ثقافة وفن – سوريتي http://www.souriyati.com موقع سوري الكتروني لكل السوريين Thu, 23 May 2019 14:29:00 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=4.9.10 133809177 عن روايتها “سيدات القمر” : الروائية العمانية جوخة الحارثي.. أول شخصية عربية تفوز بجائزة “مان بوكر” http://www.souriyati.com/2019/05/22/123401.html Wed, 22 May 2019 11:23:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/05/22/123401.html

فازت الروائية العمانية جوخة الحارثي بجائزة "مان بوكر" البريطانية عن روايتها "سيدات القمر" التي تصف مرحلة مهمة من تاريخ سلطنة عُمان، لتكون بذلك أول شخصية عربية تفوز بهذه الجائزة التي تنافس عليها هذا العام ستة أعمال متُرجمة إلى اللغة الإنجليزية.

وستتقاسم جوخة (41 عاما) الجائزة البالغة قيمتها 50 ألف جنيه إسترليني (نحو 63.5 ألف دولار) مع الأكاديمية الأميركية مارلين بوث التي ترجمت الرواية من العربية إلى الإنجليزية.

وعن العمل الفائز، قالت رئيسة لجنة التحكيم المؤرخة والكاتبة البريطانية بيتاني هيوز إنه "عمل استحوذ على القلوب والعقول على حد سواء ويستحق التأمل"، مضيفة أن الترجمة كانت أيضا دقيقة وثرية لغويا لتمزج في إيقاعها بين الشعر واللغة الدارجة.

وتلقت لجنة تحكيم الجائزة هذا العام 108 روايات كتبت بـ25 لغة مختلفة، واختارت 13 رواية فقط للقائمة الطويلة، قبل أن تستقر على ستة فقط في القائمة القصيرة.

وبجانب الرواية الفائزة، أصدرت الكاتبة الحاصلة على الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة إدنبره روايتين ومجموعتين قصصيتين وبعض قصص الأطفال، إضافة إلى دراسات أدبية وأبحاث أكاديمية. وقد سبق لها الفوز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في مجال الرواية عام 2016.

]]>

فازت الروائية العمانية جوخة الحارثي بجائزة "مان بوكر" البريطانية عن روايتها "سيدات القمر" التي تصف مرحلة مهمة من تاريخ سلطنة عُمان، لتكون بذلك أول شخصية عربية تفوز بهذه الجائزة التي تنافس عليها هذا العام ستة أعمال متُرجمة إلى اللغة الإنجليزية.

وستتقاسم جوخة (41 عاما) الجائزة البالغة قيمتها 50 ألف جنيه إسترليني (نحو 63.5 ألف دولار) مع الأكاديمية الأميركية مارلين بوث التي ترجمت الرواية من العربية إلى الإنجليزية.

وعن العمل الفائز، قالت رئيسة لجنة التحكيم المؤرخة والكاتبة البريطانية بيتاني هيوز إنه "عمل استحوذ على القلوب والعقول على حد سواء ويستحق التأمل"، مضيفة أن الترجمة كانت أيضا دقيقة وثرية لغويا لتمزج في إيقاعها بين الشعر واللغة الدارجة.

وتلقت لجنة تحكيم الجائزة هذا العام 108 روايات كتبت بـ25 لغة مختلفة، واختارت 13 رواية فقط للقائمة الطويلة، قبل أن تستقر على ستة فقط في القائمة القصيرة.

وبجانب الرواية الفائزة، أصدرت الكاتبة الحاصلة على الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة إدنبره روايتين ومجموعتين قصصيتين وبعض قصص الأطفال، إضافة إلى دراسات أدبية وأبحاث أكاديمية. وقد سبق لها الفوز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في مجال الرواية عام 2016.

]]>
123401
الطيب تيزيني… المفكر الذي حذر مبكراً من الانفجار بكى سوريا قبل أن تبكيه http://www.souriyati.com/2019/05/19/123214.html Sun, 19 May 2019 08:26:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/05/19/123214.html عندما سقط جسده الصغير الغض في وعاء عصير الحصرم المغلي أثناء لعبه في أرض البيت العربي «غميضة»، أدرك طيب تيزيني طفل الخمس سنوات، وبينما كانت يدا شقيقه الأكبر تدفع جسده الصغير تحت مضخة الماء لتنقذه من أثر السقوط في السائل الحامض المالح الساخن، أن هناك حالة مقابلة لـ«الغميضة»، التي هي السير مغمض العينين في طريق مجهولة، هي حالة «الفتيحة»، أي السير مفتوح العينين، مبصراً ومستبصراً في طريق معلومة سلفاً، بناء على قاعدة. «التحذير» من الخطر و«الهجاء» للسبب. في عام 1997. عندما كان قسم الفلسفة بجامعة دمشق برئاسة صادق جلال العظم، يستضيف كبار المفكرين العرب للتحاور والمناظرة، أعلن عن مناظرة بين الشيخ سعيد رمضان البوطي وأستاذ الفلسفة الطيب تيزيني صاحب الأفكار اليسارية، لكن المناظرة ألغيت، لأن آلافاً من مريدي الشيخ البوطي تدفقوا إلى الجامعة واحتلوا قاعة المناظرة والأروقة وحديقة الجامعة، ومنعوا الدكتور الطيب تيزيني من الدخول. في تلك اللحظة استشعر طيب تيزيني خطر ما يمور في العمق السوري المستور. ويذكر أن رئيس الوزراء آنذاك اتصل به معتذراً عن «تعاظم قوى الظلامية على قوى التنوير، وأن الأمر سيختلف لاحقاً» وقد أجابه: «شكراً، حين يتم الأمر بروح من الحرية والديمقراطية». تلك الحادثة ستؤسس لما سيراه الطيب التزيني ويحذر منه عام 2000 بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وهو احتمال «انفجار طائفي في سوريا» سيكون له مسوغاته من دون أن يعني هذا «أنّ الشعب السوري طائفي». الانفجار حصل عام 2011. ووقف التيزيني إلى جانب الشعب السوري الذي كان يطالب بالإصلاحات الاقتصادية وإطلاق سراح المعتقلين، قبل مطالبته بإسقاط النظام، لكن الشعب الذي اندفع إلى الشارع بدا وكأنه يسير وهو بحالة الـ«غميضة»، فسرعان ما راحت الألغام تتفجر تحت خطاه. يقول تيزيني: «كانت مظاهرات تسعى إلى إعادة البناء من داخل البناء نفسه وعبر الجميع إن أمكن... خرجوا باسم مشاريع طُرِحت سابقاً ولم يُستجب لها. أتت المفاجأة بظهور السلاح»، واشتعال حرب لم تبق حجراً على حجر في سوريا. وها هي «سوريا الجريحة»، وقبل أن تجتاز زمنها الصعب، وها هي حمص المكلومة تودع ابنها البار؛ المفكر الطيب تيزيني الذي بكى بلاده قبل أن تبكيه يوم أمس البلاد، عن عمر يناهز الـ85 عاماً. حين دعي إلى طنجة في تونس عام 2015 للحديث عن «المجتمع والسلطة والدولة في مطلع القرن 21 مغرباً ومشرقاً» وعن «سوريا والإسلام» غص بالدمع وهو يحكي لمستمعيه عن سوريا التي أضحت بغالبيتها ركاماً، وعن أمله بنهضة وتجديد لا بد أنه آتٍ بعد الحرب. لم يغادر تيزيني سوريا خلال الأحداث، بل ترك دمشق عام 2012 وعاد إلى مدينته حمص التي ولد فيها عام 1934. بحي باب الدريب، في بيئة إسلامية محافظة، كان فيها منزل والده بمثابة مضافة أو ملتقى للشيوخ ورجال الدين من الطوائف الأخرى. فتفتح وعي التيزيني على تقبل الاختلاف وتعددية الآراء بتعدد المشارب الفكرية، قبل أن يسافر إلى تركيا للدراسة ومن ثم إلى بريطانيا وألمانيا، ليعود من هناك حاملاً لشهادة دكتوراه في العلوم الفلسفية. نشر عام 1971 كتابة الأول باللغة العربية: «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط»، إلا أنه قبل ذلك كان الطيب تيزيني قد انفتح عقله على مختلف التوجهات السياسية والحزبية، وبدأ بمشروعه الفكري منذ عام 1967 مع أطروحته التي أعدها للحصول على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من ألمانيا عام 1967 بعنوان «تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة»، وذلك بعد تكوينه نظرته عن الماركسية وإيمانه بأن «التاريخ لا يغفر لمن يتجاوز مرحلة فيه، ولأي اسم كان، ما حدث في روسيا أضرّ بروسيا أولاً، كما ببلدان أخرى منها العالم العربي». بعد عودته من أوروبا استقر تيزيني بمشروع دمر بدمشق ليمارس عمله استاذاً في جامعة دمشق، وكل من تتلمذ على يديه بالجامعة يحتفظ بذاكرته بصورة لأستاذ الجامعة البسيط المتواضع، بشعره الأبيض وقامته النحيلة وصوته الرصين وحقيبته الجلدية العتيقة، يركب معهم باص النقل الداخلي في القر والحر، ويمسك بالأنشوطة المتدلية من سقف الباص والمخصصة للركاب الواقفين، لحمايتهم من السقوط عند المنعطفات. كان بتواضعه الشديد مثار إعجاب طلابه. حين قابل حافظ الأسد في القصر الجمهوري، سأله الرئيس هل لديك سيارة؟ رد عليه «نعم لدي سيارة كبيرة تتسع لأربعين راكباً ولونها أخضر». ثم خرج ماشياً من القصر، علماً بأنه وصل إلى القصر بسيارة خاصة من القصر. هذه الحادثة رواها تيزيني ونشرت في الصحافة السورية بعد وفاة حافظ الأسد ضمن لقاءات مع الشخصيات التي التقت بالرئيس وذكرياتهم عنه. في عام 1998 اختارت مؤسسة كونكورديا الفلسفية الألمانية الفرنسية، الطيب التيزيني واحداً من أهم كبار المفكرين والفلاسفة العرب، في العصر الحديث. كما نشط تيزيني في مجال حقوق الإنسان عندما بدا أن سوريا قادمة على التغيير بداية عهد الرئيس بشار الأسد، وجرى انتخاب التزيني عام 2001 عضواً في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي وساهم منذ عام 2004 بتأسيس «المنظمة السورية لحقوق الإنسان» (سواسية) وشغل منصب عضو مجلس إدارتها. كما دعي للكتابة في الصحف المحلية، التي لم تحتمل كل ما كان يقوله لا سيما عن ضرورات تفكيك الدولة الأمنية. يقوم فكر تيزيني على أساسين هما: رفض فكرة الخصوصية التي تفصل الفكر والمجتمع العربيين عن بقية العالم، ونقد المركزية الغربية التي تنزع عن الفكر والمجتمع العربيين أصالتهما أو تميزهما في الإطار الإنساني الجامع. ولم تنفصل عودته إلى التراث عن نقده الحاضر وفكره وأشكال فساده المجتمعي والسياسي والثقافي وما يواجهه من تحديات عالمية حضارية. واشتد هذا الارتباط مع انهيار الاتحاد السوفياتي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي فراح يتحدث عن «النهضة» بدلاً من «الثورة» وينتقد كل ما يعوق النهضة من العولمة إلى الدولة الأمنية إلى الأصولية والإسلام السياسي. في هذه الأيام الصعبة في عالمنا العربي، التي كما يراها تيزيني «نبدو كما لو أننا نعيش في العصر الأول للحضارة السورية الذي أنتج أبجدية اللغة... أي معرفة كيف يصوغ الإنسان أدوات المعرفة لذاته وللذوات الأخرى». يترجل أحد أهم مفكري سوريا والعالم العربي ليلحق بركب زملائه الذين جمعتهم دمشق يوماً، وفي لحظة هاربة من زمن ديكتاتوريتها، وغادروا الحياة تباعاً صادق جلال العظم وجورج طرابيشي، واليوم الطيب تيزيني. من كتبه > «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط» (1971) > «حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث، الوطن العربي نموذجاً» (1971) > «من التراث إلى الثورة: حول نظرية مقترحة في التراث العربي» (1976). > «الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى» (1982) > «مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر» (ستة أجزاء (1994) > «من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي: بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية» (1996) > «النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة» (1997) > «من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني» (2002) > «من اللاهوت إلى الفلسـفة العربية الوسيطة» (2005) > «بيان في النهضة والتنوير العربي» (2005) المصدر: الشرق الأوسط]]> عندما سقط جسده الصغير الغض في وعاء عصير الحصرم المغلي أثناء لعبه في أرض البيت العربي «غميضة»، أدرك طيب تيزيني طفل الخمس سنوات، وبينما كانت يدا شقيقه الأكبر تدفع جسده الصغير تحت مضخة الماء لتنقذه من أثر السقوط في السائل الحامض المالح الساخن، أن هناك حالة مقابلة لـ«الغميضة»، التي هي السير مغمض العينين في طريق مجهولة، هي حالة «الفتيحة»، أي السير مفتوح العينين، مبصراً ومستبصراً في طريق معلومة سلفاً، بناء على قاعدة. «التحذير» من الخطر و«الهجاء» للسبب. في عام 1997. عندما كان قسم الفلسفة بجامعة دمشق برئاسة صادق جلال العظم، يستضيف كبار المفكرين العرب للتحاور والمناظرة، أعلن عن مناظرة بين الشيخ سعيد رمضان البوطي وأستاذ الفلسفة الطيب تيزيني صاحب الأفكار اليسارية، لكن المناظرة ألغيت، لأن آلافاً من مريدي الشيخ البوطي تدفقوا إلى الجامعة واحتلوا قاعة المناظرة والأروقة وحديقة الجامعة، ومنعوا الدكتور الطيب تيزيني من الدخول. في تلك اللحظة استشعر طيب تيزيني خطر ما يمور في العمق السوري المستور. ويذكر أن رئيس الوزراء آنذاك اتصل به معتذراً عن «تعاظم قوى الظلامية على قوى التنوير، وأن الأمر سيختلف لاحقاً» وقد أجابه: «شكراً، حين يتم الأمر بروح من الحرية والديمقراطية». تلك الحادثة ستؤسس لما سيراه الطيب التزيني ويحذر منه عام 2000 بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وهو احتمال «انفجار طائفي في سوريا» سيكون له مسوغاته من دون أن يعني هذا «أنّ الشعب السوري طائفي». الانفجار حصل عام 2011. ووقف التيزيني إلى جانب الشعب السوري الذي كان يطالب بالإصلاحات الاقتصادية وإطلاق سراح المعتقلين، قبل مطالبته بإسقاط النظام، لكن الشعب الذي اندفع إلى الشارع بدا وكأنه يسير وهو بحالة الـ«غميضة»، فسرعان ما راحت الألغام تتفجر تحت خطاه. يقول تيزيني: «كانت مظاهرات تسعى إلى إعادة البناء من داخل البناء نفسه وعبر الجميع إن أمكن... خرجوا باسم مشاريع طُرِحت سابقاً ولم يُستجب لها. أتت المفاجأة بظهور السلاح»، واشتعال حرب لم تبق حجراً على حجر في سوريا. وها هي «سوريا الجريحة»، وقبل أن تجتاز زمنها الصعب، وها هي حمص المكلومة تودع ابنها البار؛ المفكر الطيب تيزيني الذي بكى بلاده قبل أن تبكيه يوم أمس البلاد، عن عمر يناهز الـ85 عاماً. حين دعي إلى طنجة في تونس عام 2015 للحديث عن «المجتمع والسلطة والدولة في مطلع القرن 21 مغرباً ومشرقاً» وعن «سوريا والإسلام» غص بالدمع وهو يحكي لمستمعيه عن سوريا التي أضحت بغالبيتها ركاماً، وعن أمله بنهضة وتجديد لا بد أنه آتٍ بعد الحرب. لم يغادر تيزيني سوريا خلال الأحداث، بل ترك دمشق عام 2012 وعاد إلى مدينته حمص التي ولد فيها عام 1934. بحي باب الدريب، في بيئة إسلامية محافظة، كان فيها منزل والده بمثابة مضافة أو ملتقى للشيوخ ورجال الدين من الطوائف الأخرى. فتفتح وعي التيزيني على تقبل الاختلاف وتعددية الآراء بتعدد المشارب الفكرية، قبل أن يسافر إلى تركيا للدراسة ومن ثم إلى بريطانيا وألمانيا، ليعود من هناك حاملاً لشهادة دكتوراه في العلوم الفلسفية. نشر عام 1971 كتابة الأول باللغة العربية: «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط»، إلا أنه قبل ذلك كان الطيب تيزيني قد انفتح عقله على مختلف التوجهات السياسية والحزبية، وبدأ بمشروعه الفكري منذ عام 1967 مع أطروحته التي أعدها للحصول على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من ألمانيا عام 1967 بعنوان «تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة»، وذلك بعد تكوينه نظرته عن الماركسية وإيمانه بأن «التاريخ لا يغفر لمن يتجاوز مرحلة فيه، ولأي اسم كان، ما حدث في روسيا أضرّ بروسيا أولاً، كما ببلدان أخرى منها العالم العربي». بعد عودته من أوروبا استقر تيزيني بمشروع دمر بدمشق ليمارس عمله استاذاً في جامعة دمشق، وكل من تتلمذ على يديه بالجامعة يحتفظ بذاكرته بصورة لأستاذ الجامعة البسيط المتواضع، بشعره الأبيض وقامته النحيلة وصوته الرصين وحقيبته الجلدية العتيقة، يركب معهم باص النقل الداخلي في القر والحر، ويمسك بالأنشوطة المتدلية من سقف الباص والمخصصة للركاب الواقفين، لحمايتهم من السقوط عند المنعطفات. كان بتواضعه الشديد مثار إعجاب طلابه. حين قابل حافظ الأسد في القصر الجمهوري، سأله الرئيس هل لديك سيارة؟ رد عليه «نعم لدي سيارة كبيرة تتسع لأربعين راكباً ولونها أخضر». ثم خرج ماشياً من القصر، علماً بأنه وصل إلى القصر بسيارة خاصة من القصر. هذه الحادثة رواها تيزيني ونشرت في الصحافة السورية بعد وفاة حافظ الأسد ضمن لقاءات مع الشخصيات التي التقت بالرئيس وذكرياتهم عنه. في عام 1998 اختارت مؤسسة كونكورديا الفلسفية الألمانية الفرنسية، الطيب التيزيني واحداً من أهم كبار المفكرين والفلاسفة العرب، في العصر الحديث. كما نشط تيزيني في مجال حقوق الإنسان عندما بدا أن سوريا قادمة على التغيير بداية عهد الرئيس بشار الأسد، وجرى انتخاب التزيني عام 2001 عضواً في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي وساهم منذ عام 2004 بتأسيس «المنظمة السورية لحقوق الإنسان» (سواسية) وشغل منصب عضو مجلس إدارتها. كما دعي للكتابة في الصحف المحلية، التي لم تحتمل كل ما كان يقوله لا سيما عن ضرورات تفكيك الدولة الأمنية. يقوم فكر تيزيني على أساسين هما: رفض فكرة الخصوصية التي تفصل الفكر والمجتمع العربيين عن بقية العالم، ونقد المركزية الغربية التي تنزع عن الفكر والمجتمع العربيين أصالتهما أو تميزهما في الإطار الإنساني الجامع. ولم تنفصل عودته إلى التراث عن نقده الحاضر وفكره وأشكال فساده المجتمعي والسياسي والثقافي وما يواجهه من تحديات عالمية حضارية. واشتد هذا الارتباط مع انهيار الاتحاد السوفياتي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي فراح يتحدث عن «النهضة» بدلاً من «الثورة» وينتقد كل ما يعوق النهضة من العولمة إلى الدولة الأمنية إلى الأصولية والإسلام السياسي. في هذه الأيام الصعبة في عالمنا العربي، التي كما يراها تيزيني «نبدو كما لو أننا نعيش في العصر الأول للحضارة السورية الذي أنتج أبجدية اللغة... أي معرفة كيف يصوغ الإنسان أدوات المعرفة لذاته وللذوات الأخرى». يترجل أحد أهم مفكري سوريا والعالم العربي ليلحق بركب زملائه الذين جمعتهم دمشق يوماً، وفي لحظة هاربة من زمن ديكتاتوريتها، وغادروا الحياة تباعاً صادق جلال العظم وجورج طرابيشي، واليوم الطيب تيزيني. من كتبه > «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط» (1971) > «حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث، الوطن العربي نموذجاً» (1971) > «من التراث إلى الثورة: حول نظرية مقترحة في التراث العربي» (1976). > «الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى» (1982) > «مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر» (ستة أجزاء (1994) > «من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي: بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية» (1996) > «النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة» (1997) > «من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني» (2002) > «من اللاهوت إلى الفلسـفة العربية الوسيطة» (2005) > «بيان في النهضة والتنوير العربي» (2005) المصدر: الشرق الأوسط]]> 123214 الإعلامي عبدالله السعدي: معرض (هلا رمضان) http://www.souriyati.com/2019/05/06/122727.html Mon, 06 May 2019 14:59:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/05/06/122727.html يُقام هذا المهرجان في ولاية مرسين التركية ، في صالة البياز سراي. ويضم أنشطة ومبادرات تراثية، بما في ذلك المهرجان الحرف الذي يعرض المنتجات السورية بحضور رسمي واعلامي وجماهيري تحت مسى (أهلا رمضان) تعت رعاية وإدارة غروب ورد للمعارض و يتضمن المهرجان برنامجاً مجانياً للعامة، ويضمّ مسابقة للأطفال، مسابقات دينية وثقافية، ومن اهم المنتجات السورية وصنع القهوة العربية العجمية، وكذلك عروض الموسيقة والغناء.، يُنظّم متخصصون في فن الحرف اليدوية ورش عمل متنوعة. يُسلّط هذا المهرجان الضوء على أهمية الحرف السورية في التراث السوري، ويهدف إلى دعم الجهود التي يبذلها الحرفيون من أجل صون ثروتهم وإحيائها ونقلها إلى الأجيال القادمة. وتركز مسابقات المهرجان على إحياء مجموعة من الحرف التراثية التي كان لها دور وظيفي في الحياة القديمة، كما تشجع على الابتكار، والمحافظة على الأصالة السورية. ويُمنح الفائزون من كل مسابقة جوائز قيمة! وقالت مدير المعرض الأنسة فاتن، ان “المهرجان جاء لخدمة السوريين وتقريبهم من المنتوجات والصناعات التراثية الحرفية”. واوضحت, تضمن المعرض منتوجات متنوعة كالزخارف على الزجاج و والاحجار والحياكة اليدوية والخياطة . وأشارة الى ان عدد المشركين اكثر من 40 شركة مختلفة المجالات. واضافة ، ان ما يميز المعرض هو ان اغلب الصناعات صنعت باياد نسوية وهو دافع للمرأة السورية بشكل عام و بشكل خاص للاستفادة من تعلم حرفية العمل في هذا المجال”. تقرير وتصوير الإعلامي عبدالله السعدي المصدر: مرسن تركيا]]> يُقام هذا المهرجان في ولاية مرسين التركية ، في صالة البياز سراي. ويضم أنشطة ومبادرات تراثية، بما في ذلك المهرجان الحرف الذي يعرض المنتجات السورية بحضور رسمي واعلامي وجماهيري تحت مسى (أهلا رمضان) تعت رعاية وإدارة غروب ورد للمعارض و يتضمن المهرجان برنامجاً مجانياً للعامة، ويضمّ مسابقة للأطفال، مسابقات دينية وثقافية، ومن اهم المنتجات السورية وصنع القهوة العربية العجمية، وكذلك عروض الموسيقة والغناء.، يُنظّم متخصصون في فن الحرف اليدوية ورش عمل متنوعة. يُسلّط هذا المهرجان الضوء على أهمية الحرف السورية في التراث السوري، ويهدف إلى دعم الجهود التي يبذلها الحرفيون من أجل صون ثروتهم وإحيائها ونقلها إلى الأجيال القادمة. وتركز مسابقات المهرجان على إحياء مجموعة من الحرف التراثية التي كان لها دور وظيفي في الحياة القديمة، كما تشجع على الابتكار، والمحافظة على الأصالة السورية. ويُمنح الفائزون من كل مسابقة جوائز قيمة! وقالت مدير المعرض الأنسة فاتن، ان “المهرجان جاء لخدمة السوريين وتقريبهم من المنتوجات والصناعات التراثية الحرفية”. واوضحت, تضمن المعرض منتوجات متنوعة كالزخارف على الزجاج و والاحجار والحياكة اليدوية والخياطة . وأشارة الى ان عدد المشركين اكثر من 40 شركة مختلفة المجالات. واضافة ، ان ما يميز المعرض هو ان اغلب الصناعات صنعت باياد نسوية وهو دافع للمرأة السورية بشكل عام و بشكل خاص للاستفادة من تعلم حرفية العمل في هذا المجال”. تقرير وتصوير الإعلامي عبدالله السعدي المصدر: مرسن تركيا]]> 122727 جدل مزارع شبعا يتجدد في لبنان http://www.souriyati.com/2019/04/29/122483.html Mon, 29 Apr 2019 12:46:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/04/29/122483.html ما الذي يميز المثقفين العرب عن غيرهم من الشرائح الأخرى عند كتابتهم سيرهم الذاتية؟ أعتقد أن الإجابة عن ذلك لن تكون في قدرتهم على صياغة الأبنية السردية فحسب، وليست في اختيار الموضوعات الأكثر جدارة بالكشف، ولن تأتي في تبيان ما يمكن تأمله من تجاربهم الحياتية، إن السمة الأكثر وضوحا تتجلى في تركيز تلك الكتابات السيرية على كشف السجالات والمواقف التي لا مناص من وجودها، ولا عوض عن ذكرها؛ لتبدو مثل (إكسير الحياة) لتلك الكتابة المطبوعة بوعي ثقافي راق في التعامل مع الأقران دون إسفاف، اعتمادا على الإيمان بدور الاختلافات الفكرية لا الشخصية في صياغة الكتابة وترسيخ التلقي. تستعيد ثلاث تجارب كتابية في السيرة الذاتية لمثقفين عرب ذلك البعد السجالي السابق ذكره، وهي «الذات بين الوجود والإيجاد» للمغربي بنسالم حميش عن المركز الثقافي للكتاب 2019. و«الشاهد المشهود: سيرة ومراجعات فكرية» للفلسطيني وليد سيف عن الأهلية للنشر 2016، و«سيرة الوقت: حياة فرد... حكاية جيل» للسعودي معجب الزهراني عن المركز الثقافي للكتاب 2019. ومع أهمية هذه الكتب الثلاثة في التعبير عن مشهد الكتابة السيرية العربية المعاصر، فإن تركيزنا سينصب على السجال بوصفه بؤرة اهتمامها وأبرز مصادرها، إلى جانب ذلك الاتفاق الواضح الذي تحمله عنواناتها على ربط الخاص بالعام والفردي بالجمعي. يؤكد حميش في كتابه العلاقة المتلازمة بين مسارين اثنين: (الوجود)، المفردة المتكئة على أبعادها الصوفية والفلسفية تأثرا بعدد من روادهما، و(الإيجاد)، المفردة المفعِّلة ما تضطلع به الذات في صراعها مع الشؤون الحياتية والفكرية المختلفة، وتدعم الأول منهما إشراقات واسعة من المؤلف على شظايا الفكر الصوفي والفلسفة الوجودية المتمثلة في كتبه التي يتطرق إلى بعضها، أو الكتب الأكثر أهمية في تشكيل وعيه من كلا التيارين؛ ولذلك كان الكتاب يحمل من معظم الفنون طرائف مفيدة ومهمة. تبلورت في الجزء الأول من العمل المتصل بتفاصيل مراحل العمر المبكرة الجوانب الإبداعية المتكئة على خبرة فنية للمؤلف، وفي الجزء الآخر المتصل بالقضايا الفكرية الأبعاد السجالية المكتسبة لدى الأكاديمي الناقد، واتسمت بصياغة مواقف قطعية واضحة لا تحتمل الشك، داعما ذلك بثقافة ومعرفة واسعتين، وبخبرة وحنكة في الإدارة. ونظرا لأهمية القضايا المعالجة فإن العمل يحمل العمق المعرفي، الذي يستدعي إعادة القراءة والتفاعل معه. يستهل المؤلف بتفاصيل عن المكان وحياة أبويه، ومن ثم الانتقال إلى طفولته، وعلاقته بأسرته: الأب والأم والأخ الأكبر، وعلاقاته بفتيان الحي من حوله، ثم دراسته في المغرب وفرنسا، وزواجه، وأعماله التجارية. ويشكل هذا الجزء ثلث العمل تقريبا، غلبت عليه مرحلة الشباب الأولية. ويضم الجزء الآخر، وهو الأكثر أهمية، الجانب التكويني للمؤلف الممزوج بالفلسفة والتصوف ودرسي اللغة والهوية وغير ذلك، وتبدو السيرة هنا سيرة فكرية بامتياز شملت تناوله لأعماله الروائية وتسويغه الاشتغال على التوظيف التاريخي للرواية، وتناول شعرية الرواية وتقنياتها من زاوية نقدية. كتب المؤلف بطريقتين تلائمان المسارين اللذين أشير إليهما أعلاه، في الأول غلب جانب السرد القصصي على العمل، وكان متباعدا فيه عن الخطية (الكرونولوجية)، ولكنه ظل في إطار السرد المتصل بالقضايا المعتادة: الطفولة، الشباب، الدراسة، الزواج، العمل. كانت اللغة هنا لغة كتابة روائية ميسرة، ومتباعدة عن التكثيف المجازي. أما الآخر فقد غلب عليه السجال الذي أرغم عليه نتيجة تناوله النقدي لأعمال غيره، وكذلك حواره مع مثقفين آخرين مثل: أدونيس ويوسف زيدان وغيرهما، وكانت اللغة هنا لغة كتابة مقالية خاضعة لمبدأ إعمال الفكر، ومطارحة السجال. ويميز هذا المسار من الكتاب احتواؤه على اقتباسات من مؤلفات أخرى آمن المؤلف بأهميتها ونجاعتها في حياته. ومن سمات هذا الكتاب أنه يقدم رؤية فكرية لا تحتمل المواربة؛ فهو ممتلئ بوطنية عميقة، وقومية ناضجة، كان من أبرز أولوياته الدفاع عن حقوق الوطن والأمة المستلبة، ولذلك كانت ارتهاناته المتكررة إلى أطروحات إدوارد سعيد بوصفها مداخل منهجية لدعم أطروحته. شُيدت سيرة سيف في خطاطات نقدية وفكرية متأثرة بشخصية كاتبها، وتكمن أهميتها في كونها تمثل تاريخا مهما للقضية الفلسطينية، وتمثيلا لمعاناة أحد أبنائها وترحلهم من مكان إلى آخر، كما تشمل التركيز على الصراع العربي الإسرائيلي ومراوحاته بين الهزائم والصلح، وكتبت في جانبها البنائي في قوالب سردية امتزجت برؤى نقدية تعالج قضايا متصلة بالشعر والقص والدراما، وأخرى فكرية سجالية تتصل بمراجعات تستند إلى التاريخ والدين والأنثروبولوجيا، وتطمح إلى معالجة مشكلات وجودية يعاني منها الإنسان العربي في واقعه وعلاقاته بالآخر، ولعل أبرز ملامح هذه السيرة في بنائها السردي عدم انتظام زمنها، وتنوع الضمائر وكثرة الاسترجاعات، وإشراكها القارئ بوصفه حاضرا في مقاطع منه، ومحاولة فرض حياديتها، من جانب المؤلف، في أقل تقدير، ويحسب لهذا العمل استحضاره الدائم للقارئ ومخاطبته مباشرة، بوصف ذلك أحد مداخل الإقناع لا سيما في القضايا السجالية المطروقة. كتب العمل بلغة أدبية تستلهم روافد إبداعية أربعة، شكلت شخصية المؤلف وهي: الشعر، والدراما، والسينما، واللغة البحثية الأكاديمية؛ فكان الشعر متناسبا مع كتابات متصلة بموضوعات عاطفية كالحب والوطن، وكانت الأكاديمية مناسبة للكتابات المتصلة بالجانب العلمي والتحليلي، وكانت الدراما والسينما مؤثرتين في وصف الأماكن وتفاصيلها. في كتابة شفافة يقدم الزهراني سيرته الذاتية؛ إذ لم يشغله البناء التقليدي فيها، ولكنه حرص على تقديم نفسه من نافذتين: إحداهما شخصية، والأخرى فكرية، وبدت الأخيرة أكثر حضورا؛ ويرتهن ذلك إلى أن المؤلف أراد أن يقدم نفسه من النافذة التي عُرف بها، وهي الغالبة على الكتاب، ولعل ما يميز هذه السيرة عن سابقتيها جرأتها على الكشف في كلتا النافذتين المستهدفتين. جاء العمل مزيجا من سيرة بسيطة وسيرة فكرية بدت أكثر عمقا، وفي كلتيهما تجلت محطات سجالية، استهلت بالشخصي ومن ثم الانتقال إلى حكاية جيله وسجالاته المعروفة مع التيارات المناوئة؛ على سبيل المثال: كان الجزء المتصل بالجامعة بيانا عن تجربة شهدها الزهراني مع أكاديميين بارزين ضد مواقف تيار متشدد حاول السيطرة على البيئة الأكاديمية وإخضاعها، إلى جانب إشارات وآراء نقدية متصلة بتجارب عربية معروفة، وقد ولدت تلك الإشارات نتيجة بذور سجالية سابقة؛ لكنها قُدمت في لغة أدبية سلسة لا تخلو من طرافة أحيانا. ولعلنا هنا نعود لنؤكد أن الخطاب السجالي في سير المثقفين الذاتية كان حاضرا بقوة منذ القرن الماضي، إلا أن تلك الأعمال الثلاثة أوصلت ذلك الخطاب إلى ذروة مرحلة نضج تتباعد عن الادعاء والتمويه، وتنتمي إلى جيل استجاب لهموم الفكر وسلطة الإبداع. د. معجب العدواني - كاتب سعودي المصدر: الشرق الأوسط]]> ما الذي يميز المثقفين العرب عن غيرهم من الشرائح الأخرى عند كتابتهم سيرهم الذاتية؟ أعتقد أن الإجابة عن ذلك لن تكون في قدرتهم على صياغة الأبنية السردية فحسب، وليست في اختيار الموضوعات الأكثر جدارة بالكشف، ولن تأتي في تبيان ما يمكن تأمله من تجاربهم الحياتية، إن السمة الأكثر وضوحا تتجلى في تركيز تلك الكتابات السيرية على كشف السجالات والمواقف التي لا مناص من وجودها، ولا عوض عن ذكرها؛ لتبدو مثل (إكسير الحياة) لتلك الكتابة المطبوعة بوعي ثقافي راق في التعامل مع الأقران دون إسفاف، اعتمادا على الإيمان بدور الاختلافات الفكرية لا الشخصية في صياغة الكتابة وترسيخ التلقي. تستعيد ثلاث تجارب كتابية في السيرة الذاتية لمثقفين عرب ذلك البعد السجالي السابق ذكره، وهي «الذات بين الوجود والإيجاد» للمغربي بنسالم حميش عن المركز الثقافي للكتاب 2019. و«الشاهد المشهود: سيرة ومراجعات فكرية» للفلسطيني وليد سيف عن الأهلية للنشر 2016، و«سيرة الوقت: حياة فرد... حكاية جيل» للسعودي معجب الزهراني عن المركز الثقافي للكتاب 2019. ومع أهمية هذه الكتب الثلاثة في التعبير عن مشهد الكتابة السيرية العربية المعاصر، فإن تركيزنا سينصب على السجال بوصفه بؤرة اهتمامها وأبرز مصادرها، إلى جانب ذلك الاتفاق الواضح الذي تحمله عنواناتها على ربط الخاص بالعام والفردي بالجمعي. يؤكد حميش في كتابه العلاقة المتلازمة بين مسارين اثنين: (الوجود)، المفردة المتكئة على أبعادها الصوفية والفلسفية تأثرا بعدد من روادهما، و(الإيجاد)، المفردة المفعِّلة ما تضطلع به الذات في صراعها مع الشؤون الحياتية والفكرية المختلفة، وتدعم الأول منهما إشراقات واسعة من المؤلف على شظايا الفكر الصوفي والفلسفة الوجودية المتمثلة في كتبه التي يتطرق إلى بعضها، أو الكتب الأكثر أهمية في تشكيل وعيه من كلا التيارين؛ ولذلك كان الكتاب يحمل من معظم الفنون طرائف مفيدة ومهمة. تبلورت في الجزء الأول من العمل المتصل بتفاصيل مراحل العمر المبكرة الجوانب الإبداعية المتكئة على خبرة فنية للمؤلف، وفي الجزء الآخر المتصل بالقضايا الفكرية الأبعاد السجالية المكتسبة لدى الأكاديمي الناقد، واتسمت بصياغة مواقف قطعية واضحة لا تحتمل الشك، داعما ذلك بثقافة ومعرفة واسعتين، وبخبرة وحنكة في الإدارة. ونظرا لأهمية القضايا المعالجة فإن العمل يحمل العمق المعرفي، الذي يستدعي إعادة القراءة والتفاعل معه. يستهل المؤلف بتفاصيل عن المكان وحياة أبويه، ومن ثم الانتقال إلى طفولته، وعلاقته بأسرته: الأب والأم والأخ الأكبر، وعلاقاته بفتيان الحي من حوله، ثم دراسته في المغرب وفرنسا، وزواجه، وأعماله التجارية. ويشكل هذا الجزء ثلث العمل تقريبا، غلبت عليه مرحلة الشباب الأولية. ويضم الجزء الآخر، وهو الأكثر أهمية، الجانب التكويني للمؤلف الممزوج بالفلسفة والتصوف ودرسي اللغة والهوية وغير ذلك، وتبدو السيرة هنا سيرة فكرية بامتياز شملت تناوله لأعماله الروائية وتسويغه الاشتغال على التوظيف التاريخي للرواية، وتناول شعرية الرواية وتقنياتها من زاوية نقدية. كتب المؤلف بطريقتين تلائمان المسارين اللذين أشير إليهما أعلاه، في الأول غلب جانب السرد القصصي على العمل، وكان متباعدا فيه عن الخطية (الكرونولوجية)، ولكنه ظل في إطار السرد المتصل بالقضايا المعتادة: الطفولة، الشباب، الدراسة، الزواج، العمل. كانت اللغة هنا لغة كتابة روائية ميسرة، ومتباعدة عن التكثيف المجازي. أما الآخر فقد غلب عليه السجال الذي أرغم عليه نتيجة تناوله النقدي لأعمال غيره، وكذلك حواره مع مثقفين آخرين مثل: أدونيس ويوسف زيدان وغيرهما، وكانت اللغة هنا لغة كتابة مقالية خاضعة لمبدأ إعمال الفكر، ومطارحة السجال. ويميز هذا المسار من الكتاب احتواؤه على اقتباسات من مؤلفات أخرى آمن المؤلف بأهميتها ونجاعتها في حياته. ومن سمات هذا الكتاب أنه يقدم رؤية فكرية لا تحتمل المواربة؛ فهو ممتلئ بوطنية عميقة، وقومية ناضجة، كان من أبرز أولوياته الدفاع عن حقوق الوطن والأمة المستلبة، ولذلك كانت ارتهاناته المتكررة إلى أطروحات إدوارد سعيد بوصفها مداخل منهجية لدعم أطروحته. شُيدت سيرة سيف في خطاطات نقدية وفكرية متأثرة بشخصية كاتبها، وتكمن أهميتها في كونها تمثل تاريخا مهما للقضية الفلسطينية، وتمثيلا لمعاناة أحد أبنائها وترحلهم من مكان إلى آخر، كما تشمل التركيز على الصراع العربي الإسرائيلي ومراوحاته بين الهزائم والصلح، وكتبت في جانبها البنائي في قوالب سردية امتزجت برؤى نقدية تعالج قضايا متصلة بالشعر والقص والدراما، وأخرى فكرية سجالية تتصل بمراجعات تستند إلى التاريخ والدين والأنثروبولوجيا، وتطمح إلى معالجة مشكلات وجودية يعاني منها الإنسان العربي في واقعه وعلاقاته بالآخر، ولعل أبرز ملامح هذه السيرة في بنائها السردي عدم انتظام زمنها، وتنوع الضمائر وكثرة الاسترجاعات، وإشراكها القارئ بوصفه حاضرا في مقاطع منه، ومحاولة فرض حياديتها، من جانب المؤلف، في أقل تقدير، ويحسب لهذا العمل استحضاره الدائم للقارئ ومخاطبته مباشرة، بوصف ذلك أحد مداخل الإقناع لا سيما في القضايا السجالية المطروقة. كتب العمل بلغة أدبية تستلهم روافد إبداعية أربعة، شكلت شخصية المؤلف وهي: الشعر، والدراما، والسينما، واللغة البحثية الأكاديمية؛ فكان الشعر متناسبا مع كتابات متصلة بموضوعات عاطفية كالحب والوطن، وكانت الأكاديمية مناسبة للكتابات المتصلة بالجانب العلمي والتحليلي، وكانت الدراما والسينما مؤثرتين في وصف الأماكن وتفاصيلها. في كتابة شفافة يقدم الزهراني سيرته الذاتية؛ إذ لم يشغله البناء التقليدي فيها، ولكنه حرص على تقديم نفسه من نافذتين: إحداهما شخصية، والأخرى فكرية، وبدت الأخيرة أكثر حضورا؛ ويرتهن ذلك إلى أن المؤلف أراد أن يقدم نفسه من النافذة التي عُرف بها، وهي الغالبة على الكتاب، ولعل ما يميز هذه السيرة عن سابقتيها جرأتها على الكشف في كلتا النافذتين المستهدفتين. جاء العمل مزيجا من سيرة بسيطة وسيرة فكرية بدت أكثر عمقا، وفي كلتيهما تجلت محطات سجالية، استهلت بالشخصي ومن ثم الانتقال إلى حكاية جيله وسجالاته المعروفة مع التيارات المناوئة؛ على سبيل المثال: كان الجزء المتصل بالجامعة بيانا عن تجربة شهدها الزهراني مع أكاديميين بارزين ضد مواقف تيار متشدد حاول السيطرة على البيئة الأكاديمية وإخضاعها، إلى جانب إشارات وآراء نقدية متصلة بتجارب عربية معروفة، وقد ولدت تلك الإشارات نتيجة بذور سجالية سابقة؛ لكنها قُدمت في لغة أدبية سلسة لا تخلو من طرافة أحيانا. ولعلنا هنا نعود لنؤكد أن الخطاب السجالي في سير المثقفين الذاتية كان حاضرا بقوة منذ القرن الماضي، إلا أن تلك الأعمال الثلاثة أوصلت ذلك الخطاب إلى ذروة مرحلة نضج تتباعد عن الادعاء والتمويه، وتنتمي إلى جيل استجاب لهموم الفكر وسلطة الإبداع. د. معجب العدواني - كاتب سعودي المصدر: الشرق الأوسط]]> 122483 حليمة : مقتطفات من المجموعة القصصية للدكتورة جميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) http://www.souriyati.com/2019/04/18/122028.html Thu, 18 Apr 2019 15:03:08 +0000 http://www.souriyati.com/?p=122028 حليمة تقول حليمة: "أكره الروائح. أتمنى أحياناً، لو أنني فقدت حاسة الشم، وان يصاب أنفي بداء ما يعطل عمله. منذ ذلك اليوم حين اقتحمت منزلنا ثلة من الجنود يتقدمهم ضابط مسؤول تابع للنظام، عاثوا بنا ضربا وقتلا واغتصابا. منذ تلك الليلة وأنا اتنشق رائحة واحدة سيطرت على وجودي، وباتت دليلاً دائماً على إذلالي واغتصابي بعد ضرب مبرح. الرائحة المنبعثة من بقع العرق، التي جفت على أجزاء البدلة العسكرية، التي كان يرتديها ذلك الجندي الضخم، تخرج لي من كل مكان، تقيّدني، تحاصرني، تشل تفكيري، وتحوّلني إلى مستعبدة مسلوبة الإرادة. عندما همّ الجندي على اغتصابي بعد أن امره قائده بذلك، أمسك بشعري ومرّر أنفي على ثيابه، لم أُدرك لحظتها دلالة ذلك الفعل، لكن بعد استعادة ذكرى ما حصل، مرات متكررة، فهمت أن الجندي أراد أن يهزمني برائحته ويترك علامة لا تُمحى عن العار الذي سببه لي. منذ دخولهم المنزل، رمقني قائد المجموعة بنظرة حادّة أرعبتني، وأشعرتني أنني قد أكون أداة انتقام. تكرّرت النظرة بعد كل سؤال عن شبان مسلحين ينتمون للجيش الحرّ الذين اتُهمنا بالتستر عليهم. فتشوا البيت وهددونا بهدمه، قيّدوا أخي البالغ من العمر سبعة عشر عاماً. رموه في الزاوية، إنهالوا على أبي ضرباً وشتماً. كنا، أمي وأنا نرتجف خوفاً، تصطك اسناننا، نحضن بعضناً بعضاً، عندما شدني الضابط من شعري وأمر أحد جنوده باغتصابي للضغط على والدي كي يعترف عن مكان المسلحين الذي نجهله تماماً. أكثر فأكثر، اقتربت الرائحة مني،. استخدم الجندي عضوه ويديه ورائحته، لاتمام فعلته، بسرعة مذهلة تدل على تمرسه وتجاربه الكثيرة في الاغتصاب، ثبّت يدي، وجندي اخر مزق بنطالي وملابسي الداخلية. صرخ ابي وفقد صوابه، هجم على الجندي وراح يضربه و يبصق في وجهه، فما كان من الأخير سوى ركله وأطلاق جندي آخر النار عليه محولا قامته إلى جثة هامدة. وفيما أخي، صرخ بعنف "يا كلاب ... اقتلوني ولا تفعلوا هذا باختي"، جرّوه إلى الخارج، بينما راحت أمي تتوسلهم باكية أن يعفوا عنه، وان يتركوني وشأني ، ركلها الضابط بحذائه على خاصرتها. صرخات أخي، وأنفاس أبي الأخيرة، دموع أمي، اختلطت مع الألم الذي أحدثه الجندي في جسدي. اغتصبني كأنه يرمي على جبهة، ويفرغ رصاصاته بعنف ليقتل عدواً بدم بارد، العرق النتن الذي ازداد على جبهته ضاعف من الرائحة. رائحة الخزي التي لن تفارق انفي إلى الأبد. تخشب جسمي، بت أقرب الى جماد، من دون ملامح أو انفعالات، انفصلت عن أحاسيسي تماماً، لم أشعر ببقية الجنود الذين تناوبوا على اغتصابي، تخدرت، وفقدت ارتباطي بالمكان والزمان. أصبحت أسيرة رائحة، من دون أب. من دون اخ ، ومع أم تائهة افقدتها الصدمة صوابها. بعد مغادرة الجنود، قام من تبقى من العائلة وبمساعدة الجيران بدفن أبي، من دون أن ندرك أن فقدانه سيكون بداية لفقدان سيتكرر مرة أخرى لا تقل مرارة عن سابقتها. لاحقتنا الحرب بعد انتقالنا إلى قرية صغيرة قريبة، ما دفعنا إلى الهرب مجددا الى مكان ابعد. بقينا هناك أياماً ولم يكن الوضع أفضل حالا من مكاننا السابق، قصف عنيف وقذائف تتساقط كالمطر، المباني تحترق، والناس تخشى التجوال خوفاً من رصاص القناصة. هو الجحيم يتكرر معنا بأشكال مختلفة، قُتلت أختي ذات السبع سنوات، سقطت مضرجة بدمائها بعد أن أصيبت بشظايا برميل سقط قرب سكننا. عادت رائحة الجندي تزكم أنفي من جديد، شعرت أنني اغتصب مرة أخرى. أختي صاحبة الجسد الطري والكلمات العفوية، كانت تنسل كل ليلة إلى سريري، باتت جثة. أصبح لدينا مدفنان، واحد لأبي في مسقط رأسنا، وآخر لأختي في مكان النزوح. إنها خارطة أوجاعنا تكبر وتتمدد هنا وهناك. تغريبتنا تواصلت. هذه المرة خرجنا من سوريا كلها، قصدنا لبنان، وبعد رحلة شاقة وصلنا الى منطقة الشمال. وفي كاراج سيارات ساعدنا أحد الأشخاص في الحصول عليه، اصبح مسكننا الجديد، مكان بارد ورطب وغير قابل للحياة، مع ذلك بقينا فيه عاما كاملا، إلى أن عادت تعويذة الحرب إلى ملاحقتنا. اندلعت اشتباكات طرابلس، ولأن الكاراج قريب من خطوط التماس، طالنا القصف. لم يكن في ذهننا هذه المرة اي مكان نهرب إليه، وعلى عجل غادرنا إلى بيروت، وتحت ما يسمى بجسر الكولا الشهير جلسنا في العراء. كانت رائحة الجندي الذي اغتصبني تملأ الفضاء حولي، أو على الأقل هكذا كنت أشم. الناس جميعهم ينظرون نحونا يخترقون أجسادنا، شعرت بخوف رهيب، لم أغمض عيني لحظة واحدة، تكورت على نفسي في زاوية، متحسسة كل جزء في جسدي. كنا ضحية اغتصاب العيون. نظرات المارة تدقق في خصوصياتنا وتنتهكنا على مهل ومن دون رادع، نحن العائلة المرمية في الشارع، المشردة، الضعيفة، والخائفة. رحت أفكر هل سندفن أحدنا في هذا المكان ايضاً، لكن كيف سيكون القبر في الشارع..؟!!، مؤكد لن يسمحوا لنا بذلك. وصار عقلي عبارة عن مقبرة .... ورائحة. الصدفة وحدها كانت سببا في التعرف الى رجل طيب، طلب منا أن ننتقل الى منزله، مقابل التكفل برعاية أمه العجوز، وتنظيف المنزل والاهتمام بالحديقة. هناك، صارت حياتنا أقل اضطراباً من الناحية المكانية، عشنا في غرفة واسعة قياساً لما حصل لنا. لكن الألم والخوف بقيا جزءا من يومياتنا. الأحداث التي مرّت بنا سيطرت علينا، بتنا أسرى ماضينا القريب، الذي يتحكم بانفعالاتنا ورغباتنا وأحلامنا وأسلوب عيشنا. الماضي الذي حوّل أمي إلى امرأة هشة لا تعي شيئا سوى الصراخ والبكاء، نستيقظ ليلاً على ندبها وكلماتها غير المفهومة، أو على تضرعها الى الله كي يأخذها. كانت تصلي فقط من أجل ان يستجيب الله لموتها، أرادت أن تتخلص من الماضي بمغادرة الحاضر. اختارت علاجاً خاصاً للأوضاع التي تنهش داخلها، الصلاة والدعاء. كنت أشعر براحة عميقة حين استمع إلى ابتهالاتها وهي متشحة بالبياض تركع على سجادة الصلاة، راحة تعطل حاسة الشم عندي، تمنحني وقتاً قليلاً بأن أحيا من دون رائحة مغتصبي. صلاة أمي كانت السلاح الوحيد ضد رائحة الجندي التي لم تفارقني. ظلت تفوح من كل الأماكن وكل الأشخاص، أحياناً كنت أفرك جسدي كالمجنونة خلال الحمام، علني أزيل الرائحة، يتقشر الجلد وينزّ الدم، ولكن من دون نتيجة. علاقتي بجسدي تقوم على الكراهية، أمر بسرعة قرب المرآة خشية أن ألمح جزءا ما. أرتدي ثيابا سميكة حتى في الصيف، كي اردع الخارج. اتحاشى نظرات الرجال، بت أراهم جميعهم ببدلات عسكرية. في إحدى الصباحات، على غير عادتها لم تكن أمي على سجادة الصلاة، أمضت الليلة الماضية وهي تهجس بسيرة أبي، وأخي المعتقل، وأختي التي قتلت جراء قصف نظام البراميل. كانت تردد أسماء الثلاثة، تستعيدهم على مهل، تضع كلمة حبيبي قبل كل اسم، تتخيلهم أمامها تمسد شعورهم، تغني لهم. نامت تلك الليلة، وقربها جثتين، وجسد يتعذب في معتقل. هززنا جسدها مراراً رافضين تصديق أنها فارقتنا، كان وجهها أبيض، تبتسم ببراءة، وتشع بنور غريب..". وتختتم حليمة حديثها قائلة: " بعد موت أمي، افتقدت صلاتها، تلك المساحة التي كانت تخلصني من الرائحة. الآن استسلمت كلياً لهذه الأخيرة، أصبحت أسيرتها لا أشمها فقط، أتذوقها و اتحسسها وأراها..".  
مقتطفات من المجموعة القصصية للدكتورة جميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان
]]>
حليمة تقول حليمة: "أكره الروائح. أتمنى أحياناً، لو أنني فقدت حاسة الشم، وان يصاب أنفي بداء ما يعطل عمله. منذ ذلك اليوم حين اقتحمت منزلنا ثلة من الجنود يتقدمهم ضابط مسؤول تابع للنظام، عاثوا بنا ضربا وقتلا واغتصابا. منذ تلك الليلة وأنا اتنشق رائحة واحدة سيطرت على وجودي، وباتت دليلاً دائماً على إذلالي واغتصابي بعد ضرب مبرح. الرائحة المنبعثة من بقع العرق، التي جفت على أجزاء البدلة العسكرية، التي كان يرتديها ذلك الجندي الضخم، تخرج لي من كل مكان، تقيّدني، تحاصرني، تشل تفكيري، وتحوّلني إلى مستعبدة مسلوبة الإرادة. عندما همّ الجندي على اغتصابي بعد أن امره قائده بذلك، أمسك بشعري ومرّر أنفي على ثيابه، لم أُدرك لحظتها دلالة ذلك الفعل، لكن بعد استعادة ذكرى ما حصل، مرات متكررة، فهمت أن الجندي أراد أن يهزمني برائحته ويترك علامة لا تُمحى عن العار الذي سببه لي. منذ دخولهم المنزل، رمقني قائد المجموعة بنظرة حادّة أرعبتني، وأشعرتني أنني قد أكون أداة انتقام. تكرّرت النظرة بعد كل سؤال عن شبان مسلحين ينتمون للجيش الحرّ الذين اتُهمنا بالتستر عليهم. فتشوا البيت وهددونا بهدمه، قيّدوا أخي البالغ من العمر سبعة عشر عاماً. رموه في الزاوية، إنهالوا على أبي ضرباً وشتماً. كنا، أمي وأنا نرتجف خوفاً، تصطك اسناننا، نحضن بعضناً بعضاً، عندما شدني الضابط من شعري وأمر أحد جنوده باغتصابي للضغط على والدي كي يعترف عن مكان المسلحين الذي نجهله تماماً. أكثر فأكثر، اقتربت الرائحة مني،. استخدم الجندي عضوه ويديه ورائحته، لاتمام فعلته، بسرعة مذهلة تدل على تمرسه وتجاربه الكثيرة في الاغتصاب، ثبّت يدي، وجندي اخر مزق بنطالي وملابسي الداخلية. صرخ ابي وفقد صوابه، هجم على الجندي وراح يضربه و يبصق في وجهه، فما كان من الأخير سوى ركله وأطلاق جندي آخر النار عليه محولا قامته إلى جثة هامدة. وفيما أخي، صرخ بعنف "يا كلاب ... اقتلوني ولا تفعلوا هذا باختي"، جرّوه إلى الخارج، بينما راحت أمي تتوسلهم باكية أن يعفوا عنه، وان يتركوني وشأني ، ركلها الضابط بحذائه على خاصرتها. صرخات أخي، وأنفاس أبي الأخيرة، دموع أمي، اختلطت مع الألم الذي أحدثه الجندي في جسدي. اغتصبني كأنه يرمي على جبهة، ويفرغ رصاصاته بعنف ليقتل عدواً بدم بارد، العرق النتن الذي ازداد على جبهته ضاعف من الرائحة. رائحة الخزي التي لن تفارق انفي إلى الأبد. تخشب جسمي، بت أقرب الى جماد، من دون ملامح أو انفعالات، انفصلت عن أحاسيسي تماماً، لم أشعر ببقية الجنود الذين تناوبوا على اغتصابي، تخدرت، وفقدت ارتباطي بالمكان والزمان. أصبحت أسيرة رائحة، من دون أب. من دون اخ ، ومع أم تائهة افقدتها الصدمة صوابها. بعد مغادرة الجنود، قام من تبقى من العائلة وبمساعدة الجيران بدفن أبي، من دون أن ندرك أن فقدانه سيكون بداية لفقدان سيتكرر مرة أخرى لا تقل مرارة عن سابقتها. لاحقتنا الحرب بعد انتقالنا إلى قرية صغيرة قريبة، ما دفعنا إلى الهرب مجددا الى مكان ابعد. بقينا هناك أياماً ولم يكن الوضع أفضل حالا من مكاننا السابق، قصف عنيف وقذائف تتساقط كالمطر، المباني تحترق، والناس تخشى التجوال خوفاً من رصاص القناصة. هو الجحيم يتكرر معنا بأشكال مختلفة، قُتلت أختي ذات السبع سنوات، سقطت مضرجة بدمائها بعد أن أصيبت بشظايا برميل سقط قرب سكننا. عادت رائحة الجندي تزكم أنفي من جديد، شعرت أنني اغتصب مرة أخرى. أختي صاحبة الجسد الطري والكلمات العفوية، كانت تنسل كل ليلة إلى سريري، باتت جثة. أصبح لدينا مدفنان، واحد لأبي في مسقط رأسنا، وآخر لأختي في مكان النزوح. إنها خارطة أوجاعنا تكبر وتتمدد هنا وهناك. تغريبتنا تواصلت. هذه المرة خرجنا من سوريا كلها، قصدنا لبنان، وبعد رحلة شاقة وصلنا الى منطقة الشمال. وفي كاراج سيارات ساعدنا أحد الأشخاص في الحصول عليه، اصبح مسكننا الجديد، مكان بارد ورطب وغير قابل للحياة، مع ذلك بقينا فيه عاما كاملا، إلى أن عادت تعويذة الحرب إلى ملاحقتنا. اندلعت اشتباكات طرابلس، ولأن الكاراج قريب من خطوط التماس، طالنا القصف. لم يكن في ذهننا هذه المرة اي مكان نهرب إليه، وعلى عجل غادرنا إلى بيروت، وتحت ما يسمى بجسر الكولا الشهير جلسنا في العراء. كانت رائحة الجندي الذي اغتصبني تملأ الفضاء حولي، أو على الأقل هكذا كنت أشم. الناس جميعهم ينظرون نحونا يخترقون أجسادنا، شعرت بخوف رهيب، لم أغمض عيني لحظة واحدة، تكورت على نفسي في زاوية، متحسسة كل جزء في جسدي. كنا ضحية اغتصاب العيون. نظرات المارة تدقق في خصوصياتنا وتنتهكنا على مهل ومن دون رادع، نحن العائلة المرمية في الشارع، المشردة، الضعيفة، والخائفة. رحت أفكر هل سندفن أحدنا في هذا المكان ايضاً، لكن كيف سيكون القبر في الشارع..؟!!، مؤكد لن يسمحوا لنا بذلك. وصار عقلي عبارة عن مقبرة .... ورائحة. الصدفة وحدها كانت سببا في التعرف الى رجل طيب، طلب منا أن ننتقل الى منزله، مقابل التكفل برعاية أمه العجوز، وتنظيف المنزل والاهتمام بالحديقة. هناك، صارت حياتنا أقل اضطراباً من الناحية المكانية، عشنا في غرفة واسعة قياساً لما حصل لنا. لكن الألم والخوف بقيا جزءا من يومياتنا. الأحداث التي مرّت بنا سيطرت علينا، بتنا أسرى ماضينا القريب، الذي يتحكم بانفعالاتنا ورغباتنا وأحلامنا وأسلوب عيشنا. الماضي الذي حوّل أمي إلى امرأة هشة لا تعي شيئا سوى الصراخ والبكاء، نستيقظ ليلاً على ندبها وكلماتها غير المفهومة، أو على تضرعها الى الله كي يأخذها. كانت تصلي فقط من أجل ان يستجيب الله لموتها، أرادت أن تتخلص من الماضي بمغادرة الحاضر. اختارت علاجاً خاصاً للأوضاع التي تنهش داخلها، الصلاة والدعاء. كنت أشعر براحة عميقة حين استمع إلى ابتهالاتها وهي متشحة بالبياض تركع على سجادة الصلاة، راحة تعطل حاسة الشم عندي، تمنحني وقتاً قليلاً بأن أحيا من دون رائحة مغتصبي. صلاة أمي كانت السلاح الوحيد ضد رائحة الجندي التي لم تفارقني. ظلت تفوح من كل الأماكن وكل الأشخاص، أحياناً كنت أفرك جسدي كالمجنونة خلال الحمام، علني أزيل الرائحة، يتقشر الجلد وينزّ الدم، ولكن من دون نتيجة. علاقتي بجسدي تقوم على الكراهية، أمر بسرعة قرب المرآة خشية أن ألمح جزءا ما. أرتدي ثيابا سميكة حتى في الصيف، كي اردع الخارج. اتحاشى نظرات الرجال، بت أراهم جميعهم ببدلات عسكرية. في إحدى الصباحات، على غير عادتها لم تكن أمي على سجادة الصلاة، أمضت الليلة الماضية وهي تهجس بسيرة أبي، وأخي المعتقل، وأختي التي قتلت جراء قصف نظام البراميل. كانت تردد أسماء الثلاثة، تستعيدهم على مهل، تضع كلمة حبيبي قبل كل اسم، تتخيلهم أمامها تمسد شعورهم، تغني لهم. نامت تلك الليلة، وقربها جثتين، وجسد يتعذب في معتقل. هززنا جسدها مراراً رافضين تصديق أنها فارقتنا، كان وجهها أبيض، تبتسم ببراءة، وتشع بنور غريب..". وتختتم حليمة حديثها قائلة: " بعد موت أمي، افتقدت صلاتها، تلك المساحة التي كانت تخلصني من الرائحة. الآن استسلمت كلياً لهذه الأخيرة، أصبحت أسيرتها لا أشمها فقط، أتذوقها و اتحسسها وأراها..".  
مقتطفات من المجموعة القصصية للدكتورة جميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان
]]>
122028
عن حريق كاتدرائية نوتردام / نائل بلعاوي اهمية نوتردام تعود إلى فيكتور هوغو إلى ألاحدب كوازيمودو http://www.souriyati.com/2019/04/16/121965.html Tue, 16 Apr 2019 15:26:23 +0000 http://www.souriyati.com/?p=121965
 
Nael Balawi
 
لم تكن نوتردام هي الاجمل معمارياً من بين شقيقاتها القوطيات المنتشرات بكثرة في حواضر القارة العجوز ، وقد تكون ألاقل قيمة فنية من بينهن . ولم تكن ألابنة ألاولى لذلك الطراز القوطي الاوروبي المرصع بملامح العمارة ألاسلامية وتأثيراتها البينة { الاقواس المركزية في الداخل والخارج تحديداً } ، هناك كاتدرائية صغيرة في حي سانت دينيس الباريسي سبقتها اليه . وقد اجازف قليلا أو كثيراً ، وهذا مجرد رأي غير علمي لشخص مر بالكثير الكثير من كاتدرائيات القارة ، حين أقول : تتفوق كاتدرائية شتيفان في قلب فيينا جمالياً على نوتردام . تتفوق كاتدرائية كولونيا الالمانية عليها . وكذلك تفعل كاتدرائية براغ ، او ويلز البريطانية ، والمذكورات قوطيات الطراز . وماذا تكون نوتردام ، هندسة وجمالاً ، أمام كاتدرائية ساغرادا فاميليا ، العائلة المقدسة ، إلتي ابدعها العبقري غادوي في برشلونه ، مع أنها لم تكتمل جراء وفاته ولم تكن قوطية كذلك ؟ لعل نوتردام إلتي احترقت هي الاقل جمالاً في الحقل المعماري الفاتن ذاك ، ولكنها ألاهم فيه ، بل هي الآهم .. وأظن أن أهميتها لا تجيء ، وفقط ، من كونها تقوم في باريس ، وعن باريس يمكن مسائلة الوعي الجمعي لسكان المعمورة وحضور المدينة الباذخ فيه . وهي لا تجيء عبر ألاحداث التاريخية الكبيرة إلتي دارت فيها ومن حولها ، فهناك الكثبر من ألاحداث الشبيهة والهامة إلتي شهدتها كاتدرائيات القارة .. أجازف مرة أخرى ، وقد لا أفعل ، وأقول : اهمية نوتردام تعود إلى فيكتور هوغو ، إلى ألاحدب كوازيمودو ، إلى ازميرالدا الفاتنة ، وإلى ذلك ألاحساس الفذ بالعدالة ألذي عبرت عنه الرواية العظيمة وهي تكشف عن الجمالي الكامن عميقاً في سريرة ألاحدب { القبيح } خارجياً ، كما هو كامن في الروح العذبة لمعشوقته صعبة المنال ، لتكون العذوبة مشتركة وواحدة في الحالتين ، وبصرف النظر عن مفاتن الراقصة الغجرية ، ازميرالدا ، أو التشوهات الخلقية الخارجية لقارع الاجراس في نوتردام ، كوازيمودو . نوتردام ذاكرة ادبية ، ضمير عدالة كونية لا يحترق ولا يموت ، قد تطيح النيران بأبراجها وأقواسها وبعض جدرانها ، وقد تفقد شيئاً من ملامحها الخارجية التقليدية حين يُعاد ترميمها ، وسوف يُعاد . ولكن رموزها البليغة والهادرة على الدوام لن تفقد شيئاً من معانيها الخالدة ابداً . نوتردام هي علامة فارقة في معبد الحرية الكوني.. الحرية إلتي حلم بها كوازيمودو وهو يتأمل خصر ازميرالدا المثير وهي ترقص في ساحتها ، والحرية لا تموت ، قد تحترق قليلاً ، ولكنها تعود.. مثل العنقاء ، تعود من الرماد وتحلق من جديد . من هنا بالضبط تجيء اهمية نوتردام ، ولهذا بالضبط نحزن لمصابها ، مصابنا ، نحن الذين شُغفنا بشعر ازميرالدا ألاسود وهو يتطاير حين ترقص فرحاً وابتهاجاً بالحرية ، حريتها المنشودة انذاك ، وحريتنا المشتهاة اليوم وفي كل يوم]]>
 
Nael Balawi
 
لم تكن نوتردام هي الاجمل معمارياً من بين شقيقاتها القوطيات المنتشرات بكثرة في حواضر القارة العجوز ، وقد تكون ألاقل قيمة فنية من بينهن . ولم تكن ألابنة ألاولى لذلك الطراز القوطي الاوروبي المرصع بملامح العمارة ألاسلامية وتأثيراتها البينة { الاقواس المركزية في الداخل والخارج تحديداً } ، هناك كاتدرائية صغيرة في حي سانت دينيس الباريسي سبقتها اليه . وقد اجازف قليلا أو كثيراً ، وهذا مجرد رأي غير علمي لشخص مر بالكثير الكثير من كاتدرائيات القارة ، حين أقول : تتفوق كاتدرائية شتيفان في قلب فيينا جمالياً على نوتردام . تتفوق كاتدرائية كولونيا الالمانية عليها . وكذلك تفعل كاتدرائية براغ ، او ويلز البريطانية ، والمذكورات قوطيات الطراز . وماذا تكون نوتردام ، هندسة وجمالاً ، أمام كاتدرائية ساغرادا فاميليا ، العائلة المقدسة ، إلتي ابدعها العبقري غادوي في برشلونه ، مع أنها لم تكتمل جراء وفاته ولم تكن قوطية كذلك ؟ لعل نوتردام إلتي احترقت هي الاقل جمالاً في الحقل المعماري الفاتن ذاك ، ولكنها ألاهم فيه ، بل هي الآهم .. وأظن أن أهميتها لا تجيء ، وفقط ، من كونها تقوم في باريس ، وعن باريس يمكن مسائلة الوعي الجمعي لسكان المعمورة وحضور المدينة الباذخ فيه . وهي لا تجيء عبر ألاحداث التاريخية الكبيرة إلتي دارت فيها ومن حولها ، فهناك الكثبر من ألاحداث الشبيهة والهامة إلتي شهدتها كاتدرائيات القارة .. أجازف مرة أخرى ، وقد لا أفعل ، وأقول : اهمية نوتردام تعود إلى فيكتور هوغو ، إلى ألاحدب كوازيمودو ، إلى ازميرالدا الفاتنة ، وإلى ذلك ألاحساس الفذ بالعدالة ألذي عبرت عنه الرواية العظيمة وهي تكشف عن الجمالي الكامن عميقاً في سريرة ألاحدب { القبيح } خارجياً ، كما هو كامن في الروح العذبة لمعشوقته صعبة المنال ، لتكون العذوبة مشتركة وواحدة في الحالتين ، وبصرف النظر عن مفاتن الراقصة الغجرية ، ازميرالدا ، أو التشوهات الخلقية الخارجية لقارع الاجراس في نوتردام ، كوازيمودو . نوتردام ذاكرة ادبية ، ضمير عدالة كونية لا يحترق ولا يموت ، قد تطيح النيران بأبراجها وأقواسها وبعض جدرانها ، وقد تفقد شيئاً من ملامحها الخارجية التقليدية حين يُعاد ترميمها ، وسوف يُعاد . ولكن رموزها البليغة والهادرة على الدوام لن تفقد شيئاً من معانيها الخالدة ابداً . نوتردام هي علامة فارقة في معبد الحرية الكوني.. الحرية إلتي حلم بها كوازيمودو وهو يتأمل خصر ازميرالدا المثير وهي ترقص في ساحتها ، والحرية لا تموت ، قد تحترق قليلاً ، ولكنها تعود.. مثل العنقاء ، تعود من الرماد وتحلق من جديد . من هنا بالضبط تجيء اهمية نوتردام ، ولهذا بالضبط نحزن لمصابها ، مصابنا ، نحن الذين شُغفنا بشعر ازميرالدا ألاسود وهو يتطاير حين ترقص فرحاً وابتهاجاً بالحرية ، حريتها المنشودة انذاك ، وحريتنا المشتهاة اليوم وفي كل يوم]]>
121965
رواية “لا تخبر الحصان” للروائي السوري ممدوح عزام http://www.souriyati.com/2019/04/14/121845.html Sun, 14 Apr 2019 14:12:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/04/14/121845.html تصدر قريباً عن داريّ "سرد" و"ممدوح عدوان"، رواية "لا تخبر الحصان" للروائي السوري ممدوح عزام، تصميم الغلاف لتمام عزام، هناك مقطع منها، ننشره بالاتفاق مع الناشر. صباح اليوم التالي اختفى سالم النجار. استيقظت ولم أجده في البيت. كان واصل يستمع إلى الراديو وقد رفع صوته حتى السماء، بينما كانت أمي تخبز، وكاملة تحضر لها الحطب كي تشعل النار تحت الصاج. وعندما رأيت الحصان مربوطاً في مكانه عرفت أن أبي لم يعد هنا. وفي غيابه سمعت أمي تسألني، لأول مرّة، ما إن كنت قد أطعمت الحصان، قلت لها إنني لا أنسى هذا أبداً، فغمغمت بما لا أدري من الكلمات. وبنظرةٍ مني إلى وجهها، علمت أنها كانت تبارك وجودي إلى جانبه في غياب أبي. لماذا؟ لا يعرف الأبناء أخلاق الآباء أبداً، فلا تعرف لماذا يتشاجران ومتى يتصالحان، في كثيرٍ من تلك الأيام التي كانت تشهد شجار الليل بينهما، كنت أراهما منسجمين في النهار يتحدثان عن موسم القمح أو الشعير كأن لا همّ لهما غير تلك الحبوب. كان صلحهما يسعدني في النهار، حتى أنني بتُّ أكره الليل. لكنّي، في آخر الأمر، قلت يمكن للأبوين أن يفعلا ما يريدان. ولم أسأل أمي لماذا استفسرت عن طعام الحصان. قلت سأسأله ما إن كان يعرف أين ذهب أبي، فراح يهزّ رأسه، مثلما كان يفعل أبي، هزّاتٍ عظيمة، وهو يفكّر، ولكنّه لم يقل لي أيّ شيء. كانت دمعتان لامعتان تستقرّان في عينيه، وهما اللتان جعلتاني أخاف مما سيحدث في بيتنا في الأيام القادمة. لكننا خرجنا في اليوم التالي إلى سهل التل الأحمر. كانت السماء صافية كالبلور، ولم يكن في السهل أحدٌ غير بضعة حميرٍ متشرّدة ترعى جذور القمح المتبقّية في الحقول بعد الحصاد، بينما أخذت الجداجد تزعق مذعورةً من صهيل الحصان. لعبنا معاً لعبة المشي الرهوان، سار كلُّ واحدٍ منّا على رجلٍ واحدة. قفزنا بين خطَّين رسمتهما في الرمل الأحمر. حاول أن يعلّمني الصهيل، وحاولت أن أعلّمه الضحك. اعتليت صهوته وجرينا من أول السهل إلى آخره، ومن آخره إلى أوله. قلت له إنني أحبّه، وإنه سوف يظلّ صديقي طوال عمرنا. وهزّ رأسه وغمر وجهي بشعر عرفه الأشقر الطويل. صهلنا وضحكنا طويلاً. لكنّي في كلّ ليلةٍ كنت أسمع نحيباً في الغرفة الزرقاء، وعرفت أن أمي سليمة كانت تنشد عتابا حزينة ترثي بها نفسها، وتتحسّر على لحظاتٍ، وعلى أمنياتٍ لم تتحقّق رغم أنها انتظرتها طويلاً. كانت كاملة نائمة، وكان واصل مستيقظاً ينظر إليّ دون أن يتكلم. لا أشكّ أن هذا الولد يعرف كل شيء، ويسمع كل شيء، وقد كان الشاهد الوحيد الذي ظلَّ هنا في الدار دون أن يغادرها إلى أي مكان. لكن نحيب أمي توقف بعد أيام. وسمعتها تصرخ وتقاتل فاضل الكبير الذي جاء من المدينة. لا أعرف السبب، ولا أجرؤ على الدخول إلى المكان الذي تكون فيه أمي غاضبة. لكني استطعت أن أتلصّص من شقٍّ في الباب، كان فاضل يجلس متربّعاً مستسلماً على الأرض، يطأطئ رأسه، ولا ينظر نحو سليمة. لم أرَ مثل هذا المشهد منذ سنوات، فأخي فاضل كان يظهر مثل الذئب حين تطلب منه أمي شيئاً ما لا يريده. يقف ويرفض ويتحدّى بنظراته: كانت له عينا ذئب (رأيت صورة العينين حين تصفّحت كتاباً عن الأدغال في مكتبة مدرستنا). أدركت أخيراً أن أمي كانت توبّخه لأنه استضاف أنوار عمران، وتقول إنه سوف يجلب لنا الفضيحة. وفهمت أن أحداً ما قد أخبر أمي بما يحدث هناك، لأن فاضل قال لها إن أنوار زارته فقط كي يأخذها إلى الطبيب، وعندئذٍ قالت له: «كذّاب!». فلم يردّ. انتابتني مشاعر حزنٍ على فاضل، شعرت بالشفقة نحوه، وقد رأيت أن رجلاً مثل العمود، يوبَّخ من أمٍّ صغيرة طيّبة مثل سليمة حطاب. زعلت لأنه يكذب، وزعلت لأنها قالت له إنه يكذب. لماذا يا فاضل؟ فجأةً وجدته يقول لأمي إنه يعرف من الذي وشى به لديها، وإنه لن يتساهل مع نوفل هذه المرة، لا لأنه ينقل لها أخباراً عنه، بل لأنه يتجسّس عليه. فقالت أمي إن نوفل يتقدّم الآن لامتحان البكالوريا، وليس هو الذي أخبرها. أصدِّق أمي، إذ كان شخص آخر قد أخبر أمي أن أنوار كانت تأتي إلى غرفة فاضل في أيام الحرب. وإنها لن تخبره أبداً باسم ذلك الشخص. أخيراً قال فاضل إنه يحب أنوار، وأمي نظرت إليه بعينين مذعورتين، وقلب حانق. لا أعرف ماذا تخيّلت، ولكني أعرف أن حنقها زاد، لأنها كانت قد اعتقدت في الأشهر الماضية أنها تمكّنت من فصم العلاقة بين ابنها وبنت داوود عمران، وأنها ارتاحت من قصة الكراهية المزمنة بين أبي وداوود ابن عمّته، وسمعتها تطلب من الله، حين تزوّجت أنوار ورحلت برفقة زوجها العسكري الذي سوف يمضي حياته متنقلاً بين المناطق وفق متطلبات الجيش، أن يسعدها ويبعدها. أما اليوم فهي تطلب من الله نفسه أن يغضب عليها، وأن يحرم فاضل من الرغيف إذا استمرّ في علاقته بها. هذا هو الدعاء الرهيب الذي يمكن أن يبثّ الرعب في الكائنات كلّها: أتخيّل مشهد فاضل جائعاً ناحلاً ليس في جسده غير العظام وهو يعدو خلف رغيف خبز لا يهدأ في أي مكان من هذه الأرض. أيّ لهفة! أيّ عوز! أيّ لعنة ربانية يمكن أن تحلَّ عليه إذاً! تمنّيت أن أستطيع إقناع فاضل بالعدول عن حبِّ أنوار اللعينة، تلك البنت السمراء التي لا يمكن لرجلٍ أن يصمد أمام عينيها. فلها نظرة لبؤة صيّادة، قوّتها كلّها مستقرّة كحلقة من النار المشتعلة في عينيها السوداوين. كان زوج أنوار قد اختفى في الحرب ولم يعُد، بحسب ما قالت لي محسنة النجار ابنة عمي داوود، قالت لي أيضاً إن أختها سوف تنتظر صابر البطل في بيتها، ولن تعود إلى دير القرن كي لا تحكي النساء إنها صارت أرملة. ]]> تصدر قريباً عن داريّ "سرد" و"ممدوح عدوان"، رواية "لا تخبر الحصان" للروائي السوري ممدوح عزام، تصميم الغلاف لتمام عزام، هناك مقطع منها، ننشره بالاتفاق مع الناشر. صباح اليوم التالي اختفى سالم النجار. استيقظت ولم أجده في البيت. كان واصل يستمع إلى الراديو وقد رفع صوته حتى السماء، بينما كانت أمي تخبز، وكاملة تحضر لها الحطب كي تشعل النار تحت الصاج. وعندما رأيت الحصان مربوطاً في مكانه عرفت أن أبي لم يعد هنا. وفي غيابه سمعت أمي تسألني، لأول مرّة، ما إن كنت قد أطعمت الحصان، قلت لها إنني لا أنسى هذا أبداً، فغمغمت بما لا أدري من الكلمات. وبنظرةٍ مني إلى وجهها، علمت أنها كانت تبارك وجودي إلى جانبه في غياب أبي. لماذا؟ لا يعرف الأبناء أخلاق الآباء أبداً، فلا تعرف لماذا يتشاجران ومتى يتصالحان، في كثيرٍ من تلك الأيام التي كانت تشهد شجار الليل بينهما، كنت أراهما منسجمين في النهار يتحدثان عن موسم القمح أو الشعير كأن لا همّ لهما غير تلك الحبوب. كان صلحهما يسعدني في النهار، حتى أنني بتُّ أكره الليل. لكنّي، في آخر الأمر، قلت يمكن للأبوين أن يفعلا ما يريدان. ولم أسأل أمي لماذا استفسرت عن طعام الحصان. قلت سأسأله ما إن كان يعرف أين ذهب أبي، فراح يهزّ رأسه، مثلما كان يفعل أبي، هزّاتٍ عظيمة، وهو يفكّر، ولكنّه لم يقل لي أيّ شيء. كانت دمعتان لامعتان تستقرّان في عينيه، وهما اللتان جعلتاني أخاف مما سيحدث في بيتنا في الأيام القادمة. لكننا خرجنا في اليوم التالي إلى سهل التل الأحمر. كانت السماء صافية كالبلور، ولم يكن في السهل أحدٌ غير بضعة حميرٍ متشرّدة ترعى جذور القمح المتبقّية في الحقول بعد الحصاد، بينما أخذت الجداجد تزعق مذعورةً من صهيل الحصان. لعبنا معاً لعبة المشي الرهوان، سار كلُّ واحدٍ منّا على رجلٍ واحدة. قفزنا بين خطَّين رسمتهما في الرمل الأحمر. حاول أن يعلّمني الصهيل، وحاولت أن أعلّمه الضحك. اعتليت صهوته وجرينا من أول السهل إلى آخره، ومن آخره إلى أوله. قلت له إنني أحبّه، وإنه سوف يظلّ صديقي طوال عمرنا. وهزّ رأسه وغمر وجهي بشعر عرفه الأشقر الطويل. صهلنا وضحكنا طويلاً. لكنّي في كلّ ليلةٍ كنت أسمع نحيباً في الغرفة الزرقاء، وعرفت أن أمي سليمة كانت تنشد عتابا حزينة ترثي بها نفسها، وتتحسّر على لحظاتٍ، وعلى أمنياتٍ لم تتحقّق رغم أنها انتظرتها طويلاً. كانت كاملة نائمة، وكان واصل مستيقظاً ينظر إليّ دون أن يتكلم. لا أشكّ أن هذا الولد يعرف كل شيء، ويسمع كل شيء، وقد كان الشاهد الوحيد الذي ظلَّ هنا في الدار دون أن يغادرها إلى أي مكان. لكن نحيب أمي توقف بعد أيام. وسمعتها تصرخ وتقاتل فاضل الكبير الذي جاء من المدينة. لا أعرف السبب، ولا أجرؤ على الدخول إلى المكان الذي تكون فيه أمي غاضبة. لكني استطعت أن أتلصّص من شقٍّ في الباب، كان فاضل يجلس متربّعاً مستسلماً على الأرض، يطأطئ رأسه، ولا ينظر نحو سليمة. لم أرَ مثل هذا المشهد منذ سنوات، فأخي فاضل كان يظهر مثل الذئب حين تطلب منه أمي شيئاً ما لا يريده. يقف ويرفض ويتحدّى بنظراته: كانت له عينا ذئب (رأيت صورة العينين حين تصفّحت كتاباً عن الأدغال في مكتبة مدرستنا). أدركت أخيراً أن أمي كانت توبّخه لأنه استضاف أنوار عمران، وتقول إنه سوف يجلب لنا الفضيحة. وفهمت أن أحداً ما قد أخبر أمي بما يحدث هناك، لأن فاضل قال لها إن أنوار زارته فقط كي يأخذها إلى الطبيب، وعندئذٍ قالت له: «كذّاب!». فلم يردّ. انتابتني مشاعر حزنٍ على فاضل، شعرت بالشفقة نحوه، وقد رأيت أن رجلاً مثل العمود، يوبَّخ من أمٍّ صغيرة طيّبة مثل سليمة حطاب. زعلت لأنه يكذب، وزعلت لأنها قالت له إنه يكذب. لماذا يا فاضل؟ فجأةً وجدته يقول لأمي إنه يعرف من الذي وشى به لديها، وإنه لن يتساهل مع نوفل هذه المرة، لا لأنه ينقل لها أخباراً عنه، بل لأنه يتجسّس عليه. فقالت أمي إن نوفل يتقدّم الآن لامتحان البكالوريا، وليس هو الذي أخبرها. أصدِّق أمي، إذ كان شخص آخر قد أخبر أمي أن أنوار كانت تأتي إلى غرفة فاضل في أيام الحرب. وإنها لن تخبره أبداً باسم ذلك الشخص. أخيراً قال فاضل إنه يحب أنوار، وأمي نظرت إليه بعينين مذعورتين، وقلب حانق. لا أعرف ماذا تخيّلت، ولكني أعرف أن حنقها زاد، لأنها كانت قد اعتقدت في الأشهر الماضية أنها تمكّنت من فصم العلاقة بين ابنها وبنت داوود عمران، وأنها ارتاحت من قصة الكراهية المزمنة بين أبي وداوود ابن عمّته، وسمعتها تطلب من الله، حين تزوّجت أنوار ورحلت برفقة زوجها العسكري الذي سوف يمضي حياته متنقلاً بين المناطق وفق متطلبات الجيش، أن يسعدها ويبعدها. أما اليوم فهي تطلب من الله نفسه أن يغضب عليها، وأن يحرم فاضل من الرغيف إذا استمرّ في علاقته بها. هذا هو الدعاء الرهيب الذي يمكن أن يبثّ الرعب في الكائنات كلّها: أتخيّل مشهد فاضل جائعاً ناحلاً ليس في جسده غير العظام وهو يعدو خلف رغيف خبز لا يهدأ في أي مكان من هذه الأرض. أيّ لهفة! أيّ عوز! أيّ لعنة ربانية يمكن أن تحلَّ عليه إذاً! تمنّيت أن أستطيع إقناع فاضل بالعدول عن حبِّ أنوار اللعينة، تلك البنت السمراء التي لا يمكن لرجلٍ أن يصمد أمام عينيها. فلها نظرة لبؤة صيّادة، قوّتها كلّها مستقرّة كحلقة من النار المشتعلة في عينيها السوداوين. كان زوج أنوار قد اختفى في الحرب ولم يعُد، بحسب ما قالت لي محسنة النجار ابنة عمي داوود، قالت لي أيضاً إن أختها سوف تنتظر صابر البطل في بيتها، ولن تعود إلى دير القرن كي لا تحكي النساء إنها صارت أرملة. ]]> 121845 رواية الكاتب الليبي “فرج العشة” “سينسيوس وهيباتيا” : صراع الفلسفة والدين المسيحي http://www.souriyati.com/2019/04/11/121805.html Thu, 11 Apr 2019 20:21:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/04/11/121805.html يعود الكاتب الليبي "فرج العشة" في روايته الثانية "سينسيوس وهيباتيا" إلى أواخر القرن الثالث الميلادي، ليحكي لنا بأسلوب روائي، عن الصراع بين الدين المسيحي والفلسفة الذي كان على أشدّه في ذلك الوقت من التاريخ. يدور الكلام في الرواية على لسان شخصيتها الرئيسيّة "سينسيوس"، وهو ابن مدينة "قورينا" الليبيّة، والده سليل المستوطنين الإغريق الأوائل، وأمه متحدّرة من سلالة ملك قبيلة الأسبوستاي الليبيّة، وبذا فإنه منذ تفتّح وعيه أدرك مسألة الهوية، وأثار ذهنه سؤال الانتماء، إذ يرفض الإغريق الهللينيين اعتبار القورينيين مواطنين هللينيين، بل مجرّد ليبيّين برابرة، اكتسبوا هللينيّتهم بطرق خفيّة وغير صحيحة. يدمج "العشة" في القسم الأول من الرواية الأساطير بالواقع، فنقرأ عن هجرة الإغريق إلى ليبيا، وأسباب هذه الهجرة، وكيف استقرّوا هناك وأقاموا حضارتهم. كما يضفر في السرد الكثير من الطقوس الحياتيّة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، فيصوّر أجواء الاحتفالات، وكيف تجري مراسم الزواج، وما هي الأعياد التي كان يُحتفل بها آنذاك كعيد الحصاد: "كان عيد الحصاد استثنائياً هذا العام، فهو لا يحدث إلا كلّ خمس سنوات أو عشر، وأحياناً يؤجل لعشرين سنة بحسب نبوءة مجمع العرّافين الذي يتكون بالتساوي من خمس نساء وخمسة رجال، شرط أن يكونوا متزوّجين ومنجبين. كانت إشارات الطبيعة هي التي توحي بالعيد الاستثنائي، حينها يقرّرون إقامة الاحتفال ليلة غياب نجوم الثريا وراء القمر، فتُطفأ أضواء فتائل الزيت، وتشتعل النيران منتشرة في الأنحاء، حولها يتلاقى المحتفلون المتوافدون من كلّ الجهات". القضية الأساسيّة التي تطرحها الرواية، هي الصراع الذي كان سائداً آنذاك بين الدين المسيحي والفلسفة، إذ يتعرّف "سينسيوس" إلى المسيحيّة عن طريق إنجيل لوقا، فتشدّه عقيدة الخلاص، ولكنه لا يستطيع أن يتخلّى عن شغفه بالفلسفة، فيعيش ونفسه متلاطمة في مثلث العقل والقلب والروح، لأنه يشعر أن الفلسفة تعمل على تعميق رؤيته للعالم، بينما يمنح الدين الناس الإحساس بالخلاص، وكان يحتاج إلى ما يساعده على تقبّل فكرة أنه يمكن للفلسفة والمسيحيّة أن يتآلفا ويعيشا معاً. هكذا، يقرّر الذهاب إلى الإسكندرية سعياً وراء المعرفة والعلم، إذ أن هذه المدينة كانت في ذلك الوقت هي الحاملة لشعلة استمرار الإرث الفلسفي بعد أفول الحضارة اليونانيّة، وسيطرة المسيحيّة على حضارة روما. وفي الإسكندرية تعيش "هيباتيا" الفيلسوفة الأشهر في التاريخ، وإليها يمضي "سينسيوس". تمتلئ صفحات الرواية بنقاشٍ واسع حول الكثير من المواضيع الفلسفيّة التي تطرحها "هيباتيا" في دروسها، وفي محادثاتها معه، كما تناقش الرواية عدة مواضيع شائكة، عارضةً وجهة نظر الفلسفة والدين فيها، تاركةً الباب مفتوحاً للتساؤل والتأمّل فيها، ومن هذه المواضيع: المرأة والرجل والذكورة والأنوثة والعلاقة بين هذه جميعها، فكرة الثالوث المقدس، واجتماع الطبيعتين الإلهيّة والبشريّة في شخص المسيح، التعارض بين أقوال المسيحيّة وتعاليمها والتفاسير اللاهوتيّة والعقائديّة التي أتت فيما بعد. يتخلّل هذا النقاش عرضٌ للأحداث الجارية ورسمٌ للمواجهة التي عاشتها المرأة التي ترى الفلسفة ممثلةً لتراث الفكر البشري، مع رجال الدين ذوي الأردية السوداء، الذين يحاولون فرض هيمنتهم على المجتمع، ويريدون إحلال الحقيقة الواحدة محل الحقيقة المتعدّدة. "تحدّثت هيباتيا، لكن لم يكن يسمعها أحد إلا من كان حولها أعلى الدرج عند المدخل الرئيس. لم أكن هناك يومها. وقد قالت لي إنها تكلّمت كي يسمعها من حولها، فلا جدوى من قول شيءٍ للاشيء، حيث المتهيّجون في الأسفل يسمعون أنفسهم فقط. قالت لي إنها نظرت إلى أوليمبيوس على يمينها وإلى أوريستس على يسارها، ثم دارت نحو المتواجدين في الخلف، وقالت: ليس أمامنا إلا أن نثبت متشبّثين بخندقنا الأخير، دفاعاً عن آخر قلعة للمعرفة الحرّة، ضدّ من يريد أن يحيلها إلى معبد للفكرة الواحدة". ني "العشة" كل هذه الأفكار، دامجاً فيها بعض الأحداث التاريخيّة الحقيقيّة، ضمن قالب درامي متخيّل يتتبع سيرة حياة بطله "سينسيوس"، في طفولته وشبابه وعلاقته العاطفيّة وسفره وتعلّمه ومن ثم عودته إلى "قورينا"، التي تعيش هي الأخرى، حرباً بين الرومان والسكّان الأصليين من القبائل، وهذا ما يجدّد سؤال الانتماء عند البطل، خاصّة أنه سليل الاثنين. يتبادر إلى ذهن القارئ مباشرة، وهو يقرأ هذه الرواية، عبارة: "ما أشبه البارحة باليوم"، فالمتشدّدون الذين يكفّرون كل من يخالفهم في المعتقد، ويقتلونهم، ما هم إلا وجهٌ آخر للحركات المتطرّفة التي نراها اليوم، والتي تقتل وتذبح باسم الدين، معتبرة نفسها "السبيل الوحيد للخلاص البشري". فرج العشة: كاتب ليبي من مواليد 1959، يكتب في صحف ومجلات عربيّة مختلفة، وقد صدر له كتاب "نهاية الأصوليّة ومستقبل الإسلام السياسي"، إضافة إلى مجموعات شعرية عدّة. "سينسيوس وهيباتيا" هي روايته الثانية بعد "زمن الأخ القائد". سينسيوس وهيباتيا: الناشر، دار التنوير/ تونس - بيروت، عدد الصفحات: 224، الطبعة الأولى: 2018. يمكن شراء الرواية من موقع النيل والفرات ]]> يعود الكاتب الليبي "فرج العشة" في روايته الثانية "سينسيوس وهيباتيا" إلى أواخر القرن الثالث الميلادي، ليحكي لنا بأسلوب روائي، عن الصراع بين الدين المسيحي والفلسفة الذي كان على أشدّه في ذلك الوقت من التاريخ. يدور الكلام في الرواية على لسان شخصيتها الرئيسيّة "سينسيوس"، وهو ابن مدينة "قورينا" الليبيّة، والده سليل المستوطنين الإغريق الأوائل، وأمه متحدّرة من سلالة ملك قبيلة الأسبوستاي الليبيّة، وبذا فإنه منذ تفتّح وعيه أدرك مسألة الهوية، وأثار ذهنه سؤال الانتماء، إذ يرفض الإغريق الهللينيين اعتبار القورينيين مواطنين هللينيين، بل مجرّد ليبيّين برابرة، اكتسبوا هللينيّتهم بطرق خفيّة وغير صحيحة. يدمج "العشة" في القسم الأول من الرواية الأساطير بالواقع، فنقرأ عن هجرة الإغريق إلى ليبيا، وأسباب هذه الهجرة، وكيف استقرّوا هناك وأقاموا حضارتهم. كما يضفر في السرد الكثير من الطقوس الحياتيّة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، فيصوّر أجواء الاحتفالات، وكيف تجري مراسم الزواج، وما هي الأعياد التي كان يُحتفل بها آنذاك كعيد الحصاد: "كان عيد الحصاد استثنائياً هذا العام، فهو لا يحدث إلا كلّ خمس سنوات أو عشر، وأحياناً يؤجل لعشرين سنة بحسب نبوءة مجمع العرّافين الذي يتكون بالتساوي من خمس نساء وخمسة رجال، شرط أن يكونوا متزوّجين ومنجبين. كانت إشارات الطبيعة هي التي توحي بالعيد الاستثنائي، حينها يقرّرون إقامة الاحتفال ليلة غياب نجوم الثريا وراء القمر، فتُطفأ أضواء فتائل الزيت، وتشتعل النيران منتشرة في الأنحاء، حولها يتلاقى المحتفلون المتوافدون من كلّ الجهات". القضية الأساسيّة التي تطرحها الرواية، هي الصراع الذي كان سائداً آنذاك بين الدين المسيحي والفلسفة، إذ يتعرّف "سينسيوس" إلى المسيحيّة عن طريق إنجيل لوقا، فتشدّه عقيدة الخلاص، ولكنه لا يستطيع أن يتخلّى عن شغفه بالفلسفة، فيعيش ونفسه متلاطمة في مثلث العقل والقلب والروح، لأنه يشعر أن الفلسفة تعمل على تعميق رؤيته للعالم، بينما يمنح الدين الناس الإحساس بالخلاص، وكان يحتاج إلى ما يساعده على تقبّل فكرة أنه يمكن للفلسفة والمسيحيّة أن يتآلفا ويعيشا معاً. هكذا، يقرّر الذهاب إلى الإسكندرية سعياً وراء المعرفة والعلم، إذ أن هذه المدينة كانت في ذلك الوقت هي الحاملة لشعلة استمرار الإرث الفلسفي بعد أفول الحضارة اليونانيّة، وسيطرة المسيحيّة على حضارة روما. وفي الإسكندرية تعيش "هيباتيا" الفيلسوفة الأشهر في التاريخ، وإليها يمضي "سينسيوس". تمتلئ صفحات الرواية بنقاشٍ واسع حول الكثير من المواضيع الفلسفيّة التي تطرحها "هيباتيا" في دروسها، وفي محادثاتها معه، كما تناقش الرواية عدة مواضيع شائكة، عارضةً وجهة نظر الفلسفة والدين فيها، تاركةً الباب مفتوحاً للتساؤل والتأمّل فيها، ومن هذه المواضيع: المرأة والرجل والذكورة والأنوثة والعلاقة بين هذه جميعها، فكرة الثالوث المقدس، واجتماع الطبيعتين الإلهيّة والبشريّة في شخص المسيح، التعارض بين أقوال المسيحيّة وتعاليمها والتفاسير اللاهوتيّة والعقائديّة التي أتت فيما بعد. يتخلّل هذا النقاش عرضٌ للأحداث الجارية ورسمٌ للمواجهة التي عاشتها المرأة التي ترى الفلسفة ممثلةً لتراث الفكر البشري، مع رجال الدين ذوي الأردية السوداء، الذين يحاولون فرض هيمنتهم على المجتمع، ويريدون إحلال الحقيقة الواحدة محل الحقيقة المتعدّدة. "تحدّثت هيباتيا، لكن لم يكن يسمعها أحد إلا من كان حولها أعلى الدرج عند المدخل الرئيس. لم أكن هناك يومها. وقد قالت لي إنها تكلّمت كي يسمعها من حولها، فلا جدوى من قول شيءٍ للاشيء، حيث المتهيّجون في الأسفل يسمعون أنفسهم فقط. قالت لي إنها نظرت إلى أوليمبيوس على يمينها وإلى أوريستس على يسارها، ثم دارت نحو المتواجدين في الخلف، وقالت: ليس أمامنا إلا أن نثبت متشبّثين بخندقنا الأخير، دفاعاً عن آخر قلعة للمعرفة الحرّة، ضدّ من يريد أن يحيلها إلى معبد للفكرة الواحدة". ني "العشة" كل هذه الأفكار، دامجاً فيها بعض الأحداث التاريخيّة الحقيقيّة، ضمن قالب درامي متخيّل يتتبع سيرة حياة بطله "سينسيوس"، في طفولته وشبابه وعلاقته العاطفيّة وسفره وتعلّمه ومن ثم عودته إلى "قورينا"، التي تعيش هي الأخرى، حرباً بين الرومان والسكّان الأصليين من القبائل، وهذا ما يجدّد سؤال الانتماء عند البطل، خاصّة أنه سليل الاثنين. يتبادر إلى ذهن القارئ مباشرة، وهو يقرأ هذه الرواية، عبارة: "ما أشبه البارحة باليوم"، فالمتشدّدون الذين يكفّرون كل من يخالفهم في المعتقد، ويقتلونهم، ما هم إلا وجهٌ آخر للحركات المتطرّفة التي نراها اليوم، والتي تقتل وتذبح باسم الدين، معتبرة نفسها "السبيل الوحيد للخلاص البشري". فرج العشة: كاتب ليبي من مواليد 1959، يكتب في صحف ومجلات عربيّة مختلفة، وقد صدر له كتاب "نهاية الأصوليّة ومستقبل الإسلام السياسي"، إضافة إلى مجموعات شعرية عدّة. "سينسيوس وهيباتيا" هي روايته الثانية بعد "زمن الأخ القائد". سينسيوس وهيباتيا: الناشر، دار التنوير/ تونس - بيروت، عدد الصفحات: 224، الطبعة الأولى: 2018. يمكن شراء الرواية من موقع النيل والفرات ]]> 121805 عائشة المحمود في رواية “وطن مزور” http://www.souriyati.com/2019/04/11/121782.html Thu, 11 Apr 2019 15:20:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/04/11/121782.html لا أدري ما السر الذي أعادني إلى إعادة قراءة رواية "وطن مزور"، بعد شهور قليلة من قراءتي الأولى لها في أثناء سفر ما، فالتبست عليّ أحداثها، وتماهيت مع بعض الشخصيات فيها، وأنا أعيش وأعايش بعض الإشكالات التي حاولت الرواية أن تعالجها. وكنت أنوي الكتابة عنها، ولكنّ مشاغلي اللاحقة أنستني الأمر، أو ربما احترت يومها كيف يمكنني الكتابة عن روايةٍ شعرت أنها واحدةٌ من رواياتي الشخصية، والتي ترسم جزءاً من سيرتي الذاتية. قبل أيام، رأيت الرواية أمامي ثانية. ولسبب ما، لفت نظري عنوانها الفرعي "يوميات البن والحناء"، ما جعلني أباشر هذه المرة قراءتها بصفتها مجرّد يوميات لكاتبةٍ تقتحم عالم الرواية للمرة الأولى، عبر بوابة اليوميات والأغنيات المنسابة بصوت الفنان اليمني الكبير أيوب طارش! لا أقول جديدا عندما أقرّر، نيابةً عن روائيين كثيرين قرأت لهم بغزارة، أن الرواية نوع من أنواع اليوميات التي تعتبر تنويعا سرديا على السير الذاتية. ولعل حيلةً ما جعلت الروائي الأول يحاول أن يختبئ وراء شخصياتٍ وأسماء افتراضية لروايةٍ يكتبها، حتى لا يعترف للقارئ بأنه إنما يعيد إنتاج حياته الخاصة، فهل يمكن اعتبار رواية "وطن مزوّر" تنتمي إلى فن السيرة الذاتية؟ لا أعرف المؤلفة عائشة المحمود بما يكفي، لكي أقرّر بدقة، ولكنني صرت أعرفها من خلال الرواية على الأقل. وربما صرت أعرفني أيضا، فعائشة في يوميات البن والحناء تكتبني أنا أيضا، على الرغم من أنني لم أعرف وطن البن والحناء، ولم أزره. إنه التشارك في أزمةٍ تعصف بطائفة كبيرة من البشر في الأوطان الجديدة. في الإهداء الذي كتبته عائشة المحمود في الصفحات الأولى للرواية منبع الوجع وطرف من القصة، وهي تتحول إلى غصّة؛ "إلى الوطن والحب.. إلى كل البقعة القصية النقية التي تنبع منها أجمل الأساطير وإليها يعود أصل الحكاية ومآلات الوجع..". وبعد استغراقنا في قراءة صفحات قليلة من الرواية، نكتشف أن الوطن الذي يشير إليه الإهداء هو اليمن، بعراقة تاريخه وجمال طبيعته وصبر إنسانه، على الرغم من أن عائشة لا تسمّي الأوطان والمدن بأسمائها، لكن تكنّي عنها بما يدل عليها، ويجعل منها صورةً من صور المشاع أحيانا. وربما لهذا بدأت الكاتبة روايتها بصفحةٍ عنونتها بـ "محاولات تبرير"، وحاولت فيها أن تضعنا في قلب الحكاية، لا كقرّاء وحسب، بل كشخصياتٍ لا بد أننا سنجد ظلالنا بين سطورها، فهي كما تقول الكاتبة، "حكاية مجنونة تنتمي إلى شخص لا وجود له سوى في ذاكرتي الخائنة، إنها قصة مجدولة صوب أفق يستفز البوح ويوغل في التدفق، حول شخصٍ غير حقيقي في وطنٍ يناور الحقيقة، وطن يملك نسخا متعددة، كما يمتلك حق وجوده المنفرد. إنها قصة تتكرّر، في أوطانٍ تلاصقت واختفت معالمها حتى باتت تضيق وتخنق ناسها، مدن متخيلة لا وجود لها". إنها إذن جدلية الوطن الحقيقي والوطن المزور، وفقا لرؤية الكاتبة، ما بين وطنٍ وُلدنا فيه، أو وُلد فيه آباؤنا وأجدادنا، ووطن آخر، هو الذي وجدنا أنفسنا نقيم فيه، وننتمي إليه، وربما لا نعرف غيره، على الرغم من نظرات أهله تجاهنا كوجود عابر! تنحو هذه الرواية (190 صفحة، دار سؤال للنشر في بيروت، 2018) منحى فلسفيا وجدانيا جميلا، يناقش مسألة الهوية بأبعاد كثيرة واقتراحات موغلة في التعاطف الإنساني. ولأن الكاتبة التزمت اللغة الشعرية في كتابتها، فقد بدت كمن يرسم تلك الشخصيات رسما انطباعيا خالصا ضاعف من متعة القراءة، وجعل القارئ يتغاضى عن بعض الهفوات النادرة، ما جعل من "وطن مزوّر" وثيقةً تاريخيةً وجماليةً غارقةً في نكهة البن وعبق الحناء، لتتشير إلى إمكانات الكاتبة المكتنزة، والتي لم تفصح عنها كلها في هذه الرواية.. نحن بانتظار رواية عائشة المحمود الجديدة إذن بشوق كبير. ]]> لا أدري ما السر الذي أعادني إلى إعادة قراءة رواية "وطن مزور"، بعد شهور قليلة من قراءتي الأولى لها في أثناء سفر ما، فالتبست عليّ أحداثها، وتماهيت مع بعض الشخصيات فيها، وأنا أعيش وأعايش بعض الإشكالات التي حاولت الرواية أن تعالجها. وكنت أنوي الكتابة عنها، ولكنّ مشاغلي اللاحقة أنستني الأمر، أو ربما احترت يومها كيف يمكنني الكتابة عن روايةٍ شعرت أنها واحدةٌ من رواياتي الشخصية، والتي ترسم جزءاً من سيرتي الذاتية. قبل أيام، رأيت الرواية أمامي ثانية. ولسبب ما، لفت نظري عنوانها الفرعي "يوميات البن والحناء"، ما جعلني أباشر هذه المرة قراءتها بصفتها مجرّد يوميات لكاتبةٍ تقتحم عالم الرواية للمرة الأولى، عبر بوابة اليوميات والأغنيات المنسابة بصوت الفنان اليمني الكبير أيوب طارش! لا أقول جديدا عندما أقرّر، نيابةً عن روائيين كثيرين قرأت لهم بغزارة، أن الرواية نوع من أنواع اليوميات التي تعتبر تنويعا سرديا على السير الذاتية. ولعل حيلةً ما جعلت الروائي الأول يحاول أن يختبئ وراء شخصياتٍ وأسماء افتراضية لروايةٍ يكتبها، حتى لا يعترف للقارئ بأنه إنما يعيد إنتاج حياته الخاصة، فهل يمكن اعتبار رواية "وطن مزوّر" تنتمي إلى فن السيرة الذاتية؟ لا أعرف المؤلفة عائشة المحمود بما يكفي، لكي أقرّر بدقة، ولكنني صرت أعرفها من خلال الرواية على الأقل. وربما صرت أعرفني أيضا، فعائشة في يوميات البن والحناء تكتبني أنا أيضا، على الرغم من أنني لم أعرف وطن البن والحناء، ولم أزره. إنه التشارك في أزمةٍ تعصف بطائفة كبيرة من البشر في الأوطان الجديدة. في الإهداء الذي كتبته عائشة المحمود في الصفحات الأولى للرواية منبع الوجع وطرف من القصة، وهي تتحول إلى غصّة؛ "إلى الوطن والحب.. إلى كل البقعة القصية النقية التي تنبع منها أجمل الأساطير وإليها يعود أصل الحكاية ومآلات الوجع..". وبعد استغراقنا في قراءة صفحات قليلة من الرواية، نكتشف أن الوطن الذي يشير إليه الإهداء هو اليمن، بعراقة تاريخه وجمال طبيعته وصبر إنسانه، على الرغم من أن عائشة لا تسمّي الأوطان والمدن بأسمائها، لكن تكنّي عنها بما يدل عليها، ويجعل منها صورةً من صور المشاع أحيانا. وربما لهذا بدأت الكاتبة روايتها بصفحةٍ عنونتها بـ "محاولات تبرير"، وحاولت فيها أن تضعنا في قلب الحكاية، لا كقرّاء وحسب، بل كشخصياتٍ لا بد أننا سنجد ظلالنا بين سطورها، فهي كما تقول الكاتبة، "حكاية مجنونة تنتمي إلى شخص لا وجود له سوى في ذاكرتي الخائنة، إنها قصة مجدولة صوب أفق يستفز البوح ويوغل في التدفق، حول شخصٍ غير حقيقي في وطنٍ يناور الحقيقة، وطن يملك نسخا متعددة، كما يمتلك حق وجوده المنفرد. إنها قصة تتكرّر، في أوطانٍ تلاصقت واختفت معالمها حتى باتت تضيق وتخنق ناسها، مدن متخيلة لا وجود لها". إنها إذن جدلية الوطن الحقيقي والوطن المزور، وفقا لرؤية الكاتبة، ما بين وطنٍ وُلدنا فيه، أو وُلد فيه آباؤنا وأجدادنا، ووطن آخر، هو الذي وجدنا أنفسنا نقيم فيه، وننتمي إليه، وربما لا نعرف غيره، على الرغم من نظرات أهله تجاهنا كوجود عابر! تنحو هذه الرواية (190 صفحة، دار سؤال للنشر في بيروت، 2018) منحى فلسفيا وجدانيا جميلا، يناقش مسألة الهوية بأبعاد كثيرة واقتراحات موغلة في التعاطف الإنساني. ولأن الكاتبة التزمت اللغة الشعرية في كتابتها، فقد بدت كمن يرسم تلك الشخصيات رسما انطباعيا خالصا ضاعف من متعة القراءة، وجعل القارئ يتغاضى عن بعض الهفوات النادرة، ما جعل من "وطن مزوّر" وثيقةً تاريخيةً وجماليةً غارقةً في نكهة البن وعبق الحناء، لتتشير إلى إمكانات الكاتبة المكتنزة، والتي لم تفصح عنها كلها في هذه الرواية.. نحن بانتظار رواية عائشة المحمود الجديدة إذن بشوق كبير. ]]> 121782 ريما الرحباني في هجوم جديد: لا تغنّوا لفيروز / تحذير قبل الملاحقة القانونية لجميع أهل الفن كباراً وصغاراً http://www.souriyati.com/2019/04/03/121309.html Wed, 03 Apr 2019 12:45:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/04/03/121309.html شنت المخرجة ​ريما الرحباني​ هجوماً عنيفاً على الفنانين الذين يعيدون تأدية أغاني والدتها السيدة فيروز، والاخوين الرحباني. وكتبت ريما على حسابها الشخصي على "فيسبوك": "تحذير وآخر تحذير قبل الملاحقة القانونية لجميع أهل الفن كباراً وصغاراً وللساسيم الكريمة ولكل مين صاير بيمد إيده على أغاني فيروز والأخوين رحباني... اذا صاير في شي إسمو "يوتيوب" وغيرو من الوسايل المُتاحة لمين ما كان ما معناتا بتقدروا بوقاحة مُطلقة تتطاولوا على الإرث الفيروزي الرحباني! لذا ممنوع منعاً باتاً تسجيل وإعادة الأعمال وتوزيعها على أي كان بدون مُراجعة الورثة كافة وأخذ الموافقة المُسبقة والخطيّة، إن أُعطِيَت، تحت طائلة المسؤوليّة والملاحقة القانونيّة". وأعادت ريما التذكير بشروط الأداء العلني: "الشرط الأوّل عدم التحريف بالأغاني وعزفها وتأديتها زي ما هي، وهيدا شي ما عم يحصل... الشرط التاني دفع مستحقات الآداء العلني للساسيم وفقاً للشروط العامة المعمول بها (...) الشي اللي كمان ما عم يحصل. والشرط التالت عدم تسجيل أو تصوير او إستغلال او توثيق هكذا مجزرة". وأثارت تدوينة ريما ردود فعل مختلفة، فسرها البعض على أنها موجّهة للمغنية اللبنانية إليسا التي ردت مرة على انتقادها بسبب أداء أغاني فيروز قائلة "فيروز للجميع". ]]> شنت المخرجة ​ريما الرحباني​ هجوماً عنيفاً على الفنانين الذين يعيدون تأدية أغاني والدتها السيدة فيروز، والاخوين الرحباني. وكتبت ريما على حسابها الشخصي على "فيسبوك": "تحذير وآخر تحذير قبل الملاحقة القانونية لجميع أهل الفن كباراً وصغاراً وللساسيم الكريمة ولكل مين صاير بيمد إيده على أغاني فيروز والأخوين رحباني... اذا صاير في شي إسمو "يوتيوب" وغيرو من الوسايل المُتاحة لمين ما كان ما معناتا بتقدروا بوقاحة مُطلقة تتطاولوا على الإرث الفيروزي الرحباني! لذا ممنوع منعاً باتاً تسجيل وإعادة الأعمال وتوزيعها على أي كان بدون مُراجعة الورثة كافة وأخذ الموافقة المُسبقة والخطيّة، إن أُعطِيَت، تحت طائلة المسؤوليّة والملاحقة القانونيّة". وأعادت ريما التذكير بشروط الأداء العلني: "الشرط الأوّل عدم التحريف بالأغاني وعزفها وتأديتها زي ما هي، وهيدا شي ما عم يحصل... الشرط التاني دفع مستحقات الآداء العلني للساسيم وفقاً للشروط العامة المعمول بها (...) الشي اللي كمان ما عم يحصل. والشرط التالت عدم تسجيل أو تصوير او إستغلال او توثيق هكذا مجزرة". وأثارت تدوينة ريما ردود فعل مختلفة، فسرها البعض على أنها موجّهة للمغنية اللبنانية إليسا التي ردت مرة على انتقادها بسبب أداء أغاني فيروز قائلة "فيروز للجميع". ]]> 121309 أوراق رياض نـجيب الريِّس المنسيّة http://www.souriyati.com/2019/03/29/121106.html Fri, 29 Mar 2019 16:47:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/29/121106.html أوراق رياض نـجيب الريِّس المنسيّة يستعيد الصحافي رياض نجيب الريِّس في كتابه «أوراق منسية، أحاديث هزت الخليج 1979 - 1985» الصادر حديثاً عن «دار الريّس- بيروت،2011» حوارات أجراها مع شخصيات خليجية في ثمانينيات القرن العشرين، عندما كان يكتب في عدد من المطبوعات العربية الصادرة في أوربا وخصوصاً مجلة «المستقبل» التي كان يرأس تحريرها الصحافي اللبناني- الفلسطيني الراحل نبيل خوري. حيث أهدى رياض الريِّس كتابه إلى صديقه وزميله نبيل خوري رئيس تحرير مجلة المستقبل. فقد بقي الريّس وفياَ لنبيل خوري حتى بعد وفاته. يقول الريِّس في المقدمة هل هي أوراق منسية، أم هوامش سياسية نسيها التاريخ؟ طرحت هذا السؤال على نفسي وأنا أنبش في ملفاتي الصحافية القديمة، إنه كتاب في الحاضر المعاصر. لقد كان رياض الريّس أحد الأعمدة الرئيسية في الصحافة العربية في باريس، وكانت حوارات الريس في ذلك الوقت تتسم بالجدية والاحترافية المهنية على مستوى عالٍ، أهمية تلك الحوارات ليست فقط في الشخصيات الأربع التي حاورها الريّس إنما في طريقة الحوار التي تتميز بالجدية والرصانة والخبرة الصحافية. لرياض الريّس الصحافي المتمرس تجارب خارج عالمنا العربي فقد غطى أكثر من منطقة ساخنة في العالم من تشيكوسلوفاكيا إلى تغطية الانقلاب في اليونان، وثورة اليمن.. يؤكد رياض الريّس على أنه كان يبعث برسائله بالحرف اللاتيني، فكانت مهمة شاقة جداً، إذ كنت أكتب النص العربي بالحرف اللاتيني وأعطيه لعامل التلكس. ويلاحظ قارئ كتاب الريس، مدى الفارق الكبير بين صحافيِّ الثمانينيات الذين لم يكونوا يملكون من الوسائل سوى البدائية منها وصحافيِّ اليوم حيث الفضاء المفتوح ووسائله المتطورة تقنياً من إنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف مسمياتها، فالفارق يتبدى في جرأة صحافيِّ الثمانينيات حيث الوسائل البدائية في العمل الصحافي، إضافة إلى ثقافة إجراء الحوارات مع شخصيات لها وزنها على الساحة الدولية، فكثيراً ما قرأنا حواراً أجراه أحد صحافيي الثمانينيات مع رئيس دولة إلاّ وكان له صدى واسع في أروقة السياسة، وكان هناك دور للصحافي في إيصال رسائل معينة أثناء إجراء حوار مع هذا الرئيس أو ذاك فقد ساهم عدد من الصحافيين أنذاك في ترطيب الأجواء بين بلد وأخر وزعيم وأخر يختلفان إما بسبب الحدود أو الموقف السياسي من إحدى قضايا المنطقة. «وكان أي صحافي يمكنه أن يقابل أي مسؤول. أما اليوم ومع فورة الاتصالات صارت هناك أسئلة مكتوبة وعليك أن تنتظر شهرين حتى تأتيك الإجابة». كانت صحافة الثمانينيات تساهم في إطفاء الحرائق الدبلوماسية والسياسية لا إشعالها كما تساهم بعض وسائل الإعلام اليوم على طول وعرض الوطن العربي. ومن الحوارات في كتاب الريّس حوار مع الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي قال: «الاتحاد السوفيتي ليس عدواً لنا ووجوده في أفغانستان شرعي، موضحاً أن وجود قوات التدخل السريع الأميركية مساس بسيادتنا ويشجع موسكو على التدخل». وكانت تلك التصريحات في ذلك الوقت بمثابة قنبلة سياسية من العيار الثقيل. يعيدنا الريّس إلى أجواء الثمانينيات التي مازالت تلقي بظلالها على المنطقة وإنْ بدت بشكل مختلف في الوسائل والأهداف وربما حتى النتائج. ]]> أوراق رياض نـجيب الريِّس المنسيّة يستعيد الصحافي رياض نجيب الريِّس في كتابه «أوراق منسية، أحاديث هزت الخليج 1979 - 1985» الصادر حديثاً عن «دار الريّس- بيروت،2011» حوارات أجراها مع شخصيات خليجية في ثمانينيات القرن العشرين، عندما كان يكتب في عدد من المطبوعات العربية الصادرة في أوربا وخصوصاً مجلة «المستقبل» التي كان يرأس تحريرها الصحافي اللبناني- الفلسطيني الراحل نبيل خوري. حيث أهدى رياض الريِّس كتابه إلى صديقه وزميله نبيل خوري رئيس تحرير مجلة المستقبل. فقد بقي الريّس وفياَ لنبيل خوري حتى بعد وفاته. يقول الريِّس في المقدمة هل هي أوراق منسية، أم هوامش سياسية نسيها التاريخ؟ طرحت هذا السؤال على نفسي وأنا أنبش في ملفاتي الصحافية القديمة، إنه كتاب في الحاضر المعاصر. لقد كان رياض الريّس أحد الأعمدة الرئيسية في الصحافة العربية في باريس، وكانت حوارات الريس في ذلك الوقت تتسم بالجدية والاحترافية المهنية على مستوى عالٍ، أهمية تلك الحوارات ليست فقط في الشخصيات الأربع التي حاورها الريّس إنما في طريقة الحوار التي تتميز بالجدية والرصانة والخبرة الصحافية. لرياض الريّس الصحافي المتمرس تجارب خارج عالمنا العربي فقد غطى أكثر من منطقة ساخنة في العالم من تشيكوسلوفاكيا إلى تغطية الانقلاب في اليونان، وثورة اليمن.. يؤكد رياض الريّس على أنه كان يبعث برسائله بالحرف اللاتيني، فكانت مهمة شاقة جداً، إذ كنت أكتب النص العربي بالحرف اللاتيني وأعطيه لعامل التلكس. ويلاحظ قارئ كتاب الريس، مدى الفارق الكبير بين صحافيِّ الثمانينيات الذين لم يكونوا يملكون من الوسائل سوى البدائية منها وصحافيِّ اليوم حيث الفضاء المفتوح ووسائله المتطورة تقنياً من إنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف مسمياتها، فالفارق يتبدى في جرأة صحافيِّ الثمانينيات حيث الوسائل البدائية في العمل الصحافي، إضافة إلى ثقافة إجراء الحوارات مع شخصيات لها وزنها على الساحة الدولية، فكثيراً ما قرأنا حواراً أجراه أحد صحافيي الثمانينيات مع رئيس دولة إلاّ وكان له صدى واسع في أروقة السياسة، وكان هناك دور للصحافي في إيصال رسائل معينة أثناء إجراء حوار مع هذا الرئيس أو ذاك فقد ساهم عدد من الصحافيين أنذاك في ترطيب الأجواء بين بلد وأخر وزعيم وأخر يختلفان إما بسبب الحدود أو الموقف السياسي من إحدى قضايا المنطقة. «وكان أي صحافي يمكنه أن يقابل أي مسؤول. أما اليوم ومع فورة الاتصالات صارت هناك أسئلة مكتوبة وعليك أن تنتظر شهرين حتى تأتيك الإجابة». كانت صحافة الثمانينيات تساهم في إطفاء الحرائق الدبلوماسية والسياسية لا إشعالها كما تساهم بعض وسائل الإعلام اليوم على طول وعرض الوطن العربي. ومن الحوارات في كتاب الريّس حوار مع الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي قال: «الاتحاد السوفيتي ليس عدواً لنا ووجوده في أفغانستان شرعي، موضحاً أن وجود قوات التدخل السريع الأميركية مساس بسيادتنا ويشجع موسكو على التدخل». وكانت تلك التصريحات في ذلك الوقت بمثابة قنبلة سياسية من العيار الثقيل. يعيدنا الريّس إلى أجواء الثمانينيات التي مازالت تلقي بظلالها على المنطقة وإنْ بدت بشكل مختلف في الوسائل والأهداف وربما حتى النتائج. ]]> 121106 تهمة “الخيانة العظمى”؟ !! / نقابة الممثلين المصريين تشطب عمرو واكد وخالد أبو النجا بعد شهادتيهما أمام الكونغرس http://www.souriyati.com/2019/03/27/121026.html Wed, 27 Mar 2019 13:10:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/27/121026.html الأربعاء 27 مارس 201901:01 م اعتبر رئيس نقابة الممثلين المصريين أشرف زكي أن الفنانين خالد أبو النجا وعمرو واكد ارتكبا "خيانة عظمى" للدولة المصرية بموافقتهما على الحديث في أروقة الكونغرس الأمريكي، وترديدهما "أكاذيب عن مصر" على حد وصفه، مضيفاً لرصيف22 أنهما استحقا "عن جدارة" الشطب من النقابة ولن يسمح لهما بالتمثيل مرة أخرى على الأراضي المصرية. وأبو النجا وواكد من أبرز الممثلين في مصر في السنوات الأخيرة، حققت أفلامهما نجاحاً كبيراً في دور العرض المصرية، وهما يتفقان في معارضتهما للنظام المصري الحالي، معتبريْن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قامعاً للمصريين بل حوّل كذلك مصر إلى سجن كبير للمعارضين حسب رأييهما. ومساء الاثنين 25 مارس اختتمت فعاليات استمرت يومين نظمها معارضون مصريون في أروقة الكونغرس، وتحدث في الجلسة الختامية إلى جانب خالد أبو النجا وعمرو واكد ناشطون ونواب أمريكيون، وتناولت الجلسة انتهاكات النظام المصري لحقوق الإنسان وخطرها على استقرار المنطقة. وخلال الجلسة الختامية التي حضرها حوالي مئة مشارك، تحدث أبو النجا عن حاجة المصريين للأمل، معتبراً أن هذه الفعاليات تمنح بعض الأمل في المستقبل. أما عمرو واكد فقال في الجلسة ذاتها إن النظام المصري يخشى أي أصوات حرة، وإن المعارضين لا يخافون من النظام والعكس صحيح، معتبراً أن النصر في النهاية سيكون لهم. تآمر على الوطن ومساء الثلاثاء قرر مجلس إدارة نقابة الممثلين المصريين شطب عضوية كل من عمرو واكد وخالد أبو النجا، "لتآمرهما ضد الوطن، واعتبارهما خائنين لمصر ولشعبها بعد التحريض ضد الدولة ونشر أخبار كاذبة"، بحسب نص بيان النقابة. واعتبرت النقابة في بيانها أن ما قاله عمرو واكد وخالد أبو النجا في الكونغرس "خيانة عظمى للوطن والشعب المصري إذ توجها دون توكيل من الإرادة الشعبية لقوى خارجية واستقويا بهذه القوى على الإرادة الشعبية واستبقا قرارتها السيادية لتحريكها فى اتجاه مساند لأجندة المتآمرين على أمن مصر" بحسب بيان النقابة. النقابة أعلنت في بيانها أنها قررت إلغاء عضوية الممثلين مؤكدة أنها لن تقبل وجود أي "عضو خائن لوطنه بين أعضائها" محذرة الممثلين المعارضين من "الانجراف وراء أصحاب المصالح والأجندات المعادية لمصر". وقال نقيب الممثلين لرصيف22 إن ما قام به الممثلان ليس حرية تعبير، مؤكداً أنه كان سيحترمهما لو تحدثا عما يضايقهما داخل الأراضي المصرية وليس خارجها، رافضاً الاتهامات الموجهة للنظام المصري بأنه يعتقل كل من يعارضه ولا يعطيه فرصة للحديث في وسائل الإعلام. وأكد زكي أن جميع الممثلين المصريين يحترمون بلدهم، ويرفضون أي إهانات يوجهها لها أي شخص، مضيفاً أن موقف أبو النجا وواكد يتعارض وموقف باقي الممثلين المصريين ويخدم أجندات أجنبية على حد تعبيره. تعليقات أبو النجا وواكد سخر الممثل عمرو واكد من نقابة المهن التمثيلية، واصفاً إياها عبر حسابه الرسمي على تويتر بأنها "نقابة المهن السياسية". لرصيف22 ]]> الأربعاء 27 مارس 201901:01 م اعتبر رئيس نقابة الممثلين المصريين أشرف زكي أن الفنانين خالد أبو النجا وعمرو واكد ارتكبا "خيانة عظمى" للدولة المصرية بموافقتهما على الحديث في أروقة الكونغرس الأمريكي، وترديدهما "أكاذيب عن مصر" على حد وصفه، مضيفاً لرصيف22 أنهما استحقا "عن جدارة" الشطب من النقابة ولن يسمح لهما بالتمثيل مرة أخرى على الأراضي المصرية. وأبو النجا وواكد من أبرز الممثلين في مصر في السنوات الأخيرة، حققت أفلامهما نجاحاً كبيراً في دور العرض المصرية، وهما يتفقان في معارضتهما للنظام المصري الحالي، معتبريْن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قامعاً للمصريين بل حوّل كذلك مصر إلى سجن كبير للمعارضين حسب رأييهما. ومساء الاثنين 25 مارس اختتمت فعاليات استمرت يومين نظمها معارضون مصريون في أروقة الكونغرس، وتحدث في الجلسة الختامية إلى جانب خالد أبو النجا وعمرو واكد ناشطون ونواب أمريكيون، وتناولت الجلسة انتهاكات النظام المصري لحقوق الإنسان وخطرها على استقرار المنطقة. وخلال الجلسة الختامية التي حضرها حوالي مئة مشارك، تحدث أبو النجا عن حاجة المصريين للأمل، معتبراً أن هذه الفعاليات تمنح بعض الأمل في المستقبل. أما عمرو واكد فقال في الجلسة ذاتها إن النظام المصري يخشى أي أصوات حرة، وإن المعارضين لا يخافون من النظام والعكس صحيح، معتبراً أن النصر في النهاية سيكون لهم. تآمر على الوطن ومساء الثلاثاء قرر مجلس إدارة نقابة الممثلين المصريين شطب عضوية كل من عمرو واكد وخالد أبو النجا، "لتآمرهما ضد الوطن، واعتبارهما خائنين لمصر ولشعبها بعد التحريض ضد الدولة ونشر أخبار كاذبة"، بحسب نص بيان النقابة. واعتبرت النقابة في بيانها أن ما قاله عمرو واكد وخالد أبو النجا في الكونغرس "خيانة عظمى للوطن والشعب المصري إذ توجها دون توكيل من الإرادة الشعبية لقوى خارجية واستقويا بهذه القوى على الإرادة الشعبية واستبقا قرارتها السيادية لتحريكها فى اتجاه مساند لأجندة المتآمرين على أمن مصر" بحسب بيان النقابة. النقابة أعلنت في بيانها أنها قررت إلغاء عضوية الممثلين مؤكدة أنها لن تقبل وجود أي "عضو خائن لوطنه بين أعضائها" محذرة الممثلين المعارضين من "الانجراف وراء أصحاب المصالح والأجندات المعادية لمصر". وقال نقيب الممثلين لرصيف22 إن ما قام به الممثلان ليس حرية تعبير، مؤكداً أنه كان سيحترمهما لو تحدثا عما يضايقهما داخل الأراضي المصرية وليس خارجها، رافضاً الاتهامات الموجهة للنظام المصري بأنه يعتقل كل من يعارضه ولا يعطيه فرصة للحديث في وسائل الإعلام. وأكد زكي أن جميع الممثلين المصريين يحترمون بلدهم، ويرفضون أي إهانات يوجهها لها أي شخص، مضيفاً أن موقف أبو النجا وواكد يتعارض وموقف باقي الممثلين المصريين ويخدم أجندات أجنبية على حد تعبيره. تعليقات أبو النجا وواكد سخر الممثل عمرو واكد من نقابة المهن التمثيلية، واصفاً إياها عبر حسابه الرسمي على تويتر بأنها "نقابة المهن السياسية". لرصيف22 ]]> 121026 مصطلح القصة القصيرة في الخليج http://www.souriyati.com/2019/03/27/121009.html Wed, 27 Mar 2019 10:44:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/27/121009.html د. فهد حسين إن موقع منطقة الخليج العربي جغرافياً جعلها ملتقى لعدد من الحضارات والأقوام والثقافات، كالحضارة الهندية والفارسية واليونانية، بالإضافة إلى حضارات المنطقة، مثل: حضارة بابل وبلاد الرافدين بالعراق، والحضارة الفينيقية في بلاد الشام، والحضارة الفرعونية في مصر، بل فرض الموقع الجغرافي إحداث موانئ بحرية وبرية للتبادل التجاري والتعامل الاقتصادي، مع حدوث مواقع وأمكنة للتعاطي الثقافي. وبحصول المنطقة على هذه الحظوة الاستراتيجية التي أسهمت في استقبال تلك الحضارات المتعددة، والثقافات المتنوعة، واللغات المختلفة، أعطى أفراد مجتمع المنطقة رغبة التواصل والتلاقي من دون التلكؤ أو التراجع أو الوقوف، لأن بعض مناطق الخليج والجزيرة ذات قسوة في طبيعتها المناخية والتضاريسية، فإن هؤلاء الأفراد الذين يشكلون المجتمع الخليجي، بكل فئاته وطوائفه وأعراقه ودياناته، كانوا مصرين على معرفة طبائع الشعوب القادمة إليه، والوقوف على ثقافاتهم وحضاراتهم، بل امتد ذلك إلى بناء علاقات اقتصادية وتجارية. ومع تطور هذه العلاقات ذات الطابع الثقافي، باتت المنطقة محطة ثقافية زارها كثير من المثقفين العرب وغير العرب. القصة في منطقة الخليج العربية فن من الفنون الحديثة، ذات حالة إبداعية وخيالية، وذات ارتباط بالواقع المعيش في إطار إنساني، بل هي ضمن الفنون الإنسانية الأخرى التي تعبر عن تاريخ الإنسان والمكان والزمان، وتسعى إلى البحث عن جماليات فنية، وهي توظف التقنيات القصصية لتحفر لنفسها (القصة الخليجية - في الخليج) بصمة في المشهدين الأدبي والثقافي بالمنطقة، كما فعلت ذلك من قبل كل من القصة المصرية، والقصة العراقية، والقصة السورية، بالإضافة إلى دول المغرب العربي. وفي الوقت نفسه، فإن هذا الفن لم يكن سهل التناول، وإنما هناك مخاطرة الولوج إليه لحداثته، وتعقيد بنائه، ومعرفة نماذجه المتعددة، بين القصة الطويلة، والقصيرة، والقصيرة جداً التي بدأت في الانتشار حديثاً. وظهرت القصة القصيرة قبل الرواية في عموم المشهد الأدبي الخليجي، ويعود هذا إلى معطيات اجتماعية وتطورية في بناء المجتمع، دينياً ومدنياً، وحالة الوعي الثقافي المتسيدة آنذاك، وكذلك القدرات الفنية والتقنية لدى الكاتب وهو ينسج كتاباته السردية التي لا تتعدى الحديث عن بعض المشكلات الاجتماعية المحصورة في العلاقات بين المرأة والرجل، كالزواج والطلاق والتعليم والعادات والتقاليد، إذ كانت القصص في عالم الحكاية البسيطة والمسطحة، بعد تأثر أصحابها بما كان يكتب وينشر من قصص ومقالات وخواطر في المجلات والدوريات التي تصل إلى المنطقة، أو من خلال التواصل مع البعثات التعليمية التي تمثلت في المعلمين والمعلمات الذين حطوا رحالهم لتعليم أبناء المنطقة، بالإضافة إلى الصحافة ودورها في نشر المحاولات المتأثرة بما هو موجود في مصر والعراق وبلاد الشام، إضافة إلى ما يصل مترجماً، وإن كان متأخراً. ومن الطبعي إذا كان المجتمع يؤمن بالتلاقي والتحاور والتواصل مع الثقافات الأخرى، فإن القصة أحد ملامح هذا التلاقي، لذلك فظهور القصة القصيرة في المنطقة لم يكن محض صدفة، أو تبعاً لأهواء كاتب هنا أو كاتب هناك، وإنما نشأت في الخليج والجزيرة العربية، حيث ذكر الناقد إبراهيم غلوم في كتابه «القصة القصيرة في الخليج العربي - الكويت والبحرين»، ص27 - 28، قائلاً: «تجاوباً مع المرحلة الحديثة التي بدأ يتعرف عليها المجتمع، بكل ما رافقها من عوامل التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وبكل ما اقترنت به من نوازع في تمزيق جدار العزلة، لذلك نشأتها تعبير مؤثر مهم في التجربة الثقافية والفكرية في الخليج العربي». علينا أن نطرح التساؤل الذي قد يكون عبارة عن إشكاليات فنية، تتعلق بالمكان وفن القص، حيث كثيراً ما نتفوه ببعض المفاهيم والمصطلحات لنجعلها حالة مطلقة، مما قد يتسبب لنا ببعض من الإشكاليات المفاهيمية والنقدية. وفي هذا السياق، نعني القصة هنا، أي ذلك المكان الجغرافي المحدد بدول مجلس التعاون الخليجي، والكتابات النقدية والأدبية عادة ما تشير إلى ما نطلق عليه الأدب الخليجي - الشعر الخليجي - الرواية الخليجية - القصة الخليجية - المسرح الخليجي - الدراما الخليجية - السينما الخليجية... أو نبتعد عن هذه المساءلة الفنية والمصطلحية، فنذهب إلى ما يمكن أن نطلق عليه الأدب في الخليج - الشعر في الخليج - الرواية في الخليج - القصة في الخليج - المسرح في الخليج - الدراما في الخليج - السينما في الخليج، وهذا ليس بغريب في الثقافة العربية، بل حتى العالمية. هناك فرق كبير بين المصطلحين أو بين المفهومين، بين القصة الخليجية والقصة في الخليج، وهو ما ينطبق على الأدب بشكل عام، فالأول يعني إلصاق الفعل الإبداعي إلى المكان، وهويته هي الفاعل الأساس، بمعنى كل هذا الإبداع من صنع الفرد الخليجي، أي الأدب والفعل الإبداعي وحالة الكتابة خليجية بحتة، أما الثاني فيشير إلى أن ما نتج من إبداع في المنطقة هو منتج لكل كاتب في المنطقة، سواء أكان خليجياً أم عربياً أم أجنبياً، وهنا إبعاد لهوية المكان، ونسبته إلى هوية النص لا غير، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نتجاهل الكاتب غير الخليجي، ودوره في المنجز الإبداعي والثقافي بالمنطقة، فهناك كتاب من الدول العربية المختلفة أسهموا في الحراك الثقافي والأدبي، وقد أشار الناقد السعودي سمحي بن ماجد الهاجري في كتابه «القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية»، ص86 - 85؛ ص108، إلى مساهمات الكاتب والقاص والصحافي الجزائري أحمد رضا حوحو في نشأة القصة السعودية، حيث عاش فترة في المدينة المنورة، وكتب كثيراً من القصص والمقالات، بل كان سكرتير تحرير مجلة «المنهل»، ومحمد عالم الأفغاني الذي وفد إلى المدينة المنورة، وكتب القصة مع النشأة وبعده، كما كان للناقد يوسف الشاروني شأن تجاه السرد العماني، وهناك مجموعة من المبدعين والنقاد أدوا دوراً بارزاً في المشهد الأدبي، شعراً وسرداً، بدولة الإمارات العربية المتحدة، مثل الناقد سمر روحي الفيصل، والناقد صالح هويدي، والناقد عزت عمر، والشاعر الناقد عبد الفتاح صبري، وغيرهم. وفي البحرين، كان للناقدين عبد الرحمن الصوير وعبد الحميد المحادين مساهمات ثقافية ونقدية وإبداعية، لذلك هل سألنا أنفسنا أيهما نأخذ من هذين المفهومين تجاه ما ينجز بالمنطقة، فضلاً عن أن بعض المنجزات الكتابية، وبالأخص النقدية، هي دراسات لنقاد وكتاب عرب اشتغلوا على منجز أبناء المنطقة، كما هو واضح وجلي في الكتابات النقدية التي كتبت عن الأدب في الإمارات العربية المتحدة، حيث كرس عدد من الأكاديميين والباحثين والنقاد جل عملهم في دراسة أعمال أنتجها كتاب إماراتيون. وهذا يدفعنا لعدم تجاهل هذا الدور الفاعل، حضوراً وتواصلاً ونقداً، الذي يقوم به هؤلاء وغيرهم، فضلاً عما يقدم من منجز إبداعي أيضاً في القصة والرواية والشعر، لذلك نحن نستعمل هذه المصطلحات التي ربما تكون غير دقيقة، نقدياً وعلمياً، وإنما توافق عليها المشتغلون بالدرس الأدبي والنقدي من أجل الوصول إلى صيغ الكتابة النقدية المحصورة في مكان جغرافي معين، بل ذهبنا أكثر من تعميم المنجز الأدبي، إبداعاً ونقداً، من كونه خليجياً إلى الحدود الجغرافية الأكثر حصراً، فنقول: القصة العمانية - القصة السعودية - القصة الكويتية - القصة القطرية - القصة الإماراتية - القصة البحرينية، وربما أخذنا هذه التسميات من العالم العربي الذي يؤكد على وجود القصة المصرية - القصة السورية - القصة العراقية - القصة المغربية، كما تعلمنا في مدارسنا وجامعاتنا. وإن كانت هذه المصطلحات يجانبها بعض الغموض فنياً، فإنها حضرت في المشهد الأدبي عامة، والنقدي على وجه الخصوص، بغية الدرس، بعدما اتفق عليها المشتغلون للوقوف على حالة الإبداع والكتابة، وخصوصية هذا المكان ومنجزه الذي قد يتباين مع الآخر، ثم دخلنا في تجزئة هذا الفن أو ذاك عبر بعض المكونات السردية، والتقنيات الجمالية، فذهبنا إلى عناوين نطوعها للدرس والتحليل، مثل: البحر في القصة العمانية - المكان في القصة السعودية - الزمن في القصة الكويتية - الهوية في القصة الإماراتية، وأدب الصحراء، والعلاقة بين الريف والمدينة، وهكذا نسير إلى جزئيات العمل، وزد على ذلك حين نقوم بدراسة هذه الجزئية كأننا ندرس خصوصية القصة في منطقة معينة من هذه الدولة أو تلك، مثل الشخصية عند كتاب الداخل، أو كتاب الأطراف، أو علاقة القصة بالذاكرة الثقافية عند سكان الجبال. - كاتب بحريني https://www.arabicstory.net   / المصدر: الشرق الأوسط]]> د. فهد حسين إن موقع منطقة الخليج العربي جغرافياً جعلها ملتقى لعدد من الحضارات والأقوام والثقافات، كالحضارة الهندية والفارسية واليونانية، بالإضافة إلى حضارات المنطقة، مثل: حضارة بابل وبلاد الرافدين بالعراق، والحضارة الفينيقية في بلاد الشام، والحضارة الفرعونية في مصر، بل فرض الموقع الجغرافي إحداث موانئ بحرية وبرية للتبادل التجاري والتعامل الاقتصادي، مع حدوث مواقع وأمكنة للتعاطي الثقافي. وبحصول المنطقة على هذه الحظوة الاستراتيجية التي أسهمت في استقبال تلك الحضارات المتعددة، والثقافات المتنوعة، واللغات المختلفة، أعطى أفراد مجتمع المنطقة رغبة التواصل والتلاقي من دون التلكؤ أو التراجع أو الوقوف، لأن بعض مناطق الخليج والجزيرة ذات قسوة في طبيعتها المناخية والتضاريسية، فإن هؤلاء الأفراد الذين يشكلون المجتمع الخليجي، بكل فئاته وطوائفه وأعراقه ودياناته، كانوا مصرين على معرفة طبائع الشعوب القادمة إليه، والوقوف على ثقافاتهم وحضاراتهم، بل امتد ذلك إلى بناء علاقات اقتصادية وتجارية. ومع تطور هذه العلاقات ذات الطابع الثقافي، باتت المنطقة محطة ثقافية زارها كثير من المثقفين العرب وغير العرب. القصة في منطقة الخليج العربية فن من الفنون الحديثة، ذات حالة إبداعية وخيالية، وذات ارتباط بالواقع المعيش في إطار إنساني، بل هي ضمن الفنون الإنسانية الأخرى التي تعبر عن تاريخ الإنسان والمكان والزمان، وتسعى إلى البحث عن جماليات فنية، وهي توظف التقنيات القصصية لتحفر لنفسها (القصة الخليجية - في الخليج) بصمة في المشهدين الأدبي والثقافي بالمنطقة، كما فعلت ذلك من قبل كل من القصة المصرية، والقصة العراقية، والقصة السورية، بالإضافة إلى دول المغرب العربي. وفي الوقت نفسه، فإن هذا الفن لم يكن سهل التناول، وإنما هناك مخاطرة الولوج إليه لحداثته، وتعقيد بنائه، ومعرفة نماذجه المتعددة، بين القصة الطويلة، والقصيرة، والقصيرة جداً التي بدأت في الانتشار حديثاً. وظهرت القصة القصيرة قبل الرواية في عموم المشهد الأدبي الخليجي، ويعود هذا إلى معطيات اجتماعية وتطورية في بناء المجتمع، دينياً ومدنياً، وحالة الوعي الثقافي المتسيدة آنذاك، وكذلك القدرات الفنية والتقنية لدى الكاتب وهو ينسج كتاباته السردية التي لا تتعدى الحديث عن بعض المشكلات الاجتماعية المحصورة في العلاقات بين المرأة والرجل، كالزواج والطلاق والتعليم والعادات والتقاليد، إذ كانت القصص في عالم الحكاية البسيطة والمسطحة، بعد تأثر أصحابها بما كان يكتب وينشر من قصص ومقالات وخواطر في المجلات والدوريات التي تصل إلى المنطقة، أو من خلال التواصل مع البعثات التعليمية التي تمثلت في المعلمين والمعلمات الذين حطوا رحالهم لتعليم أبناء المنطقة، بالإضافة إلى الصحافة ودورها في نشر المحاولات المتأثرة بما هو موجود في مصر والعراق وبلاد الشام، إضافة إلى ما يصل مترجماً، وإن كان متأخراً. ومن الطبعي إذا كان المجتمع يؤمن بالتلاقي والتحاور والتواصل مع الثقافات الأخرى، فإن القصة أحد ملامح هذا التلاقي، لذلك فظهور القصة القصيرة في المنطقة لم يكن محض صدفة، أو تبعاً لأهواء كاتب هنا أو كاتب هناك، وإنما نشأت في الخليج والجزيرة العربية، حيث ذكر الناقد إبراهيم غلوم في كتابه «القصة القصيرة في الخليج العربي - الكويت والبحرين»، ص27 - 28، قائلاً: «تجاوباً مع المرحلة الحديثة التي بدأ يتعرف عليها المجتمع، بكل ما رافقها من عوامل التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وبكل ما اقترنت به من نوازع في تمزيق جدار العزلة، لذلك نشأتها تعبير مؤثر مهم في التجربة الثقافية والفكرية في الخليج العربي». علينا أن نطرح التساؤل الذي قد يكون عبارة عن إشكاليات فنية، تتعلق بالمكان وفن القص، حيث كثيراً ما نتفوه ببعض المفاهيم والمصطلحات لنجعلها حالة مطلقة، مما قد يتسبب لنا ببعض من الإشكاليات المفاهيمية والنقدية. وفي هذا السياق، نعني القصة هنا، أي ذلك المكان الجغرافي المحدد بدول مجلس التعاون الخليجي، والكتابات النقدية والأدبية عادة ما تشير إلى ما نطلق عليه الأدب الخليجي - الشعر الخليجي - الرواية الخليجية - القصة الخليجية - المسرح الخليجي - الدراما الخليجية - السينما الخليجية... أو نبتعد عن هذه المساءلة الفنية والمصطلحية، فنذهب إلى ما يمكن أن نطلق عليه الأدب في الخليج - الشعر في الخليج - الرواية في الخليج - القصة في الخليج - المسرح في الخليج - الدراما في الخليج - السينما في الخليج، وهذا ليس بغريب في الثقافة العربية، بل حتى العالمية. هناك فرق كبير بين المصطلحين أو بين المفهومين، بين القصة الخليجية والقصة في الخليج، وهو ما ينطبق على الأدب بشكل عام، فالأول يعني إلصاق الفعل الإبداعي إلى المكان، وهويته هي الفاعل الأساس، بمعنى كل هذا الإبداع من صنع الفرد الخليجي، أي الأدب والفعل الإبداعي وحالة الكتابة خليجية بحتة، أما الثاني فيشير إلى أن ما نتج من إبداع في المنطقة هو منتج لكل كاتب في المنطقة، سواء أكان خليجياً أم عربياً أم أجنبياً، وهنا إبعاد لهوية المكان، ونسبته إلى هوية النص لا غير، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نتجاهل الكاتب غير الخليجي، ودوره في المنجز الإبداعي والثقافي بالمنطقة، فهناك كتاب من الدول العربية المختلفة أسهموا في الحراك الثقافي والأدبي، وقد أشار الناقد السعودي سمحي بن ماجد الهاجري في كتابه «القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية»، ص86 - 85؛ ص108، إلى مساهمات الكاتب والقاص والصحافي الجزائري أحمد رضا حوحو في نشأة القصة السعودية، حيث عاش فترة في المدينة المنورة، وكتب كثيراً من القصص والمقالات، بل كان سكرتير تحرير مجلة «المنهل»، ومحمد عالم الأفغاني الذي وفد إلى المدينة المنورة، وكتب القصة مع النشأة وبعده، كما كان للناقد يوسف الشاروني شأن تجاه السرد العماني، وهناك مجموعة من المبدعين والنقاد أدوا دوراً بارزاً في المشهد الأدبي، شعراً وسرداً، بدولة الإمارات العربية المتحدة، مثل الناقد سمر روحي الفيصل، والناقد صالح هويدي، والناقد عزت عمر، والشاعر الناقد عبد الفتاح صبري، وغيرهم. وفي البحرين، كان للناقدين عبد الرحمن الصوير وعبد الحميد المحادين مساهمات ثقافية ونقدية وإبداعية، لذلك هل سألنا أنفسنا أيهما نأخذ من هذين المفهومين تجاه ما ينجز بالمنطقة، فضلاً عن أن بعض المنجزات الكتابية، وبالأخص النقدية، هي دراسات لنقاد وكتاب عرب اشتغلوا على منجز أبناء المنطقة، كما هو واضح وجلي في الكتابات النقدية التي كتبت عن الأدب في الإمارات العربية المتحدة، حيث كرس عدد من الأكاديميين والباحثين والنقاد جل عملهم في دراسة أعمال أنتجها كتاب إماراتيون. وهذا يدفعنا لعدم تجاهل هذا الدور الفاعل، حضوراً وتواصلاً ونقداً، الذي يقوم به هؤلاء وغيرهم، فضلاً عما يقدم من منجز إبداعي أيضاً في القصة والرواية والشعر، لذلك نحن نستعمل هذه المصطلحات التي ربما تكون غير دقيقة، نقدياً وعلمياً، وإنما توافق عليها المشتغلون بالدرس الأدبي والنقدي من أجل الوصول إلى صيغ الكتابة النقدية المحصورة في مكان جغرافي معين، بل ذهبنا أكثر من تعميم المنجز الأدبي، إبداعاً ونقداً، من كونه خليجياً إلى الحدود الجغرافية الأكثر حصراً، فنقول: القصة العمانية - القصة السعودية - القصة الكويتية - القصة القطرية - القصة الإماراتية - القصة البحرينية، وربما أخذنا هذه التسميات من العالم العربي الذي يؤكد على وجود القصة المصرية - القصة السورية - القصة العراقية - القصة المغربية، كما تعلمنا في مدارسنا وجامعاتنا. وإن كانت هذه المصطلحات يجانبها بعض الغموض فنياً، فإنها حضرت في المشهد الأدبي عامة، والنقدي على وجه الخصوص، بغية الدرس، بعدما اتفق عليها المشتغلون للوقوف على حالة الإبداع والكتابة، وخصوصية هذا المكان ومنجزه الذي قد يتباين مع الآخر، ثم دخلنا في تجزئة هذا الفن أو ذاك عبر بعض المكونات السردية، والتقنيات الجمالية، فذهبنا إلى عناوين نطوعها للدرس والتحليل، مثل: البحر في القصة العمانية - المكان في القصة السعودية - الزمن في القصة الكويتية - الهوية في القصة الإماراتية، وأدب الصحراء، والعلاقة بين الريف والمدينة، وهكذا نسير إلى جزئيات العمل، وزد على ذلك حين نقوم بدراسة هذه الجزئية كأننا ندرس خصوصية القصة في منطقة معينة من هذه الدولة أو تلك، مثل الشخصية عند كتاب الداخل، أو كتاب الأطراف، أو علاقة القصة بالذاكرة الثقافية عند سكان الجبال. - كاتب بحريني https://www.arabicstory.net   / المصدر: الشرق الأوسط]]> 121009 محاكمة متأخرة لعلاء الأسواني : تحويل الروائي المصري علاء الأسواني للمحاكمة العسكرية http://www.souriyati.com/2019/03/20/120681.html Wed, 20 Mar 2019 16:31:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/20/120681.html بينما انتشرت في صفحات التواصل الاجتماعي، تدوينات تشير إلى تحويل الروائي المصري علاء الأسواني للمحاكمة العسكرية، تساءلتُ لثوانٍ: كيف فات هذه السلطة أن تفعلها منذ فترة؟ هذا الكاتب أكثر إزعاجًا لها من كثيرين يتم التنكيل بهم بأشكال مختلفة، من بينها الوقوف أمام القضاء العسكري. وهذا زمن يحمل الحديث فيه عن منطق حرية الرأي عبثًا واضحًا. حزن مقيم. يعز على المرء منّا أن يكون هذا هو المنطق الوحيد للتفكير، غير أن الواقع "فشخ" الخيال منذ فترة أصبحت كافية لأن نعي ما نعيش، ويصير الاجتهاد الوحيد للكُتّاب والمشغولين بالرأي هو: كيف تمشي على حبل رفيع من دون الوقوع في ما قد يذهب بك وراء القضبان؟ الأسواني متهم بإهانة الرئيس والتحريض على نظام الحكم. أحوال الصحافة في مصر لا تسمح بتوفير مصدر رسمي لهذا النوع من الأخبار، لكن خبراً نشرته جريدة "فيتو" قبل أيام، ومر مرور الكرام، تحدث عن بلاغ قدّمه محام يدعى أيمن محفوظ للمدعي العام العسكري، يطالب فيه بإحالة الأسواني للمحاكمة العسكرية بتُهم "تتعلق بإهانة الرئيس والقوات المسلحة والقضاء، في مجموعة مقالات كتبها على موقع وصحيفة ألمانية شهيرة"، ويقصد موقع "دويتشه فيليه". وأضاف الخبر على لسان المحامي صاحب البلاغ، أن مقالات الأسواني تحمل إهانة للرئيس، الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأن النظر في إهانة القوات المسلحة أو المخالفات القانونية المتعلقة بالعسكريين "يختص القضاء العسكري وحده بالنظر فيها". في زمن آخر، وطبعًا في مكان آخر، كان بديهيًا أن يمر البلاغ كما مرّ الخبر، مرور الكرام، لكننا لسنا في زمن آخر ولا مكان آخر. الأسواني كتب مقاله الأسبوعي، أمس الثلاثاء، تحت عنوان "نعم.. أنا متهم في قضية عسكرية"، ساردًا خلفية ما حدث. بدأ متكئًا على تاريخ العلاقة بين السلطة العسكرية ومعارضيها، وصولًا إلى فقرة حول تصاعد التضييق عليه حتى توقف عن الكتابة في مصر، مرورًا بقلق الناشرين المصريين من طبع روايته الأحدث "جمهورية كأن"، واضطراره نشرها في "دار الآداب" البيروتية، ما يحرمه من زحام القراء المصريين الذي اعتاده في حفلات التوقيع، قبل أن يختتم بمعرفته أمر إحالته إلى القضاء العسكري بتهمة إهانة الرئيس والتحريض ضد النظام بسبب روايته الأخيرة ومقالته الأسبوعية: "هكذا أصبحت متهمًا في قضية عسكرية.. جريمتي الوحيدة أنني كاتب أعبّر عن رأيي". ختام مقال الأسواني صار خبرًا عاجلًا في عدد من الصحف العربية والعالمية. وكان جدلًا أثير، مع صدور "جمهورية كأن" في بيروت، بين من صدّق صعوبة أو استحالة نشرها في مصر، وبين من رأى أن الأسواني يزُعم هذا الاضطرار من باب التسويق. لكن الأيام حسمت هذا الجدل بعدم توافر الرواية في المكتبات المصرية، في حين تتوافر الكتب التي تأتينا من دور النشر اللبنانية. فضلًا عن أن من قرأ الرواية، المُقرصنة إلكترونيًا، سيعرف أن صدورها في مصر كان سيتسبب، قطعًا، في مشاكل لناشرها، رغم أنها لم تتعرض مباشرة لما نعيش من لحظة سياسية راهنة، حيث توقفت أحداثها عند فترة ما قبل حكم محمد مرسي. وكان تعليقًا للصديق الشاعر والمترجم أحمد شافعي في "فايسبوك"، أثار اهتمامي، حيث وصفها بأهم عمل أدبي صدر منذ 2011، وبين مناقشات الأصدقاء، هاتفتُه. قال لي إن الأسواني رفع عنّا جميعًا الحرج، ككتّاب مصريين، بإصدار روايته هذه، ذلك أن ما حدث كان واجبًا على الكتابة المصرية أن تعالجه في عمل ما. الرواية ببساطة هي مُحاكاة أدبية لأحداث ثورة يناير وما حولها. قوامها تخيُل الكاتب للملامح الإنسانية والاجتماعية لشخصيات اعتبرها نماذج تعبر عن الأطراف المشاركة في الحدث الكبير. أطراف، من بينها الثوري والانتهازي والسلطوي وتاجر الدين، مع الدخول إلى قلب الحياة اليومية والأسرية والاجتماعية لهذه الأطراف. خاضت "جمهورية كأن" في تفاصيل ما حدث، بشكل مباشر اتكأ على تصوير حاد لمرارة الواقع، ولغة لم تتحاش بذاءته. لما عرفتُ علاء الأسواني، كان قد تحقق له ما تحقق من شهرة أدبية في عدد من دول العالم، وعرفنا أن روايته "عمارة يعقوبيان" تُرجمت لأكثر من 30 لغة، تلتها "شيكاغو" بنجاح مشابه، والتفتنا إلى عمله الأسبق "نيران صديقة". وكان ما وصل إليه من جماهيرية أدخلنا، مع بدايات الألفية، إلى جدلية تفسير "الأفضل مبيعًا"، والتي لم تنته حتى اليوم، واعتبر البعض أنها جماهيرية مؤقتة، حيث لم تخضع للقوالب المعروفة. غير أن الزمن دائمًا هو فيصل مثل هذه الرهانات، وبدا أن الاعتراف بعلاء الأسواني كاتبًا عالميًا أمرًا بات محسومًا، سواء ناسبت أعماله ذائقتك أم لا. غير أن هذه الذائقة، النسبية والمتغيرة دائمًا، لا يجب أن تكون مرجعية في التضامن معه ضد ما يحدث له أو لغيره ممن يُعاقبون على إبداء الرأي. لم أشهد تنحي مبارك بين الثوار في ميدان التحرير، لا أتذكر الأسباب، لكني شاهدت إذاعة البيان في التلفزيون، وجاءتني رغبة الاتصال به للتهنئة، ليس لكونه من المشاركين البارزين في أحداث الثورة، لكن لأنه كان من المحفزين عليها. فبينما كان هناك من يخطط ويؤسس الحركات الاحتجاجية السرية والمعلنة، كان هناك كُتّاب يداومون على تحفيز الرأي العام. ومقالات علاء الأسواني، في ما أتصور، كانت من المقالات الأكثر تأثيرًا في الشارع المصري، خصوصًا بين الشباب الذين رأيت الحركة المرورية تتوقف بسبب إقبالهم على ندوته في مكتبة أو قاعة ندوات. قلت له: مبروك. قال: "بلاش اطمئنان زيادة، اللي جاي أصعب". ولا أتصوره إحباطًا لو قلت إن تحويل الأسواني للمحاكمة، في ما نعيش من لحظة عجيبة، هو إجراء بديهي، بل ربما جاء متأخرًا. ذلك أن جريمة التعبير عن الرأي هي جريمة كبيرة في أيامنا الصعبة. ]]> بينما انتشرت في صفحات التواصل الاجتماعي، تدوينات تشير إلى تحويل الروائي المصري علاء الأسواني للمحاكمة العسكرية، تساءلتُ لثوانٍ: كيف فات هذه السلطة أن تفعلها منذ فترة؟ هذا الكاتب أكثر إزعاجًا لها من كثيرين يتم التنكيل بهم بأشكال مختلفة، من بينها الوقوف أمام القضاء العسكري. وهذا زمن يحمل الحديث فيه عن منطق حرية الرأي عبثًا واضحًا. حزن مقيم. يعز على المرء منّا أن يكون هذا هو المنطق الوحيد للتفكير، غير أن الواقع "فشخ" الخيال منذ فترة أصبحت كافية لأن نعي ما نعيش، ويصير الاجتهاد الوحيد للكُتّاب والمشغولين بالرأي هو: كيف تمشي على حبل رفيع من دون الوقوع في ما قد يذهب بك وراء القضبان؟ الأسواني متهم بإهانة الرئيس والتحريض على نظام الحكم. أحوال الصحافة في مصر لا تسمح بتوفير مصدر رسمي لهذا النوع من الأخبار، لكن خبراً نشرته جريدة "فيتو" قبل أيام، ومر مرور الكرام، تحدث عن بلاغ قدّمه محام يدعى أيمن محفوظ للمدعي العام العسكري، يطالب فيه بإحالة الأسواني للمحاكمة العسكرية بتُهم "تتعلق بإهانة الرئيس والقوات المسلحة والقضاء، في مجموعة مقالات كتبها على موقع وصحيفة ألمانية شهيرة"، ويقصد موقع "دويتشه فيليه". وأضاف الخبر على لسان المحامي صاحب البلاغ، أن مقالات الأسواني تحمل إهانة للرئيس، الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأن النظر في إهانة القوات المسلحة أو المخالفات القانونية المتعلقة بالعسكريين "يختص القضاء العسكري وحده بالنظر فيها". في زمن آخر، وطبعًا في مكان آخر، كان بديهيًا أن يمر البلاغ كما مرّ الخبر، مرور الكرام، لكننا لسنا في زمن آخر ولا مكان آخر. الأسواني كتب مقاله الأسبوعي، أمس الثلاثاء، تحت عنوان "نعم.. أنا متهم في قضية عسكرية"، ساردًا خلفية ما حدث. بدأ متكئًا على تاريخ العلاقة بين السلطة العسكرية ومعارضيها، وصولًا إلى فقرة حول تصاعد التضييق عليه حتى توقف عن الكتابة في مصر، مرورًا بقلق الناشرين المصريين من طبع روايته الأحدث "جمهورية كأن"، واضطراره نشرها في "دار الآداب" البيروتية، ما يحرمه من زحام القراء المصريين الذي اعتاده في حفلات التوقيع، قبل أن يختتم بمعرفته أمر إحالته إلى القضاء العسكري بتهمة إهانة الرئيس والتحريض ضد النظام بسبب روايته الأخيرة ومقالته الأسبوعية: "هكذا أصبحت متهمًا في قضية عسكرية.. جريمتي الوحيدة أنني كاتب أعبّر عن رأيي". ختام مقال الأسواني صار خبرًا عاجلًا في عدد من الصحف العربية والعالمية. وكان جدلًا أثير، مع صدور "جمهورية كأن" في بيروت، بين من صدّق صعوبة أو استحالة نشرها في مصر، وبين من رأى أن الأسواني يزُعم هذا الاضطرار من باب التسويق. لكن الأيام حسمت هذا الجدل بعدم توافر الرواية في المكتبات المصرية، في حين تتوافر الكتب التي تأتينا من دور النشر اللبنانية. فضلًا عن أن من قرأ الرواية، المُقرصنة إلكترونيًا، سيعرف أن صدورها في مصر كان سيتسبب، قطعًا، في مشاكل لناشرها، رغم أنها لم تتعرض مباشرة لما نعيش من لحظة سياسية راهنة، حيث توقفت أحداثها عند فترة ما قبل حكم محمد مرسي. وكان تعليقًا للصديق الشاعر والمترجم أحمد شافعي في "فايسبوك"، أثار اهتمامي، حيث وصفها بأهم عمل أدبي صدر منذ 2011، وبين مناقشات الأصدقاء، هاتفتُه. قال لي إن الأسواني رفع عنّا جميعًا الحرج، ككتّاب مصريين، بإصدار روايته هذه، ذلك أن ما حدث كان واجبًا على الكتابة المصرية أن تعالجه في عمل ما. الرواية ببساطة هي مُحاكاة أدبية لأحداث ثورة يناير وما حولها. قوامها تخيُل الكاتب للملامح الإنسانية والاجتماعية لشخصيات اعتبرها نماذج تعبر عن الأطراف المشاركة في الحدث الكبير. أطراف، من بينها الثوري والانتهازي والسلطوي وتاجر الدين، مع الدخول إلى قلب الحياة اليومية والأسرية والاجتماعية لهذه الأطراف. خاضت "جمهورية كأن" في تفاصيل ما حدث، بشكل مباشر اتكأ على تصوير حاد لمرارة الواقع، ولغة لم تتحاش بذاءته. لما عرفتُ علاء الأسواني، كان قد تحقق له ما تحقق من شهرة أدبية في عدد من دول العالم، وعرفنا أن روايته "عمارة يعقوبيان" تُرجمت لأكثر من 30 لغة، تلتها "شيكاغو" بنجاح مشابه، والتفتنا إلى عمله الأسبق "نيران صديقة". وكان ما وصل إليه من جماهيرية أدخلنا، مع بدايات الألفية، إلى جدلية تفسير "الأفضل مبيعًا"، والتي لم تنته حتى اليوم، واعتبر البعض أنها جماهيرية مؤقتة، حيث لم تخضع للقوالب المعروفة. غير أن الزمن دائمًا هو فيصل مثل هذه الرهانات، وبدا أن الاعتراف بعلاء الأسواني كاتبًا عالميًا أمرًا بات محسومًا، سواء ناسبت أعماله ذائقتك أم لا. غير أن هذه الذائقة، النسبية والمتغيرة دائمًا، لا يجب أن تكون مرجعية في التضامن معه ضد ما يحدث له أو لغيره ممن يُعاقبون على إبداء الرأي. لم أشهد تنحي مبارك بين الثوار في ميدان التحرير، لا أتذكر الأسباب، لكني شاهدت إذاعة البيان في التلفزيون، وجاءتني رغبة الاتصال به للتهنئة، ليس لكونه من المشاركين البارزين في أحداث الثورة، لكن لأنه كان من المحفزين عليها. فبينما كان هناك من يخطط ويؤسس الحركات الاحتجاجية السرية والمعلنة، كان هناك كُتّاب يداومون على تحفيز الرأي العام. ومقالات علاء الأسواني، في ما أتصور، كانت من المقالات الأكثر تأثيرًا في الشارع المصري، خصوصًا بين الشباب الذين رأيت الحركة المرورية تتوقف بسبب إقبالهم على ندوته في مكتبة أو قاعة ندوات. قلت له: مبروك. قال: "بلاش اطمئنان زيادة، اللي جاي أصعب". ولا أتصوره إحباطًا لو قلت إن تحويل الأسواني للمحاكمة، في ما نعيش من لحظة عجيبة، هو إجراء بديهي، بل ربما جاء متأخرًا. ذلك أن جريمة التعبير عن الرأي هي جريمة كبيرة في أيامنا الصعبة. ]]> 120681 غادة السمان تنتهك «السرية» العاطفية : من التالي على قائمة الرسائل بعد غسان كنفاني وأنسي الحاج؟ http://www.souriyati.com/2019/03/20/120651.html Wed, 20 Mar 2019 16:03:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/20/120651.html شوقي بزيع ليست الكتابة في عمقها سوى رسائل من نوع ما يبعث بها الكتّاب إلى جهات متعددة العناوين، دون أن يتلقوا بالضرورة إجابات عنها. وهذه الجهات قد تكون أنفسهم بالذات، وقد تكون بشراً أو أماكن وأزمنة مفقودة. قد تكون مسدّدة باتجاه المرئي الذي يهمنا أن نبوح له بمكنوناتنا ونتبادل معه الشجون والهواجس ووجيب القلب، أو باتجاه المجهول واللامرئي المستتر وراء غموضه الملغز، كما هو شأن الحياة والحب والموت ومعنى الوجود وأسئلته المرهقة. على أن ثمة فوارق غير قليلة بين الرسائل العامة التي تقارب شتى مناحي الحياة ووجوهها والمعَدّة أصلاً للنشر، وبين الرسائل الشخصية التي يكتبها العاشقون على نحو خاص من دون أن يضعوا في حسبانهم إمكانية تعميمها ودفعها إلى النشر في يوم من الأيام. فحيث يحرص الكاتب في النوع الأول، ومن ضمنه المذكرات والاعترافات وأدب السيرة، على إخفاء قدْر قليل أو كثير من سلوكياته وعيوبه وعوالمه الداخلية، يتخلى في النوع الثاني عن تحفظاته وأقنعته، ويقدم للطرف الآخر كشف حساب تفصيلي عن كل مكابداته وهواجسه ومشاعره المتأججة. وإذا كانت وسائل التواصل الشخصي بين البشر، بدءاً من الحمام الزاجل وعلَب البريد وسعاته ووصولاً إلى الرسائل الإلكترونية، قد حفلت بملايين الرسائل الركيكة أو البليغة، فإن بعض الرسائل العاطفية التي تبادلها عبر الزمن مبدعون ومبدعات متميزون، ترقى من حيث أساليبها التعبيرية العالية وعمقها الدلالي إلى مستويات الأدب الرفيع الذي يتجاوز طابعه العلاقات الثنائية المغلقة على نيرانها ليلامس الأغوار الأخيرة للنفس الإنسانية والهواجس المشتركة بين البشر. لا بل إن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز يذهب إلى أبعد من ذلك، فيعتبر أن «كل كتابة هي رسالة حب من نوع ما، وأن على المرء ألا يموت إلا بواسطة هذا الحب، وبواسطته يكتب أو يكفّ عن الكتابة». تبدو الرسائل الأدبية من بعض وجوهها نوعاً من التعازيم التي تهدف إلى الانصهار بالآخر، أو ردم الهوة التي تفصلنا عنه، أو لاستعادته من عهدة الفقدان. كذلك كان حال تيد هيوز الذي أهدى لزوجته الشاعرة سيلفيا بلاث ديوانه الشعري «رسائل عيد الميلاد»، بعد انتحارها المأساوي بسنوات، أو حال جمال الغيطاني الذي حاول في «رسالة في الصبابة والوجد» أن يربط بين حضارة سمرقند الغائرة في قلب التاريخ، وبين الجمال الأنثوي الذي ثُلم قلبه بين قبابها. ومع ذلك فإن الرسائل العاطفية المباشرة تكتسب نكهة خاصة لأنها أقرب إلى البوح الداخلي وهتْك الأحشاء منها إلى الرصانة والحذر وحسابات الرقابة الاجتماعية والأخلاقية. وهي إذ تُنشر على الملأ بعد ذلك، توفر للقارئ النهِم متعة الفضول والتلصص على الحيوات الغامضة لكبار المبدعين وما يكتنفها من تناقضات وشوائب وتصدعات داخلية عميقة. ولهذا تلقف القراء بشغف بالغ الرسائل المتبادلة بين جبران خليل جبران ومي زيادة، أو تلك التي تبادلها هنري ميلر وإنييس نن، أو سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر. إن كاف المخاطبَ التي يعتمدها العشاق في رسائلهم تتجاوز الاسم الشخصي للمرسل إليه لتتحول إلى أداة للتقريب بين كل من لفحتهم رياح العشق، أو من ينتظرون بلا طائل حبيباً أرهقهم صدوده أو غيابه الطويل... قد لا تكون الرسائل الشخصية والعاطفية التي يعمد كتّاب الغرب وساسته وفنانوه إلى نشرها على الملأ مدعاة للدهشة أو الاستهجان، لأن هؤلاء ليسوا محكومين بالتابوهات الاجتماعية والأخلاقية التي تجعل من كل اعتراف حميم أو بوح متجرئ نوعاً من الفضيحة الشخصية المجلجلة. وحيث يتحول أدب السيرة الغربي إلى شهادة صادقة عن الحياة الفعلية التي عاشها الكاتب، فإن معظم النماذج التي قدمها أدب السيرة العربي يعتمد على تمويه الحقائق والتستر على العيوب، وتقدم الحياة كما يرغب الكاتب في عيشها، لا كما حدثت بالفعل. وقد تكون غادة السمان من هذه الزاوية هي إحدى الرائدات الأكثر جرأة على انتهاك المحظورات، والأكثر إسهاماً في دحض المفاهيم الذكورية السائدة في بلاد العرب. ولعله من باب الإنصاف بالطبع أن نذكر نساء مماثلات، من أمثال ليلى بعلبكي في روايتها «أنا أحيا»، وأمل جراح في «الرواية الملعونة»، وصولاً إلى حنان الشيخ ونوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وغيرهن. لكن ما يميز غادة السمان، فضلاً عن الأهمية البالغة للسبق الزمني، هو ثراؤها الإبداعي الصادر عن شغف بالحياة قلّ نظيره، وعن شرر داخلي لا يتردد في توزيع نفسه بين الرواية والقصة والمقالة والشعر. وحتى في حواراتها الصحافية التي صدر آخرها في كتاب جامع تحت عنوان «تعرية كاتبة تحت المجهر»، نعثر على الكثير من اللقى والإصابات اللماحة التي لا تكف صاحبة «السباحة في بحيرة الشيطان» عن تسديدها إلى عقول القراء وقلوبهم في آن. فهي من تقول في إجابتها عن سؤال يتعلق بلغة الرواية وواقعها الحالي: «الرداء لا يصنع الراهب، والإناء الكريستالي لا يحتوي بالضرورة أجمل الأزهار». وهي من تصف فيروز بأنها «حنجرة الما وراء». وهي من تعبّر عن صعوبة مهمة التغيير المنوطة بها في عالم عربي بائس بالقول: «إنني لست سوى صَدَفة تحاول أن تُفرغ بحر الأحزان من مياهه». لم يكن بالأمر المستهجن تبعاً لذلك أن تبادر غادة السمان، وبجرأة نادرة، إلى أن تنشر على الملأ الرسائل العاطفية المؤثرة التي سبق لغسان كنفاني أن بعث بها إليها في منتصف ستينيات القرن الفائت. وإذ تؤكد الكاتبة على عدم امتلاكها لأي من الرسائل التي بعثت بها إلى غسان، وتناشد من يحتفظون بها أن يفرجوا عنها، تبدو مقدمتا الكتاب كافيتين تماماً لإشعارنا بأن ذلك الحب لم يكن أبداً من طرف واحد، وأن علاقة بذلك الألق والبهاء لا يجب أن تكون مدعاة للخجل، أو أن تلفها غياهب النسيان: «نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، يقرع باب ذاكرتي ويدخل بأصابعه المصفرة بالنيكوتين وإبرة (أنسولينه) وصخبه المرح، يجرني من يدي لنتسكع معاً تحت المطر، ونجلس في المقاهي مع الأصدقاء، ونتبادل الموت والحياة والفرح بلا أقنعة... والرسائل أيضاً». ولم يكن بالأمر المفاجئ في الوقت عينه أن تواجه صاحبة «لا بحر في بيروت» كل هذا القدر من الغبار والضجيج في عالم عربي تقوم معظم أدبياته على التقية الاجتماعية والأخلاقية، وعلى جعل الكتابة شأناً ذكورياً بامتياز، وأداة لإعادة إنتاج السائد في السياسة والدين والأخلاق ونظام القيم. وليس صحيحاً بأي حال الزعم بأن تقديم كنفاني في صورة العاشق المتيم يسيء إلى صورة الرجل المقاوم الذي يمثله، بل الصحيح أنه يقدم الوجه الإنساني المترع بالرقة لذلك المناضل الصلب الذي يرى في الأنوثة المحتجبة والوطن المغيب وجهين لحلم واحد، ويرى في المرأة، أنثى ومبدعة، رمزاً للجمال الأيقوني الذي يشع من وراء قبح العالم وفظاظته. ثم ألم يكن الافتتان بالمرأة المعشوقة هو الوجه الآخر للفروسية عند العرب، منذ خطر لعنترة أن يتوئم بين لمعان السيوف وبريق الشفاه، وحتى القولة الشهيرة «نحن قوم تذيبنا الأعين النجل\ على أننا نذيب الحديدا»، التي ينسبها البعض لأبي فراس الحمداني وينسبها آخرون لسواه. ولن يضير كنفاني في شيء قوله لغادة: «قيل في الهورس شو إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد»، ففي لغة العشق ليس ثمة من مجال للشعور بالمهانة، وإلا كيف نقرأ قول بابلو نيرودا لحبيبته: «أريد أصابع قدميك العشرة لكي آكل واحداً كل يوم»! ثم إن في الرسائل من جهة ثانية لغة مشدودة العصب ومترعة بالصور والمجازات: «كيف لم أتمسك بك يا هوائي وخبزي ونهاري الضحوك؟ أيتها المرأة التي مثلكِ لا يُرى، أيها الشعر الذي ولد تحت جفني مثل جناحي عصفور ولد في رحم الريح، أيتها العينان اللتان تمطران خبز القلب وملح السهول الجديبة. يا طليقة، كيف انخلعتِ هكذا عني؟ دونك لستُ إلا قطرة مطر ضائعة في سيل». تبدو رسائل أنسي الحاج من ناحية ثانية، التي نشرتها السمان بعد رحيله، مفاجئة تماماً لقراء الشاعر الذي كان شديد التكتم على علاقاته وحياته الشخصية. فقد كان أنسي من الخارج غيره من الداخل. كما لو أنه كان يحشو جنونه وفوضاه داخل لغته المباغتة في تشكّلها وتمردها على السائد، فيما كانت ملامحه وسلوكه ينضحان بالرقة والخشوع الخفر. ولعل نعته بالقديس الملعون كان الترجمة المختزلة لمثل هذه المفارقة. على أن ما يلفتنا قبل كل شيء ليس فقط تنويه السمان بأنها لم تكتب لأنسي أي رسالة، بل اكتفاؤها في الآن ذاته بتقديم «حيادي» وشديد الإيجاز تشير فيه إلى مقاهي بيروت القديمة التي كان يلتقي فيها الكتاب والمثقفون، ولم يعد لها اليوم من أثر. أما الإشارة إلى عجزها عن تمزيق الرسائل لما تحمله من قيمة أدبية عالية، فتبدو بمثابة إقرار ضمني بأن علاقتها بأنسي لم تتجاوز حدود إعجابها بتجربته الإبداعية الرائدة. وما يلفت الانتباه أيضاً هو توضيحها للقراء أن أنسي لم يكن متزوجاً لدى كتابة رسائله إليها، فيما لم نجد في تقديمها لرسائل كنفاني مثل هذا التوضيح، كما لو أن الحب عندها لا سواه هو ما يعطي للعلاقات مسوغها ومشروعيتها الأخلاقية. واللافت هنا أن رسائل الحاج السبع كُتبت جميعها في الشهر الأخير من عام 1963 ثم انقطعت بعد ذلك، بما يشير إلى احتمالين اثنين، أولهما انتصار الكاتب لكرامته حين لم يلق من المرأة المعشوقة أي استجابة، وثانيهما أن يكون ما أقدم عليه مجرد مغامرة عاطفية جامحة سرعان ما خمدت نيرانها حين لم تجد سبيلاً إلى التحقق. «إنني بحاجة إليك» يقول أنسي لغادة في غير مناسبة. ولأنه ليس متأكداً من العكس فهو يبذل كل طاقته لكي يثبت لها صدق مشاعره نحوها ووطأة مكابداته. وحيث لا تأتي من الطرف المعشوق إشارات كافية للاطمئنان، تنفلت اللغة من عقالها لتتحول إلى حمى هذيانية ونداءات بلا عناوين: «اذهب أنت. اخرجوا من هنا بسرعة. خذوا الكراسي معكم. كُلوني في الخارج. لا أريد أن أرى أحداً. أحرقوا الكتب جيداً وفلّتوا الذئاب. اتركوا المفاتيح أمامي». وفي خطاب العشق الهذياني هذا ثمة دائماً حالات متناقضة تختلط فيها مشاعر الخجل والانسحاق والندم وتأنيب الذات وصولاً إلى هواجس الجنون والموت. وإذا كان هلدرلن قد رأى الحب بوصفه نوعاً من المرض المخجل، فإن أنسي يعتبر نفسه «مريضاً بسرطان الزمن والخيبة»، في استشراف حدسي مبكر للمرض الذي قتله بعد أكثر من خمسة عقود. لقد وعدتنا غادة السمان أخيراً بكشف المزيد من المستور، وبنشر المزيد من الرسائل المودعة في مكان من قلبها شديد الظمأ إلى الحب، وفي مكان من عقلها بالغ الاستنارة. وإذا كان هذا الوعد موضع ترحيب واسع من قبَل الأوساط الثقافية العربية، كما يتراءى لي، فإن من حقنا جميعاً أن نطالب الكاتبة التي جعلت من البومة شعارها الأثير أن تُخرج رسائلها العاطفية من ظلمة الأدراج، ليس فقط لكي تقف مع الذين عشقوها على أرض الاعتراف المتبادل والجرأة المتكافئة. بل لكي تميط لقرائها اللثام عن أكثر وجوهها الأدبية التصاقاً بالقلب والتوتر التعبيري والمغامرة الإنسانية. المصدر: الشرق الأوسط]]> شوقي بزيع ليست الكتابة في عمقها سوى رسائل من نوع ما يبعث بها الكتّاب إلى جهات متعددة العناوين، دون أن يتلقوا بالضرورة إجابات عنها. وهذه الجهات قد تكون أنفسهم بالذات، وقد تكون بشراً أو أماكن وأزمنة مفقودة. قد تكون مسدّدة باتجاه المرئي الذي يهمنا أن نبوح له بمكنوناتنا ونتبادل معه الشجون والهواجس ووجيب القلب، أو باتجاه المجهول واللامرئي المستتر وراء غموضه الملغز، كما هو شأن الحياة والحب والموت ومعنى الوجود وأسئلته المرهقة. على أن ثمة فوارق غير قليلة بين الرسائل العامة التي تقارب شتى مناحي الحياة ووجوهها والمعَدّة أصلاً للنشر، وبين الرسائل الشخصية التي يكتبها العاشقون على نحو خاص من دون أن يضعوا في حسبانهم إمكانية تعميمها ودفعها إلى النشر في يوم من الأيام. فحيث يحرص الكاتب في النوع الأول، ومن ضمنه المذكرات والاعترافات وأدب السيرة، على إخفاء قدْر قليل أو كثير من سلوكياته وعيوبه وعوالمه الداخلية، يتخلى في النوع الثاني عن تحفظاته وأقنعته، ويقدم للطرف الآخر كشف حساب تفصيلي عن كل مكابداته وهواجسه ومشاعره المتأججة. وإذا كانت وسائل التواصل الشخصي بين البشر، بدءاً من الحمام الزاجل وعلَب البريد وسعاته ووصولاً إلى الرسائل الإلكترونية، قد حفلت بملايين الرسائل الركيكة أو البليغة، فإن بعض الرسائل العاطفية التي تبادلها عبر الزمن مبدعون ومبدعات متميزون، ترقى من حيث أساليبها التعبيرية العالية وعمقها الدلالي إلى مستويات الأدب الرفيع الذي يتجاوز طابعه العلاقات الثنائية المغلقة على نيرانها ليلامس الأغوار الأخيرة للنفس الإنسانية والهواجس المشتركة بين البشر. لا بل إن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز يذهب إلى أبعد من ذلك، فيعتبر أن «كل كتابة هي رسالة حب من نوع ما، وأن على المرء ألا يموت إلا بواسطة هذا الحب، وبواسطته يكتب أو يكفّ عن الكتابة». تبدو الرسائل الأدبية من بعض وجوهها نوعاً من التعازيم التي تهدف إلى الانصهار بالآخر، أو ردم الهوة التي تفصلنا عنه، أو لاستعادته من عهدة الفقدان. كذلك كان حال تيد هيوز الذي أهدى لزوجته الشاعرة سيلفيا بلاث ديوانه الشعري «رسائل عيد الميلاد»، بعد انتحارها المأساوي بسنوات، أو حال جمال الغيطاني الذي حاول في «رسالة في الصبابة والوجد» أن يربط بين حضارة سمرقند الغائرة في قلب التاريخ، وبين الجمال الأنثوي الذي ثُلم قلبه بين قبابها. ومع ذلك فإن الرسائل العاطفية المباشرة تكتسب نكهة خاصة لأنها أقرب إلى البوح الداخلي وهتْك الأحشاء منها إلى الرصانة والحذر وحسابات الرقابة الاجتماعية والأخلاقية. وهي إذ تُنشر على الملأ بعد ذلك، توفر للقارئ النهِم متعة الفضول والتلصص على الحيوات الغامضة لكبار المبدعين وما يكتنفها من تناقضات وشوائب وتصدعات داخلية عميقة. ولهذا تلقف القراء بشغف بالغ الرسائل المتبادلة بين جبران خليل جبران ومي زيادة، أو تلك التي تبادلها هنري ميلر وإنييس نن، أو سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر. إن كاف المخاطبَ التي يعتمدها العشاق في رسائلهم تتجاوز الاسم الشخصي للمرسل إليه لتتحول إلى أداة للتقريب بين كل من لفحتهم رياح العشق، أو من ينتظرون بلا طائل حبيباً أرهقهم صدوده أو غيابه الطويل... قد لا تكون الرسائل الشخصية والعاطفية التي يعمد كتّاب الغرب وساسته وفنانوه إلى نشرها على الملأ مدعاة للدهشة أو الاستهجان، لأن هؤلاء ليسوا محكومين بالتابوهات الاجتماعية والأخلاقية التي تجعل من كل اعتراف حميم أو بوح متجرئ نوعاً من الفضيحة الشخصية المجلجلة. وحيث يتحول أدب السيرة الغربي إلى شهادة صادقة عن الحياة الفعلية التي عاشها الكاتب، فإن معظم النماذج التي قدمها أدب السيرة العربي يعتمد على تمويه الحقائق والتستر على العيوب، وتقدم الحياة كما يرغب الكاتب في عيشها، لا كما حدثت بالفعل. وقد تكون غادة السمان من هذه الزاوية هي إحدى الرائدات الأكثر جرأة على انتهاك المحظورات، والأكثر إسهاماً في دحض المفاهيم الذكورية السائدة في بلاد العرب. ولعله من باب الإنصاف بالطبع أن نذكر نساء مماثلات، من أمثال ليلى بعلبكي في روايتها «أنا أحيا»، وأمل جراح في «الرواية الملعونة»، وصولاً إلى حنان الشيخ ونوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وغيرهن. لكن ما يميز غادة السمان، فضلاً عن الأهمية البالغة للسبق الزمني، هو ثراؤها الإبداعي الصادر عن شغف بالحياة قلّ نظيره، وعن شرر داخلي لا يتردد في توزيع نفسه بين الرواية والقصة والمقالة والشعر. وحتى في حواراتها الصحافية التي صدر آخرها في كتاب جامع تحت عنوان «تعرية كاتبة تحت المجهر»، نعثر على الكثير من اللقى والإصابات اللماحة التي لا تكف صاحبة «السباحة في بحيرة الشيطان» عن تسديدها إلى عقول القراء وقلوبهم في آن. فهي من تقول في إجابتها عن سؤال يتعلق بلغة الرواية وواقعها الحالي: «الرداء لا يصنع الراهب، والإناء الكريستالي لا يحتوي بالضرورة أجمل الأزهار». وهي من تصف فيروز بأنها «حنجرة الما وراء». وهي من تعبّر عن صعوبة مهمة التغيير المنوطة بها في عالم عربي بائس بالقول: «إنني لست سوى صَدَفة تحاول أن تُفرغ بحر الأحزان من مياهه». لم يكن بالأمر المستهجن تبعاً لذلك أن تبادر غادة السمان، وبجرأة نادرة، إلى أن تنشر على الملأ الرسائل العاطفية المؤثرة التي سبق لغسان كنفاني أن بعث بها إليها في منتصف ستينيات القرن الفائت. وإذ تؤكد الكاتبة على عدم امتلاكها لأي من الرسائل التي بعثت بها إلى غسان، وتناشد من يحتفظون بها أن يفرجوا عنها، تبدو مقدمتا الكتاب كافيتين تماماً لإشعارنا بأن ذلك الحب لم يكن أبداً من طرف واحد، وأن علاقة بذلك الألق والبهاء لا يجب أن تكون مدعاة للخجل، أو أن تلفها غياهب النسيان: «نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، يقرع باب ذاكرتي ويدخل بأصابعه المصفرة بالنيكوتين وإبرة (أنسولينه) وصخبه المرح، يجرني من يدي لنتسكع معاً تحت المطر، ونجلس في المقاهي مع الأصدقاء، ونتبادل الموت والحياة والفرح بلا أقنعة... والرسائل أيضاً». ولم يكن بالأمر المفاجئ في الوقت عينه أن تواجه صاحبة «لا بحر في بيروت» كل هذا القدر من الغبار والضجيج في عالم عربي تقوم معظم أدبياته على التقية الاجتماعية والأخلاقية، وعلى جعل الكتابة شأناً ذكورياً بامتياز، وأداة لإعادة إنتاج السائد في السياسة والدين والأخلاق ونظام القيم. وليس صحيحاً بأي حال الزعم بأن تقديم كنفاني في صورة العاشق المتيم يسيء إلى صورة الرجل المقاوم الذي يمثله، بل الصحيح أنه يقدم الوجه الإنساني المترع بالرقة لذلك المناضل الصلب الذي يرى في الأنوثة المحتجبة والوطن المغيب وجهين لحلم واحد، ويرى في المرأة، أنثى ومبدعة، رمزاً للجمال الأيقوني الذي يشع من وراء قبح العالم وفظاظته. ثم ألم يكن الافتتان بالمرأة المعشوقة هو الوجه الآخر للفروسية عند العرب، منذ خطر لعنترة أن يتوئم بين لمعان السيوف وبريق الشفاه، وحتى القولة الشهيرة «نحن قوم تذيبنا الأعين النجل\ على أننا نذيب الحديدا»، التي ينسبها البعض لأبي فراس الحمداني وينسبها آخرون لسواه. ولن يضير كنفاني في شيء قوله لغادة: «قيل في الهورس شو إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد»، ففي لغة العشق ليس ثمة من مجال للشعور بالمهانة، وإلا كيف نقرأ قول بابلو نيرودا لحبيبته: «أريد أصابع قدميك العشرة لكي آكل واحداً كل يوم»! ثم إن في الرسائل من جهة ثانية لغة مشدودة العصب ومترعة بالصور والمجازات: «كيف لم أتمسك بك يا هوائي وخبزي ونهاري الضحوك؟ أيتها المرأة التي مثلكِ لا يُرى، أيها الشعر الذي ولد تحت جفني مثل جناحي عصفور ولد في رحم الريح، أيتها العينان اللتان تمطران خبز القلب وملح السهول الجديبة. يا طليقة، كيف انخلعتِ هكذا عني؟ دونك لستُ إلا قطرة مطر ضائعة في سيل». تبدو رسائل أنسي الحاج من ناحية ثانية، التي نشرتها السمان بعد رحيله، مفاجئة تماماً لقراء الشاعر الذي كان شديد التكتم على علاقاته وحياته الشخصية. فقد كان أنسي من الخارج غيره من الداخل. كما لو أنه كان يحشو جنونه وفوضاه داخل لغته المباغتة في تشكّلها وتمردها على السائد، فيما كانت ملامحه وسلوكه ينضحان بالرقة والخشوع الخفر. ولعل نعته بالقديس الملعون كان الترجمة المختزلة لمثل هذه المفارقة. على أن ما يلفتنا قبل كل شيء ليس فقط تنويه السمان بأنها لم تكتب لأنسي أي رسالة، بل اكتفاؤها في الآن ذاته بتقديم «حيادي» وشديد الإيجاز تشير فيه إلى مقاهي بيروت القديمة التي كان يلتقي فيها الكتاب والمثقفون، ولم يعد لها اليوم من أثر. أما الإشارة إلى عجزها عن تمزيق الرسائل لما تحمله من قيمة أدبية عالية، فتبدو بمثابة إقرار ضمني بأن علاقتها بأنسي لم تتجاوز حدود إعجابها بتجربته الإبداعية الرائدة. وما يلفت الانتباه أيضاً هو توضيحها للقراء أن أنسي لم يكن متزوجاً لدى كتابة رسائله إليها، فيما لم نجد في تقديمها لرسائل كنفاني مثل هذا التوضيح، كما لو أن الحب عندها لا سواه هو ما يعطي للعلاقات مسوغها ومشروعيتها الأخلاقية. واللافت هنا أن رسائل الحاج السبع كُتبت جميعها في الشهر الأخير من عام 1963 ثم انقطعت بعد ذلك، بما يشير إلى احتمالين اثنين، أولهما انتصار الكاتب لكرامته حين لم يلق من المرأة المعشوقة أي استجابة، وثانيهما أن يكون ما أقدم عليه مجرد مغامرة عاطفية جامحة سرعان ما خمدت نيرانها حين لم تجد سبيلاً إلى التحقق. «إنني بحاجة إليك» يقول أنسي لغادة في غير مناسبة. ولأنه ليس متأكداً من العكس فهو يبذل كل طاقته لكي يثبت لها صدق مشاعره نحوها ووطأة مكابداته. وحيث لا تأتي من الطرف المعشوق إشارات كافية للاطمئنان، تنفلت اللغة من عقالها لتتحول إلى حمى هذيانية ونداءات بلا عناوين: «اذهب أنت. اخرجوا من هنا بسرعة. خذوا الكراسي معكم. كُلوني في الخارج. لا أريد أن أرى أحداً. أحرقوا الكتب جيداً وفلّتوا الذئاب. اتركوا المفاتيح أمامي». وفي خطاب العشق الهذياني هذا ثمة دائماً حالات متناقضة تختلط فيها مشاعر الخجل والانسحاق والندم وتأنيب الذات وصولاً إلى هواجس الجنون والموت. وإذا كان هلدرلن قد رأى الحب بوصفه نوعاً من المرض المخجل، فإن أنسي يعتبر نفسه «مريضاً بسرطان الزمن والخيبة»، في استشراف حدسي مبكر للمرض الذي قتله بعد أكثر من خمسة عقود. لقد وعدتنا غادة السمان أخيراً بكشف المزيد من المستور، وبنشر المزيد من الرسائل المودعة في مكان من قلبها شديد الظمأ إلى الحب، وفي مكان من عقلها بالغ الاستنارة. وإذا كان هذا الوعد موضع ترحيب واسع من قبَل الأوساط الثقافية العربية، كما يتراءى لي، فإن من حقنا جميعاً أن نطالب الكاتبة التي جعلت من البومة شعارها الأثير أن تُخرج رسائلها العاطفية من ظلمة الأدراج، ليس فقط لكي تقف مع الذين عشقوها على أرض الاعتراف المتبادل والجرأة المتكافئة. بل لكي تميط لقرائها اللثام عن أكثر وجوهها الأدبية التصاقاً بالقلب والتوتر التعبيري والمغامرة الإنسانية. المصدر: الشرق الأوسط]]> 120651 “غرب القاش” عنوان الرواية الأولى للصحافية اليمنية محاسن الحواتي: حكاية المرأة والنهر http://www.souriyati.com/2019/03/18/120513.html Mon, 18 Mar 2019 11:41:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/18/120513.html "غرب القاش" عنوان الرواية الأولى التي صدرت للصحافية اليمنية محاسن الحواتي (1969) عن دار "آي كتب" البريطانية، وهو خيار يعود إلى إغلاق دور الطباعة في اليمن نتيجة الحرب الدائرة منذ أربعة أعوام. تقتبس الكاتبة عنوان روايتها من اسم أحد أحياء مدينة كسلا (شرقي السودان)، هو أيضاً مسقط رأس الكاتبة قبل عودة أبويها إلى اليمن في ثمانينيات القرن الماضي. وقد اختارت المؤلفة أن تدير خيوط حكايتها سيدةٌ مسنّة فقدت ذاكرتها بفعل تراكمات الحياة البائسة التي كابدتها في القرية إلى جانب تقدّم العمر والضغوطات النفسية التي عانتها كغيرها من الفقراء. عمدت الحواتي، وهي الصحافية المنهمكة بقضايا المرأة والجندر، إلى إبراز ظلم العادات والتقاليد السلبية للمرأة في السودان والكثير من البلدان العربية، والتمييز بين الأبناء، إذ تسرد البطلة (مكية) سنوات طفولتها وكيف فاض نهر القاش وهدّم كل البيوت وكيف تُركت مكية وأمها وأختها للغرق لولا تدخل بعض الرجال لإنقاذهن، فقد تركهن والدها وحمل على كتفيه ولديه الذكرين. تعكس الرواية تعايش الجنسيات التي سكنت غرب القاش، من يمنيين، ومغاربة، وأرمن، وهنود، ونيجيريين، وإثيوبيين، وإريتريين، وحتى الصوماليين وغيرهم من القبائل السودانية، في منطقة عرفت التعايش السلمي والتثاقف، واحترام الأديان والمذاهب. كما كانت المنطقة مساحة لحرية النقد وهو ما كان يخفف من هموم البسطاء الذين تقاسموا البؤس والمسرّات. النهر والجبل ومكية، ثلاثة عناصر في الرواية جسّدت علاقة النهر بالمكان وأهالي غرب القاش، كما جسدت قوة وصلابة المرأة التي واجهته وتحدته وهي تكبر وتتعملق كلما اقتربت منه، حاملة معها فكراً رافضاً لتلك الممارسات التي تجعل من المرأة مجرد أداة بيد الرجل، فأثناء خروجها ذات يوم صوب النهر لمواجهته، كانت تتحدث مع كل من في طريقها إلى أن دخلت الماء فـ"حاول النهر اقتلاعها دون جدوى"، لكنها نجحت في الوصول إلى الضفة الأخرى، هنا تحوّلت مكية إلى لون الشمس وبدأت تتصدع وتتناثر قطعاً وتتلاشى. ينتهي العمل بخاتمة عجائبية أرادت الروائية من خلالها إظهار مدى قوة وصلابة المرأة في مواجهة تلك العادات والممارسات التي تكبّل حريتها وتخنق حياتها، فالنهر، إلى جانب وجوده في القرية، يرمز إلى تلك القيود المفروضة على المرأة، والتي واجهتها مكية خلال صراعها مع النهر وهو يحاول أن يجرفها بتياره العنيف، كما واجهته في طفولتها وهي توشك على الغرق. ورغم أنها صمدت في وجه النهر والعائلة لكن كبرت بسرعة تفوق قدرتها على الاحتمال وانفجرت في نهاية المطاف ذاكرتها. قبل هذه الرواية، صدر للحواتي أربع مجموعات قصصية هي: "الحكم على زينب" (2002)، و"ممنوع اصطحاب الأطفال" (2004)، و"صنعاء التي" (2007)، و"هتلر مرّ من هنا" (2016)، إلى جانب دراسات، من بينها: "الملكة أروى وتجربة الحكم"، و"صورة الرجل في رواية أحلام نبيلة" و"العنف العائلي في اليمن". المصدر: العربي الجديد - صنعاء - عبد القادر عثمان]]> "غرب القاش" عنوان الرواية الأولى التي صدرت للصحافية اليمنية محاسن الحواتي (1969) عن دار "آي كتب" البريطانية، وهو خيار يعود إلى إغلاق دور الطباعة في اليمن نتيجة الحرب الدائرة منذ أربعة أعوام. تقتبس الكاتبة عنوان روايتها من اسم أحد أحياء مدينة كسلا (شرقي السودان)، هو أيضاً مسقط رأس الكاتبة قبل عودة أبويها إلى اليمن في ثمانينيات القرن الماضي. وقد اختارت المؤلفة أن تدير خيوط حكايتها سيدةٌ مسنّة فقدت ذاكرتها بفعل تراكمات الحياة البائسة التي كابدتها في القرية إلى جانب تقدّم العمر والضغوطات النفسية التي عانتها كغيرها من الفقراء. عمدت الحواتي، وهي الصحافية المنهمكة بقضايا المرأة والجندر، إلى إبراز ظلم العادات والتقاليد السلبية للمرأة في السودان والكثير من البلدان العربية، والتمييز بين الأبناء، إذ تسرد البطلة (مكية) سنوات طفولتها وكيف فاض نهر القاش وهدّم كل البيوت وكيف تُركت مكية وأمها وأختها للغرق لولا تدخل بعض الرجال لإنقاذهن، فقد تركهن والدها وحمل على كتفيه ولديه الذكرين. تعكس الرواية تعايش الجنسيات التي سكنت غرب القاش، من يمنيين، ومغاربة، وأرمن، وهنود، ونيجيريين، وإثيوبيين، وإريتريين، وحتى الصوماليين وغيرهم من القبائل السودانية، في منطقة عرفت التعايش السلمي والتثاقف، واحترام الأديان والمذاهب. كما كانت المنطقة مساحة لحرية النقد وهو ما كان يخفف من هموم البسطاء الذين تقاسموا البؤس والمسرّات. النهر والجبل ومكية، ثلاثة عناصر في الرواية جسّدت علاقة النهر بالمكان وأهالي غرب القاش، كما جسدت قوة وصلابة المرأة التي واجهته وتحدته وهي تكبر وتتعملق كلما اقتربت منه، حاملة معها فكراً رافضاً لتلك الممارسات التي تجعل من المرأة مجرد أداة بيد الرجل، فأثناء خروجها ذات يوم صوب النهر لمواجهته، كانت تتحدث مع كل من في طريقها إلى أن دخلت الماء فـ"حاول النهر اقتلاعها دون جدوى"، لكنها نجحت في الوصول إلى الضفة الأخرى، هنا تحوّلت مكية إلى لون الشمس وبدأت تتصدع وتتناثر قطعاً وتتلاشى. ينتهي العمل بخاتمة عجائبية أرادت الروائية من خلالها إظهار مدى قوة وصلابة المرأة في مواجهة تلك العادات والممارسات التي تكبّل حريتها وتخنق حياتها، فالنهر، إلى جانب وجوده في القرية، يرمز إلى تلك القيود المفروضة على المرأة، والتي واجهتها مكية خلال صراعها مع النهر وهو يحاول أن يجرفها بتياره العنيف، كما واجهته في طفولتها وهي توشك على الغرق. ورغم أنها صمدت في وجه النهر والعائلة لكن كبرت بسرعة تفوق قدرتها على الاحتمال وانفجرت في نهاية المطاف ذاكرتها. قبل هذه الرواية، صدر للحواتي أربع مجموعات قصصية هي: "الحكم على زينب" (2002)، و"ممنوع اصطحاب الأطفال" (2004)، و"صنعاء التي" (2007)، و"هتلر مرّ من هنا" (2016)، إلى جانب دراسات، من بينها: "الملكة أروى وتجربة الحكم"، و"صورة الرجل في رواية أحلام نبيلة" و"العنف العائلي في اليمن". المصدر: العربي الجديد - صنعاء - عبد القادر عثمان]]> 120513 فيرونيكا تقرر أن تموت: عمل كلاسيكي آخر للأديب البرازيلي باولو كويلو http://www.souriyati.com/2019/03/18/120478.html Mon, 18 Mar 2019 11:24:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/18/120478.html يحكى أنه في سالف العصر والأوان، أن ساحراً أراد الانتقام من أحد الملوك فدس فى بئر المدينة جرعة سحرية بحيث بات كل من يشرب من هذا البئر يجن. وقد شرب كل سكان المدينة من البئر فجنوا، وباتوا يرون القرارات والتشريعات التي يصدرها الملك جنوناً، فتوجهوا إلى القصر مطالبين بعزله. يئس الملك وقرر التنازل عن العرش، إلا أن زوجته الملكة اقترحت عليه أن يشربوا من بئر المدينة فيصبحوا مثل سكانها. وهكذا فعل الملك، فرأى الناس في قراراته كل الحكمة وتراجعوا عن المطالبة بعزله، وبقي الملك المجنون على عرش المملكة حتى مات! واضح طبعاً أن عنوان المقال يشير إلى رواية الكاتب البرازيلي الشهير "باولو كويلو": فيرونكا تقرر أن تموت. وفي الحقيقة أغلب كتابات (كويلو) يمكن تلخيصها في معنى واحد وهو البحث عن الذات. وأكثر ما جذبني لهذه الرواية في الواقع هو العنوان. وأول ما طرأ على ذهني لحظتها هو لماذا؟ لماذا تقرر فيرونيكا أن تموت؟ ولماذا يقرر أي شخص فجأة أًن يموت؟ تعددت الأسباب والموت واحد. لكن الحقيقة أن الرواية لم تكن تدور حول الأسباب التي جعلت فيرونيكا تقرر أن تموت. ولكن عما حدث عندما قررت أن تموت. عن رواية فيرونيكا تقرر أن تموت الرواية باختصار تحكي عن فيرونكا الفتاة الشابة المحاطة بكل وسائل الرفاهية لدرجة أنها تقرر الانتحار من فرط الملل. وترسل إلى مجلة مدعية أنها انتحرت لأن الناس لا تعرف أين تقع دولة سلوفينيا! فتبتلع أقراص منومة لكنها تفتح عينيها لتجد أنها فى مصح للأمراض العقلية -حيث تدور أحداث الرواية- وهناك يخبرها الأطباء أنها ستموت بعد سبعة أيام وهي الفترة الزمنية التي تستغرقها أحداث الرواية. وهناك في (فيليت) -وهو اسم المصح العقلي- تصطدم (فيرونيكا) بنماذج مختلفة من البشر لتكتشف ذاتها الحقيقية والمعنى الحقيقي للكثير من المفاهيم. ومع اقترابها من الموت تكتشف أنه في الواقع كل لحظة تمضي من وجودها هي خيار بين الحياة أو الموت. وأن الأسباب التي اعتقدت في السابق أنها أسباب مقنعة للموت هي في الواقع أشد الأسباب التي تدعوها للتشبث بالحياة. ومن خلال رحلتها داخل المصح تؤثر فيرونيكا على حياة غيرها من الأشخاص وهو ما لم تلاحظه أبداً خارج المصح. كما تتعرض للمعنى الحقيقي للجنون وهو ما ذكرته أنا في بداية المقال: قصة المملكة التي شرب سكانها من بئر الجنون ليعتقدوا فيما بعد أن كل ما يخالف رؤيتهم جنوناً. فيصبح العاقل في نظرهم مجنوناً حتى يقرر أن يشرب أيضاً من نفس البئر. عيش الحياة تتعرض الرواية أيضاً لقضية أخرى وهي القدرة على الاستمتاع بالمشاعر. فأغلب البشر يحيد مشاعره تماماً فلا يترك نفسه يفرح بصدق أو حتى يحزن بحرية. أكتب الآن وأنا أتذكر العبارة الدعائية لمنتج مشهور (لو ده جنان أتجنن). بالفعل أغلبنا فقد نفسه تماماً في دوامة تحييد المشاعر التي تفرضها علينا الحياة. وفي هذا الأمر تقول فيرونيكا: “لم أشعر يوماً بالكآبة تعتريني، أو بسعادة غامرة أو بحزن كبير، أو أقله بشعور طال”. كثيراً ما ننكر مشاعرنا أو نكبتها ولا نسمح لأنفسنا أن نعيش إلا مشاعر معينة فينتهي بنا الأمر وقد فقدنا قدرتنا على عيشها كلها، فنشعر بمشاعر باهتة كمن ينظر بغير نظارة. إنه يرى ولكن الرؤية لديه مشوشة، أو كمن يعاني من نزلة برد فلا يتذوق الطعام، إنه يأكل لكنه لا يتذوق. وعندما ننكر مشاعرنا ونكبتها ولا نعبر عنها، فإننا قد لا نتألم بشكل كبير ولكننا أيضاً لا نفرح بشكل كبير. الرواية رحلة مذهلة لاكتشاف الذات من جديد. وخلاصة الأمر أن أغلبنا (فيرونيكا) بشكل أو بأخر. لن أكتب عن نهاية الرواية لكنني سأخبركم بما حدث عندما قررت فيرونيكا أن تموت. لقد اكتشفت أن الحياة تستحق أن تعاش، وأن كل ما اعتقدته في الماضي أسباب كافية للموت هو في الواقع أسباب تدعو للحياة فالحياة مهما طالت قصيرة وكل لحظة تصنع ذكرى هي حدث يستحق أن نعيشه ونشعر بتفاصيله. لا داعي لأن نعود من الموت لنكتشف أنفسنا من جديد كما فعلت (فيرونيكا). يكفي فقط أن نترك لمشاعرنا الحرية ولأنفسنا ولغيرنا الفرصة. ولا ننسى أبداً أن كل يوم هو فرصة جديدة يكفي فقط أن يبدأ اليوم وتشرق الشمس. المصدر: أراجيك]]> يحكى أنه في سالف العصر والأوان، أن ساحراً أراد الانتقام من أحد الملوك فدس فى بئر المدينة جرعة سحرية بحيث بات كل من يشرب من هذا البئر يجن. وقد شرب كل سكان المدينة من البئر فجنوا، وباتوا يرون القرارات والتشريعات التي يصدرها الملك جنوناً، فتوجهوا إلى القصر مطالبين بعزله. يئس الملك وقرر التنازل عن العرش، إلا أن زوجته الملكة اقترحت عليه أن يشربوا من بئر المدينة فيصبحوا مثل سكانها. وهكذا فعل الملك، فرأى الناس في قراراته كل الحكمة وتراجعوا عن المطالبة بعزله، وبقي الملك المجنون على عرش المملكة حتى مات! واضح طبعاً أن عنوان المقال يشير إلى رواية الكاتب البرازيلي الشهير "باولو كويلو": فيرونكا تقرر أن تموت. وفي الحقيقة أغلب كتابات (كويلو) يمكن تلخيصها في معنى واحد وهو البحث عن الذات. وأكثر ما جذبني لهذه الرواية في الواقع هو العنوان. وأول ما طرأ على ذهني لحظتها هو لماذا؟ لماذا تقرر فيرونيكا أن تموت؟ ولماذا يقرر أي شخص فجأة أًن يموت؟ تعددت الأسباب والموت واحد. لكن الحقيقة أن الرواية لم تكن تدور حول الأسباب التي جعلت فيرونيكا تقرر أن تموت. ولكن عما حدث عندما قررت أن تموت. عن رواية فيرونيكا تقرر أن تموت الرواية باختصار تحكي عن فيرونكا الفتاة الشابة المحاطة بكل وسائل الرفاهية لدرجة أنها تقرر الانتحار من فرط الملل. وترسل إلى مجلة مدعية أنها انتحرت لأن الناس لا تعرف أين تقع دولة سلوفينيا! فتبتلع أقراص منومة لكنها تفتح عينيها لتجد أنها فى مصح للأمراض العقلية -حيث تدور أحداث الرواية- وهناك يخبرها الأطباء أنها ستموت بعد سبعة أيام وهي الفترة الزمنية التي تستغرقها أحداث الرواية. وهناك في (فيليت) -وهو اسم المصح العقلي- تصطدم (فيرونيكا) بنماذج مختلفة من البشر لتكتشف ذاتها الحقيقية والمعنى الحقيقي للكثير من المفاهيم. ومع اقترابها من الموت تكتشف أنه في الواقع كل لحظة تمضي من وجودها هي خيار بين الحياة أو الموت. وأن الأسباب التي اعتقدت في السابق أنها أسباب مقنعة للموت هي في الواقع أشد الأسباب التي تدعوها للتشبث بالحياة. ومن خلال رحلتها داخل المصح تؤثر فيرونيكا على حياة غيرها من الأشخاص وهو ما لم تلاحظه أبداً خارج المصح. كما تتعرض للمعنى الحقيقي للجنون وهو ما ذكرته أنا في بداية المقال: قصة المملكة التي شرب سكانها من بئر الجنون ليعتقدوا فيما بعد أن كل ما يخالف رؤيتهم جنوناً. فيصبح العاقل في نظرهم مجنوناً حتى يقرر أن يشرب أيضاً من نفس البئر. عيش الحياة تتعرض الرواية أيضاً لقضية أخرى وهي القدرة على الاستمتاع بالمشاعر. فأغلب البشر يحيد مشاعره تماماً فلا يترك نفسه يفرح بصدق أو حتى يحزن بحرية. أكتب الآن وأنا أتذكر العبارة الدعائية لمنتج مشهور (لو ده جنان أتجنن). بالفعل أغلبنا فقد نفسه تماماً في دوامة تحييد المشاعر التي تفرضها علينا الحياة. وفي هذا الأمر تقول فيرونيكا: “لم أشعر يوماً بالكآبة تعتريني، أو بسعادة غامرة أو بحزن كبير، أو أقله بشعور طال”. كثيراً ما ننكر مشاعرنا أو نكبتها ولا نسمح لأنفسنا أن نعيش إلا مشاعر معينة فينتهي بنا الأمر وقد فقدنا قدرتنا على عيشها كلها، فنشعر بمشاعر باهتة كمن ينظر بغير نظارة. إنه يرى ولكن الرؤية لديه مشوشة، أو كمن يعاني من نزلة برد فلا يتذوق الطعام، إنه يأكل لكنه لا يتذوق. وعندما ننكر مشاعرنا ونكبتها ولا نعبر عنها، فإننا قد لا نتألم بشكل كبير ولكننا أيضاً لا نفرح بشكل كبير. الرواية رحلة مذهلة لاكتشاف الذات من جديد. وخلاصة الأمر أن أغلبنا (فيرونيكا) بشكل أو بأخر. لن أكتب عن نهاية الرواية لكنني سأخبركم بما حدث عندما قررت فيرونيكا أن تموت. لقد اكتشفت أن الحياة تستحق أن تعاش، وأن كل ما اعتقدته في الماضي أسباب كافية للموت هو في الواقع أسباب تدعو للحياة فالحياة مهما طالت قصيرة وكل لحظة تصنع ذكرى هي حدث يستحق أن نعيشه ونشعر بتفاصيله. لا داعي لأن نعود من الموت لنكتشف أنفسنا من جديد كما فعلت (فيرونيكا). يكفي فقط أن نترك لمشاعرنا الحرية ولأنفسنا ولغيرنا الفرصة. ولا ننسى أبداً أن كل يوم هو فرصة جديدة يكفي فقط أن يبدأ اليوم وتشرق الشمس. المصدر: أراجيك]]> 120478 الصادق النيهوم… الرحيل الإجباري http://www.souriyati.com/2019/03/15/120343.html Fri, 15 Mar 2019 11:55:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/15/120343.html كان النيهوم قد غادر ليبيا في بداية السبعينات بعد أن عرف أن أفكاره وشهرة كتاباته ستسبب له المضايقات من السلطة، خاصة بعد أن حدثت مشادات بينه وبين بعض من أعضاء مجلس قيادة الثورة. لذا اختار أن يرحل بهدوء وسكينة من أن يثير أية مشاكل، مما دفع السلطات لأن تصدر قراراً بإنشاء دار نشر في خارج ليبيا يكون النيهوم على رأسها. كان النيهوم مفكراً استثنائياً حاول كتابة التاريخ بشكله الصحيح، وقراءة ناضجة للفكر الديني، في دولة القذافي التي كانت تروج لفكر القذافي ووصفه بـ«المفكر الأوحد»، الذي جاء بالكتيب الأخضير، ومنع كتب المفكرين والشعراء. لقد تعرض النيهوم للاضطهاد من قيادات في نظام القذافي في ندوة كانت عقدت بداية السبعينات وسميت «الفكر الثوري» وتجاوز فيها القمع الفكري وتكميم الأفواه إلى التهديد بالقتل، وقد تُخلص منه - كما أشرنا - حتى لا يبقى داخل البلاد خوفاً من أفكاره. بيد أن هناك من يقول إن السبب في عدم تخلص النظام منه، هو أن نجم النيهوم برز في ستينات القرن الماضي، وقبل الفاتح من سبتمبر 1969، فالنيهوم كان ينشر أفكاره في الصحف الليبية المحلية ومنها صحيفة «الحقيقة»، التي كانت تنفد من الأكشاك في الصباح يوم نشر عمود النيهوم الاستثنائي. لذا فإن عملية إبعاده لم تكن بالسهولة. طرح النيهوم أفكاراً من بينها البحث عن دور فعال للجامع، وتجديد الخطاب الديني، لهذا تساءل النيهوم في أفكاره وكتبه عمّن سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة؟ فوجده «إسلام ضد الإسلام»، في بلاد الإسلام، حيث «الفرسان بلا معركة» وحيث «الذي يأتي ولا يأتي» وغيرها، وجميعها عناوين لكتب للنيهوم. النيهوم الذي كتب رواية «القرود» والتي حاول إسقاط الكثير من الملامح، ومنها عن بعض الزعامات الكرتونية، والتي أغرق في وصفها، مما تسبب بمنعها في ليبيا، خشية تأويلها تأويلاً خاطئاً. النيهوم المفكر المجدد الذي قال إن «الإسلام الذي ورثناه عن أسلافنا ليس هو الإسلام الذي بشر به القرآن، بل نسخة ناقصة عنه ومشوهة، صنعها الإقطاع على مقاسه». ويتناول النيهوم كيف تم الخلط بين الدين والتدين، رغم أن الأول هو الأصل والمصدر والثاني هو سلوك. الحديث عن كتابات النيهوم وأفكاره، كان دائماً هاجس الرقيب، في حين كان النيهوم يتحدث فكراً، كان ينبغي الحديث معه بالفكر. لم يكن النيهوم يسخر من علماء الدين، فما كان يعنيه هو ذلك الفقيه، الذي جعل لنفسه هالة من القداسة، ليجعل من نفسه معصوماً لا يجادل، فعالم الدين والإمام في فكر النيهوم ذو مكانة رفيعة حيث كان يرى للجامع دوراً مختلفاً. قد يختلف بعضنا مع الصادق في هذا الطرح، وقد يتفق البعض الآخر، فالتفسيرات تختلف من زمن لآخر وهذه لحكمة يراها الله، ويجهلها الناس، فالطرح القائم عنده، قائم على أن ثمة فرقاً بين الجامع والمسجد من حيث المفهوم والمعنى. كان للنيهوم منهج نقدي ورؤية نقدية، وفلسفة، ففكره الذي عاش جله مغترباً، بدأ بانتقاد الموروث الشعبي، مروراً بزمن الهزائم مع العدو، حيث كان يرى أن العدو في الداخل، وأن إسرائيل مجرد مشروع فاشل، يختفي وراء أساطير مزورة، إلى رحيله عن الوطن إلى هلسنكي، حيث حاضر في جامعاتها عن الدين المقارن والفكر الديني. ما كتبه النيهوم من أفكار كان في الواقع بداية مشروع نهضوي تم إجهاضه، ولم يجد من يستثمره في الحرب على الإرهاب وتحصين الشباب من التطرف، فأفكار النيهوم التي كانت في ستينات وسبعينات القرن الماضي، تسببت برحيله ليسكن بلاد الثلوج في هلسنكي، بعد أن لاحقته مضايقات النظام إثر بروز أفكاره وشهرته. ما حذر منه النيهوم هو ما نحصد آثاره اليوم بتنوعه الإخواني والقاعدي والداعشي وكل التنظيمات الإرهابية. د. جبريل العبيدي كاتب وباحث ليبي المصدر: الشرق الأوسط الصادق النيهوم الفتى الذي أضاعته ليبيا تدرك حجم ألمه عندما تقرأ أي سطر خطته يمينه. حمل تراث مئات السنوات من الظلم باحثاً عن جواب في جنباته. جواب يعين على شفاء العقول المحمومة بآلام المخاض الفكري الثقافي العربي الإسلامي. قالوا إن قيمة الإنسان بسؤاله، فسدد مئات الأسئلة العميقة والقاسية لهذا التراث. نقد المسلمات نقداً منطقياً عقلانياً هادفاً. قال للكاتب إبراهيم الكُوني عندما حاوره، يوم كان الكُوني صحافياً، “أكتب لأنني أؤمن بأن التعامل مع الأفكار لا يمكن أن يؤدي مهمته إلا إذا تم داخل إطار العمل المحدد، وذلك يشبه التعامل مع الثروة فأنت لا تستطيع أن تضع نقودك في الخزانة ثم تفرض أنها ذات قيمة حقيقية على الدوام، إنك لا بد أن تضعها في السوق لكي تعرف قيمتها على وجه الدقة، والكتابة نوع من وسائل العرض لتحديد قيمة الفكر”. طرح الفيلسوف والأديب الليبي الصادق النيهوم كل نتاجه في سوق الأفكار طوال عمره الذي لم يتجاوز 57 عاماً. أعوام قضاها باحثاً بصبر معالجاً بعقله لا بقلبه جميع ما يراه ويقرأه. وبما أن قطرة من ماء النهر تمثل النهر برمته كما عبر يوماً في كتابه “نقاش” فإنه كان يرى نفسه ابن أمة مثخنة بالجراح والمصائب ويتوجب أن نعامل “المشاكل مثل الأمراض فلا يمكن علاجها بالنوايا الطيبة أو الخطب الفصيحة”. إسلام ضد الإسلام أعطى لأمراض هذه الأمة كثير اهتمام. فبحث عن سر خيبتها وتخلفها وغرقها في ظلمات لا قرار لها. واستنتج مجموعة كبيرة من الأسئلة التي حاول الإجابة عنها بصبر لا مثيل له. ولكنه انطلق دوما من قاعدة تقول إنه “رغم لساننا الواحد لا نتكلم دائما لغة واحدة”، ولذا يجب تفصيل كل شيء وشرحه ليكون واضحاً ومفهوماً، ربما هذا ما تسبب بتكرار بعض مواقفه في العديد من مؤلفاته. تساءل في كتابه المتأخر “إسلام ضد الإسلام”، “كيف يأمر الله بالعدل، من دون أن يأمر بسلطة الأغلبية؟ كيف تصبح الدعوة إلى “حكم الله” فريضة ما دام الحكم نفسه في يد شخص أو عائلة أو طائفة أو حزب؟ كيف يُكلف الله الإنسان بأن يكون مسؤولاً عما كسبت يداه من دون أن يوفر له الوسيلة الشرعية لحمل هذه المسؤولية؟ كيف يكون الله عادلاً، إذا لم يضمن للناس شرعاً عملياً؟”. بعد سلسلة الأسئلة هذه عالج النيهوم طروحات تقليدية كثيرة ونقدهاً منطقياً وقرآنياً ووصل إلى أن “حزب الجامع يستطيع أن يعيد للإسلام وجهه الجميل، وينقذه من عبودية التاريخ والفلسفة، ويكسب المعركة الصعبة ضد الإقطاع والأصولية، ويمنح أمتنا أول تنظيم سياسي قادر على ضمان صوت المواطن شرعا وعملياً”. الشعائر أم العدالة فكك النيهوم مسلمات القول وغاص فيها عميقا. هل “اقرأ” هي ذاتها التي نعرفها؟ أجاب النيهوم بكل جرأة مُرجعاً الكلمة إلى أصلها العربي القديم أي الإعلام والإشهار رابطاً إياها بأصلها الكلداني “قرا” المنسجم مع ذات المعنى، وانطلق النيهوم إلى عوالم رحبة من المعاني الخلاقة لفكر إسلامي جديد قائم على النقد المنطقي للنصوص المقدسة بهدف فهمها لا هدمها، بهدف إحيائها بعد موات، لا تركها على رفوف المساجد وزينة للمنازل والسيارات. خلص إلى أن الإسلام ليس فقهاً بل سياسة تهدف إلى بناء مجتمع قادر على احتواء الخلاف الفقهي، باعتماد مبدأ “مسؤولية المواطن عما كسبت يداه”، وهذا المبدأ غير قابل للتطبيق إلا في مجتمع قائم على الاقتراع الحر الذي يضمن لكل مواطن حق المشاركة في اتخاذ القرار السياسي، أما في تعريف المواطن في الإسلام فهي عبارة لا تعني المسلم أو النصراني أو اليهودي فالخليفة لا يدعى أمير المسلمين بل أمير المؤمنين أي أمير جميع المؤمنين. من سرق الجامع أما حكاية الجامع فيأتي الجواب عليها تفصيلاً في كتابه “الإسلام في الأسر”. هنا يعطي النيهوم تعريفا ثورياً للجامع. فيقول: “كان بيت الله هو بيت الصلاة قبل عصر الرسول، كان بيت الله عاجزاً عن ضمان عدل الله على الأرض، والرسول (ص) هو من استكمل هذا النقص الأساسي في تاريخ الدين وأضاف للبيت تسمية الجامع للاجتماع كل أسبوع لحساب حكوماتهم مباشرة، وطور العمل واعتمد الحوار السياسي، فأعلن للناس أن أفضل الجهاد عند الله كلمة حق في وجه سلطان ظالم، وألزمهم بالجدال بالحسنى من خفض الصوت إلى تحريم الغمز واللمز والتنابز بالألقاب، وفي هذا الجامع اكتسب بيت الله وظيفة سياسية لأول وآخر مرة في التاريخ، فلم يعد بيتاً مقدساً للصلاة وحدها، بل صار بيتاً للحوار السياسي والمحاسبة والمراجعة كل أسبوع ودون انقطاع”. في ظل هذا الظرف الثوري ولد “المواطن العربي الفريد الذي هز أرجاء الدنيا قبل منتصف القرن الثامن الميلادي، وتعود العرب أن يفاخروا فيه في كتبهم المدرسية، ولم يكن يختلف ذاك المواطن عن السلف والخلف في شيء سوى أنه كان أول مواطن عربي وآخر مواطن عربي له صوت مسموع، صوت أحاله من رجل واحد إلى زلزال”، هذا المواطن هو عشق النيهوم الفكري ورغبته بأن يكون المسلم اليوم كذاك الذي “قال لعمر بن الخطاب لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا” وكذاك المواطن الذي “حاسب عمر على متر من قماش الصدقة وجلد ابن العاصي بالسوط وثار على عثمان وفرض الزكاة على الأثرياء وأقر قانون الضمان الاجتماعي وقاتل الأفيال بيده دفاعاً عن حقه بالجامع”. حلم النيهوم كان قد سُرق بعد وفاة الرسول (ص) بحسب قوله وأصبح “أقصر طريق يسلكه الحزب السياسي لكسب المعركة على السلطة، هي أن يلبس جبة الدين، ويطالب الدولة بتطبيق قوانين الشريعة. لكن مشكلة هذا الطريق القصير، أن قوانين الشريعة بالذات، لا تطبقها الدولة بل يطبقها المواطن. فإذا مرّت المغالطة، ونجحت الأحزاب الدينية في مسعاها، وتمّ تطبيق قوانين الشريعة في دول الوطن العربي، حتى صار لكل حكومة بوابة رسمية على الجنة، فإن المواطن العربي شخصياً، سوف لن يشارك في هذا العرس، ولن يؤدي فيه دوراً نافعاً، سوى أن يحمل الطبل والحطب. إنه لا يستطيع أن يطبق الشريعة حتى بمعونة من فقهاء الحزب”. واقع الأمة ذاك الممتد إلى اليوم لم يترك النيهوم غارقاً في يأسه. أعطاه ذاك الواقع دافعاً كبيراً للكتابة والبحث والاستمرار بالعمل الذي جعله سعيداً بطرح بضاعته الثورية، التي لم تقتصر على الدين ومقارنته وهو موضع بحثه الرئيس بل تعدته لمواضيع فلسفية كثيرة ومواقف فكرية متعددة. محنة ثقافة مزورة “إن العقل حياة أخرى. حياة أرقى من مرحلة الحياة الدنيا المقامة على حلول الغرائز. إنه مرحلة أعلى وأكثر فعالية لنفس الظاهرة المدعوة باسم “الحياة”” هذا ما قاله النيهوم في كتابه “نقاش”، ولكن ذات العقل نقده في كتابه “العودة المخزية إلى البحر” حيث قال “إن التطور لا يحدث في داخل الإنسان إلا بمقدار ضئيل للغاية، ولكنه يحدث خارجه بوضوح يعادل الفرق بين عربات الفرعون رمسيس التي تجرها الأحصنة في مقدمة الجيش وبين الدبابات الفظيعة التي تؤدي الآن نفس المهمة في أدغال فيتنام. أما هدف الحرب نفسه لم يتغيّر”. ذات العقل الذي أوجد الحرب وطورها هو ذاته أرقى مرحلة في الحياة النيهومية ولكن العقل المقصود هنا هو العقل المؤمن بأن “الطريق المسدود لا يوقف سيرك فحسب بل يرغمك أيضاً على العودة إلى الوراء”. أكثر الطرقات المسدودة بفكر النيهوم هو طريق الحرب والقتل. “أنت -على عكس الله- تعتبر الإنسان جثة تزن سبعين رطلاً من اللحم والشحم. أنت -على عكس الله- لا يهمك شيء وراء الجثة ولا تتردد لحظة واحدة في أن تلصق بالإنسان أسوأ ما تعرفه من النعوت. أنت -على عكس الله- تحكم بالظواهر وتقاتل من أجل الظواهر وتعتبر جارك مجرد خنزير، لكنه -عندما يموت- تتراجع خطوتين وترفض أن تأكل جثته الطاهرة أنت في الواقع فكر متناقض إلى حد يدعو إلى الدهشة، والمضحك حقاً أنك تضع هذا الفكر في عداد الفضائل السماوية وتنسبه بالذات إلى الله”. ذاك القول الثوري العميق الذي رسمه بكتابه “فرسان بلا معركة” لا يزيد شأنا عما قاله في حديثه عن المرأة والديانات. “إن أكثر البقرات غباء تعرف معرفة أكيدة أنها ليست تابعة لثورها بل جزء ضروري منه، وهي لن تطالب بالتحرر من سيطرته لأن ذلك الثور ليس فيلسوفا ولم يحاول السيطرة عليها. فالمشكلة لا تخص -الحرية- بل تخص أفكار الذكر، والمرأة ترتكب خطأ قاتلاً عندما تنسى ذلك لحظة واحدة، فهي تريد أن ترفض الاضطهاد، وذلك يعني أنها ترغب في أن يعاملها الرجل -كما يعامل الثور البقرة- دون فلسفة ويترك لها حق الاختيار والتصرف، تحت كل الظروف وقد ارتكبت المرأة خطأ متوقعاً عندما عبّرت عن هذه الأفكار بكلمة المساواة”. إن النيهوم لم ير الرجل والمرأة إلا مجرد مخلوقين يكملان بعضهما ليشكلا دائرة كاملة أمام تجدد الحياة. المرأة النيهومية ليست الجنس وحده كما تريد الحضارة الأوروبية، وليست الخادمة والطباخة كما في البيوت العربية، إنها وجه الحياة الآخر الحافل بكل شيء والذي تبدو الحياة دونه مجرد عرض واحد مثل عالم كلي الظلمة، دون النهار أو عالم كلي السطوع دون ليل، ومن هنا تكون المساواة مسألة خرافية فلا تمكن المساواة بين المرأة والرجل ولكن لكل دوره بحسب المفهوم النيهومي العميق. انقلاب المفاهيم الثقافية انساق برأي النيهوم على الدين والفكر والسياسة “فلم يعد الكافر هو فرعون الذي طغى في البلاد، بل أصبح هو المواطن الذي يخرج عن طاعته، وقد اتفقت مذاهب الفقه على إهدار دم الخارج على السلطان، بحجة أنه خارج على الجماعة، من دون أن يهدر أحد دم السلطان نفسه الذي استباح حق الجماعة بأسرها”، في “محنة الثقافة المزورة” كتابه الذي بحث فيه سؤال “صوت الناس أم صوت الفقهاء؟”. الإسلام في الأسر محنة الثقافة المزورة التي أدت إلى أسر الإسلام ورهنه لمفاهيم خاطئة، أنتجت فقهاً دكتاتورياً لا فقه شورى، ولدت ثقافة عبودية لا ثقافة حرية، ولذا فإن النيهوم يرى بأن “الدين الذي لا يضمن العدل للأغلبية في نظام إداري محدد ببنود الدستور، لا يستحق اسم الدين.. وهي المشكلة التي عانى منها الإسلام منذ الانقلاب الأموي على الأقل”. هنا أصبح الإسلام ضد الإسلام وبدأت المعضلة الكبرى والمرض العضال. ذاك المرض العضال دفع النيهوم ليخوض بدراسة مقارنة الأديان. فبعد أن أنهى دراسته في بنغازي أعد بجامعة القاهرة لأطروحة الدكتوراه في “الأديان المقارنة” ثم انتقل إلى جامعة ميونيخ ليكمل ما بدأ. ومن ثم تابع دراسته في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأميركية لمدة سنتين، ومن ثم درَّس مادة الأديان المقارنة في جامعة هلسنكي كأستاذ محاضر في فنلندا لعدة سنوات. عائد إلى بنغازي ولد الصادق النيهوم في منطقة سيدي حسين في مدينة بنغازي في العام 1937، و توفي في العام 1994 ودُفن بمسقط رأسه بنغازي، وأجاد خلال رحلة بحثه إلى جانب اللغة العربية، الألمانية والفنلندية والإنكليزية والفرنسية وكان ملماً بالعبرية والآرامية، كتب لصحيفة الحقيقة الليبية، وأول كتبه “الذي يأتي والذي لا يأتي” نشر في العام 1967 ومن ثم نشر كتاب الرمز في القرآن، وفي عام 1969 كتب دراسة “العودة المحزنة للبحر”، أقام في بيروت أواسط السبعينات حيث واظب على الكتابة أسبوعيا بمجلة الأسبوع العربي، كما أشرف على إصدار موسوعة “عالمنا – صحراؤنا – أطفالنا – وطننا – عالمنا”، ومن ثم صدرت له رواية “القرود”، لينتقل بعدها إلى الإقامة في جنيف عام 1976 وهناك أسس دار التراث، ثم دار المختار، وأصدر سلسلة من الموسوعات أهمها “موسوعة تاريخنا” و”موسوعة بهجة المعرفة”. صدرت له رواية “الحيوانات” وكتاب “صوت الناس”، وفي العام 1988 بدأ الكتابة في مجلة الناقد منذ صدور الأعداد الأولى منها في لندن، كما صدر له كتاب “محنة ثقافة مزورة” عام 1991 من لبنان ومنه صدر له أيضا كتاب “الإسلام في الأسر” وكتاب “إسلام ضد الإسلام”، وبعد وفاته صدر له عام 2001 كتاب “طرق مغطاة بالثلج”. *نقلا عن العرب اللندنية]]> كان النيهوم قد غادر ليبيا في بداية السبعينات بعد أن عرف أن أفكاره وشهرة كتاباته ستسبب له المضايقات من السلطة، خاصة بعد أن حدثت مشادات بينه وبين بعض من أعضاء مجلس قيادة الثورة. لذا اختار أن يرحل بهدوء وسكينة من أن يثير أية مشاكل، مما دفع السلطات لأن تصدر قراراً بإنشاء دار نشر في خارج ليبيا يكون النيهوم على رأسها. كان النيهوم مفكراً استثنائياً حاول كتابة التاريخ بشكله الصحيح، وقراءة ناضجة للفكر الديني، في دولة القذافي التي كانت تروج لفكر القذافي ووصفه بـ«المفكر الأوحد»، الذي جاء بالكتيب الأخضير، ومنع كتب المفكرين والشعراء. لقد تعرض النيهوم للاضطهاد من قيادات في نظام القذافي في ندوة كانت عقدت بداية السبعينات وسميت «الفكر الثوري» وتجاوز فيها القمع الفكري وتكميم الأفواه إلى التهديد بالقتل، وقد تُخلص منه - كما أشرنا - حتى لا يبقى داخل البلاد خوفاً من أفكاره. بيد أن هناك من يقول إن السبب في عدم تخلص النظام منه، هو أن نجم النيهوم برز في ستينات القرن الماضي، وقبل الفاتح من سبتمبر 1969، فالنيهوم كان ينشر أفكاره في الصحف الليبية المحلية ومنها صحيفة «الحقيقة»، التي كانت تنفد من الأكشاك في الصباح يوم نشر عمود النيهوم الاستثنائي. لذا فإن عملية إبعاده لم تكن بالسهولة. طرح النيهوم أفكاراً من بينها البحث عن دور فعال للجامع، وتجديد الخطاب الديني، لهذا تساءل النيهوم في أفكاره وكتبه عمّن سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة؟ فوجده «إسلام ضد الإسلام»، في بلاد الإسلام، حيث «الفرسان بلا معركة» وحيث «الذي يأتي ولا يأتي» وغيرها، وجميعها عناوين لكتب للنيهوم. النيهوم الذي كتب رواية «القرود» والتي حاول إسقاط الكثير من الملامح، ومنها عن بعض الزعامات الكرتونية، والتي أغرق في وصفها، مما تسبب بمنعها في ليبيا، خشية تأويلها تأويلاً خاطئاً. النيهوم المفكر المجدد الذي قال إن «الإسلام الذي ورثناه عن أسلافنا ليس هو الإسلام الذي بشر به القرآن، بل نسخة ناقصة عنه ومشوهة، صنعها الإقطاع على مقاسه». ويتناول النيهوم كيف تم الخلط بين الدين والتدين، رغم أن الأول هو الأصل والمصدر والثاني هو سلوك. الحديث عن كتابات النيهوم وأفكاره، كان دائماً هاجس الرقيب، في حين كان النيهوم يتحدث فكراً، كان ينبغي الحديث معه بالفكر. لم يكن النيهوم يسخر من علماء الدين، فما كان يعنيه هو ذلك الفقيه، الذي جعل لنفسه هالة من القداسة، ليجعل من نفسه معصوماً لا يجادل، فعالم الدين والإمام في فكر النيهوم ذو مكانة رفيعة حيث كان يرى للجامع دوراً مختلفاً. قد يختلف بعضنا مع الصادق في هذا الطرح، وقد يتفق البعض الآخر، فالتفسيرات تختلف من زمن لآخر وهذه لحكمة يراها الله، ويجهلها الناس، فالطرح القائم عنده، قائم على أن ثمة فرقاً بين الجامع والمسجد من حيث المفهوم والمعنى. كان للنيهوم منهج نقدي ورؤية نقدية، وفلسفة، ففكره الذي عاش جله مغترباً، بدأ بانتقاد الموروث الشعبي، مروراً بزمن الهزائم مع العدو، حيث كان يرى أن العدو في الداخل، وأن إسرائيل مجرد مشروع فاشل، يختفي وراء أساطير مزورة، إلى رحيله عن الوطن إلى هلسنكي، حيث حاضر في جامعاتها عن الدين المقارن والفكر الديني. ما كتبه النيهوم من أفكار كان في الواقع بداية مشروع نهضوي تم إجهاضه، ولم يجد من يستثمره في الحرب على الإرهاب وتحصين الشباب من التطرف، فأفكار النيهوم التي كانت في ستينات وسبعينات القرن الماضي، تسببت برحيله ليسكن بلاد الثلوج في هلسنكي، بعد أن لاحقته مضايقات النظام إثر بروز أفكاره وشهرته. ما حذر منه النيهوم هو ما نحصد آثاره اليوم بتنوعه الإخواني والقاعدي والداعشي وكل التنظيمات الإرهابية. د. جبريل العبيدي كاتب وباحث ليبي المصدر: الشرق الأوسط الصادق النيهوم الفتى الذي أضاعته ليبيا تدرك حجم ألمه عندما تقرأ أي سطر خطته يمينه. حمل تراث مئات السنوات من الظلم باحثاً عن جواب في جنباته. جواب يعين على شفاء العقول المحمومة بآلام المخاض الفكري الثقافي العربي الإسلامي. قالوا إن قيمة الإنسان بسؤاله، فسدد مئات الأسئلة العميقة والقاسية لهذا التراث. نقد المسلمات نقداً منطقياً عقلانياً هادفاً. قال للكاتب إبراهيم الكُوني عندما حاوره، يوم كان الكُوني صحافياً، “أكتب لأنني أؤمن بأن التعامل مع الأفكار لا يمكن أن يؤدي مهمته إلا إذا تم داخل إطار العمل المحدد، وذلك يشبه التعامل مع الثروة فأنت لا تستطيع أن تضع نقودك في الخزانة ثم تفرض أنها ذات قيمة حقيقية على الدوام، إنك لا بد أن تضعها في السوق لكي تعرف قيمتها على وجه الدقة، والكتابة نوع من وسائل العرض لتحديد قيمة الفكر”. طرح الفيلسوف والأديب الليبي الصادق النيهوم كل نتاجه في سوق الأفكار طوال عمره الذي لم يتجاوز 57 عاماً. أعوام قضاها باحثاً بصبر معالجاً بعقله لا بقلبه جميع ما يراه ويقرأه. وبما أن قطرة من ماء النهر تمثل النهر برمته كما عبر يوماً في كتابه “نقاش” فإنه كان يرى نفسه ابن أمة مثخنة بالجراح والمصائب ويتوجب أن نعامل “المشاكل مثل الأمراض فلا يمكن علاجها بالنوايا الطيبة أو الخطب الفصيحة”. إسلام ضد الإسلام أعطى لأمراض هذه الأمة كثير اهتمام. فبحث عن سر خيبتها وتخلفها وغرقها في ظلمات لا قرار لها. واستنتج مجموعة كبيرة من الأسئلة التي حاول الإجابة عنها بصبر لا مثيل له. ولكنه انطلق دوما من قاعدة تقول إنه “رغم لساننا الواحد لا نتكلم دائما لغة واحدة”، ولذا يجب تفصيل كل شيء وشرحه ليكون واضحاً ومفهوماً، ربما هذا ما تسبب بتكرار بعض مواقفه في العديد من مؤلفاته. تساءل في كتابه المتأخر “إسلام ضد الإسلام”، “كيف يأمر الله بالعدل، من دون أن يأمر بسلطة الأغلبية؟ كيف تصبح الدعوة إلى “حكم الله” فريضة ما دام الحكم نفسه في يد شخص أو عائلة أو طائفة أو حزب؟ كيف يُكلف الله الإنسان بأن يكون مسؤولاً عما كسبت يداه من دون أن يوفر له الوسيلة الشرعية لحمل هذه المسؤولية؟ كيف يكون الله عادلاً، إذا لم يضمن للناس شرعاً عملياً؟”. بعد سلسلة الأسئلة هذه عالج النيهوم طروحات تقليدية كثيرة ونقدهاً منطقياً وقرآنياً ووصل إلى أن “حزب الجامع يستطيع أن يعيد للإسلام وجهه الجميل، وينقذه من عبودية التاريخ والفلسفة، ويكسب المعركة الصعبة ضد الإقطاع والأصولية، ويمنح أمتنا أول تنظيم سياسي قادر على ضمان صوت المواطن شرعا وعملياً”. الشعائر أم العدالة فكك النيهوم مسلمات القول وغاص فيها عميقا. هل “اقرأ” هي ذاتها التي نعرفها؟ أجاب النيهوم بكل جرأة مُرجعاً الكلمة إلى أصلها العربي القديم أي الإعلام والإشهار رابطاً إياها بأصلها الكلداني “قرا” المنسجم مع ذات المعنى، وانطلق النيهوم إلى عوالم رحبة من المعاني الخلاقة لفكر إسلامي جديد قائم على النقد المنطقي للنصوص المقدسة بهدف فهمها لا هدمها، بهدف إحيائها بعد موات، لا تركها على رفوف المساجد وزينة للمنازل والسيارات. خلص إلى أن الإسلام ليس فقهاً بل سياسة تهدف إلى بناء مجتمع قادر على احتواء الخلاف الفقهي، باعتماد مبدأ “مسؤولية المواطن عما كسبت يداه”، وهذا المبدأ غير قابل للتطبيق إلا في مجتمع قائم على الاقتراع الحر الذي يضمن لكل مواطن حق المشاركة في اتخاذ القرار السياسي، أما في تعريف المواطن في الإسلام فهي عبارة لا تعني المسلم أو النصراني أو اليهودي فالخليفة لا يدعى أمير المسلمين بل أمير المؤمنين أي أمير جميع المؤمنين. من سرق الجامع أما حكاية الجامع فيأتي الجواب عليها تفصيلاً في كتابه “الإسلام في الأسر”. هنا يعطي النيهوم تعريفا ثورياً للجامع. فيقول: “كان بيت الله هو بيت الصلاة قبل عصر الرسول، كان بيت الله عاجزاً عن ضمان عدل الله على الأرض، والرسول (ص) هو من استكمل هذا النقص الأساسي في تاريخ الدين وأضاف للبيت تسمية الجامع للاجتماع كل أسبوع لحساب حكوماتهم مباشرة، وطور العمل واعتمد الحوار السياسي، فأعلن للناس أن أفضل الجهاد عند الله كلمة حق في وجه سلطان ظالم، وألزمهم بالجدال بالحسنى من خفض الصوت إلى تحريم الغمز واللمز والتنابز بالألقاب، وفي هذا الجامع اكتسب بيت الله وظيفة سياسية لأول وآخر مرة في التاريخ، فلم يعد بيتاً مقدساً للصلاة وحدها، بل صار بيتاً للحوار السياسي والمحاسبة والمراجعة كل أسبوع ودون انقطاع”. في ظل هذا الظرف الثوري ولد “المواطن العربي الفريد الذي هز أرجاء الدنيا قبل منتصف القرن الثامن الميلادي، وتعود العرب أن يفاخروا فيه في كتبهم المدرسية، ولم يكن يختلف ذاك المواطن عن السلف والخلف في شيء سوى أنه كان أول مواطن عربي وآخر مواطن عربي له صوت مسموع، صوت أحاله من رجل واحد إلى زلزال”، هذا المواطن هو عشق النيهوم الفكري ورغبته بأن يكون المسلم اليوم كذاك الذي “قال لعمر بن الخطاب لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا” وكذاك المواطن الذي “حاسب عمر على متر من قماش الصدقة وجلد ابن العاصي بالسوط وثار على عثمان وفرض الزكاة على الأثرياء وأقر قانون الضمان الاجتماعي وقاتل الأفيال بيده دفاعاً عن حقه بالجامع”. حلم النيهوم كان قد سُرق بعد وفاة الرسول (ص) بحسب قوله وأصبح “أقصر طريق يسلكه الحزب السياسي لكسب المعركة على السلطة، هي أن يلبس جبة الدين، ويطالب الدولة بتطبيق قوانين الشريعة. لكن مشكلة هذا الطريق القصير، أن قوانين الشريعة بالذات، لا تطبقها الدولة بل يطبقها المواطن. فإذا مرّت المغالطة، ونجحت الأحزاب الدينية في مسعاها، وتمّ تطبيق قوانين الشريعة في دول الوطن العربي، حتى صار لكل حكومة بوابة رسمية على الجنة، فإن المواطن العربي شخصياً، سوف لن يشارك في هذا العرس، ولن يؤدي فيه دوراً نافعاً، سوى أن يحمل الطبل والحطب. إنه لا يستطيع أن يطبق الشريعة حتى بمعونة من فقهاء الحزب”. واقع الأمة ذاك الممتد إلى اليوم لم يترك النيهوم غارقاً في يأسه. أعطاه ذاك الواقع دافعاً كبيراً للكتابة والبحث والاستمرار بالعمل الذي جعله سعيداً بطرح بضاعته الثورية، التي لم تقتصر على الدين ومقارنته وهو موضع بحثه الرئيس بل تعدته لمواضيع فلسفية كثيرة ومواقف فكرية متعددة. محنة ثقافة مزورة “إن العقل حياة أخرى. حياة أرقى من مرحلة الحياة الدنيا المقامة على حلول الغرائز. إنه مرحلة أعلى وأكثر فعالية لنفس الظاهرة المدعوة باسم “الحياة”” هذا ما قاله النيهوم في كتابه “نقاش”، ولكن ذات العقل نقده في كتابه “العودة المخزية إلى البحر” حيث قال “إن التطور لا يحدث في داخل الإنسان إلا بمقدار ضئيل للغاية، ولكنه يحدث خارجه بوضوح يعادل الفرق بين عربات الفرعون رمسيس التي تجرها الأحصنة في مقدمة الجيش وبين الدبابات الفظيعة التي تؤدي الآن نفس المهمة في أدغال فيتنام. أما هدف الحرب نفسه لم يتغيّر”. ذات العقل الذي أوجد الحرب وطورها هو ذاته أرقى مرحلة في الحياة النيهومية ولكن العقل المقصود هنا هو العقل المؤمن بأن “الطريق المسدود لا يوقف سيرك فحسب بل يرغمك أيضاً على العودة إلى الوراء”. أكثر الطرقات المسدودة بفكر النيهوم هو طريق الحرب والقتل. “أنت -على عكس الله- تعتبر الإنسان جثة تزن سبعين رطلاً من اللحم والشحم. أنت -على عكس الله- لا يهمك شيء وراء الجثة ولا تتردد لحظة واحدة في أن تلصق بالإنسان أسوأ ما تعرفه من النعوت. أنت -على عكس الله- تحكم بالظواهر وتقاتل من أجل الظواهر وتعتبر جارك مجرد خنزير، لكنه -عندما يموت- تتراجع خطوتين وترفض أن تأكل جثته الطاهرة أنت في الواقع فكر متناقض إلى حد يدعو إلى الدهشة، والمضحك حقاً أنك تضع هذا الفكر في عداد الفضائل السماوية وتنسبه بالذات إلى الله”. ذاك القول الثوري العميق الذي رسمه بكتابه “فرسان بلا معركة” لا يزيد شأنا عما قاله في حديثه عن المرأة والديانات. “إن أكثر البقرات غباء تعرف معرفة أكيدة أنها ليست تابعة لثورها بل جزء ضروري منه، وهي لن تطالب بالتحرر من سيطرته لأن ذلك الثور ليس فيلسوفا ولم يحاول السيطرة عليها. فالمشكلة لا تخص -الحرية- بل تخص أفكار الذكر، والمرأة ترتكب خطأ قاتلاً عندما تنسى ذلك لحظة واحدة، فهي تريد أن ترفض الاضطهاد، وذلك يعني أنها ترغب في أن يعاملها الرجل -كما يعامل الثور البقرة- دون فلسفة ويترك لها حق الاختيار والتصرف، تحت كل الظروف وقد ارتكبت المرأة خطأ متوقعاً عندما عبّرت عن هذه الأفكار بكلمة المساواة”. إن النيهوم لم ير الرجل والمرأة إلا مجرد مخلوقين يكملان بعضهما ليشكلا دائرة كاملة أمام تجدد الحياة. المرأة النيهومية ليست الجنس وحده كما تريد الحضارة الأوروبية، وليست الخادمة والطباخة كما في البيوت العربية، إنها وجه الحياة الآخر الحافل بكل شيء والذي تبدو الحياة دونه مجرد عرض واحد مثل عالم كلي الظلمة، دون النهار أو عالم كلي السطوع دون ليل، ومن هنا تكون المساواة مسألة خرافية فلا تمكن المساواة بين المرأة والرجل ولكن لكل دوره بحسب المفهوم النيهومي العميق. انقلاب المفاهيم الثقافية انساق برأي النيهوم على الدين والفكر والسياسة “فلم يعد الكافر هو فرعون الذي طغى في البلاد، بل أصبح هو المواطن الذي يخرج عن طاعته، وقد اتفقت مذاهب الفقه على إهدار دم الخارج على السلطان، بحجة أنه خارج على الجماعة، من دون أن يهدر أحد دم السلطان نفسه الذي استباح حق الجماعة بأسرها”، في “محنة الثقافة المزورة” كتابه الذي بحث فيه سؤال “صوت الناس أم صوت الفقهاء؟”. الإسلام في الأسر محنة الثقافة المزورة التي أدت إلى أسر الإسلام ورهنه لمفاهيم خاطئة، أنتجت فقهاً دكتاتورياً لا فقه شورى، ولدت ثقافة عبودية لا ثقافة حرية، ولذا فإن النيهوم يرى بأن “الدين الذي لا يضمن العدل للأغلبية في نظام إداري محدد ببنود الدستور، لا يستحق اسم الدين.. وهي المشكلة التي عانى منها الإسلام منذ الانقلاب الأموي على الأقل”. هنا أصبح الإسلام ضد الإسلام وبدأت المعضلة الكبرى والمرض العضال. ذاك المرض العضال دفع النيهوم ليخوض بدراسة مقارنة الأديان. فبعد أن أنهى دراسته في بنغازي أعد بجامعة القاهرة لأطروحة الدكتوراه في “الأديان المقارنة” ثم انتقل إلى جامعة ميونيخ ليكمل ما بدأ. ومن ثم تابع دراسته في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأميركية لمدة سنتين، ومن ثم درَّس مادة الأديان المقارنة في جامعة هلسنكي كأستاذ محاضر في فنلندا لعدة سنوات. عائد إلى بنغازي ولد الصادق النيهوم في منطقة سيدي حسين في مدينة بنغازي في العام 1937، و توفي في العام 1994 ودُفن بمسقط رأسه بنغازي، وأجاد خلال رحلة بحثه إلى جانب اللغة العربية، الألمانية والفنلندية والإنكليزية والفرنسية وكان ملماً بالعبرية والآرامية، كتب لصحيفة الحقيقة الليبية، وأول كتبه “الذي يأتي والذي لا يأتي” نشر في العام 1967 ومن ثم نشر كتاب الرمز في القرآن، وفي عام 1969 كتب دراسة “العودة المحزنة للبحر”، أقام في بيروت أواسط السبعينات حيث واظب على الكتابة أسبوعيا بمجلة الأسبوع العربي، كما أشرف على إصدار موسوعة “عالمنا – صحراؤنا – أطفالنا – وطننا – عالمنا”، ومن ثم صدرت له رواية “القرود”، لينتقل بعدها إلى الإقامة في جنيف عام 1976 وهناك أسس دار التراث، ثم دار المختار، وأصدر سلسلة من الموسوعات أهمها “موسوعة تاريخنا” و”موسوعة بهجة المعرفة”. صدرت له رواية “الحيوانات” وكتاب “صوت الناس”، وفي العام 1988 بدأ الكتابة في مجلة الناقد منذ صدور الأعداد الأولى منها في لندن، كما صدر له كتاب “محنة ثقافة مزورة” عام 1991 من لبنان ومنه صدر له أيضا كتاب “الإسلام في الأسر” وكتاب “إسلام ضد الإسلام”، وبعد وفاته صدر له عام 2001 كتاب “طرق مغطاة بالثلج”. *نقلا عن العرب اللندنية]]> 120343 ما بين الفارسية والعبرية والسريانية: التعددية اللغوية في المجتمع الإسلامي المبكر / هل اتقن عمر بن الخطاب اللغة العبرية؟ http://www.souriyati.com/2019/03/05/119840.html Tue, 05 Mar 2019 15:11:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/05/119840.html حظي المجتمع الإسلامي المبكر في المدينة المنورة بتعددية لغوية، أسهمت بشكل فعال في استحضار العديد من المؤثرات الثقافية والدينية والتاريخية. اللغات الفارسية والعبرية والسريانية والحبشية، على وجه التحديد، كان لها حضورها المميز في مجتمع المدينة، مما يشي بالقابلية الفريدة التي أظهرتها الثقافة الإسلامية الوليدة وقتها، في تقبل واحتواء الثقافات والمؤثرات اللغوية الأجنبية، وفي الاستفادة منها، في إرهاص لظهور الثقافة الإسلامية الكزموبوليتانية العابرة للحدود والأعراق، والتي ستتبلور في المرحلة التي تعقب حركة الفتوحات الإسلامية الكبرى. كان لللغات الفارسية والعبرية والسريانية والحبشية حضور في مجتمع المدينة، مما يشي بالقابلية الفريدة التي أظهرتها الثقافة الإسلامية الوليدة وقتها، في تقبل واحتواء الثقافات والمؤثرات اللغوية الأجنبية، والاستفادة منها مما دعم ظهور الثقافة الإسلامية الكزموبوليتانية العابرة للحدود والأعراق. لهجة يمنية، كلمات حبشية ولسان أمازيغي... هل اتقن الرسول اللغات الأجنبية؟ تتفق معظم آراء العلماء من أهل السنة والجماعة، على القول بأن الرسول كان أمياً، لا يعرف القراءة والكتابة، وأنه لم يكن يجيد أي لغة أخرى غير اللغة العربية بلهجتها القرشية، ولكن ومع ذلك فأن هناك مجموعة من الإشارات التي قد تدل على معرفة الرسول واتقانه لبعض الكلمات الأجنبية أو لبعض اللهجات غير الشائعة في المجتمع المكي. أولى تلك الإشارات، تتمثل في التفسيرات المتواترة للآية 103 من سورة النحل: "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ"، حيث تحمل الآية عدد من الدلالات التي تقف في صف معرفة الرسول ببعض اللغات الأجنبية، إذ تتفق التفاسير الإسلامية ومنها على سبيل المثال كل من "تفسير الطبري" و"تفسير القرطبي"، على أن الآية قد نزلت لنفي شبهة اقتباس الرسول آيات القرآن من بعض الموالي والعبيد الأجانب الذين كانوا موجودين في مكة. ولما كانت الآية قد اهتمت بنفي تلك الشبهة، واظهار التعارض بين اللسان الأعجمي الذي كان هؤلاء ينطقون به من جهة، واللغة العربية الفصيحة التي كُتب بها القرآن من جهة أخرى، فإن ذلك يعني أن الرسول كان يستطيع فهم لغات هؤلاء الأعاجم، خصوصاً وأن التفاسير تكاد تجمع على أنه كان يستمع منهم، وأنه كان يعلمهم القرآن، ومن المنطقي أن الرسول لو كان يجهل تلك اللغات، لما اتهمه المشركون أصلاً بالاقتباس من أصحابها. في إشارة ثانية، ورد في صحيح البخاري، أن الرسول قد نطق أحياناً ببعض الكلمات الحبشية، مثلما نادى طفلة من أبناء أحد المهاجرين العائدين من الحبشة "يا أم خالد هذا سنا ويا أم خالد هذا سنا"، وسنا تعني الحسن، وكان يقصد بها حلة أعطاها لتلك الطفلة، حسبما يذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري". أما فيما يخص اتقان اللهجات العربية غير الشائعة في مكة، فقد ذكر كل من أحمد بن حنبل في المسند، والطبراني في المعجم الكبير، أن عدداً من المسلمين الأشعريين الذين قدموا إلى المدينة من اليمن، كانوا صائمين في سفرهم، فقال لهم الرسول "ليس من ام بر ام صيام في ام سفر". ورغم أن العديد من العلماء قد رفضوا قبول هذا الحديث بالمنطوق المذكور، إلا أن بعضهم، ومنهم ابن حجر العسقلاني قد احتمل وقوعه بهذا اللفظ، فقال في كتابه "تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير"، "هذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميما، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بها بهذا الأشعري كذلك لأنها لغته ويحتمل أن يكون الأشعري هذا نطق بها على ما ألف من لغته، فحملها عنه الراوي عنه، وأداها باللفظ الذي سمعها به...". ومن الحوادث المشابهة التي نالت نصيباً من الشهرة، على الرغم من وضوح ضعفها وزيفها، ما أورده المؤلف المجهول صاحب كتاب "مفاخر البربر"، والذي ذكر في كتابه أن سبعة رجال من قبيلة ركراكة البربرية قد سافروا إلى الرسول، وتحدث هو معهم باللغة الأمازيغية. هل اتقن عمر بن الخطاب اللغة العبرية؟ تشير العديد من الروايات التاريخية المشهورة إلى أن عمر بن الخطاب كان من ضمن الصحابة القلائل الذين أجادوا التحدث والقراءة ببعض اللغات الأجنبية، وذلك بسبب ما تواتر عن اطلاعه المباشر على بعض الكتابات الدينية اليهودية والمسيحية. على سبيل المثال، يذكر الخطيب البغدادي في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع": "جاء عمر بصحيفة فقال: يا رسول الله بعث إلي بهذه الصحيفة رجل من بني قريظة فيها جوامع من التوراة أقرأها عليك فجعل عمر يقرأ وجعل وجه رسول الله يتغير...". وإذا ما تماشينا مع ما ورد في "الموسوعة البريطانية" من أنه لا توجد أي دلائل مؤكدة على وجود ترجمة للكتاب المقدس باللغة العربية قبل الإسلام، فإنّ الاحتمال الأقوى هو أن عمر قد قرأ التوراة باللغة العبرية، وهي اللغة التي كان يهود المدينة يقرأون بها كتبهم المقدسة في ذلك الوقت. في حديث أخر أقل شهرة، يذكره الألباني في كتابه "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل"، تحل حفصة بنت عمر محل أبيها، حيث يذكر الراوي أنها قد "جاءت إلى النبي بكتاب من قصص يوسف في كتف، فجعلت تقرأ عليه، والنبي يتلون وجهه...". الملاحظ في الروايتين أنهما قد وردا في سياق الإشارة إلى غضب الرسول من الاطلاع على الكتب السماوية السابقة على الإسلام، حيث تغير وجهه في المرتين، دلالة على رفضه القاطع لذلك الفعل، سواء صدر عن صاحبه عمر، أم عن زوجه حفصة. ولكن إذا ما حاولنا تفسير قدرة عمر على فهم الكتابات التوراتية، بكونه قد تعلم اللغات العبرية والسريانية من خلال أسفاره التجارية إلى الشام في شبابه، فكيف يمكن أن نفسر قدرة ابنته على ذلك؟ من الأرجح، أن تلك الروايات قد وضعت في سياق المنافسة المذهبية المحتدمة بين الشيعة والسنة، وأنها حاولت أن تحط من قدر ومكانة شخصيتي عمر وحفصة، المكروهتان بشكل كبير في الثقافة الشيعية، عن طريق ربطهما بشكل أو بأخر من الكتابات اليهودية، ومما قد يؤيد ذلك الرأي أن معظم المصادر السنية تضعف تلك الروايات وأشباهها، وتنظر لها بالكثير من الشك والارتياب. سلمان وصهيب وزيد بن ثابت: المترجمون الأوائل في المدينة بحسب ما تذكر المصادر التاريخية، هناك مجموعة من الصحابة الذين اهلتهم خلفيتهم العرقية والدينية لاتقان مجموعة من اللغات غير العربية. على رأس هؤلاء، يأت سلمان الفارسي، الذي يذكر كل من ابن جرير الطبري في تاريخه وابن سعد في الطبقات الكبرى، أن أصوله تعود إلى أصفهان، وهي ناحية من نواحي إيران، وأنه قد تربى هناك حيث قضى فترة طفولته وصباه وشطراً من شبابه. كان سلمان يتقن الفارسية بوصفها لغته الأم، ولكنه بعد أن ترك بلاد فارس، وسافر في رحلة طويلة بحثاً عن الدين الحق في سوريا والعراق، أضاف لمعارفه لغات جديدة، حيث أتقن كلاً من اللغة السريانية واللغة العبرية، وقرأ بهما مجموعة من الكتب المقدسة عند اليهود والمسيحيين، ولعل ذلك يفسر ما وصفه به أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء"، من كونه -يقصد سلمان-قد قرأ الكتابين. مثّلت المعرفة اللغوية الواسعة عند سلمان جسراً ثقافياً ممتداً إلى مجتمع المسلمين الناشئ في يثرب، التي تحول اسمها بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، كما أن تلك المعرفة اللغوية قد أتت بثمارها فيما بعد أثناء مرحلة الفتوحات الإسلامية في بلاد فارس، عندما تولى سلمان التفاوض بين المسلمين والفرس، مما قرب من وجهات النظر في بعض الأحيان وحمى المغلوبين من سطوة الفاتحين في أحيان أخرى. من هؤلاء الصحابة أيضاً، صهيب بن سنان، الذي اشتهر ذكره في المصادر الإسلامية بصهيب الرومي، حيث يذكر ابن الأثير في كتابه "أُسد الغابة في معرفة الصحابة"، أن صهيباً كان من أصول عربية، ولكنه تعرض في صغره للسبي على يد الروم البيزنطيين، فمكث في ديارهم لبضع سنين، مما أسفر عن تعلمه للغة اليونانية واتقانه لها، لدرجة أنها قد غلبت على لسانه، وتسببت في صعوبة نطقه بالعربية الفصيحة.  ورغم أنه من المرجح أن المجتمع الإسلامي المبكر قد استفاد بشكل إيجابي من اتقان صهيب لليونانية، إلا أننا لا نكاد نعثر في المصادر التاريخية على أي إشارة لوجه من أوجه تلك الاستفادة. في السياق ذاته، هناك بعض من اليهود الذين تحولوا لاعتناق الإسلام، ومنهم كل من عبد الله بن سلام وكعب الأحبار، ولعب هؤلاء دوراً مهماً في تعريف المجتمع الإسلامي بالمؤثرات اللغوية والتاريخية والعقائدية العبرانية، وهو الأمر الذي سيتمخض فيما بعد عن ظهور وشيوع الروايات اليهودية، والمعروفة بالإسرائيليات بشكل كبير في كتب التفسير القرآني. أما أهم الصحابة الذين أُشتهر عنهم إجادة اللغات الأجنبية، فهو زيد بن ثابت الأنصاري، وقد ورد في سنن الترمذي، عن زيد أنه قال: "أمرني رسول الله أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود قال إني والله ما آمن يهود على كتابي قال فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له قال فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم". تذكر بعض المصادر الأخرى، مثل مسند أحمد بن حنبل والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، أن الرسول قد طلب من زيد أن يتعلم اللغة السريانية، وأن زيد قد استجاب لطلبه فتعلمها في 15 يوماً أو 17 يوماً. أما بعض المصادر، ومنها "التنبيه والإشراف" للمسعودي، فقد بالغت في اللغات الأجنبية التي أتقنها زيد، حتى عدت من ضمنها كل من الفارسية والرومية والقبطية والحبشية، هذا بالطبع بجوار العبرية والسريانية. ولكن، ومع كل تلك الروايات، يبدو من الغريب أن المصادر التاريخية لم تحتفظ لنا بأي رسالة مكتوبة بلغة غير العربية، قام الرسول بتبادلها مع أي جهة أجنبية، حيث يظهر من أخبار المكاتبات التي جرت بين الرسول وملوك عصره، أنها جميعاً قد كُتبت باللغة العربية، وأن الملوك الذين تسلموها قد قاموا بترجمتها عن طريق وسيط، ومن هنا يظهر التساؤل حول دور زيد بن ثابت وعن السبب الذي دعاه لإتقان كل تلك اللغات. في أحد الآراء الواردة رداً على هذا التساؤل، يذهب المحقق اللبناني جعفر مرتضى العاملي، في كتابه "الصحيح من سيرة النبي الأعظم"، إلى أن أخبار معرفة زيد باللغات الأجنبية، قد شاعت في المصادر التاريخية لكون زيد هو الذي أشرف على جمع القرآن بحسب الرواية السنية من جهة، ولأنه كان من المقربين من الحزب الأموي الحاكم من جهة أخرى، مما استدعى اختلاق الروايات التي تدفع به إلى بؤرة الاهتمام والتركيز، والتي تؤكد على مناقبه وفضائله، وتعظّم دوره ومواهبه. كيف لعبت الهجرة إلى الحبشة دوراً في الثراء اللغوي بالمدينة؟ كانت الهجرة إلى الحبشة من بين الأسباب التي ساهمت في التأسيس لوجود حالة من حالات التنوع اللغوي والثقافي في المجتمع الإسلامي المبكر. بحسب ما يذكر ابن اسحاق في "السيرة النبوية"، هجرة المسلمين إلى مملكة أكسوم في الحبشة، وقعت في العام الخامس من البعثة النبوية، وبحسب ما يذكر كل من ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ" وابن كثير في "البداية والنهاية"، أخر المسلمين الذين رجعوا من الحبشة، وصلوا للمدينة المنورة في العام السابع من الهجرة، وتحديداً بعد خيبر، وهو ما يعني أن الكثير من المسلمين المهاجرين للحبشة قد أقاموا بها ما يقرب من خمسة عشر عاماً كاملة. تلك الفترة الطويلة سمحت بنقل العديد من المؤثرات اللغوية الحبشية إلى المدينة، خصوصاً أن المسلمين المهاجرين إلى الحبشة كانوا مندمجين بشكل كامل مع الأحباش، قادة وعوام بحسب ما تشير معظم المصادر التاريخية. من المرجح أن بعض المسلمين الذين قضوا فترة طويلة في مهجرهم الأفريقي، ومنهم جعفر بن أبي طالب وزوجه أسماء بنت عميس، قد أجادوا اللغة الحبشية إلى حد كبير، فعلى سبيل المثال تذكر بعض المصادر، ومنها كتاب الزهد، للحسين بن سعيد الأهوازي، أنّ جعفراً كان يدخل على النجاشي، في غير مجلس الملك، وكان كثيراً ما يدور بينهما حديث ودي منفرد، حول أحوال الرسول والمسلمين في المدينة، ولم تذكر الرواية وجود أي مترجم في تلك الجلسات، مما قد يُرجح معه أن جعفراً قد تعلم لغة النجاشي وتخاطب بها معه. نقلت أيضاً أسماء بنت عميس الكثير من المفردات والتراكيب اللغوية الحبشية معها إلى المدينة، حتى سماها بعض الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب بالحبشية كما ورد في "دلائل النبوة" للبيهقي. من المنظور الشيعي الإمامي: الرسول والأئمة يتقنون جميع اللغات الاعتقاد السائد في الثقافة الشيعية الإمامية الاثناعشرية، الذي يؤكد على أن الرسول وجميع الأئمة الاثناعشر حازوا علوماً فوق بشرية، وأنهم لما كانوا مكلفين بدعوة وهداية وإرشاد جميع البشر في مشارق الأرض ومغاربها، كان من اللازم أن يتقنوا كل لغة، حتى يستطيعوا التفاعل مع كل الأجناس بشكل مباشر وبدون وسيط. جميع الصور التي عرضنا لها في المحاور السابقة، هي في حقيقتها صور تاريخية لأوجه التفاعل اللغوي الأجنبي وتأثيراته في المجتمع الإسلامي المبكر، وهنا تجدر الإشارة كذلك إلى وجود نوع من التصور المخيلاتي، الذي ينبع من بعض الرؤى المذهبية الاعتقادية. من أهم تلك التصورات المخيلاتية، الاعتقاد السائد في الثقافة الشيعية الإمامية الاثناعشرية، الذي يؤكد على أن الرسول وجميع الأئمة الاثناعشر، كانوا محيطين بجميع اللغات واللهجات السائدة، وأنهم كانوا يمتلكون القدرة الكاملة على التحدث مع كل من الرومي والحبشي والفارسي والقبطي والهندي، بطلاقة ودون أي مشكلة. بحسب ما يذكر الشيخ المفيد في كتابه "الاختصاص" أن هذا القول يتفرع بالأساس من الاعتقاد بأن الرسول والأئمة قد حازوا علوماً فوق بشرية، وأنهم لما كانوا مكلفين بدعوة وهداية وإرشاد جميع البشر في مشارق الأرض ومغاربها، كان من اللازم أن يتقنوا كل لغة، حتى يستطيعوا التفاعل مع كل الأجناس بشكل مباشر وبدون وسيط. بحسب ذلك الاعتقاد، ذكرت الكثير من المصادر الشيعية الإمامية المتأخرة، ومنها بحار الأنوار للمجلسي، ووسائل الشيعة للحر العاملي، العديد من الروايات التي ظهر فيها كل من الرسول وعلي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين، وهم يتحدثون اللغات الأجنبية بكل طلاقة وتمكن. المصدر: رصيف 22]]> حظي المجتمع الإسلامي المبكر في المدينة المنورة بتعددية لغوية، أسهمت بشكل فعال في استحضار العديد من المؤثرات الثقافية والدينية والتاريخية. اللغات الفارسية والعبرية والسريانية والحبشية، على وجه التحديد، كان لها حضورها المميز في مجتمع المدينة، مما يشي بالقابلية الفريدة التي أظهرتها الثقافة الإسلامية الوليدة وقتها، في تقبل واحتواء الثقافات والمؤثرات اللغوية الأجنبية، وفي الاستفادة منها، في إرهاص لظهور الثقافة الإسلامية الكزموبوليتانية العابرة للحدود والأعراق، والتي ستتبلور في المرحلة التي تعقب حركة الفتوحات الإسلامية الكبرى. كان لللغات الفارسية والعبرية والسريانية والحبشية حضور في مجتمع المدينة، مما يشي بالقابلية الفريدة التي أظهرتها الثقافة الإسلامية الوليدة وقتها، في تقبل واحتواء الثقافات والمؤثرات اللغوية الأجنبية، والاستفادة منها مما دعم ظهور الثقافة الإسلامية الكزموبوليتانية العابرة للحدود والأعراق. لهجة يمنية، كلمات حبشية ولسان أمازيغي... هل اتقن الرسول اللغات الأجنبية؟ تتفق معظم آراء العلماء من أهل السنة والجماعة، على القول بأن الرسول كان أمياً، لا يعرف القراءة والكتابة، وأنه لم يكن يجيد أي لغة أخرى غير اللغة العربية بلهجتها القرشية، ولكن ومع ذلك فأن هناك مجموعة من الإشارات التي قد تدل على معرفة الرسول واتقانه لبعض الكلمات الأجنبية أو لبعض اللهجات غير الشائعة في المجتمع المكي. أولى تلك الإشارات، تتمثل في التفسيرات المتواترة للآية 103 من سورة النحل: "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ"، حيث تحمل الآية عدد من الدلالات التي تقف في صف معرفة الرسول ببعض اللغات الأجنبية، إذ تتفق التفاسير الإسلامية ومنها على سبيل المثال كل من "تفسير الطبري" و"تفسير القرطبي"، على أن الآية قد نزلت لنفي شبهة اقتباس الرسول آيات القرآن من بعض الموالي والعبيد الأجانب الذين كانوا موجودين في مكة. ولما كانت الآية قد اهتمت بنفي تلك الشبهة، واظهار التعارض بين اللسان الأعجمي الذي كان هؤلاء ينطقون به من جهة، واللغة العربية الفصيحة التي كُتب بها القرآن من جهة أخرى، فإن ذلك يعني أن الرسول كان يستطيع فهم لغات هؤلاء الأعاجم، خصوصاً وأن التفاسير تكاد تجمع على أنه كان يستمع منهم، وأنه كان يعلمهم القرآن، ومن المنطقي أن الرسول لو كان يجهل تلك اللغات، لما اتهمه المشركون أصلاً بالاقتباس من أصحابها. في إشارة ثانية، ورد في صحيح البخاري، أن الرسول قد نطق أحياناً ببعض الكلمات الحبشية، مثلما نادى طفلة من أبناء أحد المهاجرين العائدين من الحبشة "يا أم خالد هذا سنا ويا أم خالد هذا سنا"، وسنا تعني الحسن، وكان يقصد بها حلة أعطاها لتلك الطفلة، حسبما يذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري". أما فيما يخص اتقان اللهجات العربية غير الشائعة في مكة، فقد ذكر كل من أحمد بن حنبل في المسند، والطبراني في المعجم الكبير، أن عدداً من المسلمين الأشعريين الذين قدموا إلى المدينة من اليمن، كانوا صائمين في سفرهم، فقال لهم الرسول "ليس من ام بر ام صيام في ام سفر". ورغم أن العديد من العلماء قد رفضوا قبول هذا الحديث بالمنطوق المذكور، إلا أن بعضهم، ومنهم ابن حجر العسقلاني قد احتمل وقوعه بهذا اللفظ، فقال في كتابه "تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير"، "هذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميما، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بها بهذا الأشعري كذلك لأنها لغته ويحتمل أن يكون الأشعري هذا نطق بها على ما ألف من لغته، فحملها عنه الراوي عنه، وأداها باللفظ الذي سمعها به...". ومن الحوادث المشابهة التي نالت نصيباً من الشهرة، على الرغم من وضوح ضعفها وزيفها، ما أورده المؤلف المجهول صاحب كتاب "مفاخر البربر"، والذي ذكر في كتابه أن سبعة رجال من قبيلة ركراكة البربرية قد سافروا إلى الرسول، وتحدث هو معهم باللغة الأمازيغية. هل اتقن عمر بن الخطاب اللغة العبرية؟ تشير العديد من الروايات التاريخية المشهورة إلى أن عمر بن الخطاب كان من ضمن الصحابة القلائل الذين أجادوا التحدث والقراءة ببعض اللغات الأجنبية، وذلك بسبب ما تواتر عن اطلاعه المباشر على بعض الكتابات الدينية اليهودية والمسيحية. على سبيل المثال، يذكر الخطيب البغدادي في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع": "جاء عمر بصحيفة فقال: يا رسول الله بعث إلي بهذه الصحيفة رجل من بني قريظة فيها جوامع من التوراة أقرأها عليك فجعل عمر يقرأ وجعل وجه رسول الله يتغير...". وإذا ما تماشينا مع ما ورد في "الموسوعة البريطانية" من أنه لا توجد أي دلائل مؤكدة على وجود ترجمة للكتاب المقدس باللغة العربية قبل الإسلام، فإنّ الاحتمال الأقوى هو أن عمر قد قرأ التوراة باللغة العبرية، وهي اللغة التي كان يهود المدينة يقرأون بها كتبهم المقدسة في ذلك الوقت. في حديث أخر أقل شهرة، يذكره الألباني في كتابه "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل"، تحل حفصة بنت عمر محل أبيها، حيث يذكر الراوي أنها قد "جاءت إلى النبي بكتاب من قصص يوسف في كتف، فجعلت تقرأ عليه، والنبي يتلون وجهه...". الملاحظ في الروايتين أنهما قد وردا في سياق الإشارة إلى غضب الرسول من الاطلاع على الكتب السماوية السابقة على الإسلام، حيث تغير وجهه في المرتين، دلالة على رفضه القاطع لذلك الفعل، سواء صدر عن صاحبه عمر، أم عن زوجه حفصة. ولكن إذا ما حاولنا تفسير قدرة عمر على فهم الكتابات التوراتية، بكونه قد تعلم اللغات العبرية والسريانية من خلال أسفاره التجارية إلى الشام في شبابه، فكيف يمكن أن نفسر قدرة ابنته على ذلك؟ من الأرجح، أن تلك الروايات قد وضعت في سياق المنافسة المذهبية المحتدمة بين الشيعة والسنة، وأنها حاولت أن تحط من قدر ومكانة شخصيتي عمر وحفصة، المكروهتان بشكل كبير في الثقافة الشيعية، عن طريق ربطهما بشكل أو بأخر من الكتابات اليهودية، ومما قد يؤيد ذلك الرأي أن معظم المصادر السنية تضعف تلك الروايات وأشباهها، وتنظر لها بالكثير من الشك والارتياب. سلمان وصهيب وزيد بن ثابت: المترجمون الأوائل في المدينة بحسب ما تذكر المصادر التاريخية، هناك مجموعة من الصحابة الذين اهلتهم خلفيتهم العرقية والدينية لاتقان مجموعة من اللغات غير العربية. على رأس هؤلاء، يأت سلمان الفارسي، الذي يذكر كل من ابن جرير الطبري في تاريخه وابن سعد في الطبقات الكبرى، أن أصوله تعود إلى أصفهان، وهي ناحية من نواحي إيران، وأنه قد تربى هناك حيث قضى فترة طفولته وصباه وشطراً من شبابه. كان سلمان يتقن الفارسية بوصفها لغته الأم، ولكنه بعد أن ترك بلاد فارس، وسافر في رحلة طويلة بحثاً عن الدين الحق في سوريا والعراق، أضاف لمعارفه لغات جديدة، حيث أتقن كلاً من اللغة السريانية واللغة العبرية، وقرأ بهما مجموعة من الكتب المقدسة عند اليهود والمسيحيين، ولعل ذلك يفسر ما وصفه به أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء"، من كونه -يقصد سلمان-قد قرأ الكتابين. مثّلت المعرفة اللغوية الواسعة عند سلمان جسراً ثقافياً ممتداً إلى مجتمع المسلمين الناشئ في يثرب، التي تحول اسمها بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، كما أن تلك المعرفة اللغوية قد أتت بثمارها فيما بعد أثناء مرحلة الفتوحات الإسلامية في بلاد فارس، عندما تولى سلمان التفاوض بين المسلمين والفرس، مما قرب من وجهات النظر في بعض الأحيان وحمى المغلوبين من سطوة الفاتحين في أحيان أخرى. من هؤلاء الصحابة أيضاً، صهيب بن سنان، الذي اشتهر ذكره في المصادر الإسلامية بصهيب الرومي، حيث يذكر ابن الأثير في كتابه "أُسد الغابة في معرفة الصحابة"، أن صهيباً كان من أصول عربية، ولكنه تعرض في صغره للسبي على يد الروم البيزنطيين، فمكث في ديارهم لبضع سنين، مما أسفر عن تعلمه للغة اليونانية واتقانه لها، لدرجة أنها قد غلبت على لسانه، وتسببت في صعوبة نطقه بالعربية الفصيحة.  ورغم أنه من المرجح أن المجتمع الإسلامي المبكر قد استفاد بشكل إيجابي من اتقان صهيب لليونانية، إلا أننا لا نكاد نعثر في المصادر التاريخية على أي إشارة لوجه من أوجه تلك الاستفادة. في السياق ذاته، هناك بعض من اليهود الذين تحولوا لاعتناق الإسلام، ومنهم كل من عبد الله بن سلام وكعب الأحبار، ولعب هؤلاء دوراً مهماً في تعريف المجتمع الإسلامي بالمؤثرات اللغوية والتاريخية والعقائدية العبرانية، وهو الأمر الذي سيتمخض فيما بعد عن ظهور وشيوع الروايات اليهودية، والمعروفة بالإسرائيليات بشكل كبير في كتب التفسير القرآني. أما أهم الصحابة الذين أُشتهر عنهم إجادة اللغات الأجنبية، فهو زيد بن ثابت الأنصاري، وقد ورد في سنن الترمذي، عن زيد أنه قال: "أمرني رسول الله أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود قال إني والله ما آمن يهود على كتابي قال فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له قال فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم". تذكر بعض المصادر الأخرى، مثل مسند أحمد بن حنبل والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، أن الرسول قد طلب من زيد أن يتعلم اللغة السريانية، وأن زيد قد استجاب لطلبه فتعلمها في 15 يوماً أو 17 يوماً. أما بعض المصادر، ومنها "التنبيه والإشراف" للمسعودي، فقد بالغت في اللغات الأجنبية التي أتقنها زيد، حتى عدت من ضمنها كل من الفارسية والرومية والقبطية والحبشية، هذا بالطبع بجوار العبرية والسريانية. ولكن، ومع كل تلك الروايات، يبدو من الغريب أن المصادر التاريخية لم تحتفظ لنا بأي رسالة مكتوبة بلغة غير العربية، قام الرسول بتبادلها مع أي جهة أجنبية، حيث يظهر من أخبار المكاتبات التي جرت بين الرسول وملوك عصره، أنها جميعاً قد كُتبت باللغة العربية، وأن الملوك الذين تسلموها قد قاموا بترجمتها عن طريق وسيط، ومن هنا يظهر التساؤل حول دور زيد بن ثابت وعن السبب الذي دعاه لإتقان كل تلك اللغات. في أحد الآراء الواردة رداً على هذا التساؤل، يذهب المحقق اللبناني جعفر مرتضى العاملي، في كتابه "الصحيح من سيرة النبي الأعظم"، إلى أن أخبار معرفة زيد باللغات الأجنبية، قد شاعت في المصادر التاريخية لكون زيد هو الذي أشرف على جمع القرآن بحسب الرواية السنية من جهة، ولأنه كان من المقربين من الحزب الأموي الحاكم من جهة أخرى، مما استدعى اختلاق الروايات التي تدفع به إلى بؤرة الاهتمام والتركيز، والتي تؤكد على مناقبه وفضائله، وتعظّم دوره ومواهبه. كيف لعبت الهجرة إلى الحبشة دوراً في الثراء اللغوي بالمدينة؟ كانت الهجرة إلى الحبشة من بين الأسباب التي ساهمت في التأسيس لوجود حالة من حالات التنوع اللغوي والثقافي في المجتمع الإسلامي المبكر. بحسب ما يذكر ابن اسحاق في "السيرة النبوية"، هجرة المسلمين إلى مملكة أكسوم في الحبشة، وقعت في العام الخامس من البعثة النبوية، وبحسب ما يذكر كل من ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ" وابن كثير في "البداية والنهاية"، أخر المسلمين الذين رجعوا من الحبشة، وصلوا للمدينة المنورة في العام السابع من الهجرة، وتحديداً بعد خيبر، وهو ما يعني أن الكثير من المسلمين المهاجرين للحبشة قد أقاموا بها ما يقرب من خمسة عشر عاماً كاملة. تلك الفترة الطويلة سمحت بنقل العديد من المؤثرات اللغوية الحبشية إلى المدينة، خصوصاً أن المسلمين المهاجرين إلى الحبشة كانوا مندمجين بشكل كامل مع الأحباش، قادة وعوام بحسب ما تشير معظم المصادر التاريخية. من المرجح أن بعض المسلمين الذين قضوا فترة طويلة في مهجرهم الأفريقي، ومنهم جعفر بن أبي طالب وزوجه أسماء بنت عميس، قد أجادوا اللغة الحبشية إلى حد كبير، فعلى سبيل المثال تذكر بعض المصادر، ومنها كتاب الزهد، للحسين بن سعيد الأهوازي، أنّ جعفراً كان يدخل على النجاشي، في غير مجلس الملك، وكان كثيراً ما يدور بينهما حديث ودي منفرد، حول أحوال الرسول والمسلمين في المدينة، ولم تذكر الرواية وجود أي مترجم في تلك الجلسات، مما قد يُرجح معه أن جعفراً قد تعلم لغة النجاشي وتخاطب بها معه. نقلت أيضاً أسماء بنت عميس الكثير من المفردات والتراكيب اللغوية الحبشية معها إلى المدينة، حتى سماها بعض الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب بالحبشية كما ورد في "دلائل النبوة" للبيهقي. من المنظور الشيعي الإمامي: الرسول والأئمة يتقنون جميع اللغات الاعتقاد السائد في الثقافة الشيعية الإمامية الاثناعشرية، الذي يؤكد على أن الرسول وجميع الأئمة الاثناعشر حازوا علوماً فوق بشرية، وأنهم لما كانوا مكلفين بدعوة وهداية وإرشاد جميع البشر في مشارق الأرض ومغاربها، كان من اللازم أن يتقنوا كل لغة، حتى يستطيعوا التفاعل مع كل الأجناس بشكل مباشر وبدون وسيط. جميع الصور التي عرضنا لها في المحاور السابقة، هي في حقيقتها صور تاريخية لأوجه التفاعل اللغوي الأجنبي وتأثيراته في المجتمع الإسلامي المبكر، وهنا تجدر الإشارة كذلك إلى وجود نوع من التصور المخيلاتي، الذي ينبع من بعض الرؤى المذهبية الاعتقادية. من أهم تلك التصورات المخيلاتية، الاعتقاد السائد في الثقافة الشيعية الإمامية الاثناعشرية، الذي يؤكد على أن الرسول وجميع الأئمة الاثناعشر، كانوا محيطين بجميع اللغات واللهجات السائدة، وأنهم كانوا يمتلكون القدرة الكاملة على التحدث مع كل من الرومي والحبشي والفارسي والقبطي والهندي، بطلاقة ودون أي مشكلة. بحسب ما يذكر الشيخ المفيد في كتابه "الاختصاص" أن هذا القول يتفرع بالأساس من الاعتقاد بأن الرسول والأئمة قد حازوا علوماً فوق بشرية، وأنهم لما كانوا مكلفين بدعوة وهداية وإرشاد جميع البشر في مشارق الأرض ومغاربها، كان من اللازم أن يتقنوا كل لغة، حتى يستطيعوا التفاعل مع كل الأجناس بشكل مباشر وبدون وسيط. بحسب ذلك الاعتقاد، ذكرت الكثير من المصادر الشيعية الإمامية المتأخرة، ومنها بحار الأنوار للمجلسي، ووسائل الشيعة للحر العاملي، العديد من الروايات التي ظهر فيها كل من الرسول وعلي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين، وهم يتحدثون اللغات الأجنبية بكل طلاقة وتمكن. المصدر: رصيف 22]]> 119840 رواية أبناء وأحذية : حكاية رجلٍ أنجب سبعاً وعشرين طفلاً / الكاتب العراقي “محسن الرملي” http://www.souriyati.com/2019/02/28/119581.html Thu, 28 Feb 2019 16:40:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/02/28/119581.html "انتقاماً من موت طفلتي في العراق، أنجبت سبعة وعشرين طفلاً في إسبانيا وكولومبيا"، بهذه العبارة المفاجئة يفتتح الكاتب العراقي "محسن الرملي" روايته الأخيرة "أبناء وأحذية". بطل الرواية "أمير" شابٌ عراقي مولعٌ بالمسرح، لكن والده الذي يعمل شرطياً، لا يوافق على رغبة ابنه في دراسة المسرح، ما يدفع بالابن إلى الدخول في كلية الرياضة، يلتقي بعد ذلك بـ"زهراء"، والتي تشبه قصتها قصته في هذه الجزئية، إذ إنها تحب المسرح أيضاً لكن والدها يجبرها على دراسة الشريعة. يحب الاثنان بعضهما ويزوران معهد التمثيل عدة مرات، قبل أن يتفقا على ترك كليّتيهما والانضمام إلى الطلبة الذين يدرسون التمثيل. تنتهي قصة الحب بين الاثنين إلى الزواج، لكن الحرب ستطيح بقصة الحب هذه، إذ يستدعى "أمير" إلى الخدمة العسكرية في أثناء حمل زوجته، ولن يراها مرة أخرى إلا وهي تلد طفلة جميلة سيقرر تسميتها "أميرة الزهراء" جامعاً اسميهما معاً، غير أن الطفلة تموت بعد ساعات من ولادتها، قاسمةً بموتها عرى هذه العلاقة. ولعل المشهد الذي يلي موتها، وحيرة الأب الحامل لطفلته يبحث عن مكان لدفنها، من أقوى المشاهد في الرواية وأشدها تأثيراً، إذ يحتار كيف يدفنها وحين يعثر على صندوق صغير مرميّ يقرر وضعها فيه، ثم يبحث عن مكان ليواريها التراب سريعاً قبل أن تنتهي إجازته القصيرة ويعود إلى ثكنته العسكرية. "كنت أحمل جثتها الصغيرة في صندوق أحذية كارتوني، وأسير وحيداً في الأزقة الآسنة والساحات المكتظة بالساهرين والمشرّدين والكلاب السائبة، عابراً الجسر، مفكراً في القف إلى النهر معها، متوقفاً في شارع الكتب الخالي إلا من الفئران، ومحدّثاً إياها عن ذكرى خطواتي فيه مع أمها، مروراً بمقهى أبي المفضّل، وتهنئة صاحبه لي بالحذاء الجديد، وهو لا يعلم أن الذي أحمله في تلك العلبة هو جثمان طفلتي وليس حذاء... لحظتها، تمنيت لو أنه أطلق على قلبي رصاصة بدل كلمة مبروك". الرواية التي تجري أحداثها في ثلاثة أمكنة هي العراق وإسبانيا وكولومبيا، ستتخذ منحى آخر بعد هذه الحادثة، إذ يتطلق الزوجان ويقرر "أمير" تغيير حياته فيسافر إلى إسبانيا حيث يقيم ابن خاله. وفي البلاد البعيدة "يهدي طفلاً لكل امرأة تحلم بالأمومة". تتحوّل فصول الرواية إلى متابعة حثيثة لغراميات راويها، وفصلاً تلو الآخر نكتشف حكاية سبعة وعشرين طفلاً هم نتيجة هذه الغراميات وثمرتها، لكن ذلك لا يعني أننا سنكون في كل مرة أمام حكاية كيف تعرّف "أمير" بالمرأة التي ستصبح أماً لطفله فحسب، بل سنكون أمام حكاية المرأة نفسها أيضاً. هكذا نقرأ عن امرأتين مثليتي الجنس تريدان طفلاً، وعن زوجة تعاني من خيانة زوجها فتخونه بدورها، وعن فتاة خلاسية خرساء، وعن نساء يعشن بمفردهن وسط الطبيعة الكولومبية الساحرة، وعن فتاة مقاتلة تمشي على خطى "جيفارا" وتسعى مع رفاقها لتصحيح الحركة النضالية... تحفل الرواية إذاً بتنوّع ثري في الشخصيات والأحداث، وتطرح في تنوّعها هذا الكثير من المواضيع الإنسانية وتثير مجدداً الأسئلة الوجودية: ما هو الخير وما هو الشر، هل نحن أحرار في خياراتنا أم مسيرون، ما أثر مواضينا في رسم مصائرنا، وما هو المشترك بيننا كبشر في العمق، على الرغم من اختلاف ثقافاتنا ومرجعياتنا.  تتداخل مع تلك الحكايات حكايات أخرى أيضاً، كقصة ابن الخال الذي يؤسس امبراطورية مالية في إسبانيا، وتتكشف الأحداث عن أنه يهرّب الذهب من كولومبيا، ويورّط مجموعة من الأشخاص من حوله في هذا الأمر، كما نقرأ قصة الرجل المصري "هاني" الذي يتعرف إليه "أمير" في كولومبيا، وتنشأ بينهما صداقة مهمة، وتكون نقاشاتهما حول السعادة والأديان ومعنى الحياة والحب رافداً يغذي نهر الرواية وهي تسير إلى مصبها. شخصيات كثيرة وحكايات عديدة ومتشعبة تحفل بها الرواية، لكنها كلها تدور في فلك البطل الذي يجد متعته في إهداء الأطفال للحالمات بالأمومة من جهة، وفي إنشاء مشغلٍ لصنع أحذية الأطفال من جهة ثانية، هكذا تمضي حياته بين "أبناء وأحذية"... "تمضي الحياة بنا دون توقف، ومع كل يوم يمر نشعر بأن وجودنا فيها يقترب من نهايته، ونحن ما زلنا لا نفهم معنى وجودنا فيها. لم تكن حياتي سوى أبناء وأحذية. أبناء وأحذية وكلاهما للآخرين وليس لي. هل سيكرهني كل أبنائي؟ (...) ربما أن إنجاب طفل هو تجديد لعقدنا مع الحياة، وإتاحة المزيد من الوقت بانتظار التوصل إلى إجابات معينة، وأنت جددت عقدك مع الحياة سبعاً وعشرين مرة، ولكنك كنت دائماً الطرف الذي لم يلتزم بهذه العقود". المؤلف: محسن الرملي/ العراق، الناشر: دار المدى/ بغداد - بيروت، عدد الصفحات: 196، الطبعة الأولى: 2018، يمكن الحصول عليها من موقع النيل والفرات. محسن الرملي كاتب وأكاديمي ومترجم عراقي يقيم في إسبانيا. له مجموعة من الروايات أبرزها: "الفتيت المبعثر" التي فازت ترجمتها الإنكليزية بجائزة أركنساس 2002، و"تمر الأصابع" التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2010، و"حدائق الرئيس" التي نالت ترجمتها الإنكليزية بجائزة القلم الدولي 2016، و"ذئبة الحب والكتب" التي وصلت القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2015. ترجمت رواياته إلى عدة لغات، من بينها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والبرتغالية والكردية. المصدر: رصيف 22]]> "انتقاماً من موت طفلتي في العراق، أنجبت سبعة وعشرين طفلاً في إسبانيا وكولومبيا"، بهذه العبارة المفاجئة يفتتح الكاتب العراقي "محسن الرملي" روايته الأخيرة "أبناء وأحذية". بطل الرواية "أمير" شابٌ عراقي مولعٌ بالمسرح، لكن والده الذي يعمل شرطياً، لا يوافق على رغبة ابنه في دراسة المسرح، ما يدفع بالابن إلى الدخول في كلية الرياضة، يلتقي بعد ذلك بـ"زهراء"، والتي تشبه قصتها قصته في هذه الجزئية، إذ إنها تحب المسرح أيضاً لكن والدها يجبرها على دراسة الشريعة. يحب الاثنان بعضهما ويزوران معهد التمثيل عدة مرات، قبل أن يتفقا على ترك كليّتيهما والانضمام إلى الطلبة الذين يدرسون التمثيل. تنتهي قصة الحب بين الاثنين إلى الزواج، لكن الحرب ستطيح بقصة الحب هذه، إذ يستدعى "أمير" إلى الخدمة العسكرية في أثناء حمل زوجته، ولن يراها مرة أخرى إلا وهي تلد طفلة جميلة سيقرر تسميتها "أميرة الزهراء" جامعاً اسميهما معاً، غير أن الطفلة تموت بعد ساعات من ولادتها، قاسمةً بموتها عرى هذه العلاقة. ولعل المشهد الذي يلي موتها، وحيرة الأب الحامل لطفلته يبحث عن مكان لدفنها، من أقوى المشاهد في الرواية وأشدها تأثيراً، إذ يحتار كيف يدفنها وحين يعثر على صندوق صغير مرميّ يقرر وضعها فيه، ثم يبحث عن مكان ليواريها التراب سريعاً قبل أن تنتهي إجازته القصيرة ويعود إلى ثكنته العسكرية. "كنت أحمل جثتها الصغيرة في صندوق أحذية كارتوني، وأسير وحيداً في الأزقة الآسنة والساحات المكتظة بالساهرين والمشرّدين والكلاب السائبة، عابراً الجسر، مفكراً في القف إلى النهر معها، متوقفاً في شارع الكتب الخالي إلا من الفئران، ومحدّثاً إياها عن ذكرى خطواتي فيه مع أمها، مروراً بمقهى أبي المفضّل، وتهنئة صاحبه لي بالحذاء الجديد، وهو لا يعلم أن الذي أحمله في تلك العلبة هو جثمان طفلتي وليس حذاء... لحظتها، تمنيت لو أنه أطلق على قلبي رصاصة بدل كلمة مبروك". الرواية التي تجري أحداثها في ثلاثة أمكنة هي العراق وإسبانيا وكولومبيا، ستتخذ منحى آخر بعد هذه الحادثة، إذ يتطلق الزوجان ويقرر "أمير" تغيير حياته فيسافر إلى إسبانيا حيث يقيم ابن خاله. وفي البلاد البعيدة "يهدي طفلاً لكل امرأة تحلم بالأمومة". تتحوّل فصول الرواية إلى متابعة حثيثة لغراميات راويها، وفصلاً تلو الآخر نكتشف حكاية سبعة وعشرين طفلاً هم نتيجة هذه الغراميات وثمرتها، لكن ذلك لا يعني أننا سنكون في كل مرة أمام حكاية كيف تعرّف "أمير" بالمرأة التي ستصبح أماً لطفله فحسب، بل سنكون أمام حكاية المرأة نفسها أيضاً. هكذا نقرأ عن امرأتين مثليتي الجنس تريدان طفلاً، وعن زوجة تعاني من خيانة زوجها فتخونه بدورها، وعن فتاة خلاسية خرساء، وعن نساء يعشن بمفردهن وسط الطبيعة الكولومبية الساحرة، وعن فتاة مقاتلة تمشي على خطى "جيفارا" وتسعى مع رفاقها لتصحيح الحركة النضالية... تحفل الرواية إذاً بتنوّع ثري في الشخصيات والأحداث، وتطرح في تنوّعها هذا الكثير من المواضيع الإنسانية وتثير مجدداً الأسئلة الوجودية: ما هو الخير وما هو الشر، هل نحن أحرار في خياراتنا أم مسيرون، ما أثر مواضينا في رسم مصائرنا، وما هو المشترك بيننا كبشر في العمق، على الرغم من اختلاف ثقافاتنا ومرجعياتنا.  تتداخل مع تلك الحكايات حكايات أخرى أيضاً، كقصة ابن الخال الذي يؤسس امبراطورية مالية في إسبانيا، وتتكشف الأحداث عن أنه يهرّب الذهب من كولومبيا، ويورّط مجموعة من الأشخاص من حوله في هذا الأمر، كما نقرأ قصة الرجل المصري "هاني" الذي يتعرف إليه "أمير" في كولومبيا، وتنشأ بينهما صداقة مهمة، وتكون نقاشاتهما حول السعادة والأديان ومعنى الحياة والحب رافداً يغذي نهر الرواية وهي تسير إلى مصبها. شخصيات كثيرة وحكايات عديدة ومتشعبة تحفل بها الرواية، لكنها كلها تدور في فلك البطل الذي يجد متعته في إهداء الأطفال للحالمات بالأمومة من جهة، وفي إنشاء مشغلٍ لصنع أحذية الأطفال من جهة ثانية، هكذا تمضي حياته بين "أبناء وأحذية"... "تمضي الحياة بنا دون توقف، ومع كل يوم يمر نشعر بأن وجودنا فيها يقترب من نهايته، ونحن ما زلنا لا نفهم معنى وجودنا فيها. لم تكن حياتي سوى أبناء وأحذية. أبناء وأحذية وكلاهما للآخرين وليس لي. هل سيكرهني كل أبنائي؟ (...) ربما أن إنجاب طفل هو تجديد لعقدنا مع الحياة، وإتاحة المزيد من الوقت بانتظار التوصل إلى إجابات معينة، وأنت جددت عقدك مع الحياة سبعاً وعشرين مرة، ولكنك كنت دائماً الطرف الذي لم يلتزم بهذه العقود". المؤلف: محسن الرملي/ العراق، الناشر: دار المدى/ بغداد - بيروت، عدد الصفحات: 196، الطبعة الأولى: 2018، يمكن الحصول عليها من موقع النيل والفرات. محسن الرملي كاتب وأكاديمي ومترجم عراقي يقيم في إسبانيا. له مجموعة من الروايات أبرزها: "الفتيت المبعثر" التي فازت ترجمتها الإنكليزية بجائزة أركنساس 2002، و"تمر الأصابع" التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2010، و"حدائق الرئيس" التي نالت ترجمتها الإنكليزية بجائزة القلم الدولي 2016، و"ذئبة الحب والكتب" التي وصلت القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2015. ترجمت رواياته إلى عدة لغات، من بينها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والبرتغالية والكردية. المصدر: رصيف 22]]> 119581 عرض وتحليل لرواية طيور الشوك bei Colleen McCullough The Thorn Birds بقلم آرام كرابيت http://www.souriyati.com/2019/02/26/119435.html Tue, 26 Feb 2019 19:38:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/02/26/119435.html آرام كرابيت طيور الشوك الروائية، كولين مكلو تأخذ بلبّنا، تجعلنا نسرح، نبحر في عوالمها، بشغف وحب، ورغبة في معرفة ذلك الجزء الغريب عنا، نيوزلاندا وأستراليا، نسبح في ظلال تلك الأرض الغريبة، غربة الإنسان في هذا الوجود. نتلمس التراب الأسود في مقاطعة ويلز الجنوبية الجديدة، الحر الشديد، الشمس الحارقة، الذباب الكثيف وقطعان الكناغر التي تسرح وتمرح. الكنيسة التي تملك السماء، وتقبض على الأرض، تستملك منطقة دروغيدا في علاقة مباشرة مع الكرسي البابوي، شيء من الذهول يخيم على حيوات الناس، أقدارهم، في بيئتهم الجديدة، وكأنهم مكلفين من الرب أن يدخلوا هذه المعمعة، يغطسوا في جورة الحياة، قسوتها. الركض الدائم وراء لقمة الخبز، دون أن يقف أحدهم مع نفسه ويسأل: ـ ماذا فعلت، من رجمت حتى أعاني هذا العذاب والألم. بسرعة هائلة، عبر المال تشكلت عائلات، بيوتات مالية تستملك قطاعات كبيرة من الأراضي المفتوحة على وسع السماء. المال، كل شيء يدور حوله، البنية النفسية للناس، العقلية، ذلك الصنم الذي ليس له انتماء، والركض السريع والمحموم وراءه. الصراع المحموم للناس من أجل الملكية، الانتماءات الشكلانية للذين جاؤوا إليهما هرباً أو تسفيراً أو تهجيراً، من قبل الحكومة البريطانية لمنفاهم الجديد، القاسي، ودفعهم بالقوة، إلى هذه البلاد البعيدة عن مركز الحضارة الرأسمالية. جاؤوا من إيرلندا الكاثوليكية الثائرة على المذهب البروتساتني، حوامل المصالح والصراعات. القسم الأكبر سجناء، متهمين بجرائم، أو ثائر أو قاطع طريق. وأرادت الإمبراطورية لفظهم ورميهم في أتون عالم غامض في وجوده، على تلك السواحل الغريبة، الغامضة، نيوزيلادا وأستراليا. العلاقات العاطفية المريضة، المتكئة على قيم دينية، تجعل الإنسان مستلبًا، مرهونًا لقوانين الكنيسة والدين. تستملكهم، وتأسر وجودهم. الرواية، تعري المجتمع النيوزلاندي، الأسترالي في الربع الأولى من القرن العشرين إلى ما بعد منتصفه، مروراً بالأزمة الاقتصادية الكبرى في العام 1929، والكساد الذي ضربهما، البطالة والمزيد من التشرد والجوع والضياع، تحكّم الزوج بادي، بزوجته، فيونا، الأولاد والبيت طيلة حياته. وعندما مات انتقلت سلطته إلى ابنه بوب. نكتشف هشاشة المرأة، المهذبة، الخاضعة لقوانين الزواج، للرجل، عبر استلابها والحاقها به. الدين، المذهب الكاثوليكي فاعل بقوة في تسيير العلاقات، عدم قدرة الناس القفز عليه، حساسية المذهب، الكاثوليكي والبروتستاتني من بعضهما، انقسام المجتمع على ذاته، كل مذهب له كنيسته، رعاته، رجاله. وتسلّط الرواية الضوء على العادات والتقاليد السائدة، الحسب والنسب، المكانة الاجتماعية المرتبطة بالقوة، المال، النفوذ والسلطة. في بداية القرن العشرين في تلك البلاد، الزواج، العلاقات خارج مؤسستها، العيب، كلام الناس، عدم تقبل امرأة أقامت علاقة مع رجل أو انجبت طفلاً. تتحول، في أو فيونا، إلى عار، يلاحقها طوال حياتها. تتخلى عنها أسرتها بالرغم من أنها تزوجت وأنجبت تسعة أطفال. وفي لحظة غضب، يحقر الزوج بادي، ابن زوجته، الابن غير الشرعي، فرانك من عشيقها، بالرغم من أنه عاش طفولته في أحضانه. وكان بمثابة أبوه، بيد أنه عيّره بأنه ابن زنى، مما دفع هذا الشاب إلى الهرب وترك البيت، ثم يتحول إلى مجرم. إنه منحوس، يهرب من عاره، وعار أمه. تسلط الرواية بقوة الضوء على علاقة الدين بالمال، عشق القوة والسلطة، التراتبية، وفق حسابات دقيقة، وفق منظور شكلاني تراعى فيها القوة. عائلة بادي، الزوج، العامل العادي، جزاز الصوف. ينتقل من منطقة إلى أخرى بحثًا عن العمل. لا يعرف سوى إنجاب الأطفال والعمل، من النادر أن نراه يتحدث أو يتكلم. تابع أمين للكنيسة. زوجته. في أو فيونا، من عائلة نبيلة. في البدء، كان والدها، مجرماً محترفاً، هرب من السجن بعد أن قتل حراسه الستة. وشاءت الظروف أن يصل إلى سواحل نيوزلاندا، ويتحول بين ليلة وضحاها إلى مالك، يمتلك قطعات هائلة من الأرض البور، ويصبح رجلًا ثريًا، ارستقراطيًا، محترمًا، تحسده بقية العائلات. تدخل ابنة العائلة النبيلة في علاقة عاطفية مع إنسان، تنجب منه جنينًا، بيد أنه يهرب من مسؤولية تبنيه. يستيقظ العار، العلاقة المربوطة بشروط المجتمع في داخل العائلة. تعمل هذه الأخيرة على التخلص من ابنتهم بأية طريقة. ترمى لأول رجل، (بادي)، من عائلة فقيرة، تتزوجه سترًا للعار. لا اسم له ولا مكانة، بيد أن، في، تبقى مخلصة لزوجها، أطفالها. ومن النادر نسمعها تتكلم أو تبدي رأيها في مسألة ما. خجلها من عارها ربط لسانها، أسكتها وأصبحت أسيرة له. الشخصية المحورية في الرواية هي، (ميغي)، الفتاة، الوحيدة في الأسرة المكونة من ثمانية ذكور، يموت أحد الأطفال، قبل أن يكبر. تعشق ميغي الكاهن رالف، بيد أن هذا الأخير يعشق ذاته، المال، الخضوع التام، العبودية للكنيسة وقوانينها التي تحوله إلى مجرد تابع، خادم. كان يحبها، بيد أن شخصيته غريبة. هوسه بنفسه، ظنه أن جميع النساء يعشقنه لوسامته، جاذبيته الغريبة يهرب من هذا الحب، يجري ركضًا من مكان لأخر، يصلي، يتعبد، بيد أن الحب، العشق، سلطان، يبقى عالقًا في أنفاسه، وروحه. ويركض معه، يلتصق بجلده ولا يتركه أينما ذهب. تصور الرواية، كأن الحب بين الرجل والمرأة، القدر لا فكاك منه. مهما حاول الإنسان الهرب منه، يخرج له، ويحرك ذاته ووجوده دون أن يكون للإنسان القدرة أن يوقفه، وكلا الرجل والمرأة مستلبين لا قوة لهما على رفضه. ميغي تهرب، أيضًا من ذاتها. تلجأ إلى رجل أخر شبيه بالكاهن رالف في الشكل والمظهر، بيد أنهما مختلفان بالجوهر. وتتزوجه دون معرفة لطباعه، عقله. وتتحول إلى شيء، ظل لا صوت له وكلمة. مستلبة بالكامل، لسانها مربوط مثل أمها، من الخجل، من الفضيحة، من قرارها الخطأ بالزواج من رجل اختارته بالخطأ شخصيات الرواية مأسورة، مسجونة في قوالب الأقدار. كل شيء في استراليا غريب، الأرض، مزارع الأغنام، تحركات القطعان الكبيرة للأغنام التي تقدر بعشرات الآلاف، تغييرات الطقس السديمي المرعب، تقلباته. الطقس المداري الحار، هبوب العواصف الرملية، العجاج التي يسد الأنفاس ويعمي العيون، قلة الأمطار في منطقة ويلز الجنوبية الجديدة، الجفاف الحاد. ومع هبوب الرياح والصواعق، تشتعل النيران في تلك المدارات القريبة من مدار السرطان، الحرائق التي تجتاح عشرات الآلاف من الهكتارات المعدة للرعي، تحولها إلى أرض سوداء يعقبها أمطار كثيفة عدة أيام. ومن الغرائب، أن جدولًا، شبه جاف، يتحول في ليلة ماطرة، إلى نهر بارتفاع سبعة عشر متراً. كل شيء متناقض في ويلز الجنوبية الجديدة في أستراليا. أعلى معدل للأمطار في السنة حوالي 400 مم وعلى مسافة بعيدة، مقاطعة كوينزلاند الشمالية، الأمطار غزيرة ومرعبة، ويصل معدلها إلى 7500 مم، في بيئة مملوءة بغابات هائلة مزروعة بقصب السكر. جميع البيوت في غيللانبون مصنوعة من الأخشاب، ما عدا فندق امبريال والكنيسة الكاثوليكية، ومدرستها والدير وبيت الكاهن. وفي الطريق إلى دروغيدا، طيور الأمو تجري بسرعة الريح. العمال الرحل، المشردون، الذين لا يحبون الاستقرار، منطقة غيللانبون، أشجار الصمغ العالية. في هذه المدينة ورثت السيدة ميري كارسون، دروغيدا، مساحات هائلة من الأراضي، عالم قائم بحاله، مقطوعًا عن الحضارة، فيه اسطبلات، حانات الحدادة، مسالخ، آلات زراعية. في شهر آيار من كل سنة، يبدأ جز قطعان الأغنام في روغيدا، بوغيلا، ديبان ديبان، وبيل بيل. فالجز الجماعي لصوف الأغنام كان شائعاً، معهم طباخيهم، ويشترون غذاءهم من المحطة، تأمين كميات هائلة من الطعام، إعداد وتنظيف الأكواخ الخشبية المتداعية. وتعتبر دروغيدا أكبر مراكز الجز في ويلز الجنوبية الجديدة، لجز ثلاثمئة ألف خروف. القطارات هي الوسيلة الوحيدة لقطع مسافات كبيرة من الغرب إلى الشرق ومن الجنوب إلى الشمال، وتكون عادة مكتظة بالناس الواقفين. فعند زواج لوك من ميغي، يسافرون عبر القطار من ويلز الجنوبية الجديدة باتجاه كوينزلاند الشمالية وقوفاً على أقدامهم عدة أيام. ومرات كثيرة يتوقف القطار دون سبب. ويتوقف، كلما خطر على بال السائق أن يصنع لنفسه كوبًا من الشاي أو ليمرر قطيعًا من الأغنام يتجولون على السكة. أو يثرثر مع أحد الرعاة. والمحطات، أبنية قبيحة، مطلية باللون الأخضر، بمقاعد خشبية سوداء. يشعر المرء أن الإنسان في هذه الرواية يضع قدره فوق رأسه كحمل ثقيل، كصخرة جاثمة، لا تتحرك. يمشي وهو صامت، لا يعن من ثقل ضربات الزمن، ولا يتأفف أو يتذمر. وكأن الحياة ولدت هكذا، مقلوبة، متقلبة، قاسية. والإنسان فيها مربوط بثقافة، تحثه أن يبقى على قدميه واقفًا دون أن يفكر في المقاومة أو الصراخ. نستطيع التعرف على المقاطعات الاسترالية، المدن، الأدغال، الصحراء، البيد، والغابات التي تحيط بالمدن، أعمدة الهاتف، أشجار الجوز الطويلة، الصمغ. وعندما تسافر الزوجة ميغي مع لوك غلى مقاطعة كوينزلاند، نتعرف على مدينة أخرى اسمها دنغلو التي بنيت على شكل تجمعات مستقيمة، يعيش فيها الكثير من الصينيين، يرتدون بنطالات سوداء حريرية. وكل التجارة في أيديهم. البيئة شديدة القسوة، كأن المكان يرصد حيوات الناس، يركعهم، يربطهم بأوتاد الوجع. إنّها حكاية الإنسان، غربته، البراري، الطبيعة القاسية، يعصي على البشر ترويضها ومحاولتهم التأقلم مع الوضع القائم. الرواية طويلة جدًا، تمتد على مساحة 1322 صفحة مقسمة على ثلاثة أجزاء، بيد أنّها شيقة وجميلة.]]> آرام كرابيت طيور الشوك الروائية، كولين مكلو تأخذ بلبّنا، تجعلنا نسرح، نبحر في عوالمها، بشغف وحب، ورغبة في معرفة ذلك الجزء الغريب عنا، نيوزلاندا وأستراليا، نسبح في ظلال تلك الأرض الغريبة، غربة الإنسان في هذا الوجود. نتلمس التراب الأسود في مقاطعة ويلز الجنوبية الجديدة، الحر الشديد، الشمس الحارقة، الذباب الكثيف وقطعان الكناغر التي تسرح وتمرح. الكنيسة التي تملك السماء، وتقبض على الأرض، تستملك منطقة دروغيدا في علاقة مباشرة مع الكرسي البابوي، شيء من الذهول يخيم على حيوات الناس، أقدارهم، في بيئتهم الجديدة، وكأنهم مكلفين من الرب أن يدخلوا هذه المعمعة، يغطسوا في جورة الحياة، قسوتها. الركض الدائم وراء لقمة الخبز، دون أن يقف أحدهم مع نفسه ويسأل: ـ ماذا فعلت، من رجمت حتى أعاني هذا العذاب والألم. بسرعة هائلة، عبر المال تشكلت عائلات، بيوتات مالية تستملك قطاعات كبيرة من الأراضي المفتوحة على وسع السماء. المال، كل شيء يدور حوله، البنية النفسية للناس، العقلية، ذلك الصنم الذي ليس له انتماء، والركض السريع والمحموم وراءه. الصراع المحموم للناس من أجل الملكية، الانتماءات الشكلانية للذين جاؤوا إليهما هرباً أو تسفيراً أو تهجيراً، من قبل الحكومة البريطانية لمنفاهم الجديد، القاسي، ودفعهم بالقوة، إلى هذه البلاد البعيدة عن مركز الحضارة الرأسمالية. جاؤوا من إيرلندا الكاثوليكية الثائرة على المذهب البروتساتني، حوامل المصالح والصراعات. القسم الأكبر سجناء، متهمين بجرائم، أو ثائر أو قاطع طريق. وأرادت الإمبراطورية لفظهم ورميهم في أتون عالم غامض في وجوده، على تلك السواحل الغريبة، الغامضة، نيوزيلادا وأستراليا. العلاقات العاطفية المريضة، المتكئة على قيم دينية، تجعل الإنسان مستلبًا، مرهونًا لقوانين الكنيسة والدين. تستملكهم، وتأسر وجودهم. الرواية، تعري المجتمع النيوزلاندي، الأسترالي في الربع الأولى من القرن العشرين إلى ما بعد منتصفه، مروراً بالأزمة الاقتصادية الكبرى في العام 1929، والكساد الذي ضربهما، البطالة والمزيد من التشرد والجوع والضياع، تحكّم الزوج بادي، بزوجته، فيونا، الأولاد والبيت طيلة حياته. وعندما مات انتقلت سلطته إلى ابنه بوب. نكتشف هشاشة المرأة، المهذبة، الخاضعة لقوانين الزواج، للرجل، عبر استلابها والحاقها به. الدين، المذهب الكاثوليكي فاعل بقوة في تسيير العلاقات، عدم قدرة الناس القفز عليه، حساسية المذهب، الكاثوليكي والبروتستاتني من بعضهما، انقسام المجتمع على ذاته، كل مذهب له كنيسته، رعاته، رجاله. وتسلّط الرواية الضوء على العادات والتقاليد السائدة، الحسب والنسب، المكانة الاجتماعية المرتبطة بالقوة، المال، النفوذ والسلطة. في بداية القرن العشرين في تلك البلاد، الزواج، العلاقات خارج مؤسستها، العيب، كلام الناس، عدم تقبل امرأة أقامت علاقة مع رجل أو انجبت طفلاً. تتحول، في أو فيونا، إلى عار، يلاحقها طوال حياتها. تتخلى عنها أسرتها بالرغم من أنها تزوجت وأنجبت تسعة أطفال. وفي لحظة غضب، يحقر الزوج بادي، ابن زوجته، الابن غير الشرعي، فرانك من عشيقها، بالرغم من أنه عاش طفولته في أحضانه. وكان بمثابة أبوه، بيد أنه عيّره بأنه ابن زنى، مما دفع هذا الشاب إلى الهرب وترك البيت، ثم يتحول إلى مجرم. إنه منحوس، يهرب من عاره، وعار أمه. تسلط الرواية بقوة الضوء على علاقة الدين بالمال، عشق القوة والسلطة، التراتبية، وفق حسابات دقيقة، وفق منظور شكلاني تراعى فيها القوة. عائلة بادي، الزوج، العامل العادي، جزاز الصوف. ينتقل من منطقة إلى أخرى بحثًا عن العمل. لا يعرف سوى إنجاب الأطفال والعمل، من النادر أن نراه يتحدث أو يتكلم. تابع أمين للكنيسة. زوجته. في أو فيونا، من عائلة نبيلة. في البدء، كان والدها، مجرماً محترفاً، هرب من السجن بعد أن قتل حراسه الستة. وشاءت الظروف أن يصل إلى سواحل نيوزلاندا، ويتحول بين ليلة وضحاها إلى مالك، يمتلك قطعات هائلة من الأرض البور، ويصبح رجلًا ثريًا، ارستقراطيًا، محترمًا، تحسده بقية العائلات. تدخل ابنة العائلة النبيلة في علاقة عاطفية مع إنسان، تنجب منه جنينًا، بيد أنه يهرب من مسؤولية تبنيه. يستيقظ العار، العلاقة المربوطة بشروط المجتمع في داخل العائلة. تعمل هذه الأخيرة على التخلص من ابنتهم بأية طريقة. ترمى لأول رجل، (بادي)، من عائلة فقيرة، تتزوجه سترًا للعار. لا اسم له ولا مكانة، بيد أن، في، تبقى مخلصة لزوجها، أطفالها. ومن النادر نسمعها تتكلم أو تبدي رأيها في مسألة ما. خجلها من عارها ربط لسانها، أسكتها وأصبحت أسيرة له. الشخصية المحورية في الرواية هي، (ميغي)، الفتاة، الوحيدة في الأسرة المكونة من ثمانية ذكور، يموت أحد الأطفال، قبل أن يكبر. تعشق ميغي الكاهن رالف، بيد أن هذا الأخير يعشق ذاته، المال، الخضوع التام، العبودية للكنيسة وقوانينها التي تحوله إلى مجرد تابع، خادم. كان يحبها، بيد أن شخصيته غريبة. هوسه بنفسه، ظنه أن جميع النساء يعشقنه لوسامته، جاذبيته الغريبة يهرب من هذا الحب، يجري ركضًا من مكان لأخر، يصلي، يتعبد، بيد أن الحب، العشق، سلطان، يبقى عالقًا في أنفاسه، وروحه. ويركض معه، يلتصق بجلده ولا يتركه أينما ذهب. تصور الرواية، كأن الحب بين الرجل والمرأة، القدر لا فكاك منه. مهما حاول الإنسان الهرب منه، يخرج له، ويحرك ذاته ووجوده دون أن يكون للإنسان القدرة أن يوقفه، وكلا الرجل والمرأة مستلبين لا قوة لهما على رفضه. ميغي تهرب، أيضًا من ذاتها. تلجأ إلى رجل أخر شبيه بالكاهن رالف في الشكل والمظهر، بيد أنهما مختلفان بالجوهر. وتتزوجه دون معرفة لطباعه، عقله. وتتحول إلى شيء، ظل لا صوت له وكلمة. مستلبة بالكامل، لسانها مربوط مثل أمها، من الخجل، من الفضيحة، من قرارها الخطأ بالزواج من رجل اختارته بالخطأ شخصيات الرواية مأسورة، مسجونة في قوالب الأقدار. كل شيء في استراليا غريب، الأرض، مزارع الأغنام، تحركات القطعان الكبيرة للأغنام التي تقدر بعشرات الآلاف، تغييرات الطقس السديمي المرعب، تقلباته. الطقس المداري الحار، هبوب العواصف الرملية، العجاج التي يسد الأنفاس ويعمي العيون، قلة الأمطار في منطقة ويلز الجنوبية الجديدة، الجفاف الحاد. ومع هبوب الرياح والصواعق، تشتعل النيران في تلك المدارات القريبة من مدار السرطان، الحرائق التي تجتاح عشرات الآلاف من الهكتارات المعدة للرعي، تحولها إلى أرض سوداء يعقبها أمطار كثيفة عدة أيام. ومن الغرائب، أن جدولًا، شبه جاف، يتحول في ليلة ماطرة، إلى نهر بارتفاع سبعة عشر متراً. كل شيء متناقض في ويلز الجنوبية الجديدة في أستراليا. أعلى معدل للأمطار في السنة حوالي 400 مم وعلى مسافة بعيدة، مقاطعة كوينزلاند الشمالية، الأمطار غزيرة ومرعبة، ويصل معدلها إلى 7500 مم، في بيئة مملوءة بغابات هائلة مزروعة بقصب السكر. جميع البيوت في غيللانبون مصنوعة من الأخشاب، ما عدا فندق امبريال والكنيسة الكاثوليكية، ومدرستها والدير وبيت الكاهن. وفي الطريق إلى دروغيدا، طيور الأمو تجري بسرعة الريح. العمال الرحل، المشردون، الذين لا يحبون الاستقرار، منطقة غيللانبون، أشجار الصمغ العالية. في هذه المدينة ورثت السيدة ميري كارسون، دروغيدا، مساحات هائلة من الأراضي، عالم قائم بحاله، مقطوعًا عن الحضارة، فيه اسطبلات، حانات الحدادة، مسالخ، آلات زراعية. في شهر آيار من كل سنة، يبدأ جز قطعان الأغنام في روغيدا، بوغيلا، ديبان ديبان، وبيل بيل. فالجز الجماعي لصوف الأغنام كان شائعاً، معهم طباخيهم، ويشترون غذاءهم من المحطة، تأمين كميات هائلة من الطعام، إعداد وتنظيف الأكواخ الخشبية المتداعية. وتعتبر دروغيدا أكبر مراكز الجز في ويلز الجنوبية الجديدة، لجز ثلاثمئة ألف خروف. القطارات هي الوسيلة الوحيدة لقطع مسافات كبيرة من الغرب إلى الشرق ومن الجنوب إلى الشمال، وتكون عادة مكتظة بالناس الواقفين. فعند زواج لوك من ميغي، يسافرون عبر القطار من ويلز الجنوبية الجديدة باتجاه كوينزلاند الشمالية وقوفاً على أقدامهم عدة أيام. ومرات كثيرة يتوقف القطار دون سبب. ويتوقف، كلما خطر على بال السائق أن يصنع لنفسه كوبًا من الشاي أو ليمرر قطيعًا من الأغنام يتجولون على السكة. أو يثرثر مع أحد الرعاة. والمحطات، أبنية قبيحة، مطلية باللون الأخضر، بمقاعد خشبية سوداء. يشعر المرء أن الإنسان في هذه الرواية يضع قدره فوق رأسه كحمل ثقيل، كصخرة جاثمة، لا تتحرك. يمشي وهو صامت، لا يعن من ثقل ضربات الزمن، ولا يتأفف أو يتذمر. وكأن الحياة ولدت هكذا، مقلوبة، متقلبة، قاسية. والإنسان فيها مربوط بثقافة، تحثه أن يبقى على قدميه واقفًا دون أن يفكر في المقاومة أو الصراخ. نستطيع التعرف على المقاطعات الاسترالية، المدن، الأدغال، الصحراء، البيد، والغابات التي تحيط بالمدن، أعمدة الهاتف، أشجار الجوز الطويلة، الصمغ. وعندما تسافر الزوجة ميغي مع لوك غلى مقاطعة كوينزلاند، نتعرف على مدينة أخرى اسمها دنغلو التي بنيت على شكل تجمعات مستقيمة، يعيش فيها الكثير من الصينيين، يرتدون بنطالات سوداء حريرية. وكل التجارة في أيديهم. البيئة شديدة القسوة، كأن المكان يرصد حيوات الناس، يركعهم، يربطهم بأوتاد الوجع. إنّها حكاية الإنسان، غربته، البراري، الطبيعة القاسية، يعصي على البشر ترويضها ومحاولتهم التأقلم مع الوضع القائم. الرواية طويلة جدًا، تمتد على مساحة 1322 صفحة مقسمة على ثلاثة أجزاء، بيد أنّها شيقة وجميلة.]]> 119435 : صداقة على المحكّ : ترجمة بروفيسور حسيب شحادة http://www.souriyati.com/2019/02/24/119253.html Sun, 24 Feb 2019 19:16:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/02/24/119253.html صداقة على المِحكّّ Friendship is in Test ترجمة بروفيسور حسيب شحادة جامعة هلسنكي في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة بالعبرية، رواها عبد اللطيف بن إبراهيم السراوي الدنفي (عبد حنونه بن أبراهام هستري هدنفي، ١٩٠٣-١٩٩٥، حولون) بالعبرية على بِنياميم صدقة (١٩٤٤-)، الذي أعدّها، نقّحها، ونشرها في الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، في العددين ١٢٤٠-١٢٤١، ٥ حزيران ٢٠١٧، ص. ٩٥-٩٨. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية والبرتغالية) بالخطّ اللاتيني. بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، تُوزَّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري يعيشون في مائة وستّين بيتًا تقريبًا، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى أقطار العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّريْن الشقيقين، بنياميم (الأمين) ويِفِت (حُسني)، نجْلي المرحوم راضي صدقة الصباحي (رتصون صدقة الصفري، ٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠). ”الكاهن الأكبر توفيق (متسليح) ماذا يعرِف أصلًا جيل الشباب عن الكاهن الأكبر، توفيق بن خضر بن إسحاق (متسليح بن فنحاس بن يتسحاك) المعروف بكنيته ”أبو واصف“؟ لم يعرفوه؛ ولكن من عاش في فترته ورآه يستطيع، في نظرة إلى الوراء، أن يعي مدى عظمة شخصيته. لا نظيرَ له في أيّامنا هذه. كان عملاق العمالقة، فذًّا من الأفذاذ، أكبر من كلّ من تسنّى لي معرفتُه في خلال الأربع وثمانين سنة من حياتي. أُنظر، إلى أيّ مدىً الأمر مُدهش حتّى في أيّامنا. في كلّ مرّة تجتمع فيها مجموعة من الناس ويُذكر اسم أبي واصف في مجرى الحديث، تسمَع على الفور كلَّ الحضور يقولون بصوت جهوري واحد وبلهفة لتلك الأيّام الجميلة في كهنوته السامي: رحمةُ الله عليه. كما ويشكرون الخالق الذي منحهم فرصة التعرّف عليه. كان إنسانًا استثنائيًا من حيث الصورةُ، المهابة والخشوع الذي كان يملأ كلّ فؤاد، هالة من الوقار، إلا أنّ أبا واصف مع هذا عُرف بتواضعه أكثر من أيّة ميزة أخرى. لم يترفّع قطّ، ولم يبحث عن الترفّع والتفاخر. كان بمقدوره الحصول على أيّ شيء لو رغِب فيه، إلّا أنّه حرَص على التحلّي بالتواضع والبساطة والبراءة. أكرم زعيتر - رئيس بلدية نابلس دعني أقُصّ عليك قصّة تعكِس كلّ هذه الخصائص المغروسة في شخصية أبي واصف، رحمه الله. نعود إلى ثلاثينات القرن الفائت، كلّ أهالي نابلس، الكبير والصغير وحتّى رئيس البلدية السيّد أكرم زعيتر (١٩٠٩-١٩٩٦، أديب وسياسي، من مؤلفاته: القضية الفلسطينية، ١٩٥٥؛ وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية، ١٩١٨-١٩٣٩، عام ١٩٨٠؛ بواكير النضال، من مذكرات أكرم زعيتر، ١٩٠٩-١٠٣٩، عام ١٩٩٣؛ من أجل أمّتي، من مذكرات أكرم زعيتر، ١٩٣٩-١٩٤٦، عام ١٩٩٣.) احترموا وقدّروا الكاهن الأكبر توفيق. دأب رئيس البلدية على قضاء وقت طويل مع صديقه الكاهن الأكبر السامري، وعلى دعوته لمرافقته في كلّ لقاء رسمي. وفي كثير من الأحيان، كان الاثنان يمشيان معًا في شوارع نابلس مشية جذبت أنظار الناس. اعتبر السيّد أكرم زعيتر أبا واصف نبيًّا بحقّ وحقيق واعتاد الإصغاء بكلّ رضًى لنصائحه. مجرّد هذا التقارب ما بين رئيس البلدية المسلم والكاهن الأكبر السامري، أثار غيرة الكثيرين. بعض أهالي نابلس لم يُخف تذمّره من ذلك، وفي كلّ مرّة مرّ بهم هذان الاثنان في أحد شوارع المدينة كانوا يذكرونهما بالشرّ والسوء. رئيس البلدية لم يلاحظ ذلك، إلا أنّ الكاهن الأكبر توفيق انتبه جيدًا لذلك بفطنته الكبيرة. علِم الكاهن أنّ سبب الغيرة الأساسيَّ ليس هو ولكن علاقته الطيبة مع رئيس البلدية. ببساطة، أولئك الوجهاء الذين كانوا يقدحون بهما رغبوا في الحصول على العلاقة ذاتها مع رئيس البلدية. بالرغم من أنّ أبا واصف عرف السبب إلا أنّه خشِي وبحقّ أن الأمور ستصل رئيس البلدية وستضرّر علاقته به. علم أنّه لا بد من اتّخاذ خطوة ما لإيقاف سيل الهمز واللمز السرّي ضد رئيس البلدية. لذلك عزم أبو واصف على التقليل بقدر الإمكان من لقاءاته برئيس البلدية، وعند اللقاء كون الكاهن عضو شرف في البلدية، عامله رئيس البلدية كمعاملة غيره من أعضاء البلدية. نيّة أبي واصف كانت حسنة، إنّه لم يرغب في أن يقوم أحد مباشرة بمسّ شرف رئيس البلدية صديقه، ومن ناحية أخرى وبنفس القدر أراد أن يحافظ على علاقات طيّبة مع وجهاء نابلس وذلك لصالح طائفته الصغيرة. أكرم زعيتر، ذلك الرجل الحليم، شعر بابتعاد الكاهن الأكبر السامري عنه وقرّر أن يستقصي ما وراء الأكمة. صداقة على المحكّ ذات يوم استدعى رئيسُ البلدية الكاهنَ الأكبر توفيق إلى بيته عن طريق إرسال مساعده الشخصي. لبّى الكاهن توفيق دعوة رئيس البلدية مُكرهًا، إلّا أنّه تظاهر بجهله سبب الاستدعاء العاجل إلى هذا الحدّ. توجّه إليه رئيس البلدية فورًا قائلا ”لا أعرف ما اقترفتُ وأخطأت بحقّك حتّى باتت علاقتنا باردة إلى هذا الحدّ، لا علم لي بأيّ شيء يُمكنني ذكره بخصوص تعكير صفو علاقتنا. هلّا أوضحتَ لي ماذا حدث؟“ أومأ أبو واصف بحركة رأسه من الأعلى إلى الأسفل مبتسمًا: ”لا يا سيّدي، رئيس البلدية المبجّل، لم يحدث بيننا شيء، ما فعلته في المرّة الأخيرة كان لمصلحتك الشخصية“. تعجّب رئيس البلدية جدّا من الإجابة ولكن سُرعان ما أضاف أبو واصف: ”لست أدري في ما إذا استرعى انتباهك أنّ كلّ المدينة تبثّ القيل والقال عنك وعنّي. حدث ذلك في كلّ مرّة كنّا نسير في شوارع نابلس بسبب الغيرة والحسد، وأنا لست الشخص الذي ينقد ذلك. إنّي أسعى لصالحك وسلامتك، لذلك امتنعت عن الظهور في بيتك كما كان سابقًا، وكذلك السير معك في الشوارع، لا أريد أن يلحقك أيّ شرّ“، أنهى أبو واصف حديثه منفعِلا. بدا رئيس البلدية مرتبكًا عند سماع ذلك. بعد برهة استجمع قواه وجرى نحو أبي واصف: ”من هم هؤلاء الناس النمّامون؟“ صرخ بانفعال وغضب - ”ּأعلم أنّك لن تُفصح عنهم ولكن عليك أن تعرف أنّي أوثرك ألف مرّة أكثر من كل واحد منهم. سأُريك الآن أيّة معاملة سيعاملوننا من اليوم فصاعدًا“. دعا رئيس البلدية صديقه الكاهن لمرافقته للتوّ في مشوار في شوارع المدينة: ”على سكّان المدينة أن يعوا أنّه ليس بمقدور أحد منهم المسّ بالعلاقة الخاصّة التي تربطنا. إنّك بالنسبة لي المواطن الأفضل في مدينة نابلس“. حاول أبو واصف أن يثْني السيّد أكرم زعيتر عن تنفيذ مشيئته، إلّا أنّ رئيس البلدية كان حازمًا في رأيه. خرج الاثنان إلى الشارع، ويا للعجب ففي كلّ مكان مرّوا به تقدّم المارّون إليهما وقبّلوا أيديهما منحنين وهم يطرحون التحيّة والسلام. أحيانًا، توقّف ٱلاثنان عن السير لأنّ رئيس البلدية حرِص على أن يُعلن على مسامع المحتشدين مكانة الكاهن الخاصّة عنده وتفهّم الجميع ذلك. عندما عاد الكاهن ورئيس البلدية إلى عِمارة البلدية التفت أكرم زعيتر إلى الكاهن الأكبر السامري قائلا له: ”هل تراهم، هؤلاء الكلاب؟ إنّهم يفهمون هذا فقط، من الممنوع التنازل لهم“. بدا أبو واصف خجِلًا بعض الشيء لمشاركته في مكيدة رئيس البلدية: ”ما قمت بهذا إلّا لمصلحتك الشخصية فقط، ربّما أنّك تعرف أهل المدينة أفضل منّي“، قال هامسا. ضحك رئيس البلدية فرحا، ولكن منذ ذلك اليوم فصاعدًا عادت المياه إلى مجاريها بالنسبة لعلاقة الاثنين. إذن، ما قولك؟ أتبدو القصّة جميلة لدرجة أنّها غير حقيقية؛ إنّك لا تدري ما تنطق به. إنّ القصة حقيقية لا غبار عليها، لم أسمعها من أحد، كنت شاهدَ عِيان لها“.]]> صداقة على المِحكّّ Friendship is in Test ترجمة بروفيسور حسيب شحادة جامعة هلسنكي في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة بالعبرية، رواها عبد اللطيف بن إبراهيم السراوي الدنفي (عبد حنونه بن أبراهام هستري هدنفي، ١٩٠٣-١٩٩٥، حولون) بالعبرية على بِنياميم صدقة (١٩٤٤-)، الذي أعدّها، نقّحها، ونشرها في الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، في العددين ١٢٤٠-١٢٤١، ٥ حزيران ٢٠١٧، ص. ٩٥-٩٨. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية والبرتغالية) بالخطّ اللاتيني. بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، تُوزَّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري يعيشون في مائة وستّين بيتًا تقريبًا، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى أقطار العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّريْن الشقيقين، بنياميم (الأمين) ويِفِت (حُسني)، نجْلي المرحوم راضي صدقة الصباحي (رتصون صدقة الصفري، ٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠). ”الكاهن الأكبر توفيق (متسليح) ماذا يعرِف أصلًا جيل الشباب عن الكاهن الأكبر، توفيق بن خضر بن إسحاق (متسليح بن فنحاس بن يتسحاك) المعروف بكنيته ”أبو واصف“؟ لم يعرفوه؛ ولكن من عاش في فترته ورآه يستطيع، في نظرة إلى الوراء، أن يعي مدى عظمة شخصيته. لا نظيرَ له في أيّامنا هذه. كان عملاق العمالقة، فذًّا من الأفذاذ، أكبر من كلّ من تسنّى لي معرفتُه في خلال الأربع وثمانين سنة من حياتي. أُنظر، إلى أيّ مدىً الأمر مُدهش حتّى في أيّامنا. في كلّ مرّة تجتمع فيها مجموعة من الناس ويُذكر اسم أبي واصف في مجرى الحديث، تسمَع على الفور كلَّ الحضور يقولون بصوت جهوري واحد وبلهفة لتلك الأيّام الجميلة في كهنوته السامي: رحمةُ الله عليه. كما ويشكرون الخالق الذي منحهم فرصة التعرّف عليه. كان إنسانًا استثنائيًا من حيث الصورةُ، المهابة والخشوع الذي كان يملأ كلّ فؤاد، هالة من الوقار، إلا أنّ أبا واصف مع هذا عُرف بتواضعه أكثر من أيّة ميزة أخرى. لم يترفّع قطّ، ولم يبحث عن الترفّع والتفاخر. كان بمقدوره الحصول على أيّ شيء لو رغِب فيه، إلّا أنّه حرَص على التحلّي بالتواضع والبساطة والبراءة. أكرم زعيتر - رئيس بلدية نابلس دعني أقُصّ عليك قصّة تعكِس كلّ هذه الخصائص المغروسة في شخصية أبي واصف، رحمه الله. نعود إلى ثلاثينات القرن الفائت، كلّ أهالي نابلس، الكبير والصغير وحتّى رئيس البلدية السيّد أكرم زعيتر (١٩٠٩-١٩٩٦، أديب وسياسي، من مؤلفاته: القضية الفلسطينية، ١٩٥٥؛ وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية، ١٩١٨-١٩٣٩، عام ١٩٨٠؛ بواكير النضال، من مذكرات أكرم زعيتر، ١٩٠٩-١٠٣٩، عام ١٩٩٣؛ من أجل أمّتي، من مذكرات أكرم زعيتر، ١٩٣٩-١٩٤٦، عام ١٩٩٣.) احترموا وقدّروا الكاهن الأكبر توفيق. دأب رئيس البلدية على قضاء وقت طويل مع صديقه الكاهن الأكبر السامري، وعلى دعوته لمرافقته في كلّ لقاء رسمي. وفي كثير من الأحيان، كان الاثنان يمشيان معًا في شوارع نابلس مشية جذبت أنظار الناس. اعتبر السيّد أكرم زعيتر أبا واصف نبيًّا بحقّ وحقيق واعتاد الإصغاء بكلّ رضًى لنصائحه. مجرّد هذا التقارب ما بين رئيس البلدية المسلم والكاهن الأكبر السامري، أثار غيرة الكثيرين. بعض أهالي نابلس لم يُخف تذمّره من ذلك، وفي كلّ مرّة مرّ بهم هذان الاثنان في أحد شوارع المدينة كانوا يذكرونهما بالشرّ والسوء. رئيس البلدية لم يلاحظ ذلك، إلا أنّ الكاهن الأكبر توفيق انتبه جيدًا لذلك بفطنته الكبيرة. علِم الكاهن أنّ سبب الغيرة الأساسيَّ ليس هو ولكن علاقته الطيبة مع رئيس البلدية. ببساطة، أولئك الوجهاء الذين كانوا يقدحون بهما رغبوا في الحصول على العلاقة ذاتها مع رئيس البلدية. بالرغم من أنّ أبا واصف عرف السبب إلا أنّه خشِي وبحقّ أن الأمور ستصل رئيس البلدية وستضرّر علاقته به. علم أنّه لا بد من اتّخاذ خطوة ما لإيقاف سيل الهمز واللمز السرّي ضد رئيس البلدية. لذلك عزم أبو واصف على التقليل بقدر الإمكان من لقاءاته برئيس البلدية، وعند اللقاء كون الكاهن عضو شرف في البلدية، عامله رئيس البلدية كمعاملة غيره من أعضاء البلدية. نيّة أبي واصف كانت حسنة، إنّه لم يرغب في أن يقوم أحد مباشرة بمسّ شرف رئيس البلدية صديقه، ومن ناحية أخرى وبنفس القدر أراد أن يحافظ على علاقات طيّبة مع وجهاء نابلس وذلك لصالح طائفته الصغيرة. أكرم زعيتر، ذلك الرجل الحليم، شعر بابتعاد الكاهن الأكبر السامري عنه وقرّر أن يستقصي ما وراء الأكمة. صداقة على المحكّ ذات يوم استدعى رئيسُ البلدية الكاهنَ الأكبر توفيق إلى بيته عن طريق إرسال مساعده الشخصي. لبّى الكاهن توفيق دعوة رئيس البلدية مُكرهًا، إلّا أنّه تظاهر بجهله سبب الاستدعاء العاجل إلى هذا الحدّ. توجّه إليه رئيس البلدية فورًا قائلا ”لا أعرف ما اقترفتُ وأخطأت بحقّك حتّى باتت علاقتنا باردة إلى هذا الحدّ، لا علم لي بأيّ شيء يُمكنني ذكره بخصوص تعكير صفو علاقتنا. هلّا أوضحتَ لي ماذا حدث؟“ أومأ أبو واصف بحركة رأسه من الأعلى إلى الأسفل مبتسمًا: ”لا يا سيّدي، رئيس البلدية المبجّل، لم يحدث بيننا شيء، ما فعلته في المرّة الأخيرة كان لمصلحتك الشخصية“. تعجّب رئيس البلدية جدّا من الإجابة ولكن سُرعان ما أضاف أبو واصف: ”لست أدري في ما إذا استرعى انتباهك أنّ كلّ المدينة تبثّ القيل والقال عنك وعنّي. حدث ذلك في كلّ مرّة كنّا نسير في شوارع نابلس بسبب الغيرة والحسد، وأنا لست الشخص الذي ينقد ذلك. إنّي أسعى لصالحك وسلامتك، لذلك امتنعت عن الظهور في بيتك كما كان سابقًا، وكذلك السير معك في الشوارع، لا أريد أن يلحقك أيّ شرّ“، أنهى أبو واصف حديثه منفعِلا. بدا رئيس البلدية مرتبكًا عند سماع ذلك. بعد برهة استجمع قواه وجرى نحو أبي واصف: ”من هم هؤلاء الناس النمّامون؟“ صرخ بانفعال وغضب - ”ּأعلم أنّك لن تُفصح عنهم ولكن عليك أن تعرف أنّي أوثرك ألف مرّة أكثر من كل واحد منهم. سأُريك الآن أيّة معاملة سيعاملوننا من اليوم فصاعدًا“. دعا رئيس البلدية صديقه الكاهن لمرافقته للتوّ في مشوار في شوارع المدينة: ”على سكّان المدينة أن يعوا أنّه ليس بمقدور أحد منهم المسّ بالعلاقة الخاصّة التي تربطنا. إنّك بالنسبة لي المواطن الأفضل في مدينة نابلس“. حاول أبو واصف أن يثْني السيّد أكرم زعيتر عن تنفيذ مشيئته، إلّا أنّ رئيس البلدية كان حازمًا في رأيه. خرج الاثنان إلى الشارع، ويا للعجب ففي كلّ مكان مرّوا به تقدّم المارّون إليهما وقبّلوا أيديهما منحنين وهم يطرحون التحيّة والسلام. أحيانًا، توقّف ٱلاثنان عن السير لأنّ رئيس البلدية حرِص على أن يُعلن على مسامع المحتشدين مكانة الكاهن الخاصّة عنده وتفهّم الجميع ذلك. عندما عاد الكاهن ورئيس البلدية إلى عِمارة البلدية التفت أكرم زعيتر إلى الكاهن الأكبر السامري قائلا له: ”هل تراهم، هؤلاء الكلاب؟ إنّهم يفهمون هذا فقط، من الممنوع التنازل لهم“. بدا أبو واصف خجِلًا بعض الشيء لمشاركته في مكيدة رئيس البلدية: ”ما قمت بهذا إلّا لمصلحتك الشخصية فقط، ربّما أنّك تعرف أهل المدينة أفضل منّي“، قال هامسا. ضحك رئيس البلدية فرحا، ولكن منذ ذلك اليوم فصاعدًا عادت المياه إلى مجاريها بالنسبة لعلاقة الاثنين. إذن، ما قولك؟ أتبدو القصّة جميلة لدرجة أنّها غير حقيقية؛ إنّك لا تدري ما تنطق به. إنّ القصة حقيقية لا غبار عليها، لم أسمعها من أحد، كنت شاهدَ عِيان لها“.]]> 119253 لا تأخذْ بوصيّةِ شاعرٍ في السّفر! (يوميات رحلة من إيران إلى بغداد) http://www.souriyati.com/2019/02/23/119158.html Sat, 23 Feb 2019 20:04:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/02/23/119158.html وصلتُ إلى البيت في ساعة متأخرة، ولا أعلم سبب تأخّري، لكنّ الجميع كان نائماً. وفي الساعة الخامسة غادرتُ البيت ومازال الجميع نائماً أيضاً. لو كان بيدي لاختصرتُ السفرَ بما أرتدي، مستغنياً حتى عن حقيبة الظهر الصغيرة التي تسمح بحمل أقلّ ما يمكن من الثياب. في حوالي الساعة السادسة والنصف وصلنا إلى الشَّلامجِة، المنطقة الحدوديّة الفاصلة بين العراق وإيران. لا تأخذْ بوصيّةِ شاعرٍ في السّفر! فحين سألتُ صديقي الشّاعر وأنا أجهز للسفر عمّا يودُّه من إيران، قال: ثوم أبو خمس سنوات وجبن ماعز معتق. ثمّ سألتُ صديقاً شاعراً آخر، فأجاب بنفس الطلب. تخيّل اجتماع رائحتيْن معتقتيْن! كلّ شيء يسير بسهولة؛ صفوف المغادرين ليست طويلة مثلما حدث معي في ما سبق، في "الأربعين الحسيني"، فكانت الصّفوف تمتدّ لكيومترات، وتزيد مع مرورِ كلّ دقيقة. على الجانب الإيرانيّ، تكاد الصالة تخلو من مسافرين ضجرين. كأنهم مجبَرون على الرّحيل، جلسوا على مقاعدهم ينظرون أمامهم، حتى أنهم لا يكلفون انفسهم بالنظر للحركة الخفيفة التي تحيط بهم. نظر الضابط الحدودي عى الجانب الإيراني إلى جواز سفري عدّة مرات، ثمّ ختمه ورماه لي. عملية التفتيش كانت بسيطة جدّاً. وفي كلّ مرّة يستوقفوني بسبب ثلاثة مرطبانات صغيرة؛ اثنان أسودان والثالث شديد البياض. كانوا يسألوني بداية عن الأبيض عبر نظرة مستفهمة. فأخبرهم بأنه جبن معتّق، وكلّي خوف من فتحهم إياه، فتعمّ رائحتُه المكان. ثمّ ينتقلون للمرطبانين الصّغيرين الأسودين، فأخبرهم بأنهما ثوم مخلّل، ولا أخاف من فتحهما، لأن جملتي تكفي كعلامة تحذيرية! الطابور أمام ضابط الحدود قصيرٌ الآن، وليس هناك سوى ضابطين يدخّنان. أحد الضابطين يتحرّك من مكانه بصورة مستمرة، بينما الثاني جلس ينهي عمله بكلّ ملل. رغم قصر الصفّ إلا أنّ هناك من يتجاوزنا لينتهي من ختمِ جوازِ سفرِه، وكلّهم يستخدمون نفس السياسة في التجاوز: يستغلّ انشغالك أو حديثك أو نظرة ساهمة منك، ليحرّك رجله أمامك. إذا لاحظته سيظهر نفسَه أنه ليس متعمداً في فعلته، وإذا ذكّرته، سيقدّم لك ابتسامة طويلة عريضة بلهاء، ثم يرفع يده وينادي ابنه أو زوجته أو عائلته لتتقدّم. في الحقيقة لتتقدم عليّ. أحبّ مراقبة هذا النموذج، بينما كان صديقايَ في السّفر يؤنبانني على سماحي بتقدّم هذه النوعيّة الاستغلالية عليّ. وكيف سأشرح لهم المتعة التي سأجدها في الأيام القادمة، إذ في أكثر الأحيان ترميهم الصُّدف لألتقيهم في مكان ما، وعادة في المطاعم. ولأنهم يظنّون أنفسهم محميّين باللغة "الفارسية"، يقولون كلَّ ما يحلو لهم، مثلاً "كم هذا البلد غير منظّم، والناس فيه غير منظّمين، ولا يراعون حقوق الآخرين حتى في الطابور". تجدهم أمام الصحون الممتلئة بالطّعام شخصياتٍ مخملية ذوي نظرة عالمية للكون الذي هم محورُه. ليست المرّة الأولى التي تُقال الجملة مع دخول بلاد جديدة "لقد تغيّر طعم ورائحة الهواء"، رغم أنه لا تفصلنا عن الحدود إلا بضعة أمتار. كلا صديقيّ قالا إنّ الهواء تغيّر، رغم أني مازلتُ أشعر أنه بنفس الحجم ونفس الوزن. لا سبيل إلى الهروب من مواجهة المرحلة الثانية والتخوّف من استغلالك: سيارات الأجرة. أخذتْنا السيارة من الشّلامجة إلى بداية البصرة، رمالاً فوق رمال. كان السائق يتحدّث عن عدد القتلى بين الطرفين وكأنه كان هناك. بينما صديقي الذي جلس بجانبه قال فجأة إنه أصيب في هذه البقعة بطلقة. واتّضح أن السّائقَ وصديقي كانا يتبادلان إطلاق النّار في الحرب. كلّ واحد منهما يريد إنهاء حياة الآخر. استعادا الاثنانُ ذكرياتٍ مشتركة كانا فيها عدوّين. والآن وبعد أن ترجّلنا، تبادلا القُبلَ وتماديا في احتضان بعضهما بعضاً. سلّمنا السائقُ لسيارةِ صديقِه كي يقلَّنا إلى بغداد. في الطريق استمرّت حكاية المقابر التي خلّفتها الحرب. ورغم أنّ السائق شابٌّ، إلا أنه يحفظ المواقع التي باتت مقابر. وبعد أن زاد سرعته لتصل إلى 160 كيلومتراً، رفع صوت مذياعه حتى كادت أذناي وأذنا صديقي الثاني أن... صديقي الثاني يعشق لبنان، وكلّ ما يصادفه يقارنه مع بيروت. في منتصف الطّريق، وبعد أن تأكّدنا من أنّ الأغاني العراقية التي يستمع إليها السائق الشابُّ كلّها متشابهة، طلب صديقي الثاني منه أن نستمع إلى فيروز. كان يحفظ كلَّ الأغاني التي اختارها السائق. مازالت الأرض الممتدّة عبارةً عن تراب ينذر بغضبه صيفاً. الرواية الأولى التي حصلتُ عليها من معرض بغداد للكتاب هي رواية "تراب" لـحسين المطوّع الصادرة عن دار مسكيلياني. والمقبرة هي المحور الذي تدور حوله الأحداث، وهي التي ستعيد الناسَ إلى التفكير فيما باتوا فيه بعد اعتزالهم العالم ودخول وباءٍ قاتل على حياتهم. فهد الدفّان، بطل الرواية الذي سيوسّع المقبرة ويحييها. والمفارقة في إحياء أمر منقضٍ وميت. ما الذي ستفعله لكي تعيد الحياة إلى المقبرة الوحيدة في المدينة؟ "هذا التراب اللعين أخذ حياتي كلَّها، ولن أسمح له بأن يأخذ حياته"، أمّ يوسف معترضة على عمل ابنها يوسف في المقبرة، رغم أنّ أباه كان المسؤول الوحيد في المدينة عن المقبرة. (ص117). وصلنا بغداد عصراً. كانت المدينة تستعدّ لاستقبال المغيب، وكنتُ أعدّ نفسي للِقاءاتٍ وسهراتٍ وكتبٍ وعدني بها أصدقاء. طوال الطريق كنت أخاف من اندلاق الثوم والجبن المعتّق. أخاف من النظرة التي ستعلو وجه السائق وهو يفكّر في طريقة التخلّص من الرائحة. لكنّ المرطباناتِ الصغيرةَ حافظتْ على إغلاق نفسها إلى أن بلغنا الفندق في منطقة "البتاوين"؛ المنطقة التي سكنَها اليهود ثمّ المسيحيون ثمّ المسلمون، والآن تسكنها كائناتٌ ليلية، والتي انضممنا إليها كأعداء سابقين وأصدقاء الوقت الراهن، نحتضن بعضنا البعض ونبكي دون إرادة على وقتٍ قتلناه مجبَرين. زحف الليلُ على بغداد وزحفتْ معه أرتال من الأحلام. أحمد حيدري روائي ومترجم وإعلامي من إيران، الأهواز. ممّا صدر له في الترجمة من الفارسية إلى العربية: عيناها، رواية؛ خالي العزيز نابليون، رواية؛ أصفهان نصف العالم، رحلة؛ صيف ذلك العام، رواية. وقد صدرت له رواية "حمار الغجر الأحمق". المصدر: رصيف 22]]> وصلتُ إلى البيت في ساعة متأخرة، ولا أعلم سبب تأخّري، لكنّ الجميع كان نائماً. وفي الساعة الخامسة غادرتُ البيت ومازال الجميع نائماً أيضاً. لو كان بيدي لاختصرتُ السفرَ بما أرتدي، مستغنياً حتى عن حقيبة الظهر الصغيرة التي تسمح بحمل أقلّ ما يمكن من الثياب. في حوالي الساعة السادسة والنصف وصلنا إلى الشَّلامجِة، المنطقة الحدوديّة الفاصلة بين العراق وإيران. لا تأخذْ بوصيّةِ شاعرٍ في السّفر! فحين سألتُ صديقي الشّاعر وأنا أجهز للسفر عمّا يودُّه من إيران، قال: ثوم أبو خمس سنوات وجبن ماعز معتق. ثمّ سألتُ صديقاً شاعراً آخر، فأجاب بنفس الطلب. تخيّل اجتماع رائحتيْن معتقتيْن! كلّ شيء يسير بسهولة؛ صفوف المغادرين ليست طويلة مثلما حدث معي في ما سبق، في "الأربعين الحسيني"، فكانت الصّفوف تمتدّ لكيومترات، وتزيد مع مرورِ كلّ دقيقة. على الجانب الإيرانيّ، تكاد الصالة تخلو من مسافرين ضجرين. كأنهم مجبَرون على الرّحيل، جلسوا على مقاعدهم ينظرون أمامهم، حتى أنهم لا يكلفون انفسهم بالنظر للحركة الخفيفة التي تحيط بهم. نظر الضابط الحدودي عى الجانب الإيراني إلى جواز سفري عدّة مرات، ثمّ ختمه ورماه لي. عملية التفتيش كانت بسيطة جدّاً. وفي كلّ مرّة يستوقفوني بسبب ثلاثة مرطبانات صغيرة؛ اثنان أسودان والثالث شديد البياض. كانوا يسألوني بداية عن الأبيض عبر نظرة مستفهمة. فأخبرهم بأنه جبن معتّق، وكلّي خوف من فتحهم إياه، فتعمّ رائحتُه المكان. ثمّ ينتقلون للمرطبانين الصّغيرين الأسودين، فأخبرهم بأنهما ثوم مخلّل، ولا أخاف من فتحهما، لأن جملتي تكفي كعلامة تحذيرية! الطابور أمام ضابط الحدود قصيرٌ الآن، وليس هناك سوى ضابطين يدخّنان. أحد الضابطين يتحرّك من مكانه بصورة مستمرة، بينما الثاني جلس ينهي عمله بكلّ ملل. رغم قصر الصفّ إلا أنّ هناك من يتجاوزنا لينتهي من ختمِ جوازِ سفرِه، وكلّهم يستخدمون نفس السياسة في التجاوز: يستغلّ انشغالك أو حديثك أو نظرة ساهمة منك، ليحرّك رجله أمامك. إذا لاحظته سيظهر نفسَه أنه ليس متعمداً في فعلته، وإذا ذكّرته، سيقدّم لك ابتسامة طويلة عريضة بلهاء، ثم يرفع يده وينادي ابنه أو زوجته أو عائلته لتتقدّم. في الحقيقة لتتقدم عليّ. أحبّ مراقبة هذا النموذج، بينما كان صديقايَ في السّفر يؤنبانني على سماحي بتقدّم هذه النوعيّة الاستغلالية عليّ. وكيف سأشرح لهم المتعة التي سأجدها في الأيام القادمة، إذ في أكثر الأحيان ترميهم الصُّدف لألتقيهم في مكان ما، وعادة في المطاعم. ولأنهم يظنّون أنفسهم محميّين باللغة "الفارسية"، يقولون كلَّ ما يحلو لهم، مثلاً "كم هذا البلد غير منظّم، والناس فيه غير منظّمين، ولا يراعون حقوق الآخرين حتى في الطابور". تجدهم أمام الصحون الممتلئة بالطّعام شخصياتٍ مخملية ذوي نظرة عالمية للكون الذي هم محورُه. ليست المرّة الأولى التي تُقال الجملة مع دخول بلاد جديدة "لقد تغيّر طعم ورائحة الهواء"، رغم أنه لا تفصلنا عن الحدود إلا بضعة أمتار. كلا صديقيّ قالا إنّ الهواء تغيّر، رغم أني مازلتُ أشعر أنه بنفس الحجم ونفس الوزن. لا سبيل إلى الهروب من مواجهة المرحلة الثانية والتخوّف من استغلالك: سيارات الأجرة. أخذتْنا السيارة من الشّلامجة إلى بداية البصرة، رمالاً فوق رمال. كان السائق يتحدّث عن عدد القتلى بين الطرفين وكأنه كان هناك. بينما صديقي الذي جلس بجانبه قال فجأة إنه أصيب في هذه البقعة بطلقة. واتّضح أن السّائقَ وصديقي كانا يتبادلان إطلاق النّار في الحرب. كلّ واحد منهما يريد إنهاء حياة الآخر. استعادا الاثنانُ ذكرياتٍ مشتركة كانا فيها عدوّين. والآن وبعد أن ترجّلنا، تبادلا القُبلَ وتماديا في احتضان بعضهما بعضاً. سلّمنا السائقُ لسيارةِ صديقِه كي يقلَّنا إلى بغداد. في الطريق استمرّت حكاية المقابر التي خلّفتها الحرب. ورغم أنّ السائق شابٌّ، إلا أنه يحفظ المواقع التي باتت مقابر. وبعد أن زاد سرعته لتصل إلى 160 كيلومتراً، رفع صوت مذياعه حتى كادت أذناي وأذنا صديقي الثاني أن... صديقي الثاني يعشق لبنان، وكلّ ما يصادفه يقارنه مع بيروت. في منتصف الطّريق، وبعد أن تأكّدنا من أنّ الأغاني العراقية التي يستمع إليها السائق الشابُّ كلّها متشابهة، طلب صديقي الثاني منه أن نستمع إلى فيروز. كان يحفظ كلَّ الأغاني التي اختارها السائق. مازالت الأرض الممتدّة عبارةً عن تراب ينذر بغضبه صيفاً. الرواية الأولى التي حصلتُ عليها من معرض بغداد للكتاب هي رواية "تراب" لـحسين المطوّع الصادرة عن دار مسكيلياني. والمقبرة هي المحور الذي تدور حوله الأحداث، وهي التي ستعيد الناسَ إلى التفكير فيما باتوا فيه بعد اعتزالهم العالم ودخول وباءٍ قاتل على حياتهم. فهد الدفّان، بطل الرواية الذي سيوسّع المقبرة ويحييها. والمفارقة في إحياء أمر منقضٍ وميت. ما الذي ستفعله لكي تعيد الحياة إلى المقبرة الوحيدة في المدينة؟ "هذا التراب اللعين أخذ حياتي كلَّها، ولن أسمح له بأن يأخذ حياته"، أمّ يوسف معترضة على عمل ابنها يوسف في المقبرة، رغم أنّ أباه كان المسؤول الوحيد في المدينة عن المقبرة. (ص117). وصلنا بغداد عصراً. كانت المدينة تستعدّ لاستقبال المغيب، وكنتُ أعدّ نفسي للِقاءاتٍ وسهراتٍ وكتبٍ وعدني بها أصدقاء. طوال الطريق كنت أخاف من اندلاق الثوم والجبن المعتّق. أخاف من النظرة التي ستعلو وجه السائق وهو يفكّر في طريقة التخلّص من الرائحة. لكنّ المرطباناتِ الصغيرةَ حافظتْ على إغلاق نفسها إلى أن بلغنا الفندق في منطقة "البتاوين"؛ المنطقة التي سكنَها اليهود ثمّ المسيحيون ثمّ المسلمون، والآن تسكنها كائناتٌ ليلية، والتي انضممنا إليها كأعداء سابقين وأصدقاء الوقت الراهن، نحتضن بعضنا البعض ونبكي دون إرادة على وقتٍ قتلناه مجبَرين. زحف الليلُ على بغداد وزحفتْ معه أرتال من الأحلام. أحمد حيدري روائي ومترجم وإعلامي من إيران، الأهواز. ممّا صدر له في الترجمة من الفارسية إلى العربية: عيناها، رواية؛ خالي العزيز نابليون، رواية؛ أصفهان نصف العالم، رحلة؛ صيف ذلك العام، رواية. وقد صدرت له رواية "حمار الغجر الأحمق". المصدر: رصيف 22]]> 119158 هذه جارتي التي أشتهيها، يا ترامب! http://www.souriyati.com/2019/02/23/119160.html Sat, 23 Feb 2019 20:04:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/02/23/119160.html في كلّ عامٍ ننتقل إلى شقة جديدة، آخذ بنصيحةِ أحد الأصدقاء المهووسين باختيار الشقق والمنازل، بعدمِ الركون لشقّة لأكثر من سنةٍ واحدة، وعدم شرائِها. "الحمّام الحمّام"؛ يكرّر على مسمعي بأنّ الحمام أهمّ تفصيلةٍ تفضح الشقّة أو تحتّم أخذها، ثمّ هناك الجارات. وأكّد: حين تعجبك الشقّة، عليك بأيّ صورة كانت رؤية جاراتكَ. فعن طريقِهنّ ستتّخذ قرارك. لم أعتنِ بالتفصيلة الأخيرة من كلام صديقي؛ وجدتُها بعيدة جدّاً عن واقع تحقِّقها وواقع تأثيرِها. حتى وجدتُ نفسي في مواجهة ما قاله. ليست هناك إحصائيات دقيقة عن مستوى الشكاوى المقدّمة للمحاكم ومخافر الشرطة في إيران، ضدّ الجيران في الشقق والمجمّعات السكنيّة، ولكن، بصورة عامة تشير الدّراسات إلى أنّ 55 بالمائة من المجتمع الإيراني ليسوا راضين من الحياة في الشقق، بينما 25 منهم معارضين للسكن في الشقق. ويرى محلّلون إيرانيون أعدّوا هذه الإحصائية أنّ المجتمع الإيرانيّ مازال في مرحلة العبور، ولم يصل بعد إلى ثقافة السكن في المجمّعات السكنية والشقق. ومعظم من اتّخذ القرار بالسّكن في الشقق، كان سببه إمّا لأنّها مناسبة اقتصادياً، أو لأنّها أكثر أماناً لعائلتهِ التي تبقى وحيدة طوال ساعات النهار. وهذه نقطة فنّدتها جارتي جميلة الصوت. بعد سنوات عارضتُ صديقي وقرّرت شراء شقّة أعجبتني. ووقفتُ طويلاً في الحمّام، بينما صاحب البيت كان يشرح كلّ جزءٍ وضعَه بيدِه. كلّ ما أبحث عنه وجدته؛ مدراس قريبة، وسوق قريب، وحديقة مستقبلية جنب العمارة. ها نحن ندخل في العام السابع في عمارة ذات طابقيْن، وأربع شقق. لا أتوقّف عند الأحداث الصغيرة، فعادة ما تكون الأحداث المصاحبة للنّار هي الأكبر. في الساعة الثالثة فجراً انعكس على نافذة شقّتنا المطلّة على الشارع لونٌ برتقاليٌ. فتحتُ النافذةَ لأرى بابَ العمارة يتوهّج. نزلنا وأطفأنا النّار العالقة بالباب الحديديّ الكبير، وقد بات الآن مغطّى بالسخام. أقوال جاهزة وصل شرطيّ على دراجة نارية بعد ربع ساعة، وسألنا: "من أنتم؟"، فكان عليّ وعلى جيراني أن يعرّفَ كلّ واحد منّا عن نفسه. أنا أوّلهم، وجاري في الطابق العلوي من أصفهان، وجاري في الطابق السفليّ من أكراد "إيلام"، بينما مَن يقابله من الجيران من مدينة "مسجد سليمان". كلّ واحد منّا من مدينةٍ ومن لغة ولهجة. اطمأنّ الشرطيّ أنّ النار أنا السبب فيها. والسبب الوحيد هو أصولي التي انحدر منها ولهجتي. فهمتُ حينها عمقَ فاجعة اللغة التي اختارتْك، وكيف تحيلك بُنيتها إلى متّهم. بعد دقائق تبادلتُ الحديث مع الشرطيّ، فغيّر رأيه كلياً، وأخذني جانباً، وقال: تعرفون كلّكم جيداً المسبّب. وكلّنا كنّا نعرف جيّداً مَن هو المسبّب. العائلة من مسجد سليمان، وكبيرتهم ذات الصوت الجميل. تكرّر حرق الباب فجراً، وعاد الشرطيّ ليذكّرنا بما قاله مضيفاً "قدّموا شكوى ضدّهم، فهم مستأجرون". لا أخفي هنا أنّ كلّ ما كان يحدث أمرٌ ما في العمارة، كانت تتوجّه أصابع اتهام الجيران نحونا، وكان عليّ إبعاد التّهم واحدةً تلو الأخرى. ولكن هذه أفضل فرصة لكي ننتهز فرصة التخلّص من جيران فضوليين، صباحهم شجارات ومساؤهم ضجيج. حرّضتُ الجيران على تقديم شكوى. في المخفر نصحني الضابط ببيع الشقّة والانتقال إلى مكان آخر. بينما جاري الكرديّ قال خائفاً: "دعنا نعطيهم فرصة". في نفس اليوم اتصلتْ زوجةُ جاري الكرديّ، وقالت لزوجتي: "إذا كنتم تريدون تقديم شكوى، فنحن لسنا معكم. لأننا نخاف أن يختطفوا ابني من المدرسة". وبعد أشهر سيحمّلني زوجها عدم استكمال الشكوى والسبب تخاذلي. كلّ المشاكل من ذات الصوت الجميل وبناتها. كانت تعمل حارسة في سجنٍ نسائيّ. شكلها مخيفٌ جدّاً؛ ملامح وجهها غير واضحة، وتنظر لك وكأنّك متّهم. لكنّ صوتها جميل. إنه جميل في مناسبة واحدة فقط: حين تستدين منك، بينما لا تقع من فمِها كلمة "گه" (الخراء) لا نهاراً ولا مساءً. ومازالت قصص النار هي القصص الأكثر حدّة. قبل أشهر أحرقتْ ابنتها الكبرى نفسَها، بعد أن علمت بعلاقة زوجها مع فتاةٍ تصغرها. ولأنّها ابنة أمّها ذهبت لصديقةِ زوجها، وبينما كانت الأخيرة تحت رحمة ضربات الزوجة الغاضبة قالت: "أنا مستعدّة أن أغسل كلسوناتك، ولكن لن أترك زوجك". فتوقّفت عن ضربِها، وعادت للبيت وأحرقت نفسَها في الحمّام. في الصباح وبينما كنتُ...، سمعتُ طرقات الباب. طرقات عنيفة. من النافذة ذاتها التي رأيتُ من خلالها احتراق الباب، رأيتُ هذه المرة شابّاً يقفز منه. نزلتُ، ووجدتُ الشابَّ معلّقاً بين النزول في داخل الباحة أو الرجوع. لكنّ الطّرقات زادت حدّة. فتحتُ الباب، فإذا بحشدٍ من النّاس تتقدّمهم جارتي التي أشتهيها. ما إن رأتني، حتى قالت: "حيدري، ماتتْ ندى. ماتت ندى". مَن هي ندى، ومَن هؤلاء الناس؟ أخذني رجلٌ ملتحٍ مرتدياً السواد، وقال آمراً: "أخرِج سيّارتك، نريد إقامة مجلس العزاء هنا". أخرجتُ سيّارتي صاغراً ومتفاعلاً مع حزنهم، وموت ابنة جارتي، ندى. ظهراً، وبينما صوتُ القرآن يُبثّ من سماعاتٍ كبيرة، تعالى صوت أخت ندى وهي ترفس السماعات، وتقول بحالة هستيرية: "لا للقرآن، لا للقرآن". غيّر صديقي المهووس بحمّامات الشقق والجارات رقمَ هاتفه، ولم يعُدْ في متناول اليد، بينما كلّما أظهرت نشرات الأخبار دونالد ترامب، ارتفعت أسعار العقارات عندنا! الله لا يستر عليك يا ترامب؛ رفعتَ أسعار العقارات، وأبقيتَني مع جارتي التي أشتهيها! أحمد حيدري روائي ومترجم وإعلامي من إيران، الأهواز. ممّا صدر له في الترجمة من الفارسية إلى العربية: عيناها، رواية؛ خالي العزيز نابليون، رواية؛ أصفهان نصف العالم، رحلة؛ صيف ذلك العام، رواية. وقد صدرت له رواية "حمار الغجر الأحمق". المصدر: رصيف 22]]> في كلّ عامٍ ننتقل إلى شقة جديدة، آخذ بنصيحةِ أحد الأصدقاء المهووسين باختيار الشقق والمنازل، بعدمِ الركون لشقّة لأكثر من سنةٍ واحدة، وعدم شرائِها. "الحمّام الحمّام"؛ يكرّر على مسمعي بأنّ الحمام أهمّ تفصيلةٍ تفضح الشقّة أو تحتّم أخذها، ثمّ هناك الجارات. وأكّد: حين تعجبك الشقّة، عليك بأيّ صورة كانت رؤية جاراتكَ. فعن طريقِهنّ ستتّخذ قرارك. لم أعتنِ بالتفصيلة الأخيرة من كلام صديقي؛ وجدتُها بعيدة جدّاً عن واقع تحقِّقها وواقع تأثيرِها. حتى وجدتُ نفسي في مواجهة ما قاله. ليست هناك إحصائيات دقيقة عن مستوى الشكاوى المقدّمة للمحاكم ومخافر الشرطة في إيران، ضدّ الجيران في الشقق والمجمّعات السكنيّة، ولكن، بصورة عامة تشير الدّراسات إلى أنّ 55 بالمائة من المجتمع الإيراني ليسوا راضين من الحياة في الشقق، بينما 25 منهم معارضين للسكن في الشقق. ويرى محلّلون إيرانيون أعدّوا هذه الإحصائية أنّ المجتمع الإيرانيّ مازال في مرحلة العبور، ولم يصل بعد إلى ثقافة السكن في المجمّعات السكنية والشقق. ومعظم من اتّخذ القرار بالسّكن في الشقق، كان سببه إمّا لأنّها مناسبة اقتصادياً، أو لأنّها أكثر أماناً لعائلتهِ التي تبقى وحيدة طوال ساعات النهار. وهذه نقطة فنّدتها جارتي جميلة الصوت. بعد سنوات عارضتُ صديقي وقرّرت شراء شقّة أعجبتني. ووقفتُ طويلاً في الحمّام، بينما صاحب البيت كان يشرح كلّ جزءٍ وضعَه بيدِه. كلّ ما أبحث عنه وجدته؛ مدراس قريبة، وسوق قريب، وحديقة مستقبلية جنب العمارة. ها نحن ندخل في العام السابع في عمارة ذات طابقيْن، وأربع شقق. لا أتوقّف عند الأحداث الصغيرة، فعادة ما تكون الأحداث المصاحبة للنّار هي الأكبر. في الساعة الثالثة فجراً انعكس على نافذة شقّتنا المطلّة على الشارع لونٌ برتقاليٌ. فتحتُ النافذةَ لأرى بابَ العمارة يتوهّج. نزلنا وأطفأنا النّار العالقة بالباب الحديديّ الكبير، وقد بات الآن مغطّى بالسخام. أقوال جاهزة وصل شرطيّ على دراجة نارية بعد ربع ساعة، وسألنا: "من أنتم؟"، فكان عليّ وعلى جيراني أن يعرّفَ كلّ واحد منّا عن نفسه. أنا أوّلهم، وجاري في الطابق العلوي من أصفهان، وجاري في الطابق السفليّ من أكراد "إيلام"، بينما مَن يقابله من الجيران من مدينة "مسجد سليمان". كلّ واحد منّا من مدينةٍ ومن لغة ولهجة. اطمأنّ الشرطيّ أنّ النار أنا السبب فيها. والسبب الوحيد هو أصولي التي انحدر منها ولهجتي. فهمتُ حينها عمقَ فاجعة اللغة التي اختارتْك، وكيف تحيلك بُنيتها إلى متّهم. بعد دقائق تبادلتُ الحديث مع الشرطيّ، فغيّر رأيه كلياً، وأخذني جانباً، وقال: تعرفون كلّكم جيداً المسبّب. وكلّنا كنّا نعرف جيّداً مَن هو المسبّب. العائلة من مسجد سليمان، وكبيرتهم ذات الصوت الجميل. تكرّر حرق الباب فجراً، وعاد الشرطيّ ليذكّرنا بما قاله مضيفاً "قدّموا شكوى ضدّهم، فهم مستأجرون". لا أخفي هنا أنّ كلّ ما كان يحدث أمرٌ ما في العمارة، كانت تتوجّه أصابع اتهام الجيران نحونا، وكان عليّ إبعاد التّهم واحدةً تلو الأخرى. ولكن هذه أفضل فرصة لكي ننتهز فرصة التخلّص من جيران فضوليين، صباحهم شجارات ومساؤهم ضجيج. حرّضتُ الجيران على تقديم شكوى. في المخفر نصحني الضابط ببيع الشقّة والانتقال إلى مكان آخر. بينما جاري الكرديّ قال خائفاً: "دعنا نعطيهم فرصة". في نفس اليوم اتصلتْ زوجةُ جاري الكرديّ، وقالت لزوجتي: "إذا كنتم تريدون تقديم شكوى، فنحن لسنا معكم. لأننا نخاف أن يختطفوا ابني من المدرسة". وبعد أشهر سيحمّلني زوجها عدم استكمال الشكوى والسبب تخاذلي. كلّ المشاكل من ذات الصوت الجميل وبناتها. كانت تعمل حارسة في سجنٍ نسائيّ. شكلها مخيفٌ جدّاً؛ ملامح وجهها غير واضحة، وتنظر لك وكأنّك متّهم. لكنّ صوتها جميل. إنه جميل في مناسبة واحدة فقط: حين تستدين منك، بينما لا تقع من فمِها كلمة "گه" (الخراء) لا نهاراً ولا مساءً. ومازالت قصص النار هي القصص الأكثر حدّة. قبل أشهر أحرقتْ ابنتها الكبرى نفسَها، بعد أن علمت بعلاقة زوجها مع فتاةٍ تصغرها. ولأنّها ابنة أمّها ذهبت لصديقةِ زوجها، وبينما كانت الأخيرة تحت رحمة ضربات الزوجة الغاضبة قالت: "أنا مستعدّة أن أغسل كلسوناتك، ولكن لن أترك زوجك". فتوقّفت عن ضربِها، وعادت للبيت وأحرقت نفسَها في الحمّام. في الصباح وبينما كنتُ...، سمعتُ طرقات الباب. طرقات عنيفة. من النافذة ذاتها التي رأيتُ من خلالها احتراق الباب، رأيتُ هذه المرة شابّاً يقفز منه. نزلتُ، ووجدتُ الشابَّ معلّقاً بين النزول في داخل الباحة أو الرجوع. لكنّ الطّرقات زادت حدّة. فتحتُ الباب، فإذا بحشدٍ من النّاس تتقدّمهم جارتي التي أشتهيها. ما إن رأتني، حتى قالت: "حيدري، ماتتْ ندى. ماتت ندى". مَن هي ندى، ومَن هؤلاء الناس؟ أخذني رجلٌ ملتحٍ مرتدياً السواد، وقال آمراً: "أخرِج سيّارتك، نريد إقامة مجلس العزاء هنا". أخرجتُ سيّارتي صاغراً ومتفاعلاً مع حزنهم، وموت ابنة جارتي، ندى. ظهراً، وبينما صوتُ القرآن يُبثّ من سماعاتٍ كبيرة، تعالى صوت أخت ندى وهي ترفس السماعات، وتقول بحالة هستيرية: "لا للقرآن، لا للقرآن". غيّر صديقي المهووس بحمّامات الشقق والجارات رقمَ هاتفه، ولم يعُدْ في متناول اليد، بينما كلّما أظهرت نشرات الأخبار دونالد ترامب، ارتفعت أسعار العقارات عندنا! الله لا يستر عليك يا ترامب؛ رفعتَ أسعار العقارات، وأبقيتَني مع جارتي التي أشتهيها! أحمد حيدري روائي ومترجم وإعلامي من إيران، الأهواز. ممّا صدر له في الترجمة من الفارسية إلى العربية: عيناها، رواية؛ خالي العزيز نابليون، رواية؛ أصفهان نصف العالم، رحلة؛ صيف ذلك العام، رواية. وقد صدرت له رواية "حمار الغجر الأحمق". المصدر: رصيف 22]]> 119160 اللغة السريانية.. تمتد لآلاف السنين وتأبى الاندثار http://www.souriyati.com/2019/02/23/119105.html Sat, 23 Feb 2019 09:54:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/02/23/119105.html السريانية هي عمق التاريخ الذي لا يمكن لشخص أو فئة -صغرت أو كبرت- التجرد منها، فهي نسب من نوع آخر، فموسيقى أبجدية حروفها عزف حضارات تمتد لآلاف السنين.

عماد الشمري-أربيل

هي عمق التاريخ الذي لا يمكن لشخص أو فئة -صغرت أو كبرت- التجرد منها، فهي نَسب من نوع آخر، فموسيقى أبجدية حروفها هي عزف حضارة سبقت الكثير منذ نشأة البشرية، وتفرد شعبها بها كلغة تخاطب وحيدة في الهلال الخصيب.. هكذا استهل مدير المتحف السرياني في أربيل بكردستان العراق كلدو رمزي اعتزازه بلغته الأم السريانية.

وأضاف رمزي في حديثه للجزيرة نت غيضا من تاريخ السريانية، قائلا "قبل أن تُعرف باللغة السريانية في القرن الرابع، كانت لغتها الأم الآرامية، وهي لغة طوائف الآشوريين والسريان والكلدان المنتشرة في العراق وسوريا".

وتابع أن السريانية إحدى اللغات السامية، ولها أهمية دينية إذ ما زالت الطقوس في الكنائس تتحدث بها رغم وجود سريانية جديدة، مشيرا إلى أن عمر اللغة يمتد سبعة آلاف سنة، وأنها مستمرة ولن تموت.

أهميتها التاريخية لم يكن كلدو رمزي الوحيد المدافع عن لغته، فبنت طائفته وزميلته في المتحف السرياني ومنسقة الإرشاد السياحي فيه تارة شمعون هي الأخرى تتحدث بافتخار عنها وعن جذورها، لتروي محطات تعتبرها فخرا للغتهم.

وعرجت تارة على صحيفة "زهريري دبهرا" باللغة السريانية، التي بدأت الصدور في إيران عام 1849، وأشارت إلى أن هذه اللغة كانت لغة العلوم والفنون ردحا طويلا من الزمن، وتفتخر أن السريانية كانت لغة النبي آدم والنبي نوح عليهما السلام.

وأكد رمزي أن السريانية لن تمحى بسبب عشق شعبها لها وارتباطها بطقوسهم الكنسية، ولذلك هي اليوم بحالة نهضة أفضل من ذي قبل، ففي محافظتي أربيل ودهوك شمالي العراق، هناك قرابة الـ50 مدرسة من المرحلة الابتدائية حتى الإعدادية تدرس مناهجها -وحتى فيها العلمية- باللغة السريانية، ولا يلاقي الطلبة صعوبة في ذلك.

ولفت إلى أن اللغة السريانية تجد اهتماما من قبل حكومة إقليم كردستان العراق، إذ إن هناك مديرية عامة للتربية والتعليم السرياني، وتوجد أقسام في بعض الكليات كما في جامعة بغداد وجامعة صلاح الدين في أربيل.

وأشار إلى أن السريانية ضرورية للمنقبين والمؤرخين، نظرا لضرورة ترجمة المخطوطات الورقية القديمة أو المنحوتة على الكثير من جدران المواقع الأثرية.

صراع البقاء لكل الشعوب مواطن نشأة أصلية تتجذر فيها، وللسريان شواهد تثبت وجودهم في حوضي نهر الفرات ودجلة والجزء الساحلي من بلاد الشام، وهي المناطق التي يطلق عليها اصطلاحا "الهلال الخصيب"، ولهذا أبقت هذه الجذور السريان في هذه المناطق حتى يومنا.

فالسريان متواجدون في سوريا ولبنان، ولكن جل تواجدهم في العراق وخاصة في سهل نينوى. ويروي بطرس حسو -أحد سكان هذا السهل- أنه ما زالت هناك عشرات القرى والمدن تمتد من قضاء تلكيف حتى الحمدانية، تحتفظ بتراثها ولغتها، والكثير من القرى ما زال سكانها يحافظون على أزيائها الفلكلورية ويمارسون عاداتها وتقاليدها مثل الطقوس الدينية.

هجرة وأعرب رمزي عن ألمه بسبب هجرة الكثير من السريان من مناطقهم بعد الأحداث التي شهدها العراق، وخاصة الموصل في منتصف العام 2014 عندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على العديد من مناطق البلاد، حيث تراجع تعداد السريان من 1.5 مليون نسمة إلى نحو 400 ألف.

من جهتها ترى الموظفة في المتحف السرياني فائزة إبراهيم أن ما فعله تنظيم الدولة في سهل نينوى من تدمير وتهجير انعكس سلبا على هذه الطائفة العريقة الجذور، لكن في الوقت نفسه أدى تحطيمه للمتحف وآثاره إلى شحذ همة السريانيين للتشبث أكثر بالتقاليد والطقوس السريانية والتمسك الشديد بلغتهم. والآن هناك إصرار أكبر على الاهتمام بالمتحف السرياني للتعريف بهذه الحضارة ولغتها.

ثورة إعلامية وأكدت فائزة على أهمية اللغة السريانية للحفاظ على الهوية والتاريخ، مشيرة إلى أن الفترة الحالية تشهد ثورة إعلامية من خلال انتشار صحف وقنوات فضائية خاصة بالشعب السرياني، كقناة "عشتار" التي تبث من العراق، و"سورويو" التي تبث من السويد، إلى جانب قناة "واي.أن.بي" التي تبث من أميركا.

وأضافت أن هناك حاليا عددا من الصحف والمجلات أبرزها صحيفة "بهرا" ومجلتا "رديا كلدايا" و"صبرايوثا"، إلى جانب كتب كثيرة تصدر بالسريانية بشكل متواصل.

]]>
السريانية هي عمق التاريخ الذي لا يمكن لشخص أو فئة -صغرت أو كبرت- التجرد منها، فهي نسب من نوع آخر، فموسيقى أبجدية حروفها عزف حضارات تمتد لآلاف السنين.

عماد الشمري-أربيل

هي عمق التاريخ الذي لا يمكن لشخص أو فئة -صغرت أو كبرت- التجرد منها، فهي نَسب من نوع آخر، فموسيقى أبجدية حروفها هي عزف حضارة سبقت الكثير منذ نشأة البشرية، وتفرد شعبها بها كلغة تخاطب وحيدة في الهلال الخصيب.. هكذا استهل مدير المتحف السرياني في أربيل بكردستان العراق كلدو رمزي اعتزازه بلغته الأم السريانية.

وأضاف رمزي في حديثه للجزيرة نت غيضا من تاريخ السريانية، قائلا "قبل أن تُعرف باللغة السريانية في القرن الرابع، كانت لغتها الأم الآرامية، وهي لغة طوائف الآشوريين والسريان والكلدان المنتشرة في العراق وسوريا".

وتابع أن السريانية إحدى اللغات السامية، ولها أهمية دينية إذ ما زالت الطقوس في الكنائس تتحدث بها رغم وجود سريانية جديدة، مشيرا إلى أن عمر اللغة يمتد سبعة آلاف سنة، وأنها مستمرة ولن تموت.

أهميتها التاريخية لم يكن كلدو رمزي الوحيد المدافع عن لغته، فبنت طائفته وزميلته في المتحف السرياني ومنسقة الإرشاد السياحي فيه تارة شمعون هي الأخرى تتحدث بافتخار عنها وعن جذورها، لتروي محطات تعتبرها فخرا للغتهم.

وعرجت تارة على صحيفة "زهريري دبهرا" باللغة السريانية، التي بدأت الصدور في إيران عام 1849، وأشارت إلى أن هذه اللغة كانت لغة العلوم والفنون ردحا طويلا من الزمن، وتفتخر أن السريانية كانت لغة النبي آدم والنبي نوح عليهما السلام.

وأكد رمزي أن السريانية لن تمحى بسبب عشق شعبها لها وارتباطها بطقوسهم الكنسية، ولذلك هي اليوم بحالة نهضة أفضل من ذي قبل، ففي محافظتي أربيل ودهوك شمالي العراق، هناك قرابة الـ50 مدرسة من المرحلة الابتدائية حتى الإعدادية تدرس مناهجها -وحتى فيها العلمية- باللغة السريانية، ولا يلاقي الطلبة صعوبة في ذلك.

ولفت إلى أن اللغة السريانية تجد اهتماما من قبل حكومة إقليم كردستان العراق، إذ إن هناك مديرية عامة للتربية والتعليم السرياني، وتوجد أقسام في بعض الكليات كما في جامعة بغداد وجامعة صلاح الدين في أربيل.

وأشار إلى أن السريانية ضرورية للمنقبين والمؤرخين، نظرا لضرورة ترجمة المخطوطات الورقية القديمة أو المنحوتة على الكثير من جدران المواقع الأثرية.

صراع البقاء لكل الشعوب مواطن نشأة أصلية تتجذر فيها، وللسريان شواهد تثبت وجودهم في حوضي نهر الفرات ودجلة والجزء الساحلي من بلاد الشام، وهي المناطق التي يطلق عليها اصطلاحا "الهلال الخصيب"، ولهذا أبقت هذه الجذور السريان في هذه المناطق حتى يومنا.

فالسريان متواجدون في سوريا ولبنان، ولكن جل تواجدهم في العراق وخاصة في سهل نينوى. ويروي بطرس حسو -أحد سكان هذا السهل- أنه ما زالت هناك عشرات القرى والمدن تمتد من قضاء تلكيف حتى الحمدانية، تحتفظ بتراثها ولغتها، والكثير من القرى ما زال سكانها يحافظون على أزيائها الفلكلورية ويمارسون عاداتها وتقاليدها مثل الطقوس الدينية.

هجرة وأعرب رمزي عن ألمه بسبب هجرة الكثير من السريان من مناطقهم بعد الأحداث التي شهدها العراق، وخاصة الموصل في منتصف العام 2014 عندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على العديد من مناطق البلاد، حيث تراجع تعداد السريان من 1.5 مليون نسمة إلى نحو 400 ألف.

من جهتها ترى الموظفة في المتحف السرياني فائزة إبراهيم أن ما فعله تنظيم الدولة في سهل نينوى من تدمير وتهجير انعكس سلبا على هذه الطائفة العريقة الجذور، لكن في الوقت نفسه أدى تحطيمه للمتحف وآثاره إلى شحذ همة السريانيين للتشبث أكثر بالتقاليد والطقوس السريانية والتمسك الشديد بلغتهم. والآن هناك إصرار أكبر على الاهتمام بالمتحف السرياني للتعريف بهذه الحضارة ولغتها.

ثورة إعلامية وأكدت فائزة على أهمية اللغة السريانية للحفاظ على الهوية والتاريخ، مشيرة إلى أن الفترة الحالية تشهد ثورة إعلامية من خلال انتشار صحف وقنوات فضائية خاصة بالشعب السرياني، كقناة "عشتار" التي تبث من العراق، و"سورويو" التي تبث من السويد، إلى جانب قناة "واي.أن.بي" التي تبث من أميركا.

وأضافت أن هناك حاليا عددا من الصحف والمجلات أبرزها صحيفة "بهرا" ومجلتا "رديا كلدايا" و"صبرايوثا"، إلى جانب كتب كثيرة تصدر بالسريانية بشكل متواصل.

]]>
119105