ثقافة وفن – سوريتي http://www.souriyati.com موقع سوري الكتروني لكل السوريين Fri, 19 Jul 2019 12:40:00 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=4.9.10 133809177 سعاد العامري: ذاكرة فلسطينية في دمشق http://www.souriyati.com/2019/07/09/124615.html Tue, 09 Jul 2019 20:46:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/07/09/124615.html لم تأت الكاتبة والمعمارية الفلسطينية سعاد العامري (1951) إلى حقل الكتابة الروائية إلّا في مرحلةٍ متأخّرة من حياتها، حين نشرت روايتها الأولى "شارون وحماتي: يوميات الحرب في رام الله" (2003). تُرجمت الرواية، التي كتبتها خلال حصار قوّات الاحتلال الإسرائيلي مدينة رام الله سنة 2002، إلى قرابة عشرين لغةً، وحازت عدّة جوائز أدبيّة، لتجعل من مؤلّفتها واحدةً من أبرز الروائيات العربيات اللواتي يكتب عنهنّ بالإنكليزية اليوم. تتالت إصداراتها الروائية في ما بعد؛ ومن بينها "غولدا نامت هنا" (2013)، والتي تتتبّع فيها أثر أفرادٍ من عائلات فلسطينية داخل بلدهم المحتلّ وفي بلدان الشتات. ومن خلال حكاياتٍ أشخاص عاديّين في خلفية تحضر فيها مشاهد من فنّ العمارة الفلسطينية، تسخر العامري من محاولات الاحتلال محوَ الهوية الفلسطينية في القدس الغربية. وفي "مراد مراد: لا شيء تخسره إلّا حياتك" (2016)، اقتربت العامري من الحياة الإنسانية والاجتماعية لعمّال فلسطينيين يُغامرون للحصول على فرص عملٍ في المناطق المحتلّة، من خلال حكاياتٍ ترويها استناداً إلى تجربة شخصية قادتها إلى التنكُّر في زي رجلٍ وعبور الحدود "الإسرائيلية"، بشكل "غير قانوني" مع مجموعة من العمّال الفلسطينيّين. آخر رواياتها تحمل عنوان "دمشقيَ" (my damascus)، وقد صدرت بالإنكليزية عن "دار نساء بلا حدود" سنة 2016. في هذا العمل، تسرد الكاتبة، التي وُلدت في مدينة يافا لأب فلسطيني وأمّ سورية، مصائر ثلاثة أجيال من عائلةٍ في مدينة دمشق، من خلال قصّة شابّة فلسطينية تُدعى بسيمة تُسافر إلى العاصمة السورية وتتزوّج فيها، لكن فلسطين تظلّ حاضرةً في ذاكرتها وذاكرة أبنائها وأحفادها. تمزج الرواية بين التاريخ الجماعي والقصص الشخصية في حارات وأزقّة المدينة السورية العتيقة التي تُحوّلها العامري إلى شخصية من لحم ودم. قبل أيّام، صدرت النسخة العربية من الرواية عن "منشورات المتوسّط" في روما، بترجمة أنجزها الكاتب السوري المقيم في إسطنبول عماد الأحمد، على أن تصدر لاحقاً ضمن سلسلة "الأدب أقوى" التي تتضمّن طبعاتٍ فلسطينية لعددٍ من إصدارات "المتوسّط". ويُنتظَر أن يجري إطلاق الرواية في جلسةٍ تستضيفها "مؤسّسة عبد الحميد القطّان" في رام الله مساء بعد غدٍ الخميس، بحضور المؤلّفة. يُذكَر أن سعاد العامري تُقيم في الضفّة الغربية منذ 1981؛ حيثُ تعمل أستاذةً في العمارة بجامعة بيرزيت في رام الله. حازت دكتوراه في الهندسة المعمارية التي درستها في "الجامعة الأميركية" ببيروت، وجامعتَي أدنبرة وميشيغان، وأسّست عام 1991 مركز "رواق" الذي يُعنى بإعادة تأهيل وحماية التراث المعماري الفلسطيني. من مؤلّفاتها في مجال العمارة: "عمارة قرى كراسي"، و"البلاط التقليدي في فلسطين" بالاشتراك مع لينا صبح، و"العمارة الفلاحية في فلسطين: الفضاء والقرابة والنوع الاجتماعي". ]]> لم تأت الكاتبة والمعمارية الفلسطينية سعاد العامري (1951) إلى حقل الكتابة الروائية إلّا في مرحلةٍ متأخّرة من حياتها، حين نشرت روايتها الأولى "شارون وحماتي: يوميات الحرب في رام الله" (2003). تُرجمت الرواية، التي كتبتها خلال حصار قوّات الاحتلال الإسرائيلي مدينة رام الله سنة 2002، إلى قرابة عشرين لغةً، وحازت عدّة جوائز أدبيّة، لتجعل من مؤلّفتها واحدةً من أبرز الروائيات العربيات اللواتي يكتب عنهنّ بالإنكليزية اليوم. تتالت إصداراتها الروائية في ما بعد؛ ومن بينها "غولدا نامت هنا" (2013)، والتي تتتبّع فيها أثر أفرادٍ من عائلات فلسطينية داخل بلدهم المحتلّ وفي بلدان الشتات. ومن خلال حكاياتٍ أشخاص عاديّين في خلفية تحضر فيها مشاهد من فنّ العمارة الفلسطينية، تسخر العامري من محاولات الاحتلال محوَ الهوية الفلسطينية في القدس الغربية. وفي "مراد مراد: لا شيء تخسره إلّا حياتك" (2016)، اقتربت العامري من الحياة الإنسانية والاجتماعية لعمّال فلسطينيين يُغامرون للحصول على فرص عملٍ في المناطق المحتلّة، من خلال حكاياتٍ ترويها استناداً إلى تجربة شخصية قادتها إلى التنكُّر في زي رجلٍ وعبور الحدود "الإسرائيلية"، بشكل "غير قانوني" مع مجموعة من العمّال الفلسطينيّين. آخر رواياتها تحمل عنوان "دمشقيَ" (my damascus)، وقد صدرت بالإنكليزية عن "دار نساء بلا حدود" سنة 2016. في هذا العمل، تسرد الكاتبة، التي وُلدت في مدينة يافا لأب فلسطيني وأمّ سورية، مصائر ثلاثة أجيال من عائلةٍ في مدينة دمشق، من خلال قصّة شابّة فلسطينية تُدعى بسيمة تُسافر إلى العاصمة السورية وتتزوّج فيها، لكن فلسطين تظلّ حاضرةً في ذاكرتها وذاكرة أبنائها وأحفادها. تمزج الرواية بين التاريخ الجماعي والقصص الشخصية في حارات وأزقّة المدينة السورية العتيقة التي تُحوّلها العامري إلى شخصية من لحم ودم. قبل أيّام، صدرت النسخة العربية من الرواية عن "منشورات المتوسّط" في روما، بترجمة أنجزها الكاتب السوري المقيم في إسطنبول عماد الأحمد، على أن تصدر لاحقاً ضمن سلسلة "الأدب أقوى" التي تتضمّن طبعاتٍ فلسطينية لعددٍ من إصدارات "المتوسّط". ويُنتظَر أن يجري إطلاق الرواية في جلسةٍ تستضيفها "مؤسّسة عبد الحميد القطّان" في رام الله مساء بعد غدٍ الخميس، بحضور المؤلّفة. يُذكَر أن سعاد العامري تُقيم في الضفّة الغربية منذ 1981؛ حيثُ تعمل أستاذةً في العمارة بجامعة بيرزيت في رام الله. حازت دكتوراه في الهندسة المعمارية التي درستها في "الجامعة الأميركية" ببيروت، وجامعتَي أدنبرة وميشيغان، وأسّست عام 1991 مركز "رواق" الذي يُعنى بإعادة تأهيل وحماية التراث المعماري الفلسطيني. من مؤلّفاتها في مجال العمارة: "عمارة قرى كراسي"، و"البلاط التقليدي في فلسطين" بالاشتراك مع لينا صبح، و"العمارة الفلاحية في فلسطين: الفضاء والقرابة والنوع الاجتماعي". ]]> 124615 كذبوا عليكم حين أخبروكم ان اسمهم هو ” الهنود الحمر ” http://www.souriyati.com/2019/07/09/124574.html Tue, 09 Jul 2019 10:32:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/07/09/124574.html كذبوا عليكم حين قالوا لكم كريستوف كلومبوس اكتشف قارة جديدة ؛كريستوف كولومبوس كان مجرما .. كذبوا عليكم حين أخبروكم ان اسمهم هو " الهنود الحمر '' وكذبت عليكم هوليوود حين صورتهم لكم وحوشا يأكلون لحم البشر واقليات يقومون باغتصاب الأطفال وذبح النساء وتقديمهن كقرابين ... لم يكونوا اقليات .. ولم يكونوا مجرمين ؛ كانوا شعبا عظيما وحضارة عريقة ضاربة في العمق ؛ كانوا ملايين البشر ويمثلون قرابة ثلث سكان الأرض في ذلك الوقت ؛ كانوا أمة مسالمة تعيش على الصيد وتربية المواشي ولم يكن أبدا من طبعم العدوانية والإعتداء رغم الغزو والحروب التي كانت بينهم لم يكونوا أبدا سببا في تعاسة اي شعب من شعوب الأرض ؛ كانوا يعيشون في جنة بعيدا عن الحروب والتناحر الاوروبي والمجاعات وبعيدا عن القذارة والسياسة وكل شيء .. حتى جاءهم الأوروبيون .. لذالك حين تسمع موسيقاهم اليوم تشعر انها حزن وانين ؛ لأنهم تعرضوا لأشنع إبادة في التاريخ ،، إبادة لم يتحدث عنها أحد ؛ ولك ان تتصور كيف اختفت حضارة أزيد من مئة مليون إنسان وكيف اختفى أكثر من مئة شعب مختلف في طرفة عين وتم اجهاظهم من كتب التاريخ ؛ مزقهم الإنسان الجاهل بقتلهم .. ومزقهم أكثر الانسان المثقف حين كذب على التاريخ ودون القصة بالإتجاه المعاكس ... المجازر الأكبر في تاريخ الإنسانية ! اجل لقد قتلوهم بدون رحمة ولم يفرقوا بين الصغير والكبير والطفل الرضيع,, كانت حرب إبادة شاملة الهدف منها اقتلاع أمة كاملة من جذور التاريخ ؛ ونحن الحمقى الذين نتصور الهنود الحمر على أنهم شعب همجي فوضوي ولا نعرف الأمور على حقيقتها.. الإعلام قلب كل الموازين هناك وصور المجرم ضحية والضحية مجرم والنتيجة كانت قتل مئات الملايين من البشر دون أن يسمع بهم أحد ،، حين هربوا إلى قمم الجبال واعتصموا بها طلبا للرحمة من نيران الأوروبيين وبنادقهم ومدافعهم وطلبوا أن تتم معاملتهم بقليل من الإنسانية عقد الأوروبيون الصلح معهم وأرسلوا لهم الأغطية والأفرشة والأدوية في بادرة للصلح تقبلها الهنود الحمر بصدر رحب لأنهم شعب بدائي بسيط ابله لشدة بساطته... ولم يكونوا يعلمون أن تلك الأغطية كانت محملة بالجراثيم والأمراض القاتلة ففتك بهم الطاعون والأمراض والأوبئة وقضى عليهم ،، حتى تعفن هواء القارة الأمريكية من رائحة الجثث !! لقد كانت حربا لإبادة إنسانية برمتها .. واقتلاع حضارة كاملة وإذابتها في ذاكرة التاريخ,, بهذه الخطوة بنت أمريكا حظارتها ! العاهرة التي تتحدث اليوم عن السلام والديمقراطية تريد أن تجعلنا ننسى افعالها وانها أصلا قامت بطرق غير إنسانية ! 🐕💔 الأدب السياسي الساخر]]> كذبوا عليكم حين قالوا لكم كريستوف كلومبوس اكتشف قارة جديدة ؛كريستوف كولومبوس كان مجرما .. كذبوا عليكم حين أخبروكم ان اسمهم هو " الهنود الحمر '' وكذبت عليكم هوليوود حين صورتهم لكم وحوشا يأكلون لحم البشر واقليات يقومون باغتصاب الأطفال وذبح النساء وتقديمهن كقرابين ... لم يكونوا اقليات .. ولم يكونوا مجرمين ؛ كانوا شعبا عظيما وحضارة عريقة ضاربة في العمق ؛ كانوا ملايين البشر ويمثلون قرابة ثلث سكان الأرض في ذلك الوقت ؛ كانوا أمة مسالمة تعيش على الصيد وتربية المواشي ولم يكن أبدا من طبعم العدوانية والإعتداء رغم الغزو والحروب التي كانت بينهم لم يكونوا أبدا سببا في تعاسة اي شعب من شعوب الأرض ؛ كانوا يعيشون في جنة بعيدا عن الحروب والتناحر الاوروبي والمجاعات وبعيدا عن القذارة والسياسة وكل شيء .. حتى جاءهم الأوروبيون .. لذالك حين تسمع موسيقاهم اليوم تشعر انها حزن وانين ؛ لأنهم تعرضوا لأشنع إبادة في التاريخ ،، إبادة لم يتحدث عنها أحد ؛ ولك ان تتصور كيف اختفت حضارة أزيد من مئة مليون إنسان وكيف اختفى أكثر من مئة شعب مختلف في طرفة عين وتم اجهاظهم من كتب التاريخ ؛ مزقهم الإنسان الجاهل بقتلهم .. ومزقهم أكثر الانسان المثقف حين كذب على التاريخ ودون القصة بالإتجاه المعاكس ... المجازر الأكبر في تاريخ الإنسانية ! اجل لقد قتلوهم بدون رحمة ولم يفرقوا بين الصغير والكبير والطفل الرضيع,, كانت حرب إبادة شاملة الهدف منها اقتلاع أمة كاملة من جذور التاريخ ؛ ونحن الحمقى الذين نتصور الهنود الحمر على أنهم شعب همجي فوضوي ولا نعرف الأمور على حقيقتها.. الإعلام قلب كل الموازين هناك وصور المجرم ضحية والضحية مجرم والنتيجة كانت قتل مئات الملايين من البشر دون أن يسمع بهم أحد ،، حين هربوا إلى قمم الجبال واعتصموا بها طلبا للرحمة من نيران الأوروبيين وبنادقهم ومدافعهم وطلبوا أن تتم معاملتهم بقليل من الإنسانية عقد الأوروبيون الصلح معهم وأرسلوا لهم الأغطية والأفرشة والأدوية في بادرة للصلح تقبلها الهنود الحمر بصدر رحب لأنهم شعب بدائي بسيط ابله لشدة بساطته... ولم يكونوا يعلمون أن تلك الأغطية كانت محملة بالجراثيم والأمراض القاتلة ففتك بهم الطاعون والأمراض والأوبئة وقضى عليهم ،، حتى تعفن هواء القارة الأمريكية من رائحة الجثث !! لقد كانت حربا لإبادة إنسانية برمتها .. واقتلاع حضارة كاملة وإذابتها في ذاكرة التاريخ,, بهذه الخطوة بنت أمريكا حظارتها ! العاهرة التي تتحدث اليوم عن السلام والديمقراطية تريد أن تجعلنا ننسى افعالها وانها أصلا قامت بطرق غير إنسانية ! 🐕💔 الأدب السياسي الساخر]]> 124574 شبيحة المجرم بشار يعارضون زيارة كارول سماحة الى دمشق : لمعرفة السبب افتح الرابط http://www.souriyati.com/2019/06/26/124361.html Wed, 26 Jun 2019 11:45:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/06/26/124361.html لا يمكن وصف الحملة التي تعرضت لها المغنية اللبنانية كارول سماحة من طرف موالين للنظام السوري، بأنها عنصرية، أو ردّ من سوريين معتزين بوطنيتهم في وجه عنصرية مضادة يتعرض لها سوريون آخرون في لبنان، بل هي تجلٍّ جديد لشعور متضخم بالنصر من طرف الموالين للنظام السوري، الذين باتوا يزايدون على خطاب النظام الدبلوماسي والإعلامي، بعد سنوات من الضخ الرسمي في هذا الإطار. وشن موالون للنظام السوري هجوماً غاضباً ضد سماحة، معبّرين عن رفضهم استقبالها في دمشق لإحياء حفلة في قلعة دمشق، الشهر المقبل، بعد أيام من حفلة أحيتها المغنية نوال الزغبي، لم تشهد هذا الكمّ من الاستقطاب السياسي، وذلك رغم رفض الزغبي في مؤتمرها الصحافي الإدلاء بأي تصريح، لصالح النظام أو ضده، كما لم تعاني الزغبي من تبعات غنائها أغنية "جنة جنة جنة" التي وإن كانت تصنف كأغنية من التراث العراقي، إلا أنها ارتبطت في ذهن السوريين بالثورة السورية، بعدما غناها المعارض البارز عبد الباسط الساروت الذي فارق الحياة في وقت سابق من الشهر الجاري. ولا يعود غضب موالي النظام على سماحة إلى جنسيتها اللبنانية، مثلما يقتضي التعريف العنصري هنا، بل يرجع إلى تغريدة قديمة من العام 2016، للصحافي اللبناني ربيع فران، تعاطف فيها مع أطفال حلب، خلال الحملة العسكرية الهمجية للنظام وحلفائه حينها على أحياء المدينة الشرقية، والتي شكلت ربما ذروة العنف الذي مارسه النظام في البلاد. وكان ذنب سماحة أنها أعادت تغريد تلك التغريدة لا أكثر. وشاركت في الحملة الغاضبة أسماء معروفة بتشبيحها مثل الممثل والمخرج عارف الطويل على سبيل المثال. إثر ذلك، أصدرت سماحة، بياناً توضيحياً عبر صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، تبرأت فيه من أي موقف سياسي، وقالت: "أرفض أن ينسب لي أو ينسبني أحد أو يلصق بي موقفاً سياسياً ليس صادراً عني شخصياً، سابقاً أو حتى الآن، طوال مسيرتي الفنية لم أعبّر يوماً عن رأيي السياسي على أي منصة اعلامية حتى لا أوضع في إطار اصطفافات سياسية في زمن انقساماتها، طالما أن مواقفي وأغنياتي تعبّر عن توجهي الفني والإنساني". وتابعت: "يبدو أن هناك من يتولى التحريض ضد حفلتي في دمشق في 13 يوليو ضمن مهرجان فني وثقافي يهدف لإظهار البُعد الحضاري والثقافي لسورية.. وحتى هذا التاريخ أستعد للقاء جمهوري الغالي في سوريا الحبيبة بحماسة شديدة وأنتظر موعد اللقاء بشوق كبير.. مع خالص حبي للشعب السوري". والحال أن بيان سماحة هذا لا يخلو من مغالطات، إذ شاركت عبر صفحاتها الاجتماعية في السابق، منشورات عديدة، حيّت فيها الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، وقالت عنه العام 2015: "قادة مثله، لا نراهم سوى مرة كل 200 عام". وكتبت العام 2013: "بعد منع تسليح الجيش اللبناني والقضاء على الجيش العراقي والسيطرة على تونس وليبيا، لم يبق سوى الجيش السوري والمصري، الخطة واضحة ليتكم تفهمون". هذه المواقف من سماحة، ليست إنسانية بالتأكيد بل هي مواقف سياسية، وتفتح الباب على التساؤل عن معنى الموقف "الإنساني" بعد الربيع العربي، الذي أظهر بوضوح مدى الانقسام بين المدنيين في عدد من الدول العربية، وأنظمتهم الحاكمة التي ترتكب جرائم ضد الإنسانية. وبالتالي يقتضي الموقف الإنساني الذي يتشدق به فنانون كثر، لتبرير مشاركتهم في أنشطة فنية وثقافية تشرف عليها أجهزة رسمية، مثل الحفلات الفنية في سوريا التي تمولها وزارة الثقافة أو وزارة السياحة في حكومة النظام، أن يقفوا إلى جانب الشعوب التي تعاني من الاضطهاد، وليس العكس كما يحصل اليوم. بالطبع، لا مشكلة ربما في أن يلاحق الفنانون، سماحة أو غيرها، "رزقهم" بتركيزهم على جانب "البزنس" من نشاطهم الفني، ولن ينزعج أحد من المعجبين إن كان النجوم صريحين في حديثهم عن تلك النقطة، لأنها تبقى مهما كانت براغماتية، أفضل من النفاق الذي يمارس في التصريحات الباهتة حول الإنسانية والخلافات السياسية والأمن والأمان، لأن النفاق في النهاية لا يجلب لصاحبه سوى الاحتقار العام من كافة الأطراف. هذا الاحتقار الذي عبّر عنه موالو النظام السوري، ضد سماحة، يعود إلى فائض القوة المعنوية التي يشعرون بها في خطاب النظام الإعلامي والدبلوماسي الذي يروج لـ"النصر العسكري"، ويعني ذلك أن موقف النظام المتقبّل للأصوات التي لم تتكلم ضده بسوء طوال سنوات الثورة السورية، ليس موجوداً إزاء الأصوات التي صنعها بنفسه خلال الفترة نفسها، والتي باتت تبالغ في إظهار ولائها لرموز وقامات "الدولة السورية"، في مختلف المجالات، من رفض فناني النظام عودة الفنانين الرماديين والمعارضين لحضن الوطن، ومن بينهم عابد فهد، وصولاً لإظهار موقف متشنج من الفنانين العرب "الرماديين" كسماحة، بحجة وجود أصوات وطنية "وقفت إلى جانب الدولة السورية بشكل مشرف". هذا الخطاب المتشنج يرتبط بتغير سياسي وأمني، فمن جهة يحاول النظام الانفتاح على الأصوات التي لا تعتبر مسيئة له، لترويج فكرة الحياة الطبيعية التي ترتبط بدورها بمشاريع إعادة الإعمار في مرحلة لاحقة. ومن جهة أخرى، باتت الظروف الأمنية تسمح بتوجه تلك الأصوات إلى سوريا للعمل، لكن الخاسرين في هذه المعادلة هم الأصوات التي دعمت النظام طوال سنوات الحرب في البلاد من الداخل السوري، وتأملت في أن ترتفع مكانتها كمكافأة على ذلك الموقف "الوطني"، وهو ما لم يحصل، لأن غالبية تلك الأسماء، مغمورة، ولا تشكل إضافة للنظام في هذا التوقيت. ويدل على ذلك، أن الهجمة على سماحة لم تصدر عن نقيب الفنانين زهير رمضان، الصوت الرسمي، مثلما هو المعتاد، إذ كانت نقابة الفنانين هي الجهة التي تولت معركة تصفية الحسابات مع فناني البلاد، والتي تولت أيضاً مهمة تصنيف درجات الولاء والمعارضة لدى الفنانين السوريين والعرب، ولم يكن ذلك موقفاً شخصياً من رمضان، لأنه ناطق رسمي باسم النظام وجزء منه، ولا يستطيع أن يذهب بعيداً في ولائه، مهما كان تشبيحياً، من غير غطاء سياسي له. موقف النقابة الانفتاحي تجاه سماحة يتجلى في موقفها المنفتح المشابه تجاه نجمة عربية أخرى هي الممثلة والمغنية سيرين عبد النور. ففي العام 2017 تم منعها من دخول سوريا، مؤقتاً، من طرف رمضان نفسه، رغم أن الزيارة حينها كانت بقصد تصوير مسلسل "قناديل العشاق"، لكن النقابة ترحب اليوم بعبد النور التي تستعد لإحياء حفلة في مدينة اللاذقية الساحلية قريباً، من دون أن تعتذر عن زيارتها للاجئين السوريين في الأردن، وهو الشرط الذي وضعه رمضان أمام مسامحة عبد النور، وغيرها، على "غلطهم بحق سوريا". وسط ذلك، لا يمكن الاكتفاء بتبسيط ما حدث مع سماحة واختصاره في كلمة "العنصرية". فما تشهده سوريا، إعلامياً وفنياً، بموازاة المتغيرات السياسية والأزمات المالية، وضغوط البيئة الموالية للنظام عليه، أكبر من اختصارها في تأويلات ساذجة، خصوصاً إن كانت تلك التأويلات مرتبطة بسردية أوسع، في الإعلام الرسمي والحليف، تسعى لتلميع سياسة النظام الانفتاحية على محيطه الأوسع، لا أكثر.]]> لا يمكن وصف الحملة التي تعرضت لها المغنية اللبنانية كارول سماحة من طرف موالين للنظام السوري، بأنها عنصرية، أو ردّ من سوريين معتزين بوطنيتهم في وجه عنصرية مضادة يتعرض لها سوريون آخرون في لبنان، بل هي تجلٍّ جديد لشعور متضخم بالنصر من طرف الموالين للنظام السوري، الذين باتوا يزايدون على خطاب النظام الدبلوماسي والإعلامي، بعد سنوات من الضخ الرسمي في هذا الإطار. وشن موالون للنظام السوري هجوماً غاضباً ضد سماحة، معبّرين عن رفضهم استقبالها في دمشق لإحياء حفلة في قلعة دمشق، الشهر المقبل، بعد أيام من حفلة أحيتها المغنية نوال الزغبي، لم تشهد هذا الكمّ من الاستقطاب السياسي، وذلك رغم رفض الزغبي في مؤتمرها الصحافي الإدلاء بأي تصريح، لصالح النظام أو ضده، كما لم تعاني الزغبي من تبعات غنائها أغنية "جنة جنة جنة" التي وإن كانت تصنف كأغنية من التراث العراقي، إلا أنها ارتبطت في ذهن السوريين بالثورة السورية، بعدما غناها المعارض البارز عبد الباسط الساروت الذي فارق الحياة في وقت سابق من الشهر الجاري. ولا يعود غضب موالي النظام على سماحة إلى جنسيتها اللبنانية، مثلما يقتضي التعريف العنصري هنا، بل يرجع إلى تغريدة قديمة من العام 2016، للصحافي اللبناني ربيع فران، تعاطف فيها مع أطفال حلب، خلال الحملة العسكرية الهمجية للنظام وحلفائه حينها على أحياء المدينة الشرقية، والتي شكلت ربما ذروة العنف الذي مارسه النظام في البلاد. وكان ذنب سماحة أنها أعادت تغريد تلك التغريدة لا أكثر. وشاركت في الحملة الغاضبة أسماء معروفة بتشبيحها مثل الممثل والمخرج عارف الطويل على سبيل المثال. إثر ذلك، أصدرت سماحة، بياناً توضيحياً عبر صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، تبرأت فيه من أي موقف سياسي، وقالت: "أرفض أن ينسب لي أو ينسبني أحد أو يلصق بي موقفاً سياسياً ليس صادراً عني شخصياً، سابقاً أو حتى الآن، طوال مسيرتي الفنية لم أعبّر يوماً عن رأيي السياسي على أي منصة اعلامية حتى لا أوضع في إطار اصطفافات سياسية في زمن انقساماتها، طالما أن مواقفي وأغنياتي تعبّر عن توجهي الفني والإنساني". وتابعت: "يبدو أن هناك من يتولى التحريض ضد حفلتي في دمشق في 13 يوليو ضمن مهرجان فني وثقافي يهدف لإظهار البُعد الحضاري والثقافي لسورية.. وحتى هذا التاريخ أستعد للقاء جمهوري الغالي في سوريا الحبيبة بحماسة شديدة وأنتظر موعد اللقاء بشوق كبير.. مع خالص حبي للشعب السوري". والحال أن بيان سماحة هذا لا يخلو من مغالطات، إذ شاركت عبر صفحاتها الاجتماعية في السابق، منشورات عديدة، حيّت فيها الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، وقالت عنه العام 2015: "قادة مثله، لا نراهم سوى مرة كل 200 عام". وكتبت العام 2013: "بعد منع تسليح الجيش اللبناني والقضاء على الجيش العراقي والسيطرة على تونس وليبيا، لم يبق سوى الجيش السوري والمصري، الخطة واضحة ليتكم تفهمون". هذه المواقف من سماحة، ليست إنسانية بالتأكيد بل هي مواقف سياسية، وتفتح الباب على التساؤل عن معنى الموقف "الإنساني" بعد الربيع العربي، الذي أظهر بوضوح مدى الانقسام بين المدنيين في عدد من الدول العربية، وأنظمتهم الحاكمة التي ترتكب جرائم ضد الإنسانية. وبالتالي يقتضي الموقف الإنساني الذي يتشدق به فنانون كثر، لتبرير مشاركتهم في أنشطة فنية وثقافية تشرف عليها أجهزة رسمية، مثل الحفلات الفنية في سوريا التي تمولها وزارة الثقافة أو وزارة السياحة في حكومة النظام، أن يقفوا إلى جانب الشعوب التي تعاني من الاضطهاد، وليس العكس كما يحصل اليوم. بالطبع، لا مشكلة ربما في أن يلاحق الفنانون، سماحة أو غيرها، "رزقهم" بتركيزهم على جانب "البزنس" من نشاطهم الفني، ولن ينزعج أحد من المعجبين إن كان النجوم صريحين في حديثهم عن تلك النقطة، لأنها تبقى مهما كانت براغماتية، أفضل من النفاق الذي يمارس في التصريحات الباهتة حول الإنسانية والخلافات السياسية والأمن والأمان، لأن النفاق في النهاية لا يجلب لصاحبه سوى الاحتقار العام من كافة الأطراف. هذا الاحتقار الذي عبّر عنه موالو النظام السوري، ضد سماحة، يعود إلى فائض القوة المعنوية التي يشعرون بها في خطاب النظام الإعلامي والدبلوماسي الذي يروج لـ"النصر العسكري"، ويعني ذلك أن موقف النظام المتقبّل للأصوات التي لم تتكلم ضده بسوء طوال سنوات الثورة السورية، ليس موجوداً إزاء الأصوات التي صنعها بنفسه خلال الفترة نفسها، والتي باتت تبالغ في إظهار ولائها لرموز وقامات "الدولة السورية"، في مختلف المجالات، من رفض فناني النظام عودة الفنانين الرماديين والمعارضين لحضن الوطن، ومن بينهم عابد فهد، وصولاً لإظهار موقف متشنج من الفنانين العرب "الرماديين" كسماحة، بحجة وجود أصوات وطنية "وقفت إلى جانب الدولة السورية بشكل مشرف". هذا الخطاب المتشنج يرتبط بتغير سياسي وأمني، فمن جهة يحاول النظام الانفتاح على الأصوات التي لا تعتبر مسيئة له، لترويج فكرة الحياة الطبيعية التي ترتبط بدورها بمشاريع إعادة الإعمار في مرحلة لاحقة. ومن جهة أخرى، باتت الظروف الأمنية تسمح بتوجه تلك الأصوات إلى سوريا للعمل، لكن الخاسرين في هذه المعادلة هم الأصوات التي دعمت النظام طوال سنوات الحرب في البلاد من الداخل السوري، وتأملت في أن ترتفع مكانتها كمكافأة على ذلك الموقف "الوطني"، وهو ما لم يحصل، لأن غالبية تلك الأسماء، مغمورة، ولا تشكل إضافة للنظام في هذا التوقيت. ويدل على ذلك، أن الهجمة على سماحة لم تصدر عن نقيب الفنانين زهير رمضان، الصوت الرسمي، مثلما هو المعتاد، إذ كانت نقابة الفنانين هي الجهة التي تولت معركة تصفية الحسابات مع فناني البلاد، والتي تولت أيضاً مهمة تصنيف درجات الولاء والمعارضة لدى الفنانين السوريين والعرب، ولم يكن ذلك موقفاً شخصياً من رمضان، لأنه ناطق رسمي باسم النظام وجزء منه، ولا يستطيع أن يذهب بعيداً في ولائه، مهما كان تشبيحياً، من غير غطاء سياسي له. موقف النقابة الانفتاحي تجاه سماحة يتجلى في موقفها المنفتح المشابه تجاه نجمة عربية أخرى هي الممثلة والمغنية سيرين عبد النور. ففي العام 2017 تم منعها من دخول سوريا، مؤقتاً، من طرف رمضان نفسه، رغم أن الزيارة حينها كانت بقصد تصوير مسلسل "قناديل العشاق"، لكن النقابة ترحب اليوم بعبد النور التي تستعد لإحياء حفلة في مدينة اللاذقية الساحلية قريباً، من دون أن تعتذر عن زيارتها للاجئين السوريين في الأردن، وهو الشرط الذي وضعه رمضان أمام مسامحة عبد النور، وغيرها، على "غلطهم بحق سوريا". وسط ذلك، لا يمكن الاكتفاء بتبسيط ما حدث مع سماحة واختصاره في كلمة "العنصرية". فما تشهده سوريا، إعلامياً وفنياً، بموازاة المتغيرات السياسية والأزمات المالية، وضغوط البيئة الموالية للنظام عليه، أكبر من اختصارها في تأويلات ساذجة، خصوصاً إن كانت تلك التأويلات مرتبطة بسردية أوسع، في الإعلام الرسمي والحليف، تسعى لتلميع سياسة النظام الانفتاحية على محيطه الأوسع، لا أكثر.]]> 124361 فواد الكنجي: مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان http://www.souriyati.com/2019/06/25/124284.html Tue, 25 Jun 2019 09:31:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/06/25/124284.html مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان فواد الكنجي المدخل الإعمال الإبداعية لـ(جورج برنارد شو 1856 – 1950) هي التي فرضت نفسها وحضورها في المسرح العالمي بما تركته من تأثيرات كبيرة على الثقافة الإنسانية؛ لان يقيننا بان لا إبداع يتحقق إلا وفق آلية معقدة من البناء الثقافي والمعرفي وإمكانية (المبدع) في تشكيلها؛ حيث يقوم بتنظيم آلياتها لتعبير عنها في أعمال أدبية وفنية هادفة، فـ(المبدع) الحقيقي هو الذي يمتلك عمقا معرفيا وإدراكا واطلاعا على المنجزات الثقافية لمختلف شعوب الأرض أكانت تراثية أو حديثة أو معاصرة؛ ليستفاد منها لتكوين خزينته المعرفية والثقافية والتي تؤهله لتعبير عن موضوعات تلامس واقع المجتمعات التي يعيش فيها من اجل توعية الإنسان وإشراقه بثقافة وأفكار و بقيم إنسانية راقية تنير عقليته وسلوكه في المجتمع، لان في مجمل الأعمال الفكر من الأدب.. والفن.. والحضارة الإنسانية.. هي سلسلة متواصلة غير منقطعة من تراكمات فكرية تطرح لخدمة الإنسانية ورفدها بكل ما يعزز قدرات الإنسان في الرقي والازدهار والتحضر والتي تتكون وتتواصل نموها عبر مراحل التاريخ . ومن هنا فان التجربة الإبداعية التي تم توظيفها من قبل (برنارد شو) تم عبر مخزونه الثقافي ومن خلال خصوصيته وما استوحاه من موضوعات محلية وتراثية وعالمية؛ وعلى ضوء ذلك تم توظيف أدواته لإيجاد طقوس وعلاقات ضمن محيطه لهدف التغير وتوعية الإنسان ولتحسين سلوكه وتصرفاته اليومية ؛ لتفرض حضورها؛ ومن ثم تؤسس لها هوية خاصة في مجال الإبداع تمتلك القدرة على استقطب وإثارة الإعجاب ولفت الأنظار، وكل ذلك لا يتم للمبدع - أي كان ومنهم (برنارد شو) - ما لم يتم استجابة لتجارب تراثية وتاريخية وواقعية واجتماعية وتفاعله مع الحداثة لتنطلق من خصوصية المبدع وانتمائه لمحيطه الجغرافي؛ ليكون ما يقدمه (المبدع) ذو خصوصية لظروف البيئية ولها سمات اجتماعية هادفة بعيدا عن التقليد ومحاكاة الآخرين، فكلما كان المبدع قادرا على خلق خصوصية التميز كلما تقدم خطوة لتأسيس عملا إبداعيا هادفا ومؤهلا ليوازي تجارب الفنية العالمية . فـ(برنارد شو) ما كان يصل بفنه وإبداعه إلى العالمية إلا من خلال قدرته على استلهام محيطه المحلي الذي عاش فيه وقد أثار إحساسه، وهو كإنسان جمع بين تراكمات معاناته وما ذاقه من مرارة الحياة وقسوتها وهذه المعاناة هي التي صنعت مفرداته . فـ(برنارد شو) هو الإنسان جمع بين تراكمات المعاناة ليصنع منها مفردات لغته بوعي وإحساس تخاطب الأفئدة، ونحن نعلم بان (الكتابة) ما هي إلا أداة لتخفيف معاناة ألروح واغترابها من واقع المعاش فرض على المبدع فرضا؛ وهكذا جهد (برنارد شو) ومن خلال إمكانياته في استنطاق كل مفردات التاريخ والموروث والحياة الاجتماعية المحلية؛ فحقق نجاحه محليا ليتجه بعد ذلك في تكريس إبداعه عالميا، بعد إن أخذت إبداعاته وأعماله المسرحية تترجم وتسافر إلى مختلف مدن العالم وتلاقي نجاحا باهرا؛ بكونها كانت تحمل تجديدا وأسلوبا مغايرا عما كان سائدا؛ كونه طعم مسرحه بنكهة طقوس من (السخرية) الهادفة بطابعها المحلي والتراثي ويرسل إشارات زمانية ومكانية ضمنا و وفق خصوصية ودلالات لغوية معبرة عن واقع المجتمع من اجل التغير ومن اجل أهداف إنسانية نبيلة، مما استقطبت أعماله المسرحية اهتمام كل شعوب الأرض بما أثار فيهم متعة التأمل وفضول المعرفة، وهذا ما قاد اكبر رؤساء العالم مقابلته من (ستالين) و(تشرشل) وملوك وأمراء آخرين . حياته وإبداعه فـ(جورج برنارد شو 1856 -1950) كاتب مسرحي اعتبر رمزا للأدب الساخر الهادف؛ ومن أهم كتاب المسرح الاجتماعي؛ ولد في (دبلن – أيرلندي) وفي صباه غادر إلى (لندن - بريطانيا) وعاش فيها حتى وفاته، ورغم انه ترك الدراسة منذ الصغر ولكنه اصقل موهبته بكثرة المطالعة وقراءة لكتب الفلسفة والأدب واطلاعه على شتى أنواع الفنون وإبداعات الكتاب، ولكونه كان شديد تأثير بوالده، إذ كان منذ الصغر يرافقه في الذهاب إلى العمل؛ وقد عرف عن ولده بكونه شخص عنيد وسكير و ذو نكتة خفيفة، فورث هذا الطفل الشيء الكثير من خفة الدم والده وسخريته؛ والتي شكلت هذه الميزة - فيما بعد - الإطار العام لإنتاجه الفكري، لنستشف من ذلك حجم تأثير البيئة على سلوك (برنارد شو) منذ نعومة أظافره والتي تعد إحدى الأسباب لإبداعه الأدبي؛ وكما تأثرت علاقة البيئة الحاضنة له بعد انفصال والديه على سلوكه؛ مما اضطر الاعتماد على نفسه في كسب الرزق؛ رغم كونه رافق والده العمل منذ الصغر، ليكتسب (برنارد شو) خلال هذه الفترة الكثير من تجارب الحياة، فقد أمعن في تتبع ومراقبة حياة الفقراء بشكل مباشر؛ مما اتخذ من تلك الصور مشاهد حقيقية لتكوين أفكار لرواياته وقصصه ومسرحياته، فقد تعاطف مع معاناتهم مما جعله من اشد مناصرين ومدافعين عن حقوقهم، ومما عمق هذا الاتجاه في تفكيره و ولوعته بالقراءة ومتابعة الأفكار التقدمية الاشتراكية بشكل ملفت؛ فكان كثير التردد إلى دور الكتب والمكتبات العامة ليقرأ وليثقف نفسه بالعلم والمعرفة، رغم انه ترك دراسته ولم يتواصل التعليم المدرس بكونه اعتقد بان نظام التعليم في المدارس الحكومية تفرض عليه التلقين الإجباري، فاعتبر ذلك شيء من التقيد لحريته واعتبره سجن لا يطيقه، فرفض فكرة التعليم من اجل التحصيل الدراسي؛ فترك دراسته لأنه لم يجد فيها ما يبغي في توسيع معرفته بالتأمل والبحث والتفكير الحر والمطالعة، فشغف بفكرة التعليم من اجل العلم والمعرفة وتوسيع مدارك الإنسان لا من اجل الحصول على شهادات مدرسية، وهكذا اخذ يوسع مدركاته الفكرية بمزيد من المطالعة والقراءة والتأمل في الفكر الإنساني وفي علوم الأدب و الفلسفة متأثرا بالأفكار التي تتضمنها هذه الكتب ودلالاتها الخيالية والجمالية ولغتها العلمية، وكان تركيزه يتجه نحو الكتب الاشتراكية وكتابات (ماركس) و(انجلز)، فاخذ يتعمق في مناهجها من اجل وصول إلى براهين ونتائج كي يتيقن على ما يذهب إليه، ومن تلك المعطيات اخذ (برنارد شو) يفحص تجارب الحياة وظواهرها ليعتمد على تجسيدها عبر الرؤية وحدس وخيال وكأدوات فكرية وفلسفية يأخذ منها أسلوبا واتجاها أدبي ليتنفس فيها عبر كتابة مسرحيات هادفة يكتب فيها عما يكابده وبلغة تعبيرية جمالية صيغت بطابعها الفلسفي؛ فتناول شتى مواقف الحياة؛ فاتت مسرحياته برؤية فلسفية، لان (برنارد شو) تيقن بان لا يمكن لأي معنى إن يصل إلى هدفه ما لم نعيش تجربة ذاتها؛ فأنت لا تعرف معنى (الحب) ما لم تعش تجربته؛ وهكذا مع كل تجارب الحياة، ومن خلال هذه التجربة تستطيع حين ذاك إن تفلسف في ذلك الاتجاه لتصل إلى مستوى الدهشة التي هي تعطي للعمل الأدبي والفني قيمته الجمالية . ومن هنا فان مخيلة (برنارد شو) خضعت لتجارب وتواصل يومي مع قضايا المجتمع، تلك القضايا التي أمعن فيها (برنارد شو) تفكيره لإبداع مفاهيم تواكب المعرفة على كل مستويات الإفراد في المجتمع؛ وليس حكرا لفئة مثقفة فحسب، لان في نظره أي عمل لا يقوم على الحقائق ولا يلامس واقع المجتمع ستكون صورته مظللة، ومن هنا لابد لأي عمل مسرحي جاد؛ يصل إلى مبتغاة في التعليم والتوعية؛ لا بد أن يكون ذلك العمل مترجما لحقيقة واقع الحياة التي نعيشها لكي يتم استيعابها بشكل معرفي نحصن أنفسنا من المنزلقات؛ وعلينا إن نكتشف ونكشف متناقضات الحياة ونأخذ منها معالجات وبشتى تأويلات وإيحاءات ودلالات بكون ذلك هو الذي يحرك الفكر الإنساني ويبعده عن الجمود؛ ليكون تجديده بتجديد الفكر وبالتعبير صادق لتكون تلك التعبيرات صالحة بمعانيها المتعددة لحياة الإنسانية وبصورة اشمل وأوسع شكلا ومضمونا، وهذا المسار هو مسار الذي اتجه (برنارد شو) وبني تشكيله وخطابه ولغته في مسرحياته والذي حافظ على توازنه المعرفي بأفضل الأحوال، لتتصف نصوصه بكونها (اجتماعية) بامتياز وبارتباطها بأيدلوجية (اشتراكية)، فكان مناصرا ومدافعا عن هذه ألأيدلوجية؛ حيث اعتبر (برنارد شو) أحد مفكري ومؤسسي (الاشتراكية الفابية)، وقد انخرط في العمل السياسي؛ وبدأ نشاطه في مجال الحركة (الاشتراكية)، وقد تأثر بنظرية (التطور) وكان من الملحدين المتسامحين مع الأديان وانضم للجمعية (الفابية) - وهي جمعية (انكليزية) سعى أعضاؤها إلى نشر المبادئ (الاشتراكية) بالوسائل السلمية - إن إيمان (برنارد شو) بالفكر (الاشتراكي)، والتي صار بفضها إعماله تلاقي اهتمام النقاد والجماهير وتستقطب التفاتاتهم بأفضل صورة؛ بكونه نجح في استقطاب الجناح الثقافي والاجتماعي من أفراد المجتمع إلى مسرحياته وقد سلك في إيصال أفكاره (الاشتراكية) ضمن القضايا (الاجتماعية) عبر أسلوب (السخرية) التي تميز (برنارد شو) باتجاه قضايا السياسة.. والعلم.. والدين.. والاجتماع، ليجعل منه أسطورة في عالم المسرح لحجم ما استخدم فيها عبارات (السخرية) و(ضروب ألهجائه) و(الطرفة أو النكتة الخفيفة) لتتداول إلى يومنا هذا؛ فما تخلو مسرحية من مسرحياته ذات الطابع الاجتماعي منها؛ بتناول مشاكل الحب والفلسفة والسياسة وقضايا الاجتماعية بأسلوب شفاف؛ لتكون تلك الأعمال مرآة لهموم المجتمع من جهة ولألمه من جهة أخرى؛ وقدمها بأطروحات لا تخلو من السخرية وإبداعها وبنكهة تلامس هموم الإفراد التي تميز بها نتيجة وعيه في كيفية تكوين عباراتها بما امتلك من معرفة وأدوات متقنة وثقافة عالية، ليكون مسرحه نموذجا للأدب الهادف؛ سعيا لتطوير الفكر والوعي المجتمعي من اجل صناعة عالم أفضل . لقد تمكن (برنارد شو) من خلال وعيه ونظرته العميقة للحياة خلق فلسفة متميزة ومنفردة في إبداعه المسرحي، لتشكل مضامينها المقدمة عالما من المسرح الحديث، لأنه استطاع تغير أسلوب المسرح التقليدي عبر نظرة واقعية؛ تقدم المسرحية من خلال طرح موضوعا فلسفيا ليتم فيها تقديم تحليلات نقدية حول المضمون المقدم؛ كما في مسرحية (بجماليون - سيدتي الجميلة) على سبيل المثال وليس الحصر، فيتم ربط موضوع المسرحية التي يقدمها الكاتب بأفكاره، وهذه إحدى مميزات حداثة المسرح؛ والتي ارتبطت بخصوصية الكاتب (برنارد شو)، فجل ما قدمه من مسرحيات تكون موضوعاتها تعبيرا عن مضامين وتقنيات والبني الشكلية فيها متجهة من خلال فلسفة الكاتب ونظرته باتجاه واقع الحياة الحديثة آنذاك، والتي في مجمل مسرحياته يركز عن موضوع لا يخرج إطارها من فكرة الموضوع ذاته في كيفية (دفع الحياة ) إلى الإمام وفي (قوة الحياة) ليتبنى هذا الموقف من خلال إحدى شخصيات المسرحية التي تجسد هذه المواقف، لتعبر مسرحيته عن نظرة فلسفية بمضمون عميق وذات بعد تربوي وثقافي لتتجه بنية مسرحياته في طرح أسئلة ذات أهمية في محاولة لخلق تصور معين لهذه الحالة أو لتلك، لان في نظر (برنارد شو) بان في طبيعة الإنسان ميول (غريزية) تتجه نحو الحرية والسعادة والاستقلال؛ وهذه الأمور هي من تدفع الإنسان إلى الثورة والتمرد على العادات والتقاليد، وهذه ما يقود (برنارد شو) إلى تعميق التنظير في الموضوع ويفلسفه بشكل مثير، كما نجد ذلك في مسرحية (الإنسان والسوبرمان) و (الإنسان والسلاح) و مسرحية (منزل القلوب المحطمة)، لنجد بان (برنارد شو) يقدم شخصيات متنوعة في عالم المسرح من فلاسفة.. ومخترعين.. ومفكرين.. وفنانين.. ومجددين، من اجل رفع الوعي الإنسان من اجل المعرف والكمال، في وقت الذي يركز عن طبيعة الغرائز الإنسانية والتكامل بين (المرأة) و(الرجل) وتقديم مضامين بهذا الاتجاه لتجاوز فكرة الرجعية الرجل ونظرته المتخلفة باتجاه (المرأة)، من اجل القضاء عن أي تعصب فكري باتجاهها، كما قدمها في (سيدتي الجميلة)، لان في اعتقاد (برنارد شو) أي عناد باتجاه الدوافع الداخلية ونكرانها أو محاولة لتجاوزها ما هو إلا إقرار لنهايتنا، لذ فان أي تعصب لن يجدي، وما على الإنسان إلا الاتجاه نحو (التغير) من اجل قوة الحياة الجميلة ودفعها إلى الإمام، ولهذا عكف (برنارد شو) إلى تعميق طرح الأسئلة كما هو في طبيعة الفلسفة في طرح الأسئلة من اجل الوصول إلى الحقائق، فمسرحيته تتجه بهذا الاتجاه في طرح تساؤلات مهمة في طبيعة الحياة وفي طبيعة الأشياء التي تؤثر على السعادة من منغصات الألم.. والحزن.. والحرمان؛ ومن اجل السعي الناجح إلى إمكانية الإنسان العيش بأفضل الحياة وإبقاء تواصله؛ وهي محاور رئيسية في جل مسرحياته التي يتجاوز عددها على (خمسين) مسرحية التي ما تزال تتربع على المسارح العالمية مثل (بيوت الأرامل - 1892) و (السلاح والإنسان) و(استعداد للزواج) و ( سوء الزواج ) و(القديس يوحنا) و(بيت القلوب المحطمة - 1919) و( الإنسان وسوبرمان- 1905) و( كانديدا - 1897) و( الخطيئة الأولى- 1894) و (سيدتي الجميلة او بيجماليون - 1913) التي نال عنها (برنارد شو) جائزة نوبل عام 1925، و(العابث) و(مهنة السيد وارن) و(لن تستطيع أن تتنبأ) و(تحول الكابتن براس باوند) و(قيصر وكليوباترا - 1901) و(جنيف - 1898) و (الرائد باربرا - 1905) و(ثلاث مسرحيات للمتطهرين) و (القديسة جوان) و(حيرة طبيب - 1906) و(عربة التفاح) و(على الثلج) و (حواري الشيطان - 1897) و(لا أكاد أصدق) و(جزيرة جون بول الأخرى) و(المال ليست له رائحة - 1892) و(المليونيرة - 1934) ومسرحيات أخرى، وجل إعماله المسرحية كتبها (برنارد شو) من اجل زيادة الوعي عند الإنسان ومن اجل فتح بصيرته اتجاه الحياة بما يعمق في ذاته القيم الأخلاقية لإصلاح مسيرة حياته ومن اجل قيم مجتمعية سامية، ولم يسعى (برنارد شو) من خلال كل كتباته سوى إلى هذا الهدف؛ لأنه لم يسعى إلى باعث أخر لأنه كما قال : ((إن بإمكان إن أعيش واحصل على لقمة عيش بدون المسرح)). وكما هو معروف عنه انه عاش حياة كفيفة ولم يسعى إلى الغنى وامتلاك القصور والعمارات؛ وهو الأمر الذي جعله يرفض استلام جائزة (نوبل) للآداب عام 1925 التي منحت له ولكن بعد تفاوضه مع الأكاديمية وافق على قبول الجائزة متبرعا بقيمتها من اجل تشجيع نشر إعمال المؤلفين إلى اللغة الانكليزية من بلاد الشمال أي من وطنه الأصلي (ايرلندا) بعد إن أقنعته زوجته أن استلام الجائزة بمثابة اعتراف بوطنه (أيرلندا)، لان (برنارد شو) كان متعاطفا مع الفقراء والطبقات السحيقة ومنددا بالنظام الرأسمالي الجشع، وقد ظلت مواقفه هذه قائمة حتى وفاته؛ الأمر الذي جعله يرفض زيارة الولايات (الأمريكية) حتى لا يرى تمثال (الحرية) فيها وهي الدولة التي تمتهن الإنسان ويذل فيها، فـ(أمريكا) بنسبة له هي الدولة انتقلت من البدائية إلى الانحلال دون أن تعرف الحضارة وهذه هي سخرية القدر- كما يقول - ولهذا كانت ميوله (الاشتراكية) طاغية في أعمالة وتصرفاته فعلا وقولا، لذلك سخر قلمه وأدبه وفنه المسرحي من اجل مناصرة الطبقات الكادحة وقضايا الإنسانية في كل إعماله المسرحية، وقد جسد هذه المشاعر في مسرحيته (الرائد باربرا) بعد إن أعطى لكتاباته بعدا (اشتراكيا) و بعد إن تحولت حياته إلى كاتب مرموق، بعد أمد ليس بالقصير لم تحضي كتباته أي صدى عند المتلقين، ولكن بتحوله (الاشتراكي) وتسخير قلمه لقضايا الطبقات الكادحة وتميز كتباته بنقد الفكر الإنساني وبالكفاءة عالية وبما طغت عليها بطابع (السخرية اللاذعة) والتي من خلالها عبر عن هموم وتطلعات المجتمع، فلم تخلو إعماله إلا وقد صاغها وسبكها في قالب من (السخرية الخفيفة) تحمل في متنها جرعة من الضحك ولمسة من الفكاهة؛ ولكن بطابع نقدي تربوي وليس بشكل عبثي غير مجدي؛ لان إيمانه كان يتجه بان الفكاهة؛ وهي انعكاس حقيقي لـ(مرآة الواقع)، فكانت كل طرائفه تتمتع بخفة وعفوية صادقة وتأتي بسرعة بديهة؛ وهذه الصفات امتزجت بشكل تام مع طبيعة شخصيته والتي تميزت بقالب خاص ومتميز؛ وقد ورث هذه ميزة في شخصيته من (والده) الذي عرف عنه بأنه كان في إي موقف يمر فيه إلا وكان يطلق تعليق بنكته وسخرية ويجهر بما يفعل؛ كونه كان على الدوام يحتسي الكثير من الخمر الأمر الذي يجعله لا يبالي بأي شيء فكان يجهر برأيه بسرعة خاطر دون مبالاة ويخالف المألوف متمردا على التقاليد السائدة، وكان(برنارد شو ) وهو في سنين الطفولة يرافقه – كما ذكرنا - فتعلم الشيء الكثير من (والده) ولكن في نفس الوقت شكل احتساء الخمر لديه رد فعل خاص بكونه تجنب احتسائها طوال حياته؛ بما طبع في ذهنه من حالة سكر (والده) فابتعد عنها؛ ولكن تعلم من سخرية (والده) وتعليقاته ونكاته العفوية وهو في حالة السكر الشيء الكثير، وقد جندها (برنارد شو) بوعي وحنكة في أدبه المسرحي بعد إن صقل موهبته في الكتابة عبر التثقيف الذاتي، ولهذا حول هذا النمط من (السخرية) إلى وسيلة لتعبير عن مفاهيم وغايات تعليمية تكون سريعة الفهم ومقبولة عند المتلقي؛ لذلك نجح (برنارد شو) في هذا السياق كل النجاح وتميز أدبه بها بشكل كبير، ولان (برنارد شو) تميز بهذا النمط من الطرفة والفكاهة والسخرية فإننا لا بد إن نذكر شي مما قاله في هذا المجال : نماذج من مواقفه وسخرياته يقال بان (برنارد شو) كان في إحدى المناسبات حين أتاه احد الصحفيين وسال (برنارد شو) عن إمكانيته في تعريف الرأسمالية.....؟ و (برنارد شو) كما هو معروف كان نحيفا وشعر رأسه قليل وذو لحية طويلة، فأجاب بسرعة خاطر: ((...الرأسمالية ...(بعد أن مرر يديه على لحيته) : إنها غزارة في الإنتاج، ( وبعدها مرر يديه على رأسه) وسوء في التوزيع...)). و يروى أيضا عن (برنارد شو)، إن الراقصة (ايزادورا) المشهورة في بريطانيا عرضت على (برنارد شو) عرضا مغريا فقالت له: ((...أنا أجمل نساء انكلترا، وأنت يا (برنارد شو) أذكى رجال انكلترا، وأنها لفرصة لو أنجبت منك طفلا، لجمع بين جمالي وذكائك فيكون أعجوبة العصر. فرد (برنارد شو): ارفض العرض....! وقال: لأني أخشى إن يخرج الولد وقد جمع بين عقلك أنت و جسمي أنا ... فيكون مصيبة العصر.... !)) . وأيضا روي عن (برنارد شو)، أن سيدة قالت له: ((لو كنت متزوجة منك لوضعت لك السم في القهوة . فأجابها (برنارد شو) : عزيزتي.. لو كنت زوجك لشربتها)). وسئل (برنارد شو) ذات مرة عن إحدى النساء إن كانت جميلة أم لا.. فقال: ((..دعني أراها عندما تستيقظ من نومها صباحا..........!)) ومن مواقف الطريفة لـ(برنارد شو) أيضا، انه كان ذات مرة يتجول في المكتبات التي تبيع الكتب القديمة، فهو كثيرا ما كان يتردد إليها، فوجد إحدى كتبه بين تلك الكتب وحين رفع ليتصفح كتابه هذا فوجئ بتوقيه في إهداء خاص إلى احد أصدقاءه، وعلى الفور قام (برنارد شو) بشراء هذه النسخة وكتب تحت الإهداء الأول: ((جورج برنارد شو يجدد تحياته إلى من يحترم الكلمة حق الاحترام .....!))، وأرسل النسخة بالبريد المضمون إلى هذا الصديق . ومن مواقفه الطريفة أيضا، حين التقى (ستالين) زعيم (الاتحاد السوفيتي) الذي كان (برنارد شو) من اشد المعجبين ومن المتحمسين ومن المؤيدين لتجربة (السوفيتية)، فجرى بين الشخصين حديث مطول لأكثر من ساعة وعند ختامه قال (ستالين) عن (برنارد شو) انه ((متعب لكنه مخلص وصادق)). فقال (برنارد شو) عن (ستالين) : (( إنني شديد الإعجاب بهذا (الجورجي) الذي كان بإمكانه أن يكون ابن غير شرعي لكاردينال ارستقراطي)). ويقال أن (ستالين) أعجبته هذه الملاحظة وظل طوال سنوات يرويها في مجالسه الخاصة . و يذكر بان (برنا رد شو) حين زار (ستالين) كانت ترافقه زوجته السيدة (أستور)، والتي لم تكن تتعاطف مع التجربة (السوفيتية) ولا مع (ستالين) تحديدا، علما بان (ستالين) كان مسبقا يعلم بهذه المعلومة، ومع هذا وافق بمقابلته لها احتراما لزوجها (برنا د شو) وحين قابلته سألته: ((متى يا سيدي الرئيس ستتوقف عن قتل الناس بنفس الطريقة التي كانت تجري أيام القيصر..))، ويبدو إن (ستالين) كان يتوقع منها هذا السؤال بكونه كان لديه معلومات عن مواقفها حتى قال لها مبتسما: ((حين يتحقق السلام)) . ومن طرائفه أيضا إن (تشترشل – رئيس وزراء أنكترى آنذاك) كان صديقا حميما لـ(برنارد شو) وكان يحب التحرش معه ليستمتع بسخرياته، فقال لـ(برنارد شو): ((.. إن من يراك يا (شو) - و (شو) هي كلمة مختصرة كانت تطلق لـ( برنارد شو) - يظن أن في (إنجلترا) مجاعة، حيث كان (برنارد شو) ذو بنية نحيفة جدا، بينما كان (تشيرشل) بدينا....!)) فأجاب (برنارد شو) على الفور: ((.. ومن يراك يعرف سبب هذه المجاعة....!)). ومن مواقف أخرى بين الرجلين هي انه ذات مرة أرسل (برنا رد شو) بطاقة دعوة إلى (تشيرشل) لحضور عرض إحدى مسرحياته ورفق معها ملاحة كتب فيها، ((بإمكانك إحضار صديق معك إن كان لك صديق.....!)). فرد (تشيرشل) الدعوة معتذرا، بكون لديه ارتباط أخر، ورافق رده بملاحظة تقول: ((أرجو أن ترسل لي بطاقتين للعرض التالي إذ كان هناك عرض......)) . أما طرائفه عن (المرأة) نذكر منها ((.. لم أشاهد في حياتي (امرأة) إلا ولها من القبح ما يغطي جمالها ......! )) . ((.. الزواج حياة شراكة، الرجل يقوم بالتدبير، والمرأة بالتبذير ......! )) . ((.. بعض النساء لديهن القدرة على تسلية أي رجل إلا الزوج.....! )) . ((.. الشخص الوحيد الذي يأمر (المرأة) بالصمت فتطيعه، هو المصور ....! )) . ((.. من قال أن (المرأة) ليس لها رأي....! (المرأة) لها كل يوم رأي جديد ....! )) . ((.. هناك رواية بوليسية مسلسلة يقبض فيها على الجاني من أول فصل....إنني أعني رواية الزواج.......! )) . ((.. (المرأة) الذكية ليست بحاجة لحق الاقتراع ولا تمانع بأن تترك الرجل يحكم طالما أنها تحكمه.......! )) . ((.. إخلاص (المرأة) كالتوابل، الإكثار منها يضر والإقلاع منها يمنع اللذة......! )) . ((.. تقلق (المرأة) على المستقبل لحين إن تجد زوجا، و يقلق الزوج على المستقبل بعد أن يجد زوجة ......! )) . ((.. يشعر (الرجل) بقوته فيغدق رحمته على (المرأة)، وتشعر (المرأة) بضعفها فتقسو على (الرجل).....! )) . ((.. (المرأة) هي (جمع) للهموم و (طرح) للأموال و(مضاعفة) للأعداء و(تقسيم) للرجال.....! )) . ((.. لتختبر مدى تهذيب (الرجل) أو (المرأة) راقب سلوكهم أثناء التشاجر.....! )) . ومما قاله (برنارد شو) في الحكمة: ((.. نصف المعرفة أكثر خطورة من الجهل.....! )) . ((.. الصمت هو أفضل تعبير عن الاحتقار......! )) . ((.. اختر الصمت كفضيلة؛ لأنك بفضله تسمع أخطاء الآخرين.. وتتجنب أن تقع فيها.....! )) . ((.. الموضة كالوباء تنتشر بسرعة.....! )) . ((.. إن طريق الحياة تمر عبر مصنع الموت....! )) . ((.. لا يمكن أن تكون بطلا ما لم تختبر الجبن......! )) . ((.. لقد علمتنا التجارب أن الإنسان لن يتعلم أبدا من تجاربه.....! )) . ((.. يمكن للإنسان أن يصعد أعلى القمم، لكن لا يمكنه البقاء هناك طويلا......! )) . ((.. الإنسان الذي لا يعرف كيف يعيش: يستحق الموت......! )) . ((.. لا نتوقف عن اللعب لأننا كبرنا.. إننا نكبر لأننا توقفنا عن اللعب.....! )) . ((.. القاعدة الذهبية هي أنه لا يوجد قواعد ذهبية.....! )) . ((.. لو كان لديك تفاحة ولدي تفاحة وتبادلناهما بيننا سيبقى لدى كل منا تفاحة واحدة، لكن لو كان لديك فكرة ولدي فكرة وتبادلنا هذه الأفكار، فعندها كل منا سيكون لديه فكرتين.....! )) . ((.. إنني أغفر لـ(نوبل) أنه اخترع الديناميت، ولكنني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل . )) . ((.. ليس هناك سوى دين واحد ولكن بمئات من النسخ.....! )) . ((.. السعادة كالقمح ينبغي ألا نستهلكه إذا لم نساهم في إنتاجه......! )) . ((..طالما لدي طموح فلدي سبب للحياة لان القناعة تعني الموت.....! )) . ((.. عليك أن تعتني بنفسك وبأناقتك، لأنك النافذة التي من خلالها يجب أن ترى العالم .....! )) . ((.. تمتع بصحتك قبل أن يصيبك المرض، وأنفق كل ما لديك قبل أن تموت....! )) . ((.. النجاح ليس عدم فعل الأخطاء, النجاح هو عدم تكرار الأخطاء....! )) . ((.. استطاعت الإنسانية أن تحقق العظمة والجمال والحقيقة والمعرفة والفضيلة والحب الأزلي، فقط على الورق......! )) . ((.. عندما يكون الآخر قريبا؛ نفكر بحسناته وإلا سيكون تحمله أمرا صعبا، ولكن في غيابه نسلي أنفسنا بتذكر مساوئه.......!)) . إما أقواله في السياسة ((.. الانتخابات هي رعب معنوي مثلها مثل الحروب، إلا أنه لا تسفك فيها الدماء، لكنها بالنسبة للمتورطين فيها مثل الوقوع في الوحل......! )) . ((.. السلطة لا تفسد الرجال، إنما الأغبياء إن وضعوا في السلطة فإنهم يفسدونها.......! )) . ((.. الاغتيال هو إجراء متطرف من الرقابة.......! )) . ((.. أول شرط للاستمرار هو إلغاء الرقابة........! )) . ((.. الحرية هي المسؤولية. ولهذا يخشاها معظم الرجال....! )) . ((.. تعلمت منذ زمن ألا أتصارع مع خنزير أبدا، لأنني سأتسخ أولا ولأنه سيسعد بذلك.....! )) . ((.. (الإنسان) هو الحيوان الوحيد الذي يثير رعبي.. بينما لا يشكل (الأسد الشبعان) أي أذى؛ فليس لديه أي مذاهب أو طوائف أو أحزاب......!)) . وهذه الأنماط من السخرية الهادفة تخللت في معظم مسرحياته مما أعطت لها طابعا متميز استقطبت الجماهير إليها بما إثارته في فكر ووعي وأحاسيس المتفرج، وكانت هذه (السخرية) بمثابة ترجمة صادقة لمشاعر الشعب تطرح خلجاتهم وتعبر عن حياتهم بما يعتريها من آلام.. وأحزان.. وبؤس.. وشقاء.. وآمال.. وأفراح، وهكذا كان (برنارد شو) يسلط الضوء على القضايا الاجتماعية من خلال تجربة الحياتية؛ لذلك اتجه في كتابة مسرحياته اتجاها اجتماعيا كناقد ومفكرا ليعبر عما تعانيه الطبقات السحيقة في المجتمع وتحديدا (الطبقة العمالية) التي كانت وكما التمسها من خلال تجربته في الحياة من استغلال.. واستعباد.. وقهر.. وحرمان.. وحالة الاغتراب التي كانت تسود أوساط هذه الطبقات، لذلك عمل في مسرحه على تسليط الضوء عن معاناة هذه الطبقات من اجل تحريضهم وتوعيتهم وتقويمهم؛ ليضطلع بالمسرح من مقولة (الماركسية) بمحاولة ((تغيير العالم بدلا من تفسيره...))، لان وظيفة المسرح (الاجتماعي) الذي التزم (برنارد شو) بمبادئه جعله مرآة تعكس آراءه (الاشتراكية) التي تسعى إلى إزالة الفوارق الاجتماعية بين الطبقات؛ ليعبر عن مصالح العمال وأمالهم، مسرح يتخذ من (الكوميديا) و(تراجيديا) اتجاها يمزج بينهما؛ فكان حريصا بان يقدم نصا(ميلودراما) يمزج بين الدمعة والضحك، لذلك حرص على تقديم مسرحا يتميز بناءه بوضوح الدراما مع شخصيات التي تقدم نفسها بنفسها وهي ترى وتلمس الحياة من خلال الأخر أو الآخرين، لذلك يكون الإنسان في مسرح (برنارد شو) أهم من الأداء التمثيلي وديكور المسرح لان تركيز مسرحه يقوم على الفكر (الاشتراكي)، ومن هنا تكمن صعوبة فهم مسرحه دون التوغل لمعرفة هدف المسرحية وطبيعة شخصياتها، كون (برنارد شو) كما أوضحنا سابقا انتمى إلى (الفابية الاشتراكية) وهو مذهب الذي يتجه اتجاها (اشتراكيا) ويدعو إلى المساواة والابتعاد عن الحروب وسفك الدماء دون سبب كما طرحها في مسرحية (الأسلحة والرجل) ، وبدل عن ذلك يجب الاعتماد على سياسة الجدل الفكري والحوار والنقاش كلغة بديلة عن الحروب متأثرا بآراء (هيغل) في الجدلية ومن خلال هذا الجدل كان (برنارد شو) يعالج القضايا الاجتماعية في مسرحياته، كما نلاحظ ذلك في مسرحية (بيت محطم القلب) و مسرحة (بيوت الأرامل) كما وانه كان حريصا على إن يسكب مسرحياته بنكهة كوميدية ساخرة كما نلاحظ ذلك في مسرحية (جزيرة جان بول الأخرى) التي تمتلئ مشاهدها من مقاطع مضحكة والى أقصى درجات الضحك . نماذج من مسرحياته فـ(برنارد شو) طرح موضوعات لمعالجة كل ألازمات الاجتماعية محرضا ومنورا وعي الطبقات المضطهدة من اجل تغير واقعها وتغير العالم ومن اجل إيقاظ وعي الإنسان وتنشئة الإنسان قادرا على هذا التغير، ولذلك حرص (برنارد شو) على إن يقدم نصا يشارك المتفرج مع العرض لا إن يكون مجرد متلقي، ليجعل من المسرح محطة لا يتوجه المجتمع إليه بل المسرح يتوجه إلى المجتمع لكي يسعى إلى تغير المجتمع، لان (برنارد شو) أراد إن يجعل من المسرح هدفا تربويا وأخلاقيا وسياسيا من اجل ترسيخ القيم الهادفة لمجتمع وساعيا لتوفير حلول لمشكلات المجتمع و تنشئته تنشئة اجتماعية ليكون مرآة تعكس ملامح المجتمع بكل ما هو فيه من محاسن وسيئات ليحفزه بتوجيه تربوي مؤثر لتغيير واقعه وليجعل الإنسان واعيا بأفعاله ولحب الخير والفضيلة ونبذ العنف والكراهية التي تلحق الأذى والضرر العام في المجتمع، لذلك عمل (برنارد شو) من خلال المسرح ليجعله ورشة تتدرب فيها النفس الإنسانية على القيم والأخلاق النبيلة والفضيلة؛ ليتم إعادة تقدير مواقفها واعتماد على لغة المنطق والعقل كأساس لأي رأي وموقف يتخذه الإنسان ليكون مواقفه سليمة لبناء أهداف سامية؛ وليتم تحقيق هدف الإنسانية في التنمية الاجتماعية، والقدوة الحسنة، لان مسعى (برنارد شو) كان من المسرح بان يجعله أداة لتحريك الشعوب والثورة ضد الظلم والفقر والفوارق الطبقية والاضطهاد. لذلك حرض (برنارد شو) على مسرح فكري اجتماعي يتناول فيه شتى نواحي الحياة لتكون موضوعات مسرحياته منبرا لعلاج أمراض المجتمع، ومن هنا تكمن أهمية مسرح (برنارد شو) بكونه خطاب مؤثر وهادف تنطلق حبكته وفق سياق درامي كوميدي وتراجيدي من اجل إثارة المشاهد وفق مواقف طريفة وهادفة لتصل الفكرة إلى المتلقي بسلاسة وعفوية فيتفاعل مع إحداثها تفاعلا ايجابيا لتسهم في أغناء وعي المجتمع فكريا وثقافيا كي يرتقى المجتمع إلى مستوى تحمل مسؤولياته في بناء ثقافة اجتماعية تساهم لرقيه. بجماليون أو سيدتي الجميلة فلو أخذنا مسرحية (بجماليون) التي كتبها (برنادشو) والتي اشتهرت باسم (سيدتي الجميلة) بعد ان تم اقتباس فكرتها إلى فلم سينمائي عام 1935 وفاز سيناريو الفلم الذي كتبه (برنارد شو) بجائزة (أوسكار) السينمائية عام 1939 كأفضل فلم مقتبس من مسرحية (بجماليون)، وقد سبق له الفوز بجائزة(نوبل) للآداب عام 1925 ، كما ذكرنا سابقا . وتعتبر هذه المسرحية من أفضل وأروع مسرحيات (برنارد شو) حيث وجدوا النقاد ومطلعي المسرح بكونها مليئة بقيم ومشاعر إنسانية فياضة استطاع (برنارد شو) التعبير بصدق بتعاطفه مع شخصية المسرحية التي خلقها وهي ممتلئة بنزعة إنسانية عميقة؛ ومع هذه الشخصية البسيطة - ولو انه كان ضد عملية الخلق التي تعرضت هذه الشخصية وضد الفنان المبدع لهذه الشخصية - فـ(برنارد شو) في هذا العمل أتقن لغته لتكون بقوة الفكرة التي انطلق في بلورتها في شخصية المسرحية.. وكيفية تقبل هذه الشخصية فكرة التعلم.. و(الاتيكيت) الكلام.. وكيفية الصرف والتكلم.. وكيفية التفكر.. وكيفية مواجه الفكرة.. وكيف وعيها بما تفعله خارج انطباعات لبيئة التي عاشت فيها.. وتعلم سلوكياتها لتواجه نمط أخر من سلوكيات هي جديدة لها . فالمسرحية بحجم عمقها الإنساني؛ هي طريفة وممتعة فكرا.. وفنا.. وإبداعا، فمسرحية (بجماليون) هي مسرحية مقتبسة من أسطورة (بجماليون اليونانية)، حيث تذهب (الأسطورة) بكون هناك نحات نحت تمثالا من الحجر المرمر لوجه وجسد امرأة، وارد أن تكون في منتهى الجمال والروعة فبالغ في صقلها وتعبير في تقسيمات وجهها وجسدها؛ لدرجة التي لم يبقى من جمالها وروعتها سوى النطق، ورمز هذه (الأسطورة) يستخدم في الإشارة إلى كل من يخلق شيئا جميلا ومميزا من أشياء عادية لا تثير المتلقي . ومن هذا المعنى اقتبس (برنارد شو) فكرة مسرحيته في (سيدتي الجميلة - بجماليون)، حيث قام بدور الفنان المبدع شخصية اسماها (برنارد شو) في المسرحية بـ(البروفيسور هنري هيجنز) وصديقه (الكولونيل بيكرنغ) حيث دار النقاش بينهما حول فتاة هي (اليزا دوليتل)، التي وجدوها في إحدى الأسواق وهي تبيع الزهور و تتحدث بلغة سوقية مبتذلة التصرف ومشاكسة، فأثار تصرفات هذه الفتاة (هيغنز) ليقول لصديقه إن بإمكانه خلال فترة وجيزة أن يحول هذه الفتاة إلى سيدة أرستقراطية، عبر تعليمها أسلوب الحديث وتدريبها على (الاتيكيت) وأصول الكلام وكيفية الحديث ليحولها إلى نسخة من سيدات المجتمع الارستقراطي وخلال ستة أسابيع فقط . فيرد (الكولونيل) منطقيا هذا غير ممكن، ليقوم الرهان بين الطرفين وعلى أثر ذلك يذهب (هنري هيغنز) إلى بائعة الزهور الصبية (اليزا) ويعرض عليها أن يعلمها المنطق مقابل بعض مال يعطيه لها ومال آخر يعطيه لأبيها، فبدون تردد توافق الفتاة، فيصطحبها في كل براءة إلى منزله وتبدأ التمارين على الفور، وهو يشعر بأنه يسابق الزمن. غير أن (اليزا) لم تخيب أمل (هيغنز)، بل تتجاوب معه إلى درجة أنها خلال التمارين أبدت من الاستعداد والفهم والذكاء واللباقة ما أذهل (هيغنز)، وخلال فترة محددة، نجحت (اليزا) في كل الاختبارات التي أجريت لها، من حيث نطق اللغة وأدائها وأسلوب الحوار؛ ولقد تجلى ذلك كله خلال حفلة صاخبة أقيمت في حديقة منزل احد أصدقاء (هنري هيغنز) حيث اصطحب (هيغنز) تلميذته (اليزا) إلى الحفلة ليقدمها إلى الحفل من دون أن يكشف سرها لأحد على أنها (دوقة - أو سيدة راقية)، وبالفعل تصرفت (اليزا) بمنتهى الذوق و(الاتيكيت) وهي في غاية الجمال والأناقة، وكأنها - دوقة أو سيدة راقية - حقيقية، وهذا تصرفها اثأر ذهول (هيغنز) و(الكولونيل)، في كيفية تصرفها وكأنها من أرقى العائلات الأرستقراطية. وبهذا النجاح اخذ (هنري هيغنز) و(الكولونيل) يهنئان نفسيهما وبنجاح التلميذة وقدرتها على إقناع الجميع بأنها سيدة المجتمع الارستقراطي حقيقية، ولكن في هذه الإثناء انتبهت (اليزا) إلى أساتذتها وهم لا يقيمان أي وزن لجهد التي هي بذلته في التعليم، فهي من جهة لم تبالي كثيرا بموقف (الكولونيل) لأنها لم تهتم به رغم انه كان يبادلها الود، ولكن موقف (هنري هيغنز) أغاظها كثيرا لأنها كانت مغرمة به؛ في وقت الذي لم يلاحظ ولم يشعر بها؛ وهذا ما أحزنها؛ والآن هو يتجاهلها كامرأة وإنسانة من لحم ودم تشعر وتحس وتتألم، بكونه كان يعتبرها مجرد مادة يختبر دراساته، صحيح أنها كانت مادة طيعة بين يديه مثل المادة التي صنع منها (بيجماليون) نحته كما جاء الحديث في (الأسطورة)، لكنها في نهاية الأمر هي كائن بشري تشعر وتحس وتحب وتحزن وتبكي وهي على يقين بأنها ليست مجرد دمية مصنوعة من الحجر، وهذا الإحساس كان عند (اليزا) بينما أستاذها (هنري هيغنز) يعيش خارجه هذا الإحساس، كونه كان مهووس بعلمه وبانتصاره ولم يخطر في باله أن للمادة التي اشتغل عليها فيها مشاعر ونبض وإحساس، ففي الوقت الذي كان ينمي لدى (اليزا) أسلوب الحياة الناجح، كان يملئ قلبها حب.. وحنان.. وشوق، وحين عجزت (اليزا) من قدرة (هيغنز) فهم مشاعرها اتجاه بعد انتصاره، تذهب إلى منزل والدته، السيدة الليبرالية الواعية، وهذه إذ تؤنب ابنها و تدفعه إلى التفكير في الأمر مليا ليدرك بأن (اليزا) أصبحت جزءا من حياته، ولكن ليس على النحو الذي كانت تأمله (اليزا) . حين يتوجه (هيغنز) إليها في صبيحة اليوم التالي يطلب منها السماح والعفو ويعرض عليها أن تعود إلى منزله لتعيش معه ومع صديقه (الكولونيل) كأصدقاء، فتثير غيض (اليزا) وغضبها فهي لم تشعر بأن (هيغنز) يغدر بحبها بل إنه الآن يغدر بكرامتها أيضا، فترفض العرض كونها لا تسعى إلى الحصول على صدقة منه وصداقة أو حياة مترفة، بل إن جل ما كان تبتغي هو الحب والحنان وأن ينظر(هيغنز) إليها بنظرة الحب، لكنه (هيغنز) يرفض ذلك، فيحاول إقناعها بأن هذا الأمر يتعارض مع طبيعته، ولهذا لم يبقى أمام (اليزا) التي أصبحت إنسانة لها شخصيتها بما تمتلك من ثقة بالنفس وقدرة على مجابهة الحياة، لذلك قررت أن تخرج من حياة أستاذها لتعلن أمامه وردا على تجاهل (هيغنز) المتواصل لعواطفها كي تتزوج من فتى فقير، لكنه نبيل، يوازيها عمرها وثقافتها و كان يحبها منذ زمن بعيد، كما أنها تعلن أمام (هيغنز) أنها لم تعد راغبة من الآن وصاعدا العودة إلى بيع الزهور طالما أن لهجتها الجديدة لا تمكنها من هذا؛ لذلك قررت التوجه نحو التدريس لتصبح أستاذة صوتيات، مثل معلمها (هيغنز) بل وتسعى إلى منافسته . ومن روعة حبكة هذه المسرحية اخذ عنها الكثير من الاقتباسات ولكن في بعض من هذه الاقتباسات تم تبديل نهايتها كما ظهر في عرض الفلم (سيدتي الجميلة) حيث تخرج نهاية سعيدة إذ يرتبط (هيغنز) و(إليزا) برباط الزوج في النهاية . بيوت الأرامل اما مسرحيته (بيوت الأرامل) والتي تعتبر من مسرحيات التي تتناول القضايا الاجتماعية فيها سكب (برنارد شو) كل مقومات والأسس التي أقام وبني عليها مسرح (برنارد شو) الاجتماعي فكريا وفنيا وضمن اتجاه الاشتراكي، فالمسرحية كتبت وعرضت في بداية العقد الأخير من القرن التاسع عشر، يدور موضوعها حول الطبيب الإنكليزي الشاب اسمه (ترنش) الذي يلتقي وهو في رحلة على ضفاف نهر (الرين) بصبية شابة إنكليزية تدعى (بلانش) فيقعان في قصة حب، ولكن حين يلتقي (ترنش) بوالد حبيبته (بلانش) وكان يدعو (سانتوريوس) يكتشف بأنه شخص بخيل جشع حقق ثروة الهائلة من خلال استغلال الفقراء وتأجيرهم منازل متهالكة آيلة على السقوط ولا تتمتع بأي ميزات صحية، ولا يقوم بصيانتها على الإطلاق، لان كل هم (سانتوريوس) هو الحصول على الأموال، ومن خلال تواصل الإحداث يكتشف (ترنش) من خلال موظف يعمل لدى (سانتوريوس) جشاعة هذا الأخير وإجرامه، ولذلك حين استطلع على مجمل سيرة عائلة خطيبته؛ فانه يطلب من خطيبته أن تتزوجه من دون أن تقدم أية أموال، فهو لن يقبل أي مال في حياته يأتي من مصدر غير نزيه و قذر إلى هذا الحد، لكن خطيبته (بلانش) ترفض ويتوقف مشروع الزواج، ولكن الموظف الذي كان قد فضح الحكاية كلها والذي كان يعمل عند والد خطيبته يتدخل ويصلح الأمور فيما بينهم، بكونه ذكر بأن والدها أقام مؤخرا بإنشاء مشروع سكني بمال نزيه؛ ليكون هذا المدخل حلا وسطي يسهل قبول كل طرف بالآخر وعودة الخطيبين بعضهما إلى بعض......! الرجل والسوبرمان إما مسرحية (برنارد شو) التي تربط بين وهم الأفكار وحتمية الواقع هي مسرحية (الرجل والسوبرمان) التي تعتبر من أطول مسرحياته كونها تتألف من أربعة فصول طويلة، فالموضوع الأساس للمسرحية يأتي عبر تفسير يخضع السجال حوله من خلال (حلم)، ليشكل هذا الحوار في المسرحية ما يمكننا أن نسميه (مسرحا داخل المسرح)، حيث يتداخل في المسرحية الصراعات والشخصيات والسجال والأحداث والأفكار والمواقف المتنوعة والمتناقضة في بعض الأحيان، إلى درجة إننا نشعر فيها بأننا أمام أمرين الأول (أمام الواقع) و الثاني (أمام الحلم) . فـ(برنارد شو) أرد أن في هذا العمل أن يطرح الأفكار والهموم التي كانت تشغل أفكاره وهو يتطلع إلى القرن العشرين وهو يطل على تطورات مجتمعية تحمل في طياتها صراعات الأفكار والمبادئ وعلى كاف أصعدة الحياة، حيث (المرأة) تتطلع قدما لأخذ حقوقها، وانتشار الأفكار التطورية (الدارونية) والوجودية والليبرالية والاشتراكية والى غيرها من الأفكار الاجتماعية، لذلك جاءت المسرحية بكونها أشبه بدروس فكرية التي أراد (برنارد شو) طرحها. فالموضوع رغم كونه طرح للأفكار إلا أن المسرحية أخذت طابعا كوميديا، فالمسرحية تسلط الضوء عن فتاة محاطة بوصيين من أساتذة بعد وفاة والدها، الأول يدعو (رامسدن) رجل كبير في السن وذو توجهات ليبرالية و صديق العائلة والثاني يدعو (جون تانر) وهو ذو نزعة ثورية ومؤلف ثوري، ومن هنا تتضح حجم التنافس بين الشخصيتين، فالأول صاحب القيم يتبنى أفكار تقدمية و يعارض أفكار الثاني الذي يتبنى أفكار (داروين) الذي يتجه اتجاها لتامين ولادة (إنسان سوبرمان)، ولهذا فانه يحمل أفكار غريبة، حيث يعتقد بان (المرأة) هي المسيطرة على الرجل، حتى حين يعتقد الرجل أنه هو المسيطر، ومن هنا فان الفتاة الحسناء (آن وايتفيلد) تتطلع لزواج منه سرا، ولكنه يتهرب من هذه الفكرة لأن في اعتقاده بأن الزواج والزوجة سيحولانه إلى كائن (بيولوجي)، فالزواج في ضنه سيضع حدا لنشاطه الفكري؛ بكون حسب اعتقاده في نظرية التطور بان وظيفة (المرأة) هي العمل على إبقاء النوع البشري عبر الحمل والولادة، و رغم أفكاره الغريبة هذه إلا أن (آن وايتفيلد) مغرمة بـ(جون تانر) الذي لا يتنبه إلى هذا، معتقدا بأنها ستتزوج من (اوكتافيوس روبنسون)، بكون صديقه مغرم بها حد الجنون، ولكن الأمور تتعقد حين يجتمع الحضور لمناقشة وصية والد (آن وايتفيلد)، ليعلن إن (فيوليت) شقيقة (أوكتافيوس حامل)، لكنها لن تبوح باسم رجلها، ولهذا فان (رامسدن) و(أوكتافيوس) يفاجئان بهذا الخبر، لكن (جون تانر) يثني على شجاعة (فيوليت) حين تكشف هوية رجلها وهو (هكتور) أمريكي الجنسية، فهم يتزوجان سرا في انتظار وصول (والد هكتور) من أميركا، في هذه الأثناء اخبر سائق (جون تانر) بان (آن وايتفيلد) تحبه وحين علم بهذا الأمر قرر الهروب لكي يتجنب أية فكرة عن الزواج، فيتوجه هو وسائقه إلى (سييرا نيفادا – الاسبانية)، ولكن أثناء فراره يتم القبض عليه وعلى سائقة من قبل زعيم قطاع الطرق المتمرد (مندوزا)، ليتبين لنا انه كان في الأصل صبي فندق وكان مغرماً بـ(لويز) أخت السائق لكنها رفضته، في اختصار صار (جون تانر) وسائقه في الأسر، و بعد حوار طويل ومتشعب مع زعيم قطاع الطرق المتمرد (مندوزا)، يخلد إلى النوم ليحلم بأنه - وهنا تبدأ القصة المسرحية تتداخل لتشكل المسرح داخل المسرح - وفي (الحلم) يرى دون جوان (تينوريو) بملامح (جون تانر)، و(الدونيا آنيا) رمز (المرأة) الكاملة في الأوبرا الشهيرة - ولها ملامح (آن وايتفيلد)، كما نرى التمثال والشيطان تباعا، أولهما له ملامح (رامسدن) والثاني ملامح (مندوزا) لتتعالى دراما المسرحية إلى مشاهد من الحوار والسجال والصخب بين الشخصيات الأربعة، حيث جميعا معا في الجحيم ، لكن هذا (الجحيم) ليس هنا مكانا للعذاب بل هو مملكة من ملذات عابرة وخيالات حادة؛ وكلها هذه الأمور هي تناقض مع عقل (جون تانر) . وهذا التناقضات التي تطرح هنا هي من صميم أفكار (برنارد شو) الذي حاول طرحها بعمق في هذه المسرحية، ومما طرحه قوله بان (الشيطان) هو في ذات الرجل لم يخلق سوى الحروب والدمار، بينما خلقت (المرأة) النوع الإنساني، وتتشعب الحوارات لتناول مفاهيم عن (الحب) و(الرومنطيقية) وما إلى ذلك، لينتهي الحلم بـ(آن وايتفيلد) التي كانت تسعى إلى الزواج من (السوبرمان)، وحين لم تجده ولم يتحقق لها هذا الحلم تقرر أن تصنعه بنفسها، وهنا يصحو (جون تانر) ومعه (مندوزا ) من هذا الحلم، ليعلما بأن (آن وايتفيلد) تبحث عن (جون تانر)، وجردت حملة لذلك، لتنتهي الأحداث على خير، وبالشكل الذي يرضي المتفرجين، إذ يرضخ (جون تانر) في نهاية الأمر لقوة الحياة وبيولوجيتها مجسدة بـ(آن وايتفيلد) و متخليا عن أفكاره . ويذكر هنا بان (برنارد شو) كتب مسرحية (الرجل والسوبرمان) في عام 1903 وهو في مقتبل العمر كنت أفكاره في أوج النضج لذلك عمل على تفلسف في لغة فن المسرح، ولهذا يقال لمسرحية (الرجل والسوبرمان) بأنها (ملهاة فلسفة) كونها من انضج مسرحياته على الإطلاق . كلمة الختام ولهذا سيبقى (برنارد شو) كاتبا (اشتراكيا) استطاع بلورة المفاهيم (الاشتراكية) بشكل سليم في مسرحياته التي تميزت بطابعها الاجتماعي العقلاني والتربوي والتثقيفي، ليجل من شخصياته محاورا لمعالجة الكثير من مشاكل الفلسفية التي طرحت من خلالها والتي واكبت عصر النهضة وما أفرزته من أفكار؛ ليتخذ لنفسه اتجاه لم يحد عنه لإرساء قيم (الاشتراكية) التي تزكي مصالح المجتمع على المصالحة الأفراد الذاتية الأنانية، وهذا الموقف الذي تبناه (برنارد شو) عبر عنها بأسلوب جاد وصادق وهادف؛ ليعطي صورة واقعية لما يتناوله، فهو لم يسعى للمبالغة في عملية تجديد للأشكال الفنية للمسرح؛ بقدر ما سعى إلى تجديد مضامين النص المسرحي وتحديدا في مساعيه في إيجاد أعلى درجات (السخرية) ولا سيما في المواضيع الجادة؛ لكي تصل الفكرة إلى المتلقي بشكل مؤثر ومقبول، ولهذا اشتهر موضوعات مسرحياته بهذه (السخرية) الهادفة، لتتحول النصوص عنده إلى نصوص فكاه.. وتعليق ساخر.. ونكتة خفيفة.. ولكن لها مغزى ودلاله عميقة في الفكر، كونه حول كل ما تناول قلمه من موضوعات جادة إلى (سخرية) هادفة لها دلالات فكرية في غاية الأهمية في أسلوب النقد الغير المباشر؛ سواء ما كان يتعلق أمرها بالحرب أو الحب أو العنف أو القضايا الاجتماعية الأخرى لدرجة التي باتت (السخرية) الحسنة والهادفة نقطة متميزة في عالم (برنارد شو) المسرحي . المصدر: فواد الكنجي]]> مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان فواد الكنجي المدخل الإعمال الإبداعية لـ(جورج برنارد شو 1856 – 1950) هي التي فرضت نفسها وحضورها في المسرح العالمي بما تركته من تأثيرات كبيرة على الثقافة الإنسانية؛ لان يقيننا بان لا إبداع يتحقق إلا وفق آلية معقدة من البناء الثقافي والمعرفي وإمكانية (المبدع) في تشكيلها؛ حيث يقوم بتنظيم آلياتها لتعبير عنها في أعمال أدبية وفنية هادفة، فـ(المبدع) الحقيقي هو الذي يمتلك عمقا معرفيا وإدراكا واطلاعا على المنجزات الثقافية لمختلف شعوب الأرض أكانت تراثية أو حديثة أو معاصرة؛ ليستفاد منها لتكوين خزينته المعرفية والثقافية والتي تؤهله لتعبير عن موضوعات تلامس واقع المجتمعات التي يعيش فيها من اجل توعية الإنسان وإشراقه بثقافة وأفكار و بقيم إنسانية راقية تنير عقليته وسلوكه في المجتمع، لان في مجمل الأعمال الفكر من الأدب.. والفن.. والحضارة الإنسانية.. هي سلسلة متواصلة غير منقطعة من تراكمات فكرية تطرح لخدمة الإنسانية ورفدها بكل ما يعزز قدرات الإنسان في الرقي والازدهار والتحضر والتي تتكون وتتواصل نموها عبر مراحل التاريخ . ومن هنا فان التجربة الإبداعية التي تم توظيفها من قبل (برنارد شو) تم عبر مخزونه الثقافي ومن خلال خصوصيته وما استوحاه من موضوعات محلية وتراثية وعالمية؛ وعلى ضوء ذلك تم توظيف أدواته لإيجاد طقوس وعلاقات ضمن محيطه لهدف التغير وتوعية الإنسان ولتحسين سلوكه وتصرفاته اليومية ؛ لتفرض حضورها؛ ومن ثم تؤسس لها هوية خاصة في مجال الإبداع تمتلك القدرة على استقطب وإثارة الإعجاب ولفت الأنظار، وكل ذلك لا يتم للمبدع - أي كان ومنهم (برنارد شو) - ما لم يتم استجابة لتجارب تراثية وتاريخية وواقعية واجتماعية وتفاعله مع الحداثة لتنطلق من خصوصية المبدع وانتمائه لمحيطه الجغرافي؛ ليكون ما يقدمه (المبدع) ذو خصوصية لظروف البيئية ولها سمات اجتماعية هادفة بعيدا عن التقليد ومحاكاة الآخرين، فكلما كان المبدع قادرا على خلق خصوصية التميز كلما تقدم خطوة لتأسيس عملا إبداعيا هادفا ومؤهلا ليوازي تجارب الفنية العالمية . فـ(برنارد شو) ما كان يصل بفنه وإبداعه إلى العالمية إلا من خلال قدرته على استلهام محيطه المحلي الذي عاش فيه وقد أثار إحساسه، وهو كإنسان جمع بين تراكمات معاناته وما ذاقه من مرارة الحياة وقسوتها وهذه المعاناة هي التي صنعت مفرداته . فـ(برنارد شو) هو الإنسان جمع بين تراكمات المعاناة ليصنع منها مفردات لغته بوعي وإحساس تخاطب الأفئدة، ونحن نعلم بان (الكتابة) ما هي إلا أداة لتخفيف معاناة ألروح واغترابها من واقع المعاش فرض على المبدع فرضا؛ وهكذا جهد (برنارد شو) ومن خلال إمكانياته في استنطاق كل مفردات التاريخ والموروث والحياة الاجتماعية المحلية؛ فحقق نجاحه محليا ليتجه بعد ذلك في تكريس إبداعه عالميا، بعد إن أخذت إبداعاته وأعماله المسرحية تترجم وتسافر إلى مختلف مدن العالم وتلاقي نجاحا باهرا؛ بكونها كانت تحمل تجديدا وأسلوبا مغايرا عما كان سائدا؛ كونه طعم مسرحه بنكهة طقوس من (السخرية) الهادفة بطابعها المحلي والتراثي ويرسل إشارات زمانية ومكانية ضمنا و وفق خصوصية ودلالات لغوية معبرة عن واقع المجتمع من اجل التغير ومن اجل أهداف إنسانية نبيلة، مما استقطبت أعماله المسرحية اهتمام كل شعوب الأرض بما أثار فيهم متعة التأمل وفضول المعرفة، وهذا ما قاد اكبر رؤساء العالم مقابلته من (ستالين) و(تشرشل) وملوك وأمراء آخرين . حياته وإبداعه فـ(جورج برنارد شو 1856 -1950) كاتب مسرحي اعتبر رمزا للأدب الساخر الهادف؛ ومن أهم كتاب المسرح الاجتماعي؛ ولد في (دبلن – أيرلندي) وفي صباه غادر إلى (لندن - بريطانيا) وعاش فيها حتى وفاته، ورغم انه ترك الدراسة منذ الصغر ولكنه اصقل موهبته بكثرة المطالعة وقراءة لكتب الفلسفة والأدب واطلاعه على شتى أنواع الفنون وإبداعات الكتاب، ولكونه كان شديد تأثير بوالده، إذ كان منذ الصغر يرافقه في الذهاب إلى العمل؛ وقد عرف عن ولده بكونه شخص عنيد وسكير و ذو نكتة خفيفة، فورث هذا الطفل الشيء الكثير من خفة الدم والده وسخريته؛ والتي شكلت هذه الميزة - فيما بعد - الإطار العام لإنتاجه الفكري، لنستشف من ذلك حجم تأثير البيئة على سلوك (برنارد شو) منذ نعومة أظافره والتي تعد إحدى الأسباب لإبداعه الأدبي؛ وكما تأثرت علاقة البيئة الحاضنة له بعد انفصال والديه على سلوكه؛ مما اضطر الاعتماد على نفسه في كسب الرزق؛ رغم كونه رافق والده العمل منذ الصغر، ليكتسب (برنارد شو) خلال هذه الفترة الكثير من تجارب الحياة، فقد أمعن في تتبع ومراقبة حياة الفقراء بشكل مباشر؛ مما اتخذ من تلك الصور مشاهد حقيقية لتكوين أفكار لرواياته وقصصه ومسرحياته، فقد تعاطف مع معاناتهم مما جعله من اشد مناصرين ومدافعين عن حقوقهم، ومما عمق هذا الاتجاه في تفكيره و ولوعته بالقراءة ومتابعة الأفكار التقدمية الاشتراكية بشكل ملفت؛ فكان كثير التردد إلى دور الكتب والمكتبات العامة ليقرأ وليثقف نفسه بالعلم والمعرفة، رغم انه ترك دراسته ولم يتواصل التعليم المدرس بكونه اعتقد بان نظام التعليم في المدارس الحكومية تفرض عليه التلقين الإجباري، فاعتبر ذلك شيء من التقيد لحريته واعتبره سجن لا يطيقه، فرفض فكرة التعليم من اجل التحصيل الدراسي؛ فترك دراسته لأنه لم يجد فيها ما يبغي في توسيع معرفته بالتأمل والبحث والتفكير الحر والمطالعة، فشغف بفكرة التعليم من اجل العلم والمعرفة وتوسيع مدارك الإنسان لا من اجل الحصول على شهادات مدرسية، وهكذا اخذ يوسع مدركاته الفكرية بمزيد من المطالعة والقراءة والتأمل في الفكر الإنساني وفي علوم الأدب و الفلسفة متأثرا بالأفكار التي تتضمنها هذه الكتب ودلالاتها الخيالية والجمالية ولغتها العلمية، وكان تركيزه يتجه نحو الكتب الاشتراكية وكتابات (ماركس) و(انجلز)، فاخذ يتعمق في مناهجها من اجل وصول إلى براهين ونتائج كي يتيقن على ما يذهب إليه، ومن تلك المعطيات اخذ (برنارد شو) يفحص تجارب الحياة وظواهرها ليعتمد على تجسيدها عبر الرؤية وحدس وخيال وكأدوات فكرية وفلسفية يأخذ منها أسلوبا واتجاها أدبي ليتنفس فيها عبر كتابة مسرحيات هادفة يكتب فيها عما يكابده وبلغة تعبيرية جمالية صيغت بطابعها الفلسفي؛ فتناول شتى مواقف الحياة؛ فاتت مسرحياته برؤية فلسفية، لان (برنارد شو) تيقن بان لا يمكن لأي معنى إن يصل إلى هدفه ما لم نعيش تجربة ذاتها؛ فأنت لا تعرف معنى (الحب) ما لم تعش تجربته؛ وهكذا مع كل تجارب الحياة، ومن خلال هذه التجربة تستطيع حين ذاك إن تفلسف في ذلك الاتجاه لتصل إلى مستوى الدهشة التي هي تعطي للعمل الأدبي والفني قيمته الجمالية . ومن هنا فان مخيلة (برنارد شو) خضعت لتجارب وتواصل يومي مع قضايا المجتمع، تلك القضايا التي أمعن فيها (برنارد شو) تفكيره لإبداع مفاهيم تواكب المعرفة على كل مستويات الإفراد في المجتمع؛ وليس حكرا لفئة مثقفة فحسب، لان في نظره أي عمل لا يقوم على الحقائق ولا يلامس واقع المجتمع ستكون صورته مظللة، ومن هنا لابد لأي عمل مسرحي جاد؛ يصل إلى مبتغاة في التعليم والتوعية؛ لا بد أن يكون ذلك العمل مترجما لحقيقة واقع الحياة التي نعيشها لكي يتم استيعابها بشكل معرفي نحصن أنفسنا من المنزلقات؛ وعلينا إن نكتشف ونكشف متناقضات الحياة ونأخذ منها معالجات وبشتى تأويلات وإيحاءات ودلالات بكون ذلك هو الذي يحرك الفكر الإنساني ويبعده عن الجمود؛ ليكون تجديده بتجديد الفكر وبالتعبير صادق لتكون تلك التعبيرات صالحة بمعانيها المتعددة لحياة الإنسانية وبصورة اشمل وأوسع شكلا ومضمونا، وهذا المسار هو مسار الذي اتجه (برنارد شو) وبني تشكيله وخطابه ولغته في مسرحياته والذي حافظ على توازنه المعرفي بأفضل الأحوال، لتتصف نصوصه بكونها (اجتماعية) بامتياز وبارتباطها بأيدلوجية (اشتراكية)، فكان مناصرا ومدافعا عن هذه ألأيدلوجية؛ حيث اعتبر (برنارد شو) أحد مفكري ومؤسسي (الاشتراكية الفابية)، وقد انخرط في العمل السياسي؛ وبدأ نشاطه في مجال الحركة (الاشتراكية)، وقد تأثر بنظرية (التطور) وكان من الملحدين المتسامحين مع الأديان وانضم للجمعية (الفابية) - وهي جمعية (انكليزية) سعى أعضاؤها إلى نشر المبادئ (الاشتراكية) بالوسائل السلمية - إن إيمان (برنارد شو) بالفكر (الاشتراكي)، والتي صار بفضها إعماله تلاقي اهتمام النقاد والجماهير وتستقطب التفاتاتهم بأفضل صورة؛ بكونه نجح في استقطاب الجناح الثقافي والاجتماعي من أفراد المجتمع إلى مسرحياته وقد سلك في إيصال أفكاره (الاشتراكية) ضمن القضايا (الاجتماعية) عبر أسلوب (السخرية) التي تميز (برنارد شو) باتجاه قضايا السياسة.. والعلم.. والدين.. والاجتماع، ليجعل منه أسطورة في عالم المسرح لحجم ما استخدم فيها عبارات (السخرية) و(ضروب ألهجائه) و(الطرفة أو النكتة الخفيفة) لتتداول إلى يومنا هذا؛ فما تخلو مسرحية من مسرحياته ذات الطابع الاجتماعي منها؛ بتناول مشاكل الحب والفلسفة والسياسة وقضايا الاجتماعية بأسلوب شفاف؛ لتكون تلك الأعمال مرآة لهموم المجتمع من جهة ولألمه من جهة أخرى؛ وقدمها بأطروحات لا تخلو من السخرية وإبداعها وبنكهة تلامس هموم الإفراد التي تميز بها نتيجة وعيه في كيفية تكوين عباراتها بما امتلك من معرفة وأدوات متقنة وثقافة عالية، ليكون مسرحه نموذجا للأدب الهادف؛ سعيا لتطوير الفكر والوعي المجتمعي من اجل صناعة عالم أفضل . لقد تمكن (برنارد شو) من خلال وعيه ونظرته العميقة للحياة خلق فلسفة متميزة ومنفردة في إبداعه المسرحي، لتشكل مضامينها المقدمة عالما من المسرح الحديث، لأنه استطاع تغير أسلوب المسرح التقليدي عبر نظرة واقعية؛ تقدم المسرحية من خلال طرح موضوعا فلسفيا ليتم فيها تقديم تحليلات نقدية حول المضمون المقدم؛ كما في مسرحية (بجماليون - سيدتي الجميلة) على سبيل المثال وليس الحصر، فيتم ربط موضوع المسرحية التي يقدمها الكاتب بأفكاره، وهذه إحدى مميزات حداثة المسرح؛ والتي ارتبطت بخصوصية الكاتب (برنارد شو)، فجل ما قدمه من مسرحيات تكون موضوعاتها تعبيرا عن مضامين وتقنيات والبني الشكلية فيها متجهة من خلال فلسفة الكاتب ونظرته باتجاه واقع الحياة الحديثة آنذاك، والتي في مجمل مسرحياته يركز عن موضوع لا يخرج إطارها من فكرة الموضوع ذاته في كيفية (دفع الحياة ) إلى الإمام وفي (قوة الحياة) ليتبنى هذا الموقف من خلال إحدى شخصيات المسرحية التي تجسد هذه المواقف، لتعبر مسرحيته عن نظرة فلسفية بمضمون عميق وذات بعد تربوي وثقافي لتتجه بنية مسرحياته في طرح أسئلة ذات أهمية في محاولة لخلق تصور معين لهذه الحالة أو لتلك، لان في نظر (برنارد شو) بان في طبيعة الإنسان ميول (غريزية) تتجه نحو الحرية والسعادة والاستقلال؛ وهذه الأمور هي من تدفع الإنسان إلى الثورة والتمرد على العادات والتقاليد، وهذه ما يقود (برنارد شو) إلى تعميق التنظير في الموضوع ويفلسفه بشكل مثير، كما نجد ذلك في مسرحية (الإنسان والسوبرمان) و (الإنسان والسلاح) و مسرحية (منزل القلوب المحطمة)، لنجد بان (برنارد شو) يقدم شخصيات متنوعة في عالم المسرح من فلاسفة.. ومخترعين.. ومفكرين.. وفنانين.. ومجددين، من اجل رفع الوعي الإنسان من اجل المعرف والكمال، في وقت الذي يركز عن طبيعة الغرائز الإنسانية والتكامل بين (المرأة) و(الرجل) وتقديم مضامين بهذا الاتجاه لتجاوز فكرة الرجعية الرجل ونظرته المتخلفة باتجاه (المرأة)، من اجل القضاء عن أي تعصب فكري باتجاهها، كما قدمها في (سيدتي الجميلة)، لان في اعتقاد (برنارد شو) أي عناد باتجاه الدوافع الداخلية ونكرانها أو محاولة لتجاوزها ما هو إلا إقرار لنهايتنا، لذ فان أي تعصب لن يجدي، وما على الإنسان إلا الاتجاه نحو (التغير) من اجل قوة الحياة الجميلة ودفعها إلى الإمام، ولهذا عكف (برنارد شو) إلى تعميق طرح الأسئلة كما هو في طبيعة الفلسفة في طرح الأسئلة من اجل الوصول إلى الحقائق، فمسرحيته تتجه بهذا الاتجاه في طرح تساؤلات مهمة في طبيعة الحياة وفي طبيعة الأشياء التي تؤثر على السعادة من منغصات الألم.. والحزن.. والحرمان؛ ومن اجل السعي الناجح إلى إمكانية الإنسان العيش بأفضل الحياة وإبقاء تواصله؛ وهي محاور رئيسية في جل مسرحياته التي يتجاوز عددها على (خمسين) مسرحية التي ما تزال تتربع على المسارح العالمية مثل (بيوت الأرامل - 1892) و (السلاح والإنسان) و(استعداد للزواج) و ( سوء الزواج ) و(القديس يوحنا) و(بيت القلوب المحطمة - 1919) و( الإنسان وسوبرمان- 1905) و( كانديدا - 1897) و( الخطيئة الأولى- 1894) و (سيدتي الجميلة او بيجماليون - 1913) التي نال عنها (برنارد شو) جائزة نوبل عام 1925، و(العابث) و(مهنة السيد وارن) و(لن تستطيع أن تتنبأ) و(تحول الكابتن براس باوند) و(قيصر وكليوباترا - 1901) و(جنيف - 1898) و (الرائد باربرا - 1905) و(ثلاث مسرحيات للمتطهرين) و (القديسة جوان) و(حيرة طبيب - 1906) و(عربة التفاح) و(على الثلج) و (حواري الشيطان - 1897) و(لا أكاد أصدق) و(جزيرة جون بول الأخرى) و(المال ليست له رائحة - 1892) و(المليونيرة - 1934) ومسرحيات أخرى، وجل إعماله المسرحية كتبها (برنارد شو) من اجل زيادة الوعي عند الإنسان ومن اجل فتح بصيرته اتجاه الحياة بما يعمق في ذاته القيم الأخلاقية لإصلاح مسيرة حياته ومن اجل قيم مجتمعية سامية، ولم يسعى (برنارد شو) من خلال كل كتباته سوى إلى هذا الهدف؛ لأنه لم يسعى إلى باعث أخر لأنه كما قال : ((إن بإمكان إن أعيش واحصل على لقمة عيش بدون المسرح)). وكما هو معروف عنه انه عاش حياة كفيفة ولم يسعى إلى الغنى وامتلاك القصور والعمارات؛ وهو الأمر الذي جعله يرفض استلام جائزة (نوبل) للآداب عام 1925 التي منحت له ولكن بعد تفاوضه مع الأكاديمية وافق على قبول الجائزة متبرعا بقيمتها من اجل تشجيع نشر إعمال المؤلفين إلى اللغة الانكليزية من بلاد الشمال أي من وطنه الأصلي (ايرلندا) بعد إن أقنعته زوجته أن استلام الجائزة بمثابة اعتراف بوطنه (أيرلندا)، لان (برنارد شو) كان متعاطفا مع الفقراء والطبقات السحيقة ومنددا بالنظام الرأسمالي الجشع، وقد ظلت مواقفه هذه قائمة حتى وفاته؛ الأمر الذي جعله يرفض زيارة الولايات (الأمريكية) حتى لا يرى تمثال (الحرية) فيها وهي الدولة التي تمتهن الإنسان ويذل فيها، فـ(أمريكا) بنسبة له هي الدولة انتقلت من البدائية إلى الانحلال دون أن تعرف الحضارة وهذه هي سخرية القدر- كما يقول - ولهذا كانت ميوله (الاشتراكية) طاغية في أعمالة وتصرفاته فعلا وقولا، لذلك سخر قلمه وأدبه وفنه المسرحي من اجل مناصرة الطبقات الكادحة وقضايا الإنسانية في كل إعماله المسرحية، وقد جسد هذه المشاعر في مسرحيته (الرائد باربرا) بعد إن أعطى لكتاباته بعدا (اشتراكيا) و بعد إن تحولت حياته إلى كاتب مرموق، بعد أمد ليس بالقصير لم تحضي كتباته أي صدى عند المتلقين، ولكن بتحوله (الاشتراكي) وتسخير قلمه لقضايا الطبقات الكادحة وتميز كتباته بنقد الفكر الإنساني وبالكفاءة عالية وبما طغت عليها بطابع (السخرية اللاذعة) والتي من خلالها عبر عن هموم وتطلعات المجتمع، فلم تخلو إعماله إلا وقد صاغها وسبكها في قالب من (السخرية الخفيفة) تحمل في متنها جرعة من الضحك ولمسة من الفكاهة؛ ولكن بطابع نقدي تربوي وليس بشكل عبثي غير مجدي؛ لان إيمانه كان يتجه بان الفكاهة؛ وهي انعكاس حقيقي لـ(مرآة الواقع)، فكانت كل طرائفه تتمتع بخفة وعفوية صادقة وتأتي بسرعة بديهة؛ وهذه الصفات امتزجت بشكل تام مع طبيعة شخصيته والتي تميزت بقالب خاص ومتميز؛ وقد ورث هذه ميزة في شخصيته من (والده) الذي عرف عنه بأنه كان في إي موقف يمر فيه إلا وكان يطلق تعليق بنكته وسخرية ويجهر بما يفعل؛ كونه كان على الدوام يحتسي الكثير من الخمر الأمر الذي يجعله لا يبالي بأي شيء فكان يجهر برأيه بسرعة خاطر دون مبالاة ويخالف المألوف متمردا على التقاليد السائدة، وكان(برنارد شو ) وهو في سنين الطفولة يرافقه – كما ذكرنا - فتعلم الشيء الكثير من (والده) ولكن في نفس الوقت شكل احتساء الخمر لديه رد فعل خاص بكونه تجنب احتسائها طوال حياته؛ بما طبع في ذهنه من حالة سكر (والده) فابتعد عنها؛ ولكن تعلم من سخرية (والده) وتعليقاته ونكاته العفوية وهو في حالة السكر الشيء الكثير، وقد جندها (برنارد شو) بوعي وحنكة في أدبه المسرحي بعد إن صقل موهبته في الكتابة عبر التثقيف الذاتي، ولهذا حول هذا النمط من (السخرية) إلى وسيلة لتعبير عن مفاهيم وغايات تعليمية تكون سريعة الفهم ومقبولة عند المتلقي؛ لذلك نجح (برنارد شو) في هذا السياق كل النجاح وتميز أدبه بها بشكل كبير، ولان (برنارد شو) تميز بهذا النمط من الطرفة والفكاهة والسخرية فإننا لا بد إن نذكر شي مما قاله في هذا المجال : نماذج من مواقفه وسخرياته يقال بان (برنارد شو) كان في إحدى المناسبات حين أتاه احد الصحفيين وسال (برنارد شو) عن إمكانيته في تعريف الرأسمالية.....؟ و (برنارد شو) كما هو معروف كان نحيفا وشعر رأسه قليل وذو لحية طويلة، فأجاب بسرعة خاطر: ((...الرأسمالية ...(بعد أن مرر يديه على لحيته) : إنها غزارة في الإنتاج، ( وبعدها مرر يديه على رأسه) وسوء في التوزيع...)). و يروى أيضا عن (برنارد شو)، إن الراقصة (ايزادورا) المشهورة في بريطانيا عرضت على (برنارد شو) عرضا مغريا فقالت له: ((...أنا أجمل نساء انكلترا، وأنت يا (برنارد شو) أذكى رجال انكلترا، وأنها لفرصة لو أنجبت منك طفلا، لجمع بين جمالي وذكائك فيكون أعجوبة العصر. فرد (برنارد شو): ارفض العرض....! وقال: لأني أخشى إن يخرج الولد وقد جمع بين عقلك أنت و جسمي أنا ... فيكون مصيبة العصر.... !)) . وأيضا روي عن (برنارد شو)، أن سيدة قالت له: ((لو كنت متزوجة منك لوضعت لك السم في القهوة . فأجابها (برنارد شو) : عزيزتي.. لو كنت زوجك لشربتها)). وسئل (برنارد شو) ذات مرة عن إحدى النساء إن كانت جميلة أم لا.. فقال: ((..دعني أراها عندما تستيقظ من نومها صباحا..........!)) ومن مواقف الطريفة لـ(برنارد شو) أيضا، انه كان ذات مرة يتجول في المكتبات التي تبيع الكتب القديمة، فهو كثيرا ما كان يتردد إليها، فوجد إحدى كتبه بين تلك الكتب وحين رفع ليتصفح كتابه هذا فوجئ بتوقيه في إهداء خاص إلى احد أصدقاءه، وعلى الفور قام (برنارد شو) بشراء هذه النسخة وكتب تحت الإهداء الأول: ((جورج برنارد شو يجدد تحياته إلى من يحترم الكلمة حق الاحترام .....!))، وأرسل النسخة بالبريد المضمون إلى هذا الصديق . ومن مواقفه الطريفة أيضا، حين التقى (ستالين) زعيم (الاتحاد السوفيتي) الذي كان (برنارد شو) من اشد المعجبين ومن المتحمسين ومن المؤيدين لتجربة (السوفيتية)، فجرى بين الشخصين حديث مطول لأكثر من ساعة وعند ختامه قال (ستالين) عن (برنارد شو) انه ((متعب لكنه مخلص وصادق)). فقال (برنارد شو) عن (ستالين) : (( إنني شديد الإعجاب بهذا (الجورجي) الذي كان بإمكانه أن يكون ابن غير شرعي لكاردينال ارستقراطي)). ويقال أن (ستالين) أعجبته هذه الملاحظة وظل طوال سنوات يرويها في مجالسه الخاصة . و يذكر بان (برنا رد شو) حين زار (ستالين) كانت ترافقه زوجته السيدة (أستور)، والتي لم تكن تتعاطف مع التجربة (السوفيتية) ولا مع (ستالين) تحديدا، علما بان (ستالين) كان مسبقا يعلم بهذه المعلومة، ومع هذا وافق بمقابلته لها احتراما لزوجها (برنا د شو) وحين قابلته سألته: ((متى يا سيدي الرئيس ستتوقف عن قتل الناس بنفس الطريقة التي كانت تجري أيام القيصر..))، ويبدو إن (ستالين) كان يتوقع منها هذا السؤال بكونه كان لديه معلومات عن مواقفها حتى قال لها مبتسما: ((حين يتحقق السلام)) . ومن طرائفه أيضا إن (تشترشل – رئيس وزراء أنكترى آنذاك) كان صديقا حميما لـ(برنارد شو) وكان يحب التحرش معه ليستمتع بسخرياته، فقال لـ(برنارد شو): ((.. إن من يراك يا (شو) - و (شو) هي كلمة مختصرة كانت تطلق لـ( برنارد شو) - يظن أن في (إنجلترا) مجاعة، حيث كان (برنارد شو) ذو بنية نحيفة جدا، بينما كان (تشيرشل) بدينا....!)) فأجاب (برنارد شو) على الفور: ((.. ومن يراك يعرف سبب هذه المجاعة....!)). ومن مواقف أخرى بين الرجلين هي انه ذات مرة أرسل (برنا رد شو) بطاقة دعوة إلى (تشيرشل) لحضور عرض إحدى مسرحياته ورفق معها ملاحة كتب فيها، ((بإمكانك إحضار صديق معك إن كان لك صديق.....!)). فرد (تشيرشل) الدعوة معتذرا، بكون لديه ارتباط أخر، ورافق رده بملاحظة تقول: ((أرجو أن ترسل لي بطاقتين للعرض التالي إذ كان هناك عرض......)) . أما طرائفه عن (المرأة) نذكر منها ((.. لم أشاهد في حياتي (امرأة) إلا ولها من القبح ما يغطي جمالها ......! )) . ((.. الزواج حياة شراكة، الرجل يقوم بالتدبير، والمرأة بالتبذير ......! )) . ((.. بعض النساء لديهن القدرة على تسلية أي رجل إلا الزوج.....! )) . ((.. الشخص الوحيد الذي يأمر (المرأة) بالصمت فتطيعه، هو المصور ....! )) . ((.. من قال أن (المرأة) ليس لها رأي....! (المرأة) لها كل يوم رأي جديد ....! )) . ((.. هناك رواية بوليسية مسلسلة يقبض فيها على الجاني من أول فصل....إنني أعني رواية الزواج.......! )) . ((.. (المرأة) الذكية ليست بحاجة لحق الاقتراع ولا تمانع بأن تترك الرجل يحكم طالما أنها تحكمه.......! )) . ((.. إخلاص (المرأة) كالتوابل، الإكثار منها يضر والإقلاع منها يمنع اللذة......! )) . ((.. تقلق (المرأة) على المستقبل لحين إن تجد زوجا، و يقلق الزوج على المستقبل بعد أن يجد زوجة ......! )) . ((.. يشعر (الرجل) بقوته فيغدق رحمته على (المرأة)، وتشعر (المرأة) بضعفها فتقسو على (الرجل).....! )) . ((.. (المرأة) هي (جمع) للهموم و (طرح) للأموال و(مضاعفة) للأعداء و(تقسيم) للرجال.....! )) . ((.. لتختبر مدى تهذيب (الرجل) أو (المرأة) راقب سلوكهم أثناء التشاجر.....! )) . ومما قاله (برنارد شو) في الحكمة: ((.. نصف المعرفة أكثر خطورة من الجهل.....! )) . ((.. الصمت هو أفضل تعبير عن الاحتقار......! )) . ((.. اختر الصمت كفضيلة؛ لأنك بفضله تسمع أخطاء الآخرين.. وتتجنب أن تقع فيها.....! )) . ((.. الموضة كالوباء تنتشر بسرعة.....! )) . ((.. إن طريق الحياة تمر عبر مصنع الموت....! )) . ((.. لا يمكن أن تكون بطلا ما لم تختبر الجبن......! )) . ((.. لقد علمتنا التجارب أن الإنسان لن يتعلم أبدا من تجاربه.....! )) . ((.. يمكن للإنسان أن يصعد أعلى القمم، لكن لا يمكنه البقاء هناك طويلا......! )) . ((.. الإنسان الذي لا يعرف كيف يعيش: يستحق الموت......! )) . ((.. لا نتوقف عن اللعب لأننا كبرنا.. إننا نكبر لأننا توقفنا عن اللعب.....! )) . ((.. القاعدة الذهبية هي أنه لا يوجد قواعد ذهبية.....! )) . ((.. لو كان لديك تفاحة ولدي تفاحة وتبادلناهما بيننا سيبقى لدى كل منا تفاحة واحدة، لكن لو كان لديك فكرة ولدي فكرة وتبادلنا هذه الأفكار، فعندها كل منا سيكون لديه فكرتين.....! )) . ((.. إنني أغفر لـ(نوبل) أنه اخترع الديناميت، ولكنني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل . )) . ((.. ليس هناك سوى دين واحد ولكن بمئات من النسخ.....! )) . ((.. السعادة كالقمح ينبغي ألا نستهلكه إذا لم نساهم في إنتاجه......! )) . ((..طالما لدي طموح فلدي سبب للحياة لان القناعة تعني الموت.....! )) . ((.. عليك أن تعتني بنفسك وبأناقتك، لأنك النافذة التي من خلالها يجب أن ترى العالم .....! )) . ((.. تمتع بصحتك قبل أن يصيبك المرض، وأنفق كل ما لديك قبل أن تموت....! )) . ((.. النجاح ليس عدم فعل الأخطاء, النجاح هو عدم تكرار الأخطاء....! )) . ((.. استطاعت الإنسانية أن تحقق العظمة والجمال والحقيقة والمعرفة والفضيلة والحب الأزلي، فقط على الورق......! )) . ((.. عندما يكون الآخر قريبا؛ نفكر بحسناته وإلا سيكون تحمله أمرا صعبا، ولكن في غيابه نسلي أنفسنا بتذكر مساوئه.......!)) . إما أقواله في السياسة ((.. الانتخابات هي رعب معنوي مثلها مثل الحروب، إلا أنه لا تسفك فيها الدماء، لكنها بالنسبة للمتورطين فيها مثل الوقوع في الوحل......! )) . ((.. السلطة لا تفسد الرجال، إنما الأغبياء إن وضعوا في السلطة فإنهم يفسدونها.......! )) . ((.. الاغتيال هو إجراء متطرف من الرقابة.......! )) . ((.. أول شرط للاستمرار هو إلغاء الرقابة........! )) . ((.. الحرية هي المسؤولية. ولهذا يخشاها معظم الرجال....! )) . ((.. تعلمت منذ زمن ألا أتصارع مع خنزير أبدا، لأنني سأتسخ أولا ولأنه سيسعد بذلك.....! )) . ((.. (الإنسان) هو الحيوان الوحيد الذي يثير رعبي.. بينما لا يشكل (الأسد الشبعان) أي أذى؛ فليس لديه أي مذاهب أو طوائف أو أحزاب......!)) . وهذه الأنماط من السخرية الهادفة تخللت في معظم مسرحياته مما أعطت لها طابعا متميز استقطبت الجماهير إليها بما إثارته في فكر ووعي وأحاسيس المتفرج، وكانت هذه (السخرية) بمثابة ترجمة صادقة لمشاعر الشعب تطرح خلجاتهم وتعبر عن حياتهم بما يعتريها من آلام.. وأحزان.. وبؤس.. وشقاء.. وآمال.. وأفراح، وهكذا كان (برنارد شو) يسلط الضوء على القضايا الاجتماعية من خلال تجربة الحياتية؛ لذلك اتجه في كتابة مسرحياته اتجاها اجتماعيا كناقد ومفكرا ليعبر عما تعانيه الطبقات السحيقة في المجتمع وتحديدا (الطبقة العمالية) التي كانت وكما التمسها من خلال تجربته في الحياة من استغلال.. واستعباد.. وقهر.. وحرمان.. وحالة الاغتراب التي كانت تسود أوساط هذه الطبقات، لذلك عمل في مسرحه على تسليط الضوء عن معاناة هذه الطبقات من اجل تحريضهم وتوعيتهم وتقويمهم؛ ليضطلع بالمسرح من مقولة (الماركسية) بمحاولة ((تغيير العالم بدلا من تفسيره...))، لان وظيفة المسرح (الاجتماعي) الذي التزم (برنارد شو) بمبادئه جعله مرآة تعكس آراءه (الاشتراكية) التي تسعى إلى إزالة الفوارق الاجتماعية بين الطبقات؛ ليعبر عن مصالح العمال وأمالهم، مسرح يتخذ من (الكوميديا) و(تراجيديا) اتجاها يمزج بينهما؛ فكان حريصا بان يقدم نصا(ميلودراما) يمزج بين الدمعة والضحك، لذلك حرص على تقديم مسرحا يتميز بناءه بوضوح الدراما مع شخصيات التي تقدم نفسها بنفسها وهي ترى وتلمس الحياة من خلال الأخر أو الآخرين، لذلك يكون الإنسان في مسرح (برنارد شو) أهم من الأداء التمثيلي وديكور المسرح لان تركيز مسرحه يقوم على الفكر (الاشتراكي)، ومن هنا تكمن صعوبة فهم مسرحه دون التوغل لمعرفة هدف المسرحية وطبيعة شخصياتها، كون (برنارد شو) كما أوضحنا سابقا انتمى إلى (الفابية الاشتراكية) وهو مذهب الذي يتجه اتجاها (اشتراكيا) ويدعو إلى المساواة والابتعاد عن الحروب وسفك الدماء دون سبب كما طرحها في مسرحية (الأسلحة والرجل) ، وبدل عن ذلك يجب الاعتماد على سياسة الجدل الفكري والحوار والنقاش كلغة بديلة عن الحروب متأثرا بآراء (هيغل) في الجدلية ومن خلال هذا الجدل كان (برنارد شو) يعالج القضايا الاجتماعية في مسرحياته، كما نلاحظ ذلك في مسرحية (بيت محطم القلب) و مسرحة (بيوت الأرامل) كما وانه كان حريصا على إن يسكب مسرحياته بنكهة كوميدية ساخرة كما نلاحظ ذلك في مسرحية (جزيرة جان بول الأخرى) التي تمتلئ مشاهدها من مقاطع مضحكة والى أقصى درجات الضحك . نماذج من مسرحياته فـ(برنارد شو) طرح موضوعات لمعالجة كل ألازمات الاجتماعية محرضا ومنورا وعي الطبقات المضطهدة من اجل تغير واقعها وتغير العالم ومن اجل إيقاظ وعي الإنسان وتنشئة الإنسان قادرا على هذا التغير، ولذلك حرص (برنارد شو) على إن يقدم نصا يشارك المتفرج مع العرض لا إن يكون مجرد متلقي، ليجعل من المسرح محطة لا يتوجه المجتمع إليه بل المسرح يتوجه إلى المجتمع لكي يسعى إلى تغير المجتمع، لان (برنارد شو) أراد إن يجعل من المسرح هدفا تربويا وأخلاقيا وسياسيا من اجل ترسيخ القيم الهادفة لمجتمع وساعيا لتوفير حلول لمشكلات المجتمع و تنشئته تنشئة اجتماعية ليكون مرآة تعكس ملامح المجتمع بكل ما هو فيه من محاسن وسيئات ليحفزه بتوجيه تربوي مؤثر لتغيير واقعه وليجعل الإنسان واعيا بأفعاله ولحب الخير والفضيلة ونبذ العنف والكراهية التي تلحق الأذى والضرر العام في المجتمع، لذلك عمل (برنارد شو) من خلال المسرح ليجعله ورشة تتدرب فيها النفس الإنسانية على القيم والأخلاق النبيلة والفضيلة؛ ليتم إعادة تقدير مواقفها واعتماد على لغة المنطق والعقل كأساس لأي رأي وموقف يتخذه الإنسان ليكون مواقفه سليمة لبناء أهداف سامية؛ وليتم تحقيق هدف الإنسانية في التنمية الاجتماعية، والقدوة الحسنة، لان مسعى (برنارد شو) كان من المسرح بان يجعله أداة لتحريك الشعوب والثورة ضد الظلم والفقر والفوارق الطبقية والاضطهاد. لذلك حرض (برنارد شو) على مسرح فكري اجتماعي يتناول فيه شتى نواحي الحياة لتكون موضوعات مسرحياته منبرا لعلاج أمراض المجتمع، ومن هنا تكمن أهمية مسرح (برنارد شو) بكونه خطاب مؤثر وهادف تنطلق حبكته وفق سياق درامي كوميدي وتراجيدي من اجل إثارة المشاهد وفق مواقف طريفة وهادفة لتصل الفكرة إلى المتلقي بسلاسة وعفوية فيتفاعل مع إحداثها تفاعلا ايجابيا لتسهم في أغناء وعي المجتمع فكريا وثقافيا كي يرتقى المجتمع إلى مستوى تحمل مسؤولياته في بناء ثقافة اجتماعية تساهم لرقيه. بجماليون أو سيدتي الجميلة فلو أخذنا مسرحية (بجماليون) التي كتبها (برنادشو) والتي اشتهرت باسم (سيدتي الجميلة) بعد ان تم اقتباس فكرتها إلى فلم سينمائي عام 1935 وفاز سيناريو الفلم الذي كتبه (برنارد شو) بجائزة (أوسكار) السينمائية عام 1939 كأفضل فلم مقتبس من مسرحية (بجماليون)، وقد سبق له الفوز بجائزة(نوبل) للآداب عام 1925 ، كما ذكرنا سابقا . وتعتبر هذه المسرحية من أفضل وأروع مسرحيات (برنارد شو) حيث وجدوا النقاد ومطلعي المسرح بكونها مليئة بقيم ومشاعر إنسانية فياضة استطاع (برنارد شو) التعبير بصدق بتعاطفه مع شخصية المسرحية التي خلقها وهي ممتلئة بنزعة إنسانية عميقة؛ ومع هذه الشخصية البسيطة - ولو انه كان ضد عملية الخلق التي تعرضت هذه الشخصية وضد الفنان المبدع لهذه الشخصية - فـ(برنارد شو) في هذا العمل أتقن لغته لتكون بقوة الفكرة التي انطلق في بلورتها في شخصية المسرحية.. وكيفية تقبل هذه الشخصية فكرة التعلم.. و(الاتيكيت) الكلام.. وكيفية الصرف والتكلم.. وكيفية التفكر.. وكيفية مواجه الفكرة.. وكيف وعيها بما تفعله خارج انطباعات لبيئة التي عاشت فيها.. وتعلم سلوكياتها لتواجه نمط أخر من سلوكيات هي جديدة لها . فالمسرحية بحجم عمقها الإنساني؛ هي طريفة وممتعة فكرا.. وفنا.. وإبداعا، فمسرحية (بجماليون) هي مسرحية مقتبسة من أسطورة (بجماليون اليونانية)، حيث تذهب (الأسطورة) بكون هناك نحات نحت تمثالا من الحجر المرمر لوجه وجسد امرأة، وارد أن تكون في منتهى الجمال والروعة فبالغ في صقلها وتعبير في تقسيمات وجهها وجسدها؛ لدرجة التي لم يبقى من جمالها وروعتها سوى النطق، ورمز هذه (الأسطورة) يستخدم في الإشارة إلى كل من يخلق شيئا جميلا ومميزا من أشياء عادية لا تثير المتلقي . ومن هذا المعنى اقتبس (برنارد شو) فكرة مسرحيته في (سيدتي الجميلة - بجماليون)، حيث قام بدور الفنان المبدع شخصية اسماها (برنارد شو) في المسرحية بـ(البروفيسور هنري هيجنز) وصديقه (الكولونيل بيكرنغ) حيث دار النقاش بينهما حول فتاة هي (اليزا دوليتل)، التي وجدوها في إحدى الأسواق وهي تبيع الزهور و تتحدث بلغة سوقية مبتذلة التصرف ومشاكسة، فأثار تصرفات هذه الفتاة (هيغنز) ليقول لصديقه إن بإمكانه خلال فترة وجيزة أن يحول هذه الفتاة إلى سيدة أرستقراطية، عبر تعليمها أسلوب الحديث وتدريبها على (الاتيكيت) وأصول الكلام وكيفية الحديث ليحولها إلى نسخة من سيدات المجتمع الارستقراطي وخلال ستة أسابيع فقط . فيرد (الكولونيل) منطقيا هذا غير ممكن، ليقوم الرهان بين الطرفين وعلى أثر ذلك يذهب (هنري هيغنز) إلى بائعة الزهور الصبية (اليزا) ويعرض عليها أن يعلمها المنطق مقابل بعض مال يعطيه لها ومال آخر يعطيه لأبيها، فبدون تردد توافق الفتاة، فيصطحبها في كل براءة إلى منزله وتبدأ التمارين على الفور، وهو يشعر بأنه يسابق الزمن. غير أن (اليزا) لم تخيب أمل (هيغنز)، بل تتجاوب معه إلى درجة أنها خلال التمارين أبدت من الاستعداد والفهم والذكاء واللباقة ما أذهل (هيغنز)، وخلال فترة محددة، نجحت (اليزا) في كل الاختبارات التي أجريت لها، من حيث نطق اللغة وأدائها وأسلوب الحوار؛ ولقد تجلى ذلك كله خلال حفلة صاخبة أقيمت في حديقة منزل احد أصدقاء (هنري هيغنز) حيث اصطحب (هيغنز) تلميذته (اليزا) إلى الحفلة ليقدمها إلى الحفل من دون أن يكشف سرها لأحد على أنها (دوقة - أو سيدة راقية)، وبالفعل تصرفت (اليزا) بمنتهى الذوق و(الاتيكيت) وهي في غاية الجمال والأناقة، وكأنها - دوقة أو سيدة راقية - حقيقية، وهذا تصرفها اثأر ذهول (هيغنز) و(الكولونيل)، في كيفية تصرفها وكأنها من أرقى العائلات الأرستقراطية. وبهذا النجاح اخذ (هنري هيغنز) و(الكولونيل) يهنئان نفسيهما وبنجاح التلميذة وقدرتها على إقناع الجميع بأنها سيدة المجتمع الارستقراطي حقيقية، ولكن في هذه الإثناء انتبهت (اليزا) إلى أساتذتها وهم لا يقيمان أي وزن لجهد التي هي بذلته في التعليم، فهي من جهة لم تبالي كثيرا بموقف (الكولونيل) لأنها لم تهتم به رغم انه كان يبادلها الود، ولكن موقف (هنري هيغنز) أغاظها كثيرا لأنها كانت مغرمة به؛ في وقت الذي لم يلاحظ ولم يشعر بها؛ وهذا ما أحزنها؛ والآن هو يتجاهلها كامرأة وإنسانة من لحم ودم تشعر وتحس وتتألم، بكونه كان يعتبرها مجرد مادة يختبر دراساته، صحيح أنها كانت مادة طيعة بين يديه مثل المادة التي صنع منها (بيجماليون) نحته كما جاء الحديث في (الأسطورة)، لكنها في نهاية الأمر هي كائن بشري تشعر وتحس وتحب وتحزن وتبكي وهي على يقين بأنها ليست مجرد دمية مصنوعة من الحجر، وهذا الإحساس كان عند (اليزا) بينما أستاذها (هنري هيغنز) يعيش خارجه هذا الإحساس، كونه كان مهووس بعلمه وبانتصاره ولم يخطر في باله أن للمادة التي اشتغل عليها فيها مشاعر ونبض وإحساس، ففي الوقت الذي كان ينمي لدى (اليزا) أسلوب الحياة الناجح، كان يملئ قلبها حب.. وحنان.. وشوق، وحين عجزت (اليزا) من قدرة (هيغنز) فهم مشاعرها اتجاه بعد انتصاره، تذهب إلى منزل والدته، السيدة الليبرالية الواعية، وهذه إذ تؤنب ابنها و تدفعه إلى التفكير في الأمر مليا ليدرك بأن (اليزا) أصبحت جزءا من حياته، ولكن ليس على النحو الذي كانت تأمله (اليزا) . حين يتوجه (هيغنز) إليها في صبيحة اليوم التالي يطلب منها السماح والعفو ويعرض عليها أن تعود إلى منزله لتعيش معه ومع صديقه (الكولونيل) كأصدقاء، فتثير غيض (اليزا) وغضبها فهي لم تشعر بأن (هيغنز) يغدر بحبها بل إنه الآن يغدر بكرامتها أيضا، فترفض العرض كونها لا تسعى إلى الحصول على صدقة منه وصداقة أو حياة مترفة، بل إن جل ما كان تبتغي هو الحب والحنان وأن ينظر(هيغنز) إليها بنظرة الحب، لكنه (هيغنز) يرفض ذلك، فيحاول إقناعها بأن هذا الأمر يتعارض مع طبيعته، ولهذا لم يبقى أمام (اليزا) التي أصبحت إنسانة لها شخصيتها بما تمتلك من ثقة بالنفس وقدرة على مجابهة الحياة، لذلك قررت أن تخرج من حياة أستاذها لتعلن أمامه وردا على تجاهل (هيغنز) المتواصل لعواطفها كي تتزوج من فتى فقير، لكنه نبيل، يوازيها عمرها وثقافتها و كان يحبها منذ زمن بعيد، كما أنها تعلن أمام (هيغنز) أنها لم تعد راغبة من الآن وصاعدا العودة إلى بيع الزهور طالما أن لهجتها الجديدة لا تمكنها من هذا؛ لذلك قررت التوجه نحو التدريس لتصبح أستاذة صوتيات، مثل معلمها (هيغنز) بل وتسعى إلى منافسته . ومن روعة حبكة هذه المسرحية اخذ عنها الكثير من الاقتباسات ولكن في بعض من هذه الاقتباسات تم تبديل نهايتها كما ظهر في عرض الفلم (سيدتي الجميلة) حيث تخرج نهاية سعيدة إذ يرتبط (هيغنز) و(إليزا) برباط الزوج في النهاية . بيوت الأرامل اما مسرحيته (بيوت الأرامل) والتي تعتبر من مسرحيات التي تتناول القضايا الاجتماعية فيها سكب (برنارد شو) كل مقومات والأسس التي أقام وبني عليها مسرح (برنارد شو) الاجتماعي فكريا وفنيا وضمن اتجاه الاشتراكي، فالمسرحية كتبت وعرضت في بداية العقد الأخير من القرن التاسع عشر، يدور موضوعها حول الطبيب الإنكليزي الشاب اسمه (ترنش) الذي يلتقي وهو في رحلة على ضفاف نهر (الرين) بصبية شابة إنكليزية تدعى (بلانش) فيقعان في قصة حب، ولكن حين يلتقي (ترنش) بوالد حبيبته (بلانش) وكان يدعو (سانتوريوس) يكتشف بأنه شخص بخيل جشع حقق ثروة الهائلة من خلال استغلال الفقراء وتأجيرهم منازل متهالكة آيلة على السقوط ولا تتمتع بأي ميزات صحية، ولا يقوم بصيانتها على الإطلاق، لان كل هم (سانتوريوس) هو الحصول على الأموال، ومن خلال تواصل الإحداث يكتشف (ترنش) من خلال موظف يعمل لدى (سانتوريوس) جشاعة هذا الأخير وإجرامه، ولذلك حين استطلع على مجمل سيرة عائلة خطيبته؛ فانه يطلب من خطيبته أن تتزوجه من دون أن تقدم أية أموال، فهو لن يقبل أي مال في حياته يأتي من مصدر غير نزيه و قذر إلى هذا الحد، لكن خطيبته (بلانش) ترفض ويتوقف مشروع الزواج، ولكن الموظف الذي كان قد فضح الحكاية كلها والذي كان يعمل عند والد خطيبته يتدخل ويصلح الأمور فيما بينهم، بكونه ذكر بأن والدها أقام مؤخرا بإنشاء مشروع سكني بمال نزيه؛ ليكون هذا المدخل حلا وسطي يسهل قبول كل طرف بالآخر وعودة الخطيبين بعضهما إلى بعض......! الرجل والسوبرمان إما مسرحية (برنارد شو) التي تربط بين وهم الأفكار وحتمية الواقع هي مسرحية (الرجل والسوبرمان) التي تعتبر من أطول مسرحياته كونها تتألف من أربعة فصول طويلة، فالموضوع الأساس للمسرحية يأتي عبر تفسير يخضع السجال حوله من خلال (حلم)، ليشكل هذا الحوار في المسرحية ما يمكننا أن نسميه (مسرحا داخل المسرح)، حيث يتداخل في المسرحية الصراعات والشخصيات والسجال والأحداث والأفكار والمواقف المتنوعة والمتناقضة في بعض الأحيان، إلى درجة إننا نشعر فيها بأننا أمام أمرين الأول (أمام الواقع) و الثاني (أمام الحلم) . فـ(برنارد شو) أرد أن في هذا العمل أن يطرح الأفكار والهموم التي كانت تشغل أفكاره وهو يتطلع إلى القرن العشرين وهو يطل على تطورات مجتمعية تحمل في طياتها صراعات الأفكار والمبادئ وعلى كاف أصعدة الحياة، حيث (المرأة) تتطلع قدما لأخذ حقوقها، وانتشار الأفكار التطورية (الدارونية) والوجودية والليبرالية والاشتراكية والى غيرها من الأفكار الاجتماعية، لذلك جاءت المسرحية بكونها أشبه بدروس فكرية التي أراد (برنارد شو) طرحها. فالموضوع رغم كونه طرح للأفكار إلا أن المسرحية أخذت طابعا كوميديا، فالمسرحية تسلط الضوء عن فتاة محاطة بوصيين من أساتذة بعد وفاة والدها، الأول يدعو (رامسدن) رجل كبير في السن وذو توجهات ليبرالية و صديق العائلة والثاني يدعو (جون تانر) وهو ذو نزعة ثورية ومؤلف ثوري، ومن هنا تتضح حجم التنافس بين الشخصيتين، فالأول صاحب القيم يتبنى أفكار تقدمية و يعارض أفكار الثاني الذي يتبنى أفكار (داروين) الذي يتجه اتجاها لتامين ولادة (إنسان سوبرمان)، ولهذا فانه يحمل أفكار غريبة، حيث يعتقد بان (المرأة) هي المسيطرة على الرجل، حتى حين يعتقد الرجل أنه هو المسيطر، ومن هنا فان الفتاة الحسناء (آن وايتفيلد) تتطلع لزواج منه سرا، ولكنه يتهرب من هذه الفكرة لأن في اعتقاده بأن الزواج والزوجة سيحولانه إلى كائن (بيولوجي)، فالزواج في ضنه سيضع حدا لنشاطه الفكري؛ بكون حسب اعتقاده في نظرية التطور بان وظيفة (المرأة) هي العمل على إبقاء النوع البشري عبر الحمل والولادة، و رغم أفكاره الغريبة هذه إلا أن (آن وايتفيلد) مغرمة بـ(جون تانر) الذي لا يتنبه إلى هذا، معتقدا بأنها ستتزوج من (اوكتافيوس روبنسون)، بكون صديقه مغرم بها حد الجنون، ولكن الأمور تتعقد حين يجتمع الحضور لمناقشة وصية والد (آن وايتفيلد)، ليعلن إن (فيوليت) شقيقة (أوكتافيوس حامل)، لكنها لن تبوح باسم رجلها، ولهذا فان (رامسدن) و(أوكتافيوس) يفاجئان بهذا الخبر، لكن (جون تانر) يثني على شجاعة (فيوليت) حين تكشف هوية رجلها وهو (هكتور) أمريكي الجنسية، فهم يتزوجان سرا في انتظار وصول (والد هكتور) من أميركا، في هذه الأثناء اخبر سائق (جون تانر) بان (آن وايتفيلد) تحبه وحين علم بهذا الأمر قرر الهروب لكي يتجنب أية فكرة عن الزواج، فيتوجه هو وسائقه إلى (سييرا نيفادا – الاسبانية)، ولكن أثناء فراره يتم القبض عليه وعلى سائقة من قبل زعيم قطاع الطرق المتمرد (مندوزا)، ليتبين لنا انه كان في الأصل صبي فندق وكان مغرماً بـ(لويز) أخت السائق لكنها رفضته، في اختصار صار (جون تانر) وسائقه في الأسر، و بعد حوار طويل ومتشعب مع زعيم قطاع الطرق المتمرد (مندوزا)، يخلد إلى النوم ليحلم بأنه - وهنا تبدأ القصة المسرحية تتداخل لتشكل المسرح داخل المسرح - وفي (الحلم) يرى دون جوان (تينوريو) بملامح (جون تانر)، و(الدونيا آنيا) رمز (المرأة) الكاملة في الأوبرا الشهيرة - ولها ملامح (آن وايتفيلد)، كما نرى التمثال والشيطان تباعا، أولهما له ملامح (رامسدن) والثاني ملامح (مندوزا) لتتعالى دراما المسرحية إلى مشاهد من الحوار والسجال والصخب بين الشخصيات الأربعة، حيث جميعا معا في الجحيم ، لكن هذا (الجحيم) ليس هنا مكانا للعذاب بل هو مملكة من ملذات عابرة وخيالات حادة؛ وكلها هذه الأمور هي تناقض مع عقل (جون تانر) . وهذا التناقضات التي تطرح هنا هي من صميم أفكار (برنارد شو) الذي حاول طرحها بعمق في هذه المسرحية، ومما طرحه قوله بان (الشيطان) هو في ذات الرجل لم يخلق سوى الحروب والدمار، بينما خلقت (المرأة) النوع الإنساني، وتتشعب الحوارات لتناول مفاهيم عن (الحب) و(الرومنطيقية) وما إلى ذلك، لينتهي الحلم بـ(آن وايتفيلد) التي كانت تسعى إلى الزواج من (السوبرمان)، وحين لم تجده ولم يتحقق لها هذا الحلم تقرر أن تصنعه بنفسها، وهنا يصحو (جون تانر) ومعه (مندوزا ) من هذا الحلم، ليعلما بأن (آن وايتفيلد) تبحث عن (جون تانر)، وجردت حملة لذلك، لتنتهي الأحداث على خير، وبالشكل الذي يرضي المتفرجين، إذ يرضخ (جون تانر) في نهاية الأمر لقوة الحياة وبيولوجيتها مجسدة بـ(آن وايتفيلد) و متخليا عن أفكاره . ويذكر هنا بان (برنارد شو) كتب مسرحية (الرجل والسوبرمان) في عام 1903 وهو في مقتبل العمر كنت أفكاره في أوج النضج لذلك عمل على تفلسف في لغة فن المسرح، ولهذا يقال لمسرحية (الرجل والسوبرمان) بأنها (ملهاة فلسفة) كونها من انضج مسرحياته على الإطلاق . كلمة الختام ولهذا سيبقى (برنارد شو) كاتبا (اشتراكيا) استطاع بلورة المفاهيم (الاشتراكية) بشكل سليم في مسرحياته التي تميزت بطابعها الاجتماعي العقلاني والتربوي والتثقيفي، ليجل من شخصياته محاورا لمعالجة الكثير من مشاكل الفلسفية التي طرحت من خلالها والتي واكبت عصر النهضة وما أفرزته من أفكار؛ ليتخذ لنفسه اتجاه لم يحد عنه لإرساء قيم (الاشتراكية) التي تزكي مصالح المجتمع على المصالحة الأفراد الذاتية الأنانية، وهذا الموقف الذي تبناه (برنارد شو) عبر عنها بأسلوب جاد وصادق وهادف؛ ليعطي صورة واقعية لما يتناوله، فهو لم يسعى للمبالغة في عملية تجديد للأشكال الفنية للمسرح؛ بقدر ما سعى إلى تجديد مضامين النص المسرحي وتحديدا في مساعيه في إيجاد أعلى درجات (السخرية) ولا سيما في المواضيع الجادة؛ لكي تصل الفكرة إلى المتلقي بشكل مؤثر ومقبول، ولهذا اشتهر موضوعات مسرحياته بهذه (السخرية) الهادفة، لتتحول النصوص عنده إلى نصوص فكاه.. وتعليق ساخر.. ونكتة خفيفة.. ولكن لها مغزى ودلاله عميقة في الفكر، كونه حول كل ما تناول قلمه من موضوعات جادة إلى (سخرية) هادفة لها دلالات فكرية في غاية الأهمية في أسلوب النقد الغير المباشر؛ سواء ما كان يتعلق أمرها بالحرب أو الحب أو العنف أو القضايا الاجتماعية الأخرى لدرجة التي باتت (السخرية) الحسنة والهادفة نقطة متميزة في عالم (برنارد شو) المسرحي . المصدر: فواد الكنجي]]> 124284 تانيا الخوري.. تتناول في عملها “أبعد ما تحملني البصمة” قضية اللجوء التي قاربتها في أعمالها غير ما مرّة http://www.souriyati.com/2019/06/24/124233.html Mon, 24 Jun 2019 10:49:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/06/24/124233.html تخيلّ أن تحفر قبراً بيديك العاريتين... أن تترك جزءاً من جسدك (ذراعك) لغريب (لاجئ) يرسم عليها وأنت لا تراه... كيف ستتصرّف لو كنت رجلاً وأُعطيت، لنصف ساعة، إمكانية أنْ تتحكّم في تصرّفات امرأة تقف في مكان عام دون أن تراك أو تعرف من أنت؟ أيّةَ أوامر ستعطيها عبر سمّاعة الأذن؟ هذه بعض المواضيع التي تتمحور حولها أعمال ومشاريع الفنّانة اللبنانية تانيا الخوري. في عملها المُعنوَن "أبعد ما تحملني البصمة"، الذي انطلق عرضه في لندن ثمّ انتقل إلى عدّة مدن قبل أن يحلّ بمدينة نيويورك مؤخّراً، تتناول الخوري (1982) قضية اللجوء التي قاربتها في أعمالها غير ما مرّة. وكما في عروضها السابقة، تأخذ الفنّانة المشارك عبر لعبة الحواس، مركّزةً هذه المرّة على حاستَي اللمس والسمع؛ حيث تحجب النظر عنه بطريقة ما. إنه عرضٌ فردي يستمرّ لمدة ربع ساعة تقريباً، وقد نفّذت فكرته مع مغنّي الراب وفنّان الغرافيتي الفلسطيني باسل الزراع. وعن ذلك تقول: "دُعيت في لندن إلى إقامة عرض حول موضوع الهجرة. لكنّني قرّرت تطوير الفكرة لتكون عن اللجوء، وأن أذهب أبعد من الحديث عن موجات اللجوء الأخيرة من سورية وغيرها، والتي شغلت الأوروبيين، وذلك بالحديث عن ملايين الفلسطينيّين الذي وُلدوا أباً عن جدّ، ومنذ سبعة عقود، كلاجئين، وما زالوا محرومين من العودة إلى بلادهم". تضيف: "أعرف باسل الزراع شخصياً حيث انتقل إلى العيش في لندن، وبدأنا المشروع قبل سنتَين، وكان من المفترض أن يُقام لمدّة محدّدة في لندن، لكن صادف أن حصل الفنّان على الجنسية البريطانية، وهو ما ساعدنا على الانتقال بالعرض بين دول عديدة، وقد قُدّم منذ ذلك الوقت في أكثر من ثلاثين مدينة". تنتمي أعمال الخوري إلى الفنّ التفاعلي أو الحي، وقد حقّقت من خلالها نجاحات محلّية ودولية. إنها أعمال يمكن الاشتراك فيها ولا يمكن، غالباً، اقتناؤها أو جمعها وتكديسها في بيوت الأغنياء أو المتاحف. في هذا السياق، تقول في حديثها إلى "العربي الجديد"، إنها تحرص على أن يكون هناك نتاج يمكن استخدامه للمصلحة العامة من قبل نشطاء أو صحافيّين أو أشخاص عاديين، حتى بعد انتهاء فترة العرض. تُذكّر عروضها التفاعلية بمسرح الألماني برتولد بريشت الذي اعتبر المشاهد (المشترك) الحلقة الأهمّ في العمل المسرحي، وهو الذي تُكتَب وتُعرض الأعمال من أجله؛ إذ تبني الخوري أعمالها بشكل رئيسي على التفاعل مع الزائر/ المشترك الذي تعطيه قدراً كبيراً من الاستقلال، معتمدةً على تفاعله الفكري والجسدي والعاطفي. درست الخوري فنون المسرح في "الجامعة اللبنانية" ببيروت، قبل أن تنتقل عام 2005 إلى لندن لدراسة الماجستير ثم الدكتوراه، وتناول موضوع أطروحتها "البعد السياسي لفن العروض التفاعلي". عن ذلك تقول: "لم أولَد في عائلة مرتبطة بالفن وعوالمه. وأتساءل أحياناً عن السبب وراء ذهابي إلى الجامعة اللبنانية ودراسة المسرح"، ثمّ تُجيب: "أعتقد أنه كان أمراً عفوياً. أؤمن بأن الجمهور يجب أن يكون جزءاً من العرض، ليس فقط في الفن التفاعلي بل حتى عندما درست المسرح. عرضت مشروع التخرُّج، مثلاً، في قاعة كانت أشبه بكنيسة قديمة ودعوت الجمهور إلى أن يكون جزءاً منه، ولم أكن أعرف في حينه أن هناك عالماً كاملاً يُسمّى الفن التفاعلي، وأن هؤلاء الذين يعملون فيه لا يأتون من المسرح فقط، بل من الفنون البصرية أيضاً". تضيف المتحدّثة أن العرض لا يمكن أن يستقيم إن لم يكن الجمهور موجوداً، لافتةً إلى أن أحد الأمور التي تحبّها في هذا هو اختلاف كلّ عرضٍ باختلاف المشارك. ترتكز أعمالها، أحياناً، على فكرة بسيطة، قد تكون سمِعت عنها في نشرة الأخبار أو على وسائل التواصل الاجتماعي، لتتحوّل بعدها إلى مشروع حمّال لمعانٍ يستغرق العمل عليه أشهراً أو سنوات عدّة. وفي عملها "حدائق تتكلّم" تُدخل الخوري المُشترِك في العرض إلى سراديب الحرب في سورية وتبعاتها على حياة الناس؛ إذ يتناول العمل عشر قصص لسوريّين قُتلوا مع بداية الانتفاضة ضدّ النظام، واضطرّ أهلهم إلى دفنهم سرّاً في حدائقهم المنزلية أو في حدائق عامّة لأسباب عديدة، من بينها عدم قدرتهم على الوصول إلى المقابر، أو بسبب استهداف وقصف الجنازات من قبل النظام. قرأت الفنّانة اللبنانية عن الموضوع لأوّل مرّة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتساءلت عن معنى دخول الموت حيّزَ الحياة اليومية أو غيابه عنها، وعن معنى تحوُّل حديقة خاصة أو عامّة إلى مدفن. تأخذ الخوري نفساً عميقاً قبل أن تشرح: "كلبنانية، عشت طفولتي في الحرب الأهلية، وكنت دائماً أتخيّل أو أشعر بأن التراب الذي نمشي عليه يحمل في طياته قصص المجازر والمعارك التي دارت خلال الحرب، وكأننا نمشي على الجثث. هذا الشعور ينتابني وأنا في الولايات المتّحدة وفي غيرها من البلدان ذات الماضي الاستعماري. في البداية، فكّرتُ أن أجمع قصصاً من جميع بلدان الانتفاضات العربية، ولكن استقرّ الأمر بي في نهاية المطاف على قصص سورية، خصوصاً أنَّ المشروع انطلق من بيروت، حيث أُقيم أوّلُ عرض". أمّا عرض "حدائق تحكي"، فيعتمد على قصص ومقابلات أجرتها الفنّانة في بيروت ولندن مع سوريّين اضطرّوا إلى ترك بلادهم، إضافةً إلى آخرين داخل سورية أجرت المقابلات معهم للمشروع الناشطةٌ السورية كنانة عيسى، ثم اختارت منها عشراً تمثّل مختلف أطياف الشعب السوري. في العرض، يرتدي الزائر ملابس بلاستيكية واقية ثم يدخل إلى مكان مظلِم فيه أربعة أطنان من الرمل. يتحسّس طريقه بمساعدة مصباح صغير يساعده على الوصول إلى واحدة من عشر بقع/ قبور مع شواهد. يتعيّن على الزائر حفر القبر بيديه حتّى يعثر على مصدر الصوت؛ وهي مسجّلةٌ تسرد عليه قصّة الضحيّة بأصوات أهله ومعارفه. يستمع الزائر إلى تلك القصص وهو متمدّد في القبر الذي وُضع عليه شاهد يحمل اسم الضحيّة. وبعد الانتهاء، يعيد دفن التسجيل الصوتي تحت التراب، في انتظار الزائر المقبل. تشير الخوري، الحاصلة على "جائزة المسرح الكلّي للابتكار" و"جائزة آرتشيس" في بريطانيا، إلى أنها اعتمدت في تنفيذ العمل على فكرة راودتها منذ وقت طويل: "طالما كنتُ أتصوّر أنه إن وضعنا أذننا على الأرض، يمكننا أن نستمع إلى قصص المفقودين". نيويورك - ابتسام عازم]]> تخيلّ أن تحفر قبراً بيديك العاريتين... أن تترك جزءاً من جسدك (ذراعك) لغريب (لاجئ) يرسم عليها وأنت لا تراه... كيف ستتصرّف لو كنت رجلاً وأُعطيت، لنصف ساعة، إمكانية أنْ تتحكّم في تصرّفات امرأة تقف في مكان عام دون أن تراك أو تعرف من أنت؟ أيّةَ أوامر ستعطيها عبر سمّاعة الأذن؟ هذه بعض المواضيع التي تتمحور حولها أعمال ومشاريع الفنّانة اللبنانية تانيا الخوري. في عملها المُعنوَن "أبعد ما تحملني البصمة"، الذي انطلق عرضه في لندن ثمّ انتقل إلى عدّة مدن قبل أن يحلّ بمدينة نيويورك مؤخّراً، تتناول الخوري (1982) قضية اللجوء التي قاربتها في أعمالها غير ما مرّة. وكما في عروضها السابقة، تأخذ الفنّانة المشارك عبر لعبة الحواس، مركّزةً هذه المرّة على حاستَي اللمس والسمع؛ حيث تحجب النظر عنه بطريقة ما. إنه عرضٌ فردي يستمرّ لمدة ربع ساعة تقريباً، وقد نفّذت فكرته مع مغنّي الراب وفنّان الغرافيتي الفلسطيني باسل الزراع. وعن ذلك تقول: "دُعيت في لندن إلى إقامة عرض حول موضوع الهجرة. لكنّني قرّرت تطوير الفكرة لتكون عن اللجوء، وأن أذهب أبعد من الحديث عن موجات اللجوء الأخيرة من سورية وغيرها، والتي شغلت الأوروبيين، وذلك بالحديث عن ملايين الفلسطينيّين الذي وُلدوا أباً عن جدّ، ومنذ سبعة عقود، كلاجئين، وما زالوا محرومين من العودة إلى بلادهم". تضيف: "أعرف باسل الزراع شخصياً حيث انتقل إلى العيش في لندن، وبدأنا المشروع قبل سنتَين، وكان من المفترض أن يُقام لمدّة محدّدة في لندن، لكن صادف أن حصل الفنّان على الجنسية البريطانية، وهو ما ساعدنا على الانتقال بالعرض بين دول عديدة، وقد قُدّم منذ ذلك الوقت في أكثر من ثلاثين مدينة". تنتمي أعمال الخوري إلى الفنّ التفاعلي أو الحي، وقد حقّقت من خلالها نجاحات محلّية ودولية. إنها أعمال يمكن الاشتراك فيها ولا يمكن، غالباً، اقتناؤها أو جمعها وتكديسها في بيوت الأغنياء أو المتاحف. في هذا السياق، تقول في حديثها إلى "العربي الجديد"، إنها تحرص على أن يكون هناك نتاج يمكن استخدامه للمصلحة العامة من قبل نشطاء أو صحافيّين أو أشخاص عاديين، حتى بعد انتهاء فترة العرض. تُذكّر عروضها التفاعلية بمسرح الألماني برتولد بريشت الذي اعتبر المشاهد (المشترك) الحلقة الأهمّ في العمل المسرحي، وهو الذي تُكتَب وتُعرض الأعمال من أجله؛ إذ تبني الخوري أعمالها بشكل رئيسي على التفاعل مع الزائر/ المشترك الذي تعطيه قدراً كبيراً من الاستقلال، معتمدةً على تفاعله الفكري والجسدي والعاطفي. درست الخوري فنون المسرح في "الجامعة اللبنانية" ببيروت، قبل أن تنتقل عام 2005 إلى لندن لدراسة الماجستير ثم الدكتوراه، وتناول موضوع أطروحتها "البعد السياسي لفن العروض التفاعلي". عن ذلك تقول: "لم أولَد في عائلة مرتبطة بالفن وعوالمه. وأتساءل أحياناً عن السبب وراء ذهابي إلى الجامعة اللبنانية ودراسة المسرح"، ثمّ تُجيب: "أعتقد أنه كان أمراً عفوياً. أؤمن بأن الجمهور يجب أن يكون جزءاً من العرض، ليس فقط في الفن التفاعلي بل حتى عندما درست المسرح. عرضت مشروع التخرُّج، مثلاً، في قاعة كانت أشبه بكنيسة قديمة ودعوت الجمهور إلى أن يكون جزءاً منه، ولم أكن أعرف في حينه أن هناك عالماً كاملاً يُسمّى الفن التفاعلي، وأن هؤلاء الذين يعملون فيه لا يأتون من المسرح فقط، بل من الفنون البصرية أيضاً". تضيف المتحدّثة أن العرض لا يمكن أن يستقيم إن لم يكن الجمهور موجوداً، لافتةً إلى أن أحد الأمور التي تحبّها في هذا هو اختلاف كلّ عرضٍ باختلاف المشارك. ترتكز أعمالها، أحياناً، على فكرة بسيطة، قد تكون سمِعت عنها في نشرة الأخبار أو على وسائل التواصل الاجتماعي، لتتحوّل بعدها إلى مشروع حمّال لمعانٍ يستغرق العمل عليه أشهراً أو سنوات عدّة. وفي عملها "حدائق تتكلّم" تُدخل الخوري المُشترِك في العرض إلى سراديب الحرب في سورية وتبعاتها على حياة الناس؛ إذ يتناول العمل عشر قصص لسوريّين قُتلوا مع بداية الانتفاضة ضدّ النظام، واضطرّ أهلهم إلى دفنهم سرّاً في حدائقهم المنزلية أو في حدائق عامّة لأسباب عديدة، من بينها عدم قدرتهم على الوصول إلى المقابر، أو بسبب استهداف وقصف الجنازات من قبل النظام. قرأت الفنّانة اللبنانية عن الموضوع لأوّل مرّة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتساءلت عن معنى دخول الموت حيّزَ الحياة اليومية أو غيابه عنها، وعن معنى تحوُّل حديقة خاصة أو عامّة إلى مدفن. تأخذ الخوري نفساً عميقاً قبل أن تشرح: "كلبنانية، عشت طفولتي في الحرب الأهلية، وكنت دائماً أتخيّل أو أشعر بأن التراب الذي نمشي عليه يحمل في طياته قصص المجازر والمعارك التي دارت خلال الحرب، وكأننا نمشي على الجثث. هذا الشعور ينتابني وأنا في الولايات المتّحدة وفي غيرها من البلدان ذات الماضي الاستعماري. في البداية، فكّرتُ أن أجمع قصصاً من جميع بلدان الانتفاضات العربية، ولكن استقرّ الأمر بي في نهاية المطاف على قصص سورية، خصوصاً أنَّ المشروع انطلق من بيروت، حيث أُقيم أوّلُ عرض". أمّا عرض "حدائق تحكي"، فيعتمد على قصص ومقابلات أجرتها الفنّانة في بيروت ولندن مع سوريّين اضطرّوا إلى ترك بلادهم، إضافةً إلى آخرين داخل سورية أجرت المقابلات معهم للمشروع الناشطةٌ السورية كنانة عيسى، ثم اختارت منها عشراً تمثّل مختلف أطياف الشعب السوري. في العرض، يرتدي الزائر ملابس بلاستيكية واقية ثم يدخل إلى مكان مظلِم فيه أربعة أطنان من الرمل. يتحسّس طريقه بمساعدة مصباح صغير يساعده على الوصول إلى واحدة من عشر بقع/ قبور مع شواهد. يتعيّن على الزائر حفر القبر بيديه حتّى يعثر على مصدر الصوت؛ وهي مسجّلةٌ تسرد عليه قصّة الضحيّة بأصوات أهله ومعارفه. يستمع الزائر إلى تلك القصص وهو متمدّد في القبر الذي وُضع عليه شاهد يحمل اسم الضحيّة. وبعد الانتهاء، يعيد دفن التسجيل الصوتي تحت التراب، في انتظار الزائر المقبل. تشير الخوري، الحاصلة على "جائزة المسرح الكلّي للابتكار" و"جائزة آرتشيس" في بريطانيا، إلى أنها اعتمدت في تنفيذ العمل على فكرة راودتها منذ وقت طويل: "طالما كنتُ أتصوّر أنه إن وضعنا أذننا على الأرض، يمكننا أن نستمع إلى قصص المفقودين". نيويورك - ابتسام عازم]]> 124233 رواية “صراح” للكاتبة منهل السراج. حكاية مهاجرين سوريّين في السويد http://www.souriyati.com/2019/06/11/123844.html Tue, 11 Jun 2019 13:21:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/06/11/123844.html عن الرواية: «صراح» مهاجرة في السويد. منذ بدء الحرب في بلدها تعذّرت الكتابة لديها، تسعى للقبض على المفتاح لحرية التعبير، لكن الأقفال تواجهها. تعمل مع طفلٍ متوحّد، والده «جبران» يعمل في مكتبة، ويحارب التمييز، لكنه ما زال يجد نفسه في أقبية معتمة. «جبران» يتوق إلى «صراح»، وهي تتوق إلى الكتابة، وتتذكر أيامها في حماة، وطموحها أن تجد السكينة. في هذه الرواية، تقصّ علينا منهل السرّاج، بأسلوب مختلف في السرد والكتابة، حكاية مهاجرين سوريّين في السويد، وظروفهم، وتشتُّت علاقاتهم، وتنثر، بهدوء، تأمّلاتٍ في الوجود، والحياة، والثقة، والحب، والسلام... مقطع من الرواية: وضعت خضاراً مما توفر في الثلاجة في إناء من الماء الفاتر، وما إن أدارت خلاطاً حتى صار الطعم كما تبتغيه طيّباً ومرغوباً، زكياً، كما كان يقال عن طعم العدس بالحامض. منذ زمن لم يزرها صديق. كانت هناك امرأة تتردّد إلى بيتها، تتكلّم وتشكو صاحبها، تقول إنه يأخذ المفتاح منها ويطلب منها المغادرة. وتذهب إلى البار حين يسافر صاحبها، تعتني بصحن طعامها، وتشكو من ألم المعدة، وجع مزمن يتنوّع في أعراضه وتنوّع في الشكوى، أين هي كل تلك السنوات؟ ليس مهمّاً، قالت لنفسها، ومضت إلى شؤونها. وشؤونها في اللحظة كانت أن تحمل فرشاة وتنزع حصى صغيرة تعلق بالأحذية. وتذهب إلى نادي الرياضة، وتنهمك في الركض. اكتشفت أن لصالة التمرين زاوية وأجهزة لم ترها قبل ذلك، استخدمتها وجرّبتها. نظرت إلى ظهرها، مشدوداً كما ينبغي لشابة، لم تكن ترى مؤخرتها كما بدت لها في ذلك الصباح، ولا تدري أيّ سبب جعلها تنوي ألا تأكل يومذاك. كانت تشعر بالقوة رغم ليلها الذي كان قاسياً، كذلك ابنها قال إن ليله كان مؤرقاً. كأن أبناؤها استعانوا بحكمتها. فالجرح، بالتعريف: سوريا والذاكرة، نفضت رأسها وأحاطت الإبهام بلصاقٍ طبّيّ كان في علبة مغلقة منذ سنين في بيتها، وكانت رائحته رائحة الخزن تفوح وتثير الكثير من الحنين. صوت ماء مصرف الجيران، أتراه ماء يتسرّب من تحتها؟ إعلان يقول: أين هو الأفضل لتعيش؟ ثم صورة ناطحة سحاب. تناولت دهون الوجه ومحيط العينين، واستراحت في الكنبة، تتمهّل في مسح تغضّنات السنين. كشفت عن بشرةٍ نقيّة وجسدٍ مشدود، واستمعت لحليم يغنّي: الهوى هوايا! الفكرة أن يأخذ الحب طريقه. تجاوزت الخمسين من العمر، ولكنها ما زالت تتساءل عن هوية الأهل، هل هم هؤلاء الذين توجَد أو وُجدت بينهم، أم أنهم أولادها الذين ولدتهم؟ ثم صارت تتدارس أمر الاهتمام بهم أو إهمالهم. الأهل تلك البيئة التي انتقلت إليها؟ جيران ومرحبا باردة ومجاملات وعناقات؟ أم أنهم هؤلاء الذين يأتونها في أحلامها ويتركونها متعجّبة من تفضيلهم امرأة ثانية؟ زوج أنجبت منه ولم يعجبها يوماً؟ لماذا تحمّل نفسها أعباء تعريف الهوية والمساند؟ كي تترك تمرين النفس والجسم أو ترجع إلى التمرين؟ وما هي تلك القضية التي لا تتطلّب أخذاً وتركاً ونضالاً وفوزاً وخسارة وذهاباً وعوداً؟ الحرية، يقول الإلهام، ولكنها ما زالت تتساءل عن نيل الحرية، طريقها وجهدها. غيرها يتشارك ويتحالف ويعدّ أدوات ذلك، بحجّة السورية، أما هي فقد كانت بمفردها تواجه تلك التحالفات والتخالفات، وحين ترتكب المخالفة بنفسها، تفعل ذلك من ضرورة أن تُفسد، ولم تعرف لذّة الإفساد، لعلّها عرفتها في بعض طفولتها: تخطف شيئاً من بين كثرة. البيت للأبناء، تدرك هذا ولكن يقال إن الانتفاع للآباء، ونفعها أن تكتب بحرّية، وتشعر بالرضا، وتستمر، إنها تنظّف المكان للأبناء، وجلست تلميذةً لمعلّم القيم، وآن لها أن تنتفع وأن يبادروا إليها معترفين باهتمامها وطموحها، لا كأمٍّ خرِفة لهم. التفتت وهي تعدّ طبق عشاء، تريد طعاماً وافياً، غنيّاً مشبعاً لذيذاً وجذّاباً لكي يكون مشهّياً. تفضّل، تحدّث معي! قالت لجنّ البيت، لم يجبها إلا نظرة منها إلى جزدان الفلوس، قطعت الاتصال إلا مع الرقص، الرقص يختصر رياضات العالم ونشاطاته، تعاونه وأذاه، رميات الحظ. ثم، قبل النوم، كان في التلفاز مشهد رجلٍ يطلب يد حبيبةٍ جاهداً، يركع أمامها فتجيبه ركوعاً، ابتسمت للتعادل. وقامت إلى سريرها لتأوي كما تفعل كل ليلة منذ زمن طويل، مع أن الموجودات التي تنطق وتدفعها لارتكابات، تقاومها بحركة من أصابعها أو من رأسها، من أطرافها، تبطلها لتفعل غيرها وتقاتل. *** خرجت نهاراً، الهتاف الذي يجب أن يتردّد في كل أرجاء العالم: لا للعنصرية في شوارعنا! ماذا يدور بينها وبين العالم الحديث؟ الجواب يكمن في الاندماج. عبرت صبيّة بشعرٍ أشقر وبنطال من الجينز مشدود عليها. والجواب يكمن في التقاط المصلحة، وقد تكون المصلحة عكس تركيب طبيعتها، صراح. كلما بادرت إلى تمشيط ذاتٍ وفهم حدود، وجدت أمامها أسيجةً وغيوماً سوداء. وقد اعتادت على موضوع الاندماج وليست وحدها في هذا العبء، وقد كانت مادة الصخور في المدرسة من مواد أثارت فضولاً لديها. قالت إحداهن ممن يتحدثن في السياسة منذ عقود، والموضوع كان دائماً اليهود والعدو الإسرائيلي، قالت تسألها عبر السكايب: لماذا لا تكتبين وتنشرين ما تكتبين؟ لماذا هذا التشدّد على الذات؟ أجابت صراح، إن الموضوع ليس كذلك تماماً، ولكن كيف تقول موضوعها، فالأَسر الذي هي فيه لا يقال ولا يثبت، إنه قرعٌ من سقفٍ، وإشاراتٌ عبر الكلمات ومن خلال الصفحات التي تفتحها، كيف تشير إلى التماعات قد تختفي إن رأتها عين ثانية؟ عالمها سرّي وسوف تجد موصلاً إليه. قالت للمرأة، إنها تجاوزت مرحلة التأثيم، كان ذلك اللفظ الذي أتى على بالها، كانت تفتقد المرح، قالت، إنها ظروف البيت والعائلة، وصمتت، كانت أشياء البيت تتابعها بحذر، وتحثّها على الألفة والسكنى. خرجت تتمشّى، هل تبيع البيت وتنتقل؟ حسبت وجمعت وطرحت ثم فكرت بتفاصيل الانتقال، ومن سيفعل معها؟ خطّطت لكلّ شيء، حتى تفصيل نقل أشياء القبو. لكن ما إن انتهت التصوّرات والتقديرات حتى سألت: ماذا سيتغيّر؟ كان الممشى رمادياً وحصى الطريق لا تنبئ إلا بتماثل الأحوال، وأن كلّ المساكن تحت السقوف ذاتها، والمحاولات فوق ذلك ضرورة. عن الكاتبة: منهل السرّاج: روائية سورية، من مواليد حماة. تقيم في السويد منذ عام 2006. كتبت العشرات من المقالات التي تهتم بالشأن السياسي والاجتماعي والديني. أصدرت مجموعتها القصصية الأولى "تخطي الجسر" عام 2007، فازت روايتها "كما ينبغي لنهر" بجائزة الشارقة للإبداع العربي الدورة السادسة 2002. من رواياتها: "جورة حوا"، "على صدري"، "عصي الدم". ]]> عن الرواية: «صراح» مهاجرة في السويد. منذ بدء الحرب في بلدها تعذّرت الكتابة لديها، تسعى للقبض على المفتاح لحرية التعبير، لكن الأقفال تواجهها. تعمل مع طفلٍ متوحّد، والده «جبران» يعمل في مكتبة، ويحارب التمييز، لكنه ما زال يجد نفسه في أقبية معتمة. «جبران» يتوق إلى «صراح»، وهي تتوق إلى الكتابة، وتتذكر أيامها في حماة، وطموحها أن تجد السكينة. في هذه الرواية، تقصّ علينا منهل السرّاج، بأسلوب مختلف في السرد والكتابة، حكاية مهاجرين سوريّين في السويد، وظروفهم، وتشتُّت علاقاتهم، وتنثر، بهدوء، تأمّلاتٍ في الوجود، والحياة، والثقة، والحب، والسلام... مقطع من الرواية: وضعت خضاراً مما توفر في الثلاجة في إناء من الماء الفاتر، وما إن أدارت خلاطاً حتى صار الطعم كما تبتغيه طيّباً ومرغوباً، زكياً، كما كان يقال عن طعم العدس بالحامض. منذ زمن لم يزرها صديق. كانت هناك امرأة تتردّد إلى بيتها، تتكلّم وتشكو صاحبها، تقول إنه يأخذ المفتاح منها ويطلب منها المغادرة. وتذهب إلى البار حين يسافر صاحبها، تعتني بصحن طعامها، وتشكو من ألم المعدة، وجع مزمن يتنوّع في أعراضه وتنوّع في الشكوى، أين هي كل تلك السنوات؟ ليس مهمّاً، قالت لنفسها، ومضت إلى شؤونها. وشؤونها في اللحظة كانت أن تحمل فرشاة وتنزع حصى صغيرة تعلق بالأحذية. وتذهب إلى نادي الرياضة، وتنهمك في الركض. اكتشفت أن لصالة التمرين زاوية وأجهزة لم ترها قبل ذلك، استخدمتها وجرّبتها. نظرت إلى ظهرها، مشدوداً كما ينبغي لشابة، لم تكن ترى مؤخرتها كما بدت لها في ذلك الصباح، ولا تدري أيّ سبب جعلها تنوي ألا تأكل يومذاك. كانت تشعر بالقوة رغم ليلها الذي كان قاسياً، كذلك ابنها قال إن ليله كان مؤرقاً. كأن أبناؤها استعانوا بحكمتها. فالجرح، بالتعريف: سوريا والذاكرة، نفضت رأسها وأحاطت الإبهام بلصاقٍ طبّيّ كان في علبة مغلقة منذ سنين في بيتها، وكانت رائحته رائحة الخزن تفوح وتثير الكثير من الحنين. صوت ماء مصرف الجيران، أتراه ماء يتسرّب من تحتها؟ إعلان يقول: أين هو الأفضل لتعيش؟ ثم صورة ناطحة سحاب. تناولت دهون الوجه ومحيط العينين، واستراحت في الكنبة، تتمهّل في مسح تغضّنات السنين. كشفت عن بشرةٍ نقيّة وجسدٍ مشدود، واستمعت لحليم يغنّي: الهوى هوايا! الفكرة أن يأخذ الحب طريقه. تجاوزت الخمسين من العمر، ولكنها ما زالت تتساءل عن هوية الأهل، هل هم هؤلاء الذين توجَد أو وُجدت بينهم، أم أنهم أولادها الذين ولدتهم؟ ثم صارت تتدارس أمر الاهتمام بهم أو إهمالهم. الأهل تلك البيئة التي انتقلت إليها؟ جيران ومرحبا باردة ومجاملات وعناقات؟ أم أنهم هؤلاء الذين يأتونها في أحلامها ويتركونها متعجّبة من تفضيلهم امرأة ثانية؟ زوج أنجبت منه ولم يعجبها يوماً؟ لماذا تحمّل نفسها أعباء تعريف الهوية والمساند؟ كي تترك تمرين النفس والجسم أو ترجع إلى التمرين؟ وما هي تلك القضية التي لا تتطلّب أخذاً وتركاً ونضالاً وفوزاً وخسارة وذهاباً وعوداً؟ الحرية، يقول الإلهام، ولكنها ما زالت تتساءل عن نيل الحرية، طريقها وجهدها. غيرها يتشارك ويتحالف ويعدّ أدوات ذلك، بحجّة السورية، أما هي فقد كانت بمفردها تواجه تلك التحالفات والتخالفات، وحين ترتكب المخالفة بنفسها، تفعل ذلك من ضرورة أن تُفسد، ولم تعرف لذّة الإفساد، لعلّها عرفتها في بعض طفولتها: تخطف شيئاً من بين كثرة. البيت للأبناء، تدرك هذا ولكن يقال إن الانتفاع للآباء، ونفعها أن تكتب بحرّية، وتشعر بالرضا، وتستمر، إنها تنظّف المكان للأبناء، وجلست تلميذةً لمعلّم القيم، وآن لها أن تنتفع وأن يبادروا إليها معترفين باهتمامها وطموحها، لا كأمٍّ خرِفة لهم. التفتت وهي تعدّ طبق عشاء، تريد طعاماً وافياً، غنيّاً مشبعاً لذيذاً وجذّاباً لكي يكون مشهّياً. تفضّل، تحدّث معي! قالت لجنّ البيت، لم يجبها إلا نظرة منها إلى جزدان الفلوس، قطعت الاتصال إلا مع الرقص، الرقص يختصر رياضات العالم ونشاطاته، تعاونه وأذاه، رميات الحظ. ثم، قبل النوم، كان في التلفاز مشهد رجلٍ يطلب يد حبيبةٍ جاهداً، يركع أمامها فتجيبه ركوعاً، ابتسمت للتعادل. وقامت إلى سريرها لتأوي كما تفعل كل ليلة منذ زمن طويل، مع أن الموجودات التي تنطق وتدفعها لارتكابات، تقاومها بحركة من أصابعها أو من رأسها، من أطرافها، تبطلها لتفعل غيرها وتقاتل. *** خرجت نهاراً، الهتاف الذي يجب أن يتردّد في كل أرجاء العالم: لا للعنصرية في شوارعنا! ماذا يدور بينها وبين العالم الحديث؟ الجواب يكمن في الاندماج. عبرت صبيّة بشعرٍ أشقر وبنطال من الجينز مشدود عليها. والجواب يكمن في التقاط المصلحة، وقد تكون المصلحة عكس تركيب طبيعتها، صراح. كلما بادرت إلى تمشيط ذاتٍ وفهم حدود، وجدت أمامها أسيجةً وغيوماً سوداء. وقد اعتادت على موضوع الاندماج وليست وحدها في هذا العبء، وقد كانت مادة الصخور في المدرسة من مواد أثارت فضولاً لديها. قالت إحداهن ممن يتحدثن في السياسة منذ عقود، والموضوع كان دائماً اليهود والعدو الإسرائيلي، قالت تسألها عبر السكايب: لماذا لا تكتبين وتنشرين ما تكتبين؟ لماذا هذا التشدّد على الذات؟ أجابت صراح، إن الموضوع ليس كذلك تماماً، ولكن كيف تقول موضوعها، فالأَسر الذي هي فيه لا يقال ولا يثبت، إنه قرعٌ من سقفٍ، وإشاراتٌ عبر الكلمات ومن خلال الصفحات التي تفتحها، كيف تشير إلى التماعات قد تختفي إن رأتها عين ثانية؟ عالمها سرّي وسوف تجد موصلاً إليه. قالت للمرأة، إنها تجاوزت مرحلة التأثيم، كان ذلك اللفظ الذي أتى على بالها، كانت تفتقد المرح، قالت، إنها ظروف البيت والعائلة، وصمتت، كانت أشياء البيت تتابعها بحذر، وتحثّها على الألفة والسكنى. خرجت تتمشّى، هل تبيع البيت وتنتقل؟ حسبت وجمعت وطرحت ثم فكرت بتفاصيل الانتقال، ومن سيفعل معها؟ خطّطت لكلّ شيء، حتى تفصيل نقل أشياء القبو. لكن ما إن انتهت التصوّرات والتقديرات حتى سألت: ماذا سيتغيّر؟ كان الممشى رمادياً وحصى الطريق لا تنبئ إلا بتماثل الأحوال، وأن كلّ المساكن تحت السقوف ذاتها، والمحاولات فوق ذلك ضرورة. عن الكاتبة: منهل السرّاج: روائية سورية، من مواليد حماة. تقيم في السويد منذ عام 2006. كتبت العشرات من المقالات التي تهتم بالشأن السياسي والاجتماعي والديني. أصدرت مجموعتها القصصية الأولى "تخطي الجسر" عام 2007، فازت روايتها "كما ينبغي لنهر" بجائزة الشارقة للإبداع العربي الدورة السادسة 2002. من رواياتها: "جورة حوا"، "على صدري"، "عصي الدم". ]]> 123844 فواد الكنجي: بريخت عمل على تعميق الوعي الإنساني في مسرحياته http://www.souriyati.com/2019/06/02/123687.html Sun, 02 Jun 2019 11:28:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/06/02/123687.html بريخت عمل على تعميق الوعي الإنساني في مسرحياته فواد الكنجي عرف عن (برتوليت بريخت 1898 - 1956 م) بكونه مسرحيا وشاعرا ألمانيا ملتزما ذو توجهات يسارية؛ عبر من خلال كتاباته إيمانه بالتوجهات (الماركسية - اللينينية)، والالتزام عنده كمبدع في كتابة الأعمال المسرحية و الشعر ليس باتجاه الذي يفهم بكونه التزاما بأوامر السلطة الأعلى مهما كانت شكلها حزبية أو دينية أو اجتماعية؛ وذلك لان - أي التزام - يأخذ صفة (السلطة) فهو يرفضها رفضا قاطعا، بقدر ما يكون الالتزام عنده متمثلا بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وبكل ما يوازي المعرفة والعقل والفكر وحرية الفنان وحرية الأخر وبحدود التي لا تقيد حرية الفرد إلا بحدود حرية الأخر في إبداء رأيه دون قمع وتروع وردع . هذا هو مفهوم الالتزام عند (بريخت)، التزام لا يكون مغلقا في حدود الانتماء البيروقراطية الحزبية أو بيد الساسة المحترفين والزعماء المستبدين، ولأنه كان صادقا مع نفسه ومع الآخرين؛ الأمر الذي جعله يتجاوز أي تقيد وهو يدرك بهذا ولكن لا يستطيع تقيد حدود مبادئه وأفكاره ليتجاوز على القيم الإنسانية لأنه ملتزم بقيمها كل الالتزام؛ وهو يعي لوعة انطلاقه عبر تأملات فكرية لا حدود لها في سياق رؤية من الانسجام والتفاعل المعقد بين أفكاره والقيم (الشيوعية) وحرية تقديراته الذاتية ونقده الموضوعي لأي فكر وأطروحة فلسفية، لان يقينه بان لا تفاحة بدون دودة، وكل نظام وحزب وفكر لا يغيب عنه ما ينغص متعة قضم التفاحة بعيون مغمضة - كما يقول (بريخت) - لان ليس هناك من حقيقة مطلقة وكمال مطلق، ومن غير ممكن إن يكون الإنسان مبصرا ولا يتجنب ما يخدشه وهو يعي ذلك، ولذا فان (بريخت) يعي حقيقة التزامه رافضا إن يكون التزاما مغلقا يدار بيد بعض البيروقراطيين من المتحزبين (الشيوعيين) أو بما يسموا بـ(البرجوازيين الوضعيين) ممن خانوا الخط (الستاليني)، سواء من كان منهم في (بون) أو في (موسكو) آنذاك، لان (بريخت) كمبدع كان دوما يجد نفسه بكونه ابن المجتمع؛ فكان يجد في نفسه صعوبة فصل ضميره عن واقعه، وكان يؤمن بالتغيرات المهمة التي أحدثتها (الماركسية - اللينينية) والاتجاه العلمي الذي سارت علية الدولة (الشيوعية) في (الاتحاد السوفيتي) لبناء اقتصادها، ليجد دور الالتزام والتنظيم والعمل الجماعي يحقق اكبر قدر من الانجازات؛ لأنه أدرك بان معاناة المجتمع ليست بفعل عوامل خارج حدود السيطرة بل يمكن السيطرة عليها وتغيرها، لان فهم (التاريخ) عند (الماركسيين اللينينين) هو فكر جماعي نضالي مستمر؛ وان حرية التفكير والنقد هي جوهر وأساس المنهج العلمي (الماركسي)، ليشكل عند (بريخت) قناعة بهذا الفهم تنقذ أزمته النفسية التي كان قد جنح إليها في مستهل كتاباته المسرحية الأولى بالعبثية، بعد أن كانت نظرته باتجاه العالم بان كل شيء يسير بالاتجاه العبث.. والعدم.. والفوضى.. وبعدم وجود أي نظام يحكم هذا العالم العبثي، ليجد بان (الماركسية - اللينينية) وحدها هي من استطاعت إن تضع نظاما علميا وفلسفيا تفسر كل هذه التناقضات والأزمات التي تمر بها مجتمعاتنا، لدرجة التي أمكنتها تحويل (الاتحاد السوفيتي) من دولة محراثيه إلى دولة نووية بامتياز، بل وأمكنتها تحويل كل ما هو سلبي إلى ايجابي وبفترة وجيزة عبر التغيير الجذري والتحرر الذي شهدها (الاتحاد السوفيتي) . لقد تبلور هذا الفهم عند (بريخت) وأصبحت عنده قناعة بان الصراع الطبقي الذي كان قائما في ظل (الرأسمالية) ما هو إلا صراع اثر تأثيرا كبيرا وسلبيا على الإفراد و بين العلاقات الاجتماعية الاقتصادية، وهذا ما أراد (بريخت) إن يثور عليه في إعماله المسرحية؛ ليواجه الجماهير بان مثل هكذا أوضاع لا يمكن عليها، السكوت؛ ولابد إن يضع لها حد؛ لان معاناة الإنسان لا بد إن يكون لها نهاية، ومن خلال هذه الرؤية أراد (بريخت) تسييس المسرح عبر تقديم أعمال مسرحية هادفة تستطيع ربط الواقع المعاش بالفن من اجل تغييره، ولما كان المبدع هو ابن المجتمع فانه يكون شديد الارتباط بمجتمعه لأنه يعيش واقعهم يتأثر بكل ما يصيبهم، ومن هنا فان ما حصل على واقع المجتمعات الأوربية من تغيرات مهمة وثورات وحروب وصراعات طبقية؛ التي كان لها تأثير بالغ الأهمية على أصعدة العلاقات الاجتماعية الاقتصادية؛ فلا محال فان الأدب كان لا بد منه أن يتأثر بهذه الإحداث؛ وهو ما أدى إلى خلق وابتكار أساليب من الأدب الجديد ذات صلة وارتباط بهذا الواقع الذي تسير فيه الإحداث بشكل متغير وسريع، ولهذا حاول المبدعون مواكبة ما يجري على ارض الواقع محاولة منهم لفهمه والتعبير عما يحدث من اجل التغيير، وهذا ما أدى إلى ابتكار أساليب جديدة من الأدب والفن عبر مدارس فنية التي أخذت تظهر وتنشأ بفعل التغيرات الحاصلة على ارض الواقع؛ فتضع مناهج جديدة لتواكب الحداثة والتطور بما تعبر عن واقع المحن التي تعيشها المجتمعات؛ ليكون التعبير عنها شديد التماس مع معاناة الإنسان، وهو ما أدى بالمبدعين إلى مراجعة الذات وفحص منظومة الحياة لكي يوازوا الحدث ولكي يعبروا عنه بعيدا عن الصيغ التقليدية المصطنعة والمزيفة السابقة، لان نظرتهم إلى الحياة وفق هذا المنظومة الاجتماعية يتطلب من الأدب والفن المشاركة.. والإفصاح.. والاقتسام.. والتعايش.. وتغيير المألوف.. وتعترف بالتعددية والاختلاف.. وترفض الأفكار الجاهزة اللامعقولة؛ بقدر ما تتجه إلى مواجهة المتلقي عبر واقعه.. وأحلامه.. وكوابيسه.. وأمنياته.. وطموحاته، ليكون المتلقي جزء من العمل الأدبي والفني يشارك ويتفاعل مع إحداثه، لان هذه المشاركة هي التي تولد عملية التغيير التي يسعى الأدب والفن طرحه في الأعمال الإبداعية، لان (المبدع) لديه شعور وموقف وباعث لخلق العمل الأدبي أو الفني بما يمتلك من أحاسيس ومشاعر قد لا يشعر بها الإنسان العادي؛ ولكن حين تواجهه لا محال ستثير في أعماقه باعثا يحفزه لتغيير بما أثار في أعماقه من قلق وتساؤلات، لتكون المشاركة بين الطرفين معرضة لنقد وفق هذا المنظور؛ أي بين المتلقي والمرسل، الذي يسهم في تطوير الإبداع جماليا، وهذا النقد قبل أن يكون متوجها من المتلقي فان المرسل - الذي هو المبدع - يلجئ إليه أثناء تأليف العمل؛ وهو ما ينشا ويفرز عنده الكثير من التعديلات من حيث الحذف.. والابتكار.. والإضافة، بغية ارتقاء بالصورة والمشهد إلى نقطة التعبير بأسلوب الأكثر تأثيرا وإيقاعا في النفس من تسامي، فمارس (بريخت) هذا (النقد) باتجاه القضايا الثقافية والاجتماعية والسياسية . فعلى صعيد أعماله المسرحية فان جل أعماله المسرحية والتي يربو عددها بنحو ( خمسة وأربعين نصا مسرحيا)، وما زالت مسرحياته حاضرة على خشبة مسارح العالم حيث يعتبرونه نقاد المسرح من أفضل كتاب ومخرجي للمسرح المعاصر بعد شكسبير(1564 - 1616) و مولير (1622-1673) و جوته (1749 - 1832) و شيلر (1759 - 1805) و جورج برنادشو(1856-1950)، ونذكر منها (دائرة الطباشير القوقازية) و(الأم شجاعة) و(حياة غاليليو) و(الخوف في الرايخ الثالث) و(المعيار) و(القرار) و(كومونه باريس) و(محاكمة لوكولوس) و(السيد بونتيللا) و(الإنسان الطيب) و(إدوارد الثاني ملك إنجلترا) و(أوبرا الثلاثة قروش) و(الاستثناء والقاعدة) و(جان دارك) و(القائل نعم والقائل لا) و(يوحنا المقدسة على المذابح) و(رجل برجل أو الرجل هو الرجل أو الإنسان هو الإنسان) و(الرؤوس المستديرة والرؤوس المدببة) و( طبول في الليل، التي أعاد كتابتها بعد إن كانت تحمل عنوان سبارتاكوس) و(في أحراش المدن) ومسرحية (الإنجيل) و(بال أو بعل 1918) والى أخره . فاغلب أعماله المسرحية ما هي إلا توجهات نقدية لما التمسه من معطيات الواقع وهو الأمر الذي قاده إلى تجديد المسرح بعد إن رفض أساليب المسرح القديمة بكل ما هو عليه إلى ما يمكن أن يكون عليه المسرح؛ فأسس (المسرح النقدي الملحمي)، حيث عمل (بريخت) في المسرح النقدي في رسم شخصيات العمل وربطها بالواقع (المادي) ومن ثم يجعل الجمهور ينقد ما يشاهده بشكل ايجابي وهو أسلوب ابتكره (بريخت) لكي لا يجعل من المتلقي فحسب متلقي سلبي على ما يعرض على خشبة المسرح بل يشارك بفكره وبنقده في الأحداث التي تمثلها الشخصيات لكي يشارك في عملية التغير الأوضاع القائمة . ولهذا عمل (بريخت) على نقد مظاهر الحياة لطبقات البرجوازية.. والأغنياء.. والنفاق.. والفساد.. والانحطاط الذي كان سائدا بين هذه الطبقات والتي كانت تمارسها وتعيشها في المجتمع، وقد إلف في هذا الاتجاه النقدي على النظام الاجتماعي والمجتمع الرأسمالي الذي كان قائم آنذاك مسرحيات عدة نذكر منها مسرحية (طبول في الليل) و(في أحراش المدن)، وكما ونقد وبقسوة بالغة ما عكسته مظاهر الصناعة الحديثة وعصر الآلة على الإنسان، كما انه نقد (النظام الديني)عبر مسرحيات هادفة نلتمس منها في نص مسرحية كتبها عن عالم الفيزياء (غاليليوا) - و( غاليليو) عالم بحث في الحركة والسرعة والسقوط واخترع ترمومتر و أتثبت إن الأرض كوكب صغير يدور حول الشمس مع غيره من الكواكب، وشكا بعض أعدائه إلى السلطة الكنسية الكاثوليكية بأن أفكار(غاليليو) تتعارض مع أفكار الكنيسة، فاتهم بالهرطقة واستدعيا إلى روما وهناك تمكن بمهارته الإفلات من العقاب لكنه اجبر على عدم العودة إلى كتابة هذه الأفكار، وظل ملتزما بوعده لكنه بعد حين كتب بنفس الأفكار، وفي هذه المرة أرغمته الكنيسة على أن يقرر علانية أن الأرض لا تتحرك على الإطلاق وأنها ثابتة، ولم يهتم (غاليليو) لهذا التقرير العلني وحكم عليه بالسجن ولكن بعد ذلك خفف الحكم إلى الإقامة الإجبارية وتم منع كتبه وظل منفيا في منزله حتى وفاته عام 1642 وتم دفن جثمانه في (فلورانسا) المدينة التي كان يعيش فيها تحت نظام السلطة الدينية لبابا - فاستوحى (بريخت) من هذه القصة مسرحيته المعنونة تحت عنوان (حياة غاليليو) تعكس واقع الحياة وأزمته الشخصية التي كان يعيشها (بريخت)؛ فاختار شخصية العالم الفيزيائي (غاليليو) كشخصية للعمل طرحها لتشابه معاناة (غاليليو) مع معاناته الشخصية، فـ(غاليليو) هذا العالم الفيزيائي والفلكي قد اختار إما أن يعيش بين العمل الشاق و حياة الرفاهية في خدمة حاكم (فلورنسا) - حيث كان نظام حكم فيها نظام ديني وبسلطة (البابا) الذي كان مسيطرا على مقاليد الحكم فيها - وبالتالي فقد وجد (غاليليو) بان أبحاثه في قوانين الفيزياء والفلك والتي أحدثت ثورة حقيقية في العلم ستكون حياته - لا محال - معرضة لخطر بسبب تعارضها مع تعاليم الدينية التي كانت الكنيسة تبناها؛ كما حدث لمن سبقوه من العلماء؛ ولهذا كتب (غاليليو) مؤلفا علميا دون إن يفصح عن مضمونه لأحد لكي لا يكشف أمره، تضمن على أبحاثه الهامة في نظريات العلم وهي في غاية الأهمية؛ وقد استطاع أحد تلاميذه تهريب الكتاب ونشره؛ وفي مسرحية (حياة غاليليو) هذه إحداث شيقة يصعب الدخول في تفاصيلها في هذه الأسطر القليلة . أما مسرحية (الأم شجاعة) هي مسرحية مقتبسة من رواية الكاتب الألماني (غريميتسها وزن) تدور أحداث القصة في القرن (السابع عشر)، ألفها (بريخت) في عام 1939 وتعتبر هذه المسرحية من أعظم مسرحيات (بريخت) مناهضة للحرب وضد الفاشية والنازية التي كتبها على الإطلاق في القرن (العشرين) أثناء اجتياح (هتلر) دولة (بولندا) عام 1939، فالمسرحية تروى قصة (أم ) تسعى لتأمين الحياة لنفسها ولأولادها الثلاثة مطلع القرن (السابع عشر)، وفي ظروف الحرب التي دامت ثلاثين عاما هزت أوروبا الشرقية و(ألمانيا) بشكل مؤثر؛ فتفقد هذه (الأم) أولادها الثلاثة في الحرب وينتهي مطافها وهي وحيدة فقدت أعز ما كانت تملكه أولادها الثلاث، درجة الذي لم تفقد أولادها فحسب بل أصبحت رويدا - رويدا تفقد رشدها أيضا، وفي المسرحية إحداث وانتقادات وتحليلات قدمها (بريخت) بمنتهى الذكاء والحبكة لتثير المتلقي كل الإثارة عما تخلفه الحرب من تزيف وتحطيم لذات وللقيم المجتمع والمشاعر الإنسانية؛ وقد أخذت هذه المسرحية منذ عرضها على المسارح اهتمام النقاد؛ وكتب عنها دراسات وتحليلات مهمة؛ وما زال إلى يومنا هذا تمثل هذه المسرحية في شتى دول العالم لما لها من معاني مناهضة للحرب( أي ضد الحرب) وما تخلفه من أثار مدمرة في قيم الإنسانية . كما أن (بريخت) قدم انتقاداته للمجتمع الرأسمالي بمسرحيته (صعود وسقوط مدينة ماهوجني 1929)، حيث قدم (بول إيكرمان) البطل إلى عقوبة الإعدام لأنه لم يتمكن تسديد ديونه، وفي هذه المسرحية عمل (بريخت) بتقديم الحدث لا من اجل أن يتعاطف الجمهور مع معاناة البطل بل - وهو أسلوب الذي يتميز (بريخت ) بتقديم مسرحياته بشكل مستحدث في عالم المسرح - حيث كتب بخط عريض على لوحة علقها على خشبة المسرح لكي يواجه الجمهور نفسه بهذه الحقيقية، كتب عليها ((الكثيرين منكم ربما يشهدون إعدام (بول إيكرامان) باشمئزاز، ولكنكم أيضا في رأينا غير مستعدون لأن تدفعوا له ديونه، حيث أن المال أصبح شيئا غاليا جدا في عصرنا هذا...!))، وهذه الطريقة التي لجئ إليها (بريخت) إنما تأتي لأحداث صدمة لتوعية الجمهور بكونه يواجههم بحقيقة الأمر ليدفعهم للتفكير بكل مجريات الحدث وليس فقط للإثارة المشاعر . كما وعرض مسرحية (أوبرا الثلاث قروش - 1928) لينتقد ما تفرزه (الرأسمالية) من أمراض في المجتمع حيث قدم مدينة كبيرة للدعارة وفيها كل شيء مباح ومعروض للبيع، بسبب قلة المال، فـ(ألمانيا) في أعقاب الحرب العالمية الأولى تغلغل فيها كل أمراض المجتمع البرجوازي، فعرض رجل صاحب المال بمظهر برجوازي وهو جالس في الملاهي الليلية الرديئة يتصرف بكل فج و وقاحة يشتري ذمم الناس بماله ويستغل أوضاع الفقراء بماله؛ وهذه الصورة هي نموذج وجد منها الكثير في المجتمع، بل إن هذه الصورة ما هي إلا إفراز من إمراض المجتمع (الرأسمالي) التي هي مصدر كل شر.. ورذيلة.. وبلاء.. ومن النصب.. والاحتيال.. والخداع.. والعنف، كما إن المسرحية سلطت الضوء وبشكل عفوي ضمن محاورها في كيفية بداية الطعام ومن ثم عن قيمة الأخلاق في مسرحية، وهذا النمط من مسرحيات (بريخت) أخذت أشكالا أعمق من خلال تقديم مسرحيات اللاحقة . كما إن (بريخت) كانت غايته من كتابة مسرحيته (دائرة الطباشير القوقازية) هو تسليط الضوء عن أحقية الملكية لمن يحرص على رعايتها واحتضانها بأفضل أسلوب وان يستثمرها لخدمة المجتمع فـ(بريخت) في هذه المسرحية يطرح موضوعين رئيسين فيها، قصة (الأم الحقيقية) وقصة (الأرض لمن يزرعا)، ففي الأولى يجد (بريخت) وهو قد اقتبس فكرة هذه المسرحية من قصة (صينية)، مفادها بان احد القضاة كان يحكم بين السيدتين ادعتا بكونها كل واحدة منهما هي (الأم الحقيقية لطفل)، فرسم القاضي دائرة بخط الطباشير ثم وضع الطفل فيها، وطلب من السيدتين أن تسحب الطفل إليها، فمن استطاعت أن تخرجه من دائرة الطباشير تكون الأم الحقيقية له، لكن(بريخت) وظف هذه الحكاية (الصينية) بشكل مغاير، لأنه لم يحكم لـ(لأم الحقيقية) بل حكم القاضي لـ(لام الخادمة أو المربية)، التي تبنت الطفل وعنيت بتربيته، لأنها هي التي اهتمت بالطفل ورعته بينما (ألام الحقيقية) هربت وتركت طفلها حين اندلعت الثورة في البلاد، رغم إن (الأم الحقيقية) نجحت بجذب ابنها من خارج الدائرة الطباشير بينما (المربية) الأكثر رأفة وحنانا لم تستطع فعل ذلك خشية من أن يؤذى الصغير، وهنا رأى القاضي أن (الأم المربية) كانت أكثر حنانا من (الأم الحقيقة)، على عكس (الأم الحقيقية) التي تعاملت مع الأمر بقسوة وعنف، فحكم لـ(لأم المربية) برعاية الطفلة، وهنا نوضح، بان هناك حكاية مشابه في منطقتنا الشرقية يحكى عنها إن الحكيم (الملك سليمان) الذي حكم بين امرأتين متنازعتين على طفل ادعتا كل واحدة منهما بكون الطفل ابنها، لذلك يقترح (الملك سليمان) بتقسيم الطفل إلي جزئيين أثر أدعاء كل من ألامرأتين المتنازعتين بأنه أبنها، فوافقت (الأم المزيفة) بينما رفضت (الأم الحقيقية) أن يشطر الطفل لان ذلك معناه قتله ولهذا فضلت أن تتخلى وتتنازل عنه من إن يقتل أمامها، وتبين لـ(الملك سيلمان) أنها (ألام الحقيقية) وحكم لها بحاضنته، وهنا إن نذكر هذه القصة هو لكي لا يتلبس أمر قصة (الملك سلمان) عن قصة التي ذكرها (بريخت) والمأخوذة من (القصة الصينية) عند القارئ؛ بكونه ربما قد سمع هذه الرواية في تراثنا الشرقي، وفي نص هذه المسرحية هناك مواقف وأطروحات فكرية و دروس وعبر في القيم والأخلاق في غاية الأهمية . إما في (القسم الثاني) من المسرحية ( دائرة الطباشير القوقازية)، فان (بريخت) يقدم حكاية صراع بين جماعتين من الفلاحين متنازعتين حول ملكية الأرض، كانت أحدى المجموعتين قد رحلت وتركت الأرض عندما هاجم (الجيش ألماني) على (روسيا)، وبعد هزيمة (ألمانيا) عادت هذه الجماعة التي تركت الأرض وفرت تطالب بالأرض، بينما جاءت جماعة أخري تنازعها وتطالب بملكية الأرض بكونهم استثمروا الأرض وزرعوها بالأشجار والمثمرة، ليصدر الحكم بملكية الأرض لمن زرعها واستثمر فيها فيحسم النزاع في حل ألازمة باتجاه إلى من يرعي الشيء هو الأحق بملكيته، ليكون (بريخت) استثمر في طرح (الإيديولوجية الماركسية) من خلال الصراع الاجتماعي.. والعامل الاقتصادي.. ونظام الملكية التي تبناها في هذا الطرح؛ وهي أحد تحليلات (بريخت) وقراءته لطبيعة المجتمعات وما أخذه من ملاحظات وانطباعات حول طبيعة هذه المجتمعات في ظل النظم (الرأسمالية) والنظم (الاشتراكية) اثر مكوثه في (أمريكا) لمدة سبع سنوات فأراد إن يسلط الضوء عن حقيقة النظام (الرأسمالي) وظروف القائمة تحت ظلاله اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا بهذا العمل الذي كتبه هناك . إما على صعيد أنشطته الحزبية أو مع ارتباطاته الحزبية حيث كان عضوا في (الحزب الشيوعي الألماني)، فان (بريخت) كثيرا ما وجهه انتقادات للحزب؛ بما وجد من تصرفات بيروقراطية بين أعضاءه؛ وهو الأمر الذي رفضه الحزب فاتخذوا مواقف صارمة ضده بين حين وأخر وتسببت له الكثير من المضايقات سواء بمنع بعض مسرحياته التي كانت تنتقد مواقف (الحزب الشيوعي) وهذا ما جعل الحزب يصدر أمر بمنع عرض بعض من مسرحياته كمسرحية (المعيار) و(القرار) التي انتقد فيها البيروقراطية القائمة داخل الحزب والانتهازية السياسة داخل النظام سلطة الحزب وقد أستشف معلوماته عن هذا الجانب من خلال عمله في الحزب الذي كان يمارس هنا وهناك، علما بان (بريخت) كان مؤمنا بالفكر (الماركسي اللينيني) وشديد الإعجاب بقيادة (ستالين) كما انه منح جائزة (ستالين) وهي ارفع جائزة كانت تمنح في (الاتحاد السوفيتي) . وقد ظل (بريخت) يتحدى وينتقد البيروقراطية الحزبية من اجل تصحيح مسار عملهم في (ألمانيا)، ولم يكتفي بهذا النحو بل صاعد انتقاداته ضد ممارسات السلطات في (ألمانيا) وخاصة بعد صعود (النازية) ومسك زمام الأمور فيها؛ في وقت الذي عرف عن (بريخت) في عموم (ألمانيا) بمواقفه المؤيدة للحزب (الشيوعي) وانه كان من اشد منتقدي سياسية السلطات في (ألمانيا)، حيث عمل (بريخت) بتشكيل ممثلين من العمال كهواة لتمثيل في مسرحياته التي أخذت تجوب مدن (ألمانيا)، مما أدى إلى تعرضها للقمع والمنع من قبل رجال الأمن والشرطة الأمر الذي قرر (بريخت) بعد عام 1933 إلى ترك (ألمانيا) حين استلم (هتلر) الحكم في (ألمانيا)؛ وبعد إن أخذت السلطات (النازية) تضطهد كل كاتب ومفكر وأديب وفنان لا ينتمي إلى (النازية) ويتم حرق كتبهم، فهرب (بريخت) من (ألمانيا) ليقضي بعد ذلك حياته في المنفى؛ بعد إن أصدرت سلطات في (برلين) أمر بسحب الجنسية الألمانية منه عام 1935 ، فاخذ ينتقل بين دول الأوربية (سويسرا) و (فرنسا) و (فينا) و (دانمرك) و (سويد) و (فنلندا)، وبعدها هاجر إلى (أمريكا)، وبعد مكوثه في (أمريكا) سبع سنوات قرر (بريخت) العودة إلى (ألمانيا) عام 1948 ولكن فوجئ بمنع سلطات في (ألمانيا الغربية) دخوله البلاد فتوجه إلى (ألمانيا الشرقية)، حيث استلم هناك إدارة المسرح حتى وفاته بعد إن قضى أكثر من خمسة عشر سنة في المنفى بعيدا عن وطنه . وخلال هذه الفترة كتب (بريخت) اغلب مسرحياته رغم إن الكثير من هذه الأعمال رفض عرضها في هذه الدول، وخلال العقد الأخير من عمره أي ما بين عام (1948 - 1956) استمر (الحزب الشيوعي الألماني) غير راضي لانتقاداته رغم تقديمه تنازلات؛ وحين قدم مسرحيته عن (كومونة باريس) عام 1949 - و(كومونه باريس) هي أول دولة عمالية في التاريخ استلمت الحكم في (باريس) العاصمة (الفرنسية) لمدة ثلاثة أشهر في الثامن عشر من مارس عام 1871 مما إربك العالم (الرأسمالي) حين وجدوا راية العمال مرفوعة في (باريس) قلب أوربا وان الثورة الاشتراكية رفعت شعارات (تحرير العمال) مما ضنت الدول (الرأسمالية) بان لا محال بان العالم كله مهدد بالسقوط، ولهذا عملوا بكل ما في وسعهم لإسقاطها وحصر نطاق الثورة العمالية في (باريس) ومنعوها من التوسع إلى مدن (فرنسا) والدول الأوربية المجاورة بكل وسائل القمع؛ وفعلا نجحوا في ذلك، و رغم سقوط (الكومونة) في (باريس) فإنها بقت في ضمير وعقل كل أحرار العالم مؤكدين بأنه لا بديل مهما طال الزمن عن (الثورة العمالية) لإسقاط النظم (الرأسمالية) ولا بد لأي (ثورة عمالية) إن تبدأ بالخطوة الأولى في تحطيم الدولة البرجوازية والرأسمالية الغاشمة - ولهذا أقدمت الحكومة إلى منع مسرحته (كومونه باريس) واخذ الحزب يضايق (بريخت) كثيرا مما اضر إلى تقديم استقالته من الحزب؛ واخذ يقدم مسرحياته القديمة؛ في وقت الذي لابد من الذكر بان (بريخت) منح جائزة (ستالين) من (موسكو) قبيل وفاته عام 1956 بعد إن تدهور أوضاعه الصحية، لأن (بريخت) بقى وفيا ومخلصا و مؤمنا بمبادئ (الماركسية - اللينينية) وان انتقاداته لم تكن لفكر الحزب (الشيوعي) بقدر ما كانت تتجه نحو تصرفات بعض القيادات الحزب، وهنا لا بد إن نذكر بان (بريخت) رغم انتقاده لبعض مواقف (ستالين) إلا انه كان شديد الإعجاب بقيادته وقد كتب الكثير من الإشعار يمدح فيها قيادة (ستالين) في الاتحاد السوفيتي كما كتب فصائدا عدة منتقدا عن بعض مواقفه، ولكن في مجمل مسار عملة ونشاطه احتسب على التيار (الستاليني)، ولكن في المجمل ظل (بريخت) مؤمنا بـ(الماركسية - اللينينية) بيقينه المطلق بان ليس هناك من نظام يحكم بالعدل والإنصاف هذا العالم المليء بالتناقضات والأزمات ويستطيع تحويل كل الجوانب السلبية في الحياة إلى ايجابية، لان (الحزب الشيوعي) في اعتقاده هو النظام الأكثر وعيا وتطبيقا وإيمانا بقوة التغير وبناء منظومة إنسانية واعية دورها في العطاء والتضحية والعمل والكفاح والنضال؛ ولذلك تبنى (بريخت) الاتجاه العلمي (للماركسية - اللينينية) ووجد في معطياتها ملاذا فكريا تبحر فيه وقدم أعظم أعمال المسرحية لخدمة الإنسانية برمتها، ليعطي جل أوقاته بدراسة (الماركسية) وفلسفة (هيجل) وخاصة بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914، ولذلك ومنذ لحظة الأولى لثورة (لينين) وقف (بريخت) مناصرا ثورته ومؤيدا لتطلعاته الثورية وكتب في ذلك قصائد غنائية يمجد قيادة (لينين) . هكذا كان الكاتب والشاعر الألماني (برتولد بريخت) يعبر عن إيمانه بـ(الماركسية - اللينينية) من خلال أشعاره وكتاباته المسرحية؛ لان ما حرك مشاعر ووجدان وإيمان (بريخت) إلى النظام (الماركسي اللينيني) ويتخذ من (المادية التاريخية) منطلقا لكتابة مسرحياته عبر التحليل العلمي باتجاه الأوضاع الاجتماعية والسياسية، لان (بريخت) الذي جند قلمه بعالم المسرح بعد إن هام بهذا العالم، عالم المسرح؛ فقد وجد بان المسرح آنذاك أي في مطلع قرن (العشرين) والربع الأول منه، كان يخدم ويطرح كل ما يخدم (الطبقات البرجوازية) لان أغلبية كتاب المسرح في هذه الحقبة كانوا من النخب (البرجوازية) التي كانت تسيطر على عالم المسرح فلم تكن لمسرحياتهم أي هدف اجتماعي أو سياسي بقدر ما كان التقديم يعرض لمجرد التسلية؛ فكانوا يمنعون أي عرض هادف يحاكي هموم الطبقات العمالية، ولهذا دب الوهن والضعف في الإعمال المسرحية لحجم التسطيح الشكلي للمسرحيات وخلوها من أي مضمون هادف، واعتبر(بريخت) بان كل ما يقدم على خشبة المسرح ما هو إلا تنويم مغناطيسي يخدر عقل المشاهد بكونه يحاصر عقله داخل أحداث العمل المقدم من دون أن تبلور لديه أي فكرة لتحليل الإحداث و مناقشة واقع الحياة بهدف تغيره وإيجاد حلول واقعية نحو الأفضل، ولهذا وعى (بريخت) ما آلت إليه المسرح؛ ولما فكر بتغير هذا النمط من المسرح الغير الجاد والعبثي؛ أدرك بان منطلق (التغيير) يبدأ بإسقاط السلطة (البرجوازية)، وهذا لا يتم ما لم يكن هناك وعي اجتماعي وسياسي ويتجه اتجاها ثوريا لتغيير؛ بعد إن وجد صعوبة في تقديم إعماله المسرحية في بداية عمله كمسرحي بسبب منع الطبقات (البرجوازية) لأعماله التي اتسمت بطابع تعليمي وذات ملامح سياسية، رغم إن (بريخت) عام 1922 حصل على جائزة (كلايست) عن أول أعماله المسرحية، كما وانه لفترة عمل مخرجا مسرحيا وقد أخرج العديد من مسرحياته في (برلين) ولكن بصعوبة نتيجة اعتراض من قبل الطبقات (البرجوازية) على أعماله المسرحية، التي كان تهيمن على هذا القطاع، ورغم كل المعوقات التي كانت تعترض طريقه إلى المسرح إلا انه تميز (بريخت) بكونه من ابرز كتاب المسرح في (ألمانيا) لكونه كان يسلط الضوء على شخصيات ألتي يقدمها على الجانب (النفسي) لأنه كان متأثرا بأفكار (فرويد 1856 - 1939) في التحليل النفسي والذي كان معاصر له، لذلك عمل (بريخت) إلى تحليل القضايا بأسلوب (التحليل النفسي) باعتقاده بان ذلك يؤثرا في نفوس المشاهدين تأثيرا ايجابيا في مسرحياته، وبقى (بريخت) أمينا للمسرح يقدم أعمالا هادفة بما يطرح من مواقف إنسانية واجتماعية وسياسية بالفهم (الماركسية - الينينية) ومتحديا للأفكار (البرجوازية) و(الرأسمالية)، لأنه كان مؤمنا بضرورة تسييس الفن والمسرح؛ لان اعتقاده كان يتجه بان لا تغير ما لم يعي الإنسان واقعه السياسي ويتفاعل معه من اجل إبداع صورة حقيقة لنهضة المجتمع، ولهذا عمل على كتابه (المسرح التعليمي) بغية تنبيه المتلقي وإيقاظه وإثارته ودفعه إلى (التغيير) تغيير الواقع، ومن اجل إيقاظ وتركيز المتلقي عمل (بريخت) على استحداث المؤثرات البصرية والسمعية على المسرح لتمنح (أولا) جمالية للعمل و(ثانيا) تجذب المشهد و(ثالثا) لترسل رسالتها بصيغة مقنعة عبر إحداث التواصل بين النص والمتلقي، ولهذا ابتكر(بريخت) أسلوب (المسرح الملحمي) الذي هو عبارة عن سرد القصة كمقدمة لبداية المسرحية، إذ يتم خروج ممثل إلى خشبة المسرح فيجلس ليروي ويسرد أهم أحداث المسرحية على الجمهور حتى تثير لدى الجمهور المشاهد فرصة التأمل والتفكير في الواقع إثناء بدا العرض ليتخذ موقفا ورأي من القضية المتناولة في عمل المسرحية، كما فعلها (بريخت) في مسرحيته (دائرة الطباشير القوقازية)، ولهذا فان (بريخت) اعتبر بان المشاهد هو عنصرا أساسيا في كتابة المسرحية وعرضها واعتبر بان خشبة المسرح ما هو إلا غرفة من ثلاثة جدران والجدار الرابع هو جدار وهمي الذي يقابل الجمهور ولهذا فان إي عمل يقدم لا بد إن يكون ذو أحداث غريبة ومثيرة وباعثة على تفكير والتأمل عبر تقديم حكم وأمثال ومواعظ و تسلية؛ وهي تتجه أو تأخذ منحى سياسي من اجل التحريض السياسي للمتلقي وبأسلوب (السخرية الكوميدية) للمواضيع الحساسة فاستخدم (أغنيات) بين المشاهد كنوع من التحريض والتسلية للعمل كي يبقى الجمهور مشدودا إلى المسرحية، ولهذا عمل (بريخت) في كتابة العمل المسرح بتجاوز البناء التقليدي في كتابة المسرحية والمتمثل بـ(البداية تتم بمدخل بسيط) ثم (ترتفع الأحداث لتصل إلى جوهر العقدة) ثم (الحل)، حيث (لم يعتمد) على هذا النمط من البناء، إذ التجئ (بريخت) إلى كتابة أكثر من مسرحية في مسرحية واحده، إي إنه عمل على بناء مسرحية واحدة ولكن تشمل في داخلها مسرحيات أخرى؛ وكل من هذه المسرحيات تشمل على فصل واحد يختلف كل واحد منها عن الفصل السابق من حيث وقوع أحداثها وبما تشكل من مشاهد متفرقة في أزمنة مختلفة ولا يربط بينهما إلا هدف واحد هو (التوعية)، كم قدم هذا النمط من العمل المسرحي في مسرحيته (دائرة الطباشير القوقازية) و مسرحية (الخوف والبؤس في الرايخ الثالث)، كما استخدام (الموسيقى) و(الأغنيات) بين المشاهد لتواكب هذه القطع الموسيقية مجمل أحداث المسرحية مع عرض مناظر وأفلام سينمائية كمؤثرات تواكب احدث المسرحية على نحو ما قدمه في مسرحية (طبول في الليل) و(أوبرا القروش الثلاثة) و(حياة ادوارد الثاني)، وذلك كنوع من المزج بين التحريض والتسلية والتركيز على الواقع الاجتماعي التي في إطارها تتحرك أحداث المسرحية؛ وذلك من اجل تعميق وتحريك وعي المشاهد بالواقع وبالتناقضات المجتمع، ولهذا عمل (بريخت) باستخدام أسلوب (الغرابة) أي انه يكتب عن (أمور مألوفة ولكن بصورة غريبة)، وذلك لكي لا يترك مرور المشهد المسرحي على المتلقي بصورة مملة؛ وهو يعي سلفا ما سيؤول إليه المشهد، ولكن عندما يقدم مشهد ما بشكل جديد (غير مألوف) إنما كان (بريخت) يقصد من ذلك فرصة للمتلقي إن يحاور ذاته بصدد هذا المشهد (الغريب)، رغم كونه ليس بالجديد ولكن صيغ بشكل جديد بما يربك المشاهد عن وضع الذي يتلقاه عبر هذا المشهد؛ إما بتقبله والإقناع بما يحدث أو رفضه، لتكون صبغة صياغة المسرحية عند (بريخت) يعتمد في بعض مسرحياته على (التاريخ) كأحد أركان التغيير الذي أراد من خلاله تحويل (المسرح الملحمي) إلى (المسرح الدايلكتيكي) عبر البحث في معطيات (التاريخ) تاريخ الماضي للاستفادة منه في الحاضر والمستقبل، ليكون (التغيير) احد أهداف هذه الإلية؛ لتفادي سلبيات التي يواجهها المجتمع، ولهذا نجد بان (بريخت) اخذ يقتبس من قصص وأحداث (التاريخ) وإعادتها بشكل (حديث) كما فعل في مسرحيته (الرؤوس المستديرة والرؤوس المدببة) التي اقتبس فكرتها من مسرحية (كيل بكيل) لـ(شكسبير)، وكما كتب مسرحية (أوبرا الثلاث قروش) التي اقتبس فكرتها من (أوبرا المتسولون) للكاتب البريطاني ( جون كاى )، وكما كتب مسرحيته المعنونة (يوحنا المقدسة على المذابح) وهي مسرحية اقتبس فكرتها من مسرحية (عذراء اورليانز) للكتاب الكبير(شلر)، وكما كتب مسرحية (الاستثناء والقاعدة) وهي مسرحية مقتبسة من رواية (الأم) لروائي الروسي (مكسيم غوركي)، ومن خلال هذا الابتكار في كتابة المسرحية؛ إنما أراد (بريخت) أحياء التراث بالمفهوم المعاصر ويعاد صياغته بمنظور فكري وفلسفي وسياسي يواكب المعاصرة لكي يتحول النص إلى موضوع عام يمس المجتمع فيتقبله المتلقي كونه يعالج ويخاطب قضايا ومشاعر الإنسانية، ولهذا فان ميزة أعمال (بريخت) المسرحية هي تعميق الوعي الإنساني بكل ما يحيط وجوده من تناقضات الواقع بهدف تغييرها، ولهذا لم يكتفي (بريخت) بمعطيات التي ابتكارها في (المسرح الملحمي) والتي كانت تعارض خط المسرح (البرجوازي) الذي كان سائدا في عصره بنمط المسرح (ارسطوي) التقليدي؛ فعمل على تطويره متأثرا بأفكار (ماركس) و(هيغل) إلى (المسرح الدايلكتيكي) لكي يواكب مسرحه طبيعة التناقضات الحاصلة في المجتمع على خشبة المسرح؛ لكي يكون المتلقي لديه فرصة المشاركة في عملية التغيير بعد إن وجد (بريخت) بان (المسرح الملحمي) ليس بوسعه (التعبير) عن طبيعة التي يرغب (بريخت) التوجه إليها عبر (التغيير) لذلك عمل على إيجاد مسرح بديل عنه؛ فابتكر (المسرح الدايلكتيكي) جمع فيه بين عناصر (المسرح الملحمي) و(المسرح الارسطوي) محاول منه التقريب بين منطلقات المسرحين باتجاه واحد وهو (المسرح الدايلكتيكي)، لان (أرسطو) كما اعتقد (بريخت) كان شديد تأثير بالمسرح (الإغريقي) في وقت الذي نجد بان أشهر كتاب المسرح (الإغريقي) من (سوفوكليس) و(ايسخولوس) و(يوريبيديس) هم كتاب سبقوا (أرسطو) وكانوا في كتابة نصوصهم المسرحية يهتمون بإبراز عناصر (الغرابة ) وشي من بعض مقومات التي عمل (بريخت) على ابتكارها وإظهارها وتركيز عليها في مسرحياته وتحيدا في نمط الذي نسميه بـ(المسرح الملحمي البريختي)، وان (أرسطو) تأثر بالمسرح (الإغريقي) تأثيرا كبيرا؛ ولهذا فانه صاغ وكتب قواعد كتابة (الفن الدراما والشعر) من (مسرحيات إغريقية) وتحديدا مسرحية (اوديب ملكا)، وكمل عمل (أرسطو) في تطوير فن (الدراما) بتأثير من الفن (الإغريقي)، فان (بريخت) عمل إلى تطوير المسرح بتأثير أفكار (ماركس) و (هيغل) إلى المسرح (الدايلكتيكي) - كما قلنا - لكي يفهم الجمهور طبيعة حركة (الدايلكتيك) في تتابع الأحداث لكي يعي المفارقات التي تحدثت و تجددت وتطورت في المسرحية، وعن إمكانية معرفة طبيعة التناقضات وعن إمكانية (التغيير) ما هو عليه إلى ما يمكن أن يكون عليه، حيث قدم شخصياته بملامح أرسطية ولكن بطبيعة (دايلكتيكية)، أي إن هذه الشخصيات تنمو وتتطور بفعل الإحداث، وهذا هو فهم (المسرح الدايلكتيك) الذي قدمه (بريخت) على خشبة المسرح وأبدع فيه لتشكل إعماله المسرحية مدار اهتمام الباحثين ولدارسي المسرح بعد إن احتل (بريخت) مرتبة من المراتب المتقدمة في عالم المسرح بعد (سكسبير) و (جوته) و (شيلر) و(مولير) و (جورج برنادشو) . لان ما قدمه (بريخت) من إعمال فاضت بالأفكار والمشاعر الإنسانية وتكلمت بصدق عن واقعها لتكون ليست مجرد إعمال أدبية مسرحية أتقنت حرفيتها بقدر ما كانت تعبر عن أحداث التي أحاطت بالآم الشعوب ففاضت بروح ومشاعر الإنسانية النبيلة بما جعلتها أعمال لا تمر على متلقيها دون إن تترك فيه تأثيرا؛ لان ما قدمه (بريخت) من مسرحيات جسد بصدق هموم الإنسان وقضياهم ليجعل من مسرحه في خدمتهم لأنه كان يرصد ويشعر بهموم المجتمع وما يتعرض من معاناة في حياته أليوميه، ولهذا فان (بريخت) جسد هذه المعاناة في لغة المسرح ليتوهج ما يقدمه على خشبة المسرح بحضور حيوي تناغم المتلقي مع رؤيته الفنية التي واكبت كل مستحدثات واقعه ومتطلباته . المصدر: فواد الكنجي]]> بريخت عمل على تعميق الوعي الإنساني في مسرحياته فواد الكنجي عرف عن (برتوليت بريخت 1898 - 1956 م) بكونه مسرحيا وشاعرا ألمانيا ملتزما ذو توجهات يسارية؛ عبر من خلال كتاباته إيمانه بالتوجهات (الماركسية - اللينينية)، والالتزام عنده كمبدع في كتابة الأعمال المسرحية و الشعر ليس باتجاه الذي يفهم بكونه التزاما بأوامر السلطة الأعلى مهما كانت شكلها حزبية أو دينية أو اجتماعية؛ وذلك لان - أي التزام - يأخذ صفة (السلطة) فهو يرفضها رفضا قاطعا، بقدر ما يكون الالتزام عنده متمثلا بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وبكل ما يوازي المعرفة والعقل والفكر وحرية الفنان وحرية الأخر وبحدود التي لا تقيد حرية الفرد إلا بحدود حرية الأخر في إبداء رأيه دون قمع وتروع وردع . هذا هو مفهوم الالتزام عند (بريخت)، التزام لا يكون مغلقا في حدود الانتماء البيروقراطية الحزبية أو بيد الساسة المحترفين والزعماء المستبدين، ولأنه كان صادقا مع نفسه ومع الآخرين؛ الأمر الذي جعله يتجاوز أي تقيد وهو يدرك بهذا ولكن لا يستطيع تقيد حدود مبادئه وأفكاره ليتجاوز على القيم الإنسانية لأنه ملتزم بقيمها كل الالتزام؛ وهو يعي لوعة انطلاقه عبر تأملات فكرية لا حدود لها في سياق رؤية من الانسجام والتفاعل المعقد بين أفكاره والقيم (الشيوعية) وحرية تقديراته الذاتية ونقده الموضوعي لأي فكر وأطروحة فلسفية، لان يقينه بان لا تفاحة بدون دودة، وكل نظام وحزب وفكر لا يغيب عنه ما ينغص متعة قضم التفاحة بعيون مغمضة - كما يقول (بريخت) - لان ليس هناك من حقيقة مطلقة وكمال مطلق، ومن غير ممكن إن يكون الإنسان مبصرا ولا يتجنب ما يخدشه وهو يعي ذلك، ولذا فان (بريخت) يعي حقيقة التزامه رافضا إن يكون التزاما مغلقا يدار بيد بعض البيروقراطيين من المتحزبين (الشيوعيين) أو بما يسموا بـ(البرجوازيين الوضعيين) ممن خانوا الخط (الستاليني)، سواء من كان منهم في (بون) أو في (موسكو) آنذاك، لان (بريخت) كمبدع كان دوما يجد نفسه بكونه ابن المجتمع؛ فكان يجد في نفسه صعوبة فصل ضميره عن واقعه، وكان يؤمن بالتغيرات المهمة التي أحدثتها (الماركسية - اللينينية) والاتجاه العلمي الذي سارت علية الدولة (الشيوعية) في (الاتحاد السوفيتي) لبناء اقتصادها، ليجد دور الالتزام والتنظيم والعمل الجماعي يحقق اكبر قدر من الانجازات؛ لأنه أدرك بان معاناة المجتمع ليست بفعل عوامل خارج حدود السيطرة بل يمكن السيطرة عليها وتغيرها، لان فهم (التاريخ) عند (الماركسيين اللينينين) هو فكر جماعي نضالي مستمر؛ وان حرية التفكير والنقد هي جوهر وأساس المنهج العلمي (الماركسي)، ليشكل عند (بريخت) قناعة بهذا الفهم تنقذ أزمته النفسية التي كان قد جنح إليها في مستهل كتاباته المسرحية الأولى بالعبثية، بعد أن كانت نظرته باتجاه العالم بان كل شيء يسير بالاتجاه العبث.. والعدم.. والفوضى.. وبعدم وجود أي نظام يحكم هذا العالم العبثي، ليجد بان (الماركسية - اللينينية) وحدها هي من استطاعت إن تضع نظاما علميا وفلسفيا تفسر كل هذه التناقضات والأزمات التي تمر بها مجتمعاتنا، لدرجة التي أمكنتها تحويل (الاتحاد السوفيتي) من دولة محراثيه إلى دولة نووية بامتياز، بل وأمكنتها تحويل كل ما هو سلبي إلى ايجابي وبفترة وجيزة عبر التغيير الجذري والتحرر الذي شهدها (الاتحاد السوفيتي) . لقد تبلور هذا الفهم عند (بريخت) وأصبحت عنده قناعة بان الصراع الطبقي الذي كان قائما في ظل (الرأسمالية) ما هو إلا صراع اثر تأثيرا كبيرا وسلبيا على الإفراد و بين العلاقات الاجتماعية الاقتصادية، وهذا ما أراد (بريخت) إن يثور عليه في إعماله المسرحية؛ ليواجه الجماهير بان مثل هكذا أوضاع لا يمكن عليها، السكوت؛ ولابد إن يضع لها حد؛ لان معاناة الإنسان لا بد إن يكون لها نهاية، ومن خلال هذه الرؤية أراد (بريخت) تسييس المسرح عبر تقديم أعمال مسرحية هادفة تستطيع ربط الواقع المعاش بالفن من اجل تغييره، ولما كان المبدع هو ابن المجتمع فانه يكون شديد الارتباط بمجتمعه لأنه يعيش واقعهم يتأثر بكل ما يصيبهم، ومن هنا فان ما حصل على واقع المجتمعات الأوربية من تغيرات مهمة وثورات وحروب وصراعات طبقية؛ التي كان لها تأثير بالغ الأهمية على أصعدة العلاقات الاجتماعية الاقتصادية؛ فلا محال فان الأدب كان لا بد منه أن يتأثر بهذه الإحداث؛ وهو ما أدى إلى خلق وابتكار أساليب من الأدب الجديد ذات صلة وارتباط بهذا الواقع الذي تسير فيه الإحداث بشكل متغير وسريع، ولهذا حاول المبدعون مواكبة ما يجري على ارض الواقع محاولة منهم لفهمه والتعبير عما يحدث من اجل التغيير، وهذا ما أدى إلى ابتكار أساليب جديدة من الأدب والفن عبر مدارس فنية التي أخذت تظهر وتنشأ بفعل التغيرات الحاصلة على ارض الواقع؛ فتضع مناهج جديدة لتواكب الحداثة والتطور بما تعبر عن واقع المحن التي تعيشها المجتمعات؛ ليكون التعبير عنها شديد التماس مع معاناة الإنسان، وهو ما أدى بالمبدعين إلى مراجعة الذات وفحص منظومة الحياة لكي يوازوا الحدث ولكي يعبروا عنه بعيدا عن الصيغ التقليدية المصطنعة والمزيفة السابقة، لان نظرتهم إلى الحياة وفق هذا المنظومة الاجتماعية يتطلب من الأدب والفن المشاركة.. والإفصاح.. والاقتسام.. والتعايش.. وتغيير المألوف.. وتعترف بالتعددية والاختلاف.. وترفض الأفكار الجاهزة اللامعقولة؛ بقدر ما تتجه إلى مواجهة المتلقي عبر واقعه.. وأحلامه.. وكوابيسه.. وأمنياته.. وطموحاته، ليكون المتلقي جزء من العمل الأدبي والفني يشارك ويتفاعل مع إحداثه، لان هذه المشاركة هي التي تولد عملية التغيير التي يسعى الأدب والفن طرحه في الأعمال الإبداعية، لان (المبدع) لديه شعور وموقف وباعث لخلق العمل الأدبي أو الفني بما يمتلك من أحاسيس ومشاعر قد لا يشعر بها الإنسان العادي؛ ولكن حين تواجهه لا محال ستثير في أعماقه باعثا يحفزه لتغيير بما أثار في أعماقه من قلق وتساؤلات، لتكون المشاركة بين الطرفين معرضة لنقد وفق هذا المنظور؛ أي بين المتلقي والمرسل، الذي يسهم في تطوير الإبداع جماليا، وهذا النقد قبل أن يكون متوجها من المتلقي فان المرسل - الذي هو المبدع - يلجئ إليه أثناء تأليف العمل؛ وهو ما ينشا ويفرز عنده الكثير من التعديلات من حيث الحذف.. والابتكار.. والإضافة، بغية ارتقاء بالصورة والمشهد إلى نقطة التعبير بأسلوب الأكثر تأثيرا وإيقاعا في النفس من تسامي، فمارس (بريخت) هذا (النقد) باتجاه القضايا الثقافية والاجتماعية والسياسية . فعلى صعيد أعماله المسرحية فان جل أعماله المسرحية والتي يربو عددها بنحو ( خمسة وأربعين نصا مسرحيا)، وما زالت مسرحياته حاضرة على خشبة مسارح العالم حيث يعتبرونه نقاد المسرح من أفضل كتاب ومخرجي للمسرح المعاصر بعد شكسبير(1564 - 1616) و مولير (1622-1673) و جوته (1749 - 1832) و شيلر (1759 - 1805) و جورج برنادشو(1856-1950)، ونذكر منها (دائرة الطباشير القوقازية) و(الأم شجاعة) و(حياة غاليليو) و(الخوف في الرايخ الثالث) و(المعيار) و(القرار) و(كومونه باريس) و(محاكمة لوكولوس) و(السيد بونتيللا) و(الإنسان الطيب) و(إدوارد الثاني ملك إنجلترا) و(أوبرا الثلاثة قروش) و(الاستثناء والقاعدة) و(جان دارك) و(القائل نعم والقائل لا) و(يوحنا المقدسة على المذابح) و(رجل برجل أو الرجل هو الرجل أو الإنسان هو الإنسان) و(الرؤوس المستديرة والرؤوس المدببة) و( طبول في الليل، التي أعاد كتابتها بعد إن كانت تحمل عنوان سبارتاكوس) و(في أحراش المدن) ومسرحية (الإنجيل) و(بال أو بعل 1918) والى أخره . فاغلب أعماله المسرحية ما هي إلا توجهات نقدية لما التمسه من معطيات الواقع وهو الأمر الذي قاده إلى تجديد المسرح بعد إن رفض أساليب المسرح القديمة بكل ما هو عليه إلى ما يمكن أن يكون عليه المسرح؛ فأسس (المسرح النقدي الملحمي)، حيث عمل (بريخت) في المسرح النقدي في رسم شخصيات العمل وربطها بالواقع (المادي) ومن ثم يجعل الجمهور ينقد ما يشاهده بشكل ايجابي وهو أسلوب ابتكره (بريخت) لكي لا يجعل من المتلقي فحسب متلقي سلبي على ما يعرض على خشبة المسرح بل يشارك بفكره وبنقده في الأحداث التي تمثلها الشخصيات لكي يشارك في عملية التغير الأوضاع القائمة . ولهذا عمل (بريخت) على نقد مظاهر الحياة لطبقات البرجوازية.. والأغنياء.. والنفاق.. والفساد.. والانحطاط الذي كان سائدا بين هذه الطبقات والتي كانت تمارسها وتعيشها في المجتمع، وقد إلف في هذا الاتجاه النقدي على النظام الاجتماعي والمجتمع الرأسمالي الذي كان قائم آنذاك مسرحيات عدة نذكر منها مسرحية (طبول في الليل) و(في أحراش المدن)، وكما ونقد وبقسوة بالغة ما عكسته مظاهر الصناعة الحديثة وعصر الآلة على الإنسان، كما انه نقد (النظام الديني)عبر مسرحيات هادفة نلتمس منها في نص مسرحية كتبها عن عالم الفيزياء (غاليليوا) - و( غاليليو) عالم بحث في الحركة والسرعة والسقوط واخترع ترمومتر و أتثبت إن الأرض كوكب صغير يدور حول الشمس مع غيره من الكواكب، وشكا بعض أعدائه إلى السلطة الكنسية الكاثوليكية بأن أفكار(غاليليو) تتعارض مع أفكار الكنيسة، فاتهم بالهرطقة واستدعيا إلى روما وهناك تمكن بمهارته الإفلات من العقاب لكنه اجبر على عدم العودة إلى كتابة هذه الأفكار، وظل ملتزما بوعده لكنه بعد حين كتب بنفس الأفكار، وفي هذه المرة أرغمته الكنيسة على أن يقرر علانية أن الأرض لا تتحرك على الإطلاق وأنها ثابتة، ولم يهتم (غاليليو) لهذا التقرير العلني وحكم عليه بالسجن ولكن بعد ذلك خفف الحكم إلى الإقامة الإجبارية وتم منع كتبه وظل منفيا في منزله حتى وفاته عام 1642 وتم دفن جثمانه في (فلورانسا) المدينة التي كان يعيش فيها تحت نظام السلطة الدينية لبابا - فاستوحى (بريخت) من هذه القصة مسرحيته المعنونة تحت عنوان (حياة غاليليو) تعكس واقع الحياة وأزمته الشخصية التي كان يعيشها (بريخت)؛ فاختار شخصية العالم الفيزيائي (غاليليو) كشخصية للعمل طرحها لتشابه معاناة (غاليليو) مع معاناته الشخصية، فـ(غاليليو) هذا العالم الفيزيائي والفلكي قد اختار إما أن يعيش بين العمل الشاق و حياة الرفاهية في خدمة حاكم (فلورنسا) - حيث كان نظام حكم فيها نظام ديني وبسلطة (البابا) الذي كان مسيطرا على مقاليد الحكم فيها - وبالتالي فقد وجد (غاليليو) بان أبحاثه في قوانين الفيزياء والفلك والتي أحدثت ثورة حقيقية في العلم ستكون حياته - لا محال - معرضة لخطر بسبب تعارضها مع تعاليم الدينية التي كانت الكنيسة تبناها؛ كما حدث لمن سبقوه من العلماء؛ ولهذا كتب (غاليليو) مؤلفا علميا دون إن يفصح عن مضمونه لأحد لكي لا يكشف أمره، تضمن على أبحاثه الهامة في نظريات العلم وهي في غاية الأهمية؛ وقد استطاع أحد تلاميذه تهريب الكتاب ونشره؛ وفي مسرحية (حياة غاليليو) هذه إحداث شيقة يصعب الدخول في تفاصيلها في هذه الأسطر القليلة . أما مسرحية (الأم شجاعة) هي مسرحية مقتبسة من رواية الكاتب الألماني (غريميتسها وزن) تدور أحداث القصة في القرن (السابع عشر)، ألفها (بريخت) في عام 1939 وتعتبر هذه المسرحية من أعظم مسرحيات (بريخت) مناهضة للحرب وضد الفاشية والنازية التي كتبها على الإطلاق في القرن (العشرين) أثناء اجتياح (هتلر) دولة (بولندا) عام 1939، فالمسرحية تروى قصة (أم ) تسعى لتأمين الحياة لنفسها ولأولادها الثلاثة مطلع القرن (السابع عشر)، وفي ظروف الحرب التي دامت ثلاثين عاما هزت أوروبا الشرقية و(ألمانيا) بشكل مؤثر؛ فتفقد هذه (الأم) أولادها الثلاثة في الحرب وينتهي مطافها وهي وحيدة فقدت أعز ما كانت تملكه أولادها الثلاث، درجة الذي لم تفقد أولادها فحسب بل أصبحت رويدا - رويدا تفقد رشدها أيضا، وفي المسرحية إحداث وانتقادات وتحليلات قدمها (بريخت) بمنتهى الذكاء والحبكة لتثير المتلقي كل الإثارة عما تخلفه الحرب من تزيف وتحطيم لذات وللقيم المجتمع والمشاعر الإنسانية؛ وقد أخذت هذه المسرحية منذ عرضها على المسارح اهتمام النقاد؛ وكتب عنها دراسات وتحليلات مهمة؛ وما زال إلى يومنا هذا تمثل هذه المسرحية في شتى دول العالم لما لها من معاني مناهضة للحرب( أي ضد الحرب) وما تخلفه من أثار مدمرة في قيم الإنسانية . كما أن (بريخت) قدم انتقاداته للمجتمع الرأسمالي بمسرحيته (صعود وسقوط مدينة ماهوجني 1929)، حيث قدم (بول إيكرمان) البطل إلى عقوبة الإعدام لأنه لم يتمكن تسديد ديونه، وفي هذه المسرحية عمل (بريخت) بتقديم الحدث لا من اجل أن يتعاطف الجمهور مع معاناة البطل بل - وهو أسلوب الذي يتميز (بريخت ) بتقديم مسرحياته بشكل مستحدث في عالم المسرح - حيث كتب بخط عريض على لوحة علقها على خشبة المسرح لكي يواجه الجمهور نفسه بهذه الحقيقية، كتب عليها ((الكثيرين منكم ربما يشهدون إعدام (بول إيكرامان) باشمئزاز، ولكنكم أيضا في رأينا غير مستعدون لأن تدفعوا له ديونه، حيث أن المال أصبح شيئا غاليا جدا في عصرنا هذا...!))، وهذه الطريقة التي لجئ إليها (بريخت) إنما تأتي لأحداث صدمة لتوعية الجمهور بكونه يواجههم بحقيقة الأمر ليدفعهم للتفكير بكل مجريات الحدث وليس فقط للإثارة المشاعر . كما وعرض مسرحية (أوبرا الثلاث قروش - 1928) لينتقد ما تفرزه (الرأسمالية) من أمراض في المجتمع حيث قدم مدينة كبيرة للدعارة وفيها كل شيء مباح ومعروض للبيع، بسبب قلة المال، فـ(ألمانيا) في أعقاب الحرب العالمية الأولى تغلغل فيها كل أمراض المجتمع البرجوازي، فعرض رجل صاحب المال بمظهر برجوازي وهو جالس في الملاهي الليلية الرديئة يتصرف بكل فج و وقاحة يشتري ذمم الناس بماله ويستغل أوضاع الفقراء بماله؛ وهذه الصورة هي نموذج وجد منها الكثير في المجتمع، بل إن هذه الصورة ما هي إلا إفراز من إمراض المجتمع (الرأسمالي) التي هي مصدر كل شر.. ورذيلة.. وبلاء.. ومن النصب.. والاحتيال.. والخداع.. والعنف، كما إن المسرحية سلطت الضوء وبشكل عفوي ضمن محاورها في كيفية بداية الطعام ومن ثم عن قيمة الأخلاق في مسرحية، وهذا النمط من مسرحيات (بريخت) أخذت أشكالا أعمق من خلال تقديم مسرحيات اللاحقة . كما إن (بريخت) كانت غايته من كتابة مسرحيته (دائرة الطباشير القوقازية) هو تسليط الضوء عن أحقية الملكية لمن يحرص على رعايتها واحتضانها بأفضل أسلوب وان يستثمرها لخدمة المجتمع فـ(بريخت) في هذه المسرحية يطرح موضوعين رئيسين فيها، قصة (الأم الحقيقية) وقصة (الأرض لمن يزرعا)، ففي الأولى يجد (بريخت) وهو قد اقتبس فكرة هذه المسرحية من قصة (صينية)، مفادها بان احد القضاة كان يحكم بين السيدتين ادعتا بكونها كل واحدة منهما هي (الأم الحقيقية لطفل)، فرسم القاضي دائرة بخط الطباشير ثم وضع الطفل فيها، وطلب من السيدتين أن تسحب الطفل إليها، فمن استطاعت أن تخرجه من دائرة الطباشير تكون الأم الحقيقية له، لكن(بريخت) وظف هذه الحكاية (الصينية) بشكل مغاير، لأنه لم يحكم لـ(لأم الحقيقية) بل حكم القاضي لـ(لام الخادمة أو المربية)، التي تبنت الطفل وعنيت بتربيته، لأنها هي التي اهتمت بالطفل ورعته بينما (ألام الحقيقية) هربت وتركت طفلها حين اندلعت الثورة في البلاد، رغم إن (الأم الحقيقية) نجحت بجذب ابنها من خارج الدائرة الطباشير بينما (المربية) الأكثر رأفة وحنانا لم تستطع فعل ذلك خشية من أن يؤذى الصغير، وهنا رأى القاضي أن (الأم المربية) كانت أكثر حنانا من (الأم الحقيقة)، على عكس (الأم الحقيقية) التي تعاملت مع الأمر بقسوة وعنف، فحكم لـ(لأم المربية) برعاية الطفلة، وهنا نوضح، بان هناك حكاية مشابه في منطقتنا الشرقية يحكى عنها إن الحكيم (الملك سليمان) الذي حكم بين امرأتين متنازعتين على طفل ادعتا كل واحدة منهما بكون الطفل ابنها، لذلك يقترح (الملك سليمان) بتقسيم الطفل إلي جزئيين أثر أدعاء كل من ألامرأتين المتنازعتين بأنه أبنها، فوافقت (الأم المزيفة) بينما رفضت (الأم الحقيقية) أن يشطر الطفل لان ذلك معناه قتله ولهذا فضلت أن تتخلى وتتنازل عنه من إن يقتل أمامها، وتبين لـ(الملك سيلمان) أنها (ألام الحقيقية) وحكم لها بحاضنته، وهنا إن نذكر هذه القصة هو لكي لا يتلبس أمر قصة (الملك سلمان) عن قصة التي ذكرها (بريخت) والمأخوذة من (القصة الصينية) عند القارئ؛ بكونه ربما قد سمع هذه الرواية في تراثنا الشرقي، وفي نص هذه المسرحية هناك مواقف وأطروحات فكرية و دروس وعبر في القيم والأخلاق في غاية الأهمية . إما في (القسم الثاني) من المسرحية ( دائرة الطباشير القوقازية)، فان (بريخت) يقدم حكاية صراع بين جماعتين من الفلاحين متنازعتين حول ملكية الأرض، كانت أحدى المجموعتين قد رحلت وتركت الأرض عندما هاجم (الجيش ألماني) على (روسيا)، وبعد هزيمة (ألمانيا) عادت هذه الجماعة التي تركت الأرض وفرت تطالب بالأرض، بينما جاءت جماعة أخري تنازعها وتطالب بملكية الأرض بكونهم استثمروا الأرض وزرعوها بالأشجار والمثمرة، ليصدر الحكم بملكية الأرض لمن زرعها واستثمر فيها فيحسم النزاع في حل ألازمة باتجاه إلى من يرعي الشيء هو الأحق بملكيته، ليكون (بريخت) استثمر في طرح (الإيديولوجية الماركسية) من خلال الصراع الاجتماعي.. والعامل الاقتصادي.. ونظام الملكية التي تبناها في هذا الطرح؛ وهي أحد تحليلات (بريخت) وقراءته لطبيعة المجتمعات وما أخذه من ملاحظات وانطباعات حول طبيعة هذه المجتمعات في ظل النظم (الرأسمالية) والنظم (الاشتراكية) اثر مكوثه في (أمريكا) لمدة سبع سنوات فأراد إن يسلط الضوء عن حقيقة النظام (الرأسمالي) وظروف القائمة تحت ظلاله اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا بهذا العمل الذي كتبه هناك . إما على صعيد أنشطته الحزبية أو مع ارتباطاته الحزبية حيث كان عضوا في (الحزب الشيوعي الألماني)، فان (بريخت) كثيرا ما وجهه انتقادات للحزب؛ بما وجد من تصرفات بيروقراطية بين أعضاءه؛ وهو الأمر الذي رفضه الحزب فاتخذوا مواقف صارمة ضده بين حين وأخر وتسببت له الكثير من المضايقات سواء بمنع بعض مسرحياته التي كانت تنتقد مواقف (الحزب الشيوعي) وهذا ما جعل الحزب يصدر أمر بمنع عرض بعض من مسرحياته كمسرحية (المعيار) و(القرار) التي انتقد فيها البيروقراطية القائمة داخل الحزب والانتهازية السياسة داخل النظام سلطة الحزب وقد أستشف معلوماته عن هذا الجانب من خلال عمله في الحزب الذي كان يمارس هنا وهناك، علما بان (بريخت) كان مؤمنا بالفكر (الماركسي اللينيني) وشديد الإعجاب بقيادة (ستالين) كما انه منح جائزة (ستالين) وهي ارفع جائزة كانت تمنح في (الاتحاد السوفيتي) . وقد ظل (بريخت) يتحدى وينتقد البيروقراطية الحزبية من اجل تصحيح مسار عملهم في (ألمانيا)، ولم يكتفي بهذا النحو بل صاعد انتقاداته ضد ممارسات السلطات في (ألمانيا) وخاصة بعد صعود (النازية) ومسك زمام الأمور فيها؛ في وقت الذي عرف عن (بريخت) في عموم (ألمانيا) بمواقفه المؤيدة للحزب (الشيوعي) وانه كان من اشد منتقدي سياسية السلطات في (ألمانيا)، حيث عمل (بريخت) بتشكيل ممثلين من العمال كهواة لتمثيل في مسرحياته التي أخذت تجوب مدن (ألمانيا)، مما أدى إلى تعرضها للقمع والمنع من قبل رجال الأمن والشرطة الأمر الذي قرر (بريخت) بعد عام 1933 إلى ترك (ألمانيا) حين استلم (هتلر) الحكم في (ألمانيا)؛ وبعد إن أخذت السلطات (النازية) تضطهد كل كاتب ومفكر وأديب وفنان لا ينتمي إلى (النازية) ويتم حرق كتبهم، فهرب (بريخت) من (ألمانيا) ليقضي بعد ذلك حياته في المنفى؛ بعد إن أصدرت سلطات في (برلين) أمر بسحب الجنسية الألمانية منه عام 1935 ، فاخذ ينتقل بين دول الأوربية (سويسرا) و (فرنسا) و (فينا) و (دانمرك) و (سويد) و (فنلندا)، وبعدها هاجر إلى (أمريكا)، وبعد مكوثه في (أمريكا) سبع سنوات قرر (بريخت) العودة إلى (ألمانيا) عام 1948 ولكن فوجئ بمنع سلطات في (ألمانيا الغربية) دخوله البلاد فتوجه إلى (ألمانيا الشرقية)، حيث استلم هناك إدارة المسرح حتى وفاته بعد إن قضى أكثر من خمسة عشر سنة في المنفى بعيدا عن وطنه . وخلال هذه الفترة كتب (بريخت) اغلب مسرحياته رغم إن الكثير من هذه الأعمال رفض عرضها في هذه الدول، وخلال العقد الأخير من عمره أي ما بين عام (1948 - 1956) استمر (الحزب الشيوعي الألماني) غير راضي لانتقاداته رغم تقديمه تنازلات؛ وحين قدم مسرحيته عن (كومونة باريس) عام 1949 - و(كومونه باريس) هي أول دولة عمالية في التاريخ استلمت الحكم في (باريس) العاصمة (الفرنسية) لمدة ثلاثة أشهر في الثامن عشر من مارس عام 1871 مما إربك العالم (الرأسمالي) حين وجدوا راية العمال مرفوعة في (باريس) قلب أوربا وان الثورة الاشتراكية رفعت شعارات (تحرير العمال) مما ضنت الدول (الرأسمالية) بان لا محال بان العالم كله مهدد بالسقوط، ولهذا عملوا بكل ما في وسعهم لإسقاطها وحصر نطاق الثورة العمالية في (باريس) ومنعوها من التوسع إلى مدن (فرنسا) والدول الأوربية المجاورة بكل وسائل القمع؛ وفعلا نجحوا في ذلك، و رغم سقوط (الكومونة) في (باريس) فإنها بقت في ضمير وعقل كل أحرار العالم مؤكدين بأنه لا بديل مهما طال الزمن عن (الثورة العمالية) لإسقاط النظم (الرأسمالية) ولا بد لأي (ثورة عمالية) إن تبدأ بالخطوة الأولى في تحطيم الدولة البرجوازية والرأسمالية الغاشمة - ولهذا أقدمت الحكومة إلى منع مسرحته (كومونه باريس) واخذ الحزب يضايق (بريخت) كثيرا مما اضر إلى تقديم استقالته من الحزب؛ واخذ يقدم مسرحياته القديمة؛ في وقت الذي لابد من الذكر بان (بريخت) منح جائزة (ستالين) من (موسكو) قبيل وفاته عام 1956 بعد إن تدهور أوضاعه الصحية، لأن (بريخت) بقى وفيا ومخلصا و مؤمنا بمبادئ (الماركسية - اللينينية) وان انتقاداته لم تكن لفكر الحزب (الشيوعي) بقدر ما كانت تتجه نحو تصرفات بعض القيادات الحزب، وهنا لا بد إن نذكر بان (بريخت) رغم انتقاده لبعض مواقف (ستالين) إلا انه كان شديد الإعجاب بقيادته وقد كتب الكثير من الإشعار يمدح فيها قيادة (ستالين) في الاتحاد السوفيتي كما كتب فصائدا عدة منتقدا عن بعض مواقفه، ولكن في مجمل مسار عملة ونشاطه احتسب على التيار (الستاليني)، ولكن في المجمل ظل (بريخت) مؤمنا بـ(الماركسية - اللينينية) بيقينه المطلق بان ليس هناك من نظام يحكم بالعدل والإنصاف هذا العالم المليء بالتناقضات والأزمات ويستطيع تحويل كل الجوانب السلبية في الحياة إلى ايجابية، لان (الحزب الشيوعي) في اعتقاده هو النظام الأكثر وعيا وتطبيقا وإيمانا بقوة التغير وبناء منظومة إنسانية واعية دورها في العطاء والتضحية والعمل والكفاح والنضال؛ ولذلك تبنى (بريخت) الاتجاه العلمي (للماركسية - اللينينية) ووجد في معطياتها ملاذا فكريا تبحر فيه وقدم أعظم أعمال المسرحية لخدمة الإنسانية برمتها، ليعطي جل أوقاته بدراسة (الماركسية) وفلسفة (هيجل) وخاصة بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914، ولذلك ومنذ لحظة الأولى لثورة (لينين) وقف (بريخت) مناصرا ثورته ومؤيدا لتطلعاته الثورية وكتب في ذلك قصائد غنائية يمجد قيادة (لينين) . هكذا كان الكاتب والشاعر الألماني (برتولد بريخت) يعبر عن إيمانه بـ(الماركسية - اللينينية) من خلال أشعاره وكتاباته المسرحية؛ لان ما حرك مشاعر ووجدان وإيمان (بريخت) إلى النظام (الماركسي اللينيني) ويتخذ من (المادية التاريخية) منطلقا لكتابة مسرحياته عبر التحليل العلمي باتجاه الأوضاع الاجتماعية والسياسية، لان (بريخت) الذي جند قلمه بعالم المسرح بعد إن هام بهذا العالم، عالم المسرح؛ فقد وجد بان المسرح آنذاك أي في مطلع قرن (العشرين) والربع الأول منه، كان يخدم ويطرح كل ما يخدم (الطبقات البرجوازية) لان أغلبية كتاب المسرح في هذه الحقبة كانوا من النخب (البرجوازية) التي كانت تسيطر على عالم المسرح فلم تكن لمسرحياتهم أي هدف اجتماعي أو سياسي بقدر ما كان التقديم يعرض لمجرد التسلية؛ فكانوا يمنعون أي عرض هادف يحاكي هموم الطبقات العمالية، ولهذا دب الوهن والضعف في الإعمال المسرحية لحجم التسطيح الشكلي للمسرحيات وخلوها من أي مضمون هادف، واعتبر(بريخت) بان كل ما يقدم على خشبة المسرح ما هو إلا تنويم مغناطيسي يخدر عقل المشاهد بكونه يحاصر عقله داخل أحداث العمل المقدم من دون أن تبلور لديه أي فكرة لتحليل الإحداث و مناقشة واقع الحياة بهدف تغيره وإيجاد حلول واقعية نحو الأفضل، ولهذا وعى (بريخت) ما آلت إليه المسرح؛ ولما فكر بتغير هذا النمط من المسرح الغير الجاد والعبثي؛ أدرك بان منطلق (التغيير) يبدأ بإسقاط السلطة (البرجوازية)، وهذا لا يتم ما لم يكن هناك وعي اجتماعي وسياسي ويتجه اتجاها ثوريا لتغيير؛ بعد إن وجد صعوبة في تقديم إعماله المسرحية في بداية عمله كمسرحي بسبب منع الطبقات (البرجوازية) لأعماله التي اتسمت بطابع تعليمي وذات ملامح سياسية، رغم إن (بريخت) عام 1922 حصل على جائزة (كلايست) عن أول أعماله المسرحية، كما وانه لفترة عمل مخرجا مسرحيا وقد أخرج العديد من مسرحياته في (برلين) ولكن بصعوبة نتيجة اعتراض من قبل الطبقات (البرجوازية) على أعماله المسرحية، التي كان تهيمن على هذا القطاع، ورغم كل المعوقات التي كانت تعترض طريقه إلى المسرح إلا انه تميز (بريخت) بكونه من ابرز كتاب المسرح في (ألمانيا) لكونه كان يسلط الضوء على شخصيات ألتي يقدمها على الجانب (النفسي) لأنه كان متأثرا بأفكار (فرويد 1856 - 1939) في التحليل النفسي والذي كان معاصر له، لذلك عمل (بريخت) إلى تحليل القضايا بأسلوب (التحليل النفسي) باعتقاده بان ذلك يؤثرا في نفوس المشاهدين تأثيرا ايجابيا في مسرحياته، وبقى (بريخت) أمينا للمسرح يقدم أعمالا هادفة بما يطرح من مواقف إنسانية واجتماعية وسياسية بالفهم (الماركسية - الينينية) ومتحديا للأفكار (البرجوازية) و(الرأسمالية)، لأنه كان مؤمنا بضرورة تسييس الفن والمسرح؛ لان اعتقاده كان يتجه بان لا تغير ما لم يعي الإنسان واقعه السياسي ويتفاعل معه من اجل إبداع صورة حقيقة لنهضة المجتمع، ولهذا عمل على كتابه (المسرح التعليمي) بغية تنبيه المتلقي وإيقاظه وإثارته ودفعه إلى (التغيير) تغيير الواقع، ومن اجل إيقاظ وتركيز المتلقي عمل (بريخت) على استحداث المؤثرات البصرية والسمعية على المسرح لتمنح (أولا) جمالية للعمل و(ثانيا) تجذب المشهد و(ثالثا) لترسل رسالتها بصيغة مقنعة عبر إحداث التواصل بين النص والمتلقي، ولهذا ابتكر(بريخت) أسلوب (المسرح الملحمي) الذي هو عبارة عن سرد القصة كمقدمة لبداية المسرحية، إذ يتم خروج ممثل إلى خشبة المسرح فيجلس ليروي ويسرد أهم أحداث المسرحية على الجمهور حتى تثير لدى الجمهور المشاهد فرصة التأمل والتفكير في الواقع إثناء بدا العرض ليتخذ موقفا ورأي من القضية المتناولة في عمل المسرحية، كما فعلها (بريخت) في مسرحيته (دائرة الطباشير القوقازية)، ولهذا فان (بريخت) اعتبر بان المشاهد هو عنصرا أساسيا في كتابة المسرحية وعرضها واعتبر بان خشبة المسرح ما هو إلا غرفة من ثلاثة جدران والجدار الرابع هو جدار وهمي الذي يقابل الجمهور ولهذا فان إي عمل يقدم لا بد إن يكون ذو أحداث غريبة ومثيرة وباعثة على تفكير والتأمل عبر تقديم حكم وأمثال ومواعظ و تسلية؛ وهي تتجه أو تأخذ منحى سياسي من اجل التحريض السياسي للمتلقي وبأسلوب (السخرية الكوميدية) للمواضيع الحساسة فاستخدم (أغنيات) بين المشاهد كنوع من التحريض والتسلية للعمل كي يبقى الجمهور مشدودا إلى المسرحية، ولهذا عمل (بريخت) في كتابة العمل المسرح بتجاوز البناء التقليدي في كتابة المسرحية والمتمثل بـ(البداية تتم بمدخل بسيط) ثم (ترتفع الأحداث لتصل إلى جوهر العقدة) ثم (الحل)، حيث (لم يعتمد) على هذا النمط من البناء، إذ التجئ (بريخت) إلى كتابة أكثر من مسرحية في مسرحية واحده، إي إنه عمل على بناء مسرحية واحدة ولكن تشمل في داخلها مسرحيات أخرى؛ وكل من هذه المسرحيات تشمل على فصل واحد يختلف كل واحد منها عن الفصل السابق من حيث وقوع أحداثها وبما تشكل من مشاهد متفرقة في أزمنة مختلفة ولا يربط بينهما إلا هدف واحد هو (التوعية)، كم قدم هذا النمط من العمل المسرحي في مسرحيته (دائرة الطباشير القوقازية) و مسرحية (الخوف والبؤس في الرايخ الثالث)، كما استخدام (الموسيقى) و(الأغنيات) بين المشاهد لتواكب هذه القطع الموسيقية مجمل أحداث المسرحية مع عرض مناظر وأفلام سينمائية كمؤثرات تواكب احدث المسرحية على نحو ما قدمه في مسرحية (طبول في الليل) و(أوبرا القروش الثلاثة) و(حياة ادوارد الثاني)، وذلك كنوع من المزج بين التحريض والتسلية والتركيز على الواقع الاجتماعي التي في إطارها تتحرك أحداث المسرحية؛ وذلك من اجل تعميق وتحريك وعي المشاهد بالواقع وبالتناقضات المجتمع، ولهذا عمل (بريخت) باستخدام أسلوب (الغرابة) أي انه يكتب عن (أمور مألوفة ولكن بصورة غريبة)، وذلك لكي لا يترك مرور المشهد المسرحي على المتلقي بصورة مملة؛ وهو يعي سلفا ما سيؤول إليه المشهد، ولكن عندما يقدم مشهد ما بشكل جديد (غير مألوف) إنما كان (بريخت) يقصد من ذلك فرصة للمتلقي إن يحاور ذاته بصدد هذا المشهد (الغريب)، رغم كونه ليس بالجديد ولكن صيغ بشكل جديد بما يربك المشاهد عن وضع الذي يتلقاه عبر هذا المشهد؛ إما بتقبله والإقناع بما يحدث أو رفضه، لتكون صبغة صياغة المسرحية عند (بريخت) يعتمد في بعض مسرحياته على (التاريخ) كأحد أركان التغيير الذي أراد من خلاله تحويل (المسرح الملحمي) إلى (المسرح الدايلكتيكي) عبر البحث في معطيات (التاريخ) تاريخ الماضي للاستفادة منه في الحاضر والمستقبل، ليكون (التغيير) احد أهداف هذه الإلية؛ لتفادي سلبيات التي يواجهها المجتمع، ولهذا نجد بان (بريخت) اخذ يقتبس من قصص وأحداث (التاريخ) وإعادتها بشكل (حديث) كما فعل في مسرحيته (الرؤوس المستديرة والرؤوس المدببة) التي اقتبس فكرتها من مسرحية (كيل بكيل) لـ(شكسبير)، وكما كتب مسرحية (أوبرا الثلاث قروش) التي اقتبس فكرتها من (أوبرا المتسولون) للكاتب البريطاني ( جون كاى )، وكما كتب مسرحيته المعنونة (يوحنا المقدسة على المذابح) وهي مسرحية اقتبس فكرتها من مسرحية (عذراء اورليانز) للكتاب الكبير(شلر)، وكما كتب مسرحية (الاستثناء والقاعدة) وهي مسرحية مقتبسة من رواية (الأم) لروائي الروسي (مكسيم غوركي)، ومن خلال هذا الابتكار في كتابة المسرحية؛ إنما أراد (بريخت) أحياء التراث بالمفهوم المعاصر ويعاد صياغته بمنظور فكري وفلسفي وسياسي يواكب المعاصرة لكي يتحول النص إلى موضوع عام يمس المجتمع فيتقبله المتلقي كونه يعالج ويخاطب قضايا ومشاعر الإنسانية، ولهذا فان ميزة أعمال (بريخت) المسرحية هي تعميق الوعي الإنساني بكل ما يحيط وجوده من تناقضات الواقع بهدف تغييرها، ولهذا لم يكتفي (بريخت) بمعطيات التي ابتكارها في (المسرح الملحمي) والتي كانت تعارض خط المسرح (البرجوازي) الذي كان سائدا في عصره بنمط المسرح (ارسطوي) التقليدي؛ فعمل على تطويره متأثرا بأفكار (ماركس) و(هيغل) إلى (المسرح الدايلكتيكي) لكي يواكب مسرحه طبيعة التناقضات الحاصلة في المجتمع على خشبة المسرح؛ لكي يكون المتلقي لديه فرصة المشاركة في عملية التغيير بعد إن وجد (بريخت) بان (المسرح الملحمي) ليس بوسعه (التعبير) عن طبيعة التي يرغب (بريخت) التوجه إليها عبر (التغيير) لذلك عمل على إيجاد مسرح بديل عنه؛ فابتكر (المسرح الدايلكتيكي) جمع فيه بين عناصر (المسرح الملحمي) و(المسرح الارسطوي) محاول منه التقريب بين منطلقات المسرحين باتجاه واحد وهو (المسرح الدايلكتيكي)، لان (أرسطو) كما اعتقد (بريخت) كان شديد تأثير بالمسرح (الإغريقي) في وقت الذي نجد بان أشهر كتاب المسرح (الإغريقي) من (سوفوكليس) و(ايسخولوس) و(يوريبيديس) هم كتاب سبقوا (أرسطو) وكانوا في كتابة نصوصهم المسرحية يهتمون بإبراز عناصر (الغرابة ) وشي من بعض مقومات التي عمل (بريخت) على ابتكارها وإظهارها وتركيز عليها في مسرحياته وتحيدا في نمط الذي نسميه بـ(المسرح الملحمي البريختي)، وان (أرسطو) تأثر بالمسرح (الإغريقي) تأثيرا كبيرا؛ ولهذا فانه صاغ وكتب قواعد كتابة (الفن الدراما والشعر) من (مسرحيات إغريقية) وتحديدا مسرحية (اوديب ملكا)، وكمل عمل (أرسطو) في تطوير فن (الدراما) بتأثير من الفن (الإغريقي)، فان (بريخت) عمل إلى تطوير المسرح بتأثير أفكار (ماركس) و (هيغل) إلى المسرح (الدايلكتيكي) - كما قلنا - لكي يفهم الجمهور طبيعة حركة (الدايلكتيك) في تتابع الأحداث لكي يعي المفارقات التي تحدثت و تجددت وتطورت في المسرحية، وعن إمكانية معرفة طبيعة التناقضات وعن إمكانية (التغيير) ما هو عليه إلى ما يمكن أن يكون عليه، حيث قدم شخصياته بملامح أرسطية ولكن بطبيعة (دايلكتيكية)، أي إن هذه الشخصيات تنمو وتتطور بفعل الإحداث، وهذا هو فهم (المسرح الدايلكتيك) الذي قدمه (بريخت) على خشبة المسرح وأبدع فيه لتشكل إعماله المسرحية مدار اهتمام الباحثين ولدارسي المسرح بعد إن احتل (بريخت) مرتبة من المراتب المتقدمة في عالم المسرح بعد (سكسبير) و (جوته) و (شيلر) و(مولير) و (جورج برنادشو) . لان ما قدمه (بريخت) من إعمال فاضت بالأفكار والمشاعر الإنسانية وتكلمت بصدق عن واقعها لتكون ليست مجرد إعمال أدبية مسرحية أتقنت حرفيتها بقدر ما كانت تعبر عن أحداث التي أحاطت بالآم الشعوب ففاضت بروح ومشاعر الإنسانية النبيلة بما جعلتها أعمال لا تمر على متلقيها دون إن تترك فيه تأثيرا؛ لان ما قدمه (بريخت) من مسرحيات جسد بصدق هموم الإنسان وقضياهم ليجعل من مسرحه في خدمتهم لأنه كان يرصد ويشعر بهموم المجتمع وما يتعرض من معاناة في حياته أليوميه، ولهذا فان (بريخت) جسد هذه المعاناة في لغة المسرح ليتوهج ما يقدمه على خشبة المسرح بحضور حيوي تناغم المتلقي مع رؤيته الفنية التي واكبت كل مستحدثات واقعه ومتطلباته . المصدر: فواد الكنجي]]> 123687 مارلين بوث الفائزة الأميركية بالبوكر مان: أريد لقراء الإنجليزية أن يجربوا ثراء اللغة العربية http://www.souriyati.com/2019/06/02/123670.html Sun, 02 Jun 2019 08:45:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/06/02/123670.html

حوار عمران عبدالله

مارلين بوث هو اسم لا يبدو مألوفا للقراء العرب، لكنه صار معروفا في الأوساط الأدبية، بعد أن تشاركت مع الروائية العُمانية جوخة الحارثي جائزة بوكر مان التي تقدر قيمتها بخمسين ألف جنيه إسترليني (نحو 63 ألف دولار).

وبذلك تصبح الحارثي أول روائية عربية تفوز بتلك الجائزة المرموقة، وفي الوقت ذاته تعتبر بوث أول مترجمة تفوز بالجائزة، على خلفية ترجمتها لرواية عربية هي "سيدات القمر" التي تحولت في نسختها الإنجليزية إلى "أجرام سماوية".

ويقع القارئ في أثناء الرواية بسحر القصة المشبعة بالتاريخ والثقافة العمانية، إذ تقدم الحارثي مزيجا من "الرومانسية البدوية" والتفاصيل الثرية للحياة الأسرية في مجتمع بدوي مترابط وبيئة مغلقة، لكن ورغم استهجان الوجود الحضري في الرواية، فإن غوايات وإغراءات مسقط بمبانيها ومرافقها تبدو حاضرة بقوة في الخلفية.

وكُتبت الرواية في أكثر من ستين فصلا قصيرا، ويتعرف القارئ إلى عائلة عزّان وزوجته وبناته الثلاث عبر ما يرويه أبو لندن (عبد الله)، وتقترب الرواية من مشاعر الراوي في أثناء رحلته إلى ألمانيا وزواجه من ميا، الذي لم يوافق أحلامه الرومانسية، ويحكي المعاملة القاسية التي تلقاها من والده سليمان تاجر الرقيق وقصة محظيته ظريفة.

ورغم خصوصية الرواية مكانا وزمانا، فإنها مع موضوع عالمي مثل الحب تحولت لقصة إنسانية عالمية، قادرة على نقل شخصيات المجتمع المحلي وهواجسهم وقصصهم الإنسانية، والتقت بوث والحارثي عندما كانت جوخة تدرس الدكتوراه في إدنبرة وساعدتها بوث في المراحل الأخيرة من أطروحتها بحسب ما ذكرته الحارثي للجزيرة نت في حوار سابق.

وقالت بوث التي تعمل أستاذة في دراسات العالم العربي المعاصر بجامعة أوكسفورد إنها تلقت تشجيعا من زميل لديه خبرة كبيرة في عُمان وكذلك من الجمعية الأنجلوعمانية، ووصفت ترجمتها لرواية من عُمان التي لا تعرفها جيدا ولا تدرك لغاتها ولهجاتها المحلية بأنها "تحدّ كبير"، وأجرت الجزيرة. نت هذا الحوار مع المترجمة الأميركية في أعقاب فوزها بالجائزة.

هل كنتِ تتوقعين الفوز بالجائزة؟ وكيف كان شعور الفوز بالنسبة إليكِ؟

إنه لشرف عظيم لجوخة (ولي!) وللأدب العُماني والأدب العربي بشكل عام. وآمل أن يؤدي إلى استكشاف القراء الناطقين باللغة الإنجليزية لروائع الأدب العربي الثرية عبر ترجماتها بصورة أكبر، وآمل أن يشجع ذلك الفوز الناشرين على دعم مزيد من ترجمات الأدب العربي!

وبالتأكيد لم أكن أتوقع الفوز، شعرت بكوننا جميعا في القائمة الطويلة، وبعد ذلك في القائمة القصيرة أصبحنا فائزين.

وشعرت أيضا أننا جميعا حصلنا على فرص متساوية للفوز، لأن روايات كل الكتاب كانت رائعة.

وأشعر بالتواضع الشديد في معيّة هؤلاء الكتاب والمترجمين. وبالطبع الفوز مدهش ومثير ويعطيني طاقة وحيوية لترجمة مزيد من روائع الأدب العربي.

كتبتِ أيضا عن الشاعر المصري القومي بيرم التونسي.. برأيكِ، هل يمكن أن يصل الشعر والأدب العربيان إلى العالمية؟

لقد قمت بترجمة العديد من الروايات ومجموعات القصص القصيرة. وكانت لكل تجربة تحديات مختلفة، سواء التحديات الداخلية أو التي تأتي من المجتمع الذي ينحدر منه الكُتاب، ولذلك بالنسبة لـ "سيدات القمر" كانت الجوانب التي تخص المجتمع العُماني بشكل خاص تحديا بالنسبة لي، لكن جوخة قدمت مساعدة كبيرة، حيث علمتني أشياء كثيرة. وقرأت أيضا كثيرا من الدراسات التاريخية حول تاريخ عُمان، حتى أفهم السياق بشكل أفضل.

وبخصوص بيرم التونسي فقد كان شاعرا مذهلا ووطنيا متفانيا، وكانت دراسة أعماله شرفا عظيما لي. نعم، بالتأكيد أشعر أن الشعر العربي والخيال الأدبي وكذلك السير الشخصية (التراجم) والسير الذاتية وأنواعا أخرى من الأعمال، يمكنها الوصول إلى العالمية وبلغات مختلفة.

فشعراء مثل بيرم التونسي وكُتاب روائيين مثل جوخة الحارثي وكثيرين آخرين من الشعراء والروائيين وكُتاب القصص القصيرة، يكتبون بشكل جميل من "تراثهم"، ومن بيئتهم الاجتماعية المباشرة، لكنهم بالطبع يتناولون موضوعات (ثيمات) عالمية يفكر فيها جميع البشر ويهتمون بها.

وبيرم التونسي كتب كثيرا عن الحرية السياسية والشخصية، وعن الفقر، وعن القادة والنخب الذين لا يهتمون بشعوبهم الذين رفعوهم للمواقع المرموقة، وكتب بيرم من منظور مصري ثم من منظور تونسي، وكذلك من منظور مهاجر في فرنسا، ولكنني أعتقد أن أي شخص يمكن أن يقدّر نحيبه (وصياحه) من أجل العدالة ويتغير من خلاله.

كيف قمتِ بترجمة الرواية التي توجد بها تعبيرات محلية ولهجة خاصة، حتى أن بعض العرب قد لا يعرفونها! .. أخبرينا عن تجربتكِ في تحويل سيدات القمر إلى أجرام سماوية؟

حسنا، بما أنك تعرف أنني عملت على بيرم التونسي، فيمكنك تخمين أنني أحب التعبيرات المحلية وطرق التعبير العامية! إنها أقوال مأثورة ثرية جدا، على سبيل المثال -وهو مهم بالنسبة سيدات القمر- عملت بجد لترجمة الأمثال العامية بطريقة لا تنقل المعنى فحسب، بل شكل المثل وتشبيهاته.

وباعتباري مترجمة أميل إلى ترك كثير من الكلمات والتعبيرات باللغة العربية، لأنني أريد للقارئ أن يجرب ثراء اللغة العربية وربما يتعلم بعض الكلمات الجديدة! وأيضا لا يوجد دائما ما يعادلها (ما يعادل الكلمات العربية من الإنجليزية)، ولكن بعد ذلك، عندما أستخدم اللغة العربية يجب أن أجد طريقة لشرح ذلك في النص دون مقاطعة القصة أو صوت النص الأصلي، وهذا ليس سهلا دائما وأعمل بجد (لتحقيقه).

]]>

حوار عمران عبدالله

مارلين بوث هو اسم لا يبدو مألوفا للقراء العرب، لكنه صار معروفا في الأوساط الأدبية، بعد أن تشاركت مع الروائية العُمانية جوخة الحارثي جائزة بوكر مان التي تقدر قيمتها بخمسين ألف جنيه إسترليني (نحو 63 ألف دولار).

وبذلك تصبح الحارثي أول روائية عربية تفوز بتلك الجائزة المرموقة، وفي الوقت ذاته تعتبر بوث أول مترجمة تفوز بالجائزة، على خلفية ترجمتها لرواية عربية هي "سيدات القمر" التي تحولت في نسختها الإنجليزية إلى "أجرام سماوية".

ويقع القارئ في أثناء الرواية بسحر القصة المشبعة بالتاريخ والثقافة العمانية، إذ تقدم الحارثي مزيجا من "الرومانسية البدوية" والتفاصيل الثرية للحياة الأسرية في مجتمع بدوي مترابط وبيئة مغلقة، لكن ورغم استهجان الوجود الحضري في الرواية، فإن غوايات وإغراءات مسقط بمبانيها ومرافقها تبدو حاضرة بقوة في الخلفية.

وكُتبت الرواية في أكثر من ستين فصلا قصيرا، ويتعرف القارئ إلى عائلة عزّان وزوجته وبناته الثلاث عبر ما يرويه أبو لندن (عبد الله)، وتقترب الرواية من مشاعر الراوي في أثناء رحلته إلى ألمانيا وزواجه من ميا، الذي لم يوافق أحلامه الرومانسية، ويحكي المعاملة القاسية التي تلقاها من والده سليمان تاجر الرقيق وقصة محظيته ظريفة.

ورغم خصوصية الرواية مكانا وزمانا، فإنها مع موضوع عالمي مثل الحب تحولت لقصة إنسانية عالمية، قادرة على نقل شخصيات المجتمع المحلي وهواجسهم وقصصهم الإنسانية، والتقت بوث والحارثي عندما كانت جوخة تدرس الدكتوراه في إدنبرة وساعدتها بوث في المراحل الأخيرة من أطروحتها بحسب ما ذكرته الحارثي للجزيرة نت في حوار سابق.

وقالت بوث التي تعمل أستاذة في دراسات العالم العربي المعاصر بجامعة أوكسفورد إنها تلقت تشجيعا من زميل لديه خبرة كبيرة في عُمان وكذلك من الجمعية الأنجلوعمانية، ووصفت ترجمتها لرواية من عُمان التي لا تعرفها جيدا ولا تدرك لغاتها ولهجاتها المحلية بأنها "تحدّ كبير"، وأجرت الجزيرة. نت هذا الحوار مع المترجمة الأميركية في أعقاب فوزها بالجائزة.

هل كنتِ تتوقعين الفوز بالجائزة؟ وكيف كان شعور الفوز بالنسبة إليكِ؟

إنه لشرف عظيم لجوخة (ولي!) وللأدب العُماني والأدب العربي بشكل عام. وآمل أن يؤدي إلى استكشاف القراء الناطقين باللغة الإنجليزية لروائع الأدب العربي الثرية عبر ترجماتها بصورة أكبر، وآمل أن يشجع ذلك الفوز الناشرين على دعم مزيد من ترجمات الأدب العربي!

وبالتأكيد لم أكن أتوقع الفوز، شعرت بكوننا جميعا في القائمة الطويلة، وبعد ذلك في القائمة القصيرة أصبحنا فائزين.

وشعرت أيضا أننا جميعا حصلنا على فرص متساوية للفوز، لأن روايات كل الكتاب كانت رائعة.

وأشعر بالتواضع الشديد في معيّة هؤلاء الكتاب والمترجمين. وبالطبع الفوز مدهش ومثير ويعطيني طاقة وحيوية لترجمة مزيد من روائع الأدب العربي.

كتبتِ أيضا عن الشاعر المصري القومي بيرم التونسي.. برأيكِ، هل يمكن أن يصل الشعر والأدب العربيان إلى العالمية؟

لقد قمت بترجمة العديد من الروايات ومجموعات القصص القصيرة. وكانت لكل تجربة تحديات مختلفة، سواء التحديات الداخلية أو التي تأتي من المجتمع الذي ينحدر منه الكُتاب، ولذلك بالنسبة لـ "سيدات القمر" كانت الجوانب التي تخص المجتمع العُماني بشكل خاص تحديا بالنسبة لي، لكن جوخة قدمت مساعدة كبيرة، حيث علمتني أشياء كثيرة. وقرأت أيضا كثيرا من الدراسات التاريخية حول تاريخ عُمان، حتى أفهم السياق بشكل أفضل.

وبخصوص بيرم التونسي فقد كان شاعرا مذهلا ووطنيا متفانيا، وكانت دراسة أعماله شرفا عظيما لي. نعم، بالتأكيد أشعر أن الشعر العربي والخيال الأدبي وكذلك السير الشخصية (التراجم) والسير الذاتية وأنواعا أخرى من الأعمال، يمكنها الوصول إلى العالمية وبلغات مختلفة.

فشعراء مثل بيرم التونسي وكُتاب روائيين مثل جوخة الحارثي وكثيرين آخرين من الشعراء والروائيين وكُتاب القصص القصيرة، يكتبون بشكل جميل من "تراثهم"، ومن بيئتهم الاجتماعية المباشرة، لكنهم بالطبع يتناولون موضوعات (ثيمات) عالمية يفكر فيها جميع البشر ويهتمون بها.

وبيرم التونسي كتب كثيرا عن الحرية السياسية والشخصية، وعن الفقر، وعن القادة والنخب الذين لا يهتمون بشعوبهم الذين رفعوهم للمواقع المرموقة، وكتب بيرم من منظور مصري ثم من منظور تونسي، وكذلك من منظور مهاجر في فرنسا، ولكنني أعتقد أن أي شخص يمكن أن يقدّر نحيبه (وصياحه) من أجل العدالة ويتغير من خلاله.

كيف قمتِ بترجمة الرواية التي توجد بها تعبيرات محلية ولهجة خاصة، حتى أن بعض العرب قد لا يعرفونها! .. أخبرينا عن تجربتكِ في تحويل سيدات القمر إلى أجرام سماوية؟

حسنا، بما أنك تعرف أنني عملت على بيرم التونسي، فيمكنك تخمين أنني أحب التعبيرات المحلية وطرق التعبير العامية! إنها أقوال مأثورة ثرية جدا، على سبيل المثال -وهو مهم بالنسبة سيدات القمر- عملت بجد لترجمة الأمثال العامية بطريقة لا تنقل المعنى فحسب، بل شكل المثل وتشبيهاته.

وباعتباري مترجمة أميل إلى ترك كثير من الكلمات والتعبيرات باللغة العربية، لأنني أريد للقارئ أن يجرب ثراء اللغة العربية وربما يتعلم بعض الكلمات الجديدة! وأيضا لا يوجد دائما ما يعادلها (ما يعادل الكلمات العربية من الإنجليزية)، ولكن بعد ذلك، عندما أستخدم اللغة العربية يجب أن أجد طريقة لشرح ذلك في النص دون مقاطعة القصة أو صوت النص الأصلي، وهذا ليس سهلا دائما وأعمل بجد (لتحقيقه).

]]>
123670
عن روايتها “سيدات القمر” : الروائية العمانية جوخة الحارثي.. أول شخصية عربية تفوز بجائزة “مان بوكر” http://www.souriyati.com/2019/05/22/123401.html Wed, 22 May 2019 11:23:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/05/22/123401.html

فازت الروائية العمانية جوخة الحارثي بجائزة "مان بوكر" البريطانية عن روايتها "سيدات القمر" التي تصف مرحلة مهمة من تاريخ سلطنة عُمان، لتكون بذلك أول شخصية عربية تفوز بهذه الجائزة التي تنافس عليها هذا العام ستة أعمال متُرجمة إلى اللغة الإنجليزية.

وستتقاسم جوخة (41 عاما) الجائزة البالغة قيمتها 50 ألف جنيه إسترليني (نحو 63.5 ألف دولار) مع الأكاديمية الأميركية مارلين بوث التي ترجمت الرواية من العربية إلى الإنجليزية.

وعن العمل الفائز، قالت رئيسة لجنة التحكيم المؤرخة والكاتبة البريطانية بيتاني هيوز إنه "عمل استحوذ على القلوب والعقول على حد سواء ويستحق التأمل"، مضيفة أن الترجمة كانت أيضا دقيقة وثرية لغويا لتمزج في إيقاعها بين الشعر واللغة الدارجة.

وتلقت لجنة تحكيم الجائزة هذا العام 108 روايات كتبت بـ25 لغة مختلفة، واختارت 13 رواية فقط للقائمة الطويلة، قبل أن تستقر على ستة فقط في القائمة القصيرة.

وبجانب الرواية الفائزة، أصدرت الكاتبة الحاصلة على الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة إدنبره روايتين ومجموعتين قصصيتين وبعض قصص الأطفال، إضافة إلى دراسات أدبية وأبحاث أكاديمية. وقد سبق لها الفوز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في مجال الرواية عام 2016.

]]>

فازت الروائية العمانية جوخة الحارثي بجائزة "مان بوكر" البريطانية عن روايتها "سيدات القمر" التي تصف مرحلة مهمة من تاريخ سلطنة عُمان، لتكون بذلك أول شخصية عربية تفوز بهذه الجائزة التي تنافس عليها هذا العام ستة أعمال متُرجمة إلى اللغة الإنجليزية.

وستتقاسم جوخة (41 عاما) الجائزة البالغة قيمتها 50 ألف جنيه إسترليني (نحو 63.5 ألف دولار) مع الأكاديمية الأميركية مارلين بوث التي ترجمت الرواية من العربية إلى الإنجليزية.

وعن العمل الفائز، قالت رئيسة لجنة التحكيم المؤرخة والكاتبة البريطانية بيتاني هيوز إنه "عمل استحوذ على القلوب والعقول على حد سواء ويستحق التأمل"، مضيفة أن الترجمة كانت أيضا دقيقة وثرية لغويا لتمزج في إيقاعها بين الشعر واللغة الدارجة.

وتلقت لجنة تحكيم الجائزة هذا العام 108 روايات كتبت بـ25 لغة مختلفة، واختارت 13 رواية فقط للقائمة الطويلة، قبل أن تستقر على ستة فقط في القائمة القصيرة.

وبجانب الرواية الفائزة، أصدرت الكاتبة الحاصلة على الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة إدنبره روايتين ومجموعتين قصصيتين وبعض قصص الأطفال، إضافة إلى دراسات أدبية وأبحاث أكاديمية. وقد سبق لها الفوز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في مجال الرواية عام 2016.

]]>
123401
الطيب تيزيني… المفكر الذي حذر مبكراً من الانفجار بكى سوريا قبل أن تبكيه http://www.souriyati.com/2019/05/19/123214.html Sun, 19 May 2019 08:26:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/05/19/123214.html عندما سقط جسده الصغير الغض في وعاء عصير الحصرم المغلي أثناء لعبه في أرض البيت العربي «غميضة»، أدرك طيب تيزيني طفل الخمس سنوات، وبينما كانت يدا شقيقه الأكبر تدفع جسده الصغير تحت مضخة الماء لتنقذه من أثر السقوط في السائل الحامض المالح الساخن، أن هناك حالة مقابلة لـ«الغميضة»، التي هي السير مغمض العينين في طريق مجهولة، هي حالة «الفتيحة»، أي السير مفتوح العينين، مبصراً ومستبصراً في طريق معلومة سلفاً، بناء على قاعدة. «التحذير» من الخطر و«الهجاء» للسبب. في عام 1997. عندما كان قسم الفلسفة بجامعة دمشق برئاسة صادق جلال العظم، يستضيف كبار المفكرين العرب للتحاور والمناظرة، أعلن عن مناظرة بين الشيخ سعيد رمضان البوطي وأستاذ الفلسفة الطيب تيزيني صاحب الأفكار اليسارية، لكن المناظرة ألغيت، لأن آلافاً من مريدي الشيخ البوطي تدفقوا إلى الجامعة واحتلوا قاعة المناظرة والأروقة وحديقة الجامعة، ومنعوا الدكتور الطيب تيزيني من الدخول. في تلك اللحظة استشعر طيب تيزيني خطر ما يمور في العمق السوري المستور. ويذكر أن رئيس الوزراء آنذاك اتصل به معتذراً عن «تعاظم قوى الظلامية على قوى التنوير، وأن الأمر سيختلف لاحقاً» وقد أجابه: «شكراً، حين يتم الأمر بروح من الحرية والديمقراطية». تلك الحادثة ستؤسس لما سيراه الطيب التزيني ويحذر منه عام 2000 بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وهو احتمال «انفجار طائفي في سوريا» سيكون له مسوغاته من دون أن يعني هذا «أنّ الشعب السوري طائفي». الانفجار حصل عام 2011. ووقف التيزيني إلى جانب الشعب السوري الذي كان يطالب بالإصلاحات الاقتصادية وإطلاق سراح المعتقلين، قبل مطالبته بإسقاط النظام، لكن الشعب الذي اندفع إلى الشارع بدا وكأنه يسير وهو بحالة الـ«غميضة»، فسرعان ما راحت الألغام تتفجر تحت خطاه. يقول تيزيني: «كانت مظاهرات تسعى إلى إعادة البناء من داخل البناء نفسه وعبر الجميع إن أمكن... خرجوا باسم مشاريع طُرِحت سابقاً ولم يُستجب لها. أتت المفاجأة بظهور السلاح»، واشتعال حرب لم تبق حجراً على حجر في سوريا. وها هي «سوريا الجريحة»، وقبل أن تجتاز زمنها الصعب، وها هي حمص المكلومة تودع ابنها البار؛ المفكر الطيب تيزيني الذي بكى بلاده قبل أن تبكيه يوم أمس البلاد، عن عمر يناهز الـ85 عاماً. حين دعي إلى طنجة في تونس عام 2015 للحديث عن «المجتمع والسلطة والدولة في مطلع القرن 21 مغرباً ومشرقاً» وعن «سوريا والإسلام» غص بالدمع وهو يحكي لمستمعيه عن سوريا التي أضحت بغالبيتها ركاماً، وعن أمله بنهضة وتجديد لا بد أنه آتٍ بعد الحرب. لم يغادر تيزيني سوريا خلال الأحداث، بل ترك دمشق عام 2012 وعاد إلى مدينته حمص التي ولد فيها عام 1934. بحي باب الدريب، في بيئة إسلامية محافظة، كان فيها منزل والده بمثابة مضافة أو ملتقى للشيوخ ورجال الدين من الطوائف الأخرى. فتفتح وعي التيزيني على تقبل الاختلاف وتعددية الآراء بتعدد المشارب الفكرية، قبل أن يسافر إلى تركيا للدراسة ومن ثم إلى بريطانيا وألمانيا، ليعود من هناك حاملاً لشهادة دكتوراه في العلوم الفلسفية. نشر عام 1971 كتابة الأول باللغة العربية: «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط»، إلا أنه قبل ذلك كان الطيب تيزيني قد انفتح عقله على مختلف التوجهات السياسية والحزبية، وبدأ بمشروعه الفكري منذ عام 1967 مع أطروحته التي أعدها للحصول على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من ألمانيا عام 1967 بعنوان «تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة»، وذلك بعد تكوينه نظرته عن الماركسية وإيمانه بأن «التاريخ لا يغفر لمن يتجاوز مرحلة فيه، ولأي اسم كان، ما حدث في روسيا أضرّ بروسيا أولاً، كما ببلدان أخرى منها العالم العربي». بعد عودته من أوروبا استقر تيزيني بمشروع دمر بدمشق ليمارس عمله استاذاً في جامعة دمشق، وكل من تتلمذ على يديه بالجامعة يحتفظ بذاكرته بصورة لأستاذ الجامعة البسيط المتواضع، بشعره الأبيض وقامته النحيلة وصوته الرصين وحقيبته الجلدية العتيقة، يركب معهم باص النقل الداخلي في القر والحر، ويمسك بالأنشوطة المتدلية من سقف الباص والمخصصة للركاب الواقفين، لحمايتهم من السقوط عند المنعطفات. كان بتواضعه الشديد مثار إعجاب طلابه. حين قابل حافظ الأسد في القصر الجمهوري، سأله الرئيس هل لديك سيارة؟ رد عليه «نعم لدي سيارة كبيرة تتسع لأربعين راكباً ولونها أخضر». ثم خرج ماشياً من القصر، علماً بأنه وصل إلى القصر بسيارة خاصة من القصر. هذه الحادثة رواها تيزيني ونشرت في الصحافة السورية بعد وفاة حافظ الأسد ضمن لقاءات مع الشخصيات التي التقت بالرئيس وذكرياتهم عنه. في عام 1998 اختارت مؤسسة كونكورديا الفلسفية الألمانية الفرنسية، الطيب التيزيني واحداً من أهم كبار المفكرين والفلاسفة العرب، في العصر الحديث. كما نشط تيزيني في مجال حقوق الإنسان عندما بدا أن سوريا قادمة على التغيير بداية عهد الرئيس بشار الأسد، وجرى انتخاب التزيني عام 2001 عضواً في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي وساهم منذ عام 2004 بتأسيس «المنظمة السورية لحقوق الإنسان» (سواسية) وشغل منصب عضو مجلس إدارتها. كما دعي للكتابة في الصحف المحلية، التي لم تحتمل كل ما كان يقوله لا سيما عن ضرورات تفكيك الدولة الأمنية. يقوم فكر تيزيني على أساسين هما: رفض فكرة الخصوصية التي تفصل الفكر والمجتمع العربيين عن بقية العالم، ونقد المركزية الغربية التي تنزع عن الفكر والمجتمع العربيين أصالتهما أو تميزهما في الإطار الإنساني الجامع. ولم تنفصل عودته إلى التراث عن نقده الحاضر وفكره وأشكال فساده المجتمعي والسياسي والثقافي وما يواجهه من تحديات عالمية حضارية. واشتد هذا الارتباط مع انهيار الاتحاد السوفياتي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي فراح يتحدث عن «النهضة» بدلاً من «الثورة» وينتقد كل ما يعوق النهضة من العولمة إلى الدولة الأمنية إلى الأصولية والإسلام السياسي. في هذه الأيام الصعبة في عالمنا العربي، التي كما يراها تيزيني «نبدو كما لو أننا نعيش في العصر الأول للحضارة السورية الذي أنتج أبجدية اللغة... أي معرفة كيف يصوغ الإنسان أدوات المعرفة لذاته وللذوات الأخرى». يترجل أحد أهم مفكري سوريا والعالم العربي ليلحق بركب زملائه الذين جمعتهم دمشق يوماً، وفي لحظة هاربة من زمن ديكتاتوريتها، وغادروا الحياة تباعاً صادق جلال العظم وجورج طرابيشي، واليوم الطيب تيزيني. من كتبه > «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط» (1971) > «حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث، الوطن العربي نموذجاً» (1971) > «من التراث إلى الثورة: حول نظرية مقترحة في التراث العربي» (1976). > «الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى» (1982) > «مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر» (ستة أجزاء (1994) > «من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي: بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية» (1996) > «النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة» (1997) > «من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني» (2002) > «من اللاهوت إلى الفلسـفة العربية الوسيطة» (2005) > «بيان في النهضة والتنوير العربي» (2005) المصدر: الشرق الأوسط]]> عندما سقط جسده الصغير الغض في وعاء عصير الحصرم المغلي أثناء لعبه في أرض البيت العربي «غميضة»، أدرك طيب تيزيني طفل الخمس سنوات، وبينما كانت يدا شقيقه الأكبر تدفع جسده الصغير تحت مضخة الماء لتنقذه من أثر السقوط في السائل الحامض المالح الساخن، أن هناك حالة مقابلة لـ«الغميضة»، التي هي السير مغمض العينين في طريق مجهولة، هي حالة «الفتيحة»، أي السير مفتوح العينين، مبصراً ومستبصراً في طريق معلومة سلفاً، بناء على قاعدة. «التحذير» من الخطر و«الهجاء» للسبب. في عام 1997. عندما كان قسم الفلسفة بجامعة دمشق برئاسة صادق جلال العظم، يستضيف كبار المفكرين العرب للتحاور والمناظرة، أعلن عن مناظرة بين الشيخ سعيد رمضان البوطي وأستاذ الفلسفة الطيب تيزيني صاحب الأفكار اليسارية، لكن المناظرة ألغيت، لأن آلافاً من مريدي الشيخ البوطي تدفقوا إلى الجامعة واحتلوا قاعة المناظرة والأروقة وحديقة الجامعة، ومنعوا الدكتور الطيب تيزيني من الدخول. في تلك اللحظة استشعر طيب تيزيني خطر ما يمور في العمق السوري المستور. ويذكر أن رئيس الوزراء آنذاك اتصل به معتذراً عن «تعاظم قوى الظلامية على قوى التنوير، وأن الأمر سيختلف لاحقاً» وقد أجابه: «شكراً، حين يتم الأمر بروح من الحرية والديمقراطية». تلك الحادثة ستؤسس لما سيراه الطيب التزيني ويحذر منه عام 2000 بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وهو احتمال «انفجار طائفي في سوريا» سيكون له مسوغاته من دون أن يعني هذا «أنّ الشعب السوري طائفي». الانفجار حصل عام 2011. ووقف التيزيني إلى جانب الشعب السوري الذي كان يطالب بالإصلاحات الاقتصادية وإطلاق سراح المعتقلين، قبل مطالبته بإسقاط النظام، لكن الشعب الذي اندفع إلى الشارع بدا وكأنه يسير وهو بحالة الـ«غميضة»، فسرعان ما راحت الألغام تتفجر تحت خطاه. يقول تيزيني: «كانت مظاهرات تسعى إلى إعادة البناء من داخل البناء نفسه وعبر الجميع إن أمكن... خرجوا باسم مشاريع طُرِحت سابقاً ولم يُستجب لها. أتت المفاجأة بظهور السلاح»، واشتعال حرب لم تبق حجراً على حجر في سوريا. وها هي «سوريا الجريحة»، وقبل أن تجتاز زمنها الصعب، وها هي حمص المكلومة تودع ابنها البار؛ المفكر الطيب تيزيني الذي بكى بلاده قبل أن تبكيه يوم أمس البلاد، عن عمر يناهز الـ85 عاماً. حين دعي إلى طنجة في تونس عام 2015 للحديث عن «المجتمع والسلطة والدولة في مطلع القرن 21 مغرباً ومشرقاً» وعن «سوريا والإسلام» غص بالدمع وهو يحكي لمستمعيه عن سوريا التي أضحت بغالبيتها ركاماً، وعن أمله بنهضة وتجديد لا بد أنه آتٍ بعد الحرب. لم يغادر تيزيني سوريا خلال الأحداث، بل ترك دمشق عام 2012 وعاد إلى مدينته حمص التي ولد فيها عام 1934. بحي باب الدريب، في بيئة إسلامية محافظة، كان فيها منزل والده بمثابة مضافة أو ملتقى للشيوخ ورجال الدين من الطوائف الأخرى. فتفتح وعي التيزيني على تقبل الاختلاف وتعددية الآراء بتعدد المشارب الفكرية، قبل أن يسافر إلى تركيا للدراسة ومن ثم إلى بريطانيا وألمانيا، ليعود من هناك حاملاً لشهادة دكتوراه في العلوم الفلسفية. نشر عام 1971 كتابة الأول باللغة العربية: «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط»، إلا أنه قبل ذلك كان الطيب تيزيني قد انفتح عقله على مختلف التوجهات السياسية والحزبية، وبدأ بمشروعه الفكري منذ عام 1967 مع أطروحته التي أعدها للحصول على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من ألمانيا عام 1967 بعنوان «تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة»، وذلك بعد تكوينه نظرته عن الماركسية وإيمانه بأن «التاريخ لا يغفر لمن يتجاوز مرحلة فيه، ولأي اسم كان، ما حدث في روسيا أضرّ بروسيا أولاً، كما ببلدان أخرى منها العالم العربي». بعد عودته من أوروبا استقر تيزيني بمشروع دمر بدمشق ليمارس عمله استاذاً في جامعة دمشق، وكل من تتلمذ على يديه بالجامعة يحتفظ بذاكرته بصورة لأستاذ الجامعة البسيط المتواضع، بشعره الأبيض وقامته النحيلة وصوته الرصين وحقيبته الجلدية العتيقة، يركب معهم باص النقل الداخلي في القر والحر، ويمسك بالأنشوطة المتدلية من سقف الباص والمخصصة للركاب الواقفين، لحمايتهم من السقوط عند المنعطفات. كان بتواضعه الشديد مثار إعجاب طلابه. حين قابل حافظ الأسد في القصر الجمهوري، سأله الرئيس هل لديك سيارة؟ رد عليه «نعم لدي سيارة كبيرة تتسع لأربعين راكباً ولونها أخضر». ثم خرج ماشياً من القصر، علماً بأنه وصل إلى القصر بسيارة خاصة من القصر. هذه الحادثة رواها تيزيني ونشرت في الصحافة السورية بعد وفاة حافظ الأسد ضمن لقاءات مع الشخصيات التي التقت بالرئيس وذكرياتهم عنه. في عام 1998 اختارت مؤسسة كونكورديا الفلسفية الألمانية الفرنسية، الطيب التيزيني واحداً من أهم كبار المفكرين والفلاسفة العرب، في العصر الحديث. كما نشط تيزيني في مجال حقوق الإنسان عندما بدا أن سوريا قادمة على التغيير بداية عهد الرئيس بشار الأسد، وجرى انتخاب التزيني عام 2001 عضواً في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي وساهم منذ عام 2004 بتأسيس «المنظمة السورية لحقوق الإنسان» (سواسية) وشغل منصب عضو مجلس إدارتها. كما دعي للكتابة في الصحف المحلية، التي لم تحتمل كل ما كان يقوله لا سيما عن ضرورات تفكيك الدولة الأمنية. يقوم فكر تيزيني على أساسين هما: رفض فكرة الخصوصية التي تفصل الفكر والمجتمع العربيين عن بقية العالم، ونقد المركزية الغربية التي تنزع عن الفكر والمجتمع العربيين أصالتهما أو تميزهما في الإطار الإنساني الجامع. ولم تنفصل عودته إلى التراث عن نقده الحاضر وفكره وأشكال فساده المجتمعي والسياسي والثقافي وما يواجهه من تحديات عالمية حضارية. واشتد هذا الارتباط مع انهيار الاتحاد السوفياتي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي فراح يتحدث عن «النهضة» بدلاً من «الثورة» وينتقد كل ما يعوق النهضة من العولمة إلى الدولة الأمنية إلى الأصولية والإسلام السياسي. في هذه الأيام الصعبة في عالمنا العربي، التي كما يراها تيزيني «نبدو كما لو أننا نعيش في العصر الأول للحضارة السورية الذي أنتج أبجدية اللغة... أي معرفة كيف يصوغ الإنسان أدوات المعرفة لذاته وللذوات الأخرى». يترجل أحد أهم مفكري سوريا والعالم العربي ليلحق بركب زملائه الذين جمعتهم دمشق يوماً، وفي لحظة هاربة من زمن ديكتاتوريتها، وغادروا الحياة تباعاً صادق جلال العظم وجورج طرابيشي، واليوم الطيب تيزيني. من كتبه > «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط» (1971) > «حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث، الوطن العربي نموذجاً» (1971) > «من التراث إلى الثورة: حول نظرية مقترحة في التراث العربي» (1976). > «الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى» (1982) > «مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر» (ستة أجزاء (1994) > «من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي: بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية» (1996) > «النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة» (1997) > «من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني» (2002) > «من اللاهوت إلى الفلسـفة العربية الوسيطة» (2005) > «بيان في النهضة والتنوير العربي» (2005) المصدر: الشرق الأوسط]]> 123214 الإعلامي عبدالله السعدي: معرض (هلا رمضان) http://www.souriyati.com/2019/05/06/122727.html Mon, 06 May 2019 14:59:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/05/06/122727.html يُقام هذا المهرجان في ولاية مرسين التركية ، في صالة البياز سراي. ويضم أنشطة ومبادرات تراثية، بما في ذلك المهرجان الحرف الذي يعرض المنتجات السورية بحضور رسمي واعلامي وجماهيري تحت مسى (أهلا رمضان) تعت رعاية وإدارة غروب ورد للمعارض و يتضمن المهرجان برنامجاً مجانياً للعامة، ويضمّ مسابقة للأطفال، مسابقات دينية وثقافية، ومن اهم المنتجات السورية وصنع القهوة العربية العجمية، وكذلك عروض الموسيقة والغناء.، يُنظّم متخصصون في فن الحرف اليدوية ورش عمل متنوعة. يُسلّط هذا المهرجان الضوء على أهمية الحرف السورية في التراث السوري، ويهدف إلى دعم الجهود التي يبذلها الحرفيون من أجل صون ثروتهم وإحيائها ونقلها إلى الأجيال القادمة. وتركز مسابقات المهرجان على إحياء مجموعة من الحرف التراثية التي كان لها دور وظيفي في الحياة القديمة، كما تشجع على الابتكار، والمحافظة على الأصالة السورية. ويُمنح الفائزون من كل مسابقة جوائز قيمة! وقالت مدير المعرض الأنسة فاتن، ان “المهرجان جاء لخدمة السوريين وتقريبهم من المنتوجات والصناعات التراثية الحرفية”. واوضحت, تضمن المعرض منتوجات متنوعة كالزخارف على الزجاج و والاحجار والحياكة اليدوية والخياطة . وأشارة الى ان عدد المشركين اكثر من 40 شركة مختلفة المجالات. واضافة ، ان ما يميز المعرض هو ان اغلب الصناعات صنعت باياد نسوية وهو دافع للمرأة السورية بشكل عام و بشكل خاص للاستفادة من تعلم حرفية العمل في هذا المجال”. تقرير وتصوير الإعلامي عبدالله السعدي المصدر: مرسن تركيا]]> يُقام هذا المهرجان في ولاية مرسين التركية ، في صالة البياز سراي. ويضم أنشطة ومبادرات تراثية، بما في ذلك المهرجان الحرف الذي يعرض المنتجات السورية بحضور رسمي واعلامي وجماهيري تحت مسى (أهلا رمضان) تعت رعاية وإدارة غروب ورد للمعارض و يتضمن المهرجان برنامجاً مجانياً للعامة، ويضمّ مسابقة للأطفال، مسابقات دينية وثقافية، ومن اهم المنتجات السورية وصنع القهوة العربية العجمية، وكذلك عروض الموسيقة والغناء.، يُنظّم متخصصون في فن الحرف اليدوية ورش عمل متنوعة. يُسلّط هذا المهرجان الضوء على أهمية الحرف السورية في التراث السوري، ويهدف إلى دعم الجهود التي يبذلها الحرفيون من أجل صون ثروتهم وإحيائها ونقلها إلى الأجيال القادمة. وتركز مسابقات المهرجان على إحياء مجموعة من الحرف التراثية التي كان لها دور وظيفي في الحياة القديمة، كما تشجع على الابتكار، والمحافظة على الأصالة السورية. ويُمنح الفائزون من كل مسابقة جوائز قيمة! وقالت مدير المعرض الأنسة فاتن، ان “المهرجان جاء لخدمة السوريين وتقريبهم من المنتوجات والصناعات التراثية الحرفية”. واوضحت, تضمن المعرض منتوجات متنوعة كالزخارف على الزجاج و والاحجار والحياكة اليدوية والخياطة . وأشارة الى ان عدد المشركين اكثر من 40 شركة مختلفة المجالات. واضافة ، ان ما يميز المعرض هو ان اغلب الصناعات صنعت باياد نسوية وهو دافع للمرأة السورية بشكل عام و بشكل خاص للاستفادة من تعلم حرفية العمل في هذا المجال”. تقرير وتصوير الإعلامي عبدالله السعدي المصدر: مرسن تركيا]]> 122727 جدل مزارع شبعا يتجدد في لبنان http://www.souriyati.com/2019/04/29/122483.html Mon, 29 Apr 2019 12:46:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/04/29/122483.html ما الذي يميز المثقفين العرب عن غيرهم من الشرائح الأخرى عند كتابتهم سيرهم الذاتية؟ أعتقد أن الإجابة عن ذلك لن تكون في قدرتهم على صياغة الأبنية السردية فحسب، وليست في اختيار الموضوعات الأكثر جدارة بالكشف، ولن تأتي في تبيان ما يمكن تأمله من تجاربهم الحياتية، إن السمة الأكثر وضوحا تتجلى في تركيز تلك الكتابات السيرية على كشف السجالات والمواقف التي لا مناص من وجودها، ولا عوض عن ذكرها؛ لتبدو مثل (إكسير الحياة) لتلك الكتابة المطبوعة بوعي ثقافي راق في التعامل مع الأقران دون إسفاف، اعتمادا على الإيمان بدور الاختلافات الفكرية لا الشخصية في صياغة الكتابة وترسيخ التلقي. تستعيد ثلاث تجارب كتابية في السيرة الذاتية لمثقفين عرب ذلك البعد السجالي السابق ذكره، وهي «الذات بين الوجود والإيجاد» للمغربي بنسالم حميش عن المركز الثقافي للكتاب 2019. و«الشاهد المشهود: سيرة ومراجعات فكرية» للفلسطيني وليد سيف عن الأهلية للنشر 2016، و«سيرة الوقت: حياة فرد... حكاية جيل» للسعودي معجب الزهراني عن المركز الثقافي للكتاب 2019. ومع أهمية هذه الكتب الثلاثة في التعبير عن مشهد الكتابة السيرية العربية المعاصر، فإن تركيزنا سينصب على السجال بوصفه بؤرة اهتمامها وأبرز مصادرها، إلى جانب ذلك الاتفاق الواضح الذي تحمله عنواناتها على ربط الخاص بالعام والفردي بالجمعي. يؤكد حميش في كتابه العلاقة المتلازمة بين مسارين اثنين: (الوجود)، المفردة المتكئة على أبعادها الصوفية والفلسفية تأثرا بعدد من روادهما، و(الإيجاد)، المفردة المفعِّلة ما تضطلع به الذات في صراعها مع الشؤون الحياتية والفكرية المختلفة، وتدعم الأول منهما إشراقات واسعة من المؤلف على شظايا الفكر الصوفي والفلسفة الوجودية المتمثلة في كتبه التي يتطرق إلى بعضها، أو الكتب الأكثر أهمية في تشكيل وعيه من كلا التيارين؛ ولذلك كان الكتاب يحمل من معظم الفنون طرائف مفيدة ومهمة. تبلورت في الجزء الأول من العمل المتصل بتفاصيل مراحل العمر المبكرة الجوانب الإبداعية المتكئة على خبرة فنية للمؤلف، وفي الجزء الآخر المتصل بالقضايا الفكرية الأبعاد السجالية المكتسبة لدى الأكاديمي الناقد، واتسمت بصياغة مواقف قطعية واضحة لا تحتمل الشك، داعما ذلك بثقافة ومعرفة واسعتين، وبخبرة وحنكة في الإدارة. ونظرا لأهمية القضايا المعالجة فإن العمل يحمل العمق المعرفي، الذي يستدعي إعادة القراءة والتفاعل معه. يستهل المؤلف بتفاصيل عن المكان وحياة أبويه، ومن ثم الانتقال إلى طفولته، وعلاقته بأسرته: الأب والأم والأخ الأكبر، وعلاقاته بفتيان الحي من حوله، ثم دراسته في المغرب وفرنسا، وزواجه، وأعماله التجارية. ويشكل هذا الجزء ثلث العمل تقريبا، غلبت عليه مرحلة الشباب الأولية. ويضم الجزء الآخر، وهو الأكثر أهمية، الجانب التكويني للمؤلف الممزوج بالفلسفة والتصوف ودرسي اللغة والهوية وغير ذلك، وتبدو السيرة هنا سيرة فكرية بامتياز شملت تناوله لأعماله الروائية وتسويغه الاشتغال على التوظيف التاريخي للرواية، وتناول شعرية الرواية وتقنياتها من زاوية نقدية. كتب المؤلف بطريقتين تلائمان المسارين اللذين أشير إليهما أعلاه، في الأول غلب جانب السرد القصصي على العمل، وكان متباعدا فيه عن الخطية (الكرونولوجية)، ولكنه ظل في إطار السرد المتصل بالقضايا المعتادة: الطفولة، الشباب، الدراسة، الزواج، العمل. كانت اللغة هنا لغة كتابة روائية ميسرة، ومتباعدة عن التكثيف المجازي. أما الآخر فقد غلب عليه السجال الذي أرغم عليه نتيجة تناوله النقدي لأعمال غيره، وكذلك حواره مع مثقفين آخرين مثل: أدونيس ويوسف زيدان وغيرهما، وكانت اللغة هنا لغة كتابة مقالية خاضعة لمبدأ إعمال الفكر، ومطارحة السجال. ويميز هذا المسار من الكتاب احتواؤه على اقتباسات من مؤلفات أخرى آمن المؤلف بأهميتها ونجاعتها في حياته. ومن سمات هذا الكتاب أنه يقدم رؤية فكرية لا تحتمل المواربة؛ فهو ممتلئ بوطنية عميقة، وقومية ناضجة، كان من أبرز أولوياته الدفاع عن حقوق الوطن والأمة المستلبة، ولذلك كانت ارتهاناته المتكررة إلى أطروحات إدوارد سعيد بوصفها مداخل منهجية لدعم أطروحته. شُيدت سيرة سيف في خطاطات نقدية وفكرية متأثرة بشخصية كاتبها، وتكمن أهميتها في كونها تمثل تاريخا مهما للقضية الفلسطينية، وتمثيلا لمعاناة أحد أبنائها وترحلهم من مكان إلى آخر، كما تشمل التركيز على الصراع العربي الإسرائيلي ومراوحاته بين الهزائم والصلح، وكتبت في جانبها البنائي في قوالب سردية امتزجت برؤى نقدية تعالج قضايا متصلة بالشعر والقص والدراما، وأخرى فكرية سجالية تتصل بمراجعات تستند إلى التاريخ والدين والأنثروبولوجيا، وتطمح إلى معالجة مشكلات وجودية يعاني منها الإنسان العربي في واقعه وعلاقاته بالآخر، ولعل أبرز ملامح هذه السيرة في بنائها السردي عدم انتظام زمنها، وتنوع الضمائر وكثرة الاسترجاعات، وإشراكها القارئ بوصفه حاضرا في مقاطع منه، ومحاولة فرض حياديتها، من جانب المؤلف، في أقل تقدير، ويحسب لهذا العمل استحضاره الدائم للقارئ ومخاطبته مباشرة، بوصف ذلك أحد مداخل الإقناع لا سيما في القضايا السجالية المطروقة. كتب العمل بلغة أدبية تستلهم روافد إبداعية أربعة، شكلت شخصية المؤلف وهي: الشعر، والدراما، والسينما، واللغة البحثية الأكاديمية؛ فكان الشعر متناسبا مع كتابات متصلة بموضوعات عاطفية كالحب والوطن، وكانت الأكاديمية مناسبة للكتابات المتصلة بالجانب العلمي والتحليلي، وكانت الدراما والسينما مؤثرتين في وصف الأماكن وتفاصيلها. في كتابة شفافة يقدم الزهراني سيرته الذاتية؛ إذ لم يشغله البناء التقليدي فيها، ولكنه حرص على تقديم نفسه من نافذتين: إحداهما شخصية، والأخرى فكرية، وبدت الأخيرة أكثر حضورا؛ ويرتهن ذلك إلى أن المؤلف أراد أن يقدم نفسه من النافذة التي عُرف بها، وهي الغالبة على الكتاب، ولعل ما يميز هذه السيرة عن سابقتيها جرأتها على الكشف في كلتا النافذتين المستهدفتين. جاء العمل مزيجا من سيرة بسيطة وسيرة فكرية بدت أكثر عمقا، وفي كلتيهما تجلت محطات سجالية، استهلت بالشخصي ومن ثم الانتقال إلى حكاية جيله وسجالاته المعروفة مع التيارات المناوئة؛ على سبيل المثال: كان الجزء المتصل بالجامعة بيانا عن تجربة شهدها الزهراني مع أكاديميين بارزين ضد مواقف تيار متشدد حاول السيطرة على البيئة الأكاديمية وإخضاعها، إلى جانب إشارات وآراء نقدية متصلة بتجارب عربية معروفة، وقد ولدت تلك الإشارات نتيجة بذور سجالية سابقة؛ لكنها قُدمت في لغة أدبية سلسة لا تخلو من طرافة أحيانا. ولعلنا هنا نعود لنؤكد أن الخطاب السجالي في سير المثقفين الذاتية كان حاضرا بقوة منذ القرن الماضي، إلا أن تلك الأعمال الثلاثة أوصلت ذلك الخطاب إلى ذروة مرحلة نضج تتباعد عن الادعاء والتمويه، وتنتمي إلى جيل استجاب لهموم الفكر وسلطة الإبداع. د. معجب العدواني - كاتب سعودي المصدر: الشرق الأوسط]]> ما الذي يميز المثقفين العرب عن غيرهم من الشرائح الأخرى عند كتابتهم سيرهم الذاتية؟ أعتقد أن الإجابة عن ذلك لن تكون في قدرتهم على صياغة الأبنية السردية فحسب، وليست في اختيار الموضوعات الأكثر جدارة بالكشف، ولن تأتي في تبيان ما يمكن تأمله من تجاربهم الحياتية، إن السمة الأكثر وضوحا تتجلى في تركيز تلك الكتابات السيرية على كشف السجالات والمواقف التي لا مناص من وجودها، ولا عوض عن ذكرها؛ لتبدو مثل (إكسير الحياة) لتلك الكتابة المطبوعة بوعي ثقافي راق في التعامل مع الأقران دون إسفاف، اعتمادا على الإيمان بدور الاختلافات الفكرية لا الشخصية في صياغة الكتابة وترسيخ التلقي. تستعيد ثلاث تجارب كتابية في السيرة الذاتية لمثقفين عرب ذلك البعد السجالي السابق ذكره، وهي «الذات بين الوجود والإيجاد» للمغربي بنسالم حميش عن المركز الثقافي للكتاب 2019. و«الشاهد المشهود: سيرة ومراجعات فكرية» للفلسطيني وليد سيف عن الأهلية للنشر 2016، و«سيرة الوقت: حياة فرد... حكاية جيل» للسعودي معجب الزهراني عن المركز الثقافي للكتاب 2019. ومع أهمية هذه الكتب الثلاثة في التعبير عن مشهد الكتابة السيرية العربية المعاصر، فإن تركيزنا سينصب على السجال بوصفه بؤرة اهتمامها وأبرز مصادرها، إلى جانب ذلك الاتفاق الواضح الذي تحمله عنواناتها على ربط الخاص بالعام والفردي بالجمعي. يؤكد حميش في كتابه العلاقة المتلازمة بين مسارين اثنين: (الوجود)، المفردة المتكئة على أبعادها الصوفية والفلسفية تأثرا بعدد من روادهما، و(الإيجاد)، المفردة المفعِّلة ما تضطلع به الذات في صراعها مع الشؤون الحياتية والفكرية المختلفة، وتدعم الأول منهما إشراقات واسعة من المؤلف على شظايا الفكر الصوفي والفلسفة الوجودية المتمثلة في كتبه التي يتطرق إلى بعضها، أو الكتب الأكثر أهمية في تشكيل وعيه من كلا التيارين؛ ولذلك كان الكتاب يحمل من معظم الفنون طرائف مفيدة ومهمة. تبلورت في الجزء الأول من العمل المتصل بتفاصيل مراحل العمر المبكرة الجوانب الإبداعية المتكئة على خبرة فنية للمؤلف، وفي الجزء الآخر المتصل بالقضايا الفكرية الأبعاد السجالية المكتسبة لدى الأكاديمي الناقد، واتسمت بصياغة مواقف قطعية واضحة لا تحتمل الشك، داعما ذلك بثقافة ومعرفة واسعتين، وبخبرة وحنكة في الإدارة. ونظرا لأهمية القضايا المعالجة فإن العمل يحمل العمق المعرفي، الذي يستدعي إعادة القراءة والتفاعل معه. يستهل المؤلف بتفاصيل عن المكان وحياة أبويه، ومن ثم الانتقال إلى طفولته، وعلاقته بأسرته: الأب والأم والأخ الأكبر، وعلاقاته بفتيان الحي من حوله، ثم دراسته في المغرب وفرنسا، وزواجه، وأعماله التجارية. ويشكل هذا الجزء ثلث العمل تقريبا، غلبت عليه مرحلة الشباب الأولية. ويضم الجزء الآخر، وهو الأكثر أهمية، الجانب التكويني للمؤلف الممزوج بالفلسفة والتصوف ودرسي اللغة والهوية وغير ذلك، وتبدو السيرة هنا سيرة فكرية بامتياز شملت تناوله لأعماله الروائية وتسويغه الاشتغال على التوظيف التاريخي للرواية، وتناول شعرية الرواية وتقنياتها من زاوية نقدية. كتب المؤلف بطريقتين تلائمان المسارين اللذين أشير إليهما أعلاه، في الأول غلب جانب السرد القصصي على العمل، وكان متباعدا فيه عن الخطية (الكرونولوجية)، ولكنه ظل في إطار السرد المتصل بالقضايا المعتادة: الطفولة، الشباب، الدراسة، الزواج، العمل. كانت اللغة هنا لغة كتابة روائية ميسرة، ومتباعدة عن التكثيف المجازي. أما الآخر فقد غلب عليه السجال الذي أرغم عليه نتيجة تناوله النقدي لأعمال غيره، وكذلك حواره مع مثقفين آخرين مثل: أدونيس ويوسف زيدان وغيرهما، وكانت اللغة هنا لغة كتابة مقالية خاضعة لمبدأ إعمال الفكر، ومطارحة السجال. ويميز هذا المسار من الكتاب احتواؤه على اقتباسات من مؤلفات أخرى آمن المؤلف بأهميتها ونجاعتها في حياته. ومن سمات هذا الكتاب أنه يقدم رؤية فكرية لا تحتمل المواربة؛ فهو ممتلئ بوطنية عميقة، وقومية ناضجة، كان من أبرز أولوياته الدفاع عن حقوق الوطن والأمة المستلبة، ولذلك كانت ارتهاناته المتكررة إلى أطروحات إدوارد سعيد بوصفها مداخل منهجية لدعم أطروحته. شُيدت سيرة سيف في خطاطات نقدية وفكرية متأثرة بشخصية كاتبها، وتكمن أهميتها في كونها تمثل تاريخا مهما للقضية الفلسطينية، وتمثيلا لمعاناة أحد أبنائها وترحلهم من مكان إلى آخر، كما تشمل التركيز على الصراع العربي الإسرائيلي ومراوحاته بين الهزائم والصلح، وكتبت في جانبها البنائي في قوالب سردية امتزجت برؤى نقدية تعالج قضايا متصلة بالشعر والقص والدراما، وأخرى فكرية سجالية تتصل بمراجعات تستند إلى التاريخ والدين والأنثروبولوجيا، وتطمح إلى معالجة مشكلات وجودية يعاني منها الإنسان العربي في واقعه وعلاقاته بالآخر، ولعل أبرز ملامح هذه السيرة في بنائها السردي عدم انتظام زمنها، وتنوع الضمائر وكثرة الاسترجاعات، وإشراكها القارئ بوصفه حاضرا في مقاطع منه، ومحاولة فرض حياديتها، من جانب المؤلف، في أقل تقدير، ويحسب لهذا العمل استحضاره الدائم للقارئ ومخاطبته مباشرة، بوصف ذلك أحد مداخل الإقناع لا سيما في القضايا السجالية المطروقة. كتب العمل بلغة أدبية تستلهم روافد إبداعية أربعة، شكلت شخصية المؤلف وهي: الشعر، والدراما، والسينما، واللغة البحثية الأكاديمية؛ فكان الشعر متناسبا مع كتابات متصلة بموضوعات عاطفية كالحب والوطن، وكانت الأكاديمية مناسبة للكتابات المتصلة بالجانب العلمي والتحليلي، وكانت الدراما والسينما مؤثرتين في وصف الأماكن وتفاصيلها. في كتابة شفافة يقدم الزهراني سيرته الذاتية؛ إذ لم يشغله البناء التقليدي فيها، ولكنه حرص على تقديم نفسه من نافذتين: إحداهما شخصية، والأخرى فكرية، وبدت الأخيرة أكثر حضورا؛ ويرتهن ذلك إلى أن المؤلف أراد أن يقدم نفسه من النافذة التي عُرف بها، وهي الغالبة على الكتاب، ولعل ما يميز هذه السيرة عن سابقتيها جرأتها على الكشف في كلتا النافذتين المستهدفتين. جاء العمل مزيجا من سيرة بسيطة وسيرة فكرية بدت أكثر عمقا، وفي كلتيهما تجلت محطات سجالية، استهلت بالشخصي ومن ثم الانتقال إلى حكاية جيله وسجالاته المعروفة مع التيارات المناوئة؛ على سبيل المثال: كان الجزء المتصل بالجامعة بيانا عن تجربة شهدها الزهراني مع أكاديميين بارزين ضد مواقف تيار متشدد حاول السيطرة على البيئة الأكاديمية وإخضاعها، إلى جانب إشارات وآراء نقدية متصلة بتجارب عربية معروفة، وقد ولدت تلك الإشارات نتيجة بذور سجالية سابقة؛ لكنها قُدمت في لغة أدبية سلسة لا تخلو من طرافة أحيانا. ولعلنا هنا نعود لنؤكد أن الخطاب السجالي في سير المثقفين الذاتية كان حاضرا بقوة منذ القرن الماضي، إلا أن تلك الأعمال الثلاثة أوصلت ذلك الخطاب إلى ذروة مرحلة نضج تتباعد عن الادعاء والتمويه، وتنتمي إلى جيل استجاب لهموم الفكر وسلطة الإبداع. د. معجب العدواني - كاتب سعودي المصدر: الشرق الأوسط]]> 122483 حليمة : مقتطفات من المجموعة القصصية للدكتورة جميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) http://www.souriyati.com/2019/04/18/122028.html Thu, 18 Apr 2019 15:03:08 +0000 http://www.souriyati.com/?p=122028 حليمة تقول حليمة: "أكره الروائح. أتمنى أحياناً، لو أنني فقدت حاسة الشم، وان يصاب أنفي بداء ما يعطل عمله. منذ ذلك اليوم حين اقتحمت منزلنا ثلة من الجنود يتقدمهم ضابط مسؤول تابع للنظام، عاثوا بنا ضربا وقتلا واغتصابا. منذ تلك الليلة وأنا اتنشق رائحة واحدة سيطرت على وجودي، وباتت دليلاً دائماً على إذلالي واغتصابي بعد ضرب مبرح. الرائحة المنبعثة من بقع العرق، التي جفت على أجزاء البدلة العسكرية، التي كان يرتديها ذلك الجندي الضخم، تخرج لي من كل مكان، تقيّدني، تحاصرني، تشل تفكيري، وتحوّلني إلى مستعبدة مسلوبة الإرادة. عندما همّ الجندي على اغتصابي بعد أن امره قائده بذلك، أمسك بشعري ومرّر أنفي على ثيابه، لم أُدرك لحظتها دلالة ذلك الفعل، لكن بعد استعادة ذكرى ما حصل، مرات متكررة، فهمت أن الجندي أراد أن يهزمني برائحته ويترك علامة لا تُمحى عن العار الذي سببه لي. منذ دخولهم المنزل، رمقني قائد المجموعة بنظرة حادّة أرعبتني، وأشعرتني أنني قد أكون أداة انتقام. تكرّرت النظرة بعد كل سؤال عن شبان مسلحين ينتمون للجيش الحرّ الذين اتُهمنا بالتستر عليهم. فتشوا البيت وهددونا بهدمه، قيّدوا أخي البالغ من العمر سبعة عشر عاماً. رموه في الزاوية، إنهالوا على أبي ضرباً وشتماً. كنا، أمي وأنا نرتجف خوفاً، تصطك اسناننا، نحضن بعضناً بعضاً، عندما شدني الضابط من شعري وأمر أحد جنوده باغتصابي للضغط على والدي كي يعترف عن مكان المسلحين الذي نجهله تماماً. أكثر فأكثر، اقتربت الرائحة مني،. استخدم الجندي عضوه ويديه ورائحته، لاتمام فعلته، بسرعة مذهلة تدل على تمرسه وتجاربه الكثيرة في الاغتصاب، ثبّت يدي، وجندي اخر مزق بنطالي وملابسي الداخلية. صرخ ابي وفقد صوابه، هجم على الجندي وراح يضربه و يبصق في وجهه، فما كان من الأخير سوى ركله وأطلاق جندي آخر النار عليه محولا قامته إلى جثة هامدة. وفيما أخي، صرخ بعنف "يا كلاب ... اقتلوني ولا تفعلوا هذا باختي"، جرّوه إلى الخارج، بينما راحت أمي تتوسلهم باكية أن يعفوا عنه، وان يتركوني وشأني ، ركلها الضابط بحذائه على خاصرتها. صرخات أخي، وأنفاس أبي الأخيرة، دموع أمي، اختلطت مع الألم الذي أحدثه الجندي في جسدي. اغتصبني كأنه يرمي على جبهة، ويفرغ رصاصاته بعنف ليقتل عدواً بدم بارد، العرق النتن الذي ازداد على جبهته ضاعف من الرائحة. رائحة الخزي التي لن تفارق انفي إلى الأبد. تخشب جسمي، بت أقرب الى جماد، من دون ملامح أو انفعالات، انفصلت عن أحاسيسي تماماً، لم أشعر ببقية الجنود الذين تناوبوا على اغتصابي، تخدرت، وفقدت ارتباطي بالمكان والزمان. أصبحت أسيرة رائحة، من دون أب. من دون اخ ، ومع أم تائهة افقدتها الصدمة صوابها. بعد مغادرة الجنود، قام من تبقى من العائلة وبمساعدة الجيران بدفن أبي، من دون أن ندرك أن فقدانه سيكون بداية لفقدان سيتكرر مرة أخرى لا تقل مرارة عن سابقتها. لاحقتنا الحرب بعد انتقالنا إلى قرية صغيرة قريبة، ما دفعنا إلى الهرب مجددا الى مكان ابعد. بقينا هناك أياماً ولم يكن الوضع أفضل حالا من مكاننا السابق، قصف عنيف وقذائف تتساقط كالمطر، المباني تحترق، والناس تخشى التجوال خوفاً من رصاص القناصة. هو الجحيم يتكرر معنا بأشكال مختلفة، قُتلت أختي ذات السبع سنوات، سقطت مضرجة بدمائها بعد أن أصيبت بشظايا برميل سقط قرب سكننا. عادت رائحة الجندي تزكم أنفي من جديد، شعرت أنني اغتصب مرة أخرى. أختي صاحبة الجسد الطري والكلمات العفوية، كانت تنسل كل ليلة إلى سريري، باتت جثة. أصبح لدينا مدفنان، واحد لأبي في مسقط رأسنا، وآخر لأختي في مكان النزوح. إنها خارطة أوجاعنا تكبر وتتمدد هنا وهناك. تغريبتنا تواصلت. هذه المرة خرجنا من سوريا كلها، قصدنا لبنان، وبعد رحلة شاقة وصلنا الى منطقة الشمال. وفي كاراج سيارات ساعدنا أحد الأشخاص في الحصول عليه، اصبح مسكننا الجديد، مكان بارد ورطب وغير قابل للحياة، مع ذلك بقينا فيه عاما كاملا، إلى أن عادت تعويذة الحرب إلى ملاحقتنا. اندلعت اشتباكات طرابلس، ولأن الكاراج قريب من خطوط التماس، طالنا القصف. لم يكن في ذهننا هذه المرة اي مكان نهرب إليه، وعلى عجل غادرنا إلى بيروت، وتحت ما يسمى بجسر الكولا الشهير جلسنا في العراء. كانت رائحة الجندي الذي اغتصبني تملأ الفضاء حولي، أو على الأقل هكذا كنت أشم. الناس جميعهم ينظرون نحونا يخترقون أجسادنا، شعرت بخوف رهيب، لم أغمض عيني لحظة واحدة، تكورت على نفسي في زاوية، متحسسة كل جزء في جسدي. كنا ضحية اغتصاب العيون. نظرات المارة تدقق في خصوصياتنا وتنتهكنا على مهل ومن دون رادع، نحن العائلة المرمية في الشارع، المشردة، الضعيفة، والخائفة. رحت أفكر هل سندفن أحدنا في هذا المكان ايضاً، لكن كيف سيكون القبر في الشارع..؟!!، مؤكد لن يسمحوا لنا بذلك. وصار عقلي عبارة عن مقبرة .... ورائحة. الصدفة وحدها كانت سببا في التعرف الى رجل طيب، طلب منا أن ننتقل الى منزله، مقابل التكفل برعاية أمه العجوز، وتنظيف المنزل والاهتمام بالحديقة. هناك، صارت حياتنا أقل اضطراباً من الناحية المكانية، عشنا في غرفة واسعة قياساً لما حصل لنا. لكن الألم والخوف بقيا جزءا من يومياتنا. الأحداث التي مرّت بنا سيطرت علينا، بتنا أسرى ماضينا القريب، الذي يتحكم بانفعالاتنا ورغباتنا وأحلامنا وأسلوب عيشنا. الماضي الذي حوّل أمي إلى امرأة هشة لا تعي شيئا سوى الصراخ والبكاء، نستيقظ ليلاً على ندبها وكلماتها غير المفهومة، أو على تضرعها الى الله كي يأخذها. كانت تصلي فقط من أجل ان يستجيب الله لموتها، أرادت أن تتخلص من الماضي بمغادرة الحاضر. اختارت علاجاً خاصاً للأوضاع التي تنهش داخلها، الصلاة والدعاء. كنت أشعر براحة عميقة حين استمع إلى ابتهالاتها وهي متشحة بالبياض تركع على سجادة الصلاة، راحة تعطل حاسة الشم عندي، تمنحني وقتاً قليلاً بأن أحيا من دون رائحة مغتصبي. صلاة أمي كانت السلاح الوحيد ضد رائحة الجندي التي لم تفارقني. ظلت تفوح من كل الأماكن وكل الأشخاص، أحياناً كنت أفرك جسدي كالمجنونة خلال الحمام، علني أزيل الرائحة، يتقشر الجلد وينزّ الدم، ولكن من دون نتيجة. علاقتي بجسدي تقوم على الكراهية، أمر بسرعة قرب المرآة خشية أن ألمح جزءا ما. أرتدي ثيابا سميكة حتى في الصيف، كي اردع الخارج. اتحاشى نظرات الرجال، بت أراهم جميعهم ببدلات عسكرية. في إحدى الصباحات، على غير عادتها لم تكن أمي على سجادة الصلاة، أمضت الليلة الماضية وهي تهجس بسيرة أبي، وأخي المعتقل، وأختي التي قتلت جراء قصف نظام البراميل. كانت تردد أسماء الثلاثة، تستعيدهم على مهل، تضع كلمة حبيبي قبل كل اسم، تتخيلهم أمامها تمسد شعورهم، تغني لهم. نامت تلك الليلة، وقربها جثتين، وجسد يتعذب في معتقل. هززنا جسدها مراراً رافضين تصديق أنها فارقتنا، كان وجهها أبيض، تبتسم ببراءة، وتشع بنور غريب..". وتختتم حليمة حديثها قائلة: " بعد موت أمي، افتقدت صلاتها، تلك المساحة التي كانت تخلصني من الرائحة. الآن استسلمت كلياً لهذه الأخيرة، أصبحت أسيرتها لا أشمها فقط، أتذوقها و اتحسسها وأراها..".  
مقتطفات من المجموعة القصصية للدكتورة جميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان
]]>
حليمة تقول حليمة: "أكره الروائح. أتمنى أحياناً، لو أنني فقدت حاسة الشم، وان يصاب أنفي بداء ما يعطل عمله. منذ ذلك اليوم حين اقتحمت منزلنا ثلة من الجنود يتقدمهم ضابط مسؤول تابع للنظام، عاثوا بنا ضربا وقتلا واغتصابا. منذ تلك الليلة وأنا اتنشق رائحة واحدة سيطرت على وجودي، وباتت دليلاً دائماً على إذلالي واغتصابي بعد ضرب مبرح. الرائحة المنبعثة من بقع العرق، التي جفت على أجزاء البدلة العسكرية، التي كان يرتديها ذلك الجندي الضخم، تخرج لي من كل مكان، تقيّدني، تحاصرني، تشل تفكيري، وتحوّلني إلى مستعبدة مسلوبة الإرادة. عندما همّ الجندي على اغتصابي بعد أن امره قائده بذلك، أمسك بشعري ومرّر أنفي على ثيابه، لم أُدرك لحظتها دلالة ذلك الفعل، لكن بعد استعادة ذكرى ما حصل، مرات متكررة، فهمت أن الجندي أراد أن يهزمني برائحته ويترك علامة لا تُمحى عن العار الذي سببه لي. منذ دخولهم المنزل، رمقني قائد المجموعة بنظرة حادّة أرعبتني، وأشعرتني أنني قد أكون أداة انتقام. تكرّرت النظرة بعد كل سؤال عن شبان مسلحين ينتمون للجيش الحرّ الذين اتُهمنا بالتستر عليهم. فتشوا البيت وهددونا بهدمه، قيّدوا أخي البالغ من العمر سبعة عشر عاماً. رموه في الزاوية، إنهالوا على أبي ضرباً وشتماً. كنا، أمي وأنا نرتجف خوفاً، تصطك اسناننا، نحضن بعضناً بعضاً، عندما شدني الضابط من شعري وأمر أحد جنوده باغتصابي للضغط على والدي كي يعترف عن مكان المسلحين الذي نجهله تماماً. أكثر فأكثر، اقتربت الرائحة مني،. استخدم الجندي عضوه ويديه ورائحته، لاتمام فعلته، بسرعة مذهلة تدل على تمرسه وتجاربه الكثيرة في الاغتصاب، ثبّت يدي، وجندي اخر مزق بنطالي وملابسي الداخلية. صرخ ابي وفقد صوابه، هجم على الجندي وراح يضربه و يبصق في وجهه، فما كان من الأخير سوى ركله وأطلاق جندي آخر النار عليه محولا قامته إلى جثة هامدة. وفيما أخي، صرخ بعنف "يا كلاب ... اقتلوني ولا تفعلوا هذا باختي"، جرّوه إلى الخارج، بينما راحت أمي تتوسلهم باكية أن يعفوا عنه، وان يتركوني وشأني ، ركلها الضابط بحذائه على خاصرتها. صرخات أخي، وأنفاس أبي الأخيرة، دموع أمي، اختلطت مع الألم الذي أحدثه الجندي في جسدي. اغتصبني كأنه يرمي على جبهة، ويفرغ رصاصاته بعنف ليقتل عدواً بدم بارد، العرق النتن الذي ازداد على جبهته ضاعف من الرائحة. رائحة الخزي التي لن تفارق انفي إلى الأبد. تخشب جسمي، بت أقرب الى جماد، من دون ملامح أو انفعالات، انفصلت عن أحاسيسي تماماً، لم أشعر ببقية الجنود الذين تناوبوا على اغتصابي، تخدرت، وفقدت ارتباطي بالمكان والزمان. أصبحت أسيرة رائحة، من دون أب. من دون اخ ، ومع أم تائهة افقدتها الصدمة صوابها. بعد مغادرة الجنود، قام من تبقى من العائلة وبمساعدة الجيران بدفن أبي، من دون أن ندرك أن فقدانه سيكون بداية لفقدان سيتكرر مرة أخرى لا تقل مرارة عن سابقتها. لاحقتنا الحرب بعد انتقالنا إلى قرية صغيرة قريبة، ما دفعنا إلى الهرب مجددا الى مكان ابعد. بقينا هناك أياماً ولم يكن الوضع أفضل حالا من مكاننا السابق، قصف عنيف وقذائف تتساقط كالمطر، المباني تحترق، والناس تخشى التجوال خوفاً من رصاص القناصة. هو الجحيم يتكرر معنا بأشكال مختلفة، قُتلت أختي ذات السبع سنوات، سقطت مضرجة بدمائها بعد أن أصيبت بشظايا برميل سقط قرب سكننا. عادت رائحة الجندي تزكم أنفي من جديد، شعرت أنني اغتصب مرة أخرى. أختي صاحبة الجسد الطري والكلمات العفوية، كانت تنسل كل ليلة إلى سريري، باتت جثة. أصبح لدينا مدفنان، واحد لأبي في مسقط رأسنا، وآخر لأختي في مكان النزوح. إنها خارطة أوجاعنا تكبر وتتمدد هنا وهناك. تغريبتنا تواصلت. هذه المرة خرجنا من سوريا كلها، قصدنا لبنان، وبعد رحلة شاقة وصلنا الى منطقة الشمال. وفي كاراج سيارات ساعدنا أحد الأشخاص في الحصول عليه، اصبح مسكننا الجديد، مكان بارد ورطب وغير قابل للحياة، مع ذلك بقينا فيه عاما كاملا، إلى أن عادت تعويذة الحرب إلى ملاحقتنا. اندلعت اشتباكات طرابلس، ولأن الكاراج قريب من خطوط التماس، طالنا القصف. لم يكن في ذهننا هذه المرة اي مكان نهرب إليه، وعلى عجل غادرنا إلى بيروت، وتحت ما يسمى بجسر الكولا الشهير جلسنا في العراء. كانت رائحة الجندي الذي اغتصبني تملأ الفضاء حولي، أو على الأقل هكذا كنت أشم. الناس جميعهم ينظرون نحونا يخترقون أجسادنا، شعرت بخوف رهيب، لم أغمض عيني لحظة واحدة، تكورت على نفسي في زاوية، متحسسة كل جزء في جسدي. كنا ضحية اغتصاب العيون. نظرات المارة تدقق في خصوصياتنا وتنتهكنا على مهل ومن دون رادع، نحن العائلة المرمية في الشارع، المشردة، الضعيفة، والخائفة. رحت أفكر هل سندفن أحدنا في هذا المكان ايضاً، لكن كيف سيكون القبر في الشارع..؟!!، مؤكد لن يسمحوا لنا بذلك. وصار عقلي عبارة عن مقبرة .... ورائحة. الصدفة وحدها كانت سببا في التعرف الى رجل طيب، طلب منا أن ننتقل الى منزله، مقابل التكفل برعاية أمه العجوز، وتنظيف المنزل والاهتمام بالحديقة. هناك، صارت حياتنا أقل اضطراباً من الناحية المكانية، عشنا في غرفة واسعة قياساً لما حصل لنا. لكن الألم والخوف بقيا جزءا من يومياتنا. الأحداث التي مرّت بنا سيطرت علينا، بتنا أسرى ماضينا القريب، الذي يتحكم بانفعالاتنا ورغباتنا وأحلامنا وأسلوب عيشنا. الماضي الذي حوّل أمي إلى امرأة هشة لا تعي شيئا سوى الصراخ والبكاء، نستيقظ ليلاً على ندبها وكلماتها غير المفهومة، أو على تضرعها الى الله كي يأخذها. كانت تصلي فقط من أجل ان يستجيب الله لموتها، أرادت أن تتخلص من الماضي بمغادرة الحاضر. اختارت علاجاً خاصاً للأوضاع التي تنهش داخلها، الصلاة والدعاء. كنت أشعر براحة عميقة حين استمع إلى ابتهالاتها وهي متشحة بالبياض تركع على سجادة الصلاة، راحة تعطل حاسة الشم عندي، تمنحني وقتاً قليلاً بأن أحيا من دون رائحة مغتصبي. صلاة أمي كانت السلاح الوحيد ضد رائحة الجندي التي لم تفارقني. ظلت تفوح من كل الأماكن وكل الأشخاص، أحياناً كنت أفرك جسدي كالمجنونة خلال الحمام، علني أزيل الرائحة، يتقشر الجلد وينزّ الدم، ولكن من دون نتيجة. علاقتي بجسدي تقوم على الكراهية، أمر بسرعة قرب المرآة خشية أن ألمح جزءا ما. أرتدي ثيابا سميكة حتى في الصيف، كي اردع الخارج. اتحاشى نظرات الرجال، بت أراهم جميعهم ببدلات عسكرية. في إحدى الصباحات، على غير عادتها لم تكن أمي على سجادة الصلاة، أمضت الليلة الماضية وهي تهجس بسيرة أبي، وأخي المعتقل، وأختي التي قتلت جراء قصف نظام البراميل. كانت تردد أسماء الثلاثة، تستعيدهم على مهل، تضع كلمة حبيبي قبل كل اسم، تتخيلهم أمامها تمسد شعورهم، تغني لهم. نامت تلك الليلة، وقربها جثتين، وجسد يتعذب في معتقل. هززنا جسدها مراراً رافضين تصديق أنها فارقتنا، كان وجهها أبيض، تبتسم ببراءة، وتشع بنور غريب..". وتختتم حليمة حديثها قائلة: " بعد موت أمي، افتقدت صلاتها، تلك المساحة التي كانت تخلصني من الرائحة. الآن استسلمت كلياً لهذه الأخيرة، أصبحت أسيرتها لا أشمها فقط، أتذوقها و اتحسسها وأراها..".  
مقتطفات من المجموعة القصصية للدكتورة جميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان
]]>
122028
عن حريق كاتدرائية نوتردام / نائل بلعاوي اهمية نوتردام تعود إلى فيكتور هوغو إلى ألاحدب كوازيمودو http://www.souriyati.com/2019/04/16/121965.html Tue, 16 Apr 2019 15:26:23 +0000 http://www.souriyati.com/?p=121965
 
Nael Balawi
 
لم تكن نوتردام هي الاجمل معمارياً من بين شقيقاتها القوطيات المنتشرات بكثرة في حواضر القارة العجوز ، وقد تكون ألاقل قيمة فنية من بينهن . ولم تكن ألابنة ألاولى لذلك الطراز القوطي الاوروبي المرصع بملامح العمارة ألاسلامية وتأثيراتها البينة { الاقواس المركزية في الداخل والخارج تحديداً } ، هناك كاتدرائية صغيرة في حي سانت دينيس الباريسي سبقتها اليه . وقد اجازف قليلا أو كثيراً ، وهذا مجرد رأي غير علمي لشخص مر بالكثير الكثير من كاتدرائيات القارة ، حين أقول : تتفوق كاتدرائية شتيفان في قلب فيينا جمالياً على نوتردام . تتفوق كاتدرائية كولونيا الالمانية عليها . وكذلك تفعل كاتدرائية براغ ، او ويلز البريطانية ، والمذكورات قوطيات الطراز . وماذا تكون نوتردام ، هندسة وجمالاً ، أمام كاتدرائية ساغرادا فاميليا ، العائلة المقدسة ، إلتي ابدعها العبقري غادوي في برشلونه ، مع أنها لم تكتمل جراء وفاته ولم تكن قوطية كذلك ؟ لعل نوتردام إلتي احترقت هي الاقل جمالاً في الحقل المعماري الفاتن ذاك ، ولكنها ألاهم فيه ، بل هي الآهم .. وأظن أن أهميتها لا تجيء ، وفقط ، من كونها تقوم في باريس ، وعن باريس يمكن مسائلة الوعي الجمعي لسكان المعمورة وحضور المدينة الباذخ فيه . وهي لا تجيء عبر ألاحداث التاريخية الكبيرة إلتي دارت فيها ومن حولها ، فهناك الكثبر من ألاحداث الشبيهة والهامة إلتي شهدتها كاتدرائيات القارة .. أجازف مرة أخرى ، وقد لا أفعل ، وأقول : اهمية نوتردام تعود إلى فيكتور هوغو ، إلى ألاحدب كوازيمودو ، إلى ازميرالدا الفاتنة ، وإلى ذلك ألاحساس الفذ بالعدالة ألذي عبرت عنه الرواية العظيمة وهي تكشف عن الجمالي الكامن عميقاً في سريرة ألاحدب { القبيح } خارجياً ، كما هو كامن في الروح العذبة لمعشوقته صعبة المنال ، لتكون العذوبة مشتركة وواحدة في الحالتين ، وبصرف النظر عن مفاتن الراقصة الغجرية ، ازميرالدا ، أو التشوهات الخلقية الخارجية لقارع الاجراس في نوتردام ، كوازيمودو . نوتردام ذاكرة ادبية ، ضمير عدالة كونية لا يحترق ولا يموت ، قد تطيح النيران بأبراجها وأقواسها وبعض جدرانها ، وقد تفقد شيئاً من ملامحها الخارجية التقليدية حين يُعاد ترميمها ، وسوف يُعاد . ولكن رموزها البليغة والهادرة على الدوام لن تفقد شيئاً من معانيها الخالدة ابداً . نوتردام هي علامة فارقة في معبد الحرية الكوني.. الحرية إلتي حلم بها كوازيمودو وهو يتأمل خصر ازميرالدا المثير وهي ترقص في ساحتها ، والحرية لا تموت ، قد تحترق قليلاً ، ولكنها تعود.. مثل العنقاء ، تعود من الرماد وتحلق من جديد . من هنا بالضبط تجيء اهمية نوتردام ، ولهذا بالضبط نحزن لمصابها ، مصابنا ، نحن الذين شُغفنا بشعر ازميرالدا ألاسود وهو يتطاير حين ترقص فرحاً وابتهاجاً بالحرية ، حريتها المنشودة انذاك ، وحريتنا المشتهاة اليوم وفي كل يوم]]>
 
Nael Balawi
 
لم تكن نوتردام هي الاجمل معمارياً من بين شقيقاتها القوطيات المنتشرات بكثرة في حواضر القارة العجوز ، وقد تكون ألاقل قيمة فنية من بينهن . ولم تكن ألابنة ألاولى لذلك الطراز القوطي الاوروبي المرصع بملامح العمارة ألاسلامية وتأثيراتها البينة { الاقواس المركزية في الداخل والخارج تحديداً } ، هناك كاتدرائية صغيرة في حي سانت دينيس الباريسي سبقتها اليه . وقد اجازف قليلا أو كثيراً ، وهذا مجرد رأي غير علمي لشخص مر بالكثير الكثير من كاتدرائيات القارة ، حين أقول : تتفوق كاتدرائية شتيفان في قلب فيينا جمالياً على نوتردام . تتفوق كاتدرائية كولونيا الالمانية عليها . وكذلك تفعل كاتدرائية براغ ، او ويلز البريطانية ، والمذكورات قوطيات الطراز . وماذا تكون نوتردام ، هندسة وجمالاً ، أمام كاتدرائية ساغرادا فاميليا ، العائلة المقدسة ، إلتي ابدعها العبقري غادوي في برشلونه ، مع أنها لم تكتمل جراء وفاته ولم تكن قوطية كذلك ؟ لعل نوتردام إلتي احترقت هي الاقل جمالاً في الحقل المعماري الفاتن ذاك ، ولكنها ألاهم فيه ، بل هي الآهم .. وأظن أن أهميتها لا تجيء ، وفقط ، من كونها تقوم في باريس ، وعن باريس يمكن مسائلة الوعي الجمعي لسكان المعمورة وحضور المدينة الباذخ فيه . وهي لا تجيء عبر ألاحداث التاريخية الكبيرة إلتي دارت فيها ومن حولها ، فهناك الكثبر من ألاحداث الشبيهة والهامة إلتي شهدتها كاتدرائيات القارة .. أجازف مرة أخرى ، وقد لا أفعل ، وأقول : اهمية نوتردام تعود إلى فيكتور هوغو ، إلى ألاحدب كوازيمودو ، إلى ازميرالدا الفاتنة ، وإلى ذلك ألاحساس الفذ بالعدالة ألذي عبرت عنه الرواية العظيمة وهي تكشف عن الجمالي الكامن عميقاً في سريرة ألاحدب { القبيح } خارجياً ، كما هو كامن في الروح العذبة لمعشوقته صعبة المنال ، لتكون العذوبة مشتركة وواحدة في الحالتين ، وبصرف النظر عن مفاتن الراقصة الغجرية ، ازميرالدا ، أو التشوهات الخلقية الخارجية لقارع الاجراس في نوتردام ، كوازيمودو . نوتردام ذاكرة ادبية ، ضمير عدالة كونية لا يحترق ولا يموت ، قد تطيح النيران بأبراجها وأقواسها وبعض جدرانها ، وقد تفقد شيئاً من ملامحها الخارجية التقليدية حين يُعاد ترميمها ، وسوف يُعاد . ولكن رموزها البليغة والهادرة على الدوام لن تفقد شيئاً من معانيها الخالدة ابداً . نوتردام هي علامة فارقة في معبد الحرية الكوني.. الحرية إلتي حلم بها كوازيمودو وهو يتأمل خصر ازميرالدا المثير وهي ترقص في ساحتها ، والحرية لا تموت ، قد تحترق قليلاً ، ولكنها تعود.. مثل العنقاء ، تعود من الرماد وتحلق من جديد . من هنا بالضبط تجيء اهمية نوتردام ، ولهذا بالضبط نحزن لمصابها ، مصابنا ، نحن الذين شُغفنا بشعر ازميرالدا ألاسود وهو يتطاير حين ترقص فرحاً وابتهاجاً بالحرية ، حريتها المنشودة انذاك ، وحريتنا المشتهاة اليوم وفي كل يوم]]>
121965
رواية “لا تخبر الحصان” للروائي السوري ممدوح عزام http://www.souriyati.com/2019/04/14/121845.html Sun, 14 Apr 2019 14:12:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/04/14/121845.html تصدر قريباً عن داريّ "سرد" و"ممدوح عدوان"، رواية "لا تخبر الحصان" للروائي السوري ممدوح عزام، تصميم الغلاف لتمام عزام، هناك مقطع منها، ننشره بالاتفاق مع الناشر. صباح اليوم التالي اختفى سالم النجار. استيقظت ولم أجده في البيت. كان واصل يستمع إلى الراديو وقد رفع صوته حتى السماء، بينما كانت أمي تخبز، وكاملة تحضر لها الحطب كي تشعل النار تحت الصاج. وعندما رأيت الحصان مربوطاً في مكانه عرفت أن أبي لم يعد هنا. وفي غيابه سمعت أمي تسألني، لأول مرّة، ما إن كنت قد أطعمت الحصان، قلت لها إنني لا أنسى هذا أبداً، فغمغمت بما لا أدري من الكلمات. وبنظرةٍ مني إلى وجهها، علمت أنها كانت تبارك وجودي إلى جانبه في غياب أبي. لماذا؟ لا يعرف الأبناء أخلاق الآباء أبداً، فلا تعرف لماذا يتشاجران ومتى يتصالحان، في كثيرٍ من تلك الأيام التي كانت تشهد شجار الليل بينهما، كنت أراهما منسجمين في النهار يتحدثان عن موسم القمح أو الشعير كأن لا همّ لهما غير تلك الحبوب. كان صلحهما يسعدني في النهار، حتى أنني بتُّ أكره الليل. لكنّي، في آخر الأمر، قلت يمكن للأبوين أن يفعلا ما يريدان. ولم أسأل أمي لماذا استفسرت عن طعام الحصان. قلت سأسأله ما إن كان يعرف أين ذهب أبي، فراح يهزّ رأسه، مثلما كان يفعل أبي، هزّاتٍ عظيمة، وهو يفكّر، ولكنّه لم يقل لي أيّ شيء. كانت دمعتان لامعتان تستقرّان في عينيه، وهما اللتان جعلتاني أخاف مما سيحدث في بيتنا في الأيام القادمة. لكننا خرجنا في اليوم التالي إلى سهل التل الأحمر. كانت السماء صافية كالبلور، ولم يكن في السهل أحدٌ غير بضعة حميرٍ متشرّدة ترعى جذور القمح المتبقّية في الحقول بعد الحصاد، بينما أخذت الجداجد تزعق مذعورةً من صهيل الحصان. لعبنا معاً لعبة المشي الرهوان، سار كلُّ واحدٍ منّا على رجلٍ واحدة. قفزنا بين خطَّين رسمتهما في الرمل الأحمر. حاول أن يعلّمني الصهيل، وحاولت أن أعلّمه الضحك. اعتليت صهوته وجرينا من أول السهل إلى آخره، ومن آخره إلى أوله. قلت له إنني أحبّه، وإنه سوف يظلّ صديقي طوال عمرنا. وهزّ رأسه وغمر وجهي بشعر عرفه الأشقر الطويل. صهلنا وضحكنا طويلاً. لكنّي في كلّ ليلةٍ كنت أسمع نحيباً في الغرفة الزرقاء، وعرفت أن أمي سليمة كانت تنشد عتابا حزينة ترثي بها نفسها، وتتحسّر على لحظاتٍ، وعلى أمنياتٍ لم تتحقّق رغم أنها انتظرتها طويلاً. كانت كاملة نائمة، وكان واصل مستيقظاً ينظر إليّ دون أن يتكلم. لا أشكّ أن هذا الولد يعرف كل شيء، ويسمع كل شيء، وقد كان الشاهد الوحيد الذي ظلَّ هنا في الدار دون أن يغادرها إلى أي مكان. لكن نحيب أمي توقف بعد أيام. وسمعتها تصرخ وتقاتل فاضل الكبير الذي جاء من المدينة. لا أعرف السبب، ولا أجرؤ على الدخول إلى المكان الذي تكون فيه أمي غاضبة. لكني استطعت أن أتلصّص من شقٍّ في الباب، كان فاضل يجلس متربّعاً مستسلماً على الأرض، يطأطئ رأسه، ولا ينظر نحو سليمة. لم أرَ مثل هذا المشهد منذ سنوات، فأخي فاضل كان يظهر مثل الذئب حين تطلب منه أمي شيئاً ما لا يريده. يقف ويرفض ويتحدّى بنظراته: كانت له عينا ذئب (رأيت صورة العينين حين تصفّحت كتاباً عن الأدغال في مكتبة مدرستنا). أدركت أخيراً أن أمي كانت توبّخه لأنه استضاف أنوار عمران، وتقول إنه سوف يجلب لنا الفضيحة. وفهمت أن أحداً ما قد أخبر أمي بما يحدث هناك، لأن فاضل قال لها إن أنوار زارته فقط كي يأخذها إلى الطبيب، وعندئذٍ قالت له: «كذّاب!». فلم يردّ. انتابتني مشاعر حزنٍ على فاضل، شعرت بالشفقة نحوه، وقد رأيت أن رجلاً مثل العمود، يوبَّخ من أمٍّ صغيرة طيّبة مثل سليمة حطاب. زعلت لأنه يكذب، وزعلت لأنها قالت له إنه يكذب. لماذا يا فاضل؟ فجأةً وجدته يقول لأمي إنه يعرف من الذي وشى به لديها، وإنه لن يتساهل مع نوفل هذه المرة، لا لأنه ينقل لها أخباراً عنه، بل لأنه يتجسّس عليه. فقالت أمي إن نوفل يتقدّم الآن لامتحان البكالوريا، وليس هو الذي أخبرها. أصدِّق أمي، إذ كان شخص آخر قد أخبر أمي أن أنوار كانت تأتي إلى غرفة فاضل في أيام الحرب. وإنها لن تخبره أبداً باسم ذلك الشخص. أخيراً قال فاضل إنه يحب أنوار، وأمي نظرت إليه بعينين مذعورتين، وقلب حانق. لا أعرف ماذا تخيّلت، ولكني أعرف أن حنقها زاد، لأنها كانت قد اعتقدت في الأشهر الماضية أنها تمكّنت من فصم العلاقة بين ابنها وبنت داوود عمران، وأنها ارتاحت من قصة الكراهية المزمنة بين أبي وداوود ابن عمّته، وسمعتها تطلب من الله، حين تزوّجت أنوار ورحلت برفقة زوجها العسكري الذي سوف يمضي حياته متنقلاً بين المناطق وفق متطلبات الجيش، أن يسعدها ويبعدها. أما اليوم فهي تطلب من الله نفسه أن يغضب عليها، وأن يحرم فاضل من الرغيف إذا استمرّ في علاقته بها. هذا هو الدعاء الرهيب الذي يمكن أن يبثّ الرعب في الكائنات كلّها: أتخيّل مشهد فاضل جائعاً ناحلاً ليس في جسده غير العظام وهو يعدو خلف رغيف خبز لا يهدأ في أي مكان من هذه الأرض. أيّ لهفة! أيّ عوز! أيّ لعنة ربانية يمكن أن تحلَّ عليه إذاً! تمنّيت أن أستطيع إقناع فاضل بالعدول عن حبِّ أنوار اللعينة، تلك البنت السمراء التي لا يمكن لرجلٍ أن يصمد أمام عينيها. فلها نظرة لبؤة صيّادة، قوّتها كلّها مستقرّة كحلقة من النار المشتعلة في عينيها السوداوين. كان زوج أنوار قد اختفى في الحرب ولم يعُد، بحسب ما قالت لي محسنة النجار ابنة عمي داوود، قالت لي أيضاً إن أختها سوف تنتظر صابر البطل في بيتها، ولن تعود إلى دير القرن كي لا تحكي النساء إنها صارت أرملة. ]]> تصدر قريباً عن داريّ "سرد" و"ممدوح عدوان"، رواية "لا تخبر الحصان" للروائي السوري ممدوح عزام، تصميم الغلاف لتمام عزام، هناك مقطع منها، ننشره بالاتفاق مع الناشر. صباح اليوم التالي اختفى سالم النجار. استيقظت ولم أجده في البيت. كان واصل يستمع إلى الراديو وقد رفع صوته حتى السماء، بينما كانت أمي تخبز، وكاملة تحضر لها الحطب كي تشعل النار تحت الصاج. وعندما رأيت الحصان مربوطاً في مكانه عرفت أن أبي لم يعد هنا. وفي غيابه سمعت أمي تسألني، لأول مرّة، ما إن كنت قد أطعمت الحصان، قلت لها إنني لا أنسى هذا أبداً، فغمغمت بما لا أدري من الكلمات. وبنظرةٍ مني إلى وجهها، علمت أنها كانت تبارك وجودي إلى جانبه في غياب أبي. لماذا؟ لا يعرف الأبناء أخلاق الآباء أبداً، فلا تعرف لماذا يتشاجران ومتى يتصالحان، في كثيرٍ من تلك الأيام التي كانت تشهد شجار الليل بينهما، كنت أراهما منسجمين في النهار يتحدثان عن موسم القمح أو الشعير كأن لا همّ لهما غير تلك الحبوب. كان صلحهما يسعدني في النهار، حتى أنني بتُّ أكره الليل. لكنّي، في آخر الأمر، قلت يمكن للأبوين أن يفعلا ما يريدان. ولم أسأل أمي لماذا استفسرت عن طعام الحصان. قلت سأسأله ما إن كان يعرف أين ذهب أبي، فراح يهزّ رأسه، مثلما كان يفعل أبي، هزّاتٍ عظيمة، وهو يفكّر، ولكنّه لم يقل لي أيّ شيء. كانت دمعتان لامعتان تستقرّان في عينيه، وهما اللتان جعلتاني أخاف مما سيحدث في بيتنا في الأيام القادمة. لكننا خرجنا في اليوم التالي إلى سهل التل الأحمر. كانت السماء صافية كالبلور، ولم يكن في السهل أحدٌ غير بضعة حميرٍ متشرّدة ترعى جذور القمح المتبقّية في الحقول بعد الحصاد، بينما أخذت الجداجد تزعق مذعورةً من صهيل الحصان. لعبنا معاً لعبة المشي الرهوان، سار كلُّ واحدٍ منّا على رجلٍ واحدة. قفزنا بين خطَّين رسمتهما في الرمل الأحمر. حاول أن يعلّمني الصهيل، وحاولت أن أعلّمه الضحك. اعتليت صهوته وجرينا من أول السهل إلى آخره، ومن آخره إلى أوله. قلت له إنني أحبّه، وإنه سوف يظلّ صديقي طوال عمرنا. وهزّ رأسه وغمر وجهي بشعر عرفه الأشقر الطويل. صهلنا وضحكنا طويلاً. لكنّي في كلّ ليلةٍ كنت أسمع نحيباً في الغرفة الزرقاء، وعرفت أن أمي سليمة كانت تنشد عتابا حزينة ترثي بها نفسها، وتتحسّر على لحظاتٍ، وعلى أمنياتٍ لم تتحقّق رغم أنها انتظرتها طويلاً. كانت كاملة نائمة، وكان واصل مستيقظاً ينظر إليّ دون أن يتكلم. لا أشكّ أن هذا الولد يعرف كل شيء، ويسمع كل شيء، وقد كان الشاهد الوحيد الذي ظلَّ هنا في الدار دون أن يغادرها إلى أي مكان. لكن نحيب أمي توقف بعد أيام. وسمعتها تصرخ وتقاتل فاضل الكبير الذي جاء من المدينة. لا أعرف السبب، ولا أجرؤ على الدخول إلى المكان الذي تكون فيه أمي غاضبة. لكني استطعت أن أتلصّص من شقٍّ في الباب، كان فاضل يجلس متربّعاً مستسلماً على الأرض، يطأطئ رأسه، ولا ينظر نحو سليمة. لم أرَ مثل هذا المشهد منذ سنوات، فأخي فاضل كان يظهر مثل الذئب حين تطلب منه أمي شيئاً ما لا يريده. يقف ويرفض ويتحدّى بنظراته: كانت له عينا ذئب (رأيت صورة العينين حين تصفّحت كتاباً عن الأدغال في مكتبة مدرستنا). أدركت أخيراً أن أمي كانت توبّخه لأنه استضاف أنوار عمران، وتقول إنه سوف يجلب لنا الفضيحة. وفهمت أن أحداً ما قد أخبر أمي بما يحدث هناك، لأن فاضل قال لها إن أنوار زارته فقط كي يأخذها إلى الطبيب، وعندئذٍ قالت له: «كذّاب!». فلم يردّ. انتابتني مشاعر حزنٍ على فاضل، شعرت بالشفقة نحوه، وقد رأيت أن رجلاً مثل العمود، يوبَّخ من أمٍّ صغيرة طيّبة مثل سليمة حطاب. زعلت لأنه يكذب، وزعلت لأنها قالت له إنه يكذب. لماذا يا فاضل؟ فجأةً وجدته يقول لأمي إنه يعرف من الذي وشى به لديها، وإنه لن يتساهل مع نوفل هذه المرة، لا لأنه ينقل لها أخباراً عنه، بل لأنه يتجسّس عليه. فقالت أمي إن نوفل يتقدّم الآن لامتحان البكالوريا، وليس هو الذي أخبرها. أصدِّق أمي، إذ كان شخص آخر قد أخبر أمي أن أنوار كانت تأتي إلى غرفة فاضل في أيام الحرب. وإنها لن تخبره أبداً باسم ذلك الشخص. أخيراً قال فاضل إنه يحب أنوار، وأمي نظرت إليه بعينين مذعورتين، وقلب حانق. لا أعرف ماذا تخيّلت، ولكني أعرف أن حنقها زاد، لأنها كانت قد اعتقدت في الأشهر الماضية أنها تمكّنت من فصم العلاقة بين ابنها وبنت داوود عمران، وأنها ارتاحت من قصة الكراهية المزمنة بين أبي وداوود ابن عمّته، وسمعتها تطلب من الله، حين تزوّجت أنوار ورحلت برفقة زوجها العسكري الذي سوف يمضي حياته متنقلاً بين المناطق وفق متطلبات الجيش، أن يسعدها ويبعدها. أما اليوم فهي تطلب من الله نفسه أن يغضب عليها، وأن يحرم فاضل من الرغيف إذا استمرّ في علاقته بها. هذا هو الدعاء الرهيب الذي يمكن أن يبثّ الرعب في الكائنات كلّها: أتخيّل مشهد فاضل جائعاً ناحلاً ليس في جسده غير العظام وهو يعدو خلف رغيف خبز لا يهدأ في أي مكان من هذه الأرض. أيّ لهفة! أيّ عوز! أيّ لعنة ربانية يمكن أن تحلَّ عليه إذاً! تمنّيت أن أستطيع إقناع فاضل بالعدول عن حبِّ أنوار اللعينة، تلك البنت السمراء التي لا يمكن لرجلٍ أن يصمد أمام عينيها. فلها نظرة لبؤة صيّادة، قوّتها كلّها مستقرّة كحلقة من النار المشتعلة في عينيها السوداوين. كان زوج أنوار قد اختفى في الحرب ولم يعُد، بحسب ما قالت لي محسنة النجار ابنة عمي داوود، قالت لي أيضاً إن أختها سوف تنتظر صابر البطل في بيتها، ولن تعود إلى دير القرن كي لا تحكي النساء إنها صارت أرملة. ]]> 121845 رواية الكاتب الليبي “فرج العشة” “سينسيوس وهيباتيا” : صراع الفلسفة والدين المسيحي http://www.souriyati.com/2019/04/11/121805.html Thu, 11 Apr 2019 20:21:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/04/11/121805.html يعود الكاتب الليبي "فرج العشة" في روايته الثانية "سينسيوس وهيباتيا" إلى أواخر القرن الثالث الميلادي، ليحكي لنا بأسلوب روائي، عن الصراع بين الدين المسيحي والفلسفة الذي كان على أشدّه في ذلك الوقت من التاريخ. يدور الكلام في الرواية على لسان شخصيتها الرئيسيّة "سينسيوس"، وهو ابن مدينة "قورينا" الليبيّة، والده سليل المستوطنين الإغريق الأوائل، وأمه متحدّرة من سلالة ملك قبيلة الأسبوستاي الليبيّة، وبذا فإنه منذ تفتّح وعيه أدرك مسألة الهوية، وأثار ذهنه سؤال الانتماء، إذ يرفض الإغريق الهللينيين اعتبار القورينيين مواطنين هللينيين، بل مجرّد ليبيّين برابرة، اكتسبوا هللينيّتهم بطرق خفيّة وغير صحيحة. يدمج "العشة" في القسم الأول من الرواية الأساطير بالواقع، فنقرأ عن هجرة الإغريق إلى ليبيا، وأسباب هذه الهجرة، وكيف استقرّوا هناك وأقاموا حضارتهم. كما يضفر في السرد الكثير من الطقوس الحياتيّة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، فيصوّر أجواء الاحتفالات، وكيف تجري مراسم الزواج، وما هي الأعياد التي كان يُحتفل بها آنذاك كعيد الحصاد: "كان عيد الحصاد استثنائياً هذا العام، فهو لا يحدث إلا كلّ خمس سنوات أو عشر، وأحياناً يؤجل لعشرين سنة بحسب نبوءة مجمع العرّافين الذي يتكون بالتساوي من خمس نساء وخمسة رجال، شرط أن يكونوا متزوّجين ومنجبين. كانت إشارات الطبيعة هي التي توحي بالعيد الاستثنائي، حينها يقرّرون إقامة الاحتفال ليلة غياب نجوم الثريا وراء القمر، فتُطفأ أضواء فتائل الزيت، وتشتعل النيران منتشرة في الأنحاء، حولها يتلاقى المحتفلون المتوافدون من كلّ الجهات". القضية الأساسيّة التي تطرحها الرواية، هي الصراع الذي كان سائداً آنذاك بين الدين المسيحي والفلسفة، إذ يتعرّف "سينسيوس" إلى المسيحيّة عن طريق إنجيل لوقا، فتشدّه عقيدة الخلاص، ولكنه لا يستطيع أن يتخلّى عن شغفه بالفلسفة، فيعيش ونفسه متلاطمة في مثلث العقل والقلب والروح، لأنه يشعر أن الفلسفة تعمل على تعميق رؤيته للعالم، بينما يمنح الدين الناس الإحساس بالخلاص، وكان يحتاج إلى ما يساعده على تقبّل فكرة أنه يمكن للفلسفة والمسيحيّة أن يتآلفا ويعيشا معاً. هكذا، يقرّر الذهاب إلى الإسكندرية سعياً وراء المعرفة والعلم، إذ أن هذه المدينة كانت في ذلك الوقت هي الحاملة لشعلة استمرار الإرث الفلسفي بعد أفول الحضارة اليونانيّة، وسيطرة المسيحيّة على حضارة روما. وفي الإسكندرية تعيش "هيباتيا" الفيلسوفة الأشهر في التاريخ، وإليها يمضي "سينسيوس". تمتلئ صفحات الرواية بنقاشٍ واسع حول الكثير من المواضيع الفلسفيّة التي تطرحها "هيباتيا" في دروسها، وفي محادثاتها معه، كما تناقش الرواية عدة مواضيع شائكة، عارضةً وجهة نظر الفلسفة والدين فيها، تاركةً الباب مفتوحاً للتساؤل والتأمّل فيها، ومن هذه المواضيع: المرأة والرجل والذكورة والأنوثة والعلاقة بين هذه جميعها، فكرة الثالوث المقدس، واجتماع الطبيعتين الإلهيّة والبشريّة في شخص المسيح، التعارض بين أقوال المسيحيّة وتعاليمها والتفاسير اللاهوتيّة والعقائديّة التي أتت فيما بعد. يتخلّل هذا النقاش عرضٌ للأحداث الجارية ورسمٌ للمواجهة التي عاشتها المرأة التي ترى الفلسفة ممثلةً لتراث الفكر البشري، مع رجال الدين ذوي الأردية السوداء، الذين يحاولون فرض هيمنتهم على المجتمع، ويريدون إحلال الحقيقة الواحدة محل الحقيقة المتعدّدة. "تحدّثت هيباتيا، لكن لم يكن يسمعها أحد إلا من كان حولها أعلى الدرج عند المدخل الرئيس. لم أكن هناك يومها. وقد قالت لي إنها تكلّمت كي يسمعها من حولها، فلا جدوى من قول شيءٍ للاشيء، حيث المتهيّجون في الأسفل يسمعون أنفسهم فقط. قالت لي إنها نظرت إلى أوليمبيوس على يمينها وإلى أوريستس على يسارها، ثم دارت نحو المتواجدين في الخلف، وقالت: ليس أمامنا إلا أن نثبت متشبّثين بخندقنا الأخير، دفاعاً عن آخر قلعة للمعرفة الحرّة، ضدّ من يريد أن يحيلها إلى معبد للفكرة الواحدة". ني "العشة" كل هذه الأفكار، دامجاً فيها بعض الأحداث التاريخيّة الحقيقيّة، ضمن قالب درامي متخيّل يتتبع سيرة حياة بطله "سينسيوس"، في طفولته وشبابه وعلاقته العاطفيّة وسفره وتعلّمه ومن ثم عودته إلى "قورينا"، التي تعيش هي الأخرى، حرباً بين الرومان والسكّان الأصليين من القبائل، وهذا ما يجدّد سؤال الانتماء عند البطل، خاصّة أنه سليل الاثنين. يتبادر إلى ذهن القارئ مباشرة، وهو يقرأ هذه الرواية، عبارة: "ما أشبه البارحة باليوم"، فالمتشدّدون الذين يكفّرون كل من يخالفهم في المعتقد، ويقتلونهم، ما هم إلا وجهٌ آخر للحركات المتطرّفة التي نراها اليوم، والتي تقتل وتذبح باسم الدين، معتبرة نفسها "السبيل الوحيد للخلاص البشري". فرج العشة: كاتب ليبي من مواليد 1959، يكتب في صحف ومجلات عربيّة مختلفة، وقد صدر له كتاب "نهاية الأصوليّة ومستقبل الإسلام السياسي"، إضافة إلى مجموعات شعرية عدّة. "سينسيوس وهيباتيا" هي روايته الثانية بعد "زمن الأخ القائد". سينسيوس وهيباتيا: الناشر، دار التنوير/ تونس - بيروت، عدد الصفحات: 224، الطبعة الأولى: 2018. يمكن شراء الرواية من موقع النيل والفرات ]]> يعود الكاتب الليبي "فرج العشة" في روايته الثانية "سينسيوس وهيباتيا" إلى أواخر القرن الثالث الميلادي، ليحكي لنا بأسلوب روائي، عن الصراع بين الدين المسيحي والفلسفة الذي كان على أشدّه في ذلك الوقت من التاريخ. يدور الكلام في الرواية على لسان شخصيتها الرئيسيّة "سينسيوس"، وهو ابن مدينة "قورينا" الليبيّة، والده سليل المستوطنين الإغريق الأوائل، وأمه متحدّرة من سلالة ملك قبيلة الأسبوستاي الليبيّة، وبذا فإنه منذ تفتّح وعيه أدرك مسألة الهوية، وأثار ذهنه سؤال الانتماء، إذ يرفض الإغريق الهللينيين اعتبار القورينيين مواطنين هللينيين، بل مجرّد ليبيّين برابرة، اكتسبوا هللينيّتهم بطرق خفيّة وغير صحيحة. يدمج "العشة" في القسم الأول من الرواية الأساطير بالواقع، فنقرأ عن هجرة الإغريق إلى ليبيا، وأسباب هذه الهجرة، وكيف استقرّوا هناك وأقاموا حضارتهم. كما يضفر في السرد الكثير من الطقوس الحياتيّة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، فيصوّر أجواء الاحتفالات، وكيف تجري مراسم الزواج، وما هي الأعياد التي كان يُحتفل بها آنذاك كعيد الحصاد: "كان عيد الحصاد استثنائياً هذا العام، فهو لا يحدث إلا كلّ خمس سنوات أو عشر، وأحياناً يؤجل لعشرين سنة بحسب نبوءة مجمع العرّافين الذي يتكون بالتساوي من خمس نساء وخمسة رجال، شرط أن يكونوا متزوّجين ومنجبين. كانت إشارات الطبيعة هي التي توحي بالعيد الاستثنائي، حينها يقرّرون إقامة الاحتفال ليلة غياب نجوم الثريا وراء القمر، فتُطفأ أضواء فتائل الزيت، وتشتعل النيران منتشرة في الأنحاء، حولها يتلاقى المحتفلون المتوافدون من كلّ الجهات". القضية الأساسيّة التي تطرحها الرواية، هي الصراع الذي كان سائداً آنذاك بين الدين المسيحي والفلسفة، إذ يتعرّف "سينسيوس" إلى المسيحيّة عن طريق إنجيل لوقا، فتشدّه عقيدة الخلاص، ولكنه لا يستطيع أن يتخلّى عن شغفه بالفلسفة، فيعيش ونفسه متلاطمة في مثلث العقل والقلب والروح، لأنه يشعر أن الفلسفة تعمل على تعميق رؤيته للعالم، بينما يمنح الدين الناس الإحساس بالخلاص، وكان يحتاج إلى ما يساعده على تقبّل فكرة أنه يمكن للفلسفة والمسيحيّة أن يتآلفا ويعيشا معاً. هكذا، يقرّر الذهاب إلى الإسكندرية سعياً وراء المعرفة والعلم، إذ أن هذه المدينة كانت في ذلك الوقت هي الحاملة لشعلة استمرار الإرث الفلسفي بعد أفول الحضارة اليونانيّة، وسيطرة المسيحيّة على حضارة روما. وفي الإسكندرية تعيش "هيباتيا" الفيلسوفة الأشهر في التاريخ، وإليها يمضي "سينسيوس". تمتلئ صفحات الرواية بنقاشٍ واسع حول الكثير من المواضيع الفلسفيّة التي تطرحها "هيباتيا" في دروسها، وفي محادثاتها معه، كما تناقش الرواية عدة مواضيع شائكة، عارضةً وجهة نظر الفلسفة والدين فيها، تاركةً الباب مفتوحاً للتساؤل والتأمّل فيها، ومن هذه المواضيع: المرأة والرجل والذكورة والأنوثة والعلاقة بين هذه جميعها، فكرة الثالوث المقدس، واجتماع الطبيعتين الإلهيّة والبشريّة في شخص المسيح، التعارض بين أقوال المسيحيّة وتعاليمها والتفاسير اللاهوتيّة والعقائديّة التي أتت فيما بعد. يتخلّل هذا النقاش عرضٌ للأحداث الجارية ورسمٌ للمواجهة التي عاشتها المرأة التي ترى الفلسفة ممثلةً لتراث الفكر البشري، مع رجال الدين ذوي الأردية السوداء، الذين يحاولون فرض هيمنتهم على المجتمع، ويريدون إحلال الحقيقة الواحدة محل الحقيقة المتعدّدة. "تحدّثت هيباتيا، لكن لم يكن يسمعها أحد إلا من كان حولها أعلى الدرج عند المدخل الرئيس. لم أكن هناك يومها. وقد قالت لي إنها تكلّمت كي يسمعها من حولها، فلا جدوى من قول شيءٍ للاشيء، حيث المتهيّجون في الأسفل يسمعون أنفسهم فقط. قالت لي إنها نظرت إلى أوليمبيوس على يمينها وإلى أوريستس على يسارها، ثم دارت نحو المتواجدين في الخلف، وقالت: ليس أمامنا إلا أن نثبت متشبّثين بخندقنا الأخير، دفاعاً عن آخر قلعة للمعرفة الحرّة، ضدّ من يريد أن يحيلها إلى معبد للفكرة الواحدة". ني "العشة" كل هذه الأفكار، دامجاً فيها بعض الأحداث التاريخيّة الحقيقيّة، ضمن قالب درامي متخيّل يتتبع سيرة حياة بطله "سينسيوس"، في طفولته وشبابه وعلاقته العاطفيّة وسفره وتعلّمه ومن ثم عودته إلى "قورينا"، التي تعيش هي الأخرى، حرباً بين الرومان والسكّان الأصليين من القبائل، وهذا ما يجدّد سؤال الانتماء عند البطل، خاصّة أنه سليل الاثنين. يتبادر إلى ذهن القارئ مباشرة، وهو يقرأ هذه الرواية، عبارة: "ما أشبه البارحة باليوم"، فالمتشدّدون الذين يكفّرون كل من يخالفهم في المعتقد، ويقتلونهم، ما هم إلا وجهٌ آخر للحركات المتطرّفة التي نراها اليوم، والتي تقتل وتذبح باسم الدين، معتبرة نفسها "السبيل الوحيد للخلاص البشري". فرج العشة: كاتب ليبي من مواليد 1959، يكتب في صحف ومجلات عربيّة مختلفة، وقد صدر له كتاب "نهاية الأصوليّة ومستقبل الإسلام السياسي"، إضافة إلى مجموعات شعرية عدّة. "سينسيوس وهيباتيا" هي روايته الثانية بعد "زمن الأخ القائد". سينسيوس وهيباتيا: الناشر، دار التنوير/ تونس - بيروت، عدد الصفحات: 224، الطبعة الأولى: 2018. يمكن شراء الرواية من موقع النيل والفرات ]]> 121805 عائشة المحمود في رواية “وطن مزور” http://www.souriyati.com/2019/04/11/121782.html Thu, 11 Apr 2019 15:20:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/04/11/121782.html لا أدري ما السر الذي أعادني إلى إعادة قراءة رواية "وطن مزور"، بعد شهور قليلة من قراءتي الأولى لها في أثناء سفر ما، فالتبست عليّ أحداثها، وتماهيت مع بعض الشخصيات فيها، وأنا أعيش وأعايش بعض الإشكالات التي حاولت الرواية أن تعالجها. وكنت أنوي الكتابة عنها، ولكنّ مشاغلي اللاحقة أنستني الأمر، أو ربما احترت يومها كيف يمكنني الكتابة عن روايةٍ شعرت أنها واحدةٌ من رواياتي الشخصية، والتي ترسم جزءاً من سيرتي الذاتية. قبل أيام، رأيت الرواية أمامي ثانية. ولسبب ما، لفت نظري عنوانها الفرعي "يوميات البن والحناء"، ما جعلني أباشر هذه المرة قراءتها بصفتها مجرّد يوميات لكاتبةٍ تقتحم عالم الرواية للمرة الأولى، عبر بوابة اليوميات والأغنيات المنسابة بصوت الفنان اليمني الكبير أيوب طارش! لا أقول جديدا عندما أقرّر، نيابةً عن روائيين كثيرين قرأت لهم بغزارة، أن الرواية نوع من أنواع اليوميات التي تعتبر تنويعا سرديا على السير الذاتية. ولعل حيلةً ما جعلت الروائي الأول يحاول أن يختبئ وراء شخصياتٍ وأسماء افتراضية لروايةٍ يكتبها، حتى لا يعترف للقارئ بأنه إنما يعيد إنتاج حياته الخاصة، فهل يمكن اعتبار رواية "وطن مزوّر" تنتمي إلى فن السيرة الذاتية؟ لا أعرف المؤلفة عائشة المحمود بما يكفي، لكي أقرّر بدقة، ولكنني صرت أعرفها من خلال الرواية على الأقل. وربما صرت أعرفني أيضا، فعائشة في يوميات البن والحناء تكتبني أنا أيضا، على الرغم من أنني لم أعرف وطن البن والحناء، ولم أزره. إنه التشارك في أزمةٍ تعصف بطائفة كبيرة من البشر في الأوطان الجديدة. في الإهداء الذي كتبته عائشة المحمود في الصفحات الأولى للرواية منبع الوجع وطرف من القصة، وهي تتحول إلى غصّة؛ "إلى الوطن والحب.. إلى كل البقعة القصية النقية التي تنبع منها أجمل الأساطير وإليها يعود أصل الحكاية ومآلات الوجع..". وبعد استغراقنا في قراءة صفحات قليلة من الرواية، نكتشف أن الوطن الذي يشير إليه الإهداء هو اليمن، بعراقة تاريخه وجمال طبيعته وصبر إنسانه، على الرغم من أن عائشة لا تسمّي الأوطان والمدن بأسمائها، لكن تكنّي عنها بما يدل عليها، ويجعل منها صورةً من صور المشاع أحيانا. وربما لهذا بدأت الكاتبة روايتها بصفحةٍ عنونتها بـ "محاولات تبرير"، وحاولت فيها أن تضعنا في قلب الحكاية، لا كقرّاء وحسب، بل كشخصياتٍ لا بد أننا سنجد ظلالنا بين سطورها، فهي كما تقول الكاتبة، "حكاية مجنونة تنتمي إلى شخص لا وجود له سوى في ذاكرتي الخائنة، إنها قصة مجدولة صوب أفق يستفز البوح ويوغل في التدفق، حول شخصٍ غير حقيقي في وطنٍ يناور الحقيقة، وطن يملك نسخا متعددة، كما يمتلك حق وجوده المنفرد. إنها قصة تتكرّر، في أوطانٍ تلاصقت واختفت معالمها حتى باتت تضيق وتخنق ناسها، مدن متخيلة لا وجود لها". إنها إذن جدلية الوطن الحقيقي والوطن المزور، وفقا لرؤية الكاتبة، ما بين وطنٍ وُلدنا فيه، أو وُلد فيه آباؤنا وأجدادنا، ووطن آخر، هو الذي وجدنا أنفسنا نقيم فيه، وننتمي إليه، وربما لا نعرف غيره، على الرغم من نظرات أهله تجاهنا كوجود عابر! تنحو هذه الرواية (190 صفحة، دار سؤال للنشر في بيروت، 2018) منحى فلسفيا وجدانيا جميلا، يناقش مسألة الهوية بأبعاد كثيرة واقتراحات موغلة في التعاطف الإنساني. ولأن الكاتبة التزمت اللغة الشعرية في كتابتها، فقد بدت كمن يرسم تلك الشخصيات رسما انطباعيا خالصا ضاعف من متعة القراءة، وجعل القارئ يتغاضى عن بعض الهفوات النادرة، ما جعل من "وطن مزوّر" وثيقةً تاريخيةً وجماليةً غارقةً في نكهة البن وعبق الحناء، لتتشير إلى إمكانات الكاتبة المكتنزة، والتي لم تفصح عنها كلها في هذه الرواية.. نحن بانتظار رواية عائشة المحمود الجديدة إذن بشوق كبير. ]]> لا أدري ما السر الذي أعادني إلى إعادة قراءة رواية "وطن مزور"، بعد شهور قليلة من قراءتي الأولى لها في أثناء سفر ما، فالتبست عليّ أحداثها، وتماهيت مع بعض الشخصيات فيها، وأنا أعيش وأعايش بعض الإشكالات التي حاولت الرواية أن تعالجها. وكنت أنوي الكتابة عنها، ولكنّ مشاغلي اللاحقة أنستني الأمر، أو ربما احترت يومها كيف يمكنني الكتابة عن روايةٍ شعرت أنها واحدةٌ من رواياتي الشخصية، والتي ترسم جزءاً من سيرتي الذاتية. قبل أيام، رأيت الرواية أمامي ثانية. ولسبب ما، لفت نظري عنوانها الفرعي "يوميات البن والحناء"، ما جعلني أباشر هذه المرة قراءتها بصفتها مجرّد يوميات لكاتبةٍ تقتحم عالم الرواية للمرة الأولى، عبر بوابة اليوميات والأغنيات المنسابة بصوت الفنان اليمني الكبير أيوب طارش! لا أقول جديدا عندما أقرّر، نيابةً عن روائيين كثيرين قرأت لهم بغزارة، أن الرواية نوع من أنواع اليوميات التي تعتبر تنويعا سرديا على السير الذاتية. ولعل حيلةً ما جعلت الروائي الأول يحاول أن يختبئ وراء شخصياتٍ وأسماء افتراضية لروايةٍ يكتبها، حتى لا يعترف للقارئ بأنه إنما يعيد إنتاج حياته الخاصة، فهل يمكن اعتبار رواية "وطن مزوّر" تنتمي إلى فن السيرة الذاتية؟ لا أعرف المؤلفة عائشة المحمود بما يكفي، لكي أقرّر بدقة، ولكنني صرت أعرفها من خلال الرواية على الأقل. وربما صرت أعرفني أيضا، فعائشة في يوميات البن والحناء تكتبني أنا أيضا، على الرغم من أنني لم أعرف وطن البن والحناء، ولم أزره. إنه التشارك في أزمةٍ تعصف بطائفة كبيرة من البشر في الأوطان الجديدة. في الإهداء الذي كتبته عائشة المحمود في الصفحات الأولى للرواية منبع الوجع وطرف من القصة، وهي تتحول إلى غصّة؛ "إلى الوطن والحب.. إلى كل البقعة القصية النقية التي تنبع منها أجمل الأساطير وإليها يعود أصل الحكاية ومآلات الوجع..". وبعد استغراقنا في قراءة صفحات قليلة من الرواية، نكتشف أن الوطن الذي يشير إليه الإهداء هو اليمن، بعراقة تاريخه وجمال طبيعته وصبر إنسانه، على الرغم من أن عائشة لا تسمّي الأوطان والمدن بأسمائها، لكن تكنّي عنها بما يدل عليها، ويجعل منها صورةً من صور المشاع أحيانا. وربما لهذا بدأت الكاتبة روايتها بصفحةٍ عنونتها بـ "محاولات تبرير"، وحاولت فيها أن تضعنا في قلب الحكاية، لا كقرّاء وحسب، بل كشخصياتٍ لا بد أننا سنجد ظلالنا بين سطورها، فهي كما تقول الكاتبة، "حكاية مجنونة تنتمي إلى شخص لا وجود له سوى في ذاكرتي الخائنة، إنها قصة مجدولة صوب أفق يستفز البوح ويوغل في التدفق، حول شخصٍ غير حقيقي في وطنٍ يناور الحقيقة، وطن يملك نسخا متعددة، كما يمتلك حق وجوده المنفرد. إنها قصة تتكرّر، في أوطانٍ تلاصقت واختفت معالمها حتى باتت تضيق وتخنق ناسها، مدن متخيلة لا وجود لها". إنها إذن جدلية الوطن الحقيقي والوطن المزور، وفقا لرؤية الكاتبة، ما بين وطنٍ وُلدنا فيه، أو وُلد فيه آباؤنا وأجدادنا، ووطن آخر، هو الذي وجدنا أنفسنا نقيم فيه، وننتمي إليه، وربما لا نعرف غيره، على الرغم من نظرات أهله تجاهنا كوجود عابر! تنحو هذه الرواية (190 صفحة، دار سؤال للنشر في بيروت، 2018) منحى فلسفيا وجدانيا جميلا، يناقش مسألة الهوية بأبعاد كثيرة واقتراحات موغلة في التعاطف الإنساني. ولأن الكاتبة التزمت اللغة الشعرية في كتابتها، فقد بدت كمن يرسم تلك الشخصيات رسما انطباعيا خالصا ضاعف من متعة القراءة، وجعل القارئ يتغاضى عن بعض الهفوات النادرة، ما جعل من "وطن مزوّر" وثيقةً تاريخيةً وجماليةً غارقةً في نكهة البن وعبق الحناء، لتتشير إلى إمكانات الكاتبة المكتنزة، والتي لم تفصح عنها كلها في هذه الرواية.. نحن بانتظار رواية عائشة المحمود الجديدة إذن بشوق كبير. ]]> 121782 ريما الرحباني في هجوم جديد: لا تغنّوا لفيروز / تحذير قبل الملاحقة القانونية لجميع أهل الفن كباراً وصغاراً http://www.souriyati.com/2019/04/03/121309.html Wed, 03 Apr 2019 12:45:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/04/03/121309.html شنت المخرجة ​ريما الرحباني​ هجوماً عنيفاً على الفنانين الذين يعيدون تأدية أغاني والدتها السيدة فيروز، والاخوين الرحباني. وكتبت ريما على حسابها الشخصي على "فيسبوك": "تحذير وآخر تحذير قبل الملاحقة القانونية لجميع أهل الفن كباراً وصغاراً وللساسيم الكريمة ولكل مين صاير بيمد إيده على أغاني فيروز والأخوين رحباني... اذا صاير في شي إسمو "يوتيوب" وغيرو من الوسايل المُتاحة لمين ما كان ما معناتا بتقدروا بوقاحة مُطلقة تتطاولوا على الإرث الفيروزي الرحباني! لذا ممنوع منعاً باتاً تسجيل وإعادة الأعمال وتوزيعها على أي كان بدون مُراجعة الورثة كافة وأخذ الموافقة المُسبقة والخطيّة، إن أُعطِيَت، تحت طائلة المسؤوليّة والملاحقة القانونيّة". وأعادت ريما التذكير بشروط الأداء العلني: "الشرط الأوّل عدم التحريف بالأغاني وعزفها وتأديتها زي ما هي، وهيدا شي ما عم يحصل... الشرط التاني دفع مستحقات الآداء العلني للساسيم وفقاً للشروط العامة المعمول بها (...) الشي اللي كمان ما عم يحصل. والشرط التالت عدم تسجيل أو تصوير او إستغلال او توثيق هكذا مجزرة". وأثارت تدوينة ريما ردود فعل مختلفة، فسرها البعض على أنها موجّهة للمغنية اللبنانية إليسا التي ردت مرة على انتقادها بسبب أداء أغاني فيروز قائلة "فيروز للجميع". ]]> شنت المخرجة ​ريما الرحباني​ هجوماً عنيفاً على الفنانين الذين يعيدون تأدية أغاني والدتها السيدة فيروز، والاخوين الرحباني. وكتبت ريما على حسابها الشخصي على "فيسبوك": "تحذير وآخر تحذير قبل الملاحقة القانونية لجميع أهل الفن كباراً وصغاراً وللساسيم الكريمة ولكل مين صاير بيمد إيده على أغاني فيروز والأخوين رحباني... اذا صاير في شي إسمو "يوتيوب" وغيرو من الوسايل المُتاحة لمين ما كان ما معناتا بتقدروا بوقاحة مُطلقة تتطاولوا على الإرث الفيروزي الرحباني! لذا ممنوع منعاً باتاً تسجيل وإعادة الأعمال وتوزيعها على أي كان بدون مُراجعة الورثة كافة وأخذ الموافقة المُسبقة والخطيّة، إن أُعطِيَت، تحت طائلة المسؤوليّة والملاحقة القانونيّة". وأعادت ريما التذكير بشروط الأداء العلني: "الشرط الأوّل عدم التحريف بالأغاني وعزفها وتأديتها زي ما هي، وهيدا شي ما عم يحصل... الشرط التاني دفع مستحقات الآداء العلني للساسيم وفقاً للشروط العامة المعمول بها (...) الشي اللي كمان ما عم يحصل. والشرط التالت عدم تسجيل أو تصوير او إستغلال او توثيق هكذا مجزرة". وأثارت تدوينة ريما ردود فعل مختلفة، فسرها البعض على أنها موجّهة للمغنية اللبنانية إليسا التي ردت مرة على انتقادها بسبب أداء أغاني فيروز قائلة "فيروز للجميع". ]]> 121309 أوراق رياض نـجيب الريِّس المنسيّة http://www.souriyati.com/2019/03/29/121106.html Fri, 29 Mar 2019 16:47:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/29/121106.html أوراق رياض نـجيب الريِّس المنسيّة يستعيد الصحافي رياض نجيب الريِّس في كتابه «أوراق منسية، أحاديث هزت الخليج 1979 - 1985» الصادر حديثاً عن «دار الريّس- بيروت،2011» حوارات أجراها مع شخصيات خليجية في ثمانينيات القرن العشرين، عندما كان يكتب في عدد من المطبوعات العربية الصادرة في أوربا وخصوصاً مجلة «المستقبل» التي كان يرأس تحريرها الصحافي اللبناني- الفلسطيني الراحل نبيل خوري. حيث أهدى رياض الريِّس كتابه إلى صديقه وزميله نبيل خوري رئيس تحرير مجلة المستقبل. فقد بقي الريّس وفياَ لنبيل خوري حتى بعد وفاته. يقول الريِّس في المقدمة هل هي أوراق منسية، أم هوامش سياسية نسيها التاريخ؟ طرحت هذا السؤال على نفسي وأنا أنبش في ملفاتي الصحافية القديمة، إنه كتاب في الحاضر المعاصر. لقد كان رياض الريّس أحد الأعمدة الرئيسية في الصحافة العربية في باريس، وكانت حوارات الريس في ذلك الوقت تتسم بالجدية والاحترافية المهنية على مستوى عالٍ، أهمية تلك الحوارات ليست فقط في الشخصيات الأربع التي حاورها الريّس إنما في طريقة الحوار التي تتميز بالجدية والرصانة والخبرة الصحافية. لرياض الريّس الصحافي المتمرس تجارب خارج عالمنا العربي فقد غطى أكثر من منطقة ساخنة في العالم من تشيكوسلوفاكيا إلى تغطية الانقلاب في اليونان، وثورة اليمن.. يؤكد رياض الريّس على أنه كان يبعث برسائله بالحرف اللاتيني، فكانت مهمة شاقة جداً، إذ كنت أكتب النص العربي بالحرف اللاتيني وأعطيه لعامل التلكس. ويلاحظ قارئ كتاب الريس، مدى الفارق الكبير بين صحافيِّ الثمانينيات الذين لم يكونوا يملكون من الوسائل سوى البدائية منها وصحافيِّ اليوم حيث الفضاء المفتوح ووسائله المتطورة تقنياً من إنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف مسمياتها، فالفارق يتبدى في جرأة صحافيِّ الثمانينيات حيث الوسائل البدائية في العمل الصحافي، إضافة إلى ثقافة إجراء الحوارات مع شخصيات لها وزنها على الساحة الدولية، فكثيراً ما قرأنا حواراً أجراه أحد صحافيي الثمانينيات مع رئيس دولة إلاّ وكان له صدى واسع في أروقة السياسة، وكان هناك دور للصحافي في إيصال رسائل معينة أثناء إجراء حوار مع هذا الرئيس أو ذاك فقد ساهم عدد من الصحافيين أنذاك في ترطيب الأجواء بين بلد وأخر وزعيم وأخر يختلفان إما بسبب الحدود أو الموقف السياسي من إحدى قضايا المنطقة. «وكان أي صحافي يمكنه أن يقابل أي مسؤول. أما اليوم ومع فورة الاتصالات صارت هناك أسئلة مكتوبة وعليك أن تنتظر شهرين حتى تأتيك الإجابة». كانت صحافة الثمانينيات تساهم في إطفاء الحرائق الدبلوماسية والسياسية لا إشعالها كما تساهم بعض وسائل الإعلام اليوم على طول وعرض الوطن العربي. ومن الحوارات في كتاب الريّس حوار مع الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي قال: «الاتحاد السوفيتي ليس عدواً لنا ووجوده في أفغانستان شرعي، موضحاً أن وجود قوات التدخل السريع الأميركية مساس بسيادتنا ويشجع موسكو على التدخل». وكانت تلك التصريحات في ذلك الوقت بمثابة قنبلة سياسية من العيار الثقيل. يعيدنا الريّس إلى أجواء الثمانينيات التي مازالت تلقي بظلالها على المنطقة وإنْ بدت بشكل مختلف في الوسائل والأهداف وربما حتى النتائج. ]]> أوراق رياض نـجيب الريِّس المنسيّة يستعيد الصحافي رياض نجيب الريِّس في كتابه «أوراق منسية، أحاديث هزت الخليج 1979 - 1985» الصادر حديثاً عن «دار الريّس- بيروت،2011» حوارات أجراها مع شخصيات خليجية في ثمانينيات القرن العشرين، عندما كان يكتب في عدد من المطبوعات العربية الصادرة في أوربا وخصوصاً مجلة «المستقبل» التي كان يرأس تحريرها الصحافي اللبناني- الفلسطيني الراحل نبيل خوري. حيث أهدى رياض الريِّس كتابه إلى صديقه وزميله نبيل خوري رئيس تحرير مجلة المستقبل. فقد بقي الريّس وفياَ لنبيل خوري حتى بعد وفاته. يقول الريِّس في المقدمة هل هي أوراق منسية، أم هوامش سياسية نسيها التاريخ؟ طرحت هذا السؤال على نفسي وأنا أنبش في ملفاتي الصحافية القديمة، إنه كتاب في الحاضر المعاصر. لقد كان رياض الريّس أحد الأعمدة الرئيسية في الصحافة العربية في باريس، وكانت حوارات الريس في ذلك الوقت تتسم بالجدية والاحترافية المهنية على مستوى عالٍ، أهمية تلك الحوارات ليست فقط في الشخصيات الأربع التي حاورها الريّس إنما في طريقة الحوار التي تتميز بالجدية والرصانة والخبرة الصحافية. لرياض الريّس الصحافي المتمرس تجارب خارج عالمنا العربي فقد غطى أكثر من منطقة ساخنة في العالم من تشيكوسلوفاكيا إلى تغطية الانقلاب في اليونان، وثورة اليمن.. يؤكد رياض الريّس على أنه كان يبعث برسائله بالحرف اللاتيني، فكانت مهمة شاقة جداً، إذ كنت أكتب النص العربي بالحرف اللاتيني وأعطيه لعامل التلكس. ويلاحظ قارئ كتاب الريس، مدى الفارق الكبير بين صحافيِّ الثمانينيات الذين لم يكونوا يملكون من الوسائل سوى البدائية منها وصحافيِّ اليوم حيث الفضاء المفتوح ووسائله المتطورة تقنياً من إنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف مسمياتها، فالفارق يتبدى في جرأة صحافيِّ الثمانينيات حيث الوسائل البدائية في العمل الصحافي، إضافة إلى ثقافة إجراء الحوارات مع شخصيات لها وزنها على الساحة الدولية، فكثيراً ما قرأنا حواراً أجراه أحد صحافيي الثمانينيات مع رئيس دولة إلاّ وكان له صدى واسع في أروقة السياسة، وكان هناك دور للصحافي في إيصال رسائل معينة أثناء إجراء حوار مع هذا الرئيس أو ذاك فقد ساهم عدد من الصحافيين أنذاك في ترطيب الأجواء بين بلد وأخر وزعيم وأخر يختلفان إما بسبب الحدود أو الموقف السياسي من إحدى قضايا المنطقة. «وكان أي صحافي يمكنه أن يقابل أي مسؤول. أما اليوم ومع فورة الاتصالات صارت هناك أسئلة مكتوبة وعليك أن تنتظر شهرين حتى تأتيك الإجابة». كانت صحافة الثمانينيات تساهم في إطفاء الحرائق الدبلوماسية والسياسية لا إشعالها كما تساهم بعض وسائل الإعلام اليوم على طول وعرض الوطن العربي. ومن الحوارات في كتاب الريّس حوار مع الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي قال: «الاتحاد السوفيتي ليس عدواً لنا ووجوده في أفغانستان شرعي، موضحاً أن وجود قوات التدخل السريع الأميركية مساس بسيادتنا ويشجع موسكو على التدخل». وكانت تلك التصريحات في ذلك الوقت بمثابة قنبلة سياسية من العيار الثقيل. يعيدنا الريّس إلى أجواء الثمانينيات التي مازالت تلقي بظلالها على المنطقة وإنْ بدت بشكل مختلف في الوسائل والأهداف وربما حتى النتائج. ]]> 121106 تهمة “الخيانة العظمى”؟ !! / نقابة الممثلين المصريين تشطب عمرو واكد وخالد أبو النجا بعد شهادتيهما أمام الكونغرس http://www.souriyati.com/2019/03/27/121026.html Wed, 27 Mar 2019 13:10:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/27/121026.html الأربعاء 27 مارس 201901:01 م اعتبر رئيس نقابة الممثلين المصريين أشرف زكي أن الفنانين خالد أبو النجا وعمرو واكد ارتكبا "خيانة عظمى" للدولة المصرية بموافقتهما على الحديث في أروقة الكونغرس الأمريكي، وترديدهما "أكاذيب عن مصر" على حد وصفه، مضيفاً لرصيف22 أنهما استحقا "عن جدارة" الشطب من النقابة ولن يسمح لهما بالتمثيل مرة أخرى على الأراضي المصرية. وأبو النجا وواكد من أبرز الممثلين في مصر في السنوات الأخيرة، حققت أفلامهما نجاحاً كبيراً في دور العرض المصرية، وهما يتفقان في معارضتهما للنظام المصري الحالي، معتبريْن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قامعاً للمصريين بل حوّل كذلك مصر إلى سجن كبير للمعارضين حسب رأييهما. ومساء الاثنين 25 مارس اختتمت فعاليات استمرت يومين نظمها معارضون مصريون في أروقة الكونغرس، وتحدث في الجلسة الختامية إلى جانب خالد أبو النجا وعمرو واكد ناشطون ونواب أمريكيون، وتناولت الجلسة انتهاكات النظام المصري لحقوق الإنسان وخطرها على استقرار المنطقة. وخلال الجلسة الختامية التي حضرها حوالي مئة مشارك، تحدث أبو النجا عن حاجة المصريين للأمل، معتبراً أن هذه الفعاليات تمنح بعض الأمل في المستقبل. أما عمرو واكد فقال في الجلسة ذاتها إن النظام المصري يخشى أي أصوات حرة، وإن المعارضين لا يخافون من النظام والعكس صحيح، معتبراً أن النصر في النهاية سيكون لهم. تآمر على الوطن ومساء الثلاثاء قرر مجلس إدارة نقابة الممثلين المصريين شطب عضوية كل من عمرو واكد وخالد أبو النجا، "لتآمرهما ضد الوطن، واعتبارهما خائنين لمصر ولشعبها بعد التحريض ضد الدولة ونشر أخبار كاذبة"، بحسب نص بيان النقابة. واعتبرت النقابة في بيانها أن ما قاله عمرو واكد وخالد أبو النجا في الكونغرس "خيانة عظمى للوطن والشعب المصري إذ توجها دون توكيل من الإرادة الشعبية لقوى خارجية واستقويا بهذه القوى على الإرادة الشعبية واستبقا قرارتها السيادية لتحريكها فى اتجاه مساند لأجندة المتآمرين على أمن مصر" بحسب بيان النقابة. النقابة أعلنت في بيانها أنها قررت إلغاء عضوية الممثلين مؤكدة أنها لن تقبل وجود أي "عضو خائن لوطنه بين أعضائها" محذرة الممثلين المعارضين من "الانجراف وراء أصحاب المصالح والأجندات المعادية لمصر". وقال نقيب الممثلين لرصيف22 إن ما قام به الممثلان ليس حرية تعبير، مؤكداً أنه كان سيحترمهما لو تحدثا عما يضايقهما داخل الأراضي المصرية وليس خارجها، رافضاً الاتهامات الموجهة للنظام المصري بأنه يعتقل كل من يعارضه ولا يعطيه فرصة للحديث في وسائل الإعلام. وأكد زكي أن جميع الممثلين المصريين يحترمون بلدهم، ويرفضون أي إهانات يوجهها لها أي شخص، مضيفاً أن موقف أبو النجا وواكد يتعارض وموقف باقي الممثلين المصريين ويخدم أجندات أجنبية على حد تعبيره. تعليقات أبو النجا وواكد سخر الممثل عمرو واكد من نقابة المهن التمثيلية، واصفاً إياها عبر حسابه الرسمي على تويتر بأنها "نقابة المهن السياسية". لرصيف22 ]]> الأربعاء 27 مارس 201901:01 م اعتبر رئيس نقابة الممثلين المصريين أشرف زكي أن الفنانين خالد أبو النجا وعمرو واكد ارتكبا "خيانة عظمى" للدولة المصرية بموافقتهما على الحديث في أروقة الكونغرس الأمريكي، وترديدهما "أكاذيب عن مصر" على حد وصفه، مضيفاً لرصيف22 أنهما استحقا "عن جدارة" الشطب من النقابة ولن يسمح لهما بالتمثيل مرة أخرى على الأراضي المصرية. وأبو النجا وواكد من أبرز الممثلين في مصر في السنوات الأخيرة، حققت أفلامهما نجاحاً كبيراً في دور العرض المصرية، وهما يتفقان في معارضتهما للنظام المصري الحالي، معتبريْن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قامعاً للمصريين بل حوّل كذلك مصر إلى سجن كبير للمعارضين حسب رأييهما. ومساء الاثنين 25 مارس اختتمت فعاليات استمرت يومين نظمها معارضون مصريون في أروقة الكونغرس، وتحدث في الجلسة الختامية إلى جانب خالد أبو النجا وعمرو واكد ناشطون ونواب أمريكيون، وتناولت الجلسة انتهاكات النظام المصري لحقوق الإنسان وخطرها على استقرار المنطقة. وخلال الجلسة الختامية التي حضرها حوالي مئة مشارك، تحدث أبو النجا عن حاجة المصريين للأمل، معتبراً أن هذه الفعاليات تمنح بعض الأمل في المستقبل. أما عمرو واكد فقال في الجلسة ذاتها إن النظام المصري يخشى أي أصوات حرة، وإن المعارضين لا يخافون من النظام والعكس صحيح، معتبراً أن النصر في النهاية سيكون لهم. تآمر على الوطن ومساء الثلاثاء قرر مجلس إدارة نقابة الممثلين المصريين شطب عضوية كل من عمرو واكد وخالد أبو النجا، "لتآمرهما ضد الوطن، واعتبارهما خائنين لمصر ولشعبها بعد التحريض ضد الدولة ونشر أخبار كاذبة"، بحسب نص بيان النقابة. واعتبرت النقابة في بيانها أن ما قاله عمرو واكد وخالد أبو النجا في الكونغرس "خيانة عظمى للوطن والشعب المصري إذ توجها دون توكيل من الإرادة الشعبية لقوى خارجية واستقويا بهذه القوى على الإرادة الشعبية واستبقا قرارتها السيادية لتحريكها فى اتجاه مساند لأجندة المتآمرين على أمن مصر" بحسب بيان النقابة. النقابة أعلنت في بيانها أنها قررت إلغاء عضوية الممثلين مؤكدة أنها لن تقبل وجود أي "عضو خائن لوطنه بين أعضائها" محذرة الممثلين المعارضين من "الانجراف وراء أصحاب المصالح والأجندات المعادية لمصر". وقال نقيب الممثلين لرصيف22 إن ما قام به الممثلان ليس حرية تعبير، مؤكداً أنه كان سيحترمهما لو تحدثا عما يضايقهما داخل الأراضي المصرية وليس خارجها، رافضاً الاتهامات الموجهة للنظام المصري بأنه يعتقل كل من يعارضه ولا يعطيه فرصة للحديث في وسائل الإعلام. وأكد زكي أن جميع الممثلين المصريين يحترمون بلدهم، ويرفضون أي إهانات يوجهها لها أي شخص، مضيفاً أن موقف أبو النجا وواكد يتعارض وموقف باقي الممثلين المصريين ويخدم أجندات أجنبية على حد تعبيره. تعليقات أبو النجا وواكد سخر الممثل عمرو واكد من نقابة المهن التمثيلية، واصفاً إياها عبر حسابه الرسمي على تويتر بأنها "نقابة المهن السياسية". لرصيف22 ]]> 121026 مصطلح القصة القصيرة في الخليج http://www.souriyati.com/2019/03/27/121009.html Wed, 27 Mar 2019 10:44:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/27/121009.html د. فهد حسين إن موقع منطقة الخليج العربي جغرافياً جعلها ملتقى لعدد من الحضارات والأقوام والثقافات، كالحضارة الهندية والفارسية واليونانية، بالإضافة إلى حضارات المنطقة، مثل: حضارة بابل وبلاد الرافدين بالعراق، والحضارة الفينيقية في بلاد الشام، والحضارة الفرعونية في مصر، بل فرض الموقع الجغرافي إحداث موانئ بحرية وبرية للتبادل التجاري والتعامل الاقتصادي، مع حدوث مواقع وأمكنة للتعاطي الثقافي. وبحصول المنطقة على هذه الحظوة الاستراتيجية التي أسهمت في استقبال تلك الحضارات المتعددة، والثقافات المتنوعة، واللغات المختلفة، أعطى أفراد مجتمع المنطقة رغبة التواصل والتلاقي من دون التلكؤ أو التراجع أو الوقوف، لأن بعض مناطق الخليج والجزيرة ذات قسوة في طبيعتها المناخية والتضاريسية، فإن هؤلاء الأفراد الذين يشكلون المجتمع الخليجي، بكل فئاته وطوائفه وأعراقه ودياناته، كانوا مصرين على معرفة طبائع الشعوب القادمة إليه، والوقوف على ثقافاتهم وحضاراتهم، بل امتد ذلك إلى بناء علاقات اقتصادية وتجارية. ومع تطور هذه العلاقات ذات الطابع الثقافي، باتت المنطقة محطة ثقافية زارها كثير من المثقفين العرب وغير العرب. القصة في منطقة الخليج العربية فن من الفنون الحديثة، ذات حالة إبداعية وخيالية، وذات ارتباط بالواقع المعيش في إطار إنساني، بل هي ضمن الفنون الإنسانية الأخرى التي تعبر عن تاريخ الإنسان والمكان والزمان، وتسعى إلى البحث عن جماليات فنية، وهي توظف التقنيات القصصية لتحفر لنفسها (القصة الخليجية - في الخليج) بصمة في المشهدين الأدبي والثقافي بالمنطقة، كما فعلت ذلك من قبل كل من القصة المصرية، والقصة العراقية، والقصة السورية، بالإضافة إلى دول المغرب العربي. وفي الوقت نفسه، فإن هذا الفن لم يكن سهل التناول، وإنما هناك مخاطرة الولوج إليه لحداثته، وتعقيد بنائه، ومعرفة نماذجه المتعددة، بين القصة الطويلة، والقصيرة، والقصيرة جداً التي بدأت في الانتشار حديثاً. وظهرت القصة القصيرة قبل الرواية في عموم المشهد الأدبي الخليجي، ويعود هذا إلى معطيات اجتماعية وتطورية في بناء المجتمع، دينياً ومدنياً، وحالة الوعي الثقافي المتسيدة آنذاك، وكذلك القدرات الفنية والتقنية لدى الكاتب وهو ينسج كتاباته السردية التي لا تتعدى الحديث عن بعض المشكلات الاجتماعية المحصورة في العلاقات بين المرأة والرجل، كالزواج والطلاق والتعليم والعادات والتقاليد، إذ كانت القصص في عالم الحكاية البسيطة والمسطحة، بعد تأثر أصحابها بما كان يكتب وينشر من قصص ومقالات وخواطر في المجلات والدوريات التي تصل إلى المنطقة، أو من خلال التواصل مع البعثات التعليمية التي تمثلت في المعلمين والمعلمات الذين حطوا رحالهم لتعليم أبناء المنطقة، بالإضافة إلى الصحافة ودورها في نشر المحاولات المتأثرة بما هو موجود في مصر والعراق وبلاد الشام، إضافة إلى ما يصل مترجماً، وإن كان متأخراً. ومن الطبعي إذا كان المجتمع يؤمن بالتلاقي والتحاور والتواصل مع الثقافات الأخرى، فإن القصة أحد ملامح هذا التلاقي، لذلك فظهور القصة القصيرة في المنطقة لم يكن محض صدفة، أو تبعاً لأهواء كاتب هنا أو كاتب هناك، وإنما نشأت في الخليج والجزيرة العربية، حيث ذكر الناقد إبراهيم غلوم في كتابه «القصة القصيرة في الخليج العربي - الكويت والبحرين»، ص27 - 28، قائلاً: «تجاوباً مع المرحلة الحديثة التي بدأ يتعرف عليها المجتمع، بكل ما رافقها من عوامل التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وبكل ما اقترنت به من نوازع في تمزيق جدار العزلة، لذلك نشأتها تعبير مؤثر مهم في التجربة الثقافية والفكرية في الخليج العربي». علينا أن نطرح التساؤل الذي قد يكون عبارة عن إشكاليات فنية، تتعلق بالمكان وفن القص، حيث كثيراً ما نتفوه ببعض المفاهيم والمصطلحات لنجعلها حالة مطلقة، مما قد يتسبب لنا ببعض من الإشكاليات المفاهيمية والنقدية. وفي هذا السياق، نعني القصة هنا، أي ذلك المكان الجغرافي المحدد بدول مجلس التعاون الخليجي، والكتابات النقدية والأدبية عادة ما تشير إلى ما نطلق عليه الأدب الخليجي - الشعر الخليجي - الرواية الخليجية - القصة الخليجية - المسرح الخليجي - الدراما الخليجية - السينما الخليجية... أو نبتعد عن هذه المساءلة الفنية والمصطلحية، فنذهب إلى ما يمكن أن نطلق عليه الأدب في الخليج - الشعر في الخليج - الرواية في الخليج - القصة في الخليج - المسرح في الخليج - الدراما في الخليج - السينما في الخليج، وهذا ليس بغريب في الثقافة العربية، بل حتى العالمية. هناك فرق كبير بين المصطلحين أو بين المفهومين، بين القصة الخليجية والقصة في الخليج، وهو ما ينطبق على الأدب بشكل عام، فالأول يعني إلصاق الفعل الإبداعي إلى المكان، وهويته هي الفاعل الأساس، بمعنى كل هذا الإبداع من صنع الفرد الخليجي، أي الأدب والفعل الإبداعي وحالة الكتابة خليجية بحتة، أما الثاني فيشير إلى أن ما نتج من إبداع في المنطقة هو منتج لكل كاتب في المنطقة، سواء أكان خليجياً أم عربياً أم أجنبياً، وهنا إبعاد لهوية المكان، ونسبته إلى هوية النص لا غير، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نتجاهل الكاتب غير الخليجي، ودوره في المنجز الإبداعي والثقافي بالمنطقة، فهناك كتاب من الدول العربية المختلفة أسهموا في الحراك الثقافي والأدبي، وقد أشار الناقد السعودي سمحي بن ماجد الهاجري في كتابه «القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية»، ص86 - 85؛ ص108، إلى مساهمات الكاتب والقاص والصحافي الجزائري أحمد رضا حوحو في نشأة القصة السعودية، حيث عاش فترة في المدينة المنورة، وكتب كثيراً من القصص والمقالات، بل كان سكرتير تحرير مجلة «المنهل»، ومحمد عالم الأفغاني الذي وفد إلى المدينة المنورة، وكتب القصة مع النشأة وبعده، كما كان للناقد يوسف الشاروني شأن تجاه السرد العماني، وهناك مجموعة من المبدعين والنقاد أدوا دوراً بارزاً في المشهد الأدبي، شعراً وسرداً، بدولة الإمارات العربية المتحدة، مثل الناقد سمر روحي الفيصل، والناقد صالح هويدي، والناقد عزت عمر، والشاعر الناقد عبد الفتاح صبري، وغيرهم. وفي البحرين، كان للناقدين عبد الرحمن الصوير وعبد الحميد المحادين مساهمات ثقافية ونقدية وإبداعية، لذلك هل سألنا أنفسنا أيهما نأخذ من هذين المفهومين تجاه ما ينجز بالمنطقة، فضلاً عن أن بعض المنجزات الكتابية، وبالأخص النقدية، هي دراسات لنقاد وكتاب عرب اشتغلوا على منجز أبناء المنطقة، كما هو واضح وجلي في الكتابات النقدية التي كتبت عن الأدب في الإمارات العربية المتحدة، حيث كرس عدد من الأكاديميين والباحثين والنقاد جل عملهم في دراسة أعمال أنتجها كتاب إماراتيون. وهذا يدفعنا لعدم تجاهل هذا الدور الفاعل، حضوراً وتواصلاً ونقداً، الذي يقوم به هؤلاء وغيرهم، فضلاً عما يقدم من منجز إبداعي أيضاً في القصة والرواية والشعر، لذلك نحن نستعمل هذه المصطلحات التي ربما تكون غير دقيقة، نقدياً وعلمياً، وإنما توافق عليها المشتغلون بالدرس الأدبي والنقدي من أجل الوصول إلى صيغ الكتابة النقدية المحصورة في مكان جغرافي معين، بل ذهبنا أكثر من تعميم المنجز الأدبي، إبداعاً ونقداً، من كونه خليجياً إلى الحدود الجغرافية الأكثر حصراً، فنقول: القصة العمانية - القصة السعودية - القصة الكويتية - القصة القطرية - القصة الإماراتية - القصة البحرينية، وربما أخذنا هذه التسميات من العالم العربي الذي يؤكد على وجود القصة المصرية - القصة السورية - القصة العراقية - القصة المغربية، كما تعلمنا في مدارسنا وجامعاتنا. وإن كانت هذه المصطلحات يجانبها بعض الغموض فنياً، فإنها حضرت في المشهد الأدبي عامة، والنقدي على وجه الخصوص، بغية الدرس، بعدما اتفق عليها المشتغلون للوقوف على حالة الإبداع والكتابة، وخصوصية هذا المكان ومنجزه الذي قد يتباين مع الآخر، ثم دخلنا في تجزئة هذا الفن أو ذاك عبر بعض المكونات السردية، والتقنيات الجمالية، فذهبنا إلى عناوين نطوعها للدرس والتحليل، مثل: البحر في القصة العمانية - المكان في القصة السعودية - الزمن في القصة الكويتية - الهوية في القصة الإماراتية، وأدب الصحراء، والعلاقة بين الريف والمدينة، وهكذا نسير إلى جزئيات العمل، وزد على ذلك حين نقوم بدراسة هذه الجزئية كأننا ندرس خصوصية القصة في منطقة معينة من هذه الدولة أو تلك، مثل الشخصية عند كتاب الداخل، أو كتاب الأطراف، أو علاقة القصة بالذاكرة الثقافية عند سكان الجبال. - كاتب بحريني https://www.arabicstory.net   / المصدر: الشرق الأوسط]]> د. فهد حسين إن موقع منطقة الخليج العربي جغرافياً جعلها ملتقى لعدد من الحضارات والأقوام والثقافات، كالحضارة الهندية والفارسية واليونانية، بالإضافة إلى حضارات المنطقة، مثل: حضارة بابل وبلاد الرافدين بالعراق، والحضارة الفينيقية في بلاد الشام، والحضارة الفرعونية في مصر، بل فرض الموقع الجغرافي إحداث موانئ بحرية وبرية للتبادل التجاري والتعامل الاقتصادي، مع حدوث مواقع وأمكنة للتعاطي الثقافي. وبحصول المنطقة على هذه الحظوة الاستراتيجية التي أسهمت في استقبال تلك الحضارات المتعددة، والثقافات المتنوعة، واللغات المختلفة، أعطى أفراد مجتمع المنطقة رغبة التواصل والتلاقي من دون التلكؤ أو التراجع أو الوقوف، لأن بعض مناطق الخليج والجزيرة ذات قسوة في طبيعتها المناخية والتضاريسية، فإن هؤلاء الأفراد الذين يشكلون المجتمع الخليجي، بكل فئاته وطوائفه وأعراقه ودياناته، كانوا مصرين على معرفة طبائع الشعوب القادمة إليه، والوقوف على ثقافاتهم وحضاراتهم، بل امتد ذلك إلى بناء علاقات اقتصادية وتجارية. ومع تطور هذه العلاقات ذات الطابع الثقافي، باتت المنطقة محطة ثقافية زارها كثير من المثقفين العرب وغير العرب. القصة في منطقة الخليج العربية فن من الفنون الحديثة، ذات حالة إبداعية وخيالية، وذات ارتباط بالواقع المعيش في إطار إنساني، بل هي ضمن الفنون الإنسانية الأخرى التي تعبر عن تاريخ الإنسان والمكان والزمان، وتسعى إلى البحث عن جماليات فنية، وهي توظف التقنيات القصصية لتحفر لنفسها (القصة الخليجية - في الخليج) بصمة في المشهدين الأدبي والثقافي بالمنطقة، كما فعلت ذلك من قبل كل من القصة المصرية، والقصة العراقية، والقصة السورية، بالإضافة إلى دول المغرب العربي. وفي الوقت نفسه، فإن هذا الفن لم يكن سهل التناول، وإنما هناك مخاطرة الولوج إليه لحداثته، وتعقيد بنائه، ومعرفة نماذجه المتعددة، بين القصة الطويلة، والقصيرة، والقصيرة جداً التي بدأت في الانتشار حديثاً. وظهرت القصة القصيرة قبل الرواية في عموم المشهد الأدبي الخليجي، ويعود هذا إلى معطيات اجتماعية وتطورية في بناء المجتمع، دينياً ومدنياً، وحالة الوعي الثقافي المتسيدة آنذاك، وكذلك القدرات الفنية والتقنية لدى الكاتب وهو ينسج كتاباته السردية التي لا تتعدى الحديث عن بعض المشكلات الاجتماعية المحصورة في العلاقات بين المرأة والرجل، كالزواج والطلاق والتعليم والعادات والتقاليد، إذ كانت القصص في عالم الحكاية البسيطة والمسطحة، بعد تأثر أصحابها بما كان يكتب وينشر من قصص ومقالات وخواطر في المجلات والدوريات التي تصل إلى المنطقة، أو من خلال التواصل مع البعثات التعليمية التي تمثلت في المعلمين والمعلمات الذين حطوا رحالهم لتعليم أبناء المنطقة، بالإضافة إلى الصحافة ودورها في نشر المحاولات المتأثرة بما هو موجود في مصر والعراق وبلاد الشام، إضافة إلى ما يصل مترجماً، وإن كان متأخراً. ومن الطبعي إذا كان المجتمع يؤمن بالتلاقي والتحاور والتواصل مع الثقافات الأخرى، فإن القصة أحد ملامح هذا التلاقي، لذلك فظهور القصة القصيرة في المنطقة لم يكن محض صدفة، أو تبعاً لأهواء كاتب هنا أو كاتب هناك، وإنما نشأت في الخليج والجزيرة العربية، حيث ذكر الناقد إبراهيم غلوم في كتابه «القصة القصيرة في الخليج العربي - الكويت والبحرين»، ص27 - 28، قائلاً: «تجاوباً مع المرحلة الحديثة التي بدأ يتعرف عليها المجتمع، بكل ما رافقها من عوامل التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وبكل ما اقترنت به من نوازع في تمزيق جدار العزلة، لذلك نشأتها تعبير مؤثر مهم في التجربة الثقافية والفكرية في الخليج العربي». علينا أن نطرح التساؤل الذي قد يكون عبارة عن إشكاليات فنية، تتعلق بالمكان وفن القص، حيث كثيراً ما نتفوه ببعض المفاهيم والمصطلحات لنجعلها حالة مطلقة، مما قد يتسبب لنا ببعض من الإشكاليات المفاهيمية والنقدية. وفي هذا السياق، نعني القصة هنا، أي ذلك المكان الجغرافي المحدد بدول مجلس التعاون الخليجي، والكتابات النقدية والأدبية عادة ما تشير إلى ما نطلق عليه الأدب الخليجي - الشعر الخليجي - الرواية الخليجية - القصة الخليجية - المسرح الخليجي - الدراما الخليجية - السينما الخليجية... أو نبتعد عن هذه المساءلة الفنية والمصطلحية، فنذهب إلى ما يمكن أن نطلق عليه الأدب في الخليج - الشعر في الخليج - الرواية في الخليج - القصة في الخليج - المسرح في الخليج - الدراما في الخليج - السينما في الخليج، وهذا ليس بغريب في الثقافة العربية، بل حتى العالمية. هناك فرق كبير بين المصطلحين أو بين المفهومين، بين القصة الخليجية والقصة في الخليج، وهو ما ينطبق على الأدب بشكل عام، فالأول يعني إلصاق الفعل الإبداعي إلى المكان، وهويته هي الفاعل الأساس، بمعنى كل هذا الإبداع من صنع الفرد الخليجي، أي الأدب والفعل الإبداعي وحالة الكتابة خليجية بحتة، أما الثاني فيشير إلى أن ما نتج من إبداع في المنطقة هو منتج لكل كاتب في المنطقة، سواء أكان خليجياً أم عربياً أم أجنبياً، وهنا إبعاد لهوية المكان، ونسبته إلى هوية النص لا غير، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نتجاهل الكاتب غير الخليجي، ودوره في المنجز الإبداعي والثقافي بالمنطقة، فهناك كتاب من الدول العربية المختلفة أسهموا في الحراك الثقافي والأدبي، وقد أشار الناقد السعودي سمحي بن ماجد الهاجري في كتابه «القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية»، ص86 - 85؛ ص108، إلى مساهمات الكاتب والقاص والصحافي الجزائري أحمد رضا حوحو في نشأة القصة السعودية، حيث عاش فترة في المدينة المنورة، وكتب كثيراً من القصص والمقالات، بل كان سكرتير تحرير مجلة «المنهل»، ومحمد عالم الأفغاني الذي وفد إلى المدينة المنورة، وكتب القصة مع النشأة وبعده، كما كان للناقد يوسف الشاروني شأن تجاه السرد العماني، وهناك مجموعة من المبدعين والنقاد أدوا دوراً بارزاً في المشهد الأدبي، شعراً وسرداً، بدولة الإمارات العربية المتحدة، مثل الناقد سمر روحي الفيصل، والناقد صالح هويدي، والناقد عزت عمر، والشاعر الناقد عبد الفتاح صبري، وغيرهم. وفي البحرين، كان للناقدين عبد الرحمن الصوير وعبد الحميد المحادين مساهمات ثقافية ونقدية وإبداعية، لذلك هل سألنا أنفسنا أيهما نأخذ من هذين المفهومين تجاه ما ينجز بالمنطقة، فضلاً عن أن بعض المنجزات الكتابية، وبالأخص النقدية، هي دراسات لنقاد وكتاب عرب اشتغلوا على منجز أبناء المنطقة، كما هو واضح وجلي في الكتابات النقدية التي كتبت عن الأدب في الإمارات العربية المتحدة، حيث كرس عدد من الأكاديميين والباحثين والنقاد جل عملهم في دراسة أعمال أنتجها كتاب إماراتيون. وهذا يدفعنا لعدم تجاهل هذا الدور الفاعل، حضوراً وتواصلاً ونقداً، الذي يقوم به هؤلاء وغيرهم، فضلاً عما يقدم من منجز إبداعي أيضاً في القصة والرواية والشعر، لذلك نحن نستعمل هذه المصطلحات التي ربما تكون غير دقيقة، نقدياً وعلمياً، وإنما توافق عليها المشتغلون بالدرس الأدبي والنقدي من أجل الوصول إلى صيغ الكتابة النقدية المحصورة في مكان جغرافي معين، بل ذهبنا أكثر من تعميم المنجز الأدبي، إبداعاً ونقداً، من كونه خليجياً إلى الحدود الجغرافية الأكثر حصراً، فنقول: القصة العمانية - القصة السعودية - القصة الكويتية - القصة القطرية - القصة الإماراتية - القصة البحرينية، وربما أخذنا هذه التسميات من العالم العربي الذي يؤكد على وجود القصة المصرية - القصة السورية - القصة العراقية - القصة المغربية، كما تعلمنا في مدارسنا وجامعاتنا. وإن كانت هذه المصطلحات يجانبها بعض الغموض فنياً، فإنها حضرت في المشهد الأدبي عامة، والنقدي على وجه الخصوص، بغية الدرس، بعدما اتفق عليها المشتغلون للوقوف على حالة الإبداع والكتابة، وخصوصية هذا المكان ومنجزه الذي قد يتباين مع الآخر، ثم دخلنا في تجزئة هذا الفن أو ذاك عبر بعض المكونات السردية، والتقنيات الجمالية، فذهبنا إلى عناوين نطوعها للدرس والتحليل، مثل: البحر في القصة العمانية - المكان في القصة السعودية - الزمن في القصة الكويتية - الهوية في القصة الإماراتية، وأدب الصحراء، والعلاقة بين الريف والمدينة، وهكذا نسير إلى جزئيات العمل، وزد على ذلك حين نقوم بدراسة هذه الجزئية كأننا ندرس خصوصية القصة في منطقة معينة من هذه الدولة أو تلك، مثل الشخصية عند كتاب الداخل، أو كتاب الأطراف، أو علاقة القصة بالذاكرة الثقافية عند سكان الجبال. - كاتب بحريني https://www.arabicstory.net   / المصدر: الشرق الأوسط]]> 121009 محاكمة متأخرة لعلاء الأسواني : تحويل الروائي المصري علاء الأسواني للمحاكمة العسكرية http://www.souriyati.com/2019/03/20/120681.html Wed, 20 Mar 2019 16:31:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/20/120681.html بينما انتشرت في صفحات التواصل الاجتماعي، تدوينات تشير إلى تحويل الروائي المصري علاء الأسواني للمحاكمة العسكرية، تساءلتُ لثوانٍ: كيف فات هذه السلطة أن تفعلها منذ فترة؟ هذا الكاتب أكثر إزعاجًا لها من كثيرين يتم التنكيل بهم بأشكال مختلفة، من بينها الوقوف أمام القضاء العسكري. وهذا زمن يحمل الحديث فيه عن منطق حرية الرأي عبثًا واضحًا. حزن مقيم. يعز على المرء منّا أن يكون هذا هو المنطق الوحيد للتفكير، غير أن الواقع "فشخ" الخيال منذ فترة أصبحت كافية لأن نعي ما نعيش، ويصير الاجتهاد الوحيد للكُتّاب والمشغولين بالرأي هو: كيف تمشي على حبل رفيع من دون الوقوع في ما قد يذهب بك وراء القضبان؟ الأسواني متهم بإهانة الرئيس والتحريض على نظام الحكم. أحوال الصحافة في مصر لا تسمح بتوفير مصدر رسمي لهذا النوع من الأخبار، لكن خبراً نشرته جريدة "فيتو" قبل أيام، ومر مرور الكرام، تحدث عن بلاغ قدّمه محام يدعى أيمن محفوظ للمدعي العام العسكري، يطالب فيه بإحالة الأسواني للمحاكمة العسكرية بتُهم "تتعلق بإهانة الرئيس والقوات المسلحة والقضاء، في مجموعة مقالات كتبها على موقع وصحيفة ألمانية شهيرة"، ويقصد موقع "دويتشه فيليه". وأضاف الخبر على لسان المحامي صاحب البلاغ، أن مقالات الأسواني تحمل إهانة للرئيس، الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأن النظر في إهانة القوات المسلحة أو المخالفات القانونية المتعلقة بالعسكريين "يختص القضاء العسكري وحده بالنظر فيها". في زمن آخر، وطبعًا في مكان آخر، كان بديهيًا أن يمر البلاغ كما مرّ الخبر، مرور الكرام، لكننا لسنا في زمن آخر ولا مكان آخر. الأسواني كتب مقاله الأسبوعي، أمس الثلاثاء، تحت عنوان "نعم.. أنا متهم في قضية عسكرية"، ساردًا خلفية ما حدث. بدأ متكئًا على تاريخ العلاقة بين السلطة العسكرية ومعارضيها، وصولًا إلى فقرة حول تصاعد التضييق عليه حتى توقف عن الكتابة في مصر، مرورًا بقلق الناشرين المصريين من طبع روايته الأحدث "جمهورية كأن"، واضطراره نشرها في "دار الآداب" البيروتية، ما يحرمه من زحام القراء المصريين الذي اعتاده في حفلات التوقيع، قبل أن يختتم بمعرفته أمر إحالته إلى القضاء العسكري بتهمة إهانة الرئيس والتحريض ضد النظام بسبب روايته الأخيرة ومقالته الأسبوعية: "هكذا أصبحت متهمًا في قضية عسكرية.. جريمتي الوحيدة أنني كاتب أعبّر عن رأيي". ختام مقال الأسواني صار خبرًا عاجلًا في عدد من الصحف العربية والعالمية. وكان جدلًا أثير، مع صدور "جمهورية كأن" في بيروت، بين من صدّق صعوبة أو استحالة نشرها في مصر، وبين من رأى أن الأسواني يزُعم هذا الاضطرار من باب التسويق. لكن الأيام حسمت هذا الجدل بعدم توافر الرواية في المكتبات المصرية، في حين تتوافر الكتب التي تأتينا من دور النشر اللبنانية. فضلًا عن أن من قرأ الرواية، المُقرصنة إلكترونيًا، سيعرف أن صدورها في مصر كان سيتسبب، قطعًا، في مشاكل لناشرها، رغم أنها لم تتعرض مباشرة لما نعيش من لحظة سياسية راهنة، حيث توقفت أحداثها عند فترة ما قبل حكم محمد مرسي. وكان تعليقًا للصديق الشاعر والمترجم أحمد شافعي في "فايسبوك"، أثار اهتمامي، حيث وصفها بأهم عمل أدبي صدر منذ 2011، وبين مناقشات الأصدقاء، هاتفتُه. قال لي إن الأسواني رفع عنّا جميعًا الحرج، ككتّاب مصريين، بإصدار روايته هذه، ذلك أن ما حدث كان واجبًا على الكتابة المصرية أن تعالجه في عمل ما. الرواية ببساطة هي مُحاكاة أدبية لأحداث ثورة يناير وما حولها. قوامها تخيُل الكاتب للملامح الإنسانية والاجتماعية لشخصيات اعتبرها نماذج تعبر عن الأطراف المشاركة في الحدث الكبير. أطراف، من بينها الثوري والانتهازي والسلطوي وتاجر الدين، مع الدخول إلى قلب الحياة اليومية والأسرية والاجتماعية لهذه الأطراف. خاضت "جمهورية كأن" في تفاصيل ما حدث، بشكل مباشر اتكأ على تصوير حاد لمرارة الواقع، ولغة لم تتحاش بذاءته. لما عرفتُ علاء الأسواني، كان قد تحقق له ما تحقق من شهرة أدبية في عدد من دول العالم، وعرفنا أن روايته "عمارة يعقوبيان" تُرجمت لأكثر من 30 لغة، تلتها "شيكاغو" بنجاح مشابه، والتفتنا إلى عمله الأسبق "نيران صديقة". وكان ما وصل إليه من جماهيرية أدخلنا، مع بدايات الألفية، إلى جدلية تفسير "الأفضل مبيعًا"، والتي لم تنته حتى اليوم، واعتبر البعض أنها جماهيرية مؤقتة، حيث لم تخضع للقوالب المعروفة. غير أن الزمن دائمًا هو فيصل مثل هذه الرهانات، وبدا أن الاعتراف بعلاء الأسواني كاتبًا عالميًا أمرًا بات محسومًا، سواء ناسبت أعماله ذائقتك أم لا. غير أن هذه الذائقة، النسبية والمتغيرة دائمًا، لا يجب أن تكون مرجعية في التضامن معه ضد ما يحدث له أو لغيره ممن يُعاقبون على إبداء الرأي. لم أشهد تنحي مبارك بين الثوار في ميدان التحرير، لا أتذكر الأسباب، لكني شاهدت إذاعة البيان في التلفزيون، وجاءتني رغبة الاتصال به للتهنئة، ليس لكونه من المشاركين البارزين في أحداث الثورة، لكن لأنه كان من المحفزين عليها. فبينما كان هناك من يخطط ويؤسس الحركات الاحتجاجية السرية والمعلنة، كان هناك كُتّاب يداومون على تحفيز الرأي العام. ومقالات علاء الأسواني، في ما أتصور، كانت من المقالات الأكثر تأثيرًا في الشارع المصري، خصوصًا بين الشباب الذين رأيت الحركة المرورية تتوقف بسبب إقبالهم على ندوته في مكتبة أو قاعة ندوات. قلت له: مبروك. قال: "بلاش اطمئنان زيادة، اللي جاي أصعب". ولا أتصوره إحباطًا لو قلت إن تحويل الأسواني للمحاكمة، في ما نعيش من لحظة عجيبة، هو إجراء بديهي، بل ربما جاء متأخرًا. ذلك أن جريمة التعبير عن الرأي هي جريمة كبيرة في أيامنا الصعبة. ]]> بينما انتشرت في صفحات التواصل الاجتماعي، تدوينات تشير إلى تحويل الروائي المصري علاء الأسواني للمحاكمة العسكرية، تساءلتُ لثوانٍ: كيف فات هذه السلطة أن تفعلها منذ فترة؟ هذا الكاتب أكثر إزعاجًا لها من كثيرين يتم التنكيل بهم بأشكال مختلفة، من بينها الوقوف أمام القضاء العسكري. وهذا زمن يحمل الحديث فيه عن منطق حرية الرأي عبثًا واضحًا. حزن مقيم. يعز على المرء منّا أن يكون هذا هو المنطق الوحيد للتفكير، غير أن الواقع "فشخ" الخيال منذ فترة أصبحت كافية لأن نعي ما نعيش، ويصير الاجتهاد الوحيد للكُتّاب والمشغولين بالرأي هو: كيف تمشي على حبل رفيع من دون الوقوع في ما قد يذهب بك وراء القضبان؟ الأسواني متهم بإهانة الرئيس والتحريض على نظام الحكم. أحوال الصحافة في مصر لا تسمح بتوفير مصدر رسمي لهذا النوع من الأخبار، لكن خبراً نشرته جريدة "فيتو" قبل أيام، ومر مرور الكرام، تحدث عن بلاغ قدّمه محام يدعى أيمن محفوظ للمدعي العام العسكري، يطالب فيه بإحالة الأسواني للمحاكمة العسكرية بتُهم "تتعلق بإهانة الرئيس والقوات المسلحة والقضاء، في مجموعة مقالات كتبها على موقع وصحيفة ألمانية شهيرة"، ويقصد موقع "دويتشه فيليه". وأضاف الخبر على لسان المحامي صاحب البلاغ، أن مقالات الأسواني تحمل إهانة للرئيس، الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأن النظر في إهانة القوات المسلحة أو المخالفات القانونية المتعلقة بالعسكريين "يختص القضاء العسكري وحده بالنظر فيها". في زمن آخر، وطبعًا في مكان آخر، كان بديهيًا أن يمر البلاغ كما مرّ الخبر، مرور الكرام، لكننا لسنا في زمن آخر ولا مكان آخر. الأسواني كتب مقاله الأسبوعي، أمس الثلاثاء، تحت عنوان "نعم.. أنا متهم في قضية عسكرية"، ساردًا خلفية ما حدث. بدأ متكئًا على تاريخ العلاقة بين السلطة العسكرية ومعارضيها، وصولًا إلى فقرة حول تصاعد التضييق عليه حتى توقف عن الكتابة في مصر، مرورًا بقلق الناشرين المصريين من طبع روايته الأحدث "جمهورية كأن"، واضطراره نشرها في "دار الآداب" البيروتية، ما يحرمه من زحام القراء المصريين الذي اعتاده في حفلات التوقيع، قبل أن يختتم بمعرفته أمر إحالته إلى القضاء العسكري بتهمة إهانة الرئيس والتحريض ضد النظام بسبب روايته الأخيرة ومقالته الأسبوعية: "هكذا أصبحت متهمًا في قضية عسكرية.. جريمتي الوحيدة أنني كاتب أعبّر عن رأيي". ختام مقال الأسواني صار خبرًا عاجلًا في عدد من الصحف العربية والعالمية. وكان جدلًا أثير، مع صدور "جمهورية كأن" في بيروت، بين من صدّق صعوبة أو استحالة نشرها في مصر، وبين من رأى أن الأسواني يزُعم هذا الاضطرار من باب التسويق. لكن الأيام حسمت هذا الجدل بعدم توافر الرواية في المكتبات المصرية، في حين تتوافر الكتب التي تأتينا من دور النشر اللبنانية. فضلًا عن أن من قرأ الرواية، المُقرصنة إلكترونيًا، سيعرف أن صدورها في مصر كان سيتسبب، قطعًا، في مشاكل لناشرها، رغم أنها لم تتعرض مباشرة لما نعيش من لحظة سياسية راهنة، حيث توقفت أحداثها عند فترة ما قبل حكم محمد مرسي. وكان تعليقًا للصديق الشاعر والمترجم أحمد شافعي في "فايسبوك"، أثار اهتمامي، حيث وصفها بأهم عمل أدبي صدر منذ 2011، وبين مناقشات الأصدقاء، هاتفتُه. قال لي إن الأسواني رفع عنّا جميعًا الحرج، ككتّاب مصريين، بإصدار روايته هذه، ذلك أن ما حدث كان واجبًا على الكتابة المصرية أن تعالجه في عمل ما. الرواية ببساطة هي مُحاكاة أدبية لأحداث ثورة يناير وما حولها. قوامها تخيُل الكاتب للملامح الإنسانية والاجتماعية لشخصيات اعتبرها نماذج تعبر عن الأطراف المشاركة في الحدث الكبير. أطراف، من بينها الثوري والانتهازي والسلطوي وتاجر الدين، مع الدخول إلى قلب الحياة اليومية والأسرية والاجتماعية لهذه الأطراف. خاضت "جمهورية كأن" في تفاصيل ما حدث، بشكل مباشر اتكأ على تصوير حاد لمرارة الواقع، ولغة لم تتحاش بذاءته. لما عرفتُ علاء الأسواني، كان قد تحقق له ما تحقق من شهرة أدبية في عدد من دول العالم، وعرفنا أن روايته "عمارة يعقوبيان" تُرجمت لأكثر من 30 لغة، تلتها "شيكاغو" بنجاح مشابه، والتفتنا إلى عمله الأسبق "نيران صديقة". وكان ما وصل إليه من جماهيرية أدخلنا، مع بدايات الألفية، إلى جدلية تفسير "الأفضل مبيعًا"، والتي لم تنته حتى اليوم، واعتبر البعض أنها جماهيرية مؤقتة، حيث لم تخضع للقوالب المعروفة. غير أن الزمن دائمًا هو فيصل مثل هذه الرهانات، وبدا أن الاعتراف بعلاء الأسواني كاتبًا عالميًا أمرًا بات محسومًا، سواء ناسبت أعماله ذائقتك أم لا. غير أن هذه الذائقة، النسبية والمتغيرة دائمًا، لا يجب أن تكون مرجعية في التضامن معه ضد ما يحدث له أو لغيره ممن يُعاقبون على إبداء الرأي. لم أشهد تنحي مبارك بين الثوار في ميدان التحرير، لا أتذكر الأسباب، لكني شاهدت إذاعة البيان في التلفزيون، وجاءتني رغبة الاتصال به للتهنئة، ليس لكونه من المشاركين البارزين في أحداث الثورة، لكن لأنه كان من المحفزين عليها. فبينما كان هناك من يخطط ويؤسس الحركات الاحتجاجية السرية والمعلنة، كان هناك كُتّاب يداومون على تحفيز الرأي العام. ومقالات علاء الأسواني، في ما أتصور، كانت من المقالات الأكثر تأثيرًا في الشارع المصري، خصوصًا بين الشباب الذين رأيت الحركة المرورية تتوقف بسبب إقبالهم على ندوته في مكتبة أو قاعة ندوات. قلت له: مبروك. قال: "بلاش اطمئنان زيادة، اللي جاي أصعب". ولا أتصوره إحباطًا لو قلت إن تحويل الأسواني للمحاكمة، في ما نعيش من لحظة عجيبة، هو إجراء بديهي، بل ربما جاء متأخرًا. ذلك أن جريمة التعبير عن الرأي هي جريمة كبيرة في أيامنا الصعبة. ]]> 120681 غادة السمان تنتهك «السرية» العاطفية : من التالي على قائمة الرسائل بعد غسان كنفاني وأنسي الحاج؟ http://www.souriyati.com/2019/03/20/120651.html Wed, 20 Mar 2019 16:03:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/20/120651.html شوقي بزيع ليست الكتابة في عمقها سوى رسائل من نوع ما يبعث بها الكتّاب إلى جهات متعددة العناوين، دون أن يتلقوا بالضرورة إجابات عنها. وهذه الجهات قد تكون أنفسهم بالذات، وقد تكون بشراً أو أماكن وأزمنة مفقودة. قد تكون مسدّدة باتجاه المرئي الذي يهمنا أن نبوح له بمكنوناتنا ونتبادل معه الشجون والهواجس ووجيب القلب، أو باتجاه المجهول واللامرئي المستتر وراء غموضه الملغز، كما هو شأن الحياة والحب والموت ومعنى الوجود وأسئلته المرهقة. على أن ثمة فوارق غير قليلة بين الرسائل العامة التي تقارب شتى مناحي الحياة ووجوهها والمعَدّة أصلاً للنشر، وبين الرسائل الشخصية التي يكتبها العاشقون على نحو خاص من دون أن يضعوا في حسبانهم إمكانية تعميمها ودفعها إلى النشر في يوم من الأيام. فحيث يحرص الكاتب في النوع الأول، ومن ضمنه المذكرات والاعترافات وأدب السيرة، على إخفاء قدْر قليل أو كثير من سلوكياته وعيوبه وعوالمه الداخلية، يتخلى في النوع الثاني عن تحفظاته وأقنعته، ويقدم للطرف الآخر كشف حساب تفصيلي عن كل مكابداته وهواجسه ومشاعره المتأججة. وإذا كانت وسائل التواصل الشخصي بين البشر، بدءاً من الحمام الزاجل وعلَب البريد وسعاته ووصولاً إلى الرسائل الإلكترونية، قد حفلت بملايين الرسائل الركيكة أو البليغة، فإن بعض الرسائل العاطفية التي تبادلها عبر الزمن مبدعون ومبدعات متميزون، ترقى من حيث أساليبها التعبيرية العالية وعمقها الدلالي إلى مستويات الأدب الرفيع الذي يتجاوز طابعه العلاقات الثنائية المغلقة على نيرانها ليلامس الأغوار الأخيرة للنفس الإنسانية والهواجس المشتركة بين البشر. لا بل إن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز يذهب إلى أبعد من ذلك، فيعتبر أن «كل كتابة هي رسالة حب من نوع ما، وأن على المرء ألا يموت إلا بواسطة هذا الحب، وبواسطته يكتب أو يكفّ عن الكتابة». تبدو الرسائل الأدبية من بعض وجوهها نوعاً من التعازيم التي تهدف إلى الانصهار بالآخر، أو ردم الهوة التي تفصلنا عنه، أو لاستعادته من عهدة الفقدان. كذلك كان حال تيد هيوز الذي أهدى لزوجته الشاعرة سيلفيا بلاث ديوانه الشعري «رسائل عيد الميلاد»، بعد انتحارها المأساوي بسنوات، أو حال جمال الغيطاني الذي حاول في «رسالة في الصبابة والوجد» أن يربط بين حضارة سمرقند الغائرة في قلب التاريخ، وبين الجمال الأنثوي الذي ثُلم قلبه بين قبابها. ومع ذلك فإن الرسائل العاطفية المباشرة تكتسب نكهة خاصة لأنها أقرب إلى البوح الداخلي وهتْك الأحشاء منها إلى الرصانة والحذر وحسابات الرقابة الاجتماعية والأخلاقية. وهي إذ تُنشر على الملأ بعد ذلك، توفر للقارئ النهِم متعة الفضول والتلصص على الحيوات الغامضة لكبار المبدعين وما يكتنفها من تناقضات وشوائب وتصدعات داخلية عميقة. ولهذا تلقف القراء بشغف بالغ الرسائل المتبادلة بين جبران خليل جبران ومي زيادة، أو تلك التي تبادلها هنري ميلر وإنييس نن، أو سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر. إن كاف المخاطبَ التي يعتمدها العشاق في رسائلهم تتجاوز الاسم الشخصي للمرسل إليه لتتحول إلى أداة للتقريب بين كل من لفحتهم رياح العشق، أو من ينتظرون بلا طائل حبيباً أرهقهم صدوده أو غيابه الطويل... قد لا تكون الرسائل الشخصية والعاطفية التي يعمد كتّاب الغرب وساسته وفنانوه إلى نشرها على الملأ مدعاة للدهشة أو الاستهجان، لأن هؤلاء ليسوا محكومين بالتابوهات الاجتماعية والأخلاقية التي تجعل من كل اعتراف حميم أو بوح متجرئ نوعاً من الفضيحة الشخصية المجلجلة. وحيث يتحول أدب السيرة الغربي إلى شهادة صادقة عن الحياة الفعلية التي عاشها الكاتب، فإن معظم النماذج التي قدمها أدب السيرة العربي يعتمد على تمويه الحقائق والتستر على العيوب، وتقدم الحياة كما يرغب الكاتب في عيشها، لا كما حدثت بالفعل. وقد تكون غادة السمان من هذه الزاوية هي إحدى الرائدات الأكثر جرأة على انتهاك المحظورات، والأكثر إسهاماً في دحض المفاهيم الذكورية السائدة في بلاد العرب. ولعله من باب الإنصاف بالطبع أن نذكر نساء مماثلات، من أمثال ليلى بعلبكي في روايتها «أنا أحيا»، وأمل جراح في «الرواية الملعونة»، وصولاً إلى حنان الشيخ ونوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وغيرهن. لكن ما يميز غادة السمان، فضلاً عن الأهمية البالغة للسبق الزمني، هو ثراؤها الإبداعي الصادر عن شغف بالحياة قلّ نظيره، وعن شرر داخلي لا يتردد في توزيع نفسه بين الرواية والقصة والمقالة والشعر. وحتى في حواراتها الصحافية التي صدر آخرها في كتاب جامع تحت عنوان «تعرية كاتبة تحت المجهر»، نعثر على الكثير من اللقى والإصابات اللماحة التي لا تكف صاحبة «السباحة في بحيرة الشيطان» عن تسديدها إلى عقول القراء وقلوبهم في آن. فهي من تقول في إجابتها عن سؤال يتعلق بلغة الرواية وواقعها الحالي: «الرداء لا يصنع الراهب، والإناء الكريستالي لا يحتوي بالضرورة أجمل الأزهار». وهي من تصف فيروز بأنها «حنجرة الما وراء». وهي من تعبّر عن صعوبة مهمة التغيير المنوطة بها في عالم عربي بائس بالقول: «إنني لست سوى صَدَفة تحاول أن تُفرغ بحر الأحزان من مياهه». لم يكن بالأمر المستهجن تبعاً لذلك أن تبادر غادة السمان، وبجرأة نادرة، إلى أن تنشر على الملأ الرسائل العاطفية المؤثرة التي سبق لغسان كنفاني أن بعث بها إليها في منتصف ستينيات القرن الفائت. وإذ تؤكد الكاتبة على عدم امتلاكها لأي من الرسائل التي بعثت بها إلى غسان، وتناشد من يحتفظون بها أن يفرجوا عنها، تبدو مقدمتا الكتاب كافيتين تماماً لإشعارنا بأن ذلك الحب لم يكن أبداً من طرف واحد، وأن علاقة بذلك الألق والبهاء لا يجب أن تكون مدعاة للخجل، أو أن تلفها غياهب النسيان: «نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، يقرع باب ذاكرتي ويدخل بأصابعه المصفرة بالنيكوتين وإبرة (أنسولينه) وصخبه المرح، يجرني من يدي لنتسكع معاً تحت المطر، ونجلس في المقاهي مع الأصدقاء، ونتبادل الموت والحياة والفرح بلا أقنعة... والرسائل أيضاً». ولم يكن بالأمر المفاجئ في الوقت عينه أن تواجه صاحبة «لا بحر في بيروت» كل هذا القدر من الغبار والضجيج في عالم عربي تقوم معظم أدبياته على التقية الاجتماعية والأخلاقية، وعلى جعل الكتابة شأناً ذكورياً بامتياز، وأداة لإعادة إنتاج السائد في السياسة والدين والأخلاق ونظام القيم. وليس صحيحاً بأي حال الزعم بأن تقديم كنفاني في صورة العاشق المتيم يسيء إلى صورة الرجل المقاوم الذي يمثله، بل الصحيح أنه يقدم الوجه الإنساني المترع بالرقة لذلك المناضل الصلب الذي يرى في الأنوثة المحتجبة والوطن المغيب وجهين لحلم واحد، ويرى في المرأة، أنثى ومبدعة، رمزاً للجمال الأيقوني الذي يشع من وراء قبح العالم وفظاظته. ثم ألم يكن الافتتان بالمرأة المعشوقة هو الوجه الآخر للفروسية عند العرب، منذ خطر لعنترة أن يتوئم بين لمعان السيوف وبريق الشفاه، وحتى القولة الشهيرة «نحن قوم تذيبنا الأعين النجل\ على أننا نذيب الحديدا»، التي ينسبها البعض لأبي فراس الحمداني وينسبها آخرون لسواه. ولن يضير كنفاني في شيء قوله لغادة: «قيل في الهورس شو إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد»، ففي لغة العشق ليس ثمة من مجال للشعور بالمهانة، وإلا كيف نقرأ قول بابلو نيرودا لحبيبته: «أريد أصابع قدميك العشرة لكي آكل واحداً كل يوم»! ثم إن في الرسائل من جهة ثانية لغة مشدودة العصب ومترعة بالصور والمجازات: «كيف لم أتمسك بك يا هوائي وخبزي ونهاري الضحوك؟ أيتها المرأة التي مثلكِ لا يُرى، أيها الشعر الذي ولد تحت جفني مثل جناحي عصفور ولد في رحم الريح، أيتها العينان اللتان تمطران خبز القلب وملح السهول الجديبة. يا طليقة، كيف انخلعتِ هكذا عني؟ دونك لستُ إلا قطرة مطر ضائعة في سيل». تبدو رسائل أنسي الحاج من ناحية ثانية، التي نشرتها السمان بعد رحيله، مفاجئة تماماً لقراء الشاعر الذي كان شديد التكتم على علاقاته وحياته الشخصية. فقد كان أنسي من الخارج غيره من الداخل. كما لو أنه كان يحشو جنونه وفوضاه داخل لغته المباغتة في تشكّلها وتمردها على السائد، فيما كانت ملامحه وسلوكه ينضحان بالرقة والخشوع الخفر. ولعل نعته بالقديس الملعون كان الترجمة المختزلة لمثل هذه المفارقة. على أن ما يلفتنا قبل كل شيء ليس فقط تنويه السمان بأنها لم تكتب لأنسي أي رسالة، بل اكتفاؤها في الآن ذاته بتقديم «حيادي» وشديد الإيجاز تشير فيه إلى مقاهي بيروت القديمة التي كان يلتقي فيها الكتاب والمثقفون، ولم يعد لها اليوم من أثر. أما الإشارة إلى عجزها عن تمزيق الرسائل لما تحمله من قيمة أدبية عالية، فتبدو بمثابة إقرار ضمني بأن علاقتها بأنسي لم تتجاوز حدود إعجابها بتجربته الإبداعية الرائدة. وما يلفت الانتباه أيضاً هو توضيحها للقراء أن أنسي لم يكن متزوجاً لدى كتابة رسائله إليها، فيما لم نجد في تقديمها لرسائل كنفاني مثل هذا التوضيح، كما لو أن الحب عندها لا سواه هو ما يعطي للعلاقات مسوغها ومشروعيتها الأخلاقية. واللافت هنا أن رسائل الحاج السبع كُتبت جميعها في الشهر الأخير من عام 1963 ثم انقطعت بعد ذلك، بما يشير إلى احتمالين اثنين، أولهما انتصار الكاتب لكرامته حين لم يلق من المرأة المعشوقة أي استجابة، وثانيهما أن يكون ما أقدم عليه مجرد مغامرة عاطفية جامحة سرعان ما خمدت نيرانها حين لم تجد سبيلاً إلى التحقق. «إنني بحاجة إليك» يقول أنسي لغادة في غير مناسبة. ولأنه ليس متأكداً من العكس فهو يبذل كل طاقته لكي يثبت لها صدق مشاعره نحوها ووطأة مكابداته. وحيث لا تأتي من الطرف المعشوق إشارات كافية للاطمئنان، تنفلت اللغة من عقالها لتتحول إلى حمى هذيانية ونداءات بلا عناوين: «اذهب أنت. اخرجوا من هنا بسرعة. خذوا الكراسي معكم. كُلوني في الخارج. لا أريد أن أرى أحداً. أحرقوا الكتب جيداً وفلّتوا الذئاب. اتركوا المفاتيح أمامي». وفي خطاب العشق الهذياني هذا ثمة دائماً حالات متناقضة تختلط فيها مشاعر الخجل والانسحاق والندم وتأنيب الذات وصولاً إلى هواجس الجنون والموت. وإذا كان هلدرلن قد رأى الحب بوصفه نوعاً من المرض المخجل، فإن أنسي يعتبر نفسه «مريضاً بسرطان الزمن والخيبة»، في استشراف حدسي مبكر للمرض الذي قتله بعد أكثر من خمسة عقود. لقد وعدتنا غادة السمان أخيراً بكشف المزيد من المستور، وبنشر المزيد من الرسائل المودعة في مكان من قلبها شديد الظمأ إلى الحب، وفي مكان من عقلها بالغ الاستنارة. وإذا كان هذا الوعد موضع ترحيب واسع من قبَل الأوساط الثقافية العربية، كما يتراءى لي، فإن من حقنا جميعاً أن نطالب الكاتبة التي جعلت من البومة شعارها الأثير أن تُخرج رسائلها العاطفية من ظلمة الأدراج، ليس فقط لكي تقف مع الذين عشقوها على أرض الاعتراف المتبادل والجرأة المتكافئة. بل لكي تميط لقرائها اللثام عن أكثر وجوهها الأدبية التصاقاً بالقلب والتوتر التعبيري والمغامرة الإنسانية. المصدر: الشرق الأوسط]]> شوقي بزيع ليست الكتابة في عمقها سوى رسائل من نوع ما يبعث بها الكتّاب إلى جهات متعددة العناوين، دون أن يتلقوا بالضرورة إجابات عنها. وهذه الجهات قد تكون أنفسهم بالذات، وقد تكون بشراً أو أماكن وأزمنة مفقودة. قد تكون مسدّدة باتجاه المرئي الذي يهمنا أن نبوح له بمكنوناتنا ونتبادل معه الشجون والهواجس ووجيب القلب، أو باتجاه المجهول واللامرئي المستتر وراء غموضه الملغز، كما هو شأن الحياة والحب والموت ومعنى الوجود وأسئلته المرهقة. على أن ثمة فوارق غير قليلة بين الرسائل العامة التي تقارب شتى مناحي الحياة ووجوهها والمعَدّة أصلاً للنشر، وبين الرسائل الشخصية التي يكتبها العاشقون على نحو خاص من دون أن يضعوا في حسبانهم إمكانية تعميمها ودفعها إلى النشر في يوم من الأيام. فحيث يحرص الكاتب في النوع الأول، ومن ضمنه المذكرات والاعترافات وأدب السيرة، على إخفاء قدْر قليل أو كثير من سلوكياته وعيوبه وعوالمه الداخلية، يتخلى في النوع الثاني عن تحفظاته وأقنعته، ويقدم للطرف الآخر كشف حساب تفصيلي عن كل مكابداته وهواجسه ومشاعره المتأججة. وإذا كانت وسائل التواصل الشخصي بين البشر، بدءاً من الحمام الزاجل وعلَب البريد وسعاته ووصولاً إلى الرسائل الإلكترونية، قد حفلت بملايين الرسائل الركيكة أو البليغة، فإن بعض الرسائل العاطفية التي تبادلها عبر الزمن مبدعون ومبدعات متميزون، ترقى من حيث أساليبها التعبيرية العالية وعمقها الدلالي إلى مستويات الأدب الرفيع الذي يتجاوز طابعه العلاقات الثنائية المغلقة على نيرانها ليلامس الأغوار الأخيرة للنفس الإنسانية والهواجس المشتركة بين البشر. لا بل إن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز يذهب إلى أبعد من ذلك، فيعتبر أن «كل كتابة هي رسالة حب من نوع ما، وأن على المرء ألا يموت إلا بواسطة هذا الحب، وبواسطته يكتب أو يكفّ عن الكتابة». تبدو الرسائل الأدبية من بعض وجوهها نوعاً من التعازيم التي تهدف إلى الانصهار بالآخر، أو ردم الهوة التي تفصلنا عنه، أو لاستعادته من عهدة الفقدان. كذلك كان حال تيد هيوز الذي أهدى لزوجته الشاعرة سيلفيا بلاث ديوانه الشعري «رسائل عيد الميلاد»، بعد انتحارها المأساوي بسنوات، أو حال جمال الغيطاني الذي حاول في «رسالة في الصبابة والوجد» أن يربط بين حضارة سمرقند الغائرة في قلب التاريخ، وبين الجمال الأنثوي الذي ثُلم قلبه بين قبابها. ومع ذلك فإن الرسائل العاطفية المباشرة تكتسب نكهة خاصة لأنها أقرب إلى البوح الداخلي وهتْك الأحشاء منها إلى الرصانة والحذر وحسابات الرقابة الاجتماعية والأخلاقية. وهي إذ تُنشر على الملأ بعد ذلك، توفر للقارئ النهِم متعة الفضول والتلصص على الحيوات الغامضة لكبار المبدعين وما يكتنفها من تناقضات وشوائب وتصدعات داخلية عميقة. ولهذا تلقف القراء بشغف بالغ الرسائل المتبادلة بين جبران خليل جبران ومي زيادة، أو تلك التي تبادلها هنري ميلر وإنييس نن، أو سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر. إن كاف المخاطبَ التي يعتمدها العشاق في رسائلهم تتجاوز الاسم الشخصي للمرسل إليه لتتحول إلى أداة للتقريب بين كل من لفحتهم رياح العشق، أو من ينتظرون بلا طائل حبيباً أرهقهم صدوده أو غيابه الطويل... قد لا تكون الرسائل الشخصية والعاطفية التي يعمد كتّاب الغرب وساسته وفنانوه إلى نشرها على الملأ مدعاة للدهشة أو الاستهجان، لأن هؤلاء ليسوا محكومين بالتابوهات الاجتماعية والأخلاقية التي تجعل من كل اعتراف حميم أو بوح متجرئ نوعاً من الفضيحة الشخصية المجلجلة. وحيث يتحول أدب السيرة الغربي إلى شهادة صادقة عن الحياة الفعلية التي عاشها الكاتب، فإن معظم النماذج التي قدمها أدب السيرة العربي يعتمد على تمويه الحقائق والتستر على العيوب، وتقدم الحياة كما يرغب الكاتب في عيشها، لا كما حدثت بالفعل. وقد تكون غادة السمان من هذه الزاوية هي إحدى الرائدات الأكثر جرأة على انتهاك المحظورات، والأكثر إسهاماً في دحض المفاهيم الذكورية السائدة في بلاد العرب. ولعله من باب الإنصاف بالطبع أن نذكر نساء مماثلات، من أمثال ليلى بعلبكي في روايتها «أنا أحيا»، وأمل جراح في «الرواية الملعونة»، وصولاً إلى حنان الشيخ ونوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وغيرهن. لكن ما يميز غادة السمان، فضلاً عن الأهمية البالغة للسبق الزمني، هو ثراؤها الإبداعي الصادر عن شغف بالحياة قلّ نظيره، وعن شرر داخلي لا يتردد في توزيع نفسه بين الرواية والقصة والمقالة والشعر. وحتى في حواراتها الصحافية التي صدر آخرها في كتاب جامع تحت عنوان «تعرية كاتبة تحت المجهر»، نعثر على الكثير من اللقى والإصابات اللماحة التي لا تكف صاحبة «السباحة في بحيرة الشيطان» عن تسديدها إلى عقول القراء وقلوبهم في آن. فهي من تقول في إجابتها عن سؤال يتعلق بلغة الرواية وواقعها الحالي: «الرداء لا يصنع الراهب، والإناء الكريستالي لا يحتوي بالضرورة أجمل الأزهار». وهي من تصف فيروز بأنها «حنجرة الما وراء». وهي من تعبّر عن صعوبة مهمة التغيير المنوطة بها في عالم عربي بائس بالقول: «إنني لست سوى صَدَفة تحاول أن تُفرغ بحر الأحزان من مياهه». لم يكن بالأمر المستهجن تبعاً لذلك أن تبادر غادة السمان، وبجرأة نادرة، إلى أن تنشر على الملأ الرسائل العاطفية المؤثرة التي سبق لغسان كنفاني أن بعث بها إليها في منتصف ستينيات القرن الفائت. وإذ تؤكد الكاتبة على عدم امتلاكها لأي من الرسائل التي بعثت بها إلى غسان، وتناشد من يحتفظون بها أن يفرجوا عنها، تبدو مقدمتا الكتاب كافيتين تماماً لإشعارنا بأن ذلك الحب لم يكن أبداً من طرف واحد، وأن علاقة بذلك الألق والبهاء لا يجب أن تكون مدعاة للخجل، أو أن تلفها غياهب النسيان: «نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، يقرع باب ذاكرتي ويدخل بأصابعه المصفرة بالنيكوتين وإبرة (أنسولينه) وصخبه المرح، يجرني من يدي لنتسكع معاً تحت المطر، ونجلس في المقاهي مع الأصدقاء، ونتبادل الموت والحياة والفرح بلا أقنعة... والرسائل أيضاً». ولم يكن بالأمر المفاجئ في الوقت عينه أن تواجه صاحبة «لا بحر في بيروت» كل هذا القدر من الغبار والضجيج في عالم عربي تقوم معظم أدبياته على التقية الاجتماعية والأخلاقية، وعلى جعل الكتابة شأناً ذكورياً بامتياز، وأداة لإعادة إنتاج السائد في السياسة والدين والأخلاق ونظام القيم. وليس صحيحاً بأي حال الزعم بأن تقديم كنفاني في صورة العاشق المتيم يسيء إلى صورة الرجل المقاوم الذي يمثله، بل الصحيح أنه يقدم الوجه الإنساني المترع بالرقة لذلك المناضل الصلب الذي يرى في الأنوثة المحتجبة والوطن المغيب وجهين لحلم واحد، ويرى في المرأة، أنثى ومبدعة، رمزاً للجمال الأيقوني الذي يشع من وراء قبح العالم وفظاظته. ثم ألم يكن الافتتان بالمرأة المعشوقة هو الوجه الآخر للفروسية عند العرب، منذ خطر لعنترة أن يتوئم بين لمعان السيوف وبريق الشفاه، وحتى القولة الشهيرة «نحن قوم تذيبنا الأعين النجل\ على أننا نذيب الحديدا»، التي ينسبها البعض لأبي فراس الحمداني وينسبها آخرون لسواه. ولن يضير كنفاني في شيء قوله لغادة: «قيل في الهورس شو إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد»، ففي لغة العشق ليس ثمة من مجال للشعور بالمهانة، وإلا كيف نقرأ قول بابلو نيرودا لحبيبته: «أريد أصابع قدميك العشرة لكي آكل واحداً كل يوم»! ثم إن في الرسائل من جهة ثانية لغة مشدودة العصب ومترعة بالصور والمجازات: «كيف لم أتمسك بك يا هوائي وخبزي ونهاري الضحوك؟ أيتها المرأة التي مثلكِ لا يُرى، أيها الشعر الذي ولد تحت جفني مثل جناحي عصفور ولد في رحم الريح، أيتها العينان اللتان تمطران خبز القلب وملح السهول الجديبة. يا طليقة، كيف انخلعتِ هكذا عني؟ دونك لستُ إلا قطرة مطر ضائعة في سيل». تبدو رسائل أنسي الحاج من ناحية ثانية، التي نشرتها السمان بعد رحيله، مفاجئة تماماً لقراء الشاعر الذي كان شديد التكتم على علاقاته وحياته الشخصية. فقد كان أنسي من الخارج غيره من الداخل. كما لو أنه كان يحشو جنونه وفوضاه داخل لغته المباغتة في تشكّلها وتمردها على السائد، فيما كانت ملامحه وسلوكه ينضحان بالرقة والخشوع الخفر. ولعل نعته بالقديس الملعون كان الترجمة المختزلة لمثل هذه المفارقة. على أن ما يلفتنا قبل كل شيء ليس فقط تنويه السمان بأنها لم تكتب لأنسي أي رسالة، بل اكتفاؤها في الآن ذاته بتقديم «حيادي» وشديد الإيجاز تشير فيه إلى مقاهي بيروت القديمة التي كان يلتقي فيها الكتاب والمثقفون، ولم يعد لها اليوم من أثر. أما الإشارة إلى عجزها عن تمزيق الرسائل لما تحمله من قيمة أدبية عالية، فتبدو بمثابة إقرار ضمني بأن علاقتها بأنسي لم تتجاوز حدود إعجابها بتجربته الإبداعية الرائدة. وما يلفت الانتباه أيضاً هو توضيحها للقراء أن أنسي لم يكن متزوجاً لدى كتابة رسائله إليها، فيما لم نجد في تقديمها لرسائل كنفاني مثل هذا التوضيح، كما لو أن الحب عندها لا سواه هو ما يعطي للعلاقات مسوغها ومشروعيتها الأخلاقية. واللافت هنا أن رسائل الحاج السبع كُتبت جميعها في الشهر الأخير من عام 1963 ثم انقطعت بعد ذلك، بما يشير إلى احتمالين اثنين، أولهما انتصار الكاتب لكرامته حين لم يلق من المرأة المعشوقة أي استجابة، وثانيهما أن يكون ما أقدم عليه مجرد مغامرة عاطفية جامحة سرعان ما خمدت نيرانها حين لم تجد سبيلاً إلى التحقق. «إنني بحاجة إليك» يقول أنسي لغادة في غير مناسبة. ولأنه ليس متأكداً من العكس فهو يبذل كل طاقته لكي يثبت لها صدق مشاعره نحوها ووطأة مكابداته. وحيث لا تأتي من الطرف المعشوق إشارات كافية للاطمئنان، تنفلت اللغة من عقالها لتتحول إلى حمى هذيانية ونداءات بلا عناوين: «اذهب أنت. اخرجوا من هنا بسرعة. خذوا الكراسي معكم. كُلوني في الخارج. لا أريد أن أرى أحداً. أحرقوا الكتب جيداً وفلّتوا الذئاب. اتركوا المفاتيح أمامي». وفي خطاب العشق الهذياني هذا ثمة دائماً حالات متناقضة تختلط فيها مشاعر الخجل والانسحاق والندم وتأنيب الذات وصولاً إلى هواجس الجنون والموت. وإذا كان هلدرلن قد رأى الحب بوصفه نوعاً من المرض المخجل، فإن أنسي يعتبر نفسه «مريضاً بسرطان الزمن والخيبة»، في استشراف حدسي مبكر للمرض الذي قتله بعد أكثر من خمسة عقود. لقد وعدتنا غادة السمان أخيراً بكشف المزيد من المستور، وبنشر المزيد من الرسائل المودعة في مكان من قلبها شديد الظمأ إلى الحب، وفي مكان من عقلها بالغ الاستنارة. وإذا كان هذا الوعد موضع ترحيب واسع من قبَل الأوساط الثقافية العربية، كما يتراءى لي، فإن من حقنا جميعاً أن نطالب الكاتبة التي جعلت من البومة شعارها الأثير أن تُخرج رسائلها العاطفية من ظلمة الأدراج، ليس فقط لكي تقف مع الذين عشقوها على أرض الاعتراف المتبادل والجرأة المتكافئة. بل لكي تميط لقرائها اللثام عن أكثر وجوهها الأدبية التصاقاً بالقلب والتوتر التعبيري والمغامرة الإنسانية. المصدر: الشرق الأوسط]]> 120651 “غرب القاش” عنوان الرواية الأولى للصحافية اليمنية محاسن الحواتي: حكاية المرأة والنهر http://www.souriyati.com/2019/03/18/120513.html Mon, 18 Mar 2019 11:41:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/18/120513.html "غرب القاش" عنوان الرواية الأولى التي صدرت للصحافية اليمنية محاسن الحواتي (1969) عن دار "آي كتب" البريطانية، وهو خيار يعود إلى إغلاق دور الطباعة في اليمن نتيجة الحرب الدائرة منذ أربعة أعوام. تقتبس الكاتبة عنوان روايتها من اسم أحد أحياء مدينة كسلا (شرقي السودان)، هو أيضاً مسقط رأس الكاتبة قبل عودة أبويها إلى اليمن في ثمانينيات القرن الماضي. وقد اختارت المؤلفة أن تدير خيوط حكايتها سيدةٌ مسنّة فقدت ذاكرتها بفعل تراكمات الحياة البائسة التي كابدتها في القرية إلى جانب تقدّم العمر والضغوطات النفسية التي عانتها كغيرها من الفقراء. عمدت الحواتي، وهي الصحافية المنهمكة بقضايا المرأة والجندر، إلى إبراز ظلم العادات والتقاليد السلبية للمرأة في السودان والكثير من البلدان العربية، والتمييز بين الأبناء، إذ تسرد البطلة (مكية) سنوات طفولتها وكيف فاض نهر القاش وهدّم كل البيوت وكيف تُركت مكية وأمها وأختها للغرق لولا تدخل بعض الرجال لإنقاذهن، فقد تركهن والدها وحمل على كتفيه ولديه الذكرين. تعكس الرواية تعايش الجنسيات التي سكنت غرب القاش، من يمنيين، ومغاربة، وأرمن، وهنود، ونيجيريين، وإثيوبيين، وإريتريين، وحتى الصوماليين وغيرهم من القبائل السودانية، في منطقة عرفت التعايش السلمي والتثاقف، واحترام الأديان والمذاهب. كما كانت المنطقة مساحة لحرية النقد وهو ما كان يخفف من هموم البسطاء الذين تقاسموا البؤس والمسرّات. النهر والجبل ومكية، ثلاثة عناصر في الرواية جسّدت علاقة النهر بالمكان وأهالي غرب القاش، كما جسدت قوة وصلابة المرأة التي واجهته وتحدته وهي تكبر وتتعملق كلما اقتربت منه، حاملة معها فكراً رافضاً لتلك الممارسات التي تجعل من المرأة مجرد أداة بيد الرجل، فأثناء خروجها ذات يوم صوب النهر لمواجهته، كانت تتحدث مع كل من في طريقها إلى أن دخلت الماء فـ"حاول النهر اقتلاعها دون جدوى"، لكنها نجحت في الوصول إلى الضفة الأخرى، هنا تحوّلت مكية إلى لون الشمس وبدأت تتصدع وتتناثر قطعاً وتتلاشى. ينتهي العمل بخاتمة عجائبية أرادت الروائية من خلالها إظهار مدى قوة وصلابة المرأة في مواجهة تلك العادات والممارسات التي تكبّل حريتها وتخنق حياتها، فالنهر، إلى جانب وجوده في القرية، يرمز إلى تلك القيود المفروضة على المرأة، والتي واجهتها مكية خلال صراعها مع النهر وهو يحاول أن يجرفها بتياره العنيف، كما واجهته في طفولتها وهي توشك على الغرق. ورغم أنها صمدت في وجه النهر والعائلة لكن كبرت بسرعة تفوق قدرتها على الاحتمال وانفجرت في نهاية المطاف ذاكرتها. قبل هذه الرواية، صدر للحواتي أربع مجموعات قصصية هي: "الحكم على زينب" (2002)، و"ممنوع اصطحاب الأطفال" (2004)، و"صنعاء التي" (2007)، و"هتلر مرّ من هنا" (2016)، إلى جانب دراسات، من بينها: "الملكة أروى وتجربة الحكم"، و"صورة الرجل في رواية أحلام نبيلة" و"العنف العائلي في اليمن". المصدر: العربي الجديد - صنعاء - عبد القادر عثمان]]> "غرب القاش" عنوان الرواية الأولى التي صدرت للصحافية اليمنية محاسن الحواتي (1969) عن دار "آي كتب" البريطانية، وهو خيار يعود إلى إغلاق دور الطباعة في اليمن نتيجة الحرب الدائرة منذ أربعة أعوام. تقتبس الكاتبة عنوان روايتها من اسم أحد أحياء مدينة كسلا (شرقي السودان)، هو أيضاً مسقط رأس الكاتبة قبل عودة أبويها إلى اليمن في ثمانينيات القرن الماضي. وقد اختارت المؤلفة أن تدير خيوط حكايتها سيدةٌ مسنّة فقدت ذاكرتها بفعل تراكمات الحياة البائسة التي كابدتها في القرية إلى جانب تقدّم العمر والضغوطات النفسية التي عانتها كغيرها من الفقراء. عمدت الحواتي، وهي الصحافية المنهمكة بقضايا المرأة والجندر، إلى إبراز ظلم العادات والتقاليد السلبية للمرأة في السودان والكثير من البلدان العربية، والتمييز بين الأبناء، إذ تسرد البطلة (مكية) سنوات طفولتها وكيف فاض نهر القاش وهدّم كل البيوت وكيف تُركت مكية وأمها وأختها للغرق لولا تدخل بعض الرجال لإنقاذهن، فقد تركهن والدها وحمل على كتفيه ولديه الذكرين. تعكس الرواية تعايش الجنسيات التي سكنت غرب القاش، من يمنيين، ومغاربة، وأرمن، وهنود، ونيجيريين، وإثيوبيين، وإريتريين، وحتى الصوماليين وغيرهم من القبائل السودانية، في منطقة عرفت التعايش السلمي والتثاقف، واحترام الأديان والمذاهب. كما كانت المنطقة مساحة لحرية النقد وهو ما كان يخفف من هموم البسطاء الذين تقاسموا البؤس والمسرّات. النهر والجبل ومكية، ثلاثة عناصر في الرواية جسّدت علاقة النهر بالمكان وأهالي غرب القاش، كما جسدت قوة وصلابة المرأة التي واجهته وتحدته وهي تكبر وتتعملق كلما اقتربت منه، حاملة معها فكراً رافضاً لتلك الممارسات التي تجعل من المرأة مجرد أداة بيد الرجل، فأثناء خروجها ذات يوم صوب النهر لمواجهته، كانت تتحدث مع كل من في طريقها إلى أن دخلت الماء فـ"حاول النهر اقتلاعها دون جدوى"، لكنها نجحت في الوصول إلى الضفة الأخرى، هنا تحوّلت مكية إلى لون الشمس وبدأت تتصدع وتتناثر قطعاً وتتلاشى. ينتهي العمل بخاتمة عجائبية أرادت الروائية من خلالها إظهار مدى قوة وصلابة المرأة في مواجهة تلك العادات والممارسات التي تكبّل حريتها وتخنق حياتها، فالنهر، إلى جانب وجوده في القرية، يرمز إلى تلك القيود المفروضة على المرأة، والتي واجهتها مكية خلال صراعها مع النهر وهو يحاول أن يجرفها بتياره العنيف، كما واجهته في طفولتها وهي توشك على الغرق. ورغم أنها صمدت في وجه النهر والعائلة لكن كبرت بسرعة تفوق قدرتها على الاحتمال وانفجرت في نهاية المطاف ذاكرتها. قبل هذه الرواية، صدر للحواتي أربع مجموعات قصصية هي: "الحكم على زينب" (2002)، و"ممنوع اصطحاب الأطفال" (2004)، و"صنعاء التي" (2007)، و"هتلر مرّ من هنا" (2016)، إلى جانب دراسات، من بينها: "الملكة أروى وتجربة الحكم"، و"صورة الرجل في رواية أحلام نبيلة" و"العنف العائلي في اليمن". المصدر: العربي الجديد - صنعاء - عبد القادر عثمان]]> 120513 فيرونيكا تقرر أن تموت: عمل كلاسيكي آخر للأديب البرازيلي باولو كويلو http://www.souriyati.com/2019/03/18/120478.html Mon, 18 Mar 2019 11:24:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/18/120478.html يحكى أنه في سالف العصر والأوان، أن ساحراً أراد الانتقام من أحد الملوك فدس فى بئر المدينة جرعة سحرية بحيث بات كل من يشرب من هذا البئر يجن. وقد شرب كل سكان المدينة من البئر فجنوا، وباتوا يرون القرارات والتشريعات التي يصدرها الملك جنوناً، فتوجهوا إلى القصر مطالبين بعزله. يئس الملك وقرر التنازل عن العرش، إلا أن زوجته الملكة اقترحت عليه أن يشربوا من بئر المدينة فيصبحوا مثل سكانها. وهكذا فعل الملك، فرأى الناس في قراراته كل الحكمة وتراجعوا عن المطالبة بعزله، وبقي الملك المجنون على عرش المملكة حتى مات! واضح طبعاً أن عنوان المقال يشير إلى رواية الكاتب البرازيلي الشهير "باولو كويلو": فيرونكا تقرر أن تموت. وفي الحقيقة أغلب كتابات (كويلو) يمكن تلخيصها في معنى واحد وهو البحث عن الذات. وأكثر ما جذبني لهذه الرواية في الواقع هو العنوان. وأول ما طرأ على ذهني لحظتها هو لماذا؟ لماذا تقرر فيرونيكا أن تموت؟ ولماذا يقرر أي شخص فجأة أًن يموت؟ تعددت الأسباب والموت واحد. لكن الحقيقة أن الرواية لم تكن تدور حول الأسباب التي جعلت فيرونيكا تقرر أن تموت. ولكن عما حدث عندما قررت أن تموت. عن رواية فيرونيكا تقرر أن تموت الرواية باختصار تحكي عن فيرونكا الفتاة الشابة المحاطة بكل وسائل الرفاهية لدرجة أنها تقرر الانتحار من فرط الملل. وترسل إلى مجلة مدعية أنها انتحرت لأن الناس لا تعرف أين تقع دولة سلوفينيا! فتبتلع أقراص منومة لكنها تفتح عينيها لتجد أنها فى مصح للأمراض العقلية -حيث تدور أحداث الرواية- وهناك يخبرها الأطباء أنها ستموت بعد سبعة أيام وهي الفترة الزمنية التي تستغرقها أحداث الرواية. وهناك في (فيليت) -وهو اسم المصح العقلي- تصطدم (فيرونيكا) بنماذج مختلفة من البشر لتكتشف ذاتها الحقيقية والمعنى الحقيقي للكثير من المفاهيم. ومع اقترابها من الموت تكتشف أنه في الواقع كل لحظة تمضي من وجودها هي خيار بين الحياة أو الموت. وأن الأسباب التي اعتقدت في السابق أنها أسباب مقنعة للموت هي في الواقع أشد الأسباب التي تدعوها للتشبث بالحياة. ومن خلال رحلتها داخل المصح تؤثر فيرونيكا على حياة غيرها من الأشخاص وهو ما لم تلاحظه أبداً خارج المصح. كما تتعرض للمعنى الحقيقي للجنون وهو ما ذكرته أنا في بداية المقال: قصة المملكة التي شرب سكانها من بئر الجنون ليعتقدوا فيما بعد أن كل ما يخالف رؤيتهم جنوناً. فيصبح العاقل في نظرهم مجنوناً حتى يقرر أن يشرب أيضاً من نفس البئر. عيش الحياة تتعرض الرواية أيضاً لقضية أخرى وهي القدرة على الاستمتاع بالمشاعر. فأغلب البشر يحيد مشاعره تماماً فلا يترك نفسه يفرح بصدق أو حتى يحزن بحرية. أكتب الآن وأنا أتذكر العبارة الدعائية لمنتج مشهور (لو ده جنان أتجنن). بالفعل أغلبنا فقد نفسه تماماً في دوامة تحييد المشاعر التي تفرضها علينا الحياة. وفي هذا الأمر تقول فيرونيكا: “لم أشعر يوماً بالكآبة تعتريني، أو بسعادة غامرة أو بحزن كبير، أو أقله بشعور طال”. كثيراً ما ننكر مشاعرنا أو نكبتها ولا نسمح لأنفسنا أن نعيش إلا مشاعر معينة فينتهي بنا الأمر وقد فقدنا قدرتنا على عيشها كلها، فنشعر بمشاعر باهتة كمن ينظر بغير نظارة. إنه يرى ولكن الرؤية لديه مشوشة، أو كمن يعاني من نزلة برد فلا يتذوق الطعام، إنه يأكل لكنه لا يتذوق. وعندما ننكر مشاعرنا ونكبتها ولا نعبر عنها، فإننا قد لا نتألم بشكل كبير ولكننا أيضاً لا نفرح بشكل كبير. الرواية رحلة مذهلة لاكتشاف الذات من جديد. وخلاصة الأمر أن أغلبنا (فيرونيكا) بشكل أو بأخر. لن أكتب عن نهاية الرواية لكنني سأخبركم بما حدث عندما قررت فيرونيكا أن تموت. لقد اكتشفت أن الحياة تستحق أن تعاش، وأن كل ما اعتقدته في الماضي أسباب كافية للموت هو في الواقع أسباب تدعو للحياة فالحياة مهما طالت قصيرة وكل لحظة تصنع ذكرى هي حدث يستحق أن نعيشه ونشعر بتفاصيله. لا داعي لأن نعود من الموت لنكتشف أنفسنا من جديد كما فعلت (فيرونيكا). يكفي فقط أن نترك لمشاعرنا الحرية ولأنفسنا ولغيرنا الفرصة. ولا ننسى أبداً أن كل يوم هو فرصة جديدة يكفي فقط أن يبدأ اليوم وتشرق الشمس. المصدر: أراجيك]]> يحكى أنه في سالف العصر والأوان، أن ساحراً أراد الانتقام من أحد الملوك فدس فى بئر المدينة جرعة سحرية بحيث بات كل من يشرب من هذا البئر يجن. وقد شرب كل سكان المدينة من البئر فجنوا، وباتوا يرون القرارات والتشريعات التي يصدرها الملك جنوناً، فتوجهوا إلى القصر مطالبين بعزله. يئس الملك وقرر التنازل عن العرش، إلا أن زوجته الملكة اقترحت عليه أن يشربوا من بئر المدينة فيصبحوا مثل سكانها. وهكذا فعل الملك، فرأى الناس في قراراته كل الحكمة وتراجعوا عن المطالبة بعزله، وبقي الملك المجنون على عرش المملكة حتى مات! واضح طبعاً أن عنوان المقال يشير إلى رواية الكاتب البرازيلي الشهير "باولو كويلو": فيرونكا تقرر أن تموت. وفي الحقيقة أغلب كتابات (كويلو) يمكن تلخيصها في معنى واحد وهو البحث عن الذات. وأكثر ما جذبني لهذه الرواية في الواقع هو العنوان. وأول ما طرأ على ذهني لحظتها هو لماذا؟ لماذا تقرر فيرونيكا أن تموت؟ ولماذا يقرر أي شخص فجأة أًن يموت؟ تعددت الأسباب والموت واحد. لكن الحقيقة أن الرواية لم تكن تدور حول الأسباب التي جعلت فيرونيكا تقرر أن تموت. ولكن عما حدث عندما قررت أن تموت. عن رواية فيرونيكا تقرر أن تموت الرواية باختصار تحكي عن فيرونكا الفتاة الشابة المحاطة بكل وسائل الرفاهية لدرجة أنها تقرر الانتحار من فرط الملل. وترسل إلى مجلة مدعية أنها انتحرت لأن الناس لا تعرف أين تقع دولة سلوفينيا! فتبتلع أقراص منومة لكنها تفتح عينيها لتجد أنها فى مصح للأمراض العقلية -حيث تدور أحداث الرواية- وهناك يخبرها الأطباء أنها ستموت بعد سبعة أيام وهي الفترة الزمنية التي تستغرقها أحداث الرواية. وهناك في (فيليت) -وهو اسم المصح العقلي- تصطدم (فيرونيكا) بنماذج مختلفة من البشر لتكتشف ذاتها الحقيقية والمعنى الحقيقي للكثير من المفاهيم. ومع اقترابها من الموت تكتشف أنه في الواقع كل لحظة تمضي من وجودها هي خيار بين الحياة أو الموت. وأن الأسباب التي اعتقدت في السابق أنها أسباب مقنعة للموت هي في الواقع أشد الأسباب التي تدعوها للتشبث بالحياة. ومن خلال رحلتها داخل المصح تؤثر فيرونيكا على حياة غيرها من الأشخاص وهو ما لم تلاحظه أبداً خارج المصح. كما تتعرض للمعنى الحقيقي للجنون وهو ما ذكرته أنا في بداية المقال: قصة المملكة التي شرب سكانها من بئر الجنون ليعتقدوا فيما بعد أن كل ما يخالف رؤيتهم جنوناً. فيصبح العاقل في نظرهم مجنوناً حتى يقرر أن يشرب أيضاً من نفس البئر. عيش الحياة تتعرض الرواية أيضاً لقضية أخرى وهي القدرة على الاستمتاع بالمشاعر. فأغلب البشر يحيد مشاعره تماماً فلا يترك نفسه يفرح بصدق أو حتى يحزن بحرية. أكتب الآن وأنا أتذكر العبارة الدعائية لمنتج مشهور (لو ده جنان أتجنن). بالفعل أغلبنا فقد نفسه تماماً في دوامة تحييد المشاعر التي تفرضها علينا الحياة. وفي هذا الأمر تقول فيرونيكا: “لم أشعر يوماً بالكآبة تعتريني، أو بسعادة غامرة أو بحزن كبير، أو أقله بشعور طال”. كثيراً ما ننكر مشاعرنا أو نكبتها ولا نسمح لأنفسنا أن نعيش إلا مشاعر معينة فينتهي بنا الأمر وقد فقدنا قدرتنا على عيشها كلها، فنشعر بمشاعر باهتة كمن ينظر بغير نظارة. إنه يرى ولكن الرؤية لديه مشوشة، أو كمن يعاني من نزلة برد فلا يتذوق الطعام، إنه يأكل لكنه لا يتذوق. وعندما ننكر مشاعرنا ونكبتها ولا نعبر عنها، فإننا قد لا نتألم بشكل كبير ولكننا أيضاً لا نفرح بشكل كبير. الرواية رحلة مذهلة لاكتشاف الذات من جديد. وخلاصة الأمر أن أغلبنا (فيرونيكا) بشكل أو بأخر. لن أكتب عن نهاية الرواية لكنني سأخبركم بما حدث عندما قررت فيرونيكا أن تموت. لقد اكتشفت أن الحياة تستحق أن تعاش، وأن كل ما اعتقدته في الماضي أسباب كافية للموت هو في الواقع أسباب تدعو للحياة فالحياة مهما طالت قصيرة وكل لحظة تصنع ذكرى هي حدث يستحق أن نعيشه ونشعر بتفاصيله. لا داعي لأن نعود من الموت لنكتشف أنفسنا من جديد كما فعلت (فيرونيكا). يكفي فقط أن نترك لمشاعرنا الحرية ولأنفسنا ولغيرنا الفرصة. ولا ننسى أبداً أن كل يوم هو فرصة جديدة يكفي فقط أن يبدأ اليوم وتشرق الشمس. المصدر: أراجيك]]> 120478