتحقق لها هذا الحلم تقرر أن تصنعه بنفسها، وهنا يصحو (جون تانر) ومعه (مندوزا ) من هذا الحلم، ليعلما بأن (آن وايتفيلد) تبحث عن (جون تانر)، وجردت حملة لذلك، لتنتهي الأحداث على خير، وبالشكل الذي يرضي المتفرجين، إذ يرضخ (جون تانر) في نهاية الأمر لقوة الحياة وبيولوجيتها مجسدة بـ(آن وايتفيلد) و متخليا عن أفكاره . ويذكر هنا بان (برنارد شو) كتب مسرحية (الرجل والسوبرمان) في عام 1903 وهو في مقتبل العمر كنت أفكاره في أوج النضج لذلك عمل على تفلسف في لغة فن المسرح، ولهذا يقال لمسرحية (الرجل والسوبرمان) بأنها (ملهاة فلسفة) كونها من انضج مسرحياته على الإطلاق . كلمة الختام ولهذا سيبقى (برنارد شو) كاتبا (اشتراكيا) استطاع بلورة المفاهيم (الاشتراكية) بشكل سليم في مسرحياته التي تميزت بطابعها الاجتماعي العقلاني والتربوي والتثقيفي، ليجل من شخصياته محاورا لمعالجة الكثير من مشاكل الفلسفية التي طرحت من خلالها والتي واكبت عصر النهضة وما أفرزته من أفكار؛ ليتخذ لنفسه اتجاه لم يحد عنه لإرساء قيم (الاشتراكية) التي تزكي مصالح المجتمع على المصالحة الأفراد الذاتية الأنانية، وهذا الموقف الذي تبناه (برنارد شو) عبر عنها بأسلوب جاد وصادق وهادف؛ ليعطي صورة واقعية لما يتناوله، فهو لم يسعى للمبالغة في عملية تجديد للأشكال الفنية للمسرح؛ بقدر ما سعى إلى تجديد مضامين النص المسرحي وتحديدا في مساعيه في إيجاد أعلى درجات (السخرية) ولا سيما في المواضيع الجادة؛ لكي تصل الفكرة إلى المتلقي بشكل مؤثر ومقبول، ولهذا اشتهر موضوعات مسرحياته بهذه (السخرية) الهادفة، لتتحول النصوص عنده إلى نصوص فكاه.. وتعليق ساخر.. ونكتة خفيفة.. ولكن لها مغزى ودلاله عميقة في الفكر، كونه حول كل ما تناول قلمه من موضوعات جادة إلى (سخرية) هادفة لها دلالات فكرية في غاية الأهمية في أسلوب النقد الغير المباشر؛ سواء ما كان يتعلق أمرها بالحرب أو الحب أو العنف أو القضايا الاجتماعية الأخرى لدرجة التي باتت (السخرية) الحسنة والهادفة نقطة متميزة في عالم (برنارد شو) المسرحي . المصدر: فواد الكنجي]]> 124284 تانيا الخوري.. تتناول في عملها “أبعد ما تحملني البصمة” قضية اللجوء التي قاربتها في أعمالها غير ما مرّة http://www.souriyati.com/2019/06/24/124233.html Mon, 24 Jun 2019 10:49:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/06/24/124233.html تخيلّ أن تحفر قبراً بيديك العاريتين... أن تترك جزءاً من جسدك (ذراعك) لغريب (لاجئ) يرسم عليها وأنت لا تراه... كيف ستتصرّف لو كنت رجلاً وأُعطيت، لنصف ساعة، إمكانية أنْ تتحكّم في تصرّفات امرأة تقف في مكان عام دون أن تراك أو تعرف من أنت؟ أيّةَ أوامر ستعطيها عبر سمّاعة الأذن؟ هذه بعض المواضيع التي تتمحور حولها أعمال ومشاريع الفنّانة اللبنانية تانيا الخوري. في عملها المُعنوَن "أبعد ما تحملني البصمة"، الذي انطلق عرضه في لندن ثمّ انتقل إلى عدّة مدن قبل أن يحلّ بمدينة نيويورك مؤخّراً، تتناول الخوري (1982) قضية اللجوء التي قاربتها في أعمالها غير ما مرّة. وكما في عروضها السابقة، تأخذ الفنّانة المشارك عبر لعبة الحواس، مركّزةً هذه المرّة على حاستَي اللمس والسمع؛ حيث تحجب النظر عنه بطريقة ما. إنه عرضٌ فردي يستمرّ لمدة ربع ساعة تقريباً، وقد نفّذت فكرته مع مغنّي الراب وفنّان الغرافيتي الفلسطيني باسل الزراع. وعن ذلك تقول: "دُعيت في لندن إلى إقامة عرض حول موضوع الهجرة. لكنّني قرّرت تطوير الفكرة لتكون عن اللجوء، وأن أذهب أبعد من الحديث عن موجات اللجوء الأخيرة من سورية وغيرها، والتي شغلت الأوروبيين، وذلك بالحديث عن ملايين الفلسطينيّين الذي وُلدوا أباً عن جدّ، ومنذ سبعة عقود، كلاجئين، وما زالوا محرومين من العودة إلى بلادهم". تضيف: "أعرف باسل الزراع شخصياً حيث انتقل إلى العيش في لندن، وبدأنا المشروع قبل سنتَين، وكان من المفترض أن يُقام لمدّة محدّدة في لندن، لكن صادف أن حصل الفنّان على الجنسية البريطانية، وهو ما ساعدنا على الانتقال بالعرض بين دول عديدة، وقد قُدّم منذ ذلك الوقت في أكثر من ثلاثين مدينة". تنتمي أعمال الخوري إلى الفنّ التفاعلي أو الحي، وقد حقّقت من خلالها نجاحات محلّية ودولية. إنها أعمال يمكن الاشتراك فيها ولا يمكن، غالباً، اقتناؤها أو جمعها وتكديسها في بيوت الأغنياء أو المتاحف. في هذا السياق، تقول في حديثها إلى "العربي الجديد"، إنها تحرص على أن يكون هناك نتاج يمكن استخدامه للمصلحة العامة من قبل نشطاء أو صحافيّين أو أشخاص عاديين، حتى بعد انتهاء فترة العرض. تُذكّر عروضها التفاعلية بمسرح الألماني برتولد بريشت الذي اعتبر المشاهد (المشترك) الحلقة الأهمّ في العمل المسرحي، وهو الذي تُكتَب وتُعرض الأعمال من أجله؛ إذ تبني الخوري أعمالها بشكل رئيسي على التفاعل مع الزائر/ المشترك الذي تعطيه قدراً كبيراً من الاستقلال، معتمدةً على تفاعله الفكري والجسدي والعاطفي. درست الخوري فنون المسرح في "الجامعة اللبنانية" ببيروت، قبل أن تنتقل عام 2005 إلى لندن لدراسة الماجستير ثم الدكتوراه، وتناول موضوع أطروحتها "البعد السياسي لفن العروض التفاعلي". عن ذلك تقول: "لم أولَد في عائلة مرتبطة بالفن وعوالمه. وأتساءل أحياناً عن السبب وراء ذهابي إلى الجامعة اللبنانية ودراسة المسرح"، ثمّ تُجيب: "أعتقد أنه كان أمراً عفوياً. أؤمن بأن الجمهور يجب أن يكون جزءاً من العرض، ليس فقط في الفن التفاعلي بل حتى عندما درست المسرح. عرضت مشروع التخرُّج، مثلاً، في قاعة كانت أشبه بكنيسة قديمة ودعوت الجمهور إلى أن يكون جزءاً منه، ولم أكن أعرف في حينه أن هناك عالماً كاملاً يُسمّى الفن التفاعلي، وأن هؤلاء الذين يعملون فيه لا يأتون من المسرح فقط، بل من الفنون البصرية أيضاً". تضيف المتحدّثة أن العرض لا يمكن أن يستقيم إن لم يكن الجمهور موجوداً، لافتةً إلى أن أحد الأمور التي تحبّها في هذا هو اختلاف كلّ عرضٍ باختلاف المشارك. ترتكز أعمالها، أحياناً، على فكرة بسيطة، قد تكون سمِعت عنها في نشرة الأخبار أو على وسائل التواصل الاجتماعي، لتتحوّل بعدها إلى مشروع حمّال لمعانٍ يستغرق العمل عليه أشهراً أو سنوات عدّة. وفي عملها "حدائق تتكلّم" تُدخل الخوري المُشترِك في العرض إلى سراديب الحرب في سورية وتبعاتها على حياة الناس؛ إذ يتناول العمل عشر قصص لسوريّين قُتلوا مع بداية الانتفاضة ضدّ النظام، واضطرّ أهلهم إلى دفنهم سرّاً في حدائقهم المنزلية أو في حدائق عامّة لأسباب عديدة، من بينها عدم قدرتهم على الوصول إلى المقابر، أو بسبب استهداف وقصف الجنازات من قبل النظام. قرأت الفنّانة اللبنانية عن الموضوع لأوّل مرّة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتساءلت عن معنى دخول الموت حيّزَ الحياة اليومية أو غيابه عنها، وعن معنى تحوُّل حديقة خاصة أو عامّة إلى مدفن. تأخذ الخوري نفساً عميقاً قبل أن تشرح: "كلبنانية، عشت طفولتي في الحرب الأهلية، وكنت دائماً أتخيّل أو أشعر بأن التراب الذي نمشي عليه يحمل في طياته قصص المجازر والمعارك التي دارت خلال الحرب، وكأننا نمشي على الجثث. هذا الشعور ينتابني وأنا في الولايات المتّحدة وفي غيرها من البلدان ذات الماضي الاستعماري. في البداية، فكّرتُ أن أجمع قصصاً من جميع بلدان الانتفاضات العربية، ولكن استقرّ الأمر بي في نهاية المطاف على قصص سورية، خصوصاً أنَّ المشروع انطلق من بيروت، حيث أُقيم أوّلُ عرض". أمّا عرض "حدائق تحكي"، فيعتمد على قصص ومقابلات أجرتها الفنّانة في بيروت ولندن مع سوريّين اضطرّوا إلى ترك بلادهم، إضافةً إلى آخرين داخل سورية أجرت المقابلات معهم للمشروع الناشطةٌ السورية كنانة عيسى، ثم اختارت منها عشراً تمثّل مختلف أطياف الشعب السوري. في العرض، يرتدي الزائر ملابس بلاستيكية واقية ثم يدخل إلى مكان مظلِم فيه أربعة أطنان من الرمل. يتحسّس طريقه بمساعدة مصباح صغير يساعده على الوصول إلى واحدة من عشر بقع/ قبور مع شواهد. يتعيّن على الزائر حفر القبر بيديه حتّى يعثر على مصدر الصوت؛ وهي مسجّلةٌ تسرد عليه قصّة الضحيّة بأصوات أهله ومعارفه. يستمع الزائر إلى تلك القصص وهو متمدّد في القبر الذي وُضع عليه شاهد يحمل اسم الضحيّة. وبعد الانتهاء، يعيد دفن التسجيل الصوتي تحت التراب، في انتظار الزائر المقبل. تشير الخوري، الحاصلة على "جائزة المسرح الكلّي للابتكار" و"جائزة آرتشيس" في بريطانيا، إلى أنها اعتمدت في تنفيذ العمل على فكرة راودتها منذ وقت طويل: "طالما كنتُ أتصوّر أنه إن وضعنا أذننا على الأرض، يمكننا أن نستمع إلى قصص المفقودين". نيويورك - ابتسام عازم]]> تخيلّ أن تحفر قبراً بيديك العاريتين... أن تترك جزءاً من جسدك (ذراعك) لغريب (لاجئ) يرسم عليها وأنت لا تراه... كيف ستتصرّف لو كنت رجلاً وأُعطيت، لنصف ساعة، إمكانية أنْ تتحكّم في تصرّفات امرأة تقف في مكان عام دون أن تراك أو تعرف من أنت؟ أيّةَ أوامر ستعطيها عبر سمّاعة الأذن؟ هذه بعض المواضيع التي تتمحور حولها أعمال ومشاريع الفنّانة اللبنانية تانيا الخوري. في عملها المُعنوَن "أبعد ما تحملني البصمة"، الذي انطلق عرضه في لندن ثمّ انتقل إلى عدّة مدن قبل أن يحلّ بمدينة نيويورك مؤخّراً، تتناول الخوري (1982) قضية اللجوء التي قاربتها في أعمالها غير ما مرّة. وكما في عروضها السابقة، تأخذ الفنّانة المشارك عبر لعبة الحواس، مركّزةً هذه المرّة على حاستَي اللمس والسمع؛ حيث تحجب النظر عنه بطريقة ما. إنه عرضٌ فردي يستمرّ لمدة ربع ساعة تقريباً، وقد نفّذت فكرته مع مغنّي الراب وفنّان الغرافيتي الفلسطيني باسل الزراع. وعن ذلك تقول: "دُعيت في لندن إلى إقامة عرض حول موضوع الهجرة. لكنّني قرّرت تطوير الفكرة لتكون عن اللجوء، وأن أذهب أبعد من الحديث عن موجات اللجوء الأخيرة من سورية وغيرها، والتي شغلت الأوروبيين، وذلك بالحديث عن ملايين الفلسطينيّين الذي وُلدوا أباً عن جدّ، ومنذ سبعة عقود، كلاجئين، وما زالوا محرومين من العودة إلى بلادهم". تضيف: "أعرف باسل الزراع شخصياً حيث انتقل إلى العيش في لندن، وبدأنا المشروع قبل سنتَين، وكان من المفترض أن يُقام لمدّة محدّدة في لندن، لكن صادف أن حصل الفنّان على الجنسية البريطانية، وهو ما ساعدنا على الانتقال بالعرض بين دول عديدة، وقد قُدّم منذ ذلك الوقت في أكثر من ثلاثين مدينة". تنتمي أعمال الخوري إلى الفنّ التفاعلي أو الحي، وقد حقّقت من خلالها نجاحات محلّية ودولية. إنها أعمال يمكن الاشتراك فيها ولا يمكن، غالباً، اقتناؤها أو جمعها وتكديسها في بيوت الأغنياء أو المتاحف. في هذا السياق، تقول في حديثها إلى "العربي الجديد"، إنها تحرص على أن يكون هناك نتاج يمكن استخدامه للمصلحة العامة من قبل نشطاء أو صحافيّين أو أشخاص عاديين، حتى بعد انتهاء فترة العرض. تُذكّر عروضها التفاعلية بمسرح الألماني برتولد بريشت الذي اعتبر المشاهد (المشترك) الحلقة الأهمّ في العمل المسرحي، وهو الذي تُكتَب وتُعرض الأعمال من أجله؛ إذ تبني الخوري أعمالها بشكل رئيسي على التفاعل مع الزائر/ المشترك الذي تعطيه قدراً كبيراً من الاستقلال، معتمدةً على تفاعله الفكري والجسدي والعاطفي. درست الخوري فنون المسرح في "الجامعة اللبنانية" ببيروت، قبل أن تنتقل عام 2005 إلى لندن لدراسة الماجستير ثم الدكتوراه، وتناول موضوع أطروحتها "البعد السياسي لفن العروض التفاعلي". عن ذلك تقول: "لم أولَد في عائلة مرتبطة بالفن وعوالمه. وأتساءل أحياناً عن السبب وراء ذهابي إلى الجامعة اللبنانية ودراسة المسرح"، ثمّ تُجيب: "أعتقد أنه كان أمراً عفوياً. أؤمن بأن الجمهور يجب أن يكون جزءاً من العرض، ليس فقط في الفن التفاعلي بل حتى عندما درست المسرح. عرضت مشروع التخرُّج، مثلاً، في قاعة كانت أشبه بكنيسة قديمة ودعوت الجمهور إلى أن يكون جزءاً منه، ولم أكن أعرف في حينه أن هناك عالماً كاملاً يُسمّى الفن التفاعلي، وأن هؤلاء الذين يعملون فيه لا يأتون من المسرح فقط، بل من الفنون البصرية أيضاً". تضيف المتحدّثة أن العرض لا يمكن أن يستقيم إن لم يكن الجمهور موجوداً، لافتةً إلى أن أحد الأمور التي تحبّها في هذا هو اختلاف كلّ عرضٍ باختلاف المشارك. ترتكز أعمالها، أحياناً، على فكرة بسيطة، قد تكون سمِعت عنها في نشرة الأخبار أو على وسائل التواصل الاجتماعي، لتتحوّل بعدها إلى مشروع حمّال لمعانٍ يستغرق العمل عليه أشهراً أو سنوات عدّة. وفي عملها "حدائق تتكلّم" تُدخل الخوري المُشترِك في العرض إلى سراديب الحرب في سورية وتبعاتها على حياة الناس؛ إذ يتناول العمل عشر قصص لسوريّين قُتلوا مع بداية الانتفاضة ضدّ النظام، واضطرّ أهلهم إلى دفنهم سرّاً في حدائقهم المنزلية أو في حدائق عامّة لأسباب عديدة، من بينها عدم قدرتهم على الوصول إلى المقابر، أو بسبب استهداف وقصف الجنازات من قبل النظام. قرأت الفنّانة اللبنانية عن الموضوع لأوّل مرّة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتساءلت عن معنى دخول الموت حيّزَ الحياة اليومية أو غيابه عنها، وعن معنى تحوُّل حديقة خاصة أو عامّة إلى مدفن. تأخذ الخوري نفساً عميقاً قبل أن تشرح: "كلبنانية، عشت طفولتي في الحرب الأهلية، وكنت دائماً أتخيّل أو أشعر بأن التراب الذي نمشي عليه يحمل في طياته قصص المجازر والمعارك التي دارت خلال الحرب، وكأننا نمشي على الجثث. هذا الشعور ينتابني وأنا في الولايات المتّحدة وفي غيرها من البلدان ذات الماضي الاستعماري. في البداية، فكّرتُ أن أجمع قصصاً من جميع بلدان الانتفاضات العربية، ولكن استقرّ الأمر بي في نهاية المطاف على قصص سورية، خصوصاً أنَّ المشروع انطلق من بيروت، حيث أُقيم أوّلُ عرض". أمّا عرض "حدائق تحكي"، فيعتمد على قصص ومقابلات أجرتها الفنّانة في بيروت ولندن مع سوريّين اضطرّوا إلى ترك بلادهم، إضافةً إلى آخرين داخل سورية أجرت المقابلات معهم للمشروع الناشطةٌ السورية كنانة عيسى، ثم اختارت منها عشراً تمثّل مختلف أطياف الشعب السوري. في العرض، يرتدي الزائر ملابس بلاستيكية واقية ثم يدخل إلى مكان مظلِم فيه أربعة أطنان من الرمل. يتحسّس طريقه بمساعدة مصباح صغير يساعده على الوصول إلى واحدة من عشر بقع/ قبور مع شواهد. يتعيّن على الزائر حفر القبر بيديه حتّى يعثر على مصدر الصوت؛ وهي مسجّلةٌ تسرد عليه قصّة الضحيّة بأصوات أهله ومعارفه. يستمع الزائر إلى تلك القصص وهو متمدّد في القبر الذي وُضع عليه شاهد يحمل اسم الضحيّة. وبعد الانتهاء، يعيد دفن التسجيل الصوتي تحت التراب، في انتظار الزائر المقبل. تشير الخوري، الحاصلة على "جائزة المسرح الكلّي للابتكار" و"جائزة آرتشيس" في بريطانيا، إلى أنها اعتمدت في تنفيذ العمل على فكرة راودتها منذ وقت طويل: "طالما كنتُ أتصوّر أنه إن وضعنا أذننا على الأرض، يمكننا أن نستمع إلى قصص المفقودين". نيويورك - ابتسام عازم]]> 124233