قصص قصيرة – سوريتي http://www.souriyati.com موقع سوري الكتروني لكل السوريين Wed, 22 Feb 2017 22:06:59 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=4.7.2 87044678 ضاهر وزهرة : قصة الحب الأولى اللي سمعتها http://www.souriyati.com/2017/02/15/72676.html Wed, 15 Feb 2017 16:56:00 +0000 http://www.souriyati.com/2017/02/15/72676.html ضاهر وزهرة (راح عيد نشر هالقصة اللي كانت تحكي لي ياها ستي الحبيبة الله يرحمها، وكررتها على مسامعي أمي الحبيبة. قصة الحب الأولى اللي سمعتها، وما اعتبرت منها. وكتار هنن الدعاديش اللي دخلوا حياتي وتدخلوا فيها، بدءاً من قصص العشق، وانتهاء بالثورة...) كان يا ما كان بقديم الزمان، كان في أخين: الأخ الكبير ملك والأخ الظغير وزير. الملك والوزير ما رزقهن الله ولاد. سمعوا مرة بياع مارق بالشارع وعم ينادي "تفاح الجبل للحبل"، فاشتروا كل واحد تفاحة وطعمهوهن لنسوانهن بلكي الله بينعم عليهم وبيجيبوا لهم كل واحد ولد. قام النسوان حبلوا بقدرة قادر، وفرحوا الملك والوزير وكل أهل البلد. ومرة عم يتمشى الملك والوزير، قال له الملك: " إذا مرتي ومرتك بيجيبوا متل بعض معليش، أو مرتي صبي ومرتك بنت معليش، والأفراح بتعم البلاد. بس إذا جابت مرتي بنت ومرتك صبي، بدي أقطع راسك وراس مرتك وراس ابنك." ولدت مرت الملك جابت بنت، وقعدوا يستنوا شو بدها تجيب مرت الوزير. قامت المسكينة جابت صبي. والوزير خبا الموضوع عن الملك من الخوف. وبيوم مشؤوم، إجا واحد عم يبارك للملك قال له مبروك عليك البنت، ومبروك الصبي عالوزير أخوك الظغير. اتطلع الملك بالوزير، قال له " إجاكن صبي وما خبرتني، هلأ بدنا نقطع راسك وراس مرتك وراس ابنك". جابوا هالمساكين، وأمر الظالم وقطعوا راس الوزير وراس مرته. ولما إجوا بدهن يقطعوا راس ابنه، صاروا الناس يترجوا الملك، إنه هاد طفل شو ذنبه، خليه عندك وربيه متل ابنك، بيصير أخوها لبنتك. رضي الملك على مضض، وأخد الصبي ورباه. وسمى الصبي والبنت ضاهر وزهرة. ربيوا الولاد وتدللوا بالقصر، وهنن معتقدين إنهن إخوات. ومرة وهنن عم يلعبوا بجنينة القصر، حمل ضاهر بحصة وضربها على واحد مارق بالشارع. قال له الزلمة ما بدعي عليك غير إنه الله يبليك بحب زهرة بنت عمك. استغرب ضاهر وسأله للزلمة ليش زهرة مو أختي ؟ قام الزلمة حكى له قصته لما انولد. خبّر ضاهر زهرة بالقصة، وكبروا ومرت الأيام وحبوا بعض. خبر دعدوش ابن عمهم بالقصة، وغار منهم وحسدهم. وراح قال للملك : ما بقول لك يا عمي غير إنه ضاهر وزهرة بيحبوا بعض. قال له مين قال لك. قال له هيك أنا حاسس. فأمر الملك حراسه وقال لهن ابعثوا لي ورا ضاهر، بده يقطع له راسه. قام صاروا الناس كمان يترجوه، قام نفاه وبعثه على مدينة ماردين، عمّر له هونيك حمام وحطه فيه. وبالحمام ناس فايتة وناس طالعة، وهيك بيلتهي عن حبه لزهرة. لما وصل ضاهر على ماردين، قد ما حزن على بنت عمه زهرة، حط راسه بالحمام ونام. الناس تفوت وتتحمم ببلاش وتطلع وتتركه نايم وما تحاكيه. طلعت زهرة ووصيفتها مرة يتمشوا، شافوا مكاري (سايق عرباية)، قال لها رايح ع ماردين، قالت له زهرة : مكاري مكاري يا كروان سلم على ضاهر ال بنى بماردين حمام قال لها : سلامك يا ست زهرة وحق الله لوديها وريقك السكري للعليل يشفيها وحياة جامع نبي وكتب اللي فيها محبتك لضاهر ليش تخفيها ؟ حمل حاله وسافر، وصل على ماردين، وسأل وين حمام ضاهر، دلوه. فات سأل وين صاحب الحمام، قالوا له شو بدك بصاحب الحمام، من يوم اللي وصل على ماردين نام. ما حدا بيحاكيه ولا بيحكي مع حدا. فوت تحمم ببلاش واطلع. قال لهن لأ، بدي ياه. قام صحي ضاهر لما سمع إنه حدا عم يسأل عليه. قال له المكاري : ضاهر وضاهر وضهرك بإيش مسنود تهديك ستي زهرة سلامها أم العيون السود وحياة جامع نبي بيت كل معبود يا ترى ضاهر ابن عمي للمنازل يعود ؟ قال له : مكاري يا مكاري استلم حمامي لأحظى بستي زهرة لآخر أيامي قام ضاهر ترك الحمام للمكاري وركض، سافر ورجع لعند زهرة. وقت اللي وصل، وكان من قبل مربي حمام قبل ما يترك القصر، قام صار الحمام يترغل. حست زهرة وركضت فتحت له الباب وفوتته. صار ضاهر يغني : قعدت تحت القصر وسمعت صوت ال طار يا دمع عيني على خدي كما الفوار وحياة جامع نبي وكل مين لقبره زار مبارح كنت بالأيمن واليوم أصحبت بالأيسر مين حس عالحمام كمان ؟ دعدوش !! راح قال له لعمه : ما بقول لك غير إنه ضاهر رجع. قال له كيف عرفت ؟ قال له لأن الحمام من يوم غيابه ما ترغل واليوم عم يترغل. رد الملك جابه لضاهر بده يقطع له راسه، فصاروا الأعيان يترجوه إنه حرام ولا تقطع له راسه، ومن كم شهر كان ابنك. حطه بصندوق وزته بالبحر، ووين ما أخده البحر منيح. رضي الملك، وحطه بالصندوق وزته بالبحر، وصار موج ياخده وموج يجيبه. بعد ما مشي، زهرة ضاق خلقها وغلي قلبها على غيابه. قالت لوصيفتها تعي نطلع نمشي عالبحر. وأخدوا معهن ملاية زيادة بلكي لقوا ضاهر عالشط. شي وصلوا عالبحر لقوا الصندوق نافد، شدوه وفتحوه، لقوا ضاهر بقلبه. طالعوه ولبسوه الملاية، ورجعوا هنن وياه. ورجع معهن عالقصر. مين عم يراقبهن ؟ دعدوش !! وراح قال له للملك. قال له ما بقول لك غير ضاهر رجع. قال له مين قال لك، قال له لأن راحوا زهرة ووصيفتها عالبحر تنتين ورجعوا تلاتة. قام الملك جابه لضاهر، قال له إذا بتحكي تلات كلمات وما بتذكر اسم زهرة بتنجى، بس إذا حكيت تلات كلمات وذكرت اسمها بدي أقطع راسك. مين ملعون وسمعان الحكي ؟ دعدوش !! راح دعدوش وقال لها لزهرة : البسي أحلى ما عندك، وتعي لعند أبوكي بده يجوزك لضاهر. لبست المسكينة وإجت راكضة. وقت اللي شافها ضاهر قال لها : يا ستي زهرة يا الواقفة قبالي لا أكل باكل ولا عيش يهنا لي إن كان يا ستي زهرة هاد الكلام قتالي مَيلي عصبتك لينشرح بالي (العصبة هي القماشة اللي بتنربط عالراس). قام لما سمع الملك هالحكي، قال له سياف اقطع راسه، وقطعوا له راسه. لما شافتهن قطعوا له راسه، سرقت السيف وغزته بصدرها، وماتوا هنن الاتنين. مين صفي ؟ دعدوش !! كيف بده يعيش بلا زهرة ؟ والغيرة من اللي ماتوا قتلته. كمان سرق السيف وقتل حاله. دفنوهن تلاتتهن بنفس المقبرة. حطوا ضاهر عاليمين وزهرة عاليسار ودعدوش بالنص. قام طلعت على قبر زهرة وردة، وقبر ضاهر وردة. ومين نبتت على قبره شوكة ؟ دعدوش !! و لما يهب الهوا، والوردتين بدهن يتعانقوا، تقوم الشوكة وتوقف بيناتهن. وتوتة توتة خلصت الحتوتة... (عن جدتي بتصرف)...   ]]> ضاهر وزهرة (راح عيد نشر هالقصة اللي كانت تحكي لي ياها ستي الحبيبة الله يرحمها، وكررتها على مسامعي أمي الحبيبة. قصة الحب الأولى اللي سمعتها، وما اعتبرت منها. وكتار هنن الدعاديش اللي دخلوا حياتي وتدخلوا فيها، بدءاً من قصص العشق، وانتهاء بالثورة...) كان يا ما كان بقديم الزمان، كان في أخين: الأخ الكبير ملك والأخ الظغير وزير. الملك والوزير ما رزقهن الله ولاد. سمعوا مرة بياع مارق بالشارع وعم ينادي "تفاح الجبل للحبل"، فاشتروا كل واحد تفاحة وطعمهوهن لنسوانهن بلكي الله بينعم عليهم وبيجيبوا لهم كل واحد ولد. قام النسوان حبلوا بقدرة قادر، وفرحوا الملك والوزير وكل أهل البلد. ومرة عم يتمشى الملك والوزير، قال له الملك: " إذا مرتي ومرتك بيجيبوا متل بعض معليش، أو مرتي صبي ومرتك بنت معليش، والأفراح بتعم البلاد. بس إذا جابت مرتي بنت ومرتك صبي، بدي أقطع راسك وراس مرتك وراس ابنك." ولدت مرت الملك جابت بنت، وقعدوا يستنوا شو بدها تجيب مرت الوزير. قامت المسكينة جابت صبي. والوزير خبا الموضوع عن الملك من الخوف. وبيوم مشؤوم، إجا واحد عم يبارك للملك قال له مبروك عليك البنت، ومبروك الصبي عالوزير أخوك الظغير. اتطلع الملك بالوزير، قال له " إجاكن صبي وما خبرتني، هلأ بدنا نقطع راسك وراس مرتك وراس ابنك". جابوا هالمساكين، وأمر الظالم وقطعوا راس الوزير وراس مرته. ولما إجوا بدهن يقطعوا راس ابنه، صاروا الناس يترجوا الملك، إنه هاد طفل شو ذنبه، خليه عندك وربيه متل ابنك، بيصير أخوها لبنتك. رضي الملك على مضض، وأخد الصبي ورباه. وسمى الصبي والبنت ضاهر وزهرة. ربيوا الولاد وتدللوا بالقصر، وهنن معتقدين إنهن إخوات. ومرة وهنن عم يلعبوا بجنينة القصر، حمل ضاهر بحصة وضربها على واحد مارق بالشارع. قال له الزلمة ما بدعي عليك غير إنه الله يبليك بحب زهرة بنت عمك. استغرب ضاهر وسأله للزلمة ليش زهرة مو أختي ؟ قام الزلمة حكى له قصته لما انولد. خبّر ضاهر زهرة بالقصة، وكبروا ومرت الأيام وحبوا بعض. خبر دعدوش ابن عمهم بالقصة، وغار منهم وحسدهم. وراح قال للملك : ما بقول لك يا عمي غير إنه ضاهر وزهرة بيحبوا بعض. قال له مين قال لك. قال له هيك أنا حاسس. فأمر الملك حراسه وقال لهن ابعثوا لي ورا ضاهر، بده يقطع له راسه. قام صاروا الناس كمان يترجوه، قام نفاه وبعثه على مدينة ماردين، عمّر له هونيك حمام وحطه فيه. وبالحمام ناس فايتة وناس طالعة، وهيك بيلتهي عن حبه لزهرة. لما وصل ضاهر على ماردين، قد ما حزن على بنت عمه زهرة، حط راسه بالحمام ونام. الناس تفوت وتتحمم ببلاش وتطلع وتتركه نايم وما تحاكيه. طلعت زهرة ووصيفتها مرة يتمشوا، شافوا مكاري (سايق عرباية)، قال لها رايح ع ماردين، قالت له زهرة : مكاري مكاري يا كروان سلم على ضاهر ال بنى بماردين حمام قال لها : سلامك يا ست زهرة وحق الله لوديها وريقك السكري للعليل يشفيها وحياة جامع نبي وكتب اللي فيها محبتك لضاهر ليش تخفيها ؟ حمل حاله وسافر، وصل على ماردين، وسأل وين حمام ضاهر، دلوه. فات سأل وين صاحب الحمام، قالوا له شو بدك بصاحب الحمام، من يوم اللي وصل على ماردين نام. ما حدا بيحاكيه ولا بيحكي مع حدا. فوت تحمم ببلاش واطلع. قال لهن لأ، بدي ياه. قام صحي ضاهر لما سمع إنه حدا عم يسأل عليه. قال له المكاري : ضاهر وضاهر وضهرك بإيش مسنود تهديك ستي زهرة سلامها أم العيون السود وحياة جامع نبي بيت كل معبود يا ترى ضاهر ابن عمي للمنازل يعود ؟ قال له : مكاري يا مكاري استلم حمامي لأحظى بستي زهرة لآخر أيامي قام ضاهر ترك الحمام للمكاري وركض، سافر ورجع لعند زهرة. وقت اللي وصل، وكان من قبل مربي حمام قبل ما يترك القصر، قام صار الحمام يترغل. حست زهرة وركضت فتحت له الباب وفوتته. صار ضاهر يغني : قعدت تحت القصر وسمعت صوت ال طار يا دمع عيني على خدي كما الفوار وحياة جامع نبي وكل مين لقبره زار مبارح كنت بالأيمن واليوم أصحبت بالأيسر مين حس عالحمام كمان ؟ دعدوش !! راح قال له لعمه : ما بقول لك غير إنه ضاهر رجع. قال له كيف عرفت ؟ قال له لأن الحمام من يوم غيابه ما ترغل واليوم عم يترغل. رد الملك جابه لضاهر بده يقطع له راسه، فصاروا الأعيان يترجوه إنه حرام ولا تقطع له راسه، ومن كم شهر كان ابنك. حطه بصندوق وزته بالبحر، ووين ما أخده البحر منيح. رضي الملك، وحطه بالصندوق وزته بالبحر، وصار موج ياخده وموج يجيبه. بعد ما مشي، زهرة ضاق خلقها وغلي قلبها على غيابه. قالت لوصيفتها تعي نطلع نمشي عالبحر. وأخدوا معهن ملاية زيادة بلكي لقوا ضاهر عالشط. شي وصلوا عالبحر لقوا الصندوق نافد، شدوه وفتحوه، لقوا ضاهر بقلبه. طالعوه ولبسوه الملاية، ورجعوا هنن وياه. ورجع معهن عالقصر. مين عم يراقبهن ؟ دعدوش !! وراح قال له للملك. قال له ما بقول لك غير ضاهر رجع. قال له مين قال لك، قال له لأن راحوا زهرة ووصيفتها عالبحر تنتين ورجعوا تلاتة. قام الملك جابه لضاهر، قال له إذا بتحكي تلات كلمات وما بتذكر اسم زهرة بتنجى، بس إذا حكيت تلات كلمات وذكرت اسمها بدي أقطع راسك. مين ملعون وسمعان الحكي ؟ دعدوش !! راح دعدوش وقال لها لزهرة : البسي أحلى ما عندك، وتعي لعند أبوكي بده يجوزك لضاهر. لبست المسكينة وإجت راكضة. وقت اللي شافها ضاهر قال لها : يا ستي زهرة يا الواقفة قبالي لا أكل باكل ولا عيش يهنا لي إن كان يا ستي زهرة هاد الكلام قتالي مَيلي عصبتك لينشرح بالي (العصبة هي القماشة اللي بتنربط عالراس). قام لما سمع الملك هالحكي، قال له سياف اقطع راسه، وقطعوا له راسه. لما شافتهن قطعوا له راسه، سرقت السيف وغزته بصدرها، وماتوا هنن الاتنين. مين صفي ؟ دعدوش !! كيف بده يعيش بلا زهرة ؟ والغيرة من اللي ماتوا قتلته. كمان سرق السيف وقتل حاله. دفنوهن تلاتتهن بنفس المقبرة. حطوا ضاهر عاليمين وزهرة عاليسار ودعدوش بالنص. قام طلعت على قبر زهرة وردة، وقبر ضاهر وردة. ومين نبتت على قبره شوكة ؟ دعدوش !! و لما يهب الهوا، والوردتين بدهن يتعانقوا، تقوم الشوكة وتوقف بيناتهن. وتوتة توتة خلصت الحتوتة... (عن جدتي بتصرف)...   ]]> 72676 طريقي الى المجهول http://www.souriyati.com/2017/02/14/5864.html Tue, 14 Feb 2017 12:54:00 +0000 http://www.souriyati.com/?p=5864
بدأت قصتي منذ حوالي الشهر ..... حزمت حقيبتي وودعت والدتي و إخوتي الصغار و مضيت في طريقي. كانت عيوني ترغرغ بالدموع و انا انظر حولي الى كل ركن من أركان بيتنا و حارتنا الشبه خاليه من سكانها ، فمنهم من هدم بيته فاضطر ان يغادره و منهم من استشهد و منهم من هرب و منهم من هاجر.
.
نظرت الى شوارع حارتي و عادت بي ذكرياتي الى زمن ليس ببعيد حين كنت اسمع فيه لعب الاطفال و ضحكاتهم في هذا الشارع. هنا كان يبكي طفل صغير وقع على الارض و صراخ طفل اخر ادخل الكرة في المرمى.
.
اما في اخر الشارع فكان يقف بائع الخضار ينادي بصوته المبحوح " اصابيع البوبو يا خيار". صوت قذيفه بعيدة بعض الشيء عن حارتنا أعادتني الى واقعي فلم يبق في شارعنا هذا اللذي كان يوما مليئاً بالحياة ، سوى دمار و سكون مخيف. هذا السكون اللذي يسبق العاصفة لكنها ليست كغيرها من العواصف انها عاصفة الموت التي تسقط فيها براميل و صواريخ الغدر بدلاً من المطر . و تتشبع فيها الأرض العطشى إلى المياه بدماء الشهداء. و بدل ان تنبعث الحياة بعد انتهاء العاصفة تنبعث رائحة الموت و الدمار و الفناء.
.
بدأت أخطو أولى خطواتي نحو مستقبل مجهول و الخوف و القلق يعتصر أحشائي. لقد تركت كل شيئ ورائي بسبب هذه الحرب اللعينه التي أعلنها علينا رئيسنا الذي بدلاً من ان يحمينا بجيشه قرر قتلنا جميعا وكان ذنبنا الوحيد اننا طالبنا بالحريه و العدالة و الكرامة. لقد أعلنها حربا شعواء علينا ، فأكلت كل شيئ في طريقها
و لم يبق لنا شيء سوى الذكريات . فقد كان سبب قراري بالرحيل هوالبحث عن مستقبل و حياة جديدة تضمن لي و لعائلتي لقمة العيش الحلال و حياة آمنة تحفظ كرامتنا.
غادرت مثلي مثل الكثيرين  من سكان حارتي و مدينتي و أبناء وطني باتجاه ذلك المجهول. بدأت أعبر الحواجز الواحد تلو الأخر و قلبي يكاد يتوقف عند كل حاجز امر عليه. فماذا لو تم اختطافي او اعتقالي عند احد هذه الحواجز، كما حدث للكثيرين قبلي من شباب و فتيات و رجال و نساء و حتى الشيوخ لم يشفع لهم كبر عمرهم من الاعتقال والإهانات .
.
بعد يوم شاق من السفر وصلت إلى إدلب. و من هناك وجدت من وافق على إيصالي الى تركيا مقابل مبلغ من المال. هناك في تركيا ستكون محطتي الاولى نحو مستقبل جديد و حياة أفضل على الأقل هذا ما كنت احلم و أسعى اليه. فأنا لم اترك والدتي وإخوتي رغبةً مني بالسفر ولكن بسبب ظروف حياتنا الصعبه التي كنا نعيشها منذ اختفاء والدي من على احد حواجز النظام . اعتقل لأنه شارك في مظاهرات كانت تطالب بالحرية و الكرامة. مر حوالي السنتين على اعتقاله وحتى هذه اللحظه لم نسمع عنه شيئاً. فنحن لا نعلم أين هو وحتى أننا لانعرف فيما إذا كان مايزال على قيد الحياة أم لا.
منذ ذلك الحين ووالدتي تحاول كل ما تستطيع لتأمين لقمة العيش لنا ، ولكن الحرب طالت وازدادت معها الحياة بؤساً وصعوبة حتى أننا لم نعد نستطع ان نأكل سوى وجبة واحده في اليوم. أصبحنا نرتدي عدة طبقات من الملابس في داخل البيت حتى ندفء اجسادنا فلم تعد والدتي قادره على دفع تكاليف التدفئة. اضافة الى كل هذا فالقصف لا يتوقف والطيران لا يغادر سماء مدينتنا. كل هذا ماجعل والدتي وانا ان نقرر ضرورة سفري بحثا لي و لهم عن بلد جديد نأوي إليه بحثا عن الأمان و عن حياة أفضل .
.
كانت والدتي تملك بعض قطع الذهب عقدا و ثلاث اساور و خاتم و حلق كان قد أهداهم والدي لها يوم زفافهما . و انا بدوري قدمت ما عندي من قطع ذهب بسيطه. فجمعت والدتي كل هذه القطع الذهبيه و باعتهم من أجل ان تجمع لي مبلغاً من المال ليغطي مصاريف سفري. لم تكن تركيا سوى المحطة الأولى لهجرتي فمن هنا سأنتقل الى محطتي الثانية و الاخيره الى بلد أوربي ما. من هناك سأطلب اللجوء الإنساني و من ثم ساطلب لم شمل لتلتحق بي والدتي واخوتي. مرت الايام و الاسابيع على وجودي في تركيا و عملت في مدينة تركية صغيرة براتب زهيد ريثما اجد طريقة ما للسفر الى أوربا. اخيرا وجدت مهرباً وعدني بإيصالي الى هناك عن طريق البحر. فرحت كثيرا و كانت سعادتي لا توصف فحلمي و حلم والدتي أوشك ان يتحقق.
.و في اليوم المتفق عليه اجتمعت على شاطىء البحر مع أناس مثلي هربوا من ذل و استعباد النظام . أرادوا ان يهربوا من القتل و الجوع و الذُل بحثا عن الأمان و مستقبل أفضل لهم و لأولادهم. فكنا خليطا من امهات و أطفال و رجالٌ و شيوخ و شباب لكني كنت الفتاة العزباء الوحيدة المسافره بينهم. كان قلبي يخفق فرحا والكل يبتسم و يحلم بحياة أفضل. والامل يغمرنا جميعا رغم وجود القلق من المجهول.
.
و إذ بنا نفاجأ بوصول قارب صيد مهترئ قديم لينقلنا الى أوربا. صعدنا الى القارب بصمت و غادرت الابتسامة وجوهنا و حل محلها خوف و توجس بسبب صغر القارب و قدمه. اعترض الكثير من الرجال لقبطان القارب قبل ان نبحر و لكنه أكد لنا جميعا انه قد قام بمثل هذه الرحلة مرات عديده و بإعداد من المهاجرين شبيه بعددنا و لم يحدث شيء. حينها صمتنا جميعا و توكلنا على الله و أبحر بنا القارب في ما سميناه رحلة الأمل.
.
مر اليوم الاول دون اي مشاكل تذكر سوى بكاء الاطفال بين الحين و الاخر وقد تقيّاً البعض بسبب حركة القارب. كانت تجلس بقربي سيدة متوسطة العمر و معها طفلين قضينا يومنا الاول نتحدث و نتبادل ذكر المآسي التي مرت علينا من حكم الاسد و كيف ان حربه التي شنها علينا دفعتنا لاتخاذ قرار الهجره. كنا نتحدث و نتذكر و نبكي و نضحك و الخوف و الامل يغمرنا.
.
في اليوم الثاني لاحظنا ان القارب بدأ يهتز بنا اكثر و بدأت امواج البحر تعلو شيئا فشيئا و الرياح البارده تزداد قوه ، مما جعل القارب يرقص بِنَا و يتمايل مع امواج البحر. كنا جميعا نشعر بالخوف و خاصة النساء و الاطفال ولكن الرجال و الشباب كانوا يطمئنونا و يشجعوننا. رغم ذلك شعرت بالخوف يتسرب الى كامل جسدي لربما كوني مسافرة وحدي. كنت انظر حولي فاشاهد نظرات القلق في عيون الرجال رغم محاولاتهم اخفاءها عنا. كانت الأمهات تبكي بصمت خوفا على اولادهن. كبار السن يرتلون القران ويكبرون بصوت عال حولنا.
.
في اليوم الثالث و مع كل ساعة تمر كانت سرعة الرياح تزداد سرعة و الامواج تزداد إرتفاعا. عندها بداء القارب الذي يقلنا يترنح يمنة و ويسرة بعنف شديد و حينها أدركنا جميعا انها النهاية فبدأ الركاب بالصراخ كبارا و صغارا. اذكر في ذلك المساء وبينما كنت ادعو لربي ان يحمينا و يوصلنا سالمين. تذكرت والدي و ابتسمت رغماً عني فلقد تذكرت كيف ان والدي اصر على تعليمي السباحة رغما عني. فشكرته في أعماقي على ذلك. و في تلك اللحظة وإذا بموجة عاتية تقذف بالقارب في السماء و يعود و يسقط بعنف بمياه البحر متحطماً و برمشة عين وجدنا أنفسنا جميعا في مياه البحر البارده تتخبط بِنَا الامواج و تبلعنا و تأخذنا في اتجاهات مختلفه فخلال دقائق معدوده فرقتنا هذه الامواج عن بعضنا بعضاً و أصبحت اسمع و اشاهد بأم عيني صراخ الأطفال من بعيد و توسلاتهم لأمهاتهم لإنقاذهم من الغرق.
.
حاولت ان أسبح بإتجاههم لكن قوة الامواج كانت تمنعني. استمرت صرخات الاطفال و استغاثات الأمهات لمن ينقذ اولادهم .بعدها بدأت اشاهد من بعيد كيف كان البحر يبتلع الطفل بعد الاخر فتتبعهم امهاتهم. شيئاً فشيئاً ثم مالبثت أن اختفت جميع الأصوات ولَم أعد اسمع سوى طبول الموت من حولي . لا اعلم كم من الوقت مضى حين وجدت نفسي وحيدة في ظلام دامس. حولت عيوني الى السماء لاستجدي عطف ربي و اطلب منه منحي القوة حتى استمر في السباحة عله يأتي أحد لانقاذي. كانت تظهراحيانا من بين الغيوم اضواء نجوم باهته. كم أصبحت اكره الظلام و السكون و بدأت ابكي بصمت اخاطب امي و ابي و اخوتي عمّا حل بي و كم تمنيت لو بقيت بينهم . تذكرت ظروفهم القاسية و كم من آمال بنيت على سفرتي هذه و بدأت ابكي عليهم و أتساءل ماذا سيحل بهم ان غرقت.
.
لقد قبلت ان أخوض هذه المغامرة من أجلهم من أجل أن أخرجهم و أنقذهم من براميل الاسد و ميليشياته. يا ربي ماذا سيحل بهم ان لم يأت احد لإنقاذي. هل يا ترى سوف يحدثهم أحد عني و كيف انني رغم كل شيء بقيت قويه و عندي امل. مرت ساعات و انا في عرض البحر يا أمي. صدقيني إيتها الام الحنونه المضحية انني حاولت بكل ما املك من قوة و اراده ان استمر بالسباحة لعل سفينة ما تنقذني لكني تعبت كثيرا يا امي و لم أعد أستطيع تحريك أقدامي و لا حتى اذرعي. سامحيني يا أمي لقد خيبت املك لقد تعبت كثيرا و اريد ان أغمض عينيّ و انام قليلا.
بقلم لمى الزعبي
14-02-2017
هذه كانت قصة فتاة في الرابعة و العشرين من عمرها. دفعتها حرب الاباده التي اعلنها بشار الأسد على الشعب السوري. الى ان تترك موطنها الذي ترعرعت في احضانه و تهاجر بحثا عن مكان تبني فيه مستقبلا جديدا لها ولأسرتها
]]>
بدأت قصتي منذ حوالي الشهر ..... حزمت حقيبتي وودعت والدتي و إخوتي الصغار و مضيت في طريقي. كانت عيوني ترغرغ بالدموع و انا انظر حولي الى كل ركن من أركان بيتنا و حارتنا الشبه خاليه من سكانها ، فمنهم من هدم بيته فاضطر ان يغادره و منهم من استشهد و منهم من هرب و منهم من هاجر.
.
نظرت الى شوارع حارتي و عادت بي ذكرياتي الى زمن ليس ببعيد حين كنت اسمع فيه لعب الاطفال و ضحكاتهم في هذا الشارع. هنا كان يبكي طفل صغير وقع على الارض و صراخ طفل اخر ادخل الكرة في المرمى.
.
اما في اخر الشارع فكان يقف بائع الخضار ينادي بصوته المبحوح " اصابيع البوبو يا خيار". صوت قذيفه بعيدة بعض الشيء عن حارتنا أعادتني الى واقعي فلم يبق في شارعنا هذا اللذي كان يوما مليئاً بالحياة ، سوى دمار و سكون مخيف. هذا السكون اللذي يسبق العاصفة لكنها ليست كغيرها من العواصف انها عاصفة الموت التي تسقط فيها براميل و صواريخ الغدر بدلاً من المطر . و تتشبع فيها الأرض العطشى إلى المياه بدماء الشهداء. و بدل ان تنبعث الحياة بعد انتهاء العاصفة تنبعث رائحة الموت و الدمار و الفناء.
.
بدأت أخطو أولى خطواتي نحو مستقبل مجهول و الخوف و القلق يعتصر أحشائي. لقد تركت كل شيئ ورائي بسبب هذه الحرب اللعينه التي أعلنها علينا رئيسنا الذي بدلاً من ان يحمينا بجيشه قرر قتلنا جميعا وكان ذنبنا الوحيد اننا طالبنا بالحريه و العدالة و الكرامة. لقد أعلنها حربا شعواء علينا ، فأكلت كل شيئ في طريقها
و لم يبق لنا شيء سوى الذكريات . فقد كان سبب قراري بالرحيل هوالبحث عن مستقبل و حياة جديدة تضمن لي و لعائلتي لقمة العيش الحلال و حياة آمنة تحفظ كرامتنا.
غادرت مثلي مثل الكثيرين  من سكان حارتي و مدينتي و أبناء وطني باتجاه ذلك المجهول. بدأت أعبر الحواجز الواحد تلو الأخر و قلبي يكاد يتوقف عند كل حاجز امر عليه. فماذا لو تم اختطافي او اعتقالي عند احد هذه الحواجز، كما حدث للكثيرين قبلي من شباب و فتيات و رجال و نساء و حتى الشيوخ لم يشفع لهم كبر عمرهم من الاعتقال والإهانات .
.
بعد يوم شاق من السفر وصلت إلى إدلب. و من هناك وجدت من وافق على إيصالي الى تركيا مقابل مبلغ من المال. هناك في تركيا ستكون محطتي الاولى نحو مستقبل جديد و حياة أفضل على الأقل هذا ما كنت احلم و أسعى اليه. فأنا لم اترك والدتي وإخوتي رغبةً مني بالسفر ولكن بسبب ظروف حياتنا الصعبه التي كنا نعيشها منذ اختفاء والدي من على احد حواجز النظام . اعتقل لأنه شارك في مظاهرات كانت تطالب بالحرية و الكرامة. مر حوالي السنتين على اعتقاله وحتى هذه اللحظه لم نسمع عنه شيئاً. فنحن لا نعلم أين هو وحتى أننا لانعرف فيما إذا كان مايزال على قيد الحياة أم لا.
منذ ذلك الحين ووالدتي تحاول كل ما تستطيع لتأمين لقمة العيش لنا ، ولكن الحرب طالت وازدادت معها الحياة بؤساً وصعوبة حتى أننا لم نعد نستطع ان نأكل سوى وجبة واحده في اليوم. أصبحنا نرتدي عدة طبقات من الملابس في داخل البيت حتى ندفء اجسادنا فلم تعد والدتي قادره على دفع تكاليف التدفئة. اضافة الى كل هذا فالقصف لا يتوقف والطيران لا يغادر سماء مدينتنا. كل هذا ماجعل والدتي وانا ان نقرر ضرورة سفري بحثا لي و لهم عن بلد جديد نأوي إليه بحثا عن الأمان و عن حياة أفضل .
.
كانت والدتي تملك بعض قطع الذهب عقدا و ثلاث اساور و خاتم و حلق كان قد أهداهم والدي لها يوم زفافهما . و انا بدوري قدمت ما عندي من قطع ذهب بسيطه. فجمعت والدتي كل هذه القطع الذهبيه و باعتهم من أجل ان تجمع لي مبلغاً من المال ليغطي مصاريف سفري. لم تكن تركيا سوى المحطة الأولى لهجرتي فمن هنا سأنتقل الى محطتي الثانية و الاخيره الى بلد أوربي ما. من هناك سأطلب اللجوء الإنساني و من ثم ساطلب لم شمل لتلتحق بي والدتي واخوتي. مرت الايام و الاسابيع على وجودي في تركيا و عملت في مدينة تركية صغيرة براتب زهيد ريثما اجد طريقة ما للسفر الى أوربا. اخيرا وجدت مهرباً وعدني بإيصالي الى هناك عن طريق البحر. فرحت كثيرا و كانت سعادتي لا توصف فحلمي و حلم والدتي أوشك ان يتحقق.
.و في اليوم المتفق عليه اجتمعت على شاطىء البحر مع أناس مثلي هربوا من ذل و استعباد النظام . أرادوا ان يهربوا من القتل و الجوع و الذُل بحثا عن الأمان و مستقبل أفضل لهم و لأولادهم. فكنا خليطا من امهات و أطفال و رجالٌ و شيوخ و شباب لكني كنت الفتاة العزباء الوحيدة المسافره بينهم. كان قلبي يخفق فرحا والكل يبتسم و يحلم بحياة أفضل. والامل يغمرنا جميعا رغم وجود القلق من المجهول.
.
و إذ بنا نفاجأ بوصول قارب صيد مهترئ قديم لينقلنا الى أوربا. صعدنا الى القارب بصمت و غادرت الابتسامة وجوهنا و حل محلها خوف و توجس بسبب صغر القارب و قدمه. اعترض الكثير من الرجال لقبطان القارب قبل ان نبحر و لكنه أكد لنا جميعا انه قد قام بمثل هذه الرحلة مرات عديده و بإعداد من المهاجرين شبيه بعددنا و لم يحدث شيء. حينها صمتنا جميعا و توكلنا على الله و أبحر بنا القارب في ما سميناه رحلة الأمل.
.
مر اليوم الاول دون اي مشاكل تذكر سوى بكاء الاطفال بين الحين و الاخر وقد تقيّاً البعض بسبب حركة القارب. كانت تجلس بقربي سيدة متوسطة العمر و معها طفلين قضينا يومنا الاول نتحدث و نتبادل ذكر المآسي التي مرت علينا من حكم الاسد و كيف ان حربه التي شنها علينا دفعتنا لاتخاذ قرار الهجره. كنا نتحدث و نتذكر و نبكي و نضحك و الخوف و الامل يغمرنا.
.
في اليوم الثاني لاحظنا ان القارب بدأ يهتز بنا اكثر و بدأت امواج البحر تعلو شيئا فشيئا و الرياح البارده تزداد قوه ، مما جعل القارب يرقص بِنَا و يتمايل مع امواج البحر. كنا جميعا نشعر بالخوف و خاصة النساء و الاطفال ولكن الرجال و الشباب كانوا يطمئنونا و يشجعوننا. رغم ذلك شعرت بالخوف يتسرب الى كامل جسدي لربما كوني مسافرة وحدي. كنت انظر حولي فاشاهد نظرات القلق في عيون الرجال رغم محاولاتهم اخفاءها عنا. كانت الأمهات تبكي بصمت خوفا على اولادهن. كبار السن يرتلون القران ويكبرون بصوت عال حولنا.
.
في اليوم الثالث و مع كل ساعة تمر كانت سرعة الرياح تزداد سرعة و الامواج تزداد إرتفاعا. عندها بداء القارب الذي يقلنا يترنح يمنة و ويسرة بعنف شديد و حينها أدركنا جميعا انها النهاية فبدأ الركاب بالصراخ كبارا و صغارا. اذكر في ذلك المساء وبينما كنت ادعو لربي ان يحمينا و يوصلنا سالمين. تذكرت والدي و ابتسمت رغماً عني فلقد تذكرت كيف ان والدي اصر على تعليمي السباحة رغما عني. فشكرته في أعماقي على ذلك. و في تلك اللحظة وإذا بموجة عاتية تقذف بالقارب في السماء و يعود و يسقط بعنف بمياه البحر متحطماً و برمشة عين وجدنا أنفسنا جميعا في مياه البحر البارده تتخبط بِنَا الامواج و تبلعنا و تأخذنا في اتجاهات مختلفه فخلال دقائق معدوده فرقتنا هذه الامواج عن بعضنا بعضاً و أصبحت اسمع و اشاهد بأم عيني صراخ الأطفال من بعيد و توسلاتهم لأمهاتهم لإنقاذهم من الغرق.
.
حاولت ان أسبح بإتجاههم لكن قوة الامواج كانت تمنعني. استمرت صرخات الاطفال و استغاثات الأمهات لمن ينقذ اولادهم .بعدها بدأت اشاهد من بعيد كيف كان البحر يبتلع الطفل بعد الاخر فتتبعهم امهاتهم. شيئاً فشيئاً ثم مالبثت أن اختفت جميع الأصوات ولَم أعد اسمع سوى طبول الموت من حولي . لا اعلم كم من الوقت مضى حين وجدت نفسي وحيدة في ظلام دامس. حولت عيوني الى السماء لاستجدي عطف ربي و اطلب منه منحي القوة حتى استمر في السباحة عله يأتي أحد لانقاذي. كانت تظهراحيانا من بين الغيوم اضواء نجوم باهته. كم أصبحت اكره الظلام و السكون و بدأت ابكي بصمت اخاطب امي و ابي و اخوتي عمّا حل بي و كم تمنيت لو بقيت بينهم . تذكرت ظروفهم القاسية و كم من آمال بنيت على سفرتي هذه و بدأت ابكي عليهم و أتساءل ماذا سيحل بهم ان غرقت.
.
لقد قبلت ان أخوض هذه المغامرة من أجلهم من أجل أن أخرجهم و أنقذهم من براميل الاسد و ميليشياته. يا ربي ماذا سيحل بهم ان لم يأت احد لإنقاذي. هل يا ترى سوف يحدثهم أحد عني و كيف انني رغم كل شيء بقيت قويه و عندي امل. مرت ساعات و انا في عرض البحر يا أمي. صدقيني إيتها الام الحنونه المضحية انني حاولت بكل ما املك من قوة و اراده ان استمر بالسباحة لعل سفينة ما تنقذني لكني تعبت كثيرا يا امي و لم أعد أستطيع تحريك أقدامي و لا حتى اذرعي. سامحيني يا أمي لقد خيبت املك لقد تعبت كثيرا و اريد ان أغمض عينيّ و انام قليلا.
بقلم لمى الزعبي
14-02-2017
هذه كانت قصة فتاة في الرابعة و العشرين من عمرها. دفعتها حرب الاباده التي اعلنها بشار الأسد على الشعب السوري. الى ان تترك موطنها الذي ترعرعت في احضانه و تهاجر بحثا عن مكان تبني فيه مستقبلا جديدا لها ولأسرتها
]]>
5864
من أنا ؟ من أكون ؟ قصة من واقع حرائر الثورة السورية بقلم السيدة لمى الزعبي http://www.souriyati.com/2017/01/05/70518.html Thu, 05 Jan 2017 11:51:08 +0000 http://www.souriyati.com/?p=70518 من أنا ؟ من أكون ؟ لمى الزعبي 04.01.2017 من انا ؟ اعتقد أنه لم يعد مهماً من أكون. . كل ما اريدكم أن تعرفوه انني فتاة يتيمة ضائعه تجول شوارع بلدها الجريح متمنيه أن يلقاها الموت رغم أني في السابعه عشر من عمري لا غير. ولدت في محافظة حمص هذه المحافظة الجميله المليئة بالحياة من عائلة بسيطة متواضعة تتكون من خمسة أفراد. أبي تقبله الله شهيدا و أمي ألهمها الله الصبر و اخ يكبرني بخمس سنين و أخت لي طفلة في التاسعة من عمرها و أنا .... . والدي ـ رحمه الله ـ كان يعمل في مهنة تصليح البرادات و الغسالات. حين كنت في الرابعة عشر من عمري سنة 2011. بدأت حياتنا و حياة من حولنا تتغير كان والدي فور عودته من عمله يأخذ اخي و ينضمان معاً الى المظاهرات اليوميه اللتي كانت تجوب شوارع حاراتنا في كل مساء مؤازرة لاطفال و أهالي درعا. كنت اجلس الى جانب والدتي و اختي الصغرى و نتحدث و نتسائل عمّا كان يحدث من حولنا و في المدن الاخرى من وطننا. كان يبدو على والدتي القلق و الخوف كلما خرج والدي و أخي معه للتظاهر. . و في يوم جمعة من أيام الجمع التي تشتد بها المظاهرات ذهب والدي واخي الى صلاة الجمعه في مسجد الحارة و بينما كان المصلون يغادرون المسجد في ذلك اليوم بعد انتهاء صلاة الجمعه و إذ  بقوات الشرطه قد طوقت المكان و بدأت تنهال عليهم رصاصات الحقد و الغدر دون اي ذنب اقترفوه سوى المطالبه حينها بالكرامة و العدالة و الحرية. أصابت رصاصات الحقد عدد اً من المصلّين فاستشهد عدد منهم و كان والدي واحدا ممن أصابته تلك الرصاصات و استشهد على الفور عندما اخترقت إحدى رصاصات الغدر جسده و إستقرت في صدره. . أذكر تلك اللحظه المريرة اللتي غيرت حياتنا جميعا الى الابد. . كنت مع والدتي نحضر وجبة الغداء و اختي الصغيرة تلعب حولنا، و إذ بباب بيتنا يطرق طرقا عنيفا. جمدت أنا و أمي في مكاننا و نظرنا الى الباب باستغراب كبير و خوف أكبر . أسرعت أنا وأختي لفتح الباب ، كان بالباب أخي يصرخ فينا ابتعدوا افتحوا الطريق و ثيابه ملطخه بالدماء، و معه مجموعه من شباب الحاره و على اكتافهم أبي نعم انه أبي . لم استطع التحرك من مكاني حاولت أن أحرك قدمي الى الامام لكنها لم تستجب. لا اذكر بعدها كثير من التفاصيل فكل شيء كان يتسارع حولي و كأنه فلم وليس حقيقه. . صراخ .... تكبير ... كل هذا و انا أشعر أن الدنيا في حالة صمت. و صرخات والدتي و بكاءها إلى اليوم ما زلت اسمعها في أذاني رغم مرور عدة سنوات. إمتلأ  البيت بالاقارب و الجيران ، الجميع يصرخ و يكبر ويتلو بعض آيات القران أدركت حينها ان والدي قد ذهب ولن يعود . لقد استشهد و تركنا و أصبحنا أيتاماً . . كنت اسمع بعض الناس يباركون لوالدتي بإستشهاد والدي و يقولون لها لقد أصبحت أرملة شهيد، ارفعي رأسك عاليا يا أم مصطفى . اذكر جيدا آهات أمي وهي تهز رأسها لهم و تحاول أن تتجاوب معهم و لكنها كانت في حالة ذهول وعدم تصديق لما جرى . كانت والدتي وعلى ملامحها علامات الخوف و الضياع تحتضنني وأختي بكل قوتها حتى انني أحسست بالاختناق. كنت حينها أحدث نفسي لماذا يهنىء الناس والدتي و أخي على موت والدي ، لقد فقدنا والدنا هل هم مجانين؟ . . بعد مضي ثلاث أيام انتهى العزاء جاء اخي الى والدتي و قبلها من جبينها و وعدها انه سينتقم من الذين قتلو والده ، وهمس بصوت خافت لم اسمعه ولكني سمعتها و هي تنهاه و تقول له "برضاي عليك يا مصطفى خليك جمبي نحن بحاجتك هلئ " و هو يقول لها لا اريد شيئا منك سوى الرضى. . غادر اخي البيت و منذ ذلك اليوم اصبح يغيب اخي عن البيت لايام عديده و يعود ليلا ليطمئن علينا ثم يعود إلى الغياب مرة أخرى . . استمريت من جهتي بالذهاب الى مدرستي رغما عن رغبة امي . لأنها طلبت مني و من اختي عدم الذهاب للمدرسة خوفاً علينا و البقاء في البيت معها. لكنني رفضت البقاء و استطعت أن اقنعها بضرورة إكمالي دراستي ، فهذا كان حلم من احلام والدي أن احصل على شهادة جامعية. . في الحقيقه لم يكن هذا هو السبب فقط لإصراري على الذهاب الى المدرسه ، ولكني لم أعد احتمل البقاء بالبيت و سماع بكاء والدتي الذي لا ينقطع منذ استشهاد والدي و التحاق أخي بالثوار. كان أخي ورغم غيابه الطويل عنا يرسل لنا مصاريف البيت. مرت شهور على هذا الحال و الثورة تزداد اتساعا و قوة و يزداد معها القتل و عدد الشهداء و الارامل و الأيتام . . و في يوم من ايام الربيع كنت حينها في بداية الخامسه عشر من عمري وبينما كنت في طريقي الى مدرستي توقفت سيارة بجانبي و خرج منها ثلاث رجال مسلحين سألني احدهم عن اسمي وإن كان مصطفى هو اخي ، وحين أجبتهم بنعم طلبوا مني الصعود الى السياره لأخذي الى قسم الشرطه لسؤالي بعض الاسئله حسب ما قال لي احدهم . قلت لهم وأنا أرتجف خوفاً لا أريد صعود سيارتهم وطلبت منهم تركي و إلا فسأتاخر على مدرستي . لكنهم رفضوا طلبي و أكدوا لي أن أخذي معهم الى فرع الشرطه هو مجرد إجراء روتيني بسيط وأنهم سيرجعوني إلى مدرستي ، فهناك شخص يريد ان يتحدث إليّ و يسألني بعض الاسئله لا غير. حينها طلبت منهم ان يعطوني فرصة لأخبر والدتي حتى لا تقلق علي! ما ان قلت ذلك حتى قام أحدهم بمسكي من ذراعي و بالقوه حاول إدخالي الى السياره ، صرخت مستغيثة بمن حولي ، نظرت بكل الاتجاهات و عيناي تتوسل كل المارة لعل احداً منهم يتدخل لمساعدتي و لكني صدمت حين لاحظت كيف كان المارة يتجاهلون وجودنا و يتجاهلون صراخي ولَم يجرؤ احد منهم حتى النظر في اتجاهنا. فدخلت السيارة و أنا أبكي . . أخذوني الى قسم الشرطه في منطقة قريبة منا. و أدخلوني الى غرفة يجلس فيها رجل وراء مكتبه و أجلسوني على الكرسي أمامه فطلب منهم إحضار كأس من العصير لي . ثم بدأ يسألني بصوت ودي قال لي "عمو ما بدنا نأخرك عن المدرسة بس بدي أسالك كم سوْال " و بدأت الأسئلة. .. أولا عن مدرستي و من ثم عن عائلتي و أخيرا عن أخي . أراد ان يعرف أين هو اخي و ماذا يفعل عندما يغيب عن البيت ومن هم أصدقاؤه و من يزوره في بيتنا و ماذا يقول لنا عن نشاطاته. ثم قال لي انه قلق على اخي . كنت أجيبه و انا أبكي و اقول و أكرر له " يا عمو والله ما بعرف ، ما بيحكي شي إدامي لما بزورنا. يا عمو فهمني شو صار شو عمل أخي ماعم بفهم عليك و الله ما بعرف مين رفقاته و ما بعرف امتى بيجي يزورنا . و الله بيجي فجأة و بروح فجأة. " و قد أجبته بصدق فأخي فعلا لا يتحدث عن اي شيء مهم خلال جلوسي معه و مع أمي . حلفت له و أقسمت بروح والدي الشهيد لكنه لم يصدقني . مرت ساعة تلوى الاخرى وهو يكرر نفس الاسئله و انا أكرر له نفس الإجابه مخلوطه بالبكاء و الحلفان . رجوته مرارا ان يسمح لي الاتصال بوالدتي حتى لا تقلق علي . فقال لي انهم اتصلو بها و أخبروها انني في زيارتهم للإجابة على بعض الأسئله و أنني سأعود الى البيت قريبا . . مرت ساعات لا اعرف بالضبط كم عددها ، لكنني شعرت و كأنها ايام و اسابيع. و اذا بالمحقق يقول لي طالما أن ذاكرتك تخونك ولا تتذكرين شيء فستبقي في زيارتنا هذه الليله لربما ستتذكرين صباحا و تجيبين على أسئلتي. بدأت ارتجف خوفا و رجوته ان يرجعني عند أمي لكنه صرخ و قال يا حسن تعال خود هال.... و أخذني الى غرفة معتمه بارده رائحتها مقيته لم أر شيئاً امامي فتلمست الجدار و مشيت وأنا أجهش بالبكاء حتى وصلت الى زاويه فجلست على الارض البارده و احتضنت رأسي بين ركبتي وضعت يدي فوق رأسي و استمريت بالبكاء و مناداة أمي لتأتي و تأخذني الى البيت معهاحتى غلبني النوم. في صباح اليوم التالي أحضروني الى غرفة التحقيق وبدأ المحقق يكرر نفس أسئلة البارحة. لكن اليوم عندما أجبته أنني لا اعرف قام عن كرسيه و مشى باتجاهي و صفعني على وجهي و قال ربما ستتذكرين الآن . و بعد ذلك ، كان مع كل سؤال صفعه ، وبدأ يهددني و يقول لي إنه لا يريد إرسالي الى فرع المخابرات للتحقيق معي ولكن اذا استمريت بعنادي وعدم إجابته فلن يبقى أمامه سوى إرسالي الى هناك. و كنت أبكي بحرقه و اقول له " يا عمو و الله ما عّم كذب عليك. و الله مابعرف وين بروح أخي و مين رفقاتو. يا عمو الله يخليلك ولادك خليني احكي مع ماما أكيد بتكون على نار هلاء ". فبدأ بضربي بقوة و بعدها لم أعد اذكر شيئاً ، حيث فقدت الوعي لبعض الوقت . وعندما عدت الى وعيي علمت من الشرطي قرار تحويلي الى فرع للمخابرات . لم أعرف حينها اسم الفرع ولكن في ذاك المكان بدأت قصتي . . تبين لي فيما بعد أنه تم تحويلي الى فرع فلسطين. كنت اسمع بهذا المكان المروع من والدي عندما كان يتحدث عنه بصوت خافت لاخي . و اذكر ايضا أن صديقات أمي كنّ يتهامسن بخوف فيما بينهم عن الفظاعات التي كانت ترتكب في أقبيتة. و أنا الان في طريقي الى مصير مجهول حينها تذكرت بمراره كلام والدتي وكم تمنيت لو كنت قد سمعت كلامها و بقيت في البيت ولَم أذهب الى المدرسة لربما ما كان استطاع رجال الأمن أخذي . . وضعوني في غرفة مليئه بفتيات و نساء من جميع الاعمار . عندما دخلت غرفة السجن نظرن جميعا إلي بحزن شديد وألم والخوف مرسوم على وجوههن . نظرت إليهن وقلت "انا ما عملت شي غلط" قلت لهن انا ليس لي اي علاقة بما يحدث في الشوارع و لا اعرف لماذا احضروني إلى هنا و انني أريد ان أذهب الى أمي . و بدأت أجهش بالبكاء فاقتربت مني سيدة كبيره في العمر و ضمتني الى صدرها ولَم تنطق بكلمه. رغم ان الغرفة مليئه غير ان الصمت خيم على الجميع فلا تسمع سوى أصوات انين متقطعه هنا و هناك و شهيق من فتاة تبكي بصمت. نظرت الى أعينهن فوجدت ان نظراتهن كانت تحمل الخليط من الغضب و الخوف و الضياع. جلست بصمت توقفت عن البكاء الا ان دموعي أبت أن تتوقف واستمرت تنهمر على وجنتي . و من جديد سرحت بذاكرتي و أصبحت ألوم نفسي على عدم سماع كلام أمي و ان الله يعاقبني الان على ذلك بالتأكيد. شعرت بمرارة و غصة في حلقي شعرت بالذنب و عذاب الضمير لعدم امتثالي لطلبها وكيف عصيتها. وجهت كلامي حينها لرب العالمين و ترجيته ان يعيدني إليها ووعدته بأنني لن اخالفها بحياتي بعد اليوم. . لا اعرف كم من الوقت مضى لكن أصوات صراخ أعادتني الى واقعي المرير و حاولت أن أركز من أين تأتي هذه الصرخات و بدأ قلبي يطرق في آذاني بشكل مخيف. في هذه اللحظات فتح باب الغرفة علينا وإذا بجميع السجينات يرتعبن و تبدو عليهن علامات الهلع و الخوف . غير مدركة ما الذي يحدث حولي حين ادخل سجانين فتاة مغمى عليها ملطخة بالدماء و رماياها على الارض و خرجا. هرعت النسوة خاصة الكبيرات في السن منهن إليها و بدأن يقرأن القرآن عليها و هم يمسحون الدماء من على جسدها و عيونهم تلمع من بعيد. ازدادت دقات قلبي سرعةً و قوة شعرت بخوف لم يسبق لي ان شعرت به في حياتي. فعدت الى زاوية السجن احتضنت ركبتاي و أغمضت عيني بقوة وضعت يداي على آذاني لأني لم أعد أريد أن أسمع أو أرى ما يحدث حولي. بدأت أحدث نفسي و اقول لماذا لا اكذب عليهم و اقول لهم اي شيء و حتى اسماء أصدقاء اخي من اولاد حارتنا. لعلهم يخرجوني ويعيدوني الى أمي. اريد امي اريد اختي لا اريد البقاء هنا. . يبدو انني غفوت لا اعرف كم مضى من الوقت لا اعرف ولكني سمعت السجان ينادي اسمي. رفعت راسي فشاهدت السجان يناديني من جديد. وقفت مرتبكة و تقدمت تجاهه ببطىء شديد و خوف شعرت ان ركبتاي لا تقويا على حمل جسدي كنت ارتجف من الداخل و الخارج. فصرخ علي السجان و قال لي تحركي بسرعه يا إبنة ... قبل ان أفقد أعصابي. اقتربت منه فمسكني من ذراعي بقوة و قادني الى غرفة التحقيق. جلست على الكرسي و انا ما زلت ارتعش خوفا رفعت نظري ووجدت شخصا يجلس خلف طاولته قال لي مبتسما "شو كيف انشاء الله ارتحتي بالنومه عنا؟." لم أجبه و نظرت على الارض. فقال لي حسنا نحن لا نريد ان نأذيك نحن نريدك ان تعودي الى أمك بأسرع وقت ممكن و لكن عليك ان تجيبي على بضعة اسأله لا غير. . هززت راسي بالإيجاب. . فقال لي المحقق انت تحبين اخيك بالتأكيد و نحن نريد حمايته من أولاد الحرام اللذين يضحكون عليه لهذا عليك أن تقولي لنا أين هو و مع من يتحدث و من هم أصدقاؤه . نظرت الى المحقق و شاهدت الخداع و الكذب يشع من عينيه. رغم أن صوته كان هادئاً إلا انني شعرت بنظراته تخترقني و إبتسامة صفراء مرسومة على وجهه. أجبت المحقق و قلت له انني بكل تأكيد أحب اخي و لا أريده ان يختلط بالشباب السيئين ايضا. قلت له ذلك و لكني لا اعرف أين يذهب و مع من يتحدث. وقف المحقق بهدوء و بدأ يمشي حول مكتبه وا تجه نحوي و ابتسامته الصفراء ما زالت مرسومه على وجهه. و قف امامي و نظر الي بتمعن ثم بدون اي كلمه صفعني على خدي و قال لي لا تكذبي علي يا إبنة ال?&$§  ...لقد نفذ صبري معك. بكيت و صرخت متوسلة له انني لا اكذب عليه. لكنه رفض تصديقي وا ستمر بصفعي . و حين فقد الأمل مني قال لي و بكل برود و بصوت كصوت الموت "سأعلمك درسا في الأدب إيتها ال &§$...حتى تتعلمي ان لا تكذبي علي في المرة القادمة." شدني من شعري و أوقفني على رجلي ثم مسكني من قبة ثوبي و بكل قوة مزق ثوبي و تعرى صدري أمامه. صرخت و حاولت ان أغطي صدري بذراعي ، فقام بصفعي ثم أدارني بعنف و مسكني من شعري و ضرب رأسي على مكتبه ثم مسك ذراعيّ ووضعهما خلف ظهري و صرخ قائلا "سأريك بنفسي الان " و بيده الأخرى مزق باق ملابسي. و بقدميه أزاح ارجلي عن بعضهم البعض. كنت اصرخ كالمجنونة احاول ان أتخلص من قبضته توسلت اليه بذعر " دخيلك يا عمو لا تعمل فيّ هيك. خلص تربيت راح أحكيلك كلشي بدك. يا عمو دخيلك انا بنت دخيلك يا عمو هدا شرفي بوس رجلك بوس يدك اتركني." لم يعبأ بتوسلاتي و قام باغتصابي. .لا اعرف كم مضى من وقت فقد غبت عن الوعي و عندما عدت الى وعيي و جدت نفسي في الغرفة اللتي أخذوني منها و النساء السجينات حولي يبكين و يمسحن دمائي و يقرأن علي القران. نظرت على المرأة التي احضنتني عندما وصلت الى الغرفه أول مره وجدتها تحتضن رأسي في حضنها و تُمسح دموعي بيدها و دموعها تنهمر على خديها. . اختجلت من نفسي فجسمي نصف عاري و كل من في الغرفة يعلم ما حدث لي فانكمشت على نفسي و احتضنت ركبتاي و غمرت وجهي بينهما و بكيت من ألمي و من العار اللذي حل بي. ماذا سأقول لأمي ولأخي عندما يروني . هل سيدبحني اخي كوني فقدت عذريتي. لقد جلبت لهم العار يا ويلي من غضب والدي مني . لمت نفسي و تمنيت الموت على ان أضع عيني في عين امي و أخي. . .مرت الايام و كل يوم يأخذوني الى غرفة التعذيب بين التعذيب و الاغتصاب لم أعد اعرف ليلي من نهاري. لم أعد استطع الصراخ لم أعد استطع البكاء و حتى انني لم أعد اسمع صراخ الفتيات الأخريات. لا اعرف شيئاً عن اهلي و لم أعد اريد ان اعرف عنهم شيء. لمتهم فكيف لهم ان لا يبحثوا عني و ينقذوني من هؤلاء الوحوش. حقدت على أخي فهو السبب لما حدث و يحدث لي. لمت والدتي لماذا لم تحبسني في غرفتي و تمنعني من الذهاب الى المدرسه. كرهت الجميع حتى اني كرهت نفسي و كرهت ابني .!!! . نعم ابني لقد أصبح عندي طفل لا أعلم من أبوه. . في يوم من أيام المعتقل التي لن أنسى لحظة من لحظاته ... أتى إلى المهجع شرطي و نادى علي و أخذني الى الضابط الذي اغتصبني اول مرة ... و قال لي الضابط افرحي ستصبحين حرة .. سنخرجك من السجن ... و أحببت أن اودعك و ودعني بطريقته ... اغتصبني و بعدها مال علي و قال لي ستخرجين اليوم. نعم افرحي و اخيرا ستعرفين امك على ابنك. . ولا تنسي ان تعرفي ابنك على خاله و قولي له هذا الطفل يمشي في عروقه عشاق سيادة الرئيس بشار الاسد. . ثم اطلق سراحي و ابني بين ذراعي نظرت حولي و مشيت دون هدف او وجهة. لن اذهب الى حارتي لن اذهب الى اسرتي لا اريد ان اجلب العار على اهلي. أخيرا .... إلى من قرأ .... . إلى من سمع ... . إلى من عرف .... . إلى كل من طالب بالحرية و الكرامة ... . هناك في نفس ذلك المكان و في أماكن أخرى شبيهة  له ستجدون أمهات و اخوات و بنات لكم ما زالوا يتعرضون للاغتصاب و التعذيب. . لا تنسوهم أرجوكم هؤلاء الحرائر الطاهرات من اجلهن و أن لم يكن هناك شيئ اخر يجمعكم لتكونوا يدا واحدة فهذه القضية لوحدها تجعل الإنس و الجن يجتمعون لأجلها .... فماذا تنتظرون؟ . أنهن أمانة في أعناقكم و ستسألون عنها يوما ....... فحضروا لها الإجابة.  ]]> من أنا ؟ من أكون ؟ لمى الزعبي 04.01.2017 من انا ؟ اعتقد أنه لم يعد مهماً من أكون. . كل ما اريدكم أن تعرفوه انني فتاة يتيمة ضائعه تجول شوارع بلدها الجريح متمنيه أن يلقاها الموت رغم أني في السابعه عشر من عمري لا غير. ولدت في محافظة حمص هذه المحافظة الجميله المليئة بالحياة من عائلة بسيطة متواضعة تتكون من خمسة أفراد. أبي تقبله الله شهيدا و أمي ألهمها الله الصبر و اخ يكبرني بخمس سنين و أخت لي طفلة في التاسعة من عمرها و أنا .... . والدي ـ رحمه الله ـ كان يعمل في مهنة تصليح البرادات و الغسالات. حين كنت في الرابعة عشر من عمري سنة 2011. بدأت حياتنا و حياة من حولنا تتغير كان والدي فور عودته من عمله يأخذ اخي و ينضمان معاً الى المظاهرات اليوميه اللتي كانت تجوب شوارع حاراتنا في كل مساء مؤازرة لاطفال و أهالي درعا. كنت اجلس الى جانب والدتي و اختي الصغرى و نتحدث و نتسائل عمّا كان يحدث من حولنا و في المدن الاخرى من وطننا. كان يبدو على والدتي القلق و الخوف كلما خرج والدي و أخي معه للتظاهر. . و في يوم جمعة من أيام الجمع التي تشتد بها المظاهرات ذهب والدي واخي الى صلاة الجمعه في مسجد الحارة و بينما كان المصلون يغادرون المسجد في ذلك اليوم بعد انتهاء صلاة الجمعه و إذ  بقوات الشرطه قد طوقت المكان و بدأت تنهال عليهم رصاصات الحقد و الغدر دون اي ذنب اقترفوه سوى المطالبه حينها بالكرامة و العدالة و الحرية. أصابت رصاصات الحقد عدد اً من المصلّين فاستشهد عدد منهم و كان والدي واحدا ممن أصابته تلك الرصاصات و استشهد على الفور عندما اخترقت إحدى رصاصات الغدر جسده و إستقرت في صدره. . أذكر تلك اللحظه المريرة اللتي غيرت حياتنا جميعا الى الابد. . كنت مع والدتي نحضر وجبة الغداء و اختي الصغيرة تلعب حولنا، و إذ بباب بيتنا يطرق طرقا عنيفا. جمدت أنا و أمي في مكاننا و نظرنا الى الباب باستغراب كبير و خوف أكبر . أسرعت أنا وأختي لفتح الباب ، كان بالباب أخي يصرخ فينا ابتعدوا افتحوا الطريق و ثيابه ملطخه بالدماء، و معه مجموعه من شباب الحاره و على اكتافهم أبي نعم انه أبي . لم استطع التحرك من مكاني حاولت أن أحرك قدمي الى الامام لكنها لم تستجب. لا اذكر بعدها كثير من التفاصيل فكل شيء كان يتسارع حولي و كأنه فلم وليس حقيقه. . صراخ .... تكبير ... كل هذا و انا أشعر أن الدنيا في حالة صمت. و صرخات والدتي و بكاءها إلى اليوم ما زلت اسمعها في أذاني رغم مرور عدة سنوات. إمتلأ  البيت بالاقارب و الجيران ، الجميع يصرخ و يكبر ويتلو بعض آيات القران أدركت حينها ان والدي قد ذهب ولن يعود . لقد استشهد و تركنا و أصبحنا أيتاماً . . كنت اسمع بعض الناس يباركون لوالدتي بإستشهاد والدي و يقولون لها لقد أصبحت أرملة شهيد، ارفعي رأسك عاليا يا أم مصطفى . اذكر جيدا آهات أمي وهي تهز رأسها لهم و تحاول أن تتجاوب معهم و لكنها كانت في حالة ذهول وعدم تصديق لما جرى . كانت والدتي وعلى ملامحها علامات الخوف و الضياع تحتضنني وأختي بكل قوتها حتى انني أحسست بالاختناق. كنت حينها أحدث نفسي لماذا يهنىء الناس والدتي و أخي على موت والدي ، لقد فقدنا والدنا هل هم مجانين؟ . . بعد مضي ثلاث أيام انتهى العزاء جاء اخي الى والدتي و قبلها من جبينها و وعدها انه سينتقم من الذين قتلو والده ، وهمس بصوت خافت لم اسمعه ولكني سمعتها و هي تنهاه و تقول له "برضاي عليك يا مصطفى خليك جمبي نحن بحاجتك هلئ " و هو يقول لها لا اريد شيئا منك سوى الرضى. . غادر اخي البيت و منذ ذلك اليوم اصبح يغيب اخي عن البيت لايام عديده و يعود ليلا ليطمئن علينا ثم يعود إلى الغياب مرة أخرى . . استمريت من جهتي بالذهاب الى مدرستي رغما عن رغبة امي . لأنها طلبت مني و من اختي عدم الذهاب للمدرسة خوفاً علينا و البقاء في البيت معها. لكنني رفضت البقاء و استطعت أن اقنعها بضرورة إكمالي دراستي ، فهذا كان حلم من احلام والدي أن احصل على شهادة جامعية. . في الحقيقه لم يكن هذا هو السبب فقط لإصراري على الذهاب الى المدرسه ، ولكني لم أعد احتمل البقاء بالبيت و سماع بكاء والدتي الذي لا ينقطع منذ استشهاد والدي و التحاق أخي بالثوار. كان أخي ورغم غيابه الطويل عنا يرسل لنا مصاريف البيت. مرت شهور على هذا الحال و الثورة تزداد اتساعا و قوة و يزداد معها القتل و عدد الشهداء و الارامل و الأيتام . . و في يوم من ايام الربيع كنت حينها في بداية الخامسه عشر من عمري وبينما كنت في طريقي الى مدرستي توقفت سيارة بجانبي و خرج منها ثلاث رجال مسلحين سألني احدهم عن اسمي وإن كان مصطفى هو اخي ، وحين أجبتهم بنعم طلبوا مني الصعود الى السياره لأخذي الى قسم الشرطه لسؤالي بعض الاسئله حسب ما قال لي احدهم . قلت لهم وأنا أرتجف خوفاً لا أريد صعود سيارتهم وطلبت منهم تركي و إلا فسأتاخر على مدرستي . لكنهم رفضوا طلبي و أكدوا لي أن أخذي معهم الى فرع الشرطه هو مجرد إجراء روتيني بسيط وأنهم سيرجعوني إلى مدرستي ، فهناك شخص يريد ان يتحدث إليّ و يسألني بعض الاسئله لا غير. حينها طلبت منهم ان يعطوني فرصة لأخبر والدتي حتى لا تقلق علي! ما ان قلت ذلك حتى قام أحدهم بمسكي من ذراعي و بالقوه حاول إدخالي الى السياره ، صرخت مستغيثة بمن حولي ، نظرت بكل الاتجاهات و عيناي تتوسل كل المارة لعل احداً منهم يتدخل لمساعدتي و لكني صدمت حين لاحظت كيف كان المارة يتجاهلون وجودنا و يتجاهلون صراخي ولَم يجرؤ احد منهم حتى النظر في اتجاهنا. فدخلت السيارة و أنا أبكي . . أخذوني الى قسم الشرطه في منطقة قريبة منا. و أدخلوني الى غرفة يجلس فيها رجل وراء مكتبه و أجلسوني على الكرسي أمامه فطلب منهم إحضار كأس من العصير لي . ثم بدأ يسألني بصوت ودي قال لي "عمو ما بدنا نأخرك عن المدرسة بس بدي أسالك كم سوْال " و بدأت الأسئلة. .. أولا عن مدرستي و من ثم عن عائلتي و أخيرا عن أخي . أراد ان يعرف أين هو اخي و ماذا يفعل عندما يغيب عن البيت ومن هم أصدقاؤه و من يزوره في بيتنا و ماذا يقول لنا عن نشاطاته. ثم قال لي انه قلق على اخي . كنت أجيبه و انا أبكي و اقول و أكرر له " يا عمو والله ما بعرف ، ما بيحكي شي إدامي لما بزورنا. يا عمو فهمني شو صار شو عمل أخي ماعم بفهم عليك و الله ما بعرف مين رفقاته و ما بعرف امتى بيجي يزورنا . و الله بيجي فجأة و بروح فجأة. " و قد أجبته بصدق فأخي فعلا لا يتحدث عن اي شيء مهم خلال جلوسي معه و مع أمي . حلفت له و أقسمت بروح والدي الشهيد لكنه لم يصدقني . مرت ساعة تلوى الاخرى وهو يكرر نفس الاسئله و انا أكرر له نفس الإجابه مخلوطه بالبكاء و الحلفان . رجوته مرارا ان يسمح لي الاتصال بوالدتي حتى لا تقلق علي . فقال لي انهم اتصلو بها و أخبروها انني في زيارتهم للإجابة على بعض الأسئله و أنني سأعود الى البيت قريبا . . مرت ساعات لا اعرف بالضبط كم عددها ، لكنني شعرت و كأنها ايام و اسابيع. و اذا بالمحقق يقول لي طالما أن ذاكرتك تخونك ولا تتذكرين شيء فستبقي في زيارتنا هذه الليله لربما ستتذكرين صباحا و تجيبين على أسئلتي. بدأت ارتجف خوفا و رجوته ان يرجعني عند أمي لكنه صرخ و قال يا حسن تعال خود هال.... و أخذني الى غرفة معتمه بارده رائحتها مقيته لم أر شيئاً امامي فتلمست الجدار و مشيت وأنا أجهش بالبكاء حتى وصلت الى زاويه فجلست على الارض البارده و احتضنت رأسي بين ركبتي وضعت يدي فوق رأسي و استمريت بالبكاء و مناداة أمي لتأتي و تأخذني الى البيت معهاحتى غلبني النوم. في صباح اليوم التالي أحضروني الى غرفة التحقيق وبدأ المحقق يكرر نفس أسئلة البارحة. لكن اليوم عندما أجبته أنني لا اعرف قام عن كرسيه و مشى باتجاهي و صفعني على وجهي و قال ربما ستتذكرين الآن . و بعد ذلك ، كان مع كل سؤال صفعه ، وبدأ يهددني و يقول لي إنه لا يريد إرسالي الى فرع المخابرات للتحقيق معي ولكن اذا استمريت بعنادي وعدم إجابته فلن يبقى أمامه سوى إرسالي الى هناك. و كنت أبكي بحرقه و اقول له " يا عمو و الله ما عّم كذب عليك. و الله مابعرف وين بروح أخي و مين رفقاتو. يا عمو الله يخليلك ولادك خليني احكي مع ماما أكيد بتكون على نار هلاء ". فبدأ بضربي بقوة و بعدها لم أعد اذكر شيئاً ، حيث فقدت الوعي لبعض الوقت . وعندما عدت الى وعيي علمت من الشرطي قرار تحويلي الى فرع للمخابرات . لم أعرف حينها اسم الفرع ولكن في ذاك المكان بدأت قصتي . . تبين لي فيما بعد أنه تم تحويلي الى فرع فلسطين. كنت اسمع بهذا المكان المروع من والدي عندما كان يتحدث عنه بصوت خافت لاخي . و اذكر ايضا أن صديقات أمي كنّ يتهامسن بخوف فيما بينهم عن الفظاعات التي كانت ترتكب في أقبيتة. و أنا الان في طريقي الى مصير مجهول حينها تذكرت بمراره كلام والدتي وكم تمنيت لو كنت قد سمعت كلامها و بقيت في البيت ولَم أذهب الى المدرسة لربما ما كان استطاع رجال الأمن أخذي . . وضعوني في غرفة مليئه بفتيات و نساء من جميع الاعمار . عندما دخلت غرفة السجن نظرن جميعا إلي بحزن شديد وألم والخوف مرسوم على وجوههن . نظرت إليهن وقلت "انا ما عملت شي غلط" قلت لهن انا ليس لي اي علاقة بما يحدث في الشوارع و لا اعرف لماذا احضروني إلى هنا و انني أريد ان أذهب الى أمي . و بدأت أجهش بالبكاء فاقتربت مني سيدة كبيره في العمر و ضمتني الى صدرها ولَم تنطق بكلمه. رغم ان الغرفة مليئه غير ان الصمت خيم على الجميع فلا تسمع سوى أصوات انين متقطعه هنا و هناك و شهيق من فتاة تبكي بصمت. نظرت الى أعينهن فوجدت ان نظراتهن كانت تحمل الخليط من الغضب و الخوف و الضياع. جلست بصمت توقفت عن البكاء الا ان دموعي أبت أن تتوقف واستمرت تنهمر على وجنتي . و من جديد سرحت بذاكرتي و أصبحت ألوم نفسي على عدم سماع كلام أمي و ان الله يعاقبني الان على ذلك بالتأكيد. شعرت بمرارة و غصة في حلقي شعرت بالذنب و عذاب الضمير لعدم امتثالي لطلبها وكيف عصيتها. وجهت كلامي حينها لرب العالمين و ترجيته ان يعيدني إليها ووعدته بأنني لن اخالفها بحياتي بعد اليوم. . لا اعرف كم من الوقت مضى لكن أصوات صراخ أعادتني الى واقعي المرير و حاولت أن أركز من أين تأتي هذه الصرخات و بدأ قلبي يطرق في آذاني بشكل مخيف. في هذه اللحظات فتح باب الغرفة علينا وإذا بجميع السجينات يرتعبن و تبدو عليهن علامات الهلع و الخوف . غير مدركة ما الذي يحدث حولي حين ادخل سجانين فتاة مغمى عليها ملطخة بالدماء و رماياها على الارض و خرجا. هرعت النسوة خاصة الكبيرات في السن منهن إليها و بدأن يقرأن القرآن عليها و هم يمسحون الدماء من على جسدها و عيونهم تلمع من بعيد. ازدادت دقات قلبي سرعةً و قوة شعرت بخوف لم يسبق لي ان شعرت به في حياتي. فعدت الى زاوية السجن احتضنت ركبتاي و أغمضت عيني بقوة وضعت يداي على آذاني لأني لم أعد أريد أن أسمع أو أرى ما يحدث حولي. بدأت أحدث نفسي و اقول لماذا لا اكذب عليهم و اقول لهم اي شيء و حتى اسماء أصدقاء اخي من اولاد حارتنا. لعلهم يخرجوني ويعيدوني الى أمي. اريد امي اريد اختي لا اريد البقاء هنا. . يبدو انني غفوت لا اعرف كم مضى من الوقت لا اعرف ولكني سمعت السجان ينادي اسمي. رفعت راسي فشاهدت السجان يناديني من جديد. وقفت مرتبكة و تقدمت تجاهه ببطىء شديد و خوف شعرت ان ركبتاي لا تقويا على حمل جسدي كنت ارتجف من الداخل و الخارج. فصرخ علي السجان و قال لي تحركي بسرعه يا إبنة ... قبل ان أفقد أعصابي. اقتربت منه فمسكني من ذراعي بقوة و قادني الى غرفة التحقيق. جلست على الكرسي و انا ما زلت ارتعش خوفا رفعت نظري ووجدت شخصا يجلس خلف طاولته قال لي مبتسما "شو كيف انشاء الله ارتحتي بالنومه عنا؟." لم أجبه و نظرت على الارض. فقال لي حسنا نحن لا نريد ان نأذيك نحن نريدك ان تعودي الى أمك بأسرع وقت ممكن و لكن عليك ان تجيبي على بضعة اسأله لا غير. . هززت راسي بالإيجاب. . فقال لي المحقق انت تحبين اخيك بالتأكيد و نحن نريد حمايته من أولاد الحرام اللذين يضحكون عليه لهذا عليك أن تقولي لنا أين هو و مع من يتحدث و من هم أصدقاؤه . نظرت الى المحقق و شاهدت الخداع و الكذب يشع من عينيه. رغم أن صوته كان هادئاً إلا انني شعرت بنظراته تخترقني و إبتسامة صفراء مرسومة على وجهه. أجبت المحقق و قلت له انني بكل تأكيد أحب اخي و لا أريده ان يختلط بالشباب السيئين ايضا. قلت له ذلك و لكني لا اعرف أين يذهب و مع من يتحدث. وقف المحقق بهدوء و بدأ يمشي حول مكتبه وا تجه نحوي و ابتسامته الصفراء ما زالت مرسومه على وجهه. و قف امامي و نظر الي بتمعن ثم بدون اي كلمه صفعني على خدي و قال لي لا تكذبي علي يا إبنة ال?&$§  ...لقد نفذ صبري معك. بكيت و صرخت متوسلة له انني لا اكذب عليه. لكنه رفض تصديقي وا ستمر بصفعي . و حين فقد الأمل مني قال لي و بكل برود و بصوت كصوت الموت "سأعلمك درسا في الأدب إيتها ال &§$...حتى تتعلمي ان لا تكذبي علي في المرة القادمة." شدني من شعري و أوقفني على رجلي ثم مسكني من قبة ثوبي و بكل قوة مزق ثوبي و تعرى صدري أمامه. صرخت و حاولت ان أغطي صدري بذراعي ، فقام بصفعي ثم أدارني بعنف و مسكني من شعري و ضرب رأسي على مكتبه ثم مسك ذراعيّ ووضعهما خلف ظهري و صرخ قائلا "سأريك بنفسي الان " و بيده الأخرى مزق باق ملابسي. و بقدميه أزاح ارجلي عن بعضهم البعض. كنت اصرخ كالمجنونة احاول ان أتخلص من قبضته توسلت اليه بذعر " دخيلك يا عمو لا تعمل فيّ هيك. خلص تربيت راح أحكيلك كلشي بدك. يا عمو دخيلك انا بنت دخيلك يا عمو هدا شرفي بوس رجلك بوس يدك اتركني." لم يعبأ بتوسلاتي و قام باغتصابي. .لا اعرف كم مضى من وقت فقد غبت عن الوعي و عندما عدت الى وعيي و جدت نفسي في الغرفة اللتي أخذوني منها و النساء السجينات حولي يبكين و يمسحن دمائي و يقرأن علي القران. نظرت على المرأة التي احضنتني عندما وصلت الى الغرفه أول مره وجدتها تحتضن رأسي في حضنها و تُمسح دموعي بيدها و دموعها تنهمر على خديها. . اختجلت من نفسي فجسمي نصف عاري و كل من في الغرفة يعلم ما حدث لي فانكمشت على نفسي و احتضنت ركبتاي و غمرت وجهي بينهما و بكيت من ألمي و من العار اللذي حل بي. ماذا سأقول لأمي ولأخي عندما يروني . هل سيدبحني اخي كوني فقدت عذريتي. لقد جلبت لهم العار يا ويلي من غضب والدي مني . لمت نفسي و تمنيت الموت على ان أضع عيني في عين امي و أخي. . .مرت الايام و كل يوم يأخذوني الى غرفة التعذيب بين التعذيب و الاغتصاب لم أعد اعرف ليلي من نهاري. لم أعد استطع الصراخ لم أعد استطع البكاء و حتى انني لم أعد اسمع صراخ الفتيات الأخريات. لا اعرف شيئاً عن اهلي و لم أعد اريد ان اعرف عنهم شيء. لمتهم فكيف لهم ان لا يبحثوا عني و ينقذوني من هؤلاء الوحوش. حقدت على أخي فهو السبب لما حدث و يحدث لي. لمت والدتي لماذا لم تحبسني في غرفتي و تمنعني من الذهاب الى المدرسه. كرهت الجميع حتى اني كرهت نفسي و كرهت ابني .!!! . نعم ابني لقد أصبح عندي طفل لا أعلم من أبوه. . في يوم من أيام المعتقل التي لن أنسى لحظة من لحظاته ... أتى إلى المهجع شرطي و نادى علي و أخذني الى الضابط الذي اغتصبني اول مرة ... و قال لي الضابط افرحي ستصبحين حرة .. سنخرجك من السجن ... و أحببت أن اودعك و ودعني بطريقته ... اغتصبني و بعدها مال علي و قال لي ستخرجين اليوم. نعم افرحي و اخيرا ستعرفين امك على ابنك. . ولا تنسي ان تعرفي ابنك على خاله و قولي له هذا الطفل يمشي في عروقه عشاق سيادة الرئيس بشار الاسد. . ثم اطلق سراحي و ابني بين ذراعي نظرت حولي و مشيت دون هدف او وجهة. لن اذهب الى حارتي لن اذهب الى اسرتي لا اريد ان اجلب العار على اهلي. أخيرا .... إلى من قرأ .... . إلى من سمع ... . إلى من عرف .... . إلى كل من طالب بالحرية و الكرامة ... . هناك في نفس ذلك المكان و في أماكن أخرى شبيهة  له ستجدون أمهات و اخوات و بنات لكم ما زالوا يتعرضون للاغتصاب و التعذيب. . لا تنسوهم أرجوكم هؤلاء الحرائر الطاهرات من اجلهن و أن لم يكن هناك شيئ اخر يجمعكم لتكونوا يدا واحدة فهذه القضية لوحدها تجعل الإنس و الجن يجتمعون لأجلها .... فماذا تنتظرون؟ . أنهن أمانة في أعناقكم و ستسألون عنها يوما ....... فحضروا لها الإجابة.  ]]> 70518 العرق دساس : قصة قصيرة http://www.souriyati.com/2016/12/22/69651.html Thu, 22 Dec 2016 18:52:00 +0000 http://www.souriyati.com/2016/12/22/69651.html دخل غريب بلدة وهو ينادي أنا سياسي أحل المعضلات والمشاكل بين الدول, بين العشائر وبين الشخصيات أنا سياسي .. سمعه الملك وهو جالس في قصره فقال لرجاله آتوني بهذا المنادي دخل الرجل وبعد التحية والسلام سأله الملك : أنت سايس؟؟أي قائد الخيل قال السياسي: لا أنا سياسي فقال الملك: لا أنا سمعت إنك سايس واليوم تم تعيينك عندنا سايس للخيل ولي فرس أحبها وأريدك أن تهتم بها رد السياسي : أنا لست سايسا أنا سياسي قال الملك : قلت لك إنك سايس والا أعدمتك فما كان من الرجل إلا الامتثال لأمر الملك خوفا من الإعدام فتسلم الفرس من السايس السابق وحذره قائلا : هذه الفرس أعز على الملك من روحه احذر أن تخبره بعيوبها وإلا أعدامك التفت السايس إلى الملك قائلا : مولانا أما تعفيني؟ قال الملك : لن أعفيك أبدا قد عينتك سايس فنادى على خدمه حضروا للرجل غرفة وفراش وأعطوه ثلاث وجبات مرق ورز ليباشر مهمته ويسوس الفرس باشر الرجل عمله وبدأ يسوس الفرس وبعد عشرون يوما هرب خوفا من الملك فأمر الملك بإحضاره وسأله لماذا هربت ؟؟ ربما قد وجدت عيبا في الفرس قال الرجل مولاي اعفيني قال الملك: أخبرني ماذا وجدت في الفرس وإلا أعدمك فقال الرجل : إذا أعطني الأمان قال الملك : لك الأمان قال الرجل: هذه الفرس أصيلة وكل من أخبرك أنها رضعت من أمها الأصيلة اسمع ولا تصدق!! حمل الملك سيفه لقطع رأس الرجل وقال له كيف تقول عن فرسي إنها لم ترضع من أمها أمر خدمه برمي الرجل في السجن وأرسل في طلب الوزير الذي أهداه الفرس... سأله الملك قائلا: كيف تعطيني هذه الفرس وهي لم ترضع من أمها الأصيلة ؟؟!! قال الوزير : مولاي سامحني لقد ماتت أمها عند ولادتها ولم يكن لدي إلا بقرة واحدة فأرضعتها أمر الملك بإخراج الرجل من السجن وقال له أخبرني كيف عرفت أن الفرس لم ترضع من أمها؟؟! قال الرجل : الفرس الأصيل عادة تأكل في معلف أو تعليقة في رقبتها وهي مرفوعة الرأس أما فرسك يا مولاي فإنها تبحث عن الطعام على الأرض مثل البقر ..فقال الملك للخدم خذوا الرجل أعطوه دجاج وأطعموه جيدا ،،وأمره هذه المرة أن يسوس زوجته الملكة وقال سوف ألحقك بخدمتها!! توسل الرجل : مولانا اعفيني جزاك الله خيرا ،، قال الملك : عليك تنفيذ أوامرنا ذهب أحد الخدم للملكة يخبرها أن خادما جديدا وسيكون نديما لها ومستشارا بأمر الملك و لتطلب منه قضاء حاجاتها ... ثم بعد فترة من الزمن قال له: قل ماذا وجدت؟ فقال الرجل متوسلا أن يعفيه لكن الملك أصر ليعرف ماذا وجد في الملكة وأعطاه الأمان قال الرجل : إنها تربية ملوك وشرف ملوك وأخلاق ملوك وكرم ملوك لكن من قال لك إنها بنت ملوك اسمع ولا تصدق! جن جنون الملك وقال له : كيف تقول زوجتي ليست بنت ملوك وأمر بسجنه وقطع الطعام عنه وذهب الى ام الملكة وابوها وهو ملك البلدة مجاورة وشهر سيفه عليهم ليعرف قصة زوجته فقصوا عليه قصة البنت : كانت ابنتنا لك وانت لها وهذا كان اتفاق بيني وبين أبيك الملك منذ عمرها سنتين وكان أبوك ملكا ظالما لكن أصابت ابنتناالحصبة وماتت وفي هذا الوقت أمرنا أبوك بإجلاء الغجرعن المنطقة فطردناهم وحرقنا بيوتهم وخرجت لأرى ما حل بهم فوجدت هذه الطفلة عمرها عامين لوحدها قرب الوتد فأخذتها وربيتها رجع الملك لبلدته وأمر بجلب الرجل من سجنه وسأله كيف عرفت بسر زوجتي؟ قال الرجل : مولاي إن لها غمزة بعينها وهي من عادات الغجريتغامزون عندما يتكلمون !! فقال الملك هذا الرجل داهية ! اطعموه خروف الصبح وآخر عند الغداء وثالث عند العشاء وتجلس هنا تسوسني!! هنا اضطربت فرائص السايس واحتار كيف يخلص من هذا المأزق وحاول وتوسل لكن لا فائدة فالملك مصر ليقوم الرجل بمهمته الجديدة ... هرب الرجل من ليلته فجلبه وسأله عما عرفه عنه!! قال السايس بعد الأمان له من قال لك: إنك ابن ملك ؟ وقال له اذهب وابحث عن اصلك. فذهب الملك إلى أمه وقال لها: أنا ابن من؟؟ وإصر عليها واستحلفها فقالت له أمه : كان ابوك ظالما ولا ينجب يتزوج البنت وبعد تسعة أشهر إن لم تلد يذبحها وعلى هذا المنوال قضى على نصف بنات البلدة حتى وصل الأمر إلي ماذا أفعل إما الولد أو الذبح وكان في القصر طباخ. فأنت ابنه !! أتى الملك إلى السياسي وسأله كيف عرفتني؟؟ قال له :معروف أن الملوك تهب وتعطي ذهبا وفضة أما أنت تعطي مرق ورز ولحم ودجاج !! الذي يرافق الطباخ ماذا ينال منه عندما يرضى عليك يعطيك طعام وعندما يغضب يقطع عنك الطعام العرق دساس !!!!]]> دخل غريب بلدة وهو ينادي أنا سياسي أحل المعضلات والمشاكل بين الدول, بين العشائر وبين الشخصيات أنا سياسي .. سمعه الملك وهو جالس في قصره فقال لرجاله آتوني بهذا المنادي دخل الرجل وبعد التحية والسلام سأله الملك : أنت سايس؟؟أي قائد الخيل قال السياسي: لا أنا سياسي فقال الملك: لا أنا سمعت إنك سايس واليوم تم تعيينك عندنا سايس للخيل ولي فرس أحبها وأريدك أن تهتم بها رد السياسي : أنا لست سايسا أنا سياسي قال الملك : قلت لك إنك سايس والا أعدمتك فما كان من الرجل إلا الامتثال لأمر الملك خوفا من الإعدام فتسلم الفرس من السايس السابق وحذره قائلا : هذه الفرس أعز على الملك من روحه احذر أن تخبره بعيوبها وإلا أعدامك التفت السايس إلى الملك قائلا : مولانا أما تعفيني؟ قال الملك : لن أعفيك أبدا قد عينتك سايس فنادى على خدمه حضروا للرجل غرفة وفراش وأعطوه ثلاث وجبات مرق ورز ليباشر مهمته ويسوس الفرس باشر الرجل عمله وبدأ يسوس الفرس وبعد عشرون يوما هرب خوفا من الملك فأمر الملك بإحضاره وسأله لماذا هربت ؟؟ ربما قد وجدت عيبا في الفرس قال الرجل مولاي اعفيني قال الملك: أخبرني ماذا وجدت في الفرس وإلا أعدمك فقال الرجل : إذا أعطني الأمان قال الملك : لك الأمان قال الرجل: هذه الفرس أصيلة وكل من أخبرك أنها رضعت من أمها الأصيلة اسمع ولا تصدق!! حمل الملك سيفه لقطع رأس الرجل وقال له كيف تقول عن فرسي إنها لم ترضع من أمها أمر خدمه برمي الرجل في السجن وأرسل في طلب الوزير الذي أهداه الفرس... سأله الملك قائلا: كيف تعطيني هذه الفرس وهي لم ترضع من أمها الأصيلة ؟؟!! قال الوزير : مولاي سامحني لقد ماتت أمها عند ولادتها ولم يكن لدي إلا بقرة واحدة فأرضعتها أمر الملك بإخراج الرجل من السجن وقال له أخبرني كيف عرفت أن الفرس لم ترضع من أمها؟؟! قال الرجل : الفرس الأصيل عادة تأكل في معلف أو تعليقة في رقبتها وهي مرفوعة الرأس أما فرسك يا مولاي فإنها تبحث عن الطعام على الأرض مثل البقر ..فقال الملك للخدم خذوا الرجل أعطوه دجاج وأطعموه جيدا ،،وأمره هذه المرة أن يسوس زوجته الملكة وقال سوف ألحقك بخدمتها!! توسل الرجل : مولانا اعفيني جزاك الله خيرا ،، قال الملك : عليك تنفيذ أوامرنا ذهب أحد الخدم للملكة يخبرها أن خادما جديدا وسيكون نديما لها ومستشارا بأمر الملك و لتطلب منه قضاء حاجاتها ... ثم بعد فترة من الزمن قال له: قل ماذا وجدت؟ فقال الرجل متوسلا أن يعفيه لكن الملك أصر ليعرف ماذا وجد في الملكة وأعطاه الأمان قال الرجل : إنها تربية ملوك وشرف ملوك وأخلاق ملوك وكرم ملوك لكن من قال لك إنها بنت ملوك اسمع ولا تصدق! جن جنون الملك وقال له : كيف تقول زوجتي ليست بنت ملوك وأمر بسجنه وقطع الطعام عنه وذهب الى ام الملكة وابوها وهو ملك البلدة مجاورة وشهر سيفه عليهم ليعرف قصة زوجته فقصوا عليه قصة البنت : كانت ابنتنا لك وانت لها وهذا كان اتفاق بيني وبين أبيك الملك منذ عمرها سنتين وكان أبوك ملكا ظالما لكن أصابت ابنتناالحصبة وماتت وفي هذا الوقت أمرنا أبوك بإجلاء الغجرعن المنطقة فطردناهم وحرقنا بيوتهم وخرجت لأرى ما حل بهم فوجدت هذه الطفلة عمرها عامين لوحدها قرب الوتد فأخذتها وربيتها رجع الملك لبلدته وأمر بجلب الرجل من سجنه وسأله كيف عرفت بسر زوجتي؟ قال الرجل : مولاي إن لها غمزة بعينها وهي من عادات الغجريتغامزون عندما يتكلمون !! فقال الملك هذا الرجل داهية ! اطعموه خروف الصبح وآخر عند الغداء وثالث عند العشاء وتجلس هنا تسوسني!! هنا اضطربت فرائص السايس واحتار كيف يخلص من هذا المأزق وحاول وتوسل لكن لا فائدة فالملك مصر ليقوم الرجل بمهمته الجديدة ... هرب الرجل من ليلته فجلبه وسأله عما عرفه عنه!! قال السايس بعد الأمان له من قال لك: إنك ابن ملك ؟ وقال له اذهب وابحث عن اصلك. فذهب الملك إلى أمه وقال لها: أنا ابن من؟؟ وإصر عليها واستحلفها فقالت له أمه : كان ابوك ظالما ولا ينجب يتزوج البنت وبعد تسعة أشهر إن لم تلد يذبحها وعلى هذا المنوال قضى على نصف بنات البلدة حتى وصل الأمر إلي ماذا أفعل إما الولد أو الذبح وكان في القصر طباخ. فأنت ابنه !! أتى الملك إلى السياسي وسأله كيف عرفتني؟؟ قال له :معروف أن الملوك تهب وتعطي ذهبا وفضة أما أنت تعطي مرق ورز ولحم ودجاج !! الذي يرافق الطباخ ماذا ينال منه عندما يرضى عليك يعطيك طعام وعندما يغضب يقطع عنك الطعام العرق دساس !!!!]]> 69651 الشمس و الريح / قصص قصيرة لأحبابنا الصغار http://www.souriyati.com/2016/09/11/61612.html Sun, 11 Sep 2016 17:29:27 +0000 http://www.souriyati.com/?p=61612 تقابلت الريح و الشمس ذات يوم, الشمس حيت الريح و قالت لها: (( نحن أقوى ما فى الطبيعة, لا يوجد شىءٌ مثلنا فى القوة)). الريح قالت فى غرور: ((أوافقك يا صديقتى علَى ما تقولين, لكن , لا تنسى أننى أقوى منك )). تضايقت الشمسُ من الكلام الريح , و فكّرت قليلاً ثم قالت : (( أعرف أنك تملئين الدنيا بوجودك , و تُخيفين الناسَ بصوتك القوى, لكننى أضىءُ الكونَ بنورى, و أبعثُ الدفءَ فى كل مكان بنورى , و لولاىَ لَغَطَت الثلوجُ الأرضَ كُلها , و مات الزرعُ , و جميعُ الحيوانات و الناس)). الريحُ ضَحكَت من كلام الشمس و قالت : (( لا تحسَبيني ضعيفة عندَما تجديننى هادئة ساكنة هكذا , فأنا عندما أهدأ أكون نسيما رقيقا- كما تشاهديننى الآن, أما عندما أثور أصبح هواءً شديدا أو ريحا قوية , بل عاصفة هوجاءَ تقتلعُ كل ما يَقف أمَامها)). فى ذلك الوقت كان رجلٌ يسيرُ فى الطريق, و يلبَسُ عباءةً صوفية ثقيلة.. الريحُ نظرت الى الشمس , و قالت لها و هى تتحدَّاها: (( التى تستطيعُ أن تنزعَ عباءةَ هذا الرجل أسرع من الآخرى تكون هى الأقوى)). قالت الشمس للريح : (( ابدئى أنت )). بدأت الريح تجربتها الأولى .. هبّت الريحُ بشدة , و أخذت تعصف بكل قوتها . هاجمت الريحُ الرجلَ بعُنف , و دارت حولَه تريدُ أن تخلعَ عباءتََه دونَ فائدة , و عندَما تشتدُّ الريحُ و تعصفُ يمسكُ الرجلَ عباءته بحرص و يلفُّها حولَ جسمه , و كلما زادت الريحُ من قُوتها أمسك الرجل بالعباءة, و ضمَّها حولَ جسمه أكثرَ و أكثرَ. أخيراً قالت الريحُ و هى يائسة: (( تعبتُ .. سأتوقفُ عن المحاولة, أنا لا استطيعُ نزعَ عباءة هذا الرجل أبدا , يا صديقَتى الشمسُ , الآن جاء دَورُك , هَّيا أرينى ماذا ستعملينَ؟!)). بدأت الشمسُ المحاولةَ.. أخذت ترسلُ أشعتها الدافئة شيئا فشيئا, و سرعانَ ما أحسَّ الرجلُ بالحرارة, ففكَّ العباءةَ, ثم أشرقت الشمسُ بنورها و زادت من حرارتها, شَعَرَ الرجلُ بالحَر الشديد, فخلع عباءته, و سار َ فى الطريق دونَ عباءة. قالت الشمسُ: أيتُها الريح , هل عرفت الآن منَ الأقوى؟ يا صديقتى , إننا نستطيعُ أن ننال باللين و الرفق ما لا نقدرُ أن نُحققَهُ بالعنف و القوة]]> تقابلت الريح و الشمس ذات يوم, الشمس حيت الريح و قالت لها: (( نحن أقوى ما فى الطبيعة, لا يوجد شىءٌ مثلنا فى القوة)). الريح قالت فى غرور: ((أوافقك يا صديقتى علَى ما تقولين, لكن , لا تنسى أننى أقوى منك )). تضايقت الشمسُ من الكلام الريح , و فكّرت قليلاً ثم قالت : (( أعرف أنك تملئين الدنيا بوجودك , و تُخيفين الناسَ بصوتك القوى, لكننى أضىءُ الكونَ بنورى, و أبعثُ الدفءَ فى كل مكان بنورى , و لولاىَ لَغَطَت الثلوجُ الأرضَ كُلها , و مات الزرعُ , و جميعُ الحيوانات و الناس)). الريحُ ضَحكَت من كلام الشمس و قالت : (( لا تحسَبيني ضعيفة عندَما تجديننى هادئة ساكنة هكذا , فأنا عندما أهدأ أكون نسيما رقيقا- كما تشاهديننى الآن, أما عندما أثور أصبح هواءً شديدا أو ريحا قوية , بل عاصفة هوجاءَ تقتلعُ كل ما يَقف أمَامها)). فى ذلك الوقت كان رجلٌ يسيرُ فى الطريق, و يلبَسُ عباءةً صوفية ثقيلة.. الريحُ نظرت الى الشمس , و قالت لها و هى تتحدَّاها: (( التى تستطيعُ أن تنزعَ عباءةَ هذا الرجل أسرع من الآخرى تكون هى الأقوى)). قالت الشمس للريح : (( ابدئى أنت )). بدأت الريح تجربتها الأولى .. هبّت الريحُ بشدة , و أخذت تعصف بكل قوتها . هاجمت الريحُ الرجلَ بعُنف , و دارت حولَه تريدُ أن تخلعَ عباءتََه دونَ فائدة , و عندَما تشتدُّ الريحُ و تعصفُ يمسكُ الرجلَ عباءته بحرص و يلفُّها حولَ جسمه , و كلما زادت الريحُ من قُوتها أمسك الرجل بالعباءة, و ضمَّها حولَ جسمه أكثرَ و أكثرَ. أخيراً قالت الريحُ و هى يائسة: (( تعبتُ .. سأتوقفُ عن المحاولة, أنا لا استطيعُ نزعَ عباءة هذا الرجل أبدا , يا صديقَتى الشمسُ , الآن جاء دَورُك , هَّيا أرينى ماذا ستعملينَ؟!)). بدأت الشمسُ المحاولةَ.. أخذت ترسلُ أشعتها الدافئة شيئا فشيئا, و سرعانَ ما أحسَّ الرجلُ بالحرارة, ففكَّ العباءةَ, ثم أشرقت الشمسُ بنورها و زادت من حرارتها, شَعَرَ الرجلُ بالحَر الشديد, فخلع عباءته, و سار َ فى الطريق دونَ عباءة. قالت الشمسُ: أيتُها الريح , هل عرفت الآن منَ الأقوى؟ يا صديقتى , إننا نستطيعُ أن ننال باللين و الرفق ما لا نقدرُ أن نُحققَهُ بالعنف و القوة]]> 61612 علكة : بقلم بسمة فتحي http://www.souriyati.com/2016/08/26/60235.html Fri, 26 Aug 2016 05:53:25 +0000 http://www.souriyati.com/?p=60235
علكة
كنت أشكو من وجعٍ في أسناني؛ حتى أخذني أخي إلى طبيب أسنان تبعد عيادته عن وسط البلد عشر دقائق مشياً على الأقدام. كان علينا فيها أن نصعد درجات الممرّ الضيّق الذي يفصل مجمّع الباصات عن مجمّع السرفيسات، حيثُ ينقسمُ الناسُ دون انتظامٍ صاعدين ونازلين الدرجات. يسبقني أخي، يمسك بيدي الصغيرة بحرصٍ شديدٍ ويشدُّ عليها، حتى ظننتُه يجرّني خلفه جرّاً.
.
كانت المرّة الأولى التي أختَبرُ فيها مثل تلك الكثافة البشرية: رجال، نساء، وأطفال؛ تَشي ملابسهم ببساطة الحال وملامحهم عن حزنِ قانِعٍ، يحمل بعضهم أكياساً بلاستيكية وأخرى ورقيّة، بينما تختار بعض العجائز وضعَ سِلالٍ فوق رؤوسهن تُظهر ما تضمّه من مشتريات. يأكل بعض نازلي الدرجات سندويشات فلافل اشتروها من المطعم الواقف على رأس الدرجات، بينما يقف بعض صاعديه عند "بسطة" ساعاتٍ يدويّةٍ رخيصةٍ، يقلّبونها، يسألون ويفاصلون أسعارها مع البائع الذي غالباً ما ينزع ساعاته ويعيدها أماكنها، فيذهبون إلى "بسطة" مجاورة، يُخرِجون عشرة قروش من جيوبهم يدفعون بها للبائع؛ ويدسّون بدلاً عنها قدّاحة ملوّنة.
.
كانت تبدو خطوات الناس واثقةً، مرِنةً، متّزنةً، متمرّسةً، غير خائفةٍ من تماس الأجساد الصريح بسبب الأزمة، أو من الانزلاق عن الدرجات الدّبقة من أثر الخضراوات المهروسة بالأقدام وأعقاب السجائر، لا تبدو على ملامحهم أي علامة انزعاج من الروائح المختلطة القويّة من أجسادهم وحمولة أكياسهم، أو تلك المنبعثة من المطاعم المجاورة. وحدي كنتُ الغريبة هناك أو على الأقل هذا ما ظننته وقتذاك..!
.
صحوتُ من ارتباكي بارتباكٍ أقوى. لَكَزتْ قدمي ساقاً ضعيفةً لصبيٍّ تُوحي قامته وبنيةُ جسده أن عمره من عمري، لم أكنُ قد تجاوزتُ الحادية عشرة آنذاك. كيف تُقدّرُ الأعمارُ، وهل يتشابه عمر شخصين صادف أن وُلدا في اليوم نفسه لكن عاشا حياتين مختلفتين؟
.
تجمّدت قدماي في مكانهما، شدّني أخي، استعجلَ موعد الطبيب، أو ربّما انتشلني من دهشةٍ أَنْسَتني وجع أسناني. ساق الصبي الضعيفة سقَطَتْ وباقي جسده الصغير، لم تحتَمِل لكزةً بسيطة من ساق سليمة، أخذ يلمُّ حبّات العلكة غير عابئٍ بساقه، لم يلتفِتْ إلى من أوقَعه، لم ينظر إليّ بنظرات عاتبة، أو حتى لم يطلب المساعدة في لمّ حبات العلكة عن الأرض، أخذ يرفعها ملهوفاً من بين الأقدام المسرعة قبل أن تدوسها، أو تتطفّل يدٌ أخرى عليها وتأخذها، يلمّها بتلقائيّة مُجرِّب اعتاد السقوط وألِفَه. لم أعتذر، كانت حبّات العلكة التي تناثرت كلّ همّه وأكبر مصائبي...
.
مضتْ سنواتٌ طويلة، ما زلتُ عالقةً بسؤالٍ أغفلني عن مساعدته أنذاك: كيف انتقاهُ العَوزُ واختارته الإعاقةُ؟ ولأيّ شيءٍ تخطّياني؟
]]>
علكة
كنت أشكو من وجعٍ في أسناني؛ حتى أخذني أخي إلى طبيب أسنان تبعد عيادته عن وسط البلد عشر دقائق مشياً على الأقدام. كان علينا فيها أن نصعد درجات الممرّ الضيّق الذي يفصل مجمّع الباصات عن مجمّع السرفيسات، حيثُ ينقسمُ الناسُ دون انتظامٍ صاعدين ونازلين الدرجات. يسبقني أخي، يمسك بيدي الصغيرة بحرصٍ شديدٍ ويشدُّ عليها، حتى ظننتُه يجرّني خلفه جرّاً.
.
كانت المرّة الأولى التي أختَبرُ فيها مثل تلك الكثافة البشرية: رجال، نساء، وأطفال؛ تَشي ملابسهم ببساطة الحال وملامحهم عن حزنِ قانِعٍ، يحمل بعضهم أكياساً بلاستيكية وأخرى ورقيّة، بينما تختار بعض العجائز وضعَ سِلالٍ فوق رؤوسهن تُظهر ما تضمّه من مشتريات. يأكل بعض نازلي الدرجات سندويشات فلافل اشتروها من المطعم الواقف على رأس الدرجات، بينما يقف بعض صاعديه عند "بسطة" ساعاتٍ يدويّةٍ رخيصةٍ، يقلّبونها، يسألون ويفاصلون أسعارها مع البائع الذي غالباً ما ينزع ساعاته ويعيدها أماكنها، فيذهبون إلى "بسطة" مجاورة، يُخرِجون عشرة قروش من جيوبهم يدفعون بها للبائع؛ ويدسّون بدلاً عنها قدّاحة ملوّنة.
.
كانت تبدو خطوات الناس واثقةً، مرِنةً، متّزنةً، متمرّسةً، غير خائفةٍ من تماس الأجساد الصريح بسبب الأزمة، أو من الانزلاق عن الدرجات الدّبقة من أثر الخضراوات المهروسة بالأقدام وأعقاب السجائر، لا تبدو على ملامحهم أي علامة انزعاج من الروائح المختلطة القويّة من أجسادهم وحمولة أكياسهم، أو تلك المنبعثة من المطاعم المجاورة. وحدي كنتُ الغريبة هناك أو على الأقل هذا ما ظننته وقتذاك..!
.
صحوتُ من ارتباكي بارتباكٍ أقوى. لَكَزتْ قدمي ساقاً ضعيفةً لصبيٍّ تُوحي قامته وبنيةُ جسده أن عمره من عمري، لم أكنُ قد تجاوزتُ الحادية عشرة آنذاك. كيف تُقدّرُ الأعمارُ، وهل يتشابه عمر شخصين صادف أن وُلدا في اليوم نفسه لكن عاشا حياتين مختلفتين؟
.
تجمّدت قدماي في مكانهما، شدّني أخي، استعجلَ موعد الطبيب، أو ربّما انتشلني من دهشةٍ أَنْسَتني وجع أسناني. ساق الصبي الضعيفة سقَطَتْ وباقي جسده الصغير، لم تحتَمِل لكزةً بسيطة من ساق سليمة، أخذ يلمُّ حبّات العلكة غير عابئٍ بساقه، لم يلتفِتْ إلى من أوقَعه، لم ينظر إليّ بنظرات عاتبة، أو حتى لم يطلب المساعدة في لمّ حبات العلكة عن الأرض، أخذ يرفعها ملهوفاً من بين الأقدام المسرعة قبل أن تدوسها، أو تتطفّل يدٌ أخرى عليها وتأخذها، يلمّها بتلقائيّة مُجرِّب اعتاد السقوط وألِفَه. لم أعتذر، كانت حبّات العلكة التي تناثرت كلّ همّه وأكبر مصائبي...
.
مضتْ سنواتٌ طويلة، ما زلتُ عالقةً بسؤالٍ أغفلني عن مساعدته أنذاك: كيف انتقاهُ العَوزُ واختارته الإعاقةُ؟ ولأيّ شيءٍ تخطّياني؟
]]>
60235
العــــابر قصة: هاني القط http://www.souriyati.com/2016/08/19/59794.html Fri, 19 Aug 2016 07:21:00 +0000 http://www.souriyati.com/2016/08/19/59794.html أعلى الرصيف يقف منتظرًا الحافلة القادمة، كتلة من اللحم البشري تسد بابها، عندما يفشل فى إيجاد مكان لقدمه؛ يضطر إلى الانتظار، جحافل النمل تمشي فى رأسه دون توقف، الحافلة التالية ممتلئة كالتي قبلها، ومتأخرة ساعة عن موعدها، فلا يجد من مفر - ككل يوم - سوى أن ينحشر بين الركاب. فور دخوله من الباب والاقتراب من دفتر الحضور والانصراف، على يمين الردهة الضيقة، يرقبه موظف الدفتر من تحت نظارته العسلية غليظة الزجاج، وبابتسامة لا تخلو من مكر يقول: ـ المدير يريدك. ود - ككل مرة - أن يقذف حذاءه في وجهه، لكنه كتم ضيقه في صدره وقال: ـ لعله خير. وفتح باب حجرة المدير بحذر بعد ثلاث دقات، تابع تحرك الرأس الأصلع المختبئ خلف أكوام الملفات المرصوصة أمامه، شرد دقيقة يحاول إيقاف جحافل النمل التي تمشي في رأسه وعندما توقفت، وهمّ أن يصرخ لاعناً المواصلات شارحاً ما حدث، لم يستطع، ووقف دون حراك كأصم، يتفصد العرق من جبهته، ومع أول نظرة امتعاض من عين المدير، يبدي شديد الأسف على تأخره، حالفاً ألا يكررها مهما كانت الظروف، ثم يخرج مغلقاً الباب بهدوء، وعلى كرسيه الملاصق لشباك يطل على الشارع، يجلس كالعادة شاردًا في حركة المارين، وعندما يغمض عينيه يسمع صدى حروف الكلمات، التي يحاول اصطيادها وكتابتها كقصيدة تغنى. سن القلم على الورقة البيضاء، والعنان حرٌ لما تجود بها روحه من كلمات، لكن القلم على الورقة لا يتحرك؛ وحين ينتابه اليأس، يخط كالعادة، سماءً وشجرة جافة، ووجه بنت تدمع، لكنه يمحو ما رسمه عازماً على التحلي بصبر الانتظار. فور أن يسند رأسه - ككل يوم – إلى مسند الكرسي؛ يشرد فيرى نفسه يقف على حجر مصقول، الحشود من كل الجهات تحيطه، عيونهم المحدقة تنتظر، يقرب رأس الميكرفون من فمه، مرددًا لهم كلماته الساحرة: ـ ك ب ت ا ر م... *** كلما دلف عابراً الطرقة إلى الغرفة يلمح شبحًا، يرجع برأسه فيجد طيف الشبح قد اختفى، الأشياء تنتقل من أماكنها المعتادة ليجدها بعد عناء في أماكن غريبة، المفاتيح في الحمام، الملابس في المطبخ، أدوات الطعام في سلة المهملات؛ لذا يقرر رسم خطة للإيقاع بالشبح، لكن عند تطبيقها في كل مرة تفشل، بعد وقت لا يأبه للأمر، مرتضياً بشبح خفي يقاسمه العيش في الشقة. *** كتلة اللحم البشري، التي تسد الحافلة تدفعه، فيسقط جسمه على الأسفلت مدوياً، تُمزق ثيابه ويصاب بجرح في ساقه، يقف يمين الميدان الواسع تدور الدنيا برأسه، كل شيء يراه على غير هيئته وفى غير موضعه، يزفر غضبه، وبصوت عالٍ يصيح شاتماً الحافلة، وعندما يستدير يبرق طيف الشبح على أسفلت الطريق، يشير له على علامات يراها غامضة، لكن دأب الاكتشاف يحل رموز شفرتها، النمل يتحرك في رأسه ويدفعه إلى أن يكون حراً يصنع ما يريد، دون أن يعطي أي اهتمام للمحدقين فيه، شارعاً فشارعاً..وجد نفسه أمام مقهى فجلس، الحجر يراوغ بصره كلما سلطت أشعة الشمس على أحد وجوهه المصقولة. لإجهاده الشديد، أراح رأسه على كفه؛ فتفاجأ بعد وقت باندفاع كلمات حلم يقظته، ظل يستمع حتى حفظ الكلمات عن ظهر قلب، يقطع الشارع ويقف على الحجر المصقول، يردد الكلمات بعلو صوته. النادل أول من يقترب مأخوذاً بما يسمع، يضرب الكف بالكف، ويتراجع عندما يزعق عليه صاحب المقهى، زبد أبيض اندفع من جانبي شفتي الرجل لترديده المستمر، الرجال وأطفال المدارس يلتفون حوله في صخب وفرحة، النمل يتحرك في رأسه ويدفعه للنظر إلى السماء، فيسمع فيها صدى كلماته. الشمس تغيب، والناس تتفرق، والكلمات لا يصمت صداها في رأسه، يرددها بصوته المبحوح، ويظل يسير. المصدر: البيان]]> أعلى الرصيف يقف منتظرًا الحافلة القادمة، كتلة من اللحم البشري تسد بابها، عندما يفشل فى إيجاد مكان لقدمه؛ يضطر إلى الانتظار، جحافل النمل تمشي فى رأسه دون توقف، الحافلة التالية ممتلئة كالتي قبلها، ومتأخرة ساعة عن موعدها، فلا يجد من مفر - ككل يوم - سوى أن ينحشر بين الركاب. فور دخوله من الباب والاقتراب من دفتر الحضور والانصراف، على يمين الردهة الضيقة، يرقبه موظف الدفتر من تحت نظارته العسلية غليظة الزجاج، وبابتسامة لا تخلو من مكر يقول: ـ المدير يريدك. ود - ككل مرة - أن يقذف حذاءه في وجهه، لكنه كتم ضيقه في صدره وقال: ـ لعله خير. وفتح باب حجرة المدير بحذر بعد ثلاث دقات، تابع تحرك الرأس الأصلع المختبئ خلف أكوام الملفات المرصوصة أمامه، شرد دقيقة يحاول إيقاف جحافل النمل التي تمشي في رأسه وعندما توقفت، وهمّ أن يصرخ لاعناً المواصلات شارحاً ما حدث، لم يستطع، ووقف دون حراك كأصم، يتفصد العرق من جبهته، ومع أول نظرة امتعاض من عين المدير، يبدي شديد الأسف على تأخره، حالفاً ألا يكررها مهما كانت الظروف، ثم يخرج مغلقاً الباب بهدوء، وعلى كرسيه الملاصق لشباك يطل على الشارع، يجلس كالعادة شاردًا في حركة المارين، وعندما يغمض عينيه يسمع صدى حروف الكلمات، التي يحاول اصطيادها وكتابتها كقصيدة تغنى. سن القلم على الورقة البيضاء، والعنان حرٌ لما تجود بها روحه من كلمات، لكن القلم على الورقة لا يتحرك؛ وحين ينتابه اليأس، يخط كالعادة، سماءً وشجرة جافة، ووجه بنت تدمع، لكنه يمحو ما رسمه عازماً على التحلي بصبر الانتظار. فور أن يسند رأسه - ككل يوم – إلى مسند الكرسي؛ يشرد فيرى نفسه يقف على حجر مصقول، الحشود من كل الجهات تحيطه، عيونهم المحدقة تنتظر، يقرب رأس الميكرفون من فمه، مرددًا لهم كلماته الساحرة: ـ ك ب ت ا ر م... *** كلما دلف عابراً الطرقة إلى الغرفة يلمح شبحًا، يرجع برأسه فيجد طيف الشبح قد اختفى، الأشياء تنتقل من أماكنها المعتادة ليجدها بعد عناء في أماكن غريبة، المفاتيح في الحمام، الملابس في المطبخ، أدوات الطعام في سلة المهملات؛ لذا يقرر رسم خطة للإيقاع بالشبح، لكن عند تطبيقها في كل مرة تفشل، بعد وقت لا يأبه للأمر، مرتضياً بشبح خفي يقاسمه العيش في الشقة. *** كتلة اللحم البشري، التي تسد الحافلة تدفعه، فيسقط جسمه على الأسفلت مدوياً، تُمزق ثيابه ويصاب بجرح في ساقه، يقف يمين الميدان الواسع تدور الدنيا برأسه، كل شيء يراه على غير هيئته وفى غير موضعه، يزفر غضبه، وبصوت عالٍ يصيح شاتماً الحافلة، وعندما يستدير يبرق طيف الشبح على أسفلت الطريق، يشير له على علامات يراها غامضة، لكن دأب الاكتشاف يحل رموز شفرتها، النمل يتحرك في رأسه ويدفعه إلى أن يكون حراً يصنع ما يريد، دون أن يعطي أي اهتمام للمحدقين فيه، شارعاً فشارعاً..وجد نفسه أمام مقهى فجلس، الحجر يراوغ بصره كلما سلطت أشعة الشمس على أحد وجوهه المصقولة. لإجهاده الشديد، أراح رأسه على كفه؛ فتفاجأ بعد وقت باندفاع كلمات حلم يقظته، ظل يستمع حتى حفظ الكلمات عن ظهر قلب، يقطع الشارع ويقف على الحجر المصقول، يردد الكلمات بعلو صوته. النادل أول من يقترب مأخوذاً بما يسمع، يضرب الكف بالكف، ويتراجع عندما يزعق عليه صاحب المقهى، زبد أبيض اندفع من جانبي شفتي الرجل لترديده المستمر، الرجال وأطفال المدارس يلتفون حوله في صخب وفرحة، النمل يتحرك في رأسه ويدفعه للنظر إلى السماء، فيسمع فيها صدى كلماته. الشمس تغيب، والناس تتفرق، والكلمات لا يصمت صداها في رأسه، يرددها بصوته المبحوح، ويظل يسير. المصدر: البيان]]> 59794 بلاغ كاذب http://www.souriyati.com/2016/08/16/59545.html Tue, 16 Aug 2016 09:27:00 +0000 http://www.souriyati.com/2016/08/16/59545.html "أنا بخير .. أنا بخير".. كرّر الرجل الذي لفظ أنفاسه الأخيرة، في بلده، قبل قليل، تلك العبارة بتصميمٍ عجيب، إلى درجة أن بعض المسعفين أقسموا، في أثناء تحرير شهادة الوفاة لاحقاً، أنهم سمعوا تلك العبارة، تنبعث من فم الرجل حتى بعد وفاته، متأثراً بإصاباته البليغة، الناجمة عن اصطدام جسده، بسيارةٍ حكوميةٍ في ذلك الصباح الماطر، عقب خروجه من السجن الذي قضى فيه بضعة أعوام، نتيجة تقديمه "بلاغاً كاذباً"، ادّعى فيه أنه "ليس بخير". أما الرجل الذي لفظ أنفاسه، في بلده، فقد كانت أمارات الرعب باديةً على وجهه، خشية أن يُعاد إلى السجن، مرة أخرى، بالتهمة نفسها، فيما كان شريط ذاكرته يستعيد أول "بلاغ كاذب" قدّمه في حياته، في ذلك المساء الكالح، وهو يقف أمام مشواة "الفراريج" المركونة خارج أحد المطاعم. كان موشكاً، آنذاك، على الإغماء، من فرط الجوع، والتعب جرّاء رحلة البحث عن عمل، التي تتكرّر يومياً من دون جدوى، فيما يتفاقم شعوره بالعجز، وهو يتذكّر أطفاله الجوعى الذين ينتظرون عودته بفارغ الصبر، محملاً بما يسدّ رمقهم. وتصادف، في تلك اللحظة، أن تناهى إلى سمعه، خبر ينبعث من تلفاز المطعم نفسه، صادر عن وزارة الخارجية مفاده: "أعلنت وزارة الخارجية أن جميع مواطنينا في السويد بخير، ولم يُصب أحد بأذى جرّاء الزلزال الذي ضرب عاصمتها هذا الصباح، وفي وسع كل مواطن من بلدنا يقيم هناك، ويحتاج للمساعدة أو الاستفسار، الاتصال على خط الوزارة الساخن رقم......." على الرغم من أن الخبر انتهى عند هذا الحدّ، لكنه في أذن صاحبنا ظلّ يتردد، خصوصاً عبارة (جميع مواطنينا بخير)، فضلا عن رقم الخط الساخن الذي التصق في ذهنه التصاقاً غريباً، حتى وجد نفسه، ومن دون أي سيطرةٍ على إرادته، يتجه إلى أقرب هاتفٍ عمومي، ليتصل بوزارة الخارجية على خطها الذي لم يتبيّن مدى "برودته"، إلا بعد أن كرّر الاتصال مرات عدة، وما إن فتح الخط أخيراً، وسمع صوت الموظف على الطرف الآخر، حتى راح يصرخ بقوة، مردّداً عبارة واحدة: "أنا لست بخير.. أنا لست بخير"، ثم هوى، أرضاً، ليجد نفسه، في اليوم التالي، مقبوضاً عليه بتهمة تقديم "بلاغ كاذب"، وحكم عليه بالسجن. غير أن صاحبنا لم يتعلم الدرس الذي دفع ثمنه عشرة أعوام من عمره المهدور على أرصفة التعب، فقد حدث أن سمع بيان وزارة الخارجية يتكرّر، مرة أخرى، إبّان إعصارٍ مدمر ضرب أجزاءً من الولايات المتحدة الأميركية، وبالديباجة نفسها، فيما كان هو ينتظر في صف طويل على باب مستشفى حكومي، للحصول على إبرة أنسولين، تساعده على مواجهة "السكّري" الذي يفتك بجسده، ولأن هذا الانتظار تكرّر أياماً عدة، من دون جدوى، فقد وجد نفسه، يتجه ثانيةً إلى أقرب هاتف عمومي، ويعاود الاتصال بوزارة الخارجية، مبلغاً إياهم أنه "ليس بخير"، وليخسر عشر سنوات أخرى من حياته بين القضبان. أما هذه المرة، فقد صمم صاحبنا أن يحفظ الدرس جيداً، لأن المسافة بينه وبين قبره لم تعد تحتمل "بلاغاً كاذباً" آخر، فخرج من السجن أكثر حذراً، وقرّر أن يصمّ أذنيه عن كل ما يصدر من بياناتٍ عن وزارة الخارجية وغيرها، وراح يفكّر بطريقةٍ تجعله أقل اكتراثاً بحاجاته الأساسية كلها إذا لزم الأمر. وفي حمأة ذهوله وتفكيره، لم ينتبه على تلك السيارة المرسيدس الحكومية، ذات النمرة الحمراء القادمة من بعيد مسرعةً، وهو يعبر الشارع، فوجد نفسه "يدهسها" بجسده، ويسقط أمامها مضرّجاً بدمائه، فيما كان المارّة يتحلقون حوله، ويهزون رؤوسهم بأسى. أما المسعفون الذين حضروا بعد ساعاتٍ، إثر "بلاغ صائب"، فقد أقسموا أنهم سمعوا الرجل الذي فارق موت الوطن قبل قليل، يردّد عبارة واحدة: "أنا بخير.. أنا بخير". المصدر: العربي الجديد - باسل طلوزي ]]> "أنا بخير .. أنا بخير".. كرّر الرجل الذي لفظ أنفاسه الأخيرة، في بلده، قبل قليل، تلك العبارة بتصميمٍ عجيب، إلى درجة أن بعض المسعفين أقسموا، في أثناء تحرير شهادة الوفاة لاحقاً، أنهم سمعوا تلك العبارة، تنبعث من فم الرجل حتى بعد وفاته، متأثراً بإصاباته البليغة، الناجمة عن اصطدام جسده، بسيارةٍ حكوميةٍ في ذلك الصباح الماطر، عقب خروجه من السجن الذي قضى فيه بضعة أعوام، نتيجة تقديمه "بلاغاً كاذباً"، ادّعى فيه أنه "ليس بخير". أما الرجل الذي لفظ أنفاسه، في بلده، فقد كانت أمارات الرعب باديةً على وجهه، خشية أن يُعاد إلى السجن، مرة أخرى، بالتهمة نفسها، فيما كان شريط ذاكرته يستعيد أول "بلاغ كاذب" قدّمه في حياته، في ذلك المساء الكالح، وهو يقف أمام مشواة "الفراريج" المركونة خارج أحد المطاعم. كان موشكاً، آنذاك، على الإغماء، من فرط الجوع، والتعب جرّاء رحلة البحث عن عمل، التي تتكرّر يومياً من دون جدوى، فيما يتفاقم شعوره بالعجز، وهو يتذكّر أطفاله الجوعى الذين ينتظرون عودته بفارغ الصبر، محملاً بما يسدّ رمقهم. وتصادف، في تلك اللحظة، أن تناهى إلى سمعه، خبر ينبعث من تلفاز المطعم نفسه، صادر عن وزارة الخارجية مفاده: "أعلنت وزارة الخارجية أن جميع مواطنينا في السويد بخير، ولم يُصب أحد بأذى جرّاء الزلزال الذي ضرب عاصمتها هذا الصباح، وفي وسع كل مواطن من بلدنا يقيم هناك، ويحتاج للمساعدة أو الاستفسار، الاتصال على خط الوزارة الساخن رقم......." على الرغم من أن الخبر انتهى عند هذا الحدّ، لكنه في أذن صاحبنا ظلّ يتردد، خصوصاً عبارة (جميع مواطنينا بخير)، فضلا عن رقم الخط الساخن الذي التصق في ذهنه التصاقاً غريباً، حتى وجد نفسه، ومن دون أي سيطرةٍ على إرادته، يتجه إلى أقرب هاتفٍ عمومي، ليتصل بوزارة الخارجية على خطها الذي لم يتبيّن مدى "برودته"، إلا بعد أن كرّر الاتصال مرات عدة، وما إن فتح الخط أخيراً، وسمع صوت الموظف على الطرف الآخر، حتى راح يصرخ بقوة، مردّداً عبارة واحدة: "أنا لست بخير.. أنا لست بخير"، ثم هوى، أرضاً، ليجد نفسه، في اليوم التالي، مقبوضاً عليه بتهمة تقديم "بلاغ كاذب"، وحكم عليه بالسجن. غير أن صاحبنا لم يتعلم الدرس الذي دفع ثمنه عشرة أعوام من عمره المهدور على أرصفة التعب، فقد حدث أن سمع بيان وزارة الخارجية يتكرّر، مرة أخرى، إبّان إعصارٍ مدمر ضرب أجزاءً من الولايات المتحدة الأميركية، وبالديباجة نفسها، فيما كان هو ينتظر في صف طويل على باب مستشفى حكومي، للحصول على إبرة أنسولين، تساعده على مواجهة "السكّري" الذي يفتك بجسده، ولأن هذا الانتظار تكرّر أياماً عدة، من دون جدوى، فقد وجد نفسه، يتجه ثانيةً إلى أقرب هاتف عمومي، ويعاود الاتصال بوزارة الخارجية، مبلغاً إياهم أنه "ليس بخير"، وليخسر عشر سنوات أخرى من حياته بين القضبان. أما هذه المرة، فقد صمم صاحبنا أن يحفظ الدرس جيداً، لأن المسافة بينه وبين قبره لم تعد تحتمل "بلاغاً كاذباً" آخر، فخرج من السجن أكثر حذراً، وقرّر أن يصمّ أذنيه عن كل ما يصدر من بياناتٍ عن وزارة الخارجية وغيرها، وراح يفكّر بطريقةٍ تجعله أقل اكتراثاً بحاجاته الأساسية كلها إذا لزم الأمر. وفي حمأة ذهوله وتفكيره، لم ينتبه على تلك السيارة المرسيدس الحكومية، ذات النمرة الحمراء القادمة من بعيد مسرعةً، وهو يعبر الشارع، فوجد نفسه "يدهسها" بجسده، ويسقط أمامها مضرّجاً بدمائه، فيما كان المارّة يتحلقون حوله، ويهزون رؤوسهم بأسى. أما المسعفون الذين حضروا بعد ساعاتٍ، إثر "بلاغ صائب"، فقد أقسموا أنهم سمعوا الرجل الذي فارق موت الوطن قبل قليل، يردّد عبارة واحدة: "أنا بخير.. أنا بخير". المصدر: العربي الجديد - باسل طلوزي ]]> 59545 الاب و الابـن و المسامـيـر.! / قصص قصيرة لأحبابنا الصغار http://www.souriyati.com/2016/06/11/61616.html Sat, 11 Jun 2016 17:35:00 +0000 http://www.souriyati.com/?p=61616 الاب و الابـن و المسامـيـر.!   كان هنالك ولد عصبي وكان يفقد صوابه بشكل مستمر فاحضر له والده كيسا مملوءا بالمسامير وقال له : يا بني أريدك أن تدق مسمارا في سياج حديقتنا الخشبي كلما اجتاحتك موجة غضب وفقدت أعصابك وهكذا بدأ الولد بتنفيذ نصيحة والده. فدق في اليوم الأول 37 مسمارا ، ولكن إدخال المسمار في السياج لم يكن سهلا . فبداء يحاول تمالك نفسه عند الغضب .. وبــعد مرور أيام كان يدق مسامير اقل ، وفي أسابيع تمكن من ضبط نفسه.. وتوقف عن الغضب وعن دق المسامير فجاء إلى والده واخبره بإنجازه ففرح الأب بهذه التحول . وقال له : ولكن عليك الآن يا بني باستخراج مسمار لكل يوم يمر عليك لم تغضب به وبدأ الولد من جديد بخلع المسامير في اليوم الذي لا يغضب فيه حتى انتهى من المسامير في السياج فجاء إلى والده واخبره بإنجازه مرة أخرى ، فأخذه والده إلى السياج وقال له : يا بني انك حسنا صنعت ولكن انظر الآن إلى تلك الثقوب في السياج ، هذا السياج لن يكون كما كان أبدا ، وأضاف: عندما تقول أشياء في حالة الغضب فإنها تترك آثار مثل هذه الثقوب في نفوس الآخرين . تستطيع أن تطعن الإنسان وتخرج السكينة ولكن لن يهم كم مرة تقول: انا آسف ، لان الجرح سيظل هناك...!!]]> الاب و الابـن و المسامـيـر.!   كان هنالك ولد عصبي وكان يفقد صوابه بشكل مستمر فاحضر له والده كيسا مملوءا بالمسامير وقال له : يا بني أريدك أن تدق مسمارا في سياج حديقتنا الخشبي كلما اجتاحتك موجة غضب وفقدت أعصابك وهكذا بدأ الولد بتنفيذ نصيحة والده. فدق في اليوم الأول 37 مسمارا ، ولكن إدخال المسمار في السياج لم يكن سهلا . فبداء يحاول تمالك نفسه عند الغضب .. وبــعد مرور أيام كان يدق مسامير اقل ، وفي أسابيع تمكن من ضبط نفسه.. وتوقف عن الغضب وعن دق المسامير فجاء إلى والده واخبره بإنجازه ففرح الأب بهذه التحول . وقال له : ولكن عليك الآن يا بني باستخراج مسمار لكل يوم يمر عليك لم تغضب به وبدأ الولد من جديد بخلع المسامير في اليوم الذي لا يغضب فيه حتى انتهى من المسامير في السياج فجاء إلى والده واخبره بإنجازه مرة أخرى ، فأخذه والده إلى السياج وقال له : يا بني انك حسنا صنعت ولكن انظر الآن إلى تلك الثقوب في السياج ، هذا السياج لن يكون كما كان أبدا ، وأضاف: عندما تقول أشياء في حالة الغضب فإنها تترك آثار مثل هذه الثقوب في نفوس الآخرين . تستطيع أن تطعن الإنسان وتخرج السكينة ولكن لن يهم كم مرة تقول: انا آسف ، لان الجرح سيظل هناك...!!]]> 61616 نورس محمد: الموت ولا المذلة (قصة قصيرة) http://www.souriyati.com/2016/05/22/51971.html Sun, 22 May 2016 20:40:44 +0000 http://www.souriyati.com/?p=51971 منذ نصبوك في ساحة قريتنا اصبحنا رفاق ورفيقات. لم يعد هناك سيد او سيدة او انسة. أصبحت انادي والدتي برفيقة امام حضور الاخرين. أما والدي لم يكن رفيقكم بل كان رفيقي وصديقي لقد اختفى بعد ان نصبوك في الساحة بأشهر قليلة. اختفى لأنه خالفكم الرأي. أتباعك اخذوه في ليلة معتمة ولم يعد الى الان. حدثني كثيرا عنك وعن اتباعك قبل ان يأخذوه. قال لي انكم أوغاد وادمغتكم متعفنة ومتحجرة وكان ينصحني دائما بأن لا أكون مثلكم، وقال لي اشياء كثيرة لن ابوح بها لك. أعرف قذارتكم ولا أريدكم ان تؤذوه لأنني عندي احساس انه على قيد الحياة في مكان ما في اقبيتكم العفنة، ينتظرني. عندي رغبة جامحة بأن ادمرك، ان احولك الى رماد واصنع تمثالا اخر بدلا عنك. تمثال لمدرس يحمل كتاب، عازف قيثارة أو طفلة ذاهبة الى المدرسة. إني اكرهك وأكره اتباعك. إني اكرهكم. بينما كنت اجلس في فيء تمثال الطاغية في وسط ساحة قريتنا النائية، أراقب العساكر وهم ينصبون المشانق والاناشيد الممجدة بالطاغوت تصدح من مكبرات الصوت اقترب مني وهمس بأذني "يزرق من يشاء بدون حساب" وابتعد الى شاحنته السوزوكي وهو يقفز فرحا مرددا مع مكبرات الصوت الأغنية التي تمجد بالطاغية. حمل صندوقا من الخضار وعاد وهمس بأذني مرة ثانية "الحكومة" وتابع الى حانته. انه الرفيق عبد الكريم. أهل القرية يسمونه عبدو الكر. عين من أعين النظام في قريتنا. كان فرحا على غير عادته، فرحه دليل كارثة ما ستحصل في القرية. فهو كالبوم فأل شؤم، يعرف مالا يعرفه الاخرون لتواصله الدائم مع القيادات في العاصمة. وضع الصندوق على منصة الخضار امام حانته وعاد وابتسامة عريضة على وجهه "أعرف شيئا لا تعرفه". - لديك اخبار جديدة بخصوص الاعدامات غداً - نعم، خبر مفرح لنا. - لنا؟ ماذا تقصد بلنا! - أنا وأنت. - ما علاقتي أنا بالموضوع؟ - تعرف ان العقيد وليد سيأتي غدا صباحا ليعدم الارهابيين. - نعم اعرف ذلك واهل القرية يعرفون ذلك. - ولكن مالا تعرفه هو انه العقيد سيذهب الى قرية أم الجبب ليعدم ارهابيين هنالك ومن ثم سيأتي الى قريتنا بعد الظهر. - وما المفرح في ذلك؟ - ما المفرح. تسألني ما المفرح. الم تسمع ما قلت سيأتي بعد الظهر. سيأتي بعد ست ساعات عن الوقت المفترض. ولا احد يعرف ذلك. وسأقطع لسانك إن اخبرت أحدا ما. غدا صباحا سيجتمعون وسينتظرون وينتظرون وسيجوعون ويعطشون وسأبيع الكثير من السندويشات والمشروبات وسأربح الكثير من المال. اليس ذلك بخبر مفرح. - مفرح لك. - ولك ايضا. سوف تساعدني بلف السندويشات وسأعطيك عشرون قرشا عن كل سندويشة. اليس ذلك مفرحا لك. قرصني من خدي مداعبا "اليس ذلك مفرحا، قل لي، الست سعيدا بالخبر؟". - ولكن غدا... قاطعني "أعرف أنك ستذهب الى وادي الارانب لكي لا تشاهد اعدام الارهابيين، لأنك ارهابي مثلهم وتتعاطف معهم مثل والدك. ولكنك ستساعدني اليوم، غدا ليس لدينا الوقت الكافي لذلك. ماذا قلت عشرون قرشا للسندويشة الواحدة. فكر في الموضوع الى ان افرغ الخضار من الشاحنة". وانطلق الى شاحنته حمل صندوق وعاد "ماذا قلت، عشرون قرشا. ليس بقليل لصبي بعمرك" ثم تابع الى حانته. نعم انه مبلغ ليس بقليل لصبي بعمري ولكنه مبلغ معجون بدماء الشهداء. لأ لن...، وقبل ان اتخذ قراري وقعت عيناي على صخرة صغيرة تسند عجلة من عجلات شاحنته السوزوكي. قفزت وركضت ورائه. - موافق، سأساعدك ولن أخذ منك أية مبلغ. - ستساعدني مجانا، هذا كرم منك. - لا ليس مجانا، اريد الصخرة التي تسند شاحنتك. - الصخرة، تريد صخرة. - نعم. - خذها فهي لك، غدا اجلب بدلا عنها، الصحراء ممتلئة بالصخور. كنت سعيدا بموافقته على اعطائي الصخرة. اليوم سأرتقي بهوايتي من نحت الصابون والبطاطا الى نحت صخر حقيقي. بالفعل انه خبر مفرح لي ايضا كما قال عبدو الكر. هرعت فورا الى الشاحنة لأضمن حقي. الرفيق عبدو معروف بإنكاره لحقوق الاخرين. سحبت الصخرة وركضت بها الى المنزل. وبينما انا اركض اندفعت الشاحنة باتجاه الحانوت واستضمت بمنصة الخضار وكسرتها. ركض ورائي الرفيق عبدو وهو يشتم ويرميني بحبات البرتقال. ركضت الى الجهة الخلفية من المنزل حيث انصب سلما اصعد عليه عادة الى السطح. وبينما انا في منتصف السلم، مسكني عبدو من قدمي. حاولت عبثا تحرير قدمي من يداه. فما كان مني الا ان رميت الصخرة عليه. سقطت الصخرة على رأسه. تفتت الصخرة وسقط عبدو على الارض، انفتح رأسه وتدحرج منه دماغه. قفزت ارضا ورفست دماغه غيظا واذ بدماغه يلتطم بحائط المنزل ويعود متدحرجا ليستقر بين قدمي. كان دماغه أصلب من الصخرة. التقطت دماغه وقطعة من بقايا الصخرة وصعدت الى سطح المنزل وجلست الى منتصف الليل وانا انحت مزهرية صغيرة من دماغه. مستخدما مسمارا صغيرا وقطعة الصخر. وفي الصباح الباكر صعدت السطح لأتفقد المزهرية التي سهرت على نحتها ولفيتها بقميصي الداخلي وخبيئتها خلف برميل الماء. التقطت القميص المصبوغ بدماء عبدو الكر وفردته على عجل شغوفا لرؤية منحوتتي الاولى من دماغ انسان. وكم كانت صدمتي كبيرة عندما شاهدت ما نحته. لم تكن مزهرية وانما رأس الطاغوت. نعم لقد سهرت الليل وانا أنحت رأس الطاغوت المنصوب تمثاله في وسط الساحة. رفعت ما نحته لا قارنه برأس التمثال المنتصب في وسط الساحة. وفجأة يهمس شخصا ما في اذني "انه رائع، من نحته؟ انت؟". - نعم انا. التفت الى الخلف وأذ بالرفيق عبدو يقف خلفي وقطعة من القماش يلف رأسه. حي، لم يمت رغم ان رأسه فارغ من الدماغ. ودماغه بيدي. - انك فنان موهوب، هل تبيعه. سأعطيك خمس ليرات. - خمسة ليرات؟ - خمسون. - خمسون؟؟ - مائة ليرة لن ادفع أكثر من ذلك. ماذا قلت. - انه لك، خذه. أعدت له دماغه مقابل مائة ليرة. فرح به كما يفرح الطفل بهدية العيد "أنه جميل جدا، انت فنان كما قلت. هل بإمكانك ان تنحت لي سيجار أو ولاعة سجائر لأهديه للعقيد، اليوم؟". - يمكنني ذلك ولكنني احتاج الى مطرقة وصخرة. - اذهب الى الحانوت وخذ ما تشاء ولا تنسى ان تأخذ اتعابك ايضا. ستجد المال في العلبة الصفراء على الرف الاول بجانب جهاز الهاتف. هيا اذهب لا تضيع الوقت. هرعت على الفور الى حانوت الرفيق عبدو. أخترت مطرقة مناسبة للنحت ووجدت العلبة الصفراء التي سأخذ منها اتعابي وبينما افتح غطاء العلبة دخلت زوجة الرفيق عبدو وتفاجأت بوجودي في الحانوت. صرخت بأعلى صوتها "أيها المجرم ماذا تفعل في الحانوت. الا يكفيك فتح راس زوجي في الامس وتكسير منصة الخضراوات والان تسرقنا.!" وخرجت الى الساحة وهي تصرخ "يا عسكر، يا عسكر، انصبوا مشنقة رابعة لهذا المجرم، السارق" ثم عادت والشرر يتطاير من عيناها "لن انتظر العسكر، سوف اقتلك بنفسي. اين البندقية؟" خرجت وصاحت "أين وضعت البندقية يا عبدو الكر" . فما كان مني ألا ان خرجت ورائها حاملا المطرقة. وهويت بها على رأسها من الخلف. التقطت دماغها وغادرت بكل برود لانحت لزوجها سيجار من دماغ زوجته. لكنني نحت طفلا صغيرا بدلا عن سيجار. ولاحقا عرفت ومن خلال التجربة اني انحت ما يتوق اليه صاحب الدماغ والقليل من الادمغة لأصحاب العقول التائهة استطيع التحكم بنحتها. ومنذ ذلك اليوم والى ان انهيت الدراسة الثانوية اصبحت هوايتي اقتلاع الأدمغة المتحجرة ونحتها واعادة بيعها لأصحابها. أفرغت القرية من الأدمغة المتحجرة وجعلتها قرية آمنة لوالدتي، ويممت شطري باتجاه العاصمة دمشق حيث سأكمل دراستي في معهد الفنون الجميلة. طلبت من والدتي ان تنتقل معي الى دمشق لكنها رفضت. تريد ان تنتظر خروج والدي من المعتقل ولا تريده ان يجد المنزل فارغا عند اطلاق سراحه. بعد ثمانية ساعات من السفر، قضيت معظم الوقت متصنعا النوم لكي لا اناقش احد ولا أضطر الى اقتلاع دماغ أحد وصلت ليلا الى البيت الصغير الذي استأجرته بمعية عبدو الكر، في الطابق العلوي من بناء بجانب سوق شعبي في وسط العاصمة دمشق. استوديو صغير مؤلف من غرفة واحدة مقسم الى غرفة نوم ومطبخ يفصل بينما جدار بعلو المتر تقريبا. والطرف الاخر من المطبخ نافذة كبيرة تطل على المسجد الاموي. والاستديو مرفق بحمام وتواليت عربي. وأفضل ما في البيت هو مساحة السطح الكبيرة والكافية لبناء بيت لطيور الحمام الزاجل. لم أكن أعرف قيمة الطيور لولا والدتي التي طلبت من عبدو الكر الذي اصبح دمثا وطيب القلب بعد اقتلاع دماعة، ان يبني لنا بيتا للطيور على سطح بيتنا في القرية. دخلت يومها في نقاش طويل عن اضرار الطيور واوساخه ومن سيعتني بهم. ولكنها اصرت واكدت لي بأنني سأشكرها يوما ما عندما أعرف قيمة الطيور. وبالفعل شكرتها وقبلت يدها عندما شاهدتها في صباح يوم باكر وهي تفرم بقايا الادمغة المتحجرة وتطعهم للطيور. استخدمت والدتي الطيور لتخفي آثار اعمالي وتحميني من الادمغة المتحجرة التي تحوم في القرية ليل نهار. بالإضافة الى ان وسخ الطيور وهديلهم المستمر يبعد الضيوف والفضوليين وهذا ما احتاج له في هذا الوقت. لم افصح لوالدتي في يوم من الايام بما اقوم به. لا اريد لها ان تقلق بشأني. ولم تسألني هي من أين آتي بالنقود وماذا أفعل طوال الليالي ساهرا على سطح المنزل. سألتها في يوم من الايام ممازحا لم تسأليني من اين لك النقود، ربما اكون سرقتها هل تريدين ان تكوني ام للص. ضمتني الى صدرها وقالت انت ابن ابيك واعرفك جيدا كما اعرف ابيك. نعم كانت تعرفني جيدا وكانت تساعدني بتنظيف القرية من الادمغة المتحجرة. كانت تطلب مني بين الحين والاخر ان ارافقها بزيارة الى بيت من بيوت القرية. وفجأة تبدأ نقاش حاد ومستفز عن الطاغية وتستمر الى ان تتأكد من أن المضيف او احد افراد العائلة من اصحاب الادمغة المتحجرة ومن ثم تستأذن وتغادر وتتركني اكمل المهمة. سأفتقدك امي في هذه الغابة من الادمغة المتحجرة والمتوحشة. ما ان وضعت الحقيبة الوحيدة التي حملتها معي من القرية على السرير لكي افرغ محتواها حتى لمحت مظروفا انيقا على طاولة الطعام في المطبخ. فتحت المظروف وإذ به دعوة من العميد وليد (ترقى الى رتبة عميد) يدعوني لحضور حفلة زواج ابنته. لقد تقربت من العميد عندما كان يأتي بشكل دوري الى القرية لكي يعدم المناوئين للنظام. تقربت منه ليس حبا به وانما لاقتلاع ادمغة المرافقين له. ولم أجرؤ على اقتلاع دماغه رغم الفرص الكثيرة التي منيت بها وكنا لوحدنا عدة مرات، خوفا على اهالي القرية من تعيين ضابط آخر أكثر قساوة. العميد وليد جشع ويمكن شراؤه بالمال، وانقاذ المتهمين ظلما من حبال المشانق. هذه فرصة لا تعوض لكي ادخل غابة الادمغة المتحجرة عن طريقة بوابة العميد وليد. غيرت ملابسي على الفور حملت بطاقة الدعوة واشتريت باقة ورود وانطلقت الى منزله. كان على باب فيلته يستقبل الضيوف. عندما رآني اسرع الي وحضنني "أهلا وسهلا بالفنان نورس، أعرف انك ستأتي انت فنان ملتزم واكن لك كل تقدير". - ألف مبروك لزواج ابنتك وأسف لم احضار هدية معي. وصلت للتو من القرية. - حضورك هو شرف كبير لي وهذا يكفي. - سأحضر هدية مناسبة لابنتك وزوجها غدا. - اريدك ان تحضر هدية شخصية منك لزوج ابنتي. ليست شراء وانما تنحتها انت بنفسك، فهو يقدر الفنانين وسوف يسهل لك امورك كثيرا. اذهب وتعرف عليه لقد كلمته عنك. انهم في الطابق العلوي اذهب. تركت العميد يستقبل ضيوفه وصعدت الطابق العلوي. رجال ونساء وشباب وشابات يرقصون على اغنية لعلي الديك. بينما العروسان يجلسان في صدر الصالة العريس كان يتمايل طربا والعروسة جالسة والحزن باد على وجهها وكأنها غصبت على الزواج. دنوت منهما ثم انحنيت امام العروسة وقدمت باقة الورد لها "ألف مبروك". قرأت على البطاقة المرفقة مع الباقة "نورس" ثم نظرت الي "انت الفنان نورس؟ سمعت الكثير عنك من والدي. شكرا لمجيئك" . مدت يدها لتصافحني. بينما عريسها ينظر الينا باستغراب. قبلت يدها محاولا ان اكون جنتلمان. انتفض عريسها الضابط غاضبا. ومسك بعنقي وسحبني الى غرفة جانبية. رفعني من عنقي وحصرني في زاوية من زوايا الغرفة والشرر يتطاير من عينيه. - أتعتقد لكونك فنان يحق لك ما لا يحق لغيرك. سأكسر لك زراعك ان اقتربت من زوجتي. يبدو انك لا تعرفني اسأل العميد وليد عني وسأ وسأ... لم اعد اسمع صراخه. حصل شيء لم يحصل معي سابقا. رأسه اصبح هلاميا ودماغه يتراقص امامي. ما كان علي الا ان امد يدي والتقطه. سقط على الارض مغشيا. وضعت دماغه في كيس بلاستيكي صغير أأخذه معي احتياطا اينما ذهبت ووضعته في جيبي ثم قفزت من النافذة لأغادر. بينما كنت في طريقي للباب الخارجي نادى علي العميد وليد "الى أين يا فنان؟" التفت اليه "ذاهب لانحت تحفيه لزوج ابنتك". كان يحمل كأسا من الويسكي بيد وزجاجة شبه ممتلئة باليد الاخرى. - أنت مثلي عملي لا تضيع الوقت، ما رأيك بكأس من النبيذ لتنعش افكارك وتنحت اروع ما عندك. اشار الى فتاة تحمل كووسا من النبيذ. عندما اقتربت التقط العميد كأس وقدمه لي. - خذ وانتعش، الفنان كالعاهرة لا يبدع الا اذا انتعش. استغربت من كلامه لم نكن اصدقاء ليقول لي ما قاله. يبدو ان اصحاب العقول المتحجرة ينظرون الى الفنان كالعاهرة. - هذا رأيك أنت ولكن في واقع الأمر الفنان كالقديس لذلك تتباركون بوجوده وتتوددون اليه. شكرا أنا لا اشرب النبيذ. سحبت زجاجة الويسكي من يده وغادرت. فتحت كيس البلاستيك وملأته بالويسكي وتركت دماغ الضابط لمدة ساعتين ليصبح طريا صالحا للنحت. وكما توقعت نحت من دماغه بوط عسكري. وضعت المنحوتة على طرف النافذة لكي تجف وذهبت الى النوم. استيقظت مبكرا مذعورا على صوت رنين الهاتف الذي لا املكه. هرعت الى المطبخ حيث كان هاتف محمول على الطاولة وبجانبه حزمة من المال. التقطت الهاتف واذ بالعميد على الطرف الاخر. - رائع ايها الفنان كيف عرفت ان زوج ابنتي يعشق البوط العسكري. لا تفطر وحيدا تعال ننتظرك على الفطور. لم اقل كلمة واحدة ولم ارد عليه. اخذت حزمة النقود والهاتف وذهبت الى بيت العميد فورا. العسكري الحارس لباب الفيلا فتح لي البابا "انهم في الطابق العلوي، ينتظرونك". صعدت الى الطابق العلوي. لم يكن الا العميد وزوجته على طاولة الافطار. ما أن دخلت رميت بحزمة النقود على الطاولة. - أنا لا اشرى ولا أباع يا سيادة العميد. - هذه اتعابك وهي من زوج ابنتي وليس مني. مسكته من اعلى قميصه وسحبته ثم رميته عاليا ليلتطم بالجدار ويسقط على الأرض "من سمح لك بدخول بيتي بدون اذني؟". ورميته بالهاتف ليفتح جرحا على جبهته وينزف الدم. - اعتقدت بأننا اصدقاء. - أصدقاء، كيف اصادقك وانت مجرم تقتل وتسجن، يداك ملطختان بدماء الابرياء. خرجت زوجته واغلقت الباب وتركتنا وحدنا. بينما هي تخرج صاح عليها العميد "اطلبي من الملازم عيد ان يأتي فورا". مسكته من قميصه مرة اخرى ورميته بالاتجاه الاخر ليلتطم بصورة رئيسه المعتوه ويسقطا معا. - من سمح لك بدخول بيتي بدون اذني؟. - ندخل بيوت السوريين بدون اذن من احد وانت واحد منهم. حملته من قميصه و بنطاله ورفعته عاليا وهويت به على طاولة الطعام. تكسرت الطاولة واخذ العميد يتوجع "يا ملازم عيد يا زفت اين انت، أتني بالمسدس". صحت به بأعلى صوتي "إلا بيتي، بيتي لا يدخله احد بدون اذن مني، هل تسمع ما أقوله لك. بيتي لا يدخله احد بدون اذني". - هل تعلم ما سأعمله بك لتطاولك علي؟ - نعم أعلم ما ستفعله بي ولكن انت لا تعلم ما سأفعله بك. امسكت به من قميصه وبنطاله مرة اخرى ورميته من النافذة. قفزت ورائه، وضعت ركبتي على عنقه واقتلعت دماغه. وما ان هممت بالمغادرة احسست بأن احد ما يراقبني، نظرت الى الخلف وإذ بزوجة العميد تقف على النافذة. ابتسمت ثم قالت بصوت خافت "شكرا لأنك انقذت ابنتي". ما كان مني الان تسلقت الجدار وعدت الى البيت محملا بثلاثة أدمغة. أعرف انه حقارة مني أن اسطو على دماغ امرأة احست بالأمان بوجودي ولكني لا اترك شهود عيان ورائي كائن من كان. لا اعرف من اين اتتني القوة لرفع شخصا بحجم العميد والجرأة بتحديه كنت ارتعد كالوحش الكاسر، لم اعطه المجال ليدافع عن نفسه او يقف على قدمية. كانت مغامرة خطيرة ولكن ما كان سيحصل اخطر لو تركته يتدخل بشؤوني الخاصة ويعتبرني صديق له. ومنذ اليوم الأول لوصولي الى دمشق اصبحت كابوسا أسودا على الادمغة المتحجرة. كالخفاش انشط ليلا. اراقبهم واتابعهم واجهز عليهم واحدا تلو الاخر. الوضع هنا مختلف، هنا الادمغة المتحجرة تجتمع على بعضها دائما ويدافعون عن بعضهم البعض بشراسة. بينما في القرية سهل اصطيادهم فرادا. لذلك اصبحت اكثر قسوة وعنف وشراسة عما كنت عليه في القرية. واصبحت لدي قدرة عجيبة على صم أذاني، اراهم يبكون ويتوسلون ويتبولون في ملابسهم. وبكل برود افتح رؤوسهم واسيح دماءهم، اقتلع ادمغتهم. واصبغ جدرانهم بعبارة "نورس مر من هنا" وأغادر. العبارة التي أصبحت تؤرق اتباع النظام وترعبهم. رغم قساوتي وبشاعتي بالتعامل مع ذوي الادمغة المتحجرة لم يحصل بأني اقتلعت دماغا امام طفل او عجوز ولم يحصل بأني خذلت زبون. عندما يزورني زبون في الغاليري الذي استأجرته في شارع بغداد لأبيع فيه منحوتاتي ولم يجد ما يعجبه. ادخله الى غرفة المسلخ واسلب منه دماغه وانحته وابيعه له ويغادر فرحا كطفل حصل على هدية العيد. مهنتي في ازدهار ودراستي على ما يرام وازور والدتي كل شهر مرة لأطمئن عليها. يعتبرونني الناس فنان ويعاملونني على اساس ذلك وانا اعتبر نفسي متعهد بناء. اخذ المواد الاولية من الزبون واعيد بناءه من جديد واعيده اليه وآخذ اتعابي. اتمنى ان كون فنان مثل ابنة خالتي بسام. لأغني ساحات دمشق بمنحوتات كمنحوتاته. ولكني انا لست كذلك وكل ما اقوم به ربما يكون بسبب كرهي للأدمغة المتحجرة والمتعفنة التي عاثت في سوريا بغاء وفسادا ولربما يكون انتقاما لوالدي الذي حرموني منه وحرموا والدتي منه. بينما كنت انتظر، لكي استفرد بدماغ بائع مازوت جشع يحاول بيع مازوت مخلوط بالماء لعجوز بضعف سعره الطبيعي، تساقطت على رأسي قطرات من الماء. نظرت الى الاعلى ورأيتها تقف على بلكونة بيتها تسقي الزهور. سحرتني بجمالها، بشعرها الكستنائي ووجهها الملائكي، وقفت متسمرا في مكاني بينما هي تبتسم وتزيد من سكب الماء علي. كنت اعتقد باني أنا الوحيد القادر على استلاب عقول الناس وإذ بها تسلبني كلي ووقفت كالأبله انظر اليها مفتون بها بينما هي تغرقني بالماء من رأسي حتى قدمي. رمت باتجاهي زهرة ياسمين واختفت. بقيت لفترة وجيزة حتى استردت وعيي التي سلبتني اياها، التقطت زهرة الياسمين وعدت الى البيت بينما بائع المازوت والعجوز يسخران مني. غيرت ملابسي ونشفت نفسي وعدت لأتعقب بائع المازوت وإذ بها تحمل كتبها ذاهبة الى المدرسة. اقتربت منها. - ها أنا هنا، اعتذري. - اعتذر عن ماذا؟ - لقد أغرقتني بالماء قبل قليل. - هذا انت؟ - نعم هذا انا، اعتذري. - لن اعتذر، انت يجب عليك ان تشكرني. - اشكرك ولماذا؟ - لأني قمت بتحميميك، هيا اشكرني. - من قال لك اني احتاج الى الاستحمام في وسط الطريق. - لو لم تكن تريد الاستحمام لكنت ابتعدت وما تركتني اسكب الماء عليك. - كنت مصدوما بجمالك ولم استطع التحرك. احست بالإطراء. وحاولت ان تقول شيئا ما ولكني لم اعطها المجال. شاهدت دماغا يتراقص على كتفي سيدة دخلت للتو الى المدرسة. زرعت بطاقة التعريف بين صفحات احد كتبها وأسرعت باتجاه فريستي. دخلت المدرسة، وجدتها تصرخ في احدى الطالبات وتوبخها. سحبتها الى غرفة الادارة واقتلعت دماغها واسرعت الى الغاليري. دخلت مشغلي ونحت دماغها. توقعت ان انحت من دماغها مسدس أو حذاء ولكني لم أتفاجئ عندما نحت شيئا اخجل ان اذكره هنا لكثرة ما سمعت عنها وعن سهرات الليالي الحمراء التي تقوم بها. بينما كنت في الغاليري اعيد ترتيب التحفيات في الفترينة. دخلت محممتي وشعرها المسبول على كتفيها وبقامتها الممشوقة وعينيها العسليتان. تمعنت بي للحظات ثم تجاوزتني واخذت تتفحص التحفيات. ذهبت اليها: واخيرا أحسست بالذنب واتيتي لكي تعتذري. - لا، لم اتي لاعتذر، اتيت لأعرف عنك المزيد. - وما هو القليل الذي تعرفينه عني. - لماذا تعيد ترتيب التحفيات. - اكتشفت عندما اغير اماكن التحفيات ابيع اكثر. - المارة في الشارع يكتشفون تحفة جديدة لم يلاحظوها من قبل. فكرة ذكية. - هذا صحيح. - من اين تستورد هذه التحفيات. - لا أستوردهم. أنا انحتهم بنفسي. - اذا انت فنان؟ ومن ماذا تنحتهم؟ - من الأدمغة المتحجرة. - من الأدمغة المتحجرة! نظرت الي باستغراب ثم انفجرت ضاحكة: وماذا يمكنك ان تنحت من دماغي. - زهرة ياسمين. - توقعت ان تقول ذلك. - لم تجيبيني، ما هو القليل الذي تعرفينه عني؟ - أعرف بأن اسمك نورس ولديك غاليري في شارع بغداد وتحب الاستحمام في الطرقات. وتنحت تحفيات من العقول المتحجرة وإنك دائما على عجل. - دائما على عجل، ماذا تقصدين؟ - تمشي بسرعة وكأنك تطارد شخصا ما. - انت تراقبينني. - كل يوم. - اذا سكبتي علي الماء عن عمد وسابق اصرار وتصميم. - نعم لكي اخفف من عجالتك وانبهك للأشياء الجميلة التي لا تراها وانت تمر بها. - انت كمثال من الاشياء الجميلة التي لا أراها. - مثلا. - جميلة ومغرورة ولا تريدين الاعتذار! - ربما أعتذر. عندما تخبرني ماذا فعلت بمديرة المدرسة. بعد ان كانت ديكتاتوره ترهب الطالبات والمدرسات اصبحت كالحمل الوديع. ماذا فعلت بها. - فعلت ما يجب فعله. - من انت؟ انت مختلف عن الأخرين، كلامك مختلف لباسك مختلف مشيتك مختلفة. بالله عليك من أنت؟ - تستطيعي ان تقولي بأني متمرد. - متمرد؟! - نعم متمرد. - هل تعلم بأن المتمردون يصلون القمر قبل الأخرين. - من قال ذلك؟ - أنا اقوك ذلك. - ومن أنت؟ - أنا، اهلي يسمونني مايا. - وماذا تسمين انت نفسك؟ - اسمي نفسي بصائدة المتمردين. - صائدة المتمردين! وهل بإمكانك ان تقعي في حب متمرد؟ - لربما. الصياد يقع في حب فريسته، الا تعتقد ذلك؟ اعتقد ذلك؟ انا متأكد من ذلك. لقد رمت شباكها حولي واوقعتني بحبها. ومنذ ذلك اليوم اصبحت الحياة لها طعم أخر. أعطتني مايا الحب والحنان والطمأنينة التي احتاج اليها في غربتي. واصبحت تناديني بنوروستي وانا اناديها بعروستي. شبكنا يدينا ببعض وبدأنا نخطط لأسرتنا الصغيرة التي عزمنا على تكوينها بعد نهاية دراستنا. وخططنا لمستقبل ابتنا مليودي التي سنعلمها الموسيقى وابننا نارت الذي كان اقتراحها بأن يكون لميلودي اخ يحميها ويكون لها أخا وصديقا. ومؤخرا اضافت الى العائلة ابن ثاني لم تجد له اسما مناسبا لذلك قررت ان تسميهم نارت 1 ونارت 2. فاجأتني حبيبتي مايا عن عزمها بالذهاب الى القنيطرة مع اهلها لقضاء فترة هنالك. وسأبقى أنا في دمشق أطارد الأدمغة المتحجرة. المهنة الوحيدة التي أعرفها والتي أدمنت عليها. السفرة لم تكن مخططة لها وخاصة نحن في الشهر الثالث ولا توجد اعطال دراسية. ولكنها فرصة مناسبة لأخبرها عن ما لا تعرفه عني. أنا لست كبقية البشر، أنا نصفي قلب ونصفي الأخر حجر. في النهار فنان ملهف، عاشق متيم وفي الليل كابوس أسود على رؤوس أتباع النظام. في النهار أنا الجانب المضيء من الملائكة وفي الليل الجانب المظلم من الشيطان. لا أنا لست كباقي البشر ويجب ان تعرف ذلك. لتفكر خلال اجازتها وسأرضى بما تختاره وسأكون سعيدا لها حتى وإن قررت أن تعيش حياتها مع انساني أخر طبيعي. فأنا لست بطبيعي وحياتي دائما في خطر، وسأعرض حياتها وحياة أطفالنا الى الخطر. لقد تعرضت لإطلاق النار ثلاثة مرات واخترقت صدري رصاصة في إحدى المرات ولحسن حظي لم تخترق قلبي. بقيت طريح الفراش اسابيع طويلة. استحلفتني والدتي أن اتوقف عن مطاردة الأدمغة المتحجرة وبالفعل حاولت ولكنني لم استطع، أحسست بأني أخونها وأخون والدي وأخون سورية وأخون الله الذي اصطفاني من دون السوريين جميعا للقيام بمهمة لا يستطيع أحد القيام بها. يجب علي جعل سورية بلدا أمنا لحبيبتي ولأطفالي لميلودي ونارت وينال. ينال الاسم الذي اختارته لابننا الثالث بدلا عن نارت 2. وآمنا لأطفال سورية. أحس بأن نهايتي قد اقتربت وستكون بشعه وسأموت موتا شنيعا. وأتمنى أن لا ترى حبيبتي ذلك وأن لا تعيش تلك اللحظات. دخلت حبيبتي واتجهت الي حيث كنت أجلس في زاويتنا المعهودة في كافتيريا صغيرة في زقاق من أزقة دمشق القديمة. - ما الخطب؟ هل ماما بخير؟ - ماما بخير. اجلسي. فرحت والدتي كثيرا عندما أخبرتها عن حبيبتي مايا وعرفتها بها. اصبحتا صديقتان وحبيبتان، تتهاتفان كل يوم واحس احيانا بأنهن تتآمران علي لكي أغير من طريقة حياتي وأقلل من سهر الليالي وانشغالي الدائم بالغاليري وان اهتم اكثر بالدراسة واحيانا تسخران مني لعدم معرفتي بالألوان كالفوشي والموف والسكلما انهن حبيباتي وكل ما أملك في هذه الدنيا لذلك يجب احافظ عليهن ولكنني اصبت بلعنة الأدمغة المتحجرة. - ليس لدي الكثير من الوقت. والدي قرر السفر الى القنيطرة هذه الليلة، لديه موعد مع المحافظ غدا صباحا ويجب ان يكون هناك. - لا أعرف من أين أبدأ وماذا أقول. - ماذا بك، نورس. هل انت مريض وجهك شاحب. - لا حبيبتي انا لست مريض ولكن احببت أن اخبرك. - بماذا، تضايقت من ذهابي الى القنيطرة. لن اذهب. - وددت أن أخبرك بانني خائف على سورية. - سورية بخير، سورية الله حاميها. - ماذا قلتي؟ - سورية الله حاميها. لا تخف عليها. - سورية لم ولن يحميها الله. سورية أمانة في أعناقنا ونحن من يجب أن يحميها. قالتها مرتين وبدون تردد "سورية الله حاميها" إحدى الجملتين الاكثر استخداما لذوي الأدمغة المتحجرة. جملتا السر التي اعرف من خلالهما تحجر الادمغة هما "سورية الله حاميها" و "اعرف مع من تتكلم". الجملتان اللتان تحولاني من انسان طبيعي الى وحش كاسر. اخذت قدماي ترتعدان وبردت يداي وأخذ العرق يتصبب مني. انها بداية تحولي. لا، لا اريد ان اسلب حبيبتي دماغها. يجب ان أغادر. انتفضت واقفا وركضت لأغادر الكافتيريا. اصطدمت في طريقي بالنادل واطحت به ارضا. احسست بأن قلبي سقط من صدري واستقر تحت النادل، دفعته جانبا والتقطت قلبي ووضعته في جيبي وغادرت كالمجنون. دفعت رأسي تحت الصنبور في غرفة المسلخ في الغاليري. وسكبت عليه الماء البارد لكي استرد نفسي من الوحش الذي يسكن جسدي. وفجأة تذكرت قلبي. أدخلت يدي في جيبي وإذ بي احمل دماغ حبيبتي بيدي. يا الهي ماذا فعلت. لقد سلبت حبيبتي مايا دماغها. انه ذنب لا يغتفر. كيف اعيد لها دماغها. لم يحصل بأني اعدت دماغ احد. أعرف انها ستعيش كبقية البشر ولكنها ستبدأ من الصفر بدون ذاكرة. لماذا يا الله تركتني اسلب دماغها؟ انها حبيبتي وستكون اما لأولادي. لماذا؟ اجبني. لا تدعني اكفر بك. تعرف بأنني لا أستطيع السيطرة على نفسي وانت الوحيد القادر على ايقافي ولم تفعل. الم يخبروك بأنني احبها؟ الم تسمع عن ميلودي ونارت وينال. لماذا لم تجعل الرصاصة تخترق قلبي قبل أن اقترف هذا الجرم بحقها؟ الى متى تتركني اعبث بالأدمغة التي انت خلقتها؟ الى متى؟ الى ان اسلب والدتي دماغها!! لا هذا لن يحصل ولابد لهذا الجنون ان يتوقف. التقطت اكبر مطرقة عندي وانتفضت. حطمت الغاليري. حولت المنحوتات الى رماد، كسرت الرفوف خلعت الابواب ودمرت الجدران. لكن هذا لا يكفي. غدا سأطارد الأدمغة المتحجرة من جديد. لابد لهذا الجنون ان يتوقف. وضعت يدي على الطاولة الحديدية التي انحت عليها الأدمغة واغمضت عيناي وهويت على اصابعي بالمطرقة وهشمتهم. ثم وضعتهم على طرق الباب واغلقت الباب بقوة وبترت اصابعي. الأن انتهت مهمتي. كنت واهما عندما نصبت سلم طموحي على جدار احلامي المبني من ادمغة الأخرين. لبنة من لبنات ذلك الجدار هي لحبيبتي مايا. طموحي فاق المعقول وأصبحت خطرا على أحب الناس الى قلبي وكان لابد لي من اتوقف وليستلم الراية شخص اخر ليتابع تنظيف سوريا من الادمغة المتحجرة. سورية لديها ما يكفي من الشرفاء. سينتفضون يوما ما وسيحولون حياة الطاغية الى جحيم. أما انا يدي اليسرى وبعد ان بترت اصابعي لم تعد تنفع للنحت ولا حتى للرسم. ولكني لست من يستسلم بسهولة. من يولد متمرد سيموت متمرد. لدي الكثير من الوثائق والقصص المرعبة عن أفعالهم وخياناتهم لأخطها وأؤرق مضاجع الطاغية واتباعه. وهذا ما سأفعله بعد ان تلتئم اصابعي. جلست في صالة الانتظار في المشفى مع مجموعة من المراجعين ننتظر الطبيب الذي تأخر عن الدوام. أريد أن أضمد اصابعي ليوقف نزيف الدم. دخلت ممرضة غرفة الانتظار ثم نادت: نورس. لم يقم احد من الموجدين ويعلن عن نفسه انه نورس. نادت مرة ثانية: نورس محمد. ثم وجهت كلامها لي: انت ما اسمك؟ أنا، ما اسمي؟ من أنا؟ يا الهي لقد نسيت اسمي! أيعقل هذا! كيف لي ان انسى اسمي. أيعقل ان يسلم الله الراية الى شخص اخر وأكون أنا أول أهدافة. لا هذه خيانة، كنت جندا من جنوده والأن يعاملني كعميل للسي أي أيه CIA. عندما يستغنون عن خدمات العميل ينهون عليه. لابد لي من التأكد بأن دماغي لم يسلب. انتفضت متجاوزا الممرضة وسحبت في طريقي طبيبا كان مارا في الكريدور - من ذراعه - الى غرفة العمليات. نمت على السرير: هيا افتح راسي. نظر الي باستغراب: افتح رأسك!؟ - نعم افتح رأسي وتأكد انه دماغي موجود ولم يسرق. - هل انت مجنون. - لا انا لست مجنون هناك أناس يسلبون الادمغة. هيا ارجوك افتح رأسي اتوسل اليك. نظر الي باستغراب ثم غادر الغرفة. ركضت ورائه تمسكت بثيابه رجوته، توسلت اليه. دفعني جانبا وتابع. اخذت اركض كالمجنون من غرفة الى أخرى ابحث عن طبيب ليفتح راسي. ارجوكم افتحوا رأسي، اتوسل اليكم، أرجوكم. لم أجد اذن صاغية. لا أحد يريد ان يفتح لي رأسي ليتأكد إن الله لم يخنني. أمي، نعم، أمي هي الوحيدة التي ستساعدني وستفتح لي رأسي. حتى وان مت سأموت بين ذراعيها. اسرعت الى المنزل واتصلت بها ولكنها لم تجب. أين انت يا أمي، أين انت؟ اني احتاجك. يبدو وكأنني سأضطر الى فتح رأسي بيدي. ولكن ماذا لو دماغي لم يسلب؟ ولم استطع إعادة جمجمتي الى مكانها. الأفضل فتح ثقبا صغيرا في رأسي بمسمار صغير. هذا هو الحل. نعم هذا هو الحل، عملية صغيرة فقط للتأكد. فرشت الطاولة بغطاء من النايلون وحشرت مسمارا صغيرا بين بقايا اصابعي المبتورة، وضعت رأسي على الطاولة ووجهت نهاية المسمار الى رأسي. أخذت المطرقة باليد الأخرى وهممت بضرب المسمار. لكني لم أجرؤ. أخذ العرق يتصبب مني، أغمضت عياني وحاولت مرة ثانية. هيا يا جبان افتح رأسك. هيا، تفتح رؤوس الاخرين بدون تردد. هيا دع دمك يسيح وخط به على الجدار نورس مر من هنا. هيا يا نورس يا جبان. نورس!! نعم أنا نورس. نورس محمد. دماغي لم يسلب. ربما نسيت اسمي مؤقتا للضغوط النفسية التي اتعرض لها وربما اشارة من الله سبحانه وتعالى بأن مرحلة جديدة قد بدأت. شكرا لك يا رب لأنك لم تجعلني افتح رأسي. أعرف انك ما زلت تثق بي وأن مهمتي لم تنتهي بعد. ولكن كما ترى انا لم اعد اصلح لمحاربة العقول المتحجرة بالطريقة التي اعتدت عليها. اعطني مهلة قصيرة لكي اجد حلا اخر لمحاربة الطاغية. ولابد من حل يقضي على الادمغة المتحجرة دفعة واحدة والى الابد. دعني اعود الى وعيي وسأفكر لك بطريقة أخرى، تعرف اني لن اخذلك. وضعت رأسي تحت صنبور الماء كما افعل عادة لأهدئ من روعي واعود الى وعيي بعد كل عملية اقتلاع لدماغ متحجر. اغمضت عيناني ورأسي تحت الصنبور وبينما الماء البارد يسيل على رأسي سمعت هتافات تقترب رويدا رويدا. أغلقت الصنبور وأصغيت، وإذ بي أسمع صبية يهتفن "الموت ولا المذلة". نعم الموت ولا المذلة. هذا هو الحل. هرعت الى النافذة وإذ بي أتفاجئ بحبيبتي مايا تتوسط صبية وهن يهتفن الموت ولا المذلة. كم انت عظيمة حبيبتي، انت تتمردين في وضح النهار وانا اتمرد كالخفاش في الليل. انت تتمردين بسلمية وانا أتمرد بدموية. السلمية تجلب السلم والدموية تجلب المزيد من الدماء. كم انا فخور بك. الأن عرفت لماذا اخترعت قصة الذهاب الى الجولان. كانت تتوقع بأنها ستعتقل وستغيب في ظلمات السجون ولا تريدني أن اقلق عليها. وما الدماغ المتحجر الذي سلبته يوم لقائي الأخير بها الا للنادل الذي كنت اتحين الفرصة المناسبة لأقتلع دماغه. صحت بأعلى صوتي: مايا. الموت ولا المذلة. - نعم انها الموت ولا المذلة. وداعا للأدمغة المتحجرة. الأن تأكد لي ما كنت أشك به بأنها تعرف ما أقوم به رغم انني لم اخبرها، لربما والدتي أخبرتها. المهم الان أن أشاركها تمردها وبطريقتها السلمية. صاحت: ماما في طريقها اليك. رأت حلما أقلقها وأتت لتطمئن. ماما حبيبتي. ماما هنا. ما ان هممت بأغلاق النافذة حتى احسست بشيء صلب يخترق جبهتي ويخرج من مؤخرة رأسي. أحسست بها وهي تمزق دماغي. عندها تأكدت ان دماغي لم يسلب. سال الدماء على وجهي، ترنحت قليلا ومن ثم سقطت صريعا في حضن أمي. النهاية.]]> منذ نصبوك في ساحة قريتنا اصبحنا رفاق ورفيقات. لم يعد هناك سيد او سيدة او انسة. أصبحت انادي والدتي برفيقة امام حضور الاخرين. أما والدي لم يكن رفيقكم بل كان رفيقي وصديقي لقد اختفى بعد ان نصبوك في الساحة بأشهر قليلة. اختفى لأنه خالفكم الرأي. أتباعك اخذوه في ليلة معتمة ولم يعد الى الان. حدثني كثيرا عنك وعن اتباعك قبل ان يأخذوه. قال لي انكم أوغاد وادمغتكم متعفنة ومتحجرة وكان ينصحني دائما بأن لا أكون مثلكم، وقال لي اشياء كثيرة لن ابوح بها لك. أعرف قذارتكم ولا أريدكم ان تؤذوه لأنني عندي احساس انه على قيد الحياة في مكان ما في اقبيتكم العفنة، ينتظرني. عندي رغبة جامحة بأن ادمرك، ان احولك الى رماد واصنع تمثالا اخر بدلا عنك. تمثال لمدرس يحمل كتاب، عازف قيثارة أو طفلة ذاهبة الى المدرسة. إني اكرهك وأكره اتباعك. إني اكرهكم. بينما كنت اجلس في فيء تمثال الطاغية في وسط ساحة قريتنا النائية، أراقب العساكر وهم ينصبون المشانق والاناشيد الممجدة بالطاغوت تصدح من مكبرات الصوت اقترب مني وهمس بأذني "يزرق من يشاء بدون حساب" وابتعد الى شاحنته السوزوكي وهو يقفز فرحا مرددا مع مكبرات الصوت الأغنية التي تمجد بالطاغية. حمل صندوقا من الخضار وعاد وهمس بأذني مرة ثانية "الحكومة" وتابع الى حانته. انه الرفيق عبد الكريم. أهل القرية يسمونه عبدو الكر. عين من أعين النظام في قريتنا. كان فرحا على غير عادته، فرحه دليل كارثة ما ستحصل في القرية. فهو كالبوم فأل شؤم، يعرف مالا يعرفه الاخرون لتواصله الدائم مع القيادات في العاصمة. وضع الصندوق على منصة الخضار امام حانته وعاد وابتسامة عريضة على وجهه "أعرف شيئا لا تعرفه". - لديك اخبار جديدة بخصوص الاعدامات غداً - نعم، خبر مفرح لنا. - لنا؟ ماذا تقصد بلنا! - أنا وأنت. - ما علاقتي أنا بالموضوع؟ - تعرف ان العقيد وليد سيأتي غدا صباحا ليعدم الارهابيين. - نعم اعرف ذلك واهل القرية يعرفون ذلك. - ولكن مالا تعرفه هو انه العقيد سيذهب الى قرية أم الجبب ليعدم ارهابيين هنالك ومن ثم سيأتي الى قريتنا بعد الظهر. - وما المفرح في ذلك؟ - ما المفرح. تسألني ما المفرح. الم تسمع ما قلت سيأتي بعد الظهر. سيأتي بعد ست ساعات عن الوقت المفترض. ولا احد يعرف ذلك. وسأقطع لسانك إن اخبرت أحدا ما. غدا صباحا سيجتمعون وسينتظرون وينتظرون وسيجوعون ويعطشون وسأبيع الكثير من السندويشات والمشروبات وسأربح الكثير من المال. اليس ذلك بخبر مفرح. - مفرح لك. - ولك ايضا. سوف تساعدني بلف السندويشات وسأعطيك عشرون قرشا عن كل سندويشة. اليس ذلك مفرحا لك. قرصني من خدي مداعبا "اليس ذلك مفرحا، قل لي، الست سعيدا بالخبر؟". - ولكن غدا... قاطعني "أعرف أنك ستذهب الى وادي الارانب لكي لا تشاهد اعدام الارهابيين، لأنك ارهابي مثلهم وتتعاطف معهم مثل والدك. ولكنك ستساعدني اليوم، غدا ليس لدينا الوقت الكافي لذلك. ماذا قلت عشرون قرشا للسندويشة الواحدة. فكر في الموضوع الى ان افرغ الخضار من الشاحنة". وانطلق الى شاحنته حمل صندوق وعاد "ماذا قلت، عشرون قرشا. ليس بقليل لصبي بعمرك" ثم تابع الى حانته. نعم انه مبلغ ليس بقليل لصبي بعمري ولكنه مبلغ معجون بدماء الشهداء. لأ لن...، وقبل ان اتخذ قراري وقعت عيناي على صخرة صغيرة تسند عجلة من عجلات شاحنته السوزوكي. قفزت وركضت ورائه. - موافق، سأساعدك ولن أخذ منك أية مبلغ. - ستساعدني مجانا، هذا كرم منك. - لا ليس مجانا، اريد الصخرة التي تسند شاحنتك. - الصخرة، تريد صخرة. - نعم. - خذها فهي لك، غدا اجلب بدلا عنها، الصحراء ممتلئة بالصخور. كنت سعيدا بموافقته على اعطائي الصخرة. اليوم سأرتقي بهوايتي من نحت الصابون والبطاطا الى نحت صخر حقيقي. بالفعل انه خبر مفرح لي ايضا كما قال عبدو الكر. هرعت فورا الى الشاحنة لأضمن حقي. الرفيق عبدو معروف بإنكاره لحقوق الاخرين. سحبت الصخرة وركضت بها الى المنزل. وبينما انا اركض اندفعت الشاحنة باتجاه الحانوت واستضمت بمنصة الخضار وكسرتها. ركض ورائي الرفيق عبدو وهو يشتم ويرميني بحبات البرتقال. ركضت الى الجهة الخلفية من المنزل حيث انصب سلما اصعد عليه عادة الى السطح. وبينما انا في منتصف السلم، مسكني عبدو من قدمي. حاولت عبثا تحرير قدمي من يداه. فما كان مني الا ان رميت الصخرة عليه. سقطت الصخرة على رأسه. تفتت الصخرة وسقط عبدو على الارض، انفتح رأسه وتدحرج منه دماغه. قفزت ارضا ورفست دماغه غيظا واذ بدماغه يلتطم بحائط المنزل ويعود متدحرجا ليستقر بين قدمي. كان دماغه أصلب من الصخرة. التقطت دماغه وقطعة من بقايا الصخرة وصعدت الى سطح المنزل وجلست الى منتصف الليل وانا انحت مزهرية صغيرة من دماغه. مستخدما مسمارا صغيرا وقطعة الصخر. وفي الصباح الباكر صعدت السطح لأتفقد المزهرية التي سهرت على نحتها ولفيتها بقميصي الداخلي وخبيئتها خلف برميل الماء. التقطت القميص المصبوغ بدماء عبدو الكر وفردته على عجل شغوفا لرؤية منحوتتي الاولى من دماغ انسان. وكم كانت صدمتي كبيرة عندما شاهدت ما نحته. لم تكن مزهرية وانما رأس الطاغوت. نعم لقد سهرت الليل وانا أنحت رأس الطاغوت المنصوب تمثاله في وسط الساحة. رفعت ما نحته لا قارنه برأس التمثال المنتصب في وسط الساحة. وفجأة يهمس شخصا ما في اذني "انه رائع، من نحته؟ انت؟". - نعم انا. التفت الى الخلف وأذ بالرفيق عبدو يقف خلفي وقطعة من القماش يلف رأسه. حي، لم يمت رغم ان رأسه فارغ من الدماغ. ودماغه بيدي. - انك فنان موهوب، هل تبيعه. سأعطيك خمس ليرات. - خمسة ليرات؟ - خمسون. - خمسون؟؟ - مائة ليرة لن ادفع أكثر من ذلك. ماذا قلت. - انه لك، خذه. أعدت له دماغه مقابل مائة ليرة. فرح به كما يفرح الطفل بهدية العيد "أنه جميل جدا، انت فنان كما قلت. هل بإمكانك ان تنحت لي سيجار أو ولاعة سجائر لأهديه للعقيد، اليوم؟". - يمكنني ذلك ولكنني احتاج الى مطرقة وصخرة. - اذهب الى الحانوت وخذ ما تشاء ولا تنسى ان تأخذ اتعابك ايضا. ستجد المال في العلبة الصفراء على الرف الاول بجانب جهاز الهاتف. هيا اذهب لا تضيع الوقت. هرعت على الفور الى حانوت الرفيق عبدو. أخترت مطرقة مناسبة للنحت ووجدت العلبة الصفراء التي سأخذ منها اتعابي وبينما افتح غطاء العلبة دخلت زوجة الرفيق عبدو وتفاجأت بوجودي في الحانوت. صرخت بأعلى صوتها "أيها المجرم ماذا تفعل في الحانوت. الا يكفيك فتح راس زوجي في الامس وتكسير منصة الخضراوات والان تسرقنا.!" وخرجت الى الساحة وهي تصرخ "يا عسكر، يا عسكر، انصبوا مشنقة رابعة لهذا المجرم، السارق" ثم عادت والشرر يتطاير من عيناها "لن انتظر العسكر، سوف اقتلك بنفسي. اين البندقية؟" خرجت وصاحت "أين وضعت البندقية يا عبدو الكر" . فما كان مني ألا ان خرجت ورائها حاملا المطرقة. وهويت بها على رأسها من الخلف. التقطت دماغها وغادرت بكل برود لانحت لزوجها سيجار من دماغ زوجته. لكنني نحت طفلا صغيرا بدلا عن سيجار. ولاحقا عرفت ومن خلال التجربة اني انحت ما يتوق اليه صاحب الدماغ والقليل من الادمغة لأصحاب العقول التائهة استطيع التحكم بنحتها. ومنذ ذلك اليوم والى ان انهيت الدراسة الثانوية اصبحت هوايتي اقتلاع الأدمغة المتحجرة ونحتها واعادة بيعها لأصحابها. أفرغت القرية من الأدمغة المتحجرة وجعلتها قرية آمنة لوالدتي، ويممت شطري باتجاه العاصمة دمشق حيث سأكمل دراستي في معهد الفنون الجميلة. طلبت من والدتي ان تنتقل معي الى دمشق لكنها رفضت. تريد ان تنتظر خروج والدي من المعتقل ولا تريده ان يجد المنزل فارغا عند اطلاق سراحه. بعد ثمانية ساعات من السفر، قضيت معظم الوقت متصنعا النوم لكي لا اناقش احد ولا أضطر الى اقتلاع دماغ أحد وصلت ليلا الى البيت الصغير الذي استأجرته بمعية عبدو الكر، في الطابق العلوي من بناء بجانب سوق شعبي في وسط العاصمة دمشق. استوديو صغير مؤلف من غرفة واحدة مقسم الى غرفة نوم ومطبخ يفصل بينما جدار بعلو المتر تقريبا. والطرف الاخر من المطبخ نافذة كبيرة تطل على المسجد الاموي. والاستديو مرفق بحمام وتواليت عربي. وأفضل ما في البيت هو مساحة السطح الكبيرة والكافية لبناء بيت لطيور الحمام الزاجل. لم أكن أعرف قيمة الطيور لولا والدتي التي طلبت من عبدو الكر الذي اصبح دمثا وطيب القلب بعد اقتلاع دماعة، ان يبني لنا بيتا للطيور على سطح بيتنا في القرية. دخلت يومها في نقاش طويل عن اضرار الطيور واوساخه ومن سيعتني بهم. ولكنها اصرت واكدت لي بأنني سأشكرها يوما ما عندما أعرف قيمة الطيور. وبالفعل شكرتها وقبلت يدها عندما شاهدتها في صباح يوم باكر وهي تفرم بقايا الادمغة المتحجرة وتطعهم للطيور. استخدمت والدتي الطيور لتخفي آثار اعمالي وتحميني من الادمغة المتحجرة التي تحوم في القرية ليل نهار. بالإضافة الى ان وسخ الطيور وهديلهم المستمر يبعد الضيوف والفضوليين وهذا ما احتاج له في هذا الوقت. لم افصح لوالدتي في يوم من الايام بما اقوم به. لا اريد لها ان تقلق بشأني. ولم تسألني هي من أين آتي بالنقود وماذا أفعل طوال الليالي ساهرا على سطح المنزل. سألتها في يوم من الايام ممازحا لم تسأليني من اين لك النقود، ربما اكون سرقتها هل تريدين ان تكوني ام للص. ضمتني الى صدرها وقالت انت ابن ابيك واعرفك جيدا كما اعرف ابيك. نعم كانت تعرفني جيدا وكانت تساعدني بتنظيف القرية من الادمغة المتحجرة. كانت تطلب مني بين الحين والاخر ان ارافقها بزيارة الى بيت من بيوت القرية. وفجأة تبدأ نقاش حاد ومستفز عن الطاغية وتستمر الى ان تتأكد من أن المضيف او احد افراد العائلة من اصحاب الادمغة المتحجرة ومن ثم تستأذن وتغادر وتتركني اكمل المهمة. سأفتقدك امي في هذه الغابة من الادمغة المتحجرة والمتوحشة. ما ان وضعت الحقيبة الوحيدة التي حملتها معي من القرية على السرير لكي افرغ محتواها حتى لمحت مظروفا انيقا على طاولة الطعام في المطبخ. فتحت المظروف وإذ به دعوة من العميد وليد (ترقى الى رتبة عميد) يدعوني لحضور حفلة زواج ابنته. لقد تقربت من العميد عندما كان يأتي بشكل دوري الى القرية لكي يعدم المناوئين للنظام. تقربت منه ليس حبا به وانما لاقتلاع ادمغة المرافقين له. ولم أجرؤ على اقتلاع دماغه رغم الفرص الكثيرة التي منيت بها وكنا لوحدنا عدة مرات، خوفا على اهالي القرية من تعيين ضابط آخر أكثر قساوة. العميد وليد جشع ويمكن شراؤه بالمال، وانقاذ المتهمين ظلما من حبال المشانق. هذه فرصة لا تعوض لكي ادخل غابة الادمغة المتحجرة عن طريقة بوابة العميد وليد. غيرت ملابسي على الفور حملت بطاقة الدعوة واشتريت باقة ورود وانطلقت الى منزله. كان على باب فيلته يستقبل الضيوف. عندما رآني اسرع الي وحضنني "أهلا وسهلا بالفنان نورس، أعرف انك ستأتي انت فنان ملتزم واكن لك كل تقدير". - ألف مبروك لزواج ابنتك وأسف لم احضار هدية معي. وصلت للتو من القرية. - حضورك هو شرف كبير لي وهذا يكفي. - سأحضر هدية مناسبة لابنتك وزوجها غدا. - اريدك ان تحضر هدية شخصية منك لزوج ابنتي. ليست شراء وانما تنحتها انت بنفسك، فهو يقدر الفنانين وسوف يسهل لك امورك كثيرا. اذهب وتعرف عليه لقد كلمته عنك. انهم في الطابق العلوي اذهب. تركت العميد يستقبل ضيوفه وصعدت الطابق العلوي. رجال ونساء وشباب وشابات يرقصون على اغنية لعلي الديك. بينما العروسان يجلسان في صدر الصالة العريس كان يتمايل طربا والعروسة جالسة والحزن باد على وجهها وكأنها غصبت على الزواج. دنوت منهما ثم انحنيت امام العروسة وقدمت باقة الورد لها "ألف مبروك". قرأت على البطاقة المرفقة مع الباقة "نورس" ثم نظرت الي "انت الفنان نورس؟ سمعت الكثير عنك من والدي. شكرا لمجيئك" . مدت يدها لتصافحني. بينما عريسها ينظر الينا باستغراب. قبلت يدها محاولا ان اكون جنتلمان. انتفض عريسها الضابط غاضبا. ومسك بعنقي وسحبني الى غرفة جانبية. رفعني من عنقي وحصرني في زاوية من زوايا الغرفة والشرر يتطاير من عينيه. - أتعتقد لكونك فنان يحق لك ما لا يحق لغيرك. سأكسر لك زراعك ان اقتربت من زوجتي. يبدو انك لا تعرفني اسأل العميد وليد عني وسأ وسأ... لم اعد اسمع صراخه. حصل شيء لم يحصل معي سابقا. رأسه اصبح هلاميا ودماغه يتراقص امامي. ما كان علي الا ان امد يدي والتقطه. سقط على الارض مغشيا. وضعت دماغه في كيس بلاستيكي صغير أأخذه معي احتياطا اينما ذهبت ووضعته في جيبي ثم قفزت من النافذة لأغادر. بينما كنت في طريقي للباب الخارجي نادى علي العميد وليد "الى أين يا فنان؟" التفت اليه "ذاهب لانحت تحفيه لزوج ابنتك". كان يحمل كأسا من الويسكي بيد وزجاجة شبه ممتلئة باليد الاخرى. - أنت مثلي عملي لا تضيع الوقت، ما رأيك بكأس من النبيذ لتنعش افكارك وتنحت اروع ما عندك. اشار الى فتاة تحمل كووسا من النبيذ. عندما اقتربت التقط العميد كأس وقدمه لي. - خذ وانتعش، الفنان كالعاهرة لا يبدع الا اذا انتعش. استغربت من كلامه لم نكن اصدقاء ليقول لي ما قاله. يبدو ان اصحاب العقول المتحجرة ينظرون الى الفنان كالعاهرة. - هذا رأيك أنت ولكن في واقع الأمر الفنان كالقديس لذلك تتباركون بوجوده وتتوددون اليه. شكرا أنا لا اشرب النبيذ. سحبت زجاجة الويسكي من يده وغادرت. فتحت كيس البلاستيك وملأته بالويسكي وتركت دماغ الضابط لمدة ساعتين ليصبح طريا صالحا للنحت. وكما توقعت نحت من دماغه بوط عسكري. وضعت المنحوتة على طرف النافذة لكي تجف وذهبت الى النوم. استيقظت مبكرا مذعورا على صوت رنين الهاتف الذي لا املكه. هرعت الى المطبخ حيث كان هاتف محمول على الطاولة وبجانبه حزمة من المال. التقطت الهاتف واذ بالعميد على الطرف الاخر. - رائع ايها الفنان كيف عرفت ان زوج ابنتي يعشق البوط العسكري. لا تفطر وحيدا تعال ننتظرك على الفطور. لم اقل كلمة واحدة ولم ارد عليه. اخذت حزمة النقود والهاتف وذهبت الى بيت العميد فورا. العسكري الحارس لباب الفيلا فتح لي البابا "انهم في الطابق العلوي، ينتظرونك". صعدت الى الطابق العلوي. لم يكن الا العميد وزوجته على طاولة الافطار. ما أن دخلت رميت بحزمة النقود على الطاولة. - أنا لا اشرى ولا أباع يا سيادة العميد. - هذه اتعابك وهي من زوج ابنتي وليس مني. مسكته من اعلى قميصه وسحبته ثم رميته عاليا ليلتطم بالجدار ويسقط على الأرض "من سمح لك بدخول بيتي بدون اذني؟". ورميته بالهاتف ليفتح جرحا على جبهته وينزف الدم. - اعتقدت بأننا اصدقاء. - أصدقاء، كيف اصادقك وانت مجرم تقتل وتسجن، يداك ملطختان بدماء الابرياء. خرجت زوجته واغلقت الباب وتركتنا وحدنا. بينما هي تخرج صاح عليها العميد "اطلبي من الملازم عيد ان يأتي فورا". مسكته من قميصه مرة اخرى ورميته بالاتجاه الاخر ليلتطم بصورة رئيسه المعتوه ويسقطا معا. - من سمح لك بدخول بيتي بدون اذني؟. - ندخل بيوت السوريين بدون اذن من احد وانت واحد منهم. حملته من قميصه و بنطاله ورفعته عاليا وهويت به على طاولة الطعام. تكسرت الطاولة واخذ العميد يتوجع "يا ملازم عيد يا زفت اين انت، أتني بالمسدس". صحت به بأعلى صوتي "إلا بيتي، بيتي لا يدخله احد بدون اذن مني، هل تسمع ما أقوله لك. بيتي لا يدخله احد بدون اذني". - هل تعلم ما سأعمله بك لتطاولك علي؟ - نعم أعلم ما ستفعله بي ولكن انت لا تعلم ما سأفعله بك. امسكت به من قميصه وبنطاله مرة اخرى ورميته من النافذة. قفزت ورائه، وضعت ركبتي على عنقه واقتلعت دماغه. وما ان هممت بالمغادرة احسست بأن احد ما يراقبني، نظرت الى الخلف وإذ بزوجة العميد تقف على النافذة. ابتسمت ثم قالت بصوت خافت "شكرا لأنك انقذت ابنتي". ما كان مني الان تسلقت الجدار وعدت الى البيت محملا بثلاثة أدمغة. أعرف انه حقارة مني أن اسطو على دماغ امرأة احست بالأمان بوجودي ولكني لا اترك شهود عيان ورائي كائن من كان. لا اعرف من اين اتتني القوة لرفع شخصا بحجم العميد والجرأة بتحديه كنت ارتعد كالوحش الكاسر، لم اعطه المجال ليدافع عن نفسه او يقف على قدمية. كانت مغامرة خطيرة ولكن ما كان سيحصل اخطر لو تركته يتدخل بشؤوني الخاصة ويعتبرني صديق له. ومنذ اليوم الأول لوصولي الى دمشق اصبحت كابوسا أسودا على الادمغة المتحجرة. كالخفاش انشط ليلا. اراقبهم واتابعهم واجهز عليهم واحدا تلو الاخر. الوضع هنا مختلف، هنا الادمغة المتحجرة تجتمع على بعضها دائما ويدافعون عن بعضهم البعض بشراسة. بينما في القرية سهل اصطيادهم فرادا. لذلك اصبحت اكثر قسوة وعنف وشراسة عما كنت عليه في القرية. واصبحت لدي قدرة عجيبة على صم أذاني، اراهم يبكون ويتوسلون ويتبولون في ملابسهم. وبكل برود افتح رؤوسهم واسيح دماءهم، اقتلع ادمغتهم. واصبغ جدرانهم بعبارة "نورس مر من هنا" وأغادر. العبارة التي أصبحت تؤرق اتباع النظام وترعبهم. رغم قساوتي وبشاعتي بالتعامل مع ذوي الادمغة المتحجرة لم يحصل بأني اقتلعت دماغا امام طفل او عجوز ولم يحصل بأني خذلت زبون. عندما يزورني زبون في الغاليري الذي استأجرته في شارع بغداد لأبيع فيه منحوتاتي ولم يجد ما يعجبه. ادخله الى غرفة المسلخ واسلب منه دماغه وانحته وابيعه له ويغادر فرحا كطفل حصل على هدية العيد. مهنتي في ازدهار ودراستي على ما يرام وازور والدتي كل شهر مرة لأطمئن عليها. يعتبرونني الناس فنان ويعاملونني على اساس ذلك وانا اعتبر نفسي متعهد بناء. اخذ المواد الاولية من الزبون واعيد بناءه من جديد واعيده اليه وآخذ اتعابي. اتمنى ان كون فنان مثل ابنة خالتي بسام. لأغني ساحات دمشق بمنحوتات كمنحوتاته. ولكني انا لست كذلك وكل ما اقوم به ربما يكون بسبب كرهي للأدمغة المتحجرة والمتعفنة التي عاثت في سوريا بغاء وفسادا ولربما يكون انتقاما لوالدي الذي حرموني منه وحرموا والدتي منه. بينما كنت انتظر، لكي استفرد بدماغ بائع مازوت جشع يحاول بيع مازوت مخلوط بالماء لعجوز بضعف سعره الطبيعي، تساقطت على رأسي قطرات من الماء. نظرت الى الاعلى ورأيتها تقف على بلكونة بيتها تسقي الزهور. سحرتني بجمالها، بشعرها الكستنائي ووجهها الملائكي، وقفت متسمرا في مكاني بينما هي تبتسم وتزيد من سكب الماء علي. كنت اعتقد باني أنا الوحيد القادر على استلاب عقول الناس وإذ بها تسلبني كلي ووقفت كالأبله انظر اليها مفتون بها بينما هي تغرقني بالماء من رأسي حتى قدمي. رمت باتجاهي زهرة ياسمين واختفت. بقيت لفترة وجيزة حتى استردت وعيي التي سلبتني اياها، التقطت زهرة الياسمين وعدت الى البيت بينما بائع المازوت والعجوز يسخران مني. غيرت ملابسي ونشفت نفسي وعدت لأتعقب بائع المازوت وإذ بها تحمل كتبها ذاهبة الى المدرسة. اقتربت منها. - ها أنا هنا، اعتذري. - اعتذر عن ماذا؟ - لقد أغرقتني بالماء قبل قليل. - هذا انت؟ - نعم هذا انا، اعتذري. - لن اعتذر، انت يجب عليك ان تشكرني. - اشكرك ولماذا؟ - لأني قمت بتحميميك، هيا اشكرني. - من قال لك اني احتاج الى الاستحمام في وسط الطريق. - لو لم تكن تريد الاستحمام لكنت ابتعدت وما تركتني اسكب الماء عليك. - كنت مصدوما بجمالك ولم استطع التحرك. احست بالإطراء. وحاولت ان تقول شيئا ما ولكني لم اعطها المجال. شاهدت دماغا يتراقص على كتفي سيدة دخلت للتو الى المدرسة. زرعت بطاقة التعريف بين صفحات احد كتبها وأسرعت باتجاه فريستي. دخلت المدرسة، وجدتها تصرخ في احدى الطالبات وتوبخها. سحبتها الى غرفة الادارة واقتلعت دماغها واسرعت الى الغاليري. دخلت مشغلي ونحت دماغها. توقعت ان انحت من دماغها مسدس أو حذاء ولكني لم أتفاجئ عندما نحت شيئا اخجل ان اذكره هنا لكثرة ما سمعت عنها وعن سهرات الليالي الحمراء التي تقوم بها. بينما كنت في الغاليري اعيد ترتيب التحفيات في الفترينة. دخلت محممتي وشعرها المسبول على كتفيها وبقامتها الممشوقة وعينيها العسليتان. تمعنت بي للحظات ثم تجاوزتني واخذت تتفحص التحفيات. ذهبت اليها: واخيرا أحسست بالذنب واتيتي لكي تعتذري. - لا، لم اتي لاعتذر، اتيت لأعرف عنك المزيد. - وما هو القليل الذي تعرفينه عني. - لماذا تعيد ترتيب التحفيات. - اكتشفت عندما اغير اماكن التحفيات ابيع اكثر. - المارة في الشارع يكتشفون تحفة جديدة لم يلاحظوها من قبل. فكرة ذكية. - هذا صحيح. - من اين تستورد هذه التحفيات. - لا أستوردهم. أنا انحتهم بنفسي. - اذا انت فنان؟ ومن ماذا تنحتهم؟ - من الأدمغة المتحجرة. - من الأدمغة المتحجرة! نظرت الي باستغراب ثم انفجرت ضاحكة: وماذا يمكنك ان تنحت من دماغي. - زهرة ياسمين. - توقعت ان تقول ذلك. - لم تجيبيني، ما هو القليل الذي تعرفينه عني؟ - أعرف بأن اسمك نورس ولديك غاليري في شارع بغداد وتحب الاستحمام في الطرقات. وتنحت تحفيات من العقول المتحجرة وإنك دائما على عجل. - دائما على عجل، ماذا تقصدين؟ - تمشي بسرعة وكأنك تطارد شخصا ما. - انت تراقبينني. - كل يوم. - اذا سكبتي علي الماء عن عمد وسابق اصرار وتصميم. - نعم لكي اخفف من عجالتك وانبهك للأشياء الجميلة التي لا تراها وانت تمر بها. - انت كمثال من الاشياء الجميلة التي لا أراها. - مثلا. - جميلة ومغرورة ولا تريدين الاعتذار! - ربما أعتذر. عندما تخبرني ماذا فعلت بمديرة المدرسة. بعد ان كانت ديكتاتوره ترهب الطالبات والمدرسات اصبحت كالحمل الوديع. ماذا فعلت بها. - فعلت ما يجب فعله. - من انت؟ انت مختلف عن الأخرين، كلامك مختلف لباسك مختلف مشيتك مختلفة. بالله عليك من أنت؟ - تستطيعي ان تقولي بأني متمرد. - متمرد؟! - نعم متمرد. - هل تعلم بأن المتمردون يصلون القمر قبل الأخرين. - من قال ذلك؟ - أنا اقوك ذلك. - ومن أنت؟ - أنا، اهلي يسمونني مايا. - وماذا تسمين انت نفسك؟ - اسمي نفسي بصائدة المتمردين. - صائدة المتمردين! وهل بإمكانك ان تقعي في حب متمرد؟ - لربما. الصياد يقع في حب فريسته، الا تعتقد ذلك؟ اعتقد ذلك؟ انا متأكد من ذلك. لقد رمت شباكها حولي واوقعتني بحبها. ومنذ ذلك اليوم اصبحت الحياة لها طعم أخر. أعطتني مايا الحب والحنان والطمأنينة التي احتاج اليها في غربتي. واصبحت تناديني بنوروستي وانا اناديها بعروستي. شبكنا يدينا ببعض وبدأنا نخطط لأسرتنا الصغيرة التي عزمنا على تكوينها بعد نهاية دراستنا. وخططنا لمستقبل ابتنا مليودي التي سنعلمها الموسيقى وابننا نارت الذي كان اقتراحها بأن يكون لميلودي اخ يحميها ويكون لها أخا وصديقا. ومؤخرا اضافت الى العائلة ابن ثاني لم تجد له اسما مناسبا لذلك قررت ان تسميهم نارت 1 ونارت 2. فاجأتني حبيبتي مايا عن عزمها بالذهاب الى القنيطرة مع اهلها لقضاء فترة هنالك. وسأبقى أنا في دمشق أطارد الأدمغة المتحجرة. المهنة الوحيدة التي أعرفها والتي أدمنت عليها. السفرة لم تكن مخططة لها وخاصة نحن في الشهر الثالث ولا توجد اعطال دراسية. ولكنها فرصة مناسبة لأخبرها عن ما لا تعرفه عني. أنا لست كبقية البشر، أنا نصفي قلب ونصفي الأخر حجر. في النهار فنان ملهف، عاشق متيم وفي الليل كابوس أسود على رؤوس أتباع النظام. في النهار أنا الجانب المضيء من الملائكة وفي الليل الجانب المظلم من الشيطان. لا أنا لست كباقي البشر ويجب ان تعرف ذلك. لتفكر خلال اجازتها وسأرضى بما تختاره وسأكون سعيدا لها حتى وإن قررت أن تعيش حياتها مع انساني أخر طبيعي. فأنا لست بطبيعي وحياتي دائما في خطر، وسأعرض حياتها وحياة أطفالنا الى الخطر. لقد تعرضت لإطلاق النار ثلاثة مرات واخترقت صدري رصاصة في إحدى المرات ولحسن حظي لم تخترق قلبي. بقيت طريح الفراش اسابيع طويلة. استحلفتني والدتي أن اتوقف عن مطاردة الأدمغة المتحجرة وبالفعل حاولت ولكنني لم استطع، أحسست بأني أخونها وأخون والدي وأخون سورية وأخون الله الذي اصطفاني من دون السوريين جميعا للقيام بمهمة لا يستطيع أحد القيام بها. يجب علي جعل سورية بلدا أمنا لحبيبتي ولأطفالي لميلودي ونارت وينال. ينال الاسم الذي اختارته لابننا الثالث بدلا عن نارت 2. وآمنا لأطفال سورية. أحس بأن نهايتي قد اقتربت وستكون بشعه وسأموت موتا شنيعا. وأتمنى أن لا ترى حبيبتي ذلك وأن لا تعيش تلك اللحظات. دخلت حبيبتي واتجهت الي حيث كنت أجلس في زاويتنا المعهودة في كافتيريا صغيرة في زقاق من أزقة دمشق القديمة. - ما الخطب؟ هل ماما بخير؟ - ماما بخير. اجلسي. فرحت والدتي كثيرا عندما أخبرتها عن حبيبتي مايا وعرفتها بها. اصبحتا صديقتان وحبيبتان، تتهاتفان كل يوم واحس احيانا بأنهن تتآمران علي لكي أغير من طريقة حياتي وأقلل من سهر الليالي وانشغالي الدائم بالغاليري وان اهتم اكثر بالدراسة واحيانا تسخران مني لعدم معرفتي بالألوان كالفوشي والموف والسكلما انهن حبيباتي وكل ما أملك في هذه الدنيا لذلك يجب احافظ عليهن ولكنني اصبت بلعنة الأدمغة المتحجرة. - ليس لدي الكثير من الوقت. والدي قرر السفر الى القنيطرة هذه الليلة، لديه موعد مع المحافظ غدا صباحا ويجب ان يكون هناك. - لا أعرف من أين أبدأ وماذا أقول. - ماذا بك، نورس. هل انت مريض وجهك شاحب. - لا حبيبتي انا لست مريض ولكن احببت أن اخبرك. - بماذا، تضايقت من ذهابي الى القنيطرة. لن اذهب. - وددت أن أخبرك بانني خائف على سورية. - سورية بخير، سورية الله حاميها. - ماذا قلتي؟ - سورية الله حاميها. لا تخف عليها. - سورية لم ولن يحميها الله. سورية أمانة في أعناقنا ونحن من يجب أن يحميها. قالتها مرتين وبدون تردد "سورية الله حاميها" إحدى الجملتين الاكثر استخداما لذوي الأدمغة المتحجرة. جملتا السر التي اعرف من خلالهما تحجر الادمغة هما "سورية الله حاميها" و "اعرف مع من تتكلم". الجملتان اللتان تحولاني من انسان طبيعي الى وحش كاسر. اخذت قدماي ترتعدان وبردت يداي وأخذ العرق يتصبب مني. انها بداية تحولي. لا، لا اريد ان اسلب حبيبتي دماغها. يجب ان أغادر. انتفضت واقفا وركضت لأغادر الكافتيريا. اصطدمت في طريقي بالنادل واطحت به ارضا. احسست بأن قلبي سقط من صدري واستقر تحت النادل، دفعته جانبا والتقطت قلبي ووضعته في جيبي وغادرت كالمجنون. دفعت رأسي تحت الصنبور في غرفة المسلخ في الغاليري. وسكبت عليه الماء البارد لكي استرد نفسي من الوحش الذي يسكن جسدي. وفجأة تذكرت قلبي. أدخلت يدي في جيبي وإذ بي احمل دماغ حبيبتي بيدي. يا الهي ماذا فعلت. لقد سلبت حبيبتي مايا دماغها. انه ذنب لا يغتفر. كيف اعيد لها دماغها. لم يحصل بأني اعدت دماغ احد. أعرف انها ستعيش كبقية البشر ولكنها ستبدأ من الصفر بدون ذاكرة. لماذا يا الله تركتني اسلب دماغها؟ انها حبيبتي وستكون اما لأولادي. لماذا؟ اجبني. لا تدعني اكفر بك. تعرف بأنني لا أستطيع السيطرة على نفسي وانت الوحيد القادر على ايقافي ولم تفعل. الم يخبروك بأنني احبها؟ الم تسمع عن ميلودي ونارت وينال. لماذا لم تجعل الرصاصة تخترق قلبي قبل أن اقترف هذا الجرم بحقها؟ الى متى تتركني اعبث بالأدمغة التي انت خلقتها؟ الى متى؟ الى ان اسلب والدتي دماغها!! لا هذا لن يحصل ولابد لهذا الجنون ان يتوقف. التقطت اكبر مطرقة عندي وانتفضت. حطمت الغاليري. حولت المنحوتات الى رماد، كسرت الرفوف خلعت الابواب ودمرت الجدران. لكن هذا لا يكفي. غدا سأطارد الأدمغة المتحجرة من جديد. لابد لهذا الجنون ان يتوقف. وضعت يدي على الطاولة الحديدية التي انحت عليها الأدمغة واغمضت عيناي وهويت على اصابعي بالمطرقة وهشمتهم. ثم وضعتهم على طرق الباب واغلقت الباب بقوة وبترت اصابعي. الأن انتهت مهمتي. كنت واهما عندما نصبت سلم طموحي على جدار احلامي المبني من ادمغة الأخرين. لبنة من لبنات ذلك الجدار هي لحبيبتي مايا. طموحي فاق المعقول وأصبحت خطرا على أحب الناس الى قلبي وكان لابد لي من اتوقف وليستلم الراية شخص اخر ليتابع تنظيف سوريا من الادمغة المتحجرة. سورية لديها ما يكفي من الشرفاء. سينتفضون يوما ما وسيحولون حياة الطاغية الى جحيم. أما انا يدي اليسرى وبعد ان بترت اصابعي لم تعد تنفع للنحت ولا حتى للرسم. ولكني لست من يستسلم بسهولة. من يولد متمرد سيموت متمرد. لدي الكثير من الوثائق والقصص المرعبة عن أفعالهم وخياناتهم لأخطها وأؤرق مضاجع الطاغية واتباعه. وهذا ما سأفعله بعد ان تلتئم اصابعي. جلست في صالة الانتظار في المشفى مع مجموعة من المراجعين ننتظر الطبيب الذي تأخر عن الدوام. أريد أن أضمد اصابعي ليوقف نزيف الدم. دخلت ممرضة غرفة الانتظار ثم نادت: نورس. لم يقم احد من الموجدين ويعلن عن نفسه انه نورس. نادت مرة ثانية: نورس محمد. ثم وجهت كلامها لي: انت ما اسمك؟ أنا، ما اسمي؟ من أنا؟ يا الهي لقد نسيت اسمي! أيعقل هذا! كيف لي ان انسى اسمي. أيعقل ان يسلم الله الراية الى شخص اخر وأكون أنا أول أهدافة. لا هذه خيانة، كنت جندا من جنوده والأن يعاملني كعميل للسي أي أيه CIA. عندما يستغنون عن خدمات العميل ينهون عليه. لابد لي من التأكد بأن دماغي لم يسلب. انتفضت متجاوزا الممرضة وسحبت في طريقي طبيبا كان مارا في الكريدور - من ذراعه - الى غرفة العمليات. نمت على السرير: هيا افتح راسي. نظر الي باستغراب: افتح رأسك!؟ - نعم افتح رأسي وتأكد انه دماغي موجود ولم يسرق. - هل انت مجنون. - لا انا لست مجنون هناك أناس يسلبون الادمغة. هيا ارجوك افتح رأسي اتوسل اليك. نظر الي باستغراب ثم غادر الغرفة. ركضت ورائه تمسكت بثيابه رجوته، توسلت اليه. دفعني جانبا وتابع. اخذت اركض كالمجنون من غرفة الى أخرى ابحث عن طبيب ليفتح راسي. ارجوكم افتحوا رأسي، اتوسل اليكم، أرجوكم. لم أجد اذن صاغية. لا أحد يريد ان يفتح لي رأسي ليتأكد إن الله لم يخنني. أمي، نعم، أمي هي الوحيدة التي ستساعدني وستفتح لي رأسي. حتى وان مت سأموت بين ذراعيها. اسرعت الى المنزل واتصلت بها ولكنها لم تجب. أين انت يا أمي، أين انت؟ اني احتاجك. يبدو وكأنني سأضطر الى فتح رأسي بيدي. ولكن ماذا لو دماغي لم يسلب؟ ولم استطع إعادة جمجمتي الى مكانها. الأفضل فتح ثقبا صغيرا في رأسي بمسمار صغير. هذا هو الحل. نعم هذا هو الحل، عملية صغيرة فقط للتأكد. فرشت الطاولة بغطاء من النايلون وحشرت مسمارا صغيرا بين بقايا اصابعي المبتورة، وضعت رأسي على الطاولة ووجهت نهاية المسمار الى رأسي. أخذت المطرقة باليد الأخرى وهممت بضرب المسمار. لكني لم أجرؤ. أخذ العرق يتصبب مني، أغمضت عياني وحاولت مرة ثانية. هيا يا جبان افتح رأسك. هيا، تفتح رؤوس الاخرين بدون تردد. هيا دع دمك يسيح وخط به على الجدار نورس مر من هنا. هيا يا نورس يا جبان. نورس!! نعم أنا نورس. نورس محمد. دماغي لم يسلب. ربما نسيت اسمي مؤقتا للضغوط النفسية التي اتعرض لها وربما اشارة من الله سبحانه وتعالى بأن مرحلة جديدة قد بدأت. شكرا لك يا رب لأنك لم تجعلني افتح رأسي. أعرف انك ما زلت تثق بي وأن مهمتي لم تنتهي بعد. ولكن كما ترى انا لم اعد اصلح لمحاربة العقول المتحجرة بالطريقة التي اعتدت عليها. اعطني مهلة قصيرة لكي اجد حلا اخر لمحاربة الطاغية. ولابد من حل يقضي على الادمغة المتحجرة دفعة واحدة والى الابد. دعني اعود الى وعيي وسأفكر لك بطريقة أخرى، تعرف اني لن اخذلك. وضعت رأسي تحت صنبور الماء كما افعل عادة لأهدئ من روعي واعود الى وعيي بعد كل عملية اقتلاع لدماغ متحجر. اغمضت عيناني ورأسي تحت الصنبور وبينما الماء البارد يسيل على رأسي سمعت هتافات تقترب رويدا رويدا. أغلقت الصنبور وأصغيت، وإذ بي أسمع صبية يهتفن "الموت ولا المذلة". نعم الموت ولا المذلة. هذا هو الحل. هرعت الى النافذة وإذ بي أتفاجئ بحبيبتي مايا تتوسط صبية وهن يهتفن الموت ولا المذلة. كم انت عظيمة حبيبتي، انت تتمردين في وضح النهار وانا اتمرد كالخفاش في الليل. انت تتمردين بسلمية وانا أتمرد بدموية. السلمية تجلب السلم والدموية تجلب المزيد من الدماء. كم انا فخور بك. الأن عرفت لماذا اخترعت قصة الذهاب الى الجولان. كانت تتوقع بأنها ستعتقل وستغيب في ظلمات السجون ولا تريدني أن اقلق عليها. وما الدماغ المتحجر الذي سلبته يوم لقائي الأخير بها الا للنادل الذي كنت اتحين الفرصة المناسبة لأقتلع دماغه. صحت بأعلى صوتي: مايا. الموت ولا المذلة. - نعم انها الموت ولا المذلة. وداعا للأدمغة المتحجرة. الأن تأكد لي ما كنت أشك به بأنها تعرف ما أقوم به رغم انني لم اخبرها، لربما والدتي أخبرتها. المهم الان أن أشاركها تمردها وبطريقتها السلمية. صاحت: ماما في طريقها اليك. رأت حلما أقلقها وأتت لتطمئن. ماما حبيبتي. ماما هنا. ما ان هممت بأغلاق النافذة حتى احسست بشيء صلب يخترق جبهتي ويخرج من مؤخرة رأسي. أحسست بها وهي تمزق دماغي. عندها تأكدت ان دماغي لم يسلب. سال الدماء على وجهي، ترنحت قليلا ومن ثم سقطت صريعا في حضن أمي. النهاية.]]> 51971 عندما شرب السيد جهاد حتى الثمالة / قصة قصيرة http://www.souriyati.com/2016/05/13/50961.html Fri, 13 May 2016 00:01:08 +0000 http://www.souriyati.com/?p=50961 إقامة جهاد   في برلين في مقهى كوتي يجلس صديقي جهاد على الطاولة وحيداً وهو يشرب البيرا ويدخن دخان لف، ينظر إلى كل الطاولات ويوزع الابتسامات للرايح والجاي، ويطلب الكأس تلو الآخر وكل مرة، يدفع سعر البيرا 5 يورو ، 2.5 يورو ثمن البيرا و2.5 يورو للنادلة مع ابتسامة بريئة أو ضحكة بلهاء، وهكذا إلى أن أتت عيني بعين جهاد فقلت له:   -مرحبا! أنا عبود قرب فمه من أذني وهمس لي كأنه يخفي جريمة: - أنا اسمي جهاد! فضحكنا بصوت مرتفع وجلس على طاولتي يشرب معي البيرا ويحدثني: - يا سيد عبود! أبوي كان لاعب كرة قدم بنادي اسمو نادي الجهاد وأكيد انت تعرف نادي الجهاد، ولما ولدت أنا سماني أبوي على اسم هذا النادي، وأنا كنت صغير وقتها، عمري يوم يومين وقت سماني أبوي، والله ما بعرف شو يعني جهاد وما جهاد ولا بعرف شو سماني! المهم، كبرنا والعالم بتناديلي جهاد واسمي بالمدرسة جهاد، وعادي.. يعني أنا مو فارقة معي جهاد ولا يوسف، يعني الحياة نورمال..   صار اللي صار، ثورة .. حرب أهلية.. أو حرب بسوريا.. سميها الي بده اياه. أنا مو هي مشكلتي، مشكلتي انو جينا لهون شوفت عينك، تهريب!، متلنا متل كتير عالم بالبلم بالبحر، بس يعني أنا كنت شوفير البلم، المهم عبرنا البحار وجينا على ألمانيا، رحنا عالسوسيال سلمنا حالنا، وعادي.. أخدت الوراق وحولونا عالكامب، وموظف السوسيال من أحلى ما يكون، رحب فينا الزلمة، وسألني شو اسمك ونورمال.. جينا عالكامب خيو، وبلشولك اللاجئين يزّنوا براسي، ويقولو :اسمك جهاد؟! بعمرك ما تحلم بالاقامة! رح يرجعوك بكرا بتشوف! وأنا يا عبود بلشت فكر بكلامون، واطلع من الكامب وروح عالبار، بشرب بيرا وبتعرف عالناس بحكي معون، منشان أعطي صورة جيدة عن حالي، من غير شي اسمي جهاد وجاي عيش ببرلين! وصرت دائما اشيل معي قنينة بيرا بس ما اسكر يعني، محافظ على توازني وهدوئي واحترامي ونظرة العالم إلي، صرت أروح عالمحكمة ومعي قنينة البيرا منشان اذا حدا قلي جهاد ما جهاد بقلو هاي قنينة البيرا بإيدي. والأمور تمام، والله جماعة المحكمة من أحسن ما يكون، والمترجم طمني وقلي رح تجيك الإقامة! برجع عالكامب يا أبو شريك، ويبلشو اللاجئين يوزّوا براسي، اسمك جهاد؟!! يا ويلي بعدك عم تحلم بالإقامة! كل هالإرهاب اللي عم بيصير بالعالم وجاي بدك إقامة وانت اسمك جهاد؟؟!! ويا صديقي يا عبود، انا اسمع هالحكي وقول لحالي: لازم أعبّر عن انفتاحي وعلمانيتي أكثر وأكثر. صرت البس شورت قصير وحلقت شعري من الطرفين وخليت من النص شوية شعر وصار شعري متل شعر ارتورو فيدال. صرت أمشي بالشارع أكثر ثقة، وبطلت أمشي مع جماعة الكامب لانو نكون ماشيين بالشارع وعادي.. ينط يناديني بصوت عالي "جهاد" وأنا صير أتطلع حواليي وبقلو: وطي صوتك يا اخي وبلا ما تقول اسمي هلق بالشارع، انو ليكنا ماشيين وعادي ضروري تنزعلنا المشية؟ ومرة كنا ماشيين أنا ورفيقي السوري وهو قلي جهاد من هون وفي واحد فات بلافتة مطعم البيتزا، هي اللافتة اللي يكتبوا عليها البيتزا بـ 2 يورو وكولا بـ 1.5 يورو وأنا ما عرفت اذا هاد الزلمة فات بهي الواجهة لانو سمع باسمي ولا انو صار معو حادث ما! خيو صرت امشي لحالي، وصار عندي رفقات أجانب، شوية المان، ومن أحسن ما يكون، والأمور ماشية ونورمال وينادولي بعضون "جاد" وعادي.. ايه بس يا أبو شريك صرلي 8 شهور ما اخدت الإقامة، وصار كل الكامب يقلي انو صرلك 8 شهور ما رح تجيك الإقامة، اسمك جهاد وجاي بدك إقامة؟! قلنالها لموظفة السوسيال انو تاخرت الإقامة، والمخلوقة من احسن ما يكون استقبلتني، وقالتلي رح ابعتلك رسالة نسأل المحكمة، وعين خير يعني انشالله تجيك الإقامة! وما في أي مشكلة وعادي.. رجعت عالكامب، تعشينا انا ورفقاتي وبلشنا نلعب شدّة، وعادي.. مشغلين التلفزيون، ولّا نشفلك انو انفجار ببروكسل، وانا عم اتفرج على هالمساكين المدنيين وبقول شو ذنبون هالأبرياء! وبينط رفيقي يقلي : أكلت هوا يا جهاد! اذا كان في امل واحد بالمية انك تاخد إقامة، هلق بعد هالاحداث طار هالأمل. كان ضروري ابوك يروح يلعب بفريق الجهاد، انو ما عجبو فريق حطين أو فريق الحرية، انو ليش الجهاد بالذات، الله يسامحو! وانا يا اخوي صرت هلوس بهالقصة، قصة اسمي، جمّعت راتبين من السوسيال ورحت حطيت حلق، وساويت تاتو وهلق قاعد عم اشرب بيرا، وعم استنى الإقامة، وعادي.. - بصحتك صديقي جهاد لا تاكل هم! عادي..نورمال.. ! فنقرع كؤوسنا ونشرب نخب الإقامة.     بقلم عبود سعيد]]> إقامة جهاد   في برلين في مقهى كوتي يجلس صديقي جهاد على الطاولة وحيداً وهو يشرب البيرا ويدخن دخان لف، ينظر إلى كل الطاولات ويوزع الابتسامات للرايح والجاي، ويطلب الكأس تلو الآخر وكل مرة، يدفع سعر البيرا 5 يورو ، 2.5 يورو ثمن البيرا و2.5 يورو للنادلة مع ابتسامة بريئة أو ضحكة بلهاء، وهكذا إلى أن أتت عيني بعين جهاد فقلت له:   -مرحبا! أنا عبود قرب فمه من أذني وهمس لي كأنه يخفي جريمة: - أنا اسمي جهاد! فضحكنا بصوت مرتفع وجلس على طاولتي يشرب معي البيرا ويحدثني: - يا سيد عبود! أبوي كان لاعب كرة قدم بنادي اسمو نادي الجهاد وأكيد انت تعرف نادي الجهاد، ولما ولدت أنا سماني أبوي على اسم هذا النادي، وأنا كنت صغير وقتها، عمري يوم يومين وقت سماني أبوي، والله ما بعرف شو يعني جهاد وما جهاد ولا بعرف شو سماني! المهم، كبرنا والعالم بتناديلي جهاد واسمي بالمدرسة جهاد، وعادي.. يعني أنا مو فارقة معي جهاد ولا يوسف، يعني الحياة نورمال..   صار اللي صار، ثورة .. حرب أهلية.. أو حرب بسوريا.. سميها الي بده اياه. أنا مو هي مشكلتي، مشكلتي انو جينا لهون شوفت عينك، تهريب!، متلنا متل كتير عالم بالبلم بالبحر، بس يعني أنا كنت شوفير البلم، المهم عبرنا البحار وجينا على ألمانيا، رحنا عالسوسيال سلمنا حالنا، وعادي.. أخدت الوراق وحولونا عالكامب، وموظف السوسيال من أحلى ما يكون، رحب فينا الزلمة، وسألني شو اسمك ونورمال.. جينا عالكامب خيو، وبلشولك اللاجئين يزّنوا براسي، ويقولو :اسمك جهاد؟! بعمرك ما تحلم بالاقامة! رح يرجعوك بكرا بتشوف! وأنا يا عبود بلشت فكر بكلامون، واطلع من الكامب وروح عالبار، بشرب بيرا وبتعرف عالناس بحكي معون، منشان أعطي صورة جيدة عن حالي، من غير شي اسمي جهاد وجاي عيش ببرلين! وصرت دائما اشيل معي قنينة بيرا بس ما اسكر يعني، محافظ على توازني وهدوئي واحترامي ونظرة العالم إلي، صرت أروح عالمحكمة ومعي قنينة البيرا منشان اذا حدا قلي جهاد ما جهاد بقلو هاي قنينة البيرا بإيدي. والأمور تمام، والله جماعة المحكمة من أحسن ما يكون، والمترجم طمني وقلي رح تجيك الإقامة! برجع عالكامب يا أبو شريك، ويبلشو اللاجئين يوزّوا براسي، اسمك جهاد؟!! يا ويلي بعدك عم تحلم بالإقامة! كل هالإرهاب اللي عم بيصير بالعالم وجاي بدك إقامة وانت اسمك جهاد؟؟!! ويا صديقي يا عبود، انا اسمع هالحكي وقول لحالي: لازم أعبّر عن انفتاحي وعلمانيتي أكثر وأكثر. صرت البس شورت قصير وحلقت شعري من الطرفين وخليت من النص شوية شعر وصار شعري متل شعر ارتورو فيدال. صرت أمشي بالشارع أكثر ثقة، وبطلت أمشي مع جماعة الكامب لانو نكون ماشيين بالشارع وعادي.. ينط يناديني بصوت عالي "جهاد" وأنا صير أتطلع حواليي وبقلو: وطي صوتك يا اخي وبلا ما تقول اسمي هلق بالشارع، انو ليكنا ماشيين وعادي ضروري تنزعلنا المشية؟ ومرة كنا ماشيين أنا ورفيقي السوري وهو قلي جهاد من هون وفي واحد فات بلافتة مطعم البيتزا، هي اللافتة اللي يكتبوا عليها البيتزا بـ 2 يورو وكولا بـ 1.5 يورو وأنا ما عرفت اذا هاد الزلمة فات بهي الواجهة لانو سمع باسمي ولا انو صار معو حادث ما! خيو صرت امشي لحالي، وصار عندي رفقات أجانب، شوية المان، ومن أحسن ما يكون، والأمور ماشية ونورمال وينادولي بعضون "جاد" وعادي.. ايه بس يا أبو شريك صرلي 8 شهور ما اخدت الإقامة، وصار كل الكامب يقلي انو صرلك 8 شهور ما رح تجيك الإقامة، اسمك جهاد وجاي بدك إقامة؟! قلنالها لموظفة السوسيال انو تاخرت الإقامة، والمخلوقة من احسن ما يكون استقبلتني، وقالتلي رح ابعتلك رسالة نسأل المحكمة، وعين خير يعني انشالله تجيك الإقامة! وما في أي مشكلة وعادي.. رجعت عالكامب، تعشينا انا ورفقاتي وبلشنا نلعب شدّة، وعادي.. مشغلين التلفزيون، ولّا نشفلك انو انفجار ببروكسل، وانا عم اتفرج على هالمساكين المدنيين وبقول شو ذنبون هالأبرياء! وبينط رفيقي يقلي : أكلت هوا يا جهاد! اذا كان في امل واحد بالمية انك تاخد إقامة، هلق بعد هالاحداث طار هالأمل. كان ضروري ابوك يروح يلعب بفريق الجهاد، انو ما عجبو فريق حطين أو فريق الحرية، انو ليش الجهاد بالذات، الله يسامحو! وانا يا اخوي صرت هلوس بهالقصة، قصة اسمي، جمّعت راتبين من السوسيال ورحت حطيت حلق، وساويت تاتو وهلق قاعد عم اشرب بيرا، وعم استنى الإقامة، وعادي.. - بصحتك صديقي جهاد لا تاكل هم! عادي..نورمال.. ! فنقرع كؤوسنا ونشرب نخب الإقامة.     بقلم عبود سعيد]]> 50961 عشقت فتاة مخطوبة http://www.souriyati.com/2016/05/12/50869.html Thu, 12 May 2016 20:50:39 +0000 http://www.souriyati.com/?p=50869 هذه القصة حقيقية حصلت معي وعندي شهود سيؤكدون لكم الحادثة اذا رغبتم. في البداية لابد من التوضيح بأني لاأدخن ولا أحشش ولاأشرب مشروبات روحية ولا أخذ حبوب الكبتاجون المنتجة في معامل حزب اللات ولاأخذ حبوب الهلوسة المنتجة في قناة الجزيرة ولا أعمل في قناة الدونيا، أي انا لا أهلوس وبكامل قواي العقلية. في فترة من الفترات عشقت فتاة جميلة ولم اكن اعلم بأنها مخطوبة لانها لم تخبرني بذلك. وبينما كنا جالسين على البلكون في بيتها نشرب المتة دق خطيبها الباب، فأرتبكت الفتاة وبحركة لاشعورية رمتني من البلكون. وفي نفس اليوم كانت البلدية مشغولة بتزفيت الشارع، فوقعت تحت مدحلة، سائق المدحلة لم يراني فمر علي. فتحولت الى رقاقة من الورق. عندما شاهدني خطيب الفتاة اقع من بلكونة خطيبته اعتقد بانها تخونة. لملمني من على الارض وكتب علي رسالة الى خطيبتة وحشرني في صندوق بريدها وغادر غاضبا. عندما قرأت الفتاة ماهو مكتوب علي زعلت وغضبت ورمتني في النار وجمعت ما تبقى مني من الرماد ورمتني في كيس الزبالة. رُميت مع كمية كبيرة من الزبالة في الصحراء ورُدمت بالتراب. وبقيت تحت التراب مايقارب المليار سنة، ونتيجة الضغط والحرارة تحولت الى الماسة. استخرجوني من الارض وصقلوني وزرعوني على خاتم. اشتراني شاب من الجيش الحر وقدمني هدية الى خطيبته. فرحت الفتاة بي كثيرا وخبأتني في مكان أمن وحلفت ان لاتلبسني الا اذا تحررت سوريا. الهم عجل بتحرير سوريا لكي تلبسني الفتاة وارى النور مرة ثانية. الرجاء عدم السؤال عن اسماء الشهود في الوقت الحالي، لا أريد ان اعرض حياتهم للخطر خربشات نورس محمد - منتصف 2013]]> هذه القصة حقيقية حصلت معي وعندي شهود سيؤكدون لكم الحادثة اذا رغبتم. في البداية لابد من التوضيح بأني لاأدخن ولا أحشش ولاأشرب مشروبات روحية ولا أخذ حبوب الكبتاجون المنتجة في معامل حزب اللات ولاأخذ حبوب الهلوسة المنتجة في قناة الجزيرة ولا أعمل في قناة الدونيا، أي انا لا أهلوس وبكامل قواي العقلية. في فترة من الفترات عشقت فتاة جميلة ولم اكن اعلم بأنها مخطوبة لانها لم تخبرني بذلك. وبينما كنا جالسين على البلكون في بيتها نشرب المتة دق خطيبها الباب، فأرتبكت الفتاة وبحركة لاشعورية رمتني من البلكون. وفي نفس اليوم كانت البلدية مشغولة بتزفيت الشارع، فوقعت تحت مدحلة، سائق المدحلة لم يراني فمر علي. فتحولت الى رقاقة من الورق. عندما شاهدني خطيب الفتاة اقع من بلكونة خطيبته اعتقد بانها تخونة. لملمني من على الارض وكتب علي رسالة الى خطيبتة وحشرني في صندوق بريدها وغادر غاضبا. عندما قرأت الفتاة ماهو مكتوب علي زعلت وغضبت ورمتني في النار وجمعت ما تبقى مني من الرماد ورمتني في كيس الزبالة. رُميت مع كمية كبيرة من الزبالة في الصحراء ورُدمت بالتراب. وبقيت تحت التراب مايقارب المليار سنة، ونتيجة الضغط والحرارة تحولت الى الماسة. استخرجوني من الارض وصقلوني وزرعوني على خاتم. اشتراني شاب من الجيش الحر وقدمني هدية الى خطيبته. فرحت الفتاة بي كثيرا وخبأتني في مكان أمن وحلفت ان لاتلبسني الا اذا تحررت سوريا. الهم عجل بتحرير سوريا لكي تلبسني الفتاة وارى النور مرة ثانية. الرجاء عدم السؤال عن اسماء الشهود في الوقت الحالي، لا أريد ان اعرض حياتهم للخطر خربشات نورس محمد - منتصف 2013]]> 50869 قصة قصيرة: اجت سليمة http://www.souriyati.com/2016/05/11/50866.html Wed, 11 May 2016 20:44:08 +0000 http://www.souriyati.com/?p=50866 في يوم من الأيام كنت اتمشى على شاطئ البحر1462982452115. شاهدت فتاة جميلة تفرك عيناها وتبكي.
أشفقت عليها. ذهبت اليها وسألتها: ليش الحلو عم يبكي. حرام هالعيون الحلوين يدمعو.
قالت: دخل رمل بعيوني وعم يحرقوني.
قلت: موعيب عليكي تبكي متل بنت صغيرة. اذا دخل رمل بعيونك غسلي عيونك ومافي داعي للبكي.
قالت: عم ابكي لانه خطيبي رش علي رمل وراح زعلان.
أشفقت عليها مرة تانية واحسست بالأسف، كنت قاسيا معها بدون سبب: طيب ليش لحتى يرشك بالرمل، مين هالحيوان اللي يرش رمل على ملاك متلك، انتي لازم تنرشي بالعطر مو بالرمل. ممكن اعرف ليش رشك بالرمل، اذا مافي احراج.
قالت: لاني قلتلو انت متل اخي.
فركت لها اذنها وصرخت بها: ياحيوانه، معقول تقولي لخطيبك انت متل اخي، شو مافيكي عقل.
ازدادت بكاءا وقالت: اي لانه هو متل اخي دايما بيجي متأخر عالمواعيد وبيحط الحق علي.
احسست بالإحراج، وقلة الذوق ولابد من انقاذ الموقف.
قلت لها: وينو هالحيوان خطيبك لحتى ربيلك ياه واحسب الله ماخلقه.
قالت: واقف وراك.
المهم اجت سليمة. بعد ستة اشهر فكينا ايدنا من الجبصين، ورقبتي صارت احسن، وعيني اليمين طابت، وبطلت
اعرج.

نورس محمد

]]>
50866
مؤخرة لوبيز / أدب ساخر / عبد الرحمن الحلاق http://www.souriyati.com/2016/04/16/4946.html Sat, 16 Apr 2016 07:09:31 +0000 http://www.souriyati.com/?p=4946   نظر الجزار إليه بقرف مشمئزاً من ثيابه العتيقة ، وهيئته الشاحبة وقال : ــ إن شاء الله فرجت معك عكروش أفندي صرتَ تسألُ عن سعر اللحمة ؟ ازدرد عكروش غصته وابتلع الإهانة متلعثما : ــ يعني .... كنت ..... أفكر ... بس . ــ فكـِّر عكروش أفندي فكـِّر على راحتك .... الكيلو بثلاثة آلاف  ليرة .!! سارع عكروش هاجماً دونما تفكير على كأس الماء المتروك على طاولة جانبية ، ارتشف ما تبقى فيه علّ الكلمة التي وقفت بالعرض في حلقه تتزحلق إلى مجاهيل أمعائه . وهمّ بالخروج لكنه توقف أمام فخذة حمراء مثيرة معلقة في مدخل الدكان ، تملاها بناظريه طويلاً إلى أن زجرته كلمات سيفو الجزار : ــ دير بالك عكروش ترى النظر إلى اللحمة بفلوس لا تأكلها بعيونك . لكن عكروش فرد جريدته بنزق ثم رمقه بنظرة شاتمة ومشى يطالع الأخبار وسط زمامير السيارات وصراخ الباعة . انتبذ زاوية متطرفة على الرصيف ، أسند ظهره للجدار متوقفاً عند نبأ أثار فضوله واستغرابه ، راح يقرأ المانشيت العريض بصوت عال : ــ " ما زالت أخبارها تستحوذ اهتماماً عالمياً " وثمة عنوان فرعي صغير " سحرها يثير النساء قبل الرجال " . تتقافز عيناه بين العناوين الفرعية والصورة ، قامة ممشوقة كغصن البان تكور وسطها قليلاً ، وتعليق أسفل الصورة " الممثلة الهوليودية الشهيرة تؤمن على مؤخرتها بمليون دولار " ، سارع إلى الصفحة الأولى ليتأكد من اسم الصحيفة ( الحقيقة المرة ) . ــ نعم هي ، هل يعقل لصحيفة عربية بهذه الرزانة وهذا الانتشار أن تنشر خبراً كهذا ، راحت عيناه تلتهم كلمات الخبر ليسد بها جوعاً مزمناً : (( وروت الممثلة الكوميدية ميغان مولالي انطباعاتها عن لقائها بجينيفر لوبيز قائلة : إن الزميلة لوبيز تملك مؤخرة ذات قياسات غير عادية وشكل غير طبيعي .... ولا شك أن لوبيز جميلة جداً ، لكن مؤخرتها فاتنة وآسرة ، ولا أتردد في القول إنها ببساطة ساحرة ، وتجعلك في حالة كأنك منوّم . تبدو وكأنها تنتمي إلى كائنات لا نعرفها وليس إلى إنسان ، إنها مؤخرة مدهشة تكاد لا تصدق ، لكنها تؤثر فيك ، وتترك لديك انطباعاً جميلاً )) * تسقط يد عكروش إلى الأسفل ، ويمشي كأنما قد شرب ليتراً من العرق السيئ وهو يحدث نفسه : ــ مليون دولار ؟! ثمن مؤخرة ... يخرب بيتها لو وقعت في يد سيفو الجزار لباعها بالغرام ، وربما استبدل دكان اللحمة بمكتب عقاري وباعها بالسنتيمتر مربع ، وأنا متأكد أن كل سنتيمتر واحد سيبني بثمنه عمارة تسكن فيها عشرات العائلات ، إي بشرفي مؤخرتها تبني مدينة كاملة ، يمكن أن نطلق عليها ( مدينة طيز لوبيز ) يا سلام وعلى القافية كمان ! . وانفجرت من أعماق صدره ضحكة جعلت كل من يراه يوقن حتماً أنه قد جن ، لكنه وكمن لم ير أحداً عاد يحدث نفسه : ــ مليون دولار ؟! ترى إذا كانت النظرة إلى لحمة سيفو بفلوس فكم تساوي النظرة إلى مؤخرة لوبيز هذه ؟ يالنا من أمة جاهلة لا تهتم إلا بالصغائر ، العالم كله منشغل بأخبار الحقيقة المرة ونحن ....؟! نعم نحن ! يالنا من صغار ! مازلنا نبحث في مشاكل صغيرة منذ خمسين عاماً ونحن نلوك فلسطين والقدس والآن العراق والفلوجة وكربلاء والنجف . نعم . نعم مازلنا صغار ، إي بشرفي نحن صغار ، تُرى إذا جمعنا مؤخرات الشهيرات في هوليود وبعناها وسط هذا الحشد الإعلامي والاهتمام العالمي والجماهيري بمثل هذه القضايا الدسمة ، يعني إذا جمعنا ثمن هذه المؤخرات ألا نستطيع إعادة إعمار سوريا ؟ تجلجل ضحكة ثانية في صدرعكروش قبل أن يتابع حديثه مع نفسه : ــ أما زلت تهتم بإعادة إعمار سوريا ؟ ألم أقل لك ياعكروش أننا صغار ؟ ها أنت تثبت لنفسك أيضاً أنك صغير وتافه مثل حشرة صغيرة ، رغم أنف شهادتك الجامعية ، ورغم أنف مؤلفك الشهير الذي بعته بثمن بخس لصاحب دار الدفاع ، ونسبه لنفسه ، نعم صغير أنت ، لو أنك منذ البدء فكرت في كيفية الوصول إلى مؤخرات كهذه ، لكنت الآن من أصحاب الملايين ، نعم ولما سخر منك سيفو ، طز على سيفو وعلى لحمة سيفو . طز على العراق وفلسطين . راح الصوت يعلو تدريجاً والجسد يدور حول نفسه متراقصاً ومغنياً بآن : طز بالأمة طز تحيا أمريكا والانكليز طز بسيفو طز تحيا مدينة لوبيز لكن سيارة جيب بيضاء توقفت بالقرب منه، ترجل منها فارسان ، حملاه بمنتهى الرفق والحنان .... ألقيا به في غياهب الجيب الذي انطلق مسرعاً بينما عكروش يتابع رقصه وغناءه إلى أن فاجأته لكمة رقيقة بكعب بندقية حديثة ، جعلته يتوقف عن الغناء ... يصمت .... يخرس ... تنثال دمعتين من عينيه ... يردد في نفسه : ستموت وحيداً يا عكروش ربما بضيافة هؤلاء الفرسان ، تقتلك الحسرة على مؤخرة لن تراها إلا بصحيفة عربية . لكنه صرخ فجأة وبملء صدره : ــ لا . فاتحاً الباب الخلفي للجيب ومندفعاً بجسده ليتدحرج على إسفلت الشارع كخنفسة حمراء مرقطة بالأسود .   https://play.google.com/store/apps/details?id=com.syria.jmyz_ufqecwxydcjftw اقرأووا آخر مواضيع سوريتي كاملة بدون اتصال بالانترنيت عبر تطبيق souriyati على غوغل ستور نظام android]]>   نظر الجزار إليه بقرف مشمئزاً من ثيابه العتيقة ، وهيئته الشاحبة وقال : ــ إن شاء الله فرجت معك عكروش أفندي صرتَ تسألُ عن سعر اللحمة ؟ ازدرد عكروش غصته وابتلع الإهانة متلعثما : ــ يعني .... كنت ..... أفكر ... بس . ــ فكـِّر عكروش أفندي فكـِّر على راحتك .... الكيلو بثلاثة آلاف  ليرة .!! سارع عكروش هاجماً دونما تفكير على كأس الماء المتروك على طاولة جانبية ، ارتشف ما تبقى فيه علّ الكلمة التي وقفت بالعرض في حلقه تتزحلق إلى مجاهيل أمعائه . وهمّ بالخروج لكنه توقف أمام فخذة حمراء مثيرة معلقة في مدخل الدكان ، تملاها بناظريه طويلاً إلى أن زجرته كلمات سيفو الجزار : ــ دير بالك عكروش ترى النظر إلى اللحمة بفلوس لا تأكلها بعيونك . لكن عكروش فرد جريدته بنزق ثم رمقه بنظرة شاتمة ومشى يطالع الأخبار وسط زمامير السيارات وصراخ الباعة . انتبذ زاوية متطرفة على الرصيف ، أسند ظهره للجدار متوقفاً عند نبأ أثار فضوله واستغرابه ، راح يقرأ المانشيت العريض بصوت عال : ــ " ما زالت أخبارها تستحوذ اهتماماً عالمياً " وثمة عنوان فرعي صغير " سحرها يثير النساء قبل الرجال " . تتقافز عيناه بين العناوين الفرعية والصورة ، قامة ممشوقة كغصن البان تكور وسطها قليلاً ، وتعليق أسفل الصورة " الممثلة الهوليودية الشهيرة تؤمن على مؤخرتها بمليون دولار " ، سارع إلى الصفحة الأولى ليتأكد من اسم الصحيفة ( الحقيقة المرة ) . ــ نعم هي ، هل يعقل لصحيفة عربية بهذه الرزانة وهذا الانتشار أن تنشر خبراً كهذا ، راحت عيناه تلتهم كلمات الخبر ليسد بها جوعاً مزمناً : (( وروت الممثلة الكوميدية ميغان مولالي انطباعاتها عن لقائها بجينيفر لوبيز قائلة : إن الزميلة لوبيز تملك مؤخرة ذات قياسات غير عادية وشكل غير طبيعي .... ولا شك أن لوبيز جميلة جداً ، لكن مؤخرتها فاتنة وآسرة ، ولا أتردد في القول إنها ببساطة ساحرة ، وتجعلك في حالة كأنك منوّم . تبدو وكأنها تنتمي إلى كائنات لا نعرفها وليس إلى إنسان ، إنها مؤخرة مدهشة تكاد لا تصدق ، لكنها تؤثر فيك ، وتترك لديك انطباعاً جميلاً )) * تسقط يد عكروش إلى الأسفل ، ويمشي كأنما قد شرب ليتراً من العرق السيئ وهو يحدث نفسه : ــ مليون دولار ؟! ثمن مؤخرة ... يخرب بيتها لو وقعت في يد سيفو الجزار لباعها بالغرام ، وربما استبدل دكان اللحمة بمكتب عقاري وباعها بالسنتيمتر مربع ، وأنا متأكد أن كل سنتيمتر واحد سيبني بثمنه عمارة تسكن فيها عشرات العائلات ، إي بشرفي مؤخرتها تبني مدينة كاملة ، يمكن أن نطلق عليها ( مدينة طيز لوبيز ) يا سلام وعلى القافية كمان ! . وانفجرت من أعماق صدره ضحكة جعلت كل من يراه يوقن حتماً أنه قد جن ، لكنه وكمن لم ير أحداً عاد يحدث نفسه : ــ مليون دولار ؟! ترى إذا كانت النظرة إلى لحمة سيفو بفلوس فكم تساوي النظرة إلى مؤخرة لوبيز هذه ؟ يالنا من أمة جاهلة لا تهتم إلا بالصغائر ، العالم كله منشغل بأخبار الحقيقة المرة ونحن ....؟! نعم نحن ! يالنا من صغار ! مازلنا نبحث في مشاكل صغيرة منذ خمسين عاماً ونحن نلوك فلسطين والقدس والآن العراق والفلوجة وكربلاء والنجف . نعم . نعم مازلنا صغار ، إي بشرفي نحن صغار ، تُرى إذا جمعنا مؤخرات الشهيرات في هوليود وبعناها وسط هذا الحشد الإعلامي والاهتمام العالمي والجماهيري بمثل هذه القضايا الدسمة ، يعني إذا جمعنا ثمن هذه المؤخرات ألا نستطيع إعادة إعمار سوريا ؟ تجلجل ضحكة ثانية في صدرعكروش قبل أن يتابع حديثه مع نفسه : ــ أما زلت تهتم بإعادة إعمار سوريا ؟ ألم أقل لك ياعكروش أننا صغار ؟ ها أنت تثبت لنفسك أيضاً أنك صغير وتافه مثل حشرة صغيرة ، رغم أنف شهادتك الجامعية ، ورغم أنف مؤلفك الشهير الذي بعته بثمن بخس لصاحب دار الدفاع ، ونسبه لنفسه ، نعم صغير أنت ، لو أنك منذ البدء فكرت في كيفية الوصول إلى مؤخرات كهذه ، لكنت الآن من أصحاب الملايين ، نعم ولما سخر منك سيفو ، طز على سيفو وعلى لحمة سيفو . طز على العراق وفلسطين . راح الصوت يعلو تدريجاً والجسد يدور حول نفسه متراقصاً ومغنياً بآن : طز بالأمة طز تحيا أمريكا والانكليز طز بسيفو طز تحيا مدينة لوبيز لكن سيارة جيب بيضاء توقفت بالقرب منه، ترجل منها فارسان ، حملاه بمنتهى الرفق والحنان .... ألقيا به في غياهب الجيب الذي انطلق مسرعاً بينما عكروش يتابع رقصه وغناءه إلى أن فاجأته لكمة رقيقة بكعب بندقية حديثة ، جعلته يتوقف عن الغناء ... يصمت .... يخرس ... تنثال دمعتين من عينيه ... يردد في نفسه : ستموت وحيداً يا عكروش ربما بضيافة هؤلاء الفرسان ، تقتلك الحسرة على مؤخرة لن تراها إلا بصحيفة عربية . لكنه صرخ فجأة وبملء صدره : ــ لا . فاتحاً الباب الخلفي للجيب ومندفعاً بجسده ليتدحرج على إسفلت الشارع كخنفسة حمراء مرقطة بالأسود .   https://play.google.com/store/apps/details?id=com.syria.jmyz_ufqecwxydcjftw اقرأووا آخر مواضيع سوريتي كاملة بدون اتصال بالانترنيت عبر تطبيق souriyati على غوغل ستور نظام android]]> 4946 عبور الحاجز : قصة الكنار الأصفر الذي انقذ حياتنا – بقلم فاطمة عثمان http://www.souriyati.com/2016/04/14/48029.html Thu, 14 Apr 2016 12:38:50 +0000 http://www.souriyati.com/?p=48029 - الابن: أبي انظر إلى ذاك الكنار لونه جميل جداً، إنه واقف على الشرفة. هيا لنذهب ونجلبه ونضعه في القفص. نستطيع إطعامه بالقليل من التفاح والخبز. آهٍ. لا لا. لقد ذهب.. آه إنه في الأسفل .. . -الأب: حسنا سأذهب لأجلبه لك، ولكن ابقَ في البيت ولا تتحرك، وكن بعيدا عن الشرفة. -الابن: حسنا لن أتحرك وسأبقى بعيداً عن الشرفة أبي!! أين الكنار لمَ لم تجلبه معك..؟ أين هو الكنار..؟ -الأب: حسنا بني لقد ذهبت لإحضاره لك، ولكن كنت قد تأخرت، و رأيته يحلق في السماء، وكان مثل كرة ذهبية في السماء الزرقاء. كان فائق الجمال ذاك الكنار يابني. -الابن: أبي أنا حزين لا اريد التحدث إلى أحد أبدا. وأنا جائع أيضاً، ولكن لا أريد أن يذهب صيامي سدى لن أبطله وسأدعو بأن يرجع ذاك الكنار إلى هنا.. -الأب: حسناً بني هيا لندخل إلى الداخل لأن الشرفة خطيرة لنا. الابن: ابي لقد نسيت إغلاق باب القفص سأغلقه وأعود.   الأب: حسناً كن حذرا بني. الابن: سأكون حذراً أبي. يا إلهي.. انظر أبتاه إنه الكنار لقد أتى ودخل إلى القفص بإرادته، وليس بالإمساك به انظر إلى الكنار بابو (ابتاه) يا له من كنار جميل يا لسعادتي..! في تموز عام 2011 حوصرت مدينة حرنة في ريف دمشق من قبل نظام الأسد. مدينة حرنة تقع يين مدينة التل ومعربا. لقد تمّ حصار المدينة لوجود الجيش الحر فيها آنذاك، وقد أغلقوا الطرق وعمّ الظلام فيها. قطعوا الكهرباء والمياه، وكادت البقاليات تنفد من المواد الغذائية والطحين، وكانت قذف جيش النظام من ثلاث نواح. وكانت هناك اعتقالات واعتداءات على الناس واحتجازهم، لأسباب غير مقنعة والسطو على البيوت والدعس على حرمتها. قررت عائلتي الذهاب للحاجز وعبوره وذهبنا في المرة الأولى، وكان هناك شخص أقلنا إلى الحاجز ليخرجنا منه، وحين وصلنا أخرجونا من العربة، وقاموا بتفتيش أمتعتنا وتفتيش والدي وإخوتي الشباب، ومن ثم لم يسمحوا لنا بالمرور وقد عدنا إلى المنزل خائبي الأمل وحان موعد الإفطار وقد كان طعام عشائنا (أندومي)، وحان موعد النوم. كنا نتناوب بالنوم في الصباح والداي كانا يخلدان إلى النوم، ومن ثم نحن في المساء. شخصان يقومان بحراستنا مساءً، وهما والداي. ومن ثم أربعة اشخاص في الصباح، وهم أنا وأختي وأخويّ الشابّين .. في كلّ ليلة عشتها كان ينبثق عندي شعور لم أكن أملكه من ذي قبل، الشعور بالخوف في مدينة مظلمة ولا حياة فيها، ويكون صوت المدافع المنبه الإجباري، إذ كان يرنّ كلّ ساعة عدة مرات إلى أن أصبح بالنسبة لي كأصوات الجرارات والشاحنات التي تمرّ يومياً من أمام منزلنا. شعور الخوف بالاعتداء الجنسي والضرب المبرح للأهل أمام عيني كان وارداً ومحتملاً كثيراً، ولم أستطع تخطي هذا الشعور طيلة فترة الحصار وبعدها بعدة أيام. أتى الصباح التالي وقررنا الذهاب للحاجز الآخر. كان هناك حاجزان. كنا بين الحاجزين وحين اقتربنا من الحاجز رأينا هناك الكثير من الناس، وقد تمّ إطلاق الرصاص الحي علينا، وعلى كل الناس الموجودين، وقد قتلت امرأة، ونزف أحدهم من رأسه، والآخر بترت ساقه اليمنى. هرعنا بالركض من الرصاص خلف العواميد الإسمنتية للكهرباء ومن ثم العودة إلى المنزل مرة أخرى . أتى اليوم الاخير للمحاولة للخروج من مدينة الموت تلك، وانطلقنا نحو الحاجز في تمام الساعة الثانية بعد الظهر، وكان بحوزتنا كنارنا الصغير الذي آوى إلينا من الرصاص، وإن أوقفونا وطلبوا منا هوياتنا الشخصية، وكانت تلك أول مرة نقترب من الحاجز المرعب ذاك. أتى إلينا جنود وقاموا باستجوابنا، و ينظرون إليّ وإلى أختي نظرة الوحش الذي يريد فتك فريسته، وبدأ الخوف يتعشّش بداخلي، و بدأت يداي بالارتجاف، وإلى حين رأى أحد من الجنود كنارنا وقد قال لقائده: (سيدي كنار سيدي). تقدّم إلينا قائده وسأل: هل كناركم ذكر أم أنثى؟ لقد كانت ردةّ فعل والدي: لماذا تسأل عن هذا العصفور الصغير؟ فردّ الضابط: لأنني أملك كناراً و هو ذكر. فقال له والدي: كنارنا أنثى. فرد الضابط أهدينا الكنار أسمح لكم بالخروج والعبور بسلام. نظر إلينا والدنا وقد رأى بأن الدمع مكلل في أعيننا. قال أبي: حسنا خذوا الكنار وأطلقوا سراحنا. اخذوا كنارنا وسمحوا لنا بالعبور، وفي لحظة العبور، رأيت الشرّ في أعينهم، ولم أثق بهم، وكان الخوف يتصبب مني كمثل العرق حينا يتصبب بالجسد، وقد عبرنا ولم أستطع النظر إلى الأمام والمضي قدماً، بل كنت ألتفت بين الدقيقة والأخرى إلى أن اختفى حاجز الرعب ذاك. ولم أستطع التصديق و رؤية الناس من جديد ورؤية العصافير وهي تحلق في السماء الصافية الملونة بألوان ريشها الجميل .. جئت لأحيا بمجد المحبة و نور الجمال وهأنذا حية والناس لا يستطيعون إبعادي عن حياتي. إن سملوا عيني تمتعت بالإصغاء لأغاني المحبة وألحان الجمال، وإن طمسوا أذني تلذّذت بملامسة أثير ممزوج بأنفاس المحبّين وأريج الجمال، وإن حجبوني عن الهواء عشت ونفسي فالنفس ابنة الحب والجمال. جئت لأكون للكلّ والكلّ. والذي أفعله اليوم في وحدتي يعلنه المستقبل أمام الناس والذي أقوله الآن بلسانواحد يقوله الآتي بألسنة عديدة.]]> - الابن: أبي انظر إلى ذاك الكنار لونه جميل جداً، إنه واقف على الشرفة. هيا لنذهب ونجلبه ونضعه في القفص. نستطيع إطعامه بالقليل من التفاح والخبز. آهٍ. لا لا. لقد ذهب.. آه إنه في الأسفل .. . -الأب: حسنا سأذهب لأجلبه لك، ولكن ابقَ في البيت ولا تتحرك، وكن بعيدا عن الشرفة. -الابن: حسنا لن أتحرك وسأبقى بعيداً عن الشرفة أبي!! أين الكنار لمَ لم تجلبه معك..؟ أين هو الكنار..؟ -الأب: حسنا بني لقد ذهبت لإحضاره لك، ولكن كنت قد تأخرت، و رأيته يحلق في السماء، وكان مثل كرة ذهبية في السماء الزرقاء. كان فائق الجمال ذاك الكنار يابني. -الابن: أبي أنا حزين لا اريد التحدث إلى أحد أبدا. وأنا جائع أيضاً، ولكن لا أريد أن يذهب صيامي سدى لن أبطله وسأدعو بأن يرجع ذاك الكنار إلى هنا.. -الأب: حسناً بني هيا لندخل إلى الداخل لأن الشرفة خطيرة لنا. الابن: ابي لقد نسيت إغلاق باب القفص سأغلقه وأعود.   الأب: حسناً كن حذرا بني. الابن: سأكون حذراً أبي. يا إلهي.. انظر أبتاه إنه الكنار لقد أتى ودخل إلى القفص بإرادته، وليس بالإمساك به انظر إلى الكنار بابو (ابتاه) يا له من كنار جميل يا لسعادتي..! في تموز عام 2011 حوصرت مدينة حرنة في ريف دمشق من قبل نظام الأسد. مدينة حرنة تقع يين مدينة التل ومعربا. لقد تمّ حصار المدينة لوجود الجيش الحر فيها آنذاك، وقد أغلقوا الطرق وعمّ الظلام فيها. قطعوا الكهرباء والمياه، وكادت البقاليات تنفد من المواد الغذائية والطحين، وكانت قذف جيش النظام من ثلاث نواح. وكانت هناك اعتقالات واعتداءات على الناس واحتجازهم، لأسباب غير مقنعة والسطو على البيوت والدعس على حرمتها. قررت عائلتي الذهاب للحاجز وعبوره وذهبنا في المرة الأولى، وكان هناك شخص أقلنا إلى الحاجز ليخرجنا منه، وحين وصلنا أخرجونا من العربة، وقاموا بتفتيش أمتعتنا وتفتيش والدي وإخوتي الشباب، ومن ثم لم يسمحوا لنا بالمرور وقد عدنا إلى المنزل خائبي الأمل وحان موعد الإفطار وقد كان طعام عشائنا (أندومي)، وحان موعد النوم. كنا نتناوب بالنوم في الصباح والداي كانا يخلدان إلى النوم، ومن ثم نحن في المساء. شخصان يقومان بحراستنا مساءً، وهما والداي. ومن ثم أربعة اشخاص في الصباح، وهم أنا وأختي وأخويّ الشابّين .. في كلّ ليلة عشتها كان ينبثق عندي شعور لم أكن أملكه من ذي قبل، الشعور بالخوف في مدينة مظلمة ولا حياة فيها، ويكون صوت المدافع المنبه الإجباري، إذ كان يرنّ كلّ ساعة عدة مرات إلى أن أصبح بالنسبة لي كأصوات الجرارات والشاحنات التي تمرّ يومياً من أمام منزلنا. شعور الخوف بالاعتداء الجنسي والضرب المبرح للأهل أمام عيني كان وارداً ومحتملاً كثيراً، ولم أستطع تخطي هذا الشعور طيلة فترة الحصار وبعدها بعدة أيام. أتى الصباح التالي وقررنا الذهاب للحاجز الآخر. كان هناك حاجزان. كنا بين الحاجزين وحين اقتربنا من الحاجز رأينا هناك الكثير من الناس، وقد تمّ إطلاق الرصاص الحي علينا، وعلى كل الناس الموجودين، وقد قتلت امرأة، ونزف أحدهم من رأسه، والآخر بترت ساقه اليمنى. هرعنا بالركض من الرصاص خلف العواميد الإسمنتية للكهرباء ومن ثم العودة إلى المنزل مرة أخرى . أتى اليوم الاخير للمحاولة للخروج من مدينة الموت تلك، وانطلقنا نحو الحاجز في تمام الساعة الثانية بعد الظهر، وكان بحوزتنا كنارنا الصغير الذي آوى إلينا من الرصاص، وإن أوقفونا وطلبوا منا هوياتنا الشخصية، وكانت تلك أول مرة نقترب من الحاجز المرعب ذاك. أتى إلينا جنود وقاموا باستجوابنا، و ينظرون إليّ وإلى أختي نظرة الوحش الذي يريد فتك فريسته، وبدأ الخوف يتعشّش بداخلي، و بدأت يداي بالارتجاف، وإلى حين رأى أحد من الجنود كنارنا وقد قال لقائده: (سيدي كنار سيدي). تقدّم إلينا قائده وسأل: هل كناركم ذكر أم أنثى؟ لقد كانت ردةّ فعل والدي: لماذا تسأل عن هذا العصفور الصغير؟ فردّ الضابط: لأنني أملك كناراً و هو ذكر. فقال له والدي: كنارنا أنثى. فرد الضابط أهدينا الكنار أسمح لكم بالخروج والعبور بسلام. نظر إلينا والدنا وقد رأى بأن الدمع مكلل في أعيننا. قال أبي: حسنا خذوا الكنار وأطلقوا سراحنا. اخذوا كنارنا وسمحوا لنا بالعبور، وفي لحظة العبور، رأيت الشرّ في أعينهم، ولم أثق بهم، وكان الخوف يتصبب مني كمثل العرق حينا يتصبب بالجسد، وقد عبرنا ولم أستطع النظر إلى الأمام والمضي قدماً، بل كنت ألتفت بين الدقيقة والأخرى إلى أن اختفى حاجز الرعب ذاك. ولم أستطع التصديق و رؤية الناس من جديد ورؤية العصافير وهي تحلق في السماء الصافية الملونة بألوان ريشها الجميل .. جئت لأحيا بمجد المحبة و نور الجمال وهأنذا حية والناس لا يستطيعون إبعادي عن حياتي. إن سملوا عيني تمتعت بالإصغاء لأغاني المحبة وألحان الجمال، وإن طمسوا أذني تلذّذت بملامسة أثير ممزوج بأنفاس المحبّين وأريج الجمال، وإن حجبوني عن الهواء عشت ونفسي فالنفس ابنة الحب والجمال. جئت لأكون للكلّ والكلّ. والذي أفعله اليوم في وحدتي يعلنه المستقبل أمام الناس والذي أقوله الآن بلسانواحد يقوله الآتي بألسنة عديدة.]]> 48029 اعـترافـات زوجـة رئـــيس كتبها .. عمرو بيرجكلي http://www.souriyati.com/2016/03/27/46149.html Sun, 27 Mar 2016 08:36:44 +0000 http://www.souriyati.com/?p=46149  أن أعيشَ بجانبك فهذا لا يعني أنني سعيدةٌ معك . أن ترى صمتي .. أن تلمحَ ابتسامتي .. هدوئي .. هذا لا يُـفسّر أنني راضية بِـك . أنا أتصبّر .. أكظم .. أتّـقِ البطشَ الذي ستُـلحقهُ بي وبالآخرين إن شعرتَ برغبتي في الخروج عن سُلطتك والابتعاد عـنك .

ألفُ كلمة ” أحبكَ ” لم تُحرك داخلك أية مشاعر نحوي كلمةُ ” أكرهكَ ” واحدة استطاعت استشاطةَ غضبك والمساسَ بذاتك لتجعلَ مني سجينة هذا القصر اللعين .

سيدي الرئيس في بعض الأحيان تعجزُ الصفات في اللغة بإعطائك الوصفَ الذي تستحقه وينحني التعبير والإنشاء أمامَ رسمِ معالمك .

سيدي الرئيس في عالمكَ تموتُ المعاني وتحترقُ الصور .. تفقدُ المشاعر أهميتَها .. يتجمَّدُ الدفءُ ويسري في عروقِ العُمر دمعٌ وألم .

الوردةُ في يَـدِ رجلٍ كثيراً ما تعني أن هناك امرأة ستحظى بهذه الوردة وستكون هناك أمسية سعيدة مليئة بالحب .. إلا في يدكَ أنـت .

مواسمُ الربيع تقضُّ مضجَعك .. يُزعجك تمايلُ الورود .. يؤذيكَ غبارُ طلْعِها ويغضبكَ هبوب نسائمها .. تأمرُ حراسَك بحصاد كل أزهار حدائق القصر وإحراقها .. تحمل منجلكَ بنفسك لتقتلعَ بجنونٍ كُـلَّ نبتة يُسبّبُ عطرُها الحساسية لأنـفِك .

تظلُّ في الربيع هائجاً خائفاً تُعاني رُهابَ الورود التي تتفتح في كلِّ مكان . كم من القسوةِ تسكنُ داخلك ..

كم من الوهم يُعـشّـشُ فيكَ يُصوّرُ أن لا أحدَ إلا أنت مُـستبدٌ حاقدٌ فُرضتْ عليكَ الذكورة فرضاً ما كنتَ رجلاً لولا صوتك الثخين ما كنتَ رجلاً لولا سلوكك الخشن مساءً على شُرفتك تنعمُ بكُرسيٍّ مخملي .. تلاعبُ نفسك بالشطرنج .. لا خصم لكَ ولا شريك ..

أمرُّ بجانبك محاولةً خطف أنظارك وأجلس أمامك .. عيناك على أحجارك السود .. تُـشعل بالكبريت سيجارتك ويضيء المكان . هل سترى تلك الأنثى ؟ هل ستبصرُ حمرتَها .. كحلَ عينيها الحزينتين .. زينتَها البرّاقة .. لقد لونتْ لك نفسها بكل الألوان فلعلك مصابٌ بعمى الألوان . استعانتْ بالعدسات اللاصقة والرموش الصناعية والأظافر الجاهزة .. غيرت حقيقتها لعلك مُغرمٌ بكل ما هو مُزيف . لم تُبصرها .. ولن تغبُّ دخانك غباً وتنفثه بعيداً عن وجهك دون اكتراث .. تَـقلِبُ سيجارتَك على عقبها وتدعُها تحترق حتى الإسفنجة .. حتى آخر رمق .. لو أطفأتها لأرحتها لكنك قاتلٌ مُنحرف . لا يفلحُ في تبجيلكَ إلا من يُتقن فن الشتيمة .. ولا يبدع في تشكيل صورتك إلا صانعو الأحذية ..

وحدهُ الذي يرى فيكَ أباً وقائداً ونهجاً وصرحاً مَـنْ كانت أمُّهُ عاهرة لديك . أراك من خلف الستائر تقفُ شامخاً وسط غرفتك المُستديرة.. تتأمل صورتك الكبيرة المُعلقة على الجدار .. يضجُّ في المكان صوتُ أحد خطاباتك الرنانة بواسطة قرص التسجيل .. تراقبُ صورتَـك بشغف .. تغمضُ عينيك وتحرك شفتيك متتبعاً كلمات الخطاب .. تحفظُ زمنَ سكتاتك ومدَّ حروفك .. تتأثر .. تنقبض .. تلوحُ بيدِك .. تنتشي .. وعلى حرارة التصفيق تنحني أمام الصورة .. تَـسجُد . وكأن نفسك مُنفصلة عن نفسك .. تُـقدّسُ إحداها الأخرى وتعظِّمها وتصنعان منكَ عبداً و رَبّاً . تنهضُ من سجودك بخشوع وتأمر حراسَك بجلب صورة أكبر لتعليقها على الجدار . أنت شيطانٌ يدّعي العفّة حجرٌ يلبس الثياب متخلفٌ يتحضرُ بمالِه وسلطتِه من أي جهنم خرجتَ وتحتَ أي مُبرر سُدْت لم أعرف وقتها كيف أعلنُ للناس في هذه الحفلة أن ذاك الذي يعتلي المنصة ويتشدّق بحقوق المرأة ويشن حملاته الرعائية لفكِّ العنف عنها ما هو إلا مُستذئب بشري

 

يعيش أمام الناس حالته الإنسانية وينشبُ في الليل مخالبَه ويُكشِّر  عن أنيابه الصفراء. كيف أعلنُ ذلك وأنا المرأة المرصّعة بأغلى وأبهظ أنواع الماس .. المكسوةُ بأحدث الملابس على أيدي كبار المصمّمين .. أنا المرأة التي تغار منها كل النساء .. أنا السيدة الأولى . إن الذي يرضى باحتلال واغتصاب الغير لأراضيه لن يستطيع تحرير امرأة واحدة من سيصدقني ؟ لا صوتَ لي في حضرةِ صوتِـك ولن تحملَ كلماتي التأثير الذي يحمله جعيركَ الذهبي وأخيراً .. وفي تلك الليلة التي انتهتْ بها الحفلة استطعتُ جمعَ شجاعتي .. صرختُ بوجهك .. صرختُ وصرخت .. شتمتكَ وضربتكَ .. فجّرتُ القهرَ .. كسرتُ الصمت .. تحررَ كبتُ سنين العمر . وما أجملك وأنتَ تُخمدُ ثورةَ غضبي .. لمستَ يدي .. طبعتَ قبلة ناعمة على خدي ثم تمسكت بي .. حضنتَـني .. بكيت كالصغارعلى صدري حتى تورَّمتْ عيناك .. اعترفتَ بذنوبك كمنْ تابَ وآمنَ وأعرضَ عن الأخطاء .. وعدتني بالصَّلاح .. وعدتني بالرُّشد .. وقلت لي أنني الوحيدة التي أستطيع تغييرَ كل شيء وناشدتني ألا أتركك .. نُحتَ وشهقتَ وتشبثتَ بقدميّ مُناشداً لي ألا أتركك . الآن أنت إنسان جديد غفرتُ لك كلَّ شيء .. كلَّ شيء خياناتُك المتكررة التي خنقتَـني بها .. غفرتُها تجاهلكَ المستمر المُغتصب لكرامتي .. غفرتُه بُعدكَ غفرته .. نسيانكَ غفرته .. قسوتكَ وبطشك .. ظُلمك وسجنك .. غفرتُهُ غفرتُه . غدوتَ ملاكاً ناصعاً ونوراً طاهراً ومضتْ تلك الليلة عذبة رقيقة تُهدهدُها طرقاتُ البيانو الناعمة اللذيذة لأصحو في الصباح وأرى نفسي مُقيدةً مصلوبةً على السرير . يا أيها الوحشُ المريضُ الكافر يا أيها الوغد المُتلاعب لوّثتَ أنوثتي .. مزّقتَ جسدي .. قتلتَ روحي .. أكرهك لن يقطعَ عنقكَ إلا سكّينُكَ الذي عبثَ بجسمي لن يُهشم جثتكَ المرمية أمامي إلا سُوطُك الذي جلدتني به لن ينهش لحمكَ إلا كلابكَ النابحة حول سجني ولن يدفن بقاياك إلا يداي سأدوسُ عظامَك .. سأبصقُ في قبرِك مُـتْ .. وليدخل اسمي التاريخ على أنني السيدة الأولى التي خلصت العالم من شَرِّك

]]>
46149
قصة الملك والوزير والكلاب العشرة http://www.souriyati.com/2016/02/24/42746.html Wed, 24 Feb 2016 21:45:56 +0000 http://www.souriyati.com/?p=42746
يقال أن ملك أمر بتجويع 10 كلاب لكي يرمي لهم كل وزير يخطئ، فينهشوه..
 
أحد الوزراء قام بإسداء رأي خاطئ لم يعجب الملك، فأمر برميه للكلاب.
قال له الوزير: أنا خدمت جلالتك 10 سنوات، وتعمل بي هكذا؟! أمهلني 10 أيام قبل تنفيذ حكمك.
فقال له الملك: لك هذا.
ذهب الوزير إلى حارس الكلاب وقال له: أريد أن أخدم تلك الكلاب لمدة 10 أيام
فقال له الحارس: وماذا تستفيد؟
قأجابه: سوف أخبرك بالأمر مستقبلا. قال له الحارس: لك ذلك.
قام الوزير بالاعتناء بتلك الكلاب؛ إطعمهم وغسلهم، ووفر لهم من سبل الراحة جميعها...
وبعد مرور الـ10 أيام، جيء بالوزير لتنفيذ الحكم، فزج به في غرفة الكلاب. ثم نظر الملك والحاشية باستغراب مما رأوه... الكلاب جاءت تهز ديلها وتجلس تحت قدمي الوزير.
فسأله الملك: ماذا فعلت لهذه لكلاب؟
فقال له الوزير: لقد خدمت هذه الكلاب 10 أيام، فلم تنس لي هذه الخدمة، وجلالتك، خدمتك 10 سنوات، فنسيت كل ذلك في لحظة.
طأطأ الملك رأسه، وأمر بالعفو عنه .
 
إلى كل من قد يكرهك لأول زلة، وينسى كل ما قد عملته له عند أول غلطـه، قد تكون الكلاب أوفى من بعض البشر، في كثير من الأحيان.
]]>
يقال أن ملك أمر بتجويع 10 كلاب لكي يرمي لهم كل وزير يخطئ، فينهشوه..
 
أحد الوزراء قام بإسداء رأي خاطئ لم يعجب الملك، فأمر برميه للكلاب.
قال له الوزير: أنا خدمت جلالتك 10 سنوات، وتعمل بي هكذا؟! أمهلني 10 أيام قبل تنفيذ حكمك.
فقال له الملك: لك هذا.
ذهب الوزير إلى حارس الكلاب وقال له: أريد أن أخدم تلك الكلاب لمدة 10 أيام
فقال له الحارس: وماذا تستفيد؟
قأجابه: سوف أخبرك بالأمر مستقبلا. قال له الحارس: لك ذلك.
قام الوزير بالاعتناء بتلك الكلاب؛ إطعمهم وغسلهم، ووفر لهم من سبل الراحة جميعها...
وبعد مرور الـ10 أيام، جيء بالوزير لتنفيذ الحكم، فزج به في غرفة الكلاب. ثم نظر الملك والحاشية باستغراب مما رأوه... الكلاب جاءت تهز ديلها وتجلس تحت قدمي الوزير.
فسأله الملك: ماذا فعلت لهذه لكلاب؟
فقال له الوزير: لقد خدمت هذه الكلاب 10 أيام، فلم تنس لي هذه الخدمة، وجلالتك، خدمتك 10 سنوات، فنسيت كل ذلك في لحظة.
طأطأ الملك رأسه، وأمر بالعفو عنه .
 
إلى كل من قد يكرهك لأول زلة، وينسى كل ما قد عملته له عند أول غلطـه، قد تكون الكلاب أوفى من بعض البشر، في كثير من الأحيان.
]]>
42746
الخازوق الداخل في فخامته / بقلم عزيز نيسين http://www.souriyati.com/2016/02/01/39686.html Mon, 01 Feb 2016 08:00:00 +0000 http://www.souriyati.com/2016/02/01/39686.html وفي يوم من الأيام، خرج رجل وأخذ يصيح.. صيحة في الأرض وصيحة في السماء: ـ آخ خ خ خ خخ!.. أنا بعرضكم، إن خازوقاً يدخل فيّ.. يدخل فيّ خازووووو.. ق!. في البدء، لم يلتفت إليه أحد، ولم يعره أحد انتباهاً. قال واحد: ــ أنا مالي وما للخازوق الداخل في هذا الرجل.. ألف شكر لله على أنه لم يدخل فيّ خازوق، ولا مازوق! لكن صياح الرجل "إني أتخوزق" ازداد، إلى حد أنه بدأ يقلق سكان تلك الدولة كلهم. قبضت الشرطة، والحرس القائمون على أمن المدينة ونظامها، على الرجل الذي كان يصرخ باستمرار، فحصوه جيداً، فلم يعثروا على أي خازوق فيه. قالوا: ــ هذا الرجل كذاب. إنه يصرخ ويصيح، لكي يقلق الناس. وأبعدوا الرجل عن المدينة، وسدّوا عليه إحدى المغارات. .. راح يوم.. جاء يوم، طلع رئيس دورية الحرس التي قبضت على الرجل الذي كان يصرخ (إني أتخوزق) وصاح: ــ إني أتخوزاااا..ق! الأرض ارتجت من صراخه. قبض عليه الحرس والشرطة، واقتادوه إلى القاضي. فحصه القاضي جيداً. ــ لا يوجد لا خازوق ولا مازوق. لو أن خازوقاً يدخل فيه لكنا رأيناه. إنكم تعكّرون صفو المدينة، من دون مسوغ. قال القاضي قوله هذا، وأصدر حكمه عليه. جنزره من رجليه ورماه في الزنزانة. مرّت أيام.. شهر.. خرج القاضي إلى الزقاق مطيرا أطراف جبته، قاذفا لفته وقبعته، صارخا: ــ دخيلكووووم.. إني أتخوزق!.. كان صراخ القاضي عالياً، باعتبار منزلته عالية، حتى إن السلطان سمعه.. دهش السلطان مما يجري، وقال: ــ ما هذا؟ حتى القاضي يدخل فيه خازوق؟ انظروا جيداً، لنرى ما إذا كان يوجد في القاضي خازوق حقا! ذهب إليه رئيس الأطباء.. قلب القاضي وثناه وبرمه وعاين كل عضو من أعضائه، لم ير أي خازوق فيه.. وإذاك قدّم تقريرا يقول فيه: "لم يدخل في القاضي أي خازوق، لكنه يتوهم أن خازوقاً يدخل فيه ليقلقنا، ويقيم البلاد ويقعدها.. هذا لأن في عقله مرضا.. فليدخل مشفي الأمراض العقلية!". أدخلوا القاضي مشفى الأمراض العقلية. بعد مدة، انتفض رئيس الأطباء الذي لم ير الخازوق الذي دخل في القاضي، من فراشه الدافئ عند الفجر، وخرج إلى الزقاق زاعقاً: ــ آخ.. دخيلكم.. الآن، يدخل خازوق فيّ! الذين رأوا رئيس الأطباء على هذه الحال انطووا وراحوا يدقدقون بأيديهم على ركبهم، ويقهقهون، ويقولون له هازئين: ــ واخ!.. هل جن رئيس الأطباء أيضا؟ رئيس الأطباء هذا القد قده، ويتوهم أن خازوقاً يدخله؟ وصاروا يخرجون من كل صوبٍ، ويدقون له، ويصيحون ساخرين، في حين رئيس الأطباء يصرخ: ــ يا مواطنين! أليس بينكم من يفهم بهذه الشغلة؟ إن ما يدخل فيّ ليس شوكة، إنه خازوق.. وأنا لست مسروراً من هذا.. إني أموت! غضب السلطان وقال: ــ لقد زادها هؤلاء.. يزعمون أن خازوقاً يدخل فيهم، ولا أحد يرى الخازوق. ليأت العلماء ويشاهدوا الأمر. عند هؤلاء برهان العلم، فإذا نحن لم نستطع رؤيته، هم يرونه. جاؤوا بثلاثة أساتذة من أكبر المدارس، واختاروهم كعلماء. فحصوا رئيس الأطباء من فوقه إلى قدمه، قطعة قطعة.. لم يجدوا أي خازوق داخل فيه. ــ لا يوجد خازوق داخل ولا خارج. رئيس الأطباء له هذه القيمة ويحاول تضليلنا؟ يلخبط الناس هكذا؟ كبّلوا رئيس الأطباء من يديه ورجليه، ونفوه إلى مكان بعيد.. ولم يمض إلا زمن قليل، حتى باشر الأساتذة الثلاثة بالصراخ: ــ آه، دخيلكم، يا إخوتي بالله.. إني أتخزوق! فحص شيخ الإسلام ورئيس الديوان ورئيس الوزراء العلماء الثلاثة، ثم قالوا: ــ يصرخون من دون مسوّغ.. لا يدخل فيهم لا خازوق ولا مازوق. في حين كان الأساتذة الثلاثة مستمرين بالصراخ: ــ أليس بين العباد من يرى، يا إخوة الدين؟ ها هو الخازوق يدخل. رموهم في الزنزانة. .. راح ذلك اليوم، جاء غيره، باشر شيخ الإسلام ورئيس الديوان ورئيس الوزراء والوزراء يصرخون صراخا لا يمكن وصفه: ــ آخخخخ.. رحماكم.. أي خازوق هذا الخازوق الذي يدخل فينا الآن؟ ــ لا يوجد خازوق.. لو كان.. لكنا شاهدناه.. إنكم تكذبون. تعال انظر إلى سكان تلك الدولة، مع مرور الزمن، من ابن السابعة حتى ابن السبعين، شُيّاباً وشباباً، صاروا يصرخون: ــ إننا نتخوزق!.. ــ ليفحص الذين لم تدخلهم الخوازيق أولئك الذين يقولون إنهم يتخزوقون، حتى ترى ما إذا كان ادعاؤهم صحيحا! فحص الذين لم تدخلهم الخوازيق أولئك الذين قالوا بوجود خوازيق تدخلهم، فحصوهم على نحو دقيق، لم يجدوا فيهم خوازيق. هتفوا: ــ يعيش السلطان.. برعايتكم، لم نر أي خازوق أو مازوق! هؤلاء يخرّبون ويفسدون. وهكذا، بعد مرور زمن آخر انطلق الجميع يصرخون قائلين إن خوازيق تدخل فيهم. قال السلطان: ــ ليفحص كل الآخر ويرى، هل حقاً يدخل فيه خازوق؟ فحص كل الآخر، لكن أحداً لم ير الخازوق الداخل في الآخر، فقال كل للآخر: ــ أنت كذاب! أنت ليس فيك خازوق. الخازوق يدخل فيّ وحدي، ولأنك تصرخ من دون سبب لم يعد صراخي يُسمع. .. وقع الجميع ببعضهم. راح وقت وجاء وقت. لم يعد أحد يصرخ (إني أتخوزق).. لقد اعتادوا الخازوق.. لا صوت علي الإطلاق.. ما حدث لهم حدث لسابقيهم الذين صرخوا في البدء. وفي منتصف إحدى الليالي، خرج صوت من القصر. زلزل الصوت كل شيء، فقفز الجميع من فرشهم. رمى السلطان نفسه، وهو بالقميص والسروال الداخليين إلى الزقاق، وباشر يصرخ من دون توقف: ــ رحماكم.. يا رعاياي الأحبّة.. الحقووني.. الخازوق يدخل فيّ أيضاً. قال سكان تلك الدولة: ــ هذا سلطان، والسلطان لا يكذب.. دخول الخازوق فيه أمر مؤكد، وإن صياحه على نحو أعلى من صياحنا دليل قاطع علي أن حجم الخازوق الذي يدخل في الشخص يتناسب مع مقامه. لا ريب أن الخازوق الداخل في السلطان خازوق سلطاني. السماء والأرض تئنان، والسلطان يتوسل: ــ لماذا أنتم واقفون؟ تعالوا أخرجوا الخازوق مني. قال الذين كانوا حوله: ــ يا سلطاننا! كيف لنا أن نخرجه؟ هذا الخازوق لا يشبه الخوازيق الأخرى.. إنه لا يُرى بالعين، ولا يُمسك باليد، ولا يشعر بألمه غير من يكابده. جِزّ على أسنانك، وبعد مدة من الزمن، تعتاد الخازوق مثلنا، وترتاح!. ]]> وفي يوم من الأيام، خرج رجل وأخذ يصيح.. صيحة في الأرض وصيحة في السماء: ـ آخ خ خ خ خخ!.. أنا بعرضكم، إن خازوقاً يدخل فيّ.. يدخل فيّ خازووووو.. ق!. في البدء، لم يلتفت إليه أحد، ولم يعره أحد انتباهاً. قال واحد: ــ أنا مالي وما للخازوق الداخل في هذا الرجل.. ألف شكر لله على أنه لم يدخل فيّ خازوق، ولا مازوق! لكن صياح الرجل "إني أتخوزق" ازداد، إلى حد أنه بدأ يقلق سكان تلك الدولة كلهم. قبضت الشرطة، والحرس القائمون على أمن المدينة ونظامها، على الرجل الذي كان يصرخ باستمرار، فحصوه جيداً، فلم يعثروا على أي خازوق فيه. قالوا: ــ هذا الرجل كذاب. إنه يصرخ ويصيح، لكي يقلق الناس. وأبعدوا الرجل عن المدينة، وسدّوا عليه إحدى المغارات. .. راح يوم.. جاء يوم، طلع رئيس دورية الحرس التي قبضت على الرجل الذي كان يصرخ (إني أتخوزق) وصاح: ــ إني أتخوزاااا..ق! الأرض ارتجت من صراخه. قبض عليه الحرس والشرطة، واقتادوه إلى القاضي. فحصه القاضي جيداً. ــ لا يوجد لا خازوق ولا مازوق. لو أن خازوقاً يدخل فيه لكنا رأيناه. إنكم تعكّرون صفو المدينة، من دون مسوغ. قال القاضي قوله هذا، وأصدر حكمه عليه. جنزره من رجليه ورماه في الزنزانة. مرّت أيام.. شهر.. خرج القاضي إلى الزقاق مطيرا أطراف جبته، قاذفا لفته وقبعته، صارخا: ــ دخيلكووووم.. إني أتخوزق!.. كان صراخ القاضي عالياً، باعتبار منزلته عالية، حتى إن السلطان سمعه.. دهش السلطان مما يجري، وقال: ــ ما هذا؟ حتى القاضي يدخل فيه خازوق؟ انظروا جيداً، لنرى ما إذا كان يوجد في القاضي خازوق حقا! ذهب إليه رئيس الأطباء.. قلب القاضي وثناه وبرمه وعاين كل عضو من أعضائه، لم ير أي خازوق فيه.. وإذاك قدّم تقريرا يقول فيه: "لم يدخل في القاضي أي خازوق، لكنه يتوهم أن خازوقاً يدخل فيه ليقلقنا، ويقيم البلاد ويقعدها.. هذا لأن في عقله مرضا.. فليدخل مشفي الأمراض العقلية!". أدخلوا القاضي مشفى الأمراض العقلية. بعد مدة، انتفض رئيس الأطباء الذي لم ير الخازوق الذي دخل في القاضي، من فراشه الدافئ عند الفجر، وخرج إلى الزقاق زاعقاً: ــ آخ.. دخيلكم.. الآن، يدخل خازوق فيّ! الذين رأوا رئيس الأطباء على هذه الحال انطووا وراحوا يدقدقون بأيديهم على ركبهم، ويقهقهون، ويقولون له هازئين: ــ واخ!.. هل جن رئيس الأطباء أيضا؟ رئيس الأطباء هذا القد قده، ويتوهم أن خازوقاً يدخله؟ وصاروا يخرجون من كل صوبٍ، ويدقون له، ويصيحون ساخرين، في حين رئيس الأطباء يصرخ: ــ يا مواطنين! أليس بينكم من يفهم بهذه الشغلة؟ إن ما يدخل فيّ ليس شوكة، إنه خازوق.. وأنا لست مسروراً من هذا.. إني أموت! غضب السلطان وقال: ــ لقد زادها هؤلاء.. يزعمون أن خازوقاً يدخل فيهم، ولا أحد يرى الخازوق. ليأت العلماء ويشاهدوا الأمر. عند هؤلاء برهان العلم، فإذا نحن لم نستطع رؤيته، هم يرونه. جاؤوا بثلاثة أساتذة من أكبر المدارس، واختاروهم كعلماء. فحصوا رئيس الأطباء من فوقه إلى قدمه، قطعة قطعة.. لم يجدوا أي خازوق داخل فيه. ــ لا يوجد خازوق داخل ولا خارج. رئيس الأطباء له هذه القيمة ويحاول تضليلنا؟ يلخبط الناس هكذا؟ كبّلوا رئيس الأطباء من يديه ورجليه، ونفوه إلى مكان بعيد.. ولم يمض إلا زمن قليل، حتى باشر الأساتذة الثلاثة بالصراخ: ــ آه، دخيلكم، يا إخوتي بالله.. إني أتخزوق! فحص شيخ الإسلام ورئيس الديوان ورئيس الوزراء العلماء الثلاثة، ثم قالوا: ــ يصرخون من دون مسوّغ.. لا يدخل فيهم لا خازوق ولا مازوق. في حين كان الأساتذة الثلاثة مستمرين بالصراخ: ــ أليس بين العباد من يرى، يا إخوة الدين؟ ها هو الخازوق يدخل. رموهم في الزنزانة. .. راح ذلك اليوم، جاء غيره، باشر شيخ الإسلام ورئيس الديوان ورئيس الوزراء والوزراء يصرخون صراخا لا يمكن وصفه: ــ آخخخخ.. رحماكم.. أي خازوق هذا الخازوق الذي يدخل فينا الآن؟ ــ لا يوجد خازوق.. لو كان.. لكنا شاهدناه.. إنكم تكذبون. تعال انظر إلى سكان تلك الدولة، مع مرور الزمن، من ابن السابعة حتى ابن السبعين، شُيّاباً وشباباً، صاروا يصرخون: ــ إننا نتخوزق!.. ــ ليفحص الذين لم تدخلهم الخوازيق أولئك الذين يقولون إنهم يتخزوقون، حتى ترى ما إذا كان ادعاؤهم صحيحا! فحص الذين لم تدخلهم الخوازيق أولئك الذين قالوا بوجود خوازيق تدخلهم، فحصوهم على نحو دقيق، لم يجدوا فيهم خوازيق. هتفوا: ــ يعيش السلطان.. برعايتكم، لم نر أي خازوق أو مازوق! هؤلاء يخرّبون ويفسدون. وهكذا، بعد مرور زمن آخر انطلق الجميع يصرخون قائلين إن خوازيق تدخل فيهم. قال السلطان: ــ ليفحص كل الآخر ويرى، هل حقاً يدخل فيه خازوق؟ فحص كل الآخر، لكن أحداً لم ير الخازوق الداخل في الآخر، فقال كل للآخر: ــ أنت كذاب! أنت ليس فيك خازوق. الخازوق يدخل فيّ وحدي، ولأنك تصرخ من دون سبب لم يعد صراخي يُسمع. .. وقع الجميع ببعضهم. راح وقت وجاء وقت. لم يعد أحد يصرخ (إني أتخوزق).. لقد اعتادوا الخازوق.. لا صوت علي الإطلاق.. ما حدث لهم حدث لسابقيهم الذين صرخوا في البدء. وفي منتصف إحدى الليالي، خرج صوت من القصر. زلزل الصوت كل شيء، فقفز الجميع من فرشهم. رمى السلطان نفسه، وهو بالقميص والسروال الداخليين إلى الزقاق، وباشر يصرخ من دون توقف: ــ رحماكم.. يا رعاياي الأحبّة.. الحقووني.. الخازوق يدخل فيّ أيضاً. قال سكان تلك الدولة: ــ هذا سلطان، والسلطان لا يكذب.. دخول الخازوق فيه أمر مؤكد، وإن صياحه على نحو أعلى من صياحنا دليل قاطع علي أن حجم الخازوق الذي يدخل في الشخص يتناسب مع مقامه. لا ريب أن الخازوق الداخل في السلطان خازوق سلطاني. السماء والأرض تئنان، والسلطان يتوسل: ــ لماذا أنتم واقفون؟ تعالوا أخرجوا الخازوق مني. قال الذين كانوا حوله: ــ يا سلطاننا! كيف لنا أن نخرجه؟ هذا الخازوق لا يشبه الخوازيق الأخرى.. إنه لا يُرى بالعين، ولا يُمسك باليد، ولا يشعر بألمه غير من يكابده. جِزّ على أسنانك، وبعد مدة من الزمن، تعتاد الخازوق مثلنا، وترتاح!. ]]> 39686 القطة : قصة قصيرة للكاتب الليبي أحمد يوسف عقيلة http://www.souriyati.com/2016/01/24/38670.html Sun, 24 Jan 2016 09:51:03 +0000 http://www.souriyati.com/?p=38670 أحد المساءات الربيعية .. في تلك اللحظة التي يكون فيها قرص الشمس في متناول كفَّيك ..! اللحظة التي تتوهَّج فيها التنانير .. وتنعقد حُزَم الدخان فوق الوادي .. كانت القِطَّة تتمدَّد في تجويفٍ تحت الصخرة .. غائبة عن الوعي .. بلغ الألم مُنتهاه .. حتى تلاشى الإحساس بالألم ..! أفاقت .. استدارت .. غمرها إحساس جارف بالأُمومة .. هذه أول مرَّة تعرف طعم هذا الإحساس ..! تأمَّلت أُسرتها .. خمس قُطيطات .. أربعٌ بِيض .. وواحدٌ أسود . تشمَّمتْهم .. ـ البياض لي .. والسواد له .. تُرى أين هو الآن ..؟ لا هَمَّ له سوى النزول من فوق قِطَّة .. واعتلاء أُخرى .. ثُمَّ يتلهَّى ويصطاد .. وكأنه لا علاقة له بالأمر ..! إنه لا يعرف حتى مذاق الألم .. ولكن .. لا بأس .. دعونا نتذوَّق اللحظة الراهنة . لحستْهم .. واحداً واحداً .. ثُمَّ استلقت من جديد .. ومنحتْهم أثداءها الطافحة بالحليب . ( 2 ) في الصباح .. ألْقتْ نظرةً على صغارها العُميان .. لقد ارتوتْ .. وهي الآن مستغرِقة في نومٍ عميق .. وكل واحد يدسُّ رأسه في حضن الآخر . خرجت لاصطياد ما يمكن اصطياده .. تطلَّعت حولها .. إنها في مأمنٍ من شقاوة الأولاد .. فقد اختارت هذا التجويف الصخري البعيد .. حتى لا تكون هدفاً للمقاليع . الْتفتت إلى بيتها .. ـ ولكن ماذا لو تسلَّلت إحدى الأفاعي ..؟ ارتعشت وهي تتصوّر ذلك . أخذت تُضيِّق الفتحة .. كوَّمت التراب في المدخل .. ثُمَّ ... ـ ماذا يفعل هذا الثعلب الملعون هنا ..؟ إنه يتشمَّم كل شيء .. لا يجب أن يراني . عادت .. حشرت صغارها في أعماق التجويف .. وأخذت موقف الدفاع .. فكَّرت : ـ إننا قريبون من المدخل .. في متناول المخالب . شرعت تحفر إلى الداخل .. تحفر .. حتى توغَّلت .. ولم تعُد ترى صغارها . عادت .. أخذت تلتقطهم من أعناقهم .. يتأرجحون بين فكَّي الأُمومة ..! ـ والآن أصبحتم في مأمن . مكثتْ قليلاً .. تلتقط أنفاسها .. ثُمَّ أطلعت رأسها من الفتحة .. ـ اختفى الثعلب .. لكنَّ رائحته لا تزال قوية . رفعت أنفها في كل الاتجاهات .. ـ آه .. المخادع يترصَّد من خلف الصخرة .. يظنُّ أنه يخدعني .. صغاري لن يكونوا لُقمة سهلةً لأحد . ... وبقيت تسدُّ المدخل .. ... في المساء .. حطَّت بُومة على الخَرُّوبة المجاورة .. ونعبت نعيباً فاجِعاً . ـ لم يعُد ينقصني سوى البومة ..! إنها أخطر من الثعلب .. لن تجد صعوبة في الدخول .. لكنني لن أترك صغاري الآن .. سأرى مَن منَّا ستصبر أكثر ..؟ هل ستبقَين فوق الغصن إلى الأبد ..؟! ( 3 ) ... في آخر الليل أخذت القطيطات تموء .. وتتحسَّس الأثداء . لم يغمض للأُم جفن .. ـ ماذا أفعل لحمايتهم ..؟ ماذا أفعل لدفع الخطر عن العائلة ..؟ إذا خرجتُ الْتهمهم المُترصِّدون .. وإذا بقيتُ قتلهم الجوع .. ذلك السافل .. يغرز أسنانه في عنقي .. يقذف في أحشائي عائلة كاملة .. ثُمَّ يختفي ..! كأنَّ الأمر لا يعنيه .. لو أنه يأتي الآن لتناوبنا الحراسة .. ولكن لا مناص من الخروج غداً .. لابُدَّ من الخروج في نهاية المطاف .. لن أسمح لهم بدفننا أحياء . أطلعت رأسها .. تأملت القمر الحائم فوق الوادي .. وظِلال الأشجار الباهتة .. أطلقت البومة ثلاث نعبات متتالية مُؤكِّدةً وجودها .. ومسحت سحابةُ ضوءَ القمر . ( 4 ) في الفجر .. رفعت نفسها بوهن من بين صغارها .. التي لم تَكُفّ عن المواء طوال الليل .. زحفت ناحية المَخْرَج .. جفَّت الأثداء .. كان الجوع ينهشها .. كانت تسمع تكسُّر البَيض في الأعشاش الدافئة .. والزقزقات الأولى للعُصَيفيرات الوليدة . أخرجت رأسها .. استرابت .. ـ كالعادة .. الأمور على أسوأ ما يُرام .. الثعلب فوق الصخرة .. والبومة في أعلى الشجرة .. ولا شك أنَّ الأفعى تكمن في الجِوار .. إنهم يترصَّدون صغاري من فوق ومن تحت . أغمضت عينيها .. ثُمَّ .. قررت أن تعود .. لا يزال هناك خِيار . سدَّت المدخل بكومة من التراب .. واختفت في ظلمة الصخرة . ( 5 ) ... عند ارتفاع الضحى .. بدأت كومة التراب تتحرَّك .. انتصبت أُذنا الثعلب .. أدارت البومة رأسها .. تكوَّرت الأفعى . انزاح التراب .. برز المخلبان .. الرأس .. الكتفان .. انضغط الجسد مقذوفاً إلى الخارج . كانت مُنتفِخة .. تتمايل .. أثداؤها تنزُّ بالحليب . انحدرت مع الوادي .. تمشي بهدوء .. لا يبدو عليها أثر للخوف .. أو القلق . ... تسابق المُترصِّدون .. الأفعى أول الداخلين .. كانت أقربهم .. توغَّلت .. أحسَّت بدفء التراب .. أخرجت لسانها تلتقط الرائحة الشهية .. ولكن ... لم يكن هناك أَثرٌ لشيء .. لا شيء سوى نُتَفٍ من الوَبَر .. وبُقَعٍ من الدَّم ..!     موقع القصة العربية   ]]> أحد المساءات الربيعية .. في تلك اللحظة التي يكون فيها قرص الشمس في متناول كفَّيك ..! اللحظة التي تتوهَّج فيها التنانير .. وتنعقد حُزَم الدخان فوق الوادي .. كانت القِطَّة تتمدَّد في تجويفٍ تحت الصخرة .. غائبة عن الوعي .. بلغ الألم مُنتهاه .. حتى تلاشى الإحساس بالألم ..! أفاقت .. استدارت .. غمرها إحساس جارف بالأُمومة .. هذه أول مرَّة تعرف طعم هذا الإحساس ..! تأمَّلت أُسرتها .. خمس قُطيطات .. أربعٌ بِيض .. وواحدٌ أسود . تشمَّمتْهم .. ـ البياض لي .. والسواد له .. تُرى أين هو الآن ..؟ لا هَمَّ له سوى النزول من فوق قِطَّة .. واعتلاء أُخرى .. ثُمَّ يتلهَّى ويصطاد .. وكأنه لا علاقة له بالأمر ..! إنه لا يعرف حتى مذاق الألم .. ولكن .. لا بأس .. دعونا نتذوَّق اللحظة الراهنة . لحستْهم .. واحداً واحداً .. ثُمَّ استلقت من جديد .. ومنحتْهم أثداءها الطافحة بالحليب . ( 2 ) في الصباح .. ألْقتْ نظرةً على صغارها العُميان .. لقد ارتوتْ .. وهي الآن مستغرِقة في نومٍ عميق .. وكل واحد يدسُّ رأسه في حضن الآخر . خرجت لاصطياد ما يمكن اصطياده .. تطلَّعت حولها .. إنها في مأمنٍ من شقاوة الأولاد .. فقد اختارت هذا التجويف الصخري البعيد .. حتى لا تكون هدفاً للمقاليع . الْتفتت إلى بيتها .. ـ ولكن ماذا لو تسلَّلت إحدى الأفاعي ..؟ ارتعشت وهي تتصوّر ذلك . أخذت تُضيِّق الفتحة .. كوَّمت التراب في المدخل .. ثُمَّ ... ـ ماذا يفعل هذا الثعلب الملعون هنا ..؟ إنه يتشمَّم كل شيء .. لا يجب أن يراني . عادت .. حشرت صغارها في أعماق التجويف .. وأخذت موقف الدفاع .. فكَّرت : ـ إننا قريبون من المدخل .. في متناول المخالب . شرعت تحفر إلى الداخل .. تحفر .. حتى توغَّلت .. ولم تعُد ترى صغارها . عادت .. أخذت تلتقطهم من أعناقهم .. يتأرجحون بين فكَّي الأُمومة ..! ـ والآن أصبحتم في مأمن . مكثتْ قليلاً .. تلتقط أنفاسها .. ثُمَّ أطلعت رأسها من الفتحة .. ـ اختفى الثعلب .. لكنَّ رائحته لا تزال قوية . رفعت أنفها في كل الاتجاهات .. ـ آه .. المخادع يترصَّد من خلف الصخرة .. يظنُّ أنه يخدعني .. صغاري لن يكونوا لُقمة سهلةً لأحد . ... وبقيت تسدُّ المدخل .. ... في المساء .. حطَّت بُومة على الخَرُّوبة المجاورة .. ونعبت نعيباً فاجِعاً . ـ لم يعُد ينقصني سوى البومة ..! إنها أخطر من الثعلب .. لن تجد صعوبة في الدخول .. لكنني لن أترك صغاري الآن .. سأرى مَن منَّا ستصبر أكثر ..؟ هل ستبقَين فوق الغصن إلى الأبد ..؟! ( 3 ) ... في آخر الليل أخذت القطيطات تموء .. وتتحسَّس الأثداء . لم يغمض للأُم جفن .. ـ ماذا أفعل لحمايتهم ..؟ ماذا أفعل لدفع الخطر عن العائلة ..؟ إذا خرجتُ الْتهمهم المُترصِّدون .. وإذا بقيتُ قتلهم الجوع .. ذلك السافل .. يغرز أسنانه في عنقي .. يقذف في أحشائي عائلة كاملة .. ثُمَّ يختفي ..! كأنَّ الأمر لا يعنيه .. لو أنه يأتي الآن لتناوبنا الحراسة .. ولكن لا مناص من الخروج غداً .. لابُدَّ من الخروج في نهاية المطاف .. لن أسمح لهم بدفننا أحياء . أطلعت رأسها .. تأملت القمر الحائم فوق الوادي .. وظِلال الأشجار الباهتة .. أطلقت البومة ثلاث نعبات متتالية مُؤكِّدةً وجودها .. ومسحت سحابةُ ضوءَ القمر . ( 4 ) في الفجر .. رفعت نفسها بوهن من بين صغارها .. التي لم تَكُفّ عن المواء طوال الليل .. زحفت ناحية المَخْرَج .. جفَّت الأثداء .. كان الجوع ينهشها .. كانت تسمع تكسُّر البَيض في الأعشاش الدافئة .. والزقزقات الأولى للعُصَيفيرات الوليدة . أخرجت رأسها .. استرابت .. ـ كالعادة .. الأمور على أسوأ ما يُرام .. الثعلب فوق الصخرة .. والبومة في أعلى الشجرة .. ولا شك أنَّ الأفعى تكمن في الجِوار .. إنهم يترصَّدون صغاري من فوق ومن تحت . أغمضت عينيها .. ثُمَّ .. قررت أن تعود .. لا يزال هناك خِيار . سدَّت المدخل بكومة من التراب .. واختفت في ظلمة الصخرة . ( 5 ) ... عند ارتفاع الضحى .. بدأت كومة التراب تتحرَّك .. انتصبت أُذنا الثعلب .. أدارت البومة رأسها .. تكوَّرت الأفعى . انزاح التراب .. برز المخلبان .. الرأس .. الكتفان .. انضغط الجسد مقذوفاً إلى الخارج . كانت مُنتفِخة .. تتمايل .. أثداؤها تنزُّ بالحليب . انحدرت مع الوادي .. تمشي بهدوء .. لا يبدو عليها أثر للخوف .. أو القلق . ... تسابق المُترصِّدون .. الأفعى أول الداخلين .. كانت أقربهم .. توغَّلت .. أحسَّت بدفء التراب .. أخرجت لسانها تلتقط الرائحة الشهية .. ولكن ... لم يكن هناك أَثرٌ لشيء .. لا شيء سوى نُتَفٍ من الوَبَر .. وبُقَعٍ من الدَّم ..!     موقع القصة العربية   ]]> 38670 ابتسام شاكوش : قصة قصيرة / فنجان قهوة / يا بنات انتبهو من أولاد الحرام !!!! http://www.souriyati.com/2016/01/22/38439.html Fri, 22 Jan 2016 13:50:56 +0000 http://www.souriyati.com/?p=38439 نظر إلى المرآة المعلّقة فوق رأس السائق، يتأمل وجه الشابة الجالسة أمامه فتاة تحمل من الحلّي ما يعجز عن حمله حصان رسلان الأشقر، أساور الفضّة تصلصل في ذراعيها فتسمعه نغماً عذباً، يعود به إلى الطفولة البعيدة البعيدة، حيث كان يصل مثل هذا النغم إلى أذنيه لذيذاً غامضاً، وهو متمسك بساقي رسلان، يتدفّأ بعباءته هرباً من ريح كانون الشمالية، صلصلة مرادفة للأمان، أمان مؤقت، يستمر بضع دقائق، ريثما تهدأ أسنانه عن الاصطكاك بفعل البرد، بينما يتململ الحصان في وقفته، مستعجلاً فارسه على متابعة السير للوصول إلى اسطبله الدافئ، بعدها، يفرد الفارس عباءته، ويأمره بالجري السريع لإيصال الزوادة إلى المرعى، قبل أن يصرعه القرّ.‏ لم يجد الأمان في قصره الذي أشاده فوق أعلى تلال القرية، ولا في درجه المفتوح نصف فتحة، تتساقط فيه الأوراق النقدية من أيدي المراجعين مزراباً لا ينقطع، ولا وجده عنده زوجته الشابة الجديدة، التي تزوج بها سراً وأسكنها إحدى الشقق التي يملكها في العاصمة، ولا في المظاريف الحبلى بمبالغ تدفع له لقاء وساطة ما.‏ الأمان كلمة زائفة تشبه في معناها الحب، والحب أكذوبة كبرى تصلح لخداع النساء سيمنح لهذه الفتاة، الجالسة أمامه، إحساساً بالحب، تحلق به، تطير في جوّ الحافلة مدّة تقارب المدة التي كان يقضيها لائذاً بعباءة رسلان.‏ انتبهت إليه الشابة، يبدو أنها مثله، تتقن التمثيل جيداً، لا وقت لديها للتفكير، أو التأمل، وقت التأمل استهلكته هناك، في بيتها أمام المرآة، حيث مدت خطوط الكحل فوق عينيها، وزّعت الماسكرا على الرموش فمنحتها طولاً وسواداً إضافياً، رسمت حدود شفتيها بدقة لا تعرفها هيئات ترسيم الحدود من الأمم المتحدة، وزعت الأحمر على وجنتيها بشكل يوحي بالخفر، لذلك تركت نظراته تطارد عينيها الهاربتين من مرآة إلى أخرى، تلاحق المرح والإغراء، تستشف البسمات المعلنة والمكتومة، تمتص أحمر شفتيها، تخترق بياض حاجبيها، تنزلق على الخدّ الأسيل نزولاً إلى العنق المطوق بأطواق الفضة المتدلية حتى أسفل حزام بنطالها الجينز، هذه الفتاة -قال في سرّه- تصلح رفيقة للسفر، يستأنس بها طوال الطريق ثم يتركها وشأنها، هذا الصنف من النساء لا خير فيه، لو كانت ممن يبحث عنهن، لاستبدلت بأطواق الخزر والفضة حلياً ذهبية، يبدو أنها فقيرة تتصيد رجالاً أغنياء، ربما تحاول اصطياده بهذه النظرات النارية الهاربة بين المرايا، ترك نفسه صيداً سهلاً أمامها ليرى من سيكسب اللعبة في النهاية.‏ -صباح الخير يا آنستي.‏ التفتت إليه بدلال، نترت رأسها بسرعة، طار شعرها فوق مسند المقعد وانسدل ستاراً مخملياً متموجاً.‏ -كم الساعة الآن؟‏ ابتسمت برقة من تعودت سماع الغزل، نظرت إلى ساعة يدها، ثم رفعت رأسها مسحت ملامحه بنظرة سريعة متفحصة، لامست ظنونها آثار النعمة البادية على وجهه الممتلئ، صيد ثمين- قالت في نفسها- هذا صيد ثمين.‏ -الساعة الآن الحادية عشرة.‏ مدّت يدها إلى الخلف، لمت خصلات شعرها بأصابعها الرشيقة المطلية الأظافر، وأنزلتها على صدرها، أعادت النظر إلى ساعتها.‏ -إلا ثلاث دقائق.‏ -يبدو أنك مولعة بتفاصيل كل شيء.‏ -ما الغريب في الأمر؟‏ -الأمر غريب برمته، الجميلات لا تعير اهتماماً للتفاصيل الصغيرة.‏ -هل تعني أني جميلة؟‏ -ألا تعلمين ذلك؟ غريب، لو مررت أمام أعمى لأدرك في الحال كم أنت جميلة.‏ ابتسمت برضى، التفتت بكليتها إليه، دار بينهما حديث مكثف مختزل، حاول كل منهما اكتشاف صاحبه من خلاله.‏ -هل تحبين العلكة؟ ينصح الأطباء بأخذ العلكة في السفر حفاظاً على الأذنين من الانسداد بفعل الضجيج.‏ لم ينتظر جوابها، نادى الصبي البائع، فتح محفظته المتخمة بالأوراق النقدية سحب منها ورقة كبيرة أعطاها للصبي، اعتذر الآخر بأنه لا يملك (فراطة) بحث في جيوبه متمهلاً تناولت الفتاة قطعة نقدية من حقيبة يدها أعطتها للصبي، وظلّ لعابها يسيل اشتهاء للمحفظة.‏ تابعا حديثاً منوعاً شمل كل شيء، من أقلام حمرة الشفاه إلى نظام القبول في الجامعات مروراً بمشكلة السلام في الشرق الأوسط، وظلّت تحدثه وتستمع لحديثه، كلاهما يأمل أن يصطاد حتى وصل الباص إلى الاستراحة.‏ -هل تتغدى الجميلات في الاستراحة؟ أم تكتفي بشرب القهوة؟‏ -ام م م م سأشاور عقلي.‏ -هيا يا عقلها، أغثني أرجوك، أسرع فما عدت أطيق صبراً على العذاب.‏ -قهوة، مع قطعة من الكاتو، أو البسكويت.‏ -اختاري نوع البسكويت ريثما أطلب القهوة.‏ شربا القهوة على مهل، أثناء ذلك قرأ عليها لازمته التي يرددها أمام كل النساء رجل وحداني، ترك زوجته المختلفة، التي تزوجها إرضاء لماما وبابا، وهو يعيش الآن كالطير الحرّ، أخبرها أنه لايؤمن بجدوى الزواج، لكنه يريد لنفسه زواجاً بعد قصة حبّ محرقة مجنونة لا يهمه المال، فهو يملك منه الكثير، تأتيه من مشاريعه داخل البلد وخارجه.‏ -هل تسافر كثيراً؟ إلى أين؟؟‏ -إلى كل مكان في العالم. ألا يقولون العالم قرية صغيرة؟ هو بالنسبة لي قرية صغيرة.‏ -هل‏ -وهل ترين أني أصلح لمرافقة الجميلات؟‏ -تصلح جدّاً، بل أنت من يصلح.‏ -إلى أي تسافرين الآن؟‏ -كنت في دمشق، تقدمت لمسابقة اختيار مدرسين.‏ -اختيار مدرسين؟ -قال مستنكراً- تريدين أن تشتغلي بالتعليم؟‏ -إذا نجحت في المسابقة.‏ -الأمر غير مضمون إذاً؟ خسارة أن تصلب هذه القامة الرائعة في ظلمة الصفّ أمام السبورة السوداء، تتطلع إليها عيون تلاميذ لا يقدرون قيمة الجمال.‏ -ماذا أشتغل إذاً؟‏ -تشتغلين؟ مثلك يجب أن تكون أميرة، الكل يشتغل ليرضيها.‏ الوقت المخصص للاستراحة أوشك على الانتهاء، استأذن رفيقته ليدخل الحمّام، خرج من القاعة الكبيرة ودار حول البناء، جلس على حجر هناك منتظراً صوت بوق الباص، وظلّت هي في مكانها، تحاول السيطرة على مشاعرها التي اجتاحها هذا الرجل، اجتياح سرب من الجراد لحقل أخضر، جمع في يده كل أحلامها وأمنياتها، ضمّها في خيط واحد بعد أن كانت خرزات مبعثرة جعل منها مسبحة وضعها في جيبه، إلى جانب محفظة نقوده، استسلمت لحالة من الاسترخاء تتذوق خلالها على مهل متعة وعوده، تتلمظ بقايا اجتياحه بلذة لا تقاس بمقياس.‏ أطلق الباص أبواقه، راحت تبحث بعينين قلقتين بين الركاب، منتظرة أن يعود ليدفع ثمن القهوة، هدر المحرك، عاد كل المسافرين إلى أماكنهم فلم تجد بداً من الدفع، دفعت وصعدت حانقة، استدارت الحافلة وهمّت بالمسير، جاء راكضاً، اتخذ مجلسه لاهثاً، ضاحكاً في دخيلة نفسه من خيبة رفيقته التي جلست صامتة غضبى، لم تلتفت إليه، كانت تأمل أن يسترضيها، لكنه لم يفعل، بل أسند رأسه للخلف وشرد في أفكاره.‏ العجوز الجالس قبالتها ركز نظارته على أنفه، ثم نزعها ليمسح زجاجتيها بمنديل رقيق، أعادها إلى مكانها وتابع مراقبة الفتاة، انتبهت إليه، تصنعت المزيد من حركات الدلال والإغراء لتثير الغيرة في صدر رفيق فنجان القهوة، عاد العجوز بأحلامه بضعة عقود من السنين للوراء، تنهد بعمق ثم حوّل نظره عنها.‏ التفتت إلى رفيقها، كان غارقاً في إغفاءة عميقة، جعلت جسده ينوس مع حركة الحافلة يميناً وشمالاً، ملأها الغيظ، همت أن تنفجر في وجهه مطالبة بثمن القهوة، التقت عيناها عرضاً بعيني رجل من الركاب يتأملها باسماً، حينذاك، تركت رفيقها غارقاً في أحلام نومه، فردت غضون جبينها، هدّأت انفعالها، أسبلت جفنيها، استرجعت بسمتها والتفتت إليه.‏ حين توقفت الحافلة في أول مواقفها، نزل، مجنباً نفسه عناء الاصطدام الكلامي معها خاتماً بذلك حكاية غرامية، انتهت فصولها قبل أن يتعرف على اسم رفيقته.‏     المصدر  موقع  القصة  العربية    قصص  أخرى  لكتاب  سوريين   ]]> نظر إلى المرآة المعلّقة فوق رأس السائق، يتأمل وجه الشابة الجالسة أمامه فتاة تحمل من الحلّي ما يعجز عن حمله حصان رسلان الأشقر، أساور الفضّة تصلصل في ذراعيها فتسمعه نغماً عذباً، يعود به إلى الطفولة البعيدة البعيدة، حيث كان يصل مثل هذا النغم إلى أذنيه لذيذاً غامضاً، وهو متمسك بساقي رسلان، يتدفّأ بعباءته هرباً من ريح كانون الشمالية، صلصلة مرادفة للأمان، أمان مؤقت، يستمر بضع دقائق، ريثما تهدأ أسنانه عن الاصطكاك بفعل البرد، بينما يتململ الحصان في وقفته، مستعجلاً فارسه على متابعة السير للوصول إلى اسطبله الدافئ، بعدها، يفرد الفارس عباءته، ويأمره بالجري السريع لإيصال الزوادة إلى المرعى، قبل أن يصرعه القرّ.‏ لم يجد الأمان في قصره الذي أشاده فوق أعلى تلال القرية، ولا في درجه المفتوح نصف فتحة، تتساقط فيه الأوراق النقدية من أيدي المراجعين مزراباً لا ينقطع، ولا وجده عنده زوجته الشابة الجديدة، التي تزوج بها سراً وأسكنها إحدى الشقق التي يملكها في العاصمة، ولا في المظاريف الحبلى بمبالغ تدفع له لقاء وساطة ما.‏ الأمان كلمة زائفة تشبه في معناها الحب، والحب أكذوبة كبرى تصلح لخداع النساء سيمنح لهذه الفتاة، الجالسة أمامه، إحساساً بالحب، تحلق به، تطير في جوّ الحافلة مدّة تقارب المدة التي كان يقضيها لائذاً بعباءة رسلان.‏ انتبهت إليه الشابة، يبدو أنها مثله، تتقن التمثيل جيداً، لا وقت لديها للتفكير، أو التأمل، وقت التأمل استهلكته هناك، في بيتها أمام المرآة، حيث مدت خطوط الكحل فوق عينيها، وزّعت الماسكرا على الرموش فمنحتها طولاً وسواداً إضافياً، رسمت حدود شفتيها بدقة لا تعرفها هيئات ترسيم الحدود من الأمم المتحدة، وزعت الأحمر على وجنتيها بشكل يوحي بالخفر، لذلك تركت نظراته تطارد عينيها الهاربتين من مرآة إلى أخرى، تلاحق المرح والإغراء، تستشف البسمات المعلنة والمكتومة، تمتص أحمر شفتيها، تخترق بياض حاجبيها، تنزلق على الخدّ الأسيل نزولاً إلى العنق المطوق بأطواق الفضة المتدلية حتى أسفل حزام بنطالها الجينز، هذه الفتاة -قال في سرّه- تصلح رفيقة للسفر، يستأنس بها طوال الطريق ثم يتركها وشأنها، هذا الصنف من النساء لا خير فيه، لو كانت ممن يبحث عنهن، لاستبدلت بأطواق الخزر والفضة حلياً ذهبية، يبدو أنها فقيرة تتصيد رجالاً أغنياء، ربما تحاول اصطياده بهذه النظرات النارية الهاربة بين المرايا، ترك نفسه صيداً سهلاً أمامها ليرى من سيكسب اللعبة في النهاية.‏ -صباح الخير يا آنستي.‏ التفتت إليه بدلال، نترت رأسها بسرعة، طار شعرها فوق مسند المقعد وانسدل ستاراً مخملياً متموجاً.‏ -كم الساعة الآن؟‏ ابتسمت برقة من تعودت سماع الغزل، نظرت إلى ساعة يدها، ثم رفعت رأسها مسحت ملامحه بنظرة سريعة متفحصة، لامست ظنونها آثار النعمة البادية على وجهه الممتلئ، صيد ثمين- قالت في نفسها- هذا صيد ثمين.‏ -الساعة الآن الحادية عشرة.‏ مدّت يدها إلى الخلف، لمت خصلات شعرها بأصابعها الرشيقة المطلية الأظافر، وأنزلتها على صدرها، أعادت النظر إلى ساعتها.‏ -إلا ثلاث دقائق.‏ -يبدو أنك مولعة بتفاصيل كل شيء.‏ -ما الغريب في الأمر؟‏ -الأمر غريب برمته، الجميلات لا تعير اهتماماً للتفاصيل الصغيرة.‏ -هل تعني أني جميلة؟‏ -ألا تعلمين ذلك؟ غريب، لو مررت أمام أعمى لأدرك في الحال كم أنت جميلة.‏ ابتسمت برضى، التفتت بكليتها إليه، دار بينهما حديث مكثف مختزل، حاول كل منهما اكتشاف صاحبه من خلاله.‏ -هل تحبين العلكة؟ ينصح الأطباء بأخذ العلكة في السفر حفاظاً على الأذنين من الانسداد بفعل الضجيج.‏ لم ينتظر جوابها، نادى الصبي البائع، فتح محفظته المتخمة بالأوراق النقدية سحب منها ورقة كبيرة أعطاها للصبي، اعتذر الآخر بأنه لا يملك (فراطة) بحث في جيوبه متمهلاً تناولت الفتاة قطعة نقدية من حقيبة يدها أعطتها للصبي، وظلّ لعابها يسيل اشتهاء للمحفظة.‏ تابعا حديثاً منوعاً شمل كل شيء، من أقلام حمرة الشفاه إلى نظام القبول في الجامعات مروراً بمشكلة السلام في الشرق الأوسط، وظلّت تحدثه وتستمع لحديثه، كلاهما يأمل أن يصطاد حتى وصل الباص إلى الاستراحة.‏ -هل تتغدى الجميلات في الاستراحة؟ أم تكتفي بشرب القهوة؟‏ -ام م م م سأشاور عقلي.‏ -هيا يا عقلها، أغثني أرجوك، أسرع فما عدت أطيق صبراً على العذاب.‏ -قهوة، مع قطعة من الكاتو، أو البسكويت.‏ -اختاري نوع البسكويت ريثما أطلب القهوة.‏ شربا القهوة على مهل، أثناء ذلك قرأ عليها لازمته التي يرددها أمام كل النساء رجل وحداني، ترك زوجته المختلفة، التي تزوجها إرضاء لماما وبابا، وهو يعيش الآن كالطير الحرّ، أخبرها أنه لايؤمن بجدوى الزواج، لكنه يريد لنفسه زواجاً بعد قصة حبّ محرقة مجنونة لا يهمه المال، فهو يملك منه الكثير، تأتيه من مشاريعه داخل البلد وخارجه.‏ -هل تسافر كثيراً؟ إلى أين؟؟‏ -إلى كل مكان في العالم. ألا يقولون العالم قرية صغيرة؟ هو بالنسبة لي قرية صغيرة.‏ -هل‏ -وهل ترين أني أصلح لمرافقة الجميلات؟‏ -تصلح جدّاً، بل أنت من يصلح.‏ -إلى أي تسافرين الآن؟‏ -كنت في دمشق، تقدمت لمسابقة اختيار مدرسين.‏ -اختيار مدرسين؟ -قال مستنكراً- تريدين أن تشتغلي بالتعليم؟‏ -إذا نجحت في المسابقة.‏ -الأمر غير مضمون إذاً؟ خسارة أن تصلب هذه القامة الرائعة في ظلمة الصفّ أمام السبورة السوداء، تتطلع إليها عيون تلاميذ لا يقدرون قيمة الجمال.‏ -ماذا أشتغل إذاً؟‏ -تشتغلين؟ مثلك يجب أن تكون أميرة، الكل يشتغل ليرضيها.‏ الوقت المخصص للاستراحة أوشك على الانتهاء، استأذن رفيقته ليدخل الحمّام، خرج من القاعة الكبيرة ودار حول البناء، جلس على حجر هناك منتظراً صوت بوق الباص، وظلّت هي في مكانها، تحاول السيطرة على مشاعرها التي اجتاحها هذا الرجل، اجتياح سرب من الجراد لحقل أخضر، جمع في يده كل أحلامها وأمنياتها، ضمّها في خيط واحد بعد أن كانت خرزات مبعثرة جعل منها مسبحة وضعها في جيبه، إلى جانب محفظة نقوده، استسلمت لحالة من الاسترخاء تتذوق خلالها على مهل متعة وعوده، تتلمظ بقايا اجتياحه بلذة لا تقاس بمقياس.‏ أطلق الباص أبواقه، راحت تبحث بعينين قلقتين بين الركاب، منتظرة أن يعود ليدفع ثمن القهوة، هدر المحرك، عاد كل المسافرين إلى أماكنهم فلم تجد بداً من الدفع، دفعت وصعدت حانقة، استدارت الحافلة وهمّت بالمسير، جاء راكضاً، اتخذ مجلسه لاهثاً، ضاحكاً في دخيلة نفسه من خيبة رفيقته التي جلست صامتة غضبى، لم تلتفت إليه، كانت تأمل أن يسترضيها، لكنه لم يفعل، بل أسند رأسه للخلف وشرد في أفكاره.‏ العجوز الجالس قبالتها ركز نظارته على أنفه، ثم نزعها ليمسح زجاجتيها بمنديل رقيق، أعادها إلى مكانها وتابع مراقبة الفتاة، انتبهت إليه، تصنعت المزيد من حركات الدلال والإغراء لتثير الغيرة في صدر رفيق فنجان القهوة، عاد العجوز بأحلامه بضعة عقود من السنين للوراء، تنهد بعمق ثم حوّل نظره عنها.‏ التفتت إلى رفيقها، كان غارقاً في إغفاءة عميقة، جعلت جسده ينوس مع حركة الحافلة يميناً وشمالاً، ملأها الغيظ، همت أن تنفجر في وجهه مطالبة بثمن القهوة، التقت عيناها عرضاً بعيني رجل من الركاب يتأملها باسماً، حينذاك، تركت رفيقها غارقاً في أحلام نومه، فردت غضون جبينها، هدّأت انفعالها، أسبلت جفنيها، استرجعت بسمتها والتفتت إليه.‏ حين توقفت الحافلة في أول مواقفها، نزل، مجنباً نفسه عناء الاصطدام الكلامي معها خاتماً بذلك حكاية غرامية، انتهت فصولها قبل أن يتعرف على اسم رفيقته.‏     المصدر  موقع  القصة  العربية    قصص  أخرى  لكتاب  سوريين   ]]> 38439 حجـــــر الكِلس : قصة قصيرة فازت بمسابقة مجلة العربي بقلم د. أسامة عبد القادر http://www.souriyati.com/2016/01/15/37525.html Fri, 15 Jan 2016 08:53:24 +0000 http://www.souriyati.com/?p=37525

حجـــــر الكِلس

 

   

كانوا يتصايحون من وراء قضبان زنازينهم الرطبة المصفوفة بجانب بعضها البعض ، تلك التي دخلوها قبل سنين طويلة لم يعد يعرف أحد عددها بالضبط ، منسيون داخل حفرهم القذرة لا يرون من الضوء سوى خيالات شحيحة ترتسم في ثنايا الظلمة الكثيفة ، الوقت لم يعد موجوداً ، فقد التهمته العتمة الكثيفة ، حتى باتوا في قبرهم مجرد خيالات ...

كانوا ثمانية معتقلين ، قضى منهم ثلاثة خلال الأعوام الماضية ، أحدهم فقد عقله خلال أسابيع ، وظل لصيقاً بالجدار يضربه برأسه مضرباً عن الطعام حتى قضى ، والآخران ماتا ببطء من التعذيب والقروح والقرفصة المستمرة في زنازين لا تتجاوز المتر والنصف في الارتفاع ....

وهم لا يعرفون من بعضهم البعض غير أصواتهم وحكاياتهم التي ينسلونها من كوى ذاكرتهم ، ولا أحد يعرف عنهم شيئاً ، فقد تم محوهم من ذاكرة الدولة منذ اعتقلوا قبل سنين ، وزُجّوا في تلك الزنانزين المبنية على عجل تحت الأرض ، بفتحات تهوية بالكاد يمر منها ضوءٌ شحيح ، بات ساعتهم التي يضبطون بها يومهم ....

-    يا رجل خليني أشوف وجهك مرة وحدة بس ....

يقول أحدهم  لأحد الحراس وهو يلقي له بصحن الخبز والماء ، من خلال كوّة تخترقها بعض القضبان في أسفل الجدار الأمامي بالكاد يرى من خلالها بسطاره ...

-    إخرس ....

يردّ عليه الحارس بتلقائية ....

يضحك آخر في الزنزانة المجاورة ....

-    شوف بسطاره كأنك تشوف وجهه ...

يقول بينما تتعالى الضحكات من الزنازين الأخرى ....

-    تفو عليكم اولاد حرام .... و هه .... يصيح بنزق بينما يلقي في الصحون المعدنية على الأرضية .....

-    ما لكم أكل اليوم ... تفوووو ....

ويمضي بخطىً عجولة ليخرج وقد صفق الباب الثقيل خلفه ....

يسود الصمت للحظات ...

-    ملعون أبوكم ولاد كلب ...

يصيح أحدهم ....

-    يا خسارة البوفيه !!!!

يعلّق آخر ،،، يضحك الآخرون ....

-    ضروري يعني لهالتعليقات السخيفة يا جحش !!!

-    شو نوكل هلأ !!!! صراصير !!!!

-    منيح إذا بتلاقي !!!!

وتتعالى الضحكات مرة أخرى ....

-    هششششششش .... يصيح أحدهم ..

-    ماذا ؟؟؟؟

-    هششششششش .... يقول بنبرة عصبية ...

يصمتون جميعاً ....

يخيمّ صمت تقطعه سعلة أحدهم ......

تُسمع خشخشة ضعيفة ...

-    فأر ...؟؟

يصيح أحدهم ...

-    ولك إخرس لا يهرب !!!

-    دقيقة !!!

يهمس آخر ...

-    إنه قريب مني ....

-    حاول أن تلتقطه .... كن حذراً ....

-    ششششششششش ..... يقول أحدهم بينما يصغي إلى صوت الخشخشة الذي صار واضحاً وهو يقترب من الكوة التي في زنزانته ، يمد يده اليسرى وقد باعد بين أصابعها ينصبها مصيدة ... يصغي بتركيز شديد .... يزرّ على عينيه علّه يميز ظله أمامه ....

-    .... فينتفض فجأة وقد شعر بخشونة شواربه تلامس كفه الخشنة فيقبض عليه بردة فعل خاطفة ..... فيصيح :

-    مسكته ،،، مسكته ... !!!! بينما يزعق ذاك المخلوق اللزج بين يديه ويتلوى محاولاً الهرب ....

فتعلو الهمهمات من باقي الزنازين ....

فيصيح أحدهم :

-          إوعى يفلت !!!

-          دير بالك !!

-    ابعتوا له الخرقة ....

-    بسرعة !!!  ..... يردّ بعصبية

-    كبير ولا صغير !! يصيح آخر ....

-    وسط .... يجيبه وهو يمسكه بمهارة خشية أن يعضّه ....

-    لا يعضّك ... يقول أحدهم ....

-    ابعثوا الخرقة يا جماعة ،،، يقول هو بعصبية ...

تتطاير الأسئلة والتعليقات في فضاء العتمة بينما يتم نقل الخرقة من كوة إلى أخرى ، حتى تصل إلى يده أخيراً  ....

يتناولها بينما يعض بقوة على شفتيه ،،، يصنع منها شريطاً طولياً بثنيات عريضة ويتأكد من أن الحجر الكلسي مثبت بشكل جيد داخلها ثم يربطها حول بطن الفأر عدة ربطات ....

-    أربطها كويس .... يصيح أحدهم ....

-    دير بالك .....

-    دقيقة يا شباب !!!

-    إهدأ !!!! ... يرد بينما يحكم الربط  ....

-    بوس لي اياه بالله عليك ..... يصيح أحدهم .....

-    إخرس .... يجيبه ويكمل إحكام الربط .... ثم يرفعه من إبطيه أمام وجهه كأنه يحمل طفل حديث الولادة يتلوى ويزعق كثيراً .... يحدق فيه يحاول أن يميز ظلاله الشاحبة ...

ثم يقترب من الحفرة المليئة ببرازه في طرف زنزانته .... يغمض عينيه كأنه يحلم ..... ويلقيه فيها ليسمع تخابطه وفراره السريع  .... ثم يصيح بكل سعادة :

-    تمت العملية بنجاح يا شباب ....

-    الحمد لله ....

-    مبروك ما أجاك ....يقهقه أحدهم .....

-    الله ما بينسى حدا ....

ويستمر تبادل التبريكات .....

-    ان شا الله ينجح هالمرة .... يقول أحدهم ...

-    الله يسمع منك ....

-    بدها حلوان الشغلة .... يصيح آخر .....

 

ويمضي الوقت ..... أياماً ....شهوراً .....سنيناً ......لا يعرفون من الدنيا غير بسطار الحارس .... وخشخشة الفئران وتكتكة العقارب ......  ينامون ويستيقظون .... يئنون ويضحكون ..... يضجرون ويحلمون حلماً واحداً ....

ذات يوم .... لا بد أن يلتقط أحد البشر ذاك الحجر الكلسي .... الذي حفروا عليه رسائل لذويهم يخبرونهم بأنهم معتقلون في سجن لا يعرفون اسمه ....  ولكنهم أحياء وبخير ....

*** **      

تمت

 

د. أسامة عبد القادر

الأمارات

22-8-2012
]]>

حجـــــر الكِلس

 

   

كانوا يتصايحون من وراء قضبان زنازينهم الرطبة المصفوفة بجانب بعضها البعض ، تلك التي دخلوها قبل سنين طويلة لم يعد يعرف أحد عددها بالضبط ، منسيون داخل حفرهم القذرة لا يرون من الضوء سوى خيالات شحيحة ترتسم في ثنايا الظلمة الكثيفة ، الوقت لم يعد موجوداً ، فقد التهمته العتمة الكثيفة ، حتى باتوا في قبرهم مجرد خيالات ...

كانوا ثمانية معتقلين ، قضى منهم ثلاثة خلال الأعوام الماضية ، أحدهم فقد عقله خلال أسابيع ، وظل لصيقاً بالجدار يضربه برأسه مضرباً عن الطعام حتى قضى ، والآخران ماتا ببطء من التعذيب والقروح والقرفصة المستمرة في زنازين لا تتجاوز المتر والنصف في الارتفاع ....

وهم لا يعرفون من بعضهم البعض غير أصواتهم وحكاياتهم التي ينسلونها من كوى ذاكرتهم ، ولا أحد يعرف عنهم شيئاً ، فقد تم محوهم من ذاكرة الدولة منذ اعتقلوا قبل سنين ، وزُجّوا في تلك الزنانزين المبنية على عجل تحت الأرض ، بفتحات تهوية بالكاد يمر منها ضوءٌ شحيح ، بات ساعتهم التي يضبطون بها يومهم ....

-    يا رجل خليني أشوف وجهك مرة وحدة بس ....

يقول أحدهم  لأحد الحراس وهو يلقي له بصحن الخبز والماء ، من خلال كوّة تخترقها بعض القضبان في أسفل الجدار الأمامي بالكاد يرى من خلالها بسطاره ...

-    إخرس ....

يردّ عليه الحارس بتلقائية ....

يضحك آخر في الزنزانة المجاورة ....

-    شوف بسطاره كأنك تشوف وجهه ...

يقول بينما تتعالى الضحكات من الزنازين الأخرى ....

-    تفو عليكم اولاد حرام .... و هه .... يصيح بنزق بينما يلقي في الصحون المعدنية على الأرضية .....

-    ما لكم أكل اليوم ... تفوووو ....

ويمضي بخطىً عجولة ليخرج وقد صفق الباب الثقيل خلفه ....

يسود الصمت للحظات ...

-    ملعون أبوكم ولاد كلب ...

يصيح أحدهم ....

-    يا خسارة البوفيه !!!!

يعلّق آخر ،،، يضحك الآخرون ....

-    ضروري يعني لهالتعليقات السخيفة يا جحش !!!

-    شو نوكل هلأ !!!! صراصير !!!!

-    منيح إذا بتلاقي !!!!

وتتعالى الضحكات مرة أخرى ....

-    هششششششش .... يصيح أحدهم ..

-    ماذا ؟؟؟؟

-    هششششششش .... يقول بنبرة عصبية ...

يصمتون جميعاً ....

يخيمّ صمت تقطعه سعلة أحدهم ......

تُسمع خشخشة ضعيفة ...

-    فأر ...؟؟

يصيح أحدهم ...

-    ولك إخرس لا يهرب !!!

-    دقيقة !!!

يهمس آخر ...

-    إنه قريب مني ....

-    حاول أن تلتقطه .... كن حذراً ....

-    ششششششششش ..... يقول أحدهم بينما يصغي إلى صوت الخشخشة الذي صار واضحاً وهو يقترب من الكوة التي في زنزانته ، يمد يده اليسرى وقد باعد بين أصابعها ينصبها مصيدة ... يصغي بتركيز شديد .... يزرّ على عينيه علّه يميز ظله أمامه ....

-    .... فينتفض فجأة وقد شعر بخشونة شواربه تلامس كفه الخشنة فيقبض عليه بردة فعل خاطفة ..... فيصيح :

-    مسكته ،،، مسكته ... !!!! بينما يزعق ذاك المخلوق اللزج بين يديه ويتلوى محاولاً الهرب ....

فتعلو الهمهمات من باقي الزنازين ....

فيصيح أحدهم :

-          إوعى يفلت !!!

-          دير بالك !!

-    ابعتوا له الخرقة ....

-    بسرعة !!!  ..... يردّ بعصبية

-    كبير ولا صغير !! يصيح آخر ....

-    وسط .... يجيبه وهو يمسكه بمهارة خشية أن يعضّه ....

-    لا يعضّك ... يقول أحدهم ....

-    ابعثوا الخرقة يا جماعة ،،، يقول هو بعصبية ...

تتطاير الأسئلة والتعليقات في فضاء العتمة بينما يتم نقل الخرقة من كوة إلى أخرى ، حتى تصل إلى يده أخيراً  ....

يتناولها بينما يعض بقوة على شفتيه ،،، يصنع منها شريطاً طولياً بثنيات عريضة ويتأكد من أن الحجر الكلسي مثبت بشكل جيد داخلها ثم يربطها حول بطن الفأر عدة ربطات ....

-    أربطها كويس .... يصيح أحدهم ....

-    دير بالك .....

-    دقيقة يا شباب !!!

-    إهدأ !!!! ... يرد بينما يحكم الربط  ....

-    بوس لي اياه بالله عليك ..... يصيح أحدهم .....

-    إخرس .... يجيبه ويكمل إحكام الربط .... ثم يرفعه من إبطيه أمام وجهه كأنه يحمل طفل حديث الولادة يتلوى ويزعق كثيراً .... يحدق فيه يحاول أن يميز ظلاله الشاحبة ...

ثم يقترب من الحفرة المليئة ببرازه في طرف زنزانته .... يغمض عينيه كأنه يحلم ..... ويلقيه فيها ليسمع تخابطه وفراره السريع  .... ثم يصيح بكل سعادة :

-    تمت العملية بنجاح يا شباب ....

-    الحمد لله ....

-    مبروك ما أجاك ....يقهقه أحدهم .....

-    الله ما بينسى حدا ....

ويستمر تبادل التبريكات .....

-    ان شا الله ينجح هالمرة .... يقول أحدهم ...

-    الله يسمع منك ....

-    بدها حلوان الشغلة .... يصيح آخر .....

 

ويمضي الوقت ..... أياماً ....شهوراً .....سنيناً ......لا يعرفون من الدنيا غير بسطار الحارس .... وخشخشة الفئران وتكتكة العقارب ......  ينامون ويستيقظون .... يئنون ويضحكون ..... يضجرون ويحلمون حلماً واحداً ....

ذات يوم .... لا بد أن يلتقط أحد البشر ذاك الحجر الكلسي .... الذي حفروا عليه رسائل لذويهم يخبرونهم بأنهم معتقلون في سجن لا يعرفون اسمه ....  ولكنهم أحياء وبخير ....

*** **      

تمت

 

د. أسامة عبد القادر

الأمارات

22-8-2012
]]>
37525
ما أبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا / قصة قصيرة من الأدب العالمي .. للكاتب انطون شيخوف http://www.souriyati.com/2015/12/30/35793.html Wed, 30 Dec 2015 07:52:06 +0000 http://www.souriyati.com/?p=35793 منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية أولادي (يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها - قلت لها : إجلسي يا يوليا … هيّا نتحاسب … أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود ولكنك خجولة إلى درجة انك لن تطلبينها بنفسك .. حسناً .. لقد اتفقنا على أن أدفع لك (ثلاثين روبلاً) في الشهر - قالت : أربعين - قلت : كلا .. ثلاثين .. هذا مسجل عندي … كنت دائما أدفع للمربيات (ثلاثين روبلاً) … - حسناً - لقد عملت لدينا شهرين - قالت : شهرين وخمسة أيام - قلت : شهرين بالضبط .. هذا مسجل عندي .. إذن تستحقين (ستين روبلاً) .. نخصم منها تسعة أيام آحاد .. فأنت لم تعلّمي (كوليا) في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معهم فقط .. ثم ثلاثة أيام أعياد . تضرج وجه (يوليا فاسيليفنا) وعبثت أصابعها بأهداب الفستان ولكن لم تنبس بكلمة واصلتُ … - نخصم ثلاثة أعياد إذن المجموع (إثنا عشر روبلاً) .. وكان (كوليا) مريضاً أربعة أيام ولم تكن يدرس .. كنت تدرّسين لـ (فاريا) فقط .. وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء .. إذن إثنا عشر زائد سبعة .. تسعة عشر .. نخصم ، الباقي .. (واحد وأربعون روبلاً) .. مضبوط ؟ - إحمرّت عين (يوليا فاسيليفنا) اليسرى وامتلأت بالدمع ، وارتعش ذقنها .. وسعلت بعصبية وتمخطت ، ولكن … لم تنبس بكلمة - قلت : قبيل رأس السنة كسرتِ فنجاناً وطبقاً .. نخصم (روبلين) .. الفنجان أغلى من ذلك فهو موروث ، ولكن فليسامحك الله !! علينا العوض .. وبسبب تقصيرك تسلق (كوليا) الشجرة ومزق سترته .. نخصم عشرة .. وبسبب تقصيرك أيضا سرقتْ الخادمة من (فاريا) حذاء .. ومن واجبكِ أن ترعي كل شيء فأنتِ تتقاضين مرتباً .. وهكذا نخصم أيضا خمسة .. وفي 10 يناير أخذتِ مني (عشرة روبلات) - همست (يوليا فاسيليفنا) : لم آخذ - قلت : ولكن ذلك مسجل عندي - قالت : حسناً، ليكن - واصلتُ : من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين .. الباقي أربعة عشر امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع .. وظهرت حبات العرق على أنفها الطويل الجميل .. يا للفتاة المسكينة - قالت بصوت متهدج : أخذتُ مرةً واحدةً .. أخذت من حرمكم (ثلاثة روبلات) .. لم آخذ غيرها - قلت : حقا ؟ .. انظري وانا لم أسجل ذلك !! نخصم من الأربعة عشر ثلاثة .. الباقي أحد عشر .. ها هي نقودك يا عزيزتي !! ثلاثة .. ثلاثة .. ثلاثة .. واحد ، واحد .. تفضلي . ومددت لها (أحد عشر روبلاً) .. فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة .. وهمست : شكراً انتفضتُ واقفاً واخذتُ أروح وأجيء في الغرفة واستولى عليّ الغضب - سألتها : شكراً على ماذا ؟ - قالت : على النقود - قلت : يا للشيطان ولكني نهبتك .. سلبتك ! .. لقد سرقت منك ! .. فعلام تقولين شكراً ؟ - قالت : في أماكن أخرى لم يعطوني شيئاً - قلت : لم يعطوكِ ؟! أليس هذا غريبا !؟ لقد مزحتُ معك .. لقنتك درساً قاسياً .. سأعطيك نقودك .. (الثمانين روبلاً) كلها .. ها هي في المظروف جهزتها لكِ !! ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة الى هذه الدرجة ؟ لماذا لا تحتجّين ؟ لماذا تسكتين ؟ هل يمكن في هذه الدنيا ألاّ تكوني حادة الأنياب ؟ هل يمكن ان تكوني مغفلة إلى هذه الدرجة ؟ - ابتسمتْ بعجز فقرأت على وجهها : “يمكن” - سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها ، بدهشتها البالغة ، (الثمانين روبلاً) كلها .. فشكرتني بخجل وخرجت تطلعتُ في أثرها وفكّرتُ : ما أبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا .]]> منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية أولادي (يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها - قلت لها : إجلسي يا يوليا … هيّا نتحاسب … أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود ولكنك خجولة إلى درجة انك لن تطلبينها بنفسك .. حسناً .. لقد اتفقنا على أن أدفع لك (ثلاثين روبلاً) في الشهر - قالت : أربعين - قلت : كلا .. ثلاثين .. هذا مسجل عندي … كنت دائما أدفع للمربيات (ثلاثين روبلاً) … - حسناً - لقد عملت لدينا شهرين - قالت : شهرين وخمسة أيام - قلت : شهرين بالضبط .. هذا مسجل عندي .. إذن تستحقين (ستين روبلاً) .. نخصم منها تسعة أيام آحاد .. فأنت لم تعلّمي (كوليا) في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معهم فقط .. ثم ثلاثة أيام أعياد . تضرج وجه (يوليا فاسيليفنا) وعبثت أصابعها بأهداب الفستان ولكن لم تنبس بكلمة واصلتُ … - نخصم ثلاثة أعياد إذن المجموع (إثنا عشر روبلاً) .. وكان (كوليا) مريضاً أربعة أيام ولم تكن يدرس .. كنت تدرّسين لـ (فاريا) فقط .. وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء .. إذن إثنا عشر زائد سبعة .. تسعة عشر .. نخصم ، الباقي .. (واحد وأربعون روبلاً) .. مضبوط ؟ - إحمرّت عين (يوليا فاسيليفنا) اليسرى وامتلأت بالدمع ، وارتعش ذقنها .. وسعلت بعصبية وتمخطت ، ولكن … لم تنبس بكلمة - قلت : قبيل رأس السنة كسرتِ فنجاناً وطبقاً .. نخصم (روبلين) .. الفنجان أغلى من ذلك فهو موروث ، ولكن فليسامحك الله !! علينا العوض .. وبسبب تقصيرك تسلق (كوليا) الشجرة ومزق سترته .. نخصم عشرة .. وبسبب تقصيرك أيضا سرقتْ الخادمة من (فاريا) حذاء .. ومن واجبكِ أن ترعي كل شيء فأنتِ تتقاضين مرتباً .. وهكذا نخصم أيضا خمسة .. وفي 10 يناير أخذتِ مني (عشرة روبلات) - همست (يوليا فاسيليفنا) : لم آخذ - قلت : ولكن ذلك مسجل عندي - قالت : حسناً، ليكن - واصلتُ : من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين .. الباقي أربعة عشر امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع .. وظهرت حبات العرق على أنفها الطويل الجميل .. يا للفتاة المسكينة - قالت بصوت متهدج : أخذتُ مرةً واحدةً .. أخذت من حرمكم (ثلاثة روبلات) .. لم آخذ غيرها - قلت : حقا ؟ .. انظري وانا لم أسجل ذلك !! نخصم من الأربعة عشر ثلاثة .. الباقي أحد عشر .. ها هي نقودك يا عزيزتي !! ثلاثة .. ثلاثة .. ثلاثة .. واحد ، واحد .. تفضلي . ومددت لها (أحد عشر روبلاً) .. فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة .. وهمست : شكراً انتفضتُ واقفاً واخذتُ أروح وأجيء في الغرفة واستولى عليّ الغضب - سألتها : شكراً على ماذا ؟ - قالت : على النقود - قلت : يا للشيطان ولكني نهبتك .. سلبتك ! .. لقد سرقت منك ! .. فعلام تقولين شكراً ؟ - قالت : في أماكن أخرى لم يعطوني شيئاً - قلت : لم يعطوكِ ؟! أليس هذا غريبا !؟ لقد مزحتُ معك .. لقنتك درساً قاسياً .. سأعطيك نقودك .. (الثمانين روبلاً) كلها .. ها هي في المظروف جهزتها لكِ !! ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة الى هذه الدرجة ؟ لماذا لا تحتجّين ؟ لماذا تسكتين ؟ هل يمكن في هذه الدنيا ألاّ تكوني حادة الأنياب ؟ هل يمكن ان تكوني مغفلة إلى هذه الدرجة ؟ - ابتسمتْ بعجز فقرأت على وجهها : “يمكن” - سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها ، بدهشتها البالغة ، (الثمانين روبلاً) كلها .. فشكرتني بخجل وخرجت تطلعتُ في أثرها وفكّرتُ : ما أبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا .]]> 35793 قصة سورية قصيرة من وحي الميلاد. .بقلم: طريف يوسف آغا http://www.souriyati.com/2015/12/23/35152.html Wed, 23 Dec 2015 02:28:18 +0000 http://www.souriyati.com/?p=35152   كان بابا نويل في ليلة الميلاد المجيد يعبر بمركبته إلى الأجواء السورية حين تم إجباره على الهبوط في أقرب مطار عسكري، وتم إحضاره موجوداً إلى مكتب ضابط الأمن المناوب للاستجواب. لم تكن غرفة المكتب تختلف عن مثيلاتها من مكاتب الثكنات العسكرية التابعة لضباط النظام الأسدي، حيث وبمجرد دخولك إليها تغبش عينيك سحب دخان السكائر وتثقب أنفك رائحة فريدة هي مزيج من العفن والسكر المحروق والبيرة وغيرها من المشروبات الكحولية الرخيصة، وطبعاً الرائحة المعروفة لدخان الحمرا. أما الديكور فهو عبارة عن طاولة مكتب معدنية تسلق الصدأ على جوانبها، جوزة المتة المليئة بالتفل، كيس السكر المتناثرة محتوياته هنا وهناك، السخان الكهربائي ذو الشريط المتآكل ومنفضة السكائر المليئة بالأعقاب والصفوة. في الزاوية البعيدة هناك سرير عسكري حديدي عليه فرشة مزركشة ببقع الطعام، أما الصراصير العملاقة فتركض بحرية في كل مكان، وأخيراً صور العائلة المقدسة للأب والابن والأخ على الجدار الذي من غير المسموح أن يحمل غيرها. كان ضابط التحقيق شاب في العشرينات من عمره، أبيض البشرة وأشعث الشعر ولايخفي سعادته بنجمتي رتبة الملازم التي يعلقها على كتفيه كما لايمكن لأي سوري أن يخطئ عدوانيته السلطوية. وعلى مقربة منه كان يجلس الكاتب المكلف بتسجيل الاستجواب حيث كان يبدو في نفس السن ومن نفس الأصول، ولكن بلا رتبة. الضابط: اسمك وجنسيتك ومحل إقامتك بابا نويل: اسمي بابا نويل ولاأحمل جنسية دولة محددة وأقيم في القطب الشمالي. الضابط للكاتب: سجل عندك، المتهم اعترف بأن القطب الشمالي شريك في المؤامرة الكونية على سورية. (الضابط يملأ جوزة المتة ويأخذ سحبة وبابا نويل يضحك من صوت القرقعة) الضابط: أنا قاعد ماضحكك؟ لك العمى بقلبك العمى. متآمر وبدك تضحك؟ إنت ولك دابة، شو مهرب معك بعربة الغزلان؟ بابا نويل: ألعاب للأطفال هدايا عيد الميلاد الضابط: قرد ولو، ليش نحن بقي عنا أطفال بسورية؟ ماسمعت شو سوينا بالحولة والقبير وغيرهن، ماقتلنا شوية أطفال، قتلنا كل الطفولة. شو ماعندكن تلفزيون بالقطب الشمالي؟ الضابط للكاتب: سجل عندك، المتهم اعترف بتهريب أسلحة ومتفجرات للعصابات الارهابية. (الضابط يعود لأخذ سحبة متة ثانية وبابا نويل يعود ليضحك) الضابط تجاهل الضحكة هذه المرة وتابع الاستجواب: وشو كمان جاي تساوي هين عندنا؟ بابا نويل: لاحظت أن سورية مظلمة منذ أكثر من أربعين عاماً وأنها ازدادت ظلمة منذ سنتين، فأحضرت معي الكثير من الأضواء للزينة ولجو عيد الميلاد. الضابط: غبي إنت غبي؟ آبتعرف إن الكهربا بسورية مخصصة لأجساد الشعب، قال زيني وإضوي قال. الضابط للكاتب: سجل عندك، اعترف المتهم بحيازة مواد ممنوعة للتغرير بأصحاب النفوس الضعيفي. الضابط: وهالغزلان التماني يلي كانت طايرة معك شو قصتهن؟ بابا نويل: رودلف وكيوبيد وكوميت و … الضابط للكاتب مقاطعاً: سجل عندك، اعترف المتهم بسرقة الغزلان ولهذا تتم مصادرتها باسم الدولة وترسل إلى المطبخ لتذبح وتشوى وتقام عليها وليمة ويدعى سيادتو إليها. الكاتب وقد بدا الخوف على وجهه: ياسيدي يعني قصدك سيادتو سيادتو؟ الضابط: تعبان إنت ولا، تعبان. يعني سيادتو سيادتو فاضي يجي لعنا؟ منك شايفو مايحارب المؤامرة الكونية؟ أنا قصدت سيادتو يعني سيادة العقيد مدير المطار. الكاتب: سيدي وشو مشان المتهم والمواد يللي معو؟ الضابط: أنا بشك من لحيتو أنو إرهابي سلفي، اعملو بطاقة زج على ذمة التحقيق، والمواد المصادرة وصلوها لعندي علبيت ومنقرر بعدين شو نسوي فيها. بابا نويل: لحية الانسان هي (حرية) شخصية. تجهم وجه الضابط فجأة عندما سمع هذه الكلمة وصرخ وهو يكاد يختنق: إنت كمان بدك حرية؟ يعني الحرية لاحقتنا لاحقتنا؟ كلكن صار بدكن حرية؟ ويبدو أن لفظه للكلمة ثلاث مرات أصابه بمقتل، فتوقف الضابط عن الكلام ووقع مغشياً عليه قبل أن يكمل ماكان يقوله، في حين جرى الكاتب من الغرفة هارباً كالمجنون قبل يسري مفعول الكلمة في جهازه العصبي. كان الفجر قد اقترب من البزوغ، فخرج بابا نويل بهدوء وطار بمركبته بعيداً من حيث أتى وقرر أن يعود إلى سورية في الميلاد القادم عله يجد أطفالاً وفرحاً … وحرية. *** بقلم: طريف يوسف آغا كاتب وشاعر عربي سوري مغترب]]>   كان بابا نويل في ليلة الميلاد المجيد يعبر بمركبته إلى الأجواء السورية حين تم إجباره على الهبوط في أقرب مطار عسكري، وتم إحضاره موجوداً إلى مكتب ضابط الأمن المناوب للاستجواب. لم تكن غرفة المكتب تختلف عن مثيلاتها من مكاتب الثكنات العسكرية التابعة لضباط النظام الأسدي، حيث وبمجرد دخولك إليها تغبش عينيك سحب دخان السكائر وتثقب أنفك رائحة فريدة هي مزيج من العفن والسكر المحروق والبيرة وغيرها من المشروبات الكحولية الرخيصة، وطبعاً الرائحة المعروفة لدخان الحمرا. أما الديكور فهو عبارة عن طاولة مكتب معدنية تسلق الصدأ على جوانبها، جوزة المتة المليئة بالتفل، كيس السكر المتناثرة محتوياته هنا وهناك، السخان الكهربائي ذو الشريط المتآكل ومنفضة السكائر المليئة بالأعقاب والصفوة. في الزاوية البعيدة هناك سرير عسكري حديدي عليه فرشة مزركشة ببقع الطعام، أما الصراصير العملاقة فتركض بحرية في كل مكان، وأخيراً صور العائلة المقدسة للأب والابن والأخ على الجدار الذي من غير المسموح أن يحمل غيرها. كان ضابط التحقيق شاب في العشرينات من عمره، أبيض البشرة وأشعث الشعر ولايخفي سعادته بنجمتي رتبة الملازم التي يعلقها على كتفيه كما لايمكن لأي سوري أن يخطئ عدوانيته السلطوية. وعلى مقربة منه كان يجلس الكاتب المكلف بتسجيل الاستجواب حيث كان يبدو في نفس السن ومن نفس الأصول، ولكن بلا رتبة. الضابط: اسمك وجنسيتك ومحل إقامتك بابا نويل: اسمي بابا نويل ولاأحمل جنسية دولة محددة وأقيم في القطب الشمالي. الضابط للكاتب: سجل عندك، المتهم اعترف بأن القطب الشمالي شريك في المؤامرة الكونية على سورية. (الضابط يملأ جوزة المتة ويأخذ سحبة وبابا نويل يضحك من صوت القرقعة) الضابط: أنا قاعد ماضحكك؟ لك العمى بقلبك العمى. متآمر وبدك تضحك؟ إنت ولك دابة، شو مهرب معك بعربة الغزلان؟ بابا نويل: ألعاب للأطفال هدايا عيد الميلاد الضابط: قرد ولو، ليش نحن بقي عنا أطفال بسورية؟ ماسمعت شو سوينا بالحولة والقبير وغيرهن، ماقتلنا شوية أطفال، قتلنا كل الطفولة. شو ماعندكن تلفزيون بالقطب الشمالي؟ الضابط للكاتب: سجل عندك، المتهم اعترف بتهريب أسلحة ومتفجرات للعصابات الارهابية. (الضابط يعود لأخذ سحبة متة ثانية وبابا نويل يعود ليضحك) الضابط تجاهل الضحكة هذه المرة وتابع الاستجواب: وشو كمان جاي تساوي هين عندنا؟ بابا نويل: لاحظت أن سورية مظلمة منذ أكثر من أربعين عاماً وأنها ازدادت ظلمة منذ سنتين، فأحضرت معي الكثير من الأضواء للزينة ولجو عيد الميلاد. الضابط: غبي إنت غبي؟ آبتعرف إن الكهربا بسورية مخصصة لأجساد الشعب، قال زيني وإضوي قال. الضابط للكاتب: سجل عندك، اعترف المتهم بحيازة مواد ممنوعة للتغرير بأصحاب النفوس الضعيفي. الضابط: وهالغزلان التماني يلي كانت طايرة معك شو قصتهن؟ بابا نويل: رودلف وكيوبيد وكوميت و … الضابط للكاتب مقاطعاً: سجل عندك، اعترف المتهم بسرقة الغزلان ولهذا تتم مصادرتها باسم الدولة وترسل إلى المطبخ لتذبح وتشوى وتقام عليها وليمة ويدعى سيادتو إليها. الكاتب وقد بدا الخوف على وجهه: ياسيدي يعني قصدك سيادتو سيادتو؟ الضابط: تعبان إنت ولا، تعبان. يعني سيادتو سيادتو فاضي يجي لعنا؟ منك شايفو مايحارب المؤامرة الكونية؟ أنا قصدت سيادتو يعني سيادة العقيد مدير المطار. الكاتب: سيدي وشو مشان المتهم والمواد يللي معو؟ الضابط: أنا بشك من لحيتو أنو إرهابي سلفي، اعملو بطاقة زج على ذمة التحقيق، والمواد المصادرة وصلوها لعندي علبيت ومنقرر بعدين شو نسوي فيها. بابا نويل: لحية الانسان هي (حرية) شخصية. تجهم وجه الضابط فجأة عندما سمع هذه الكلمة وصرخ وهو يكاد يختنق: إنت كمان بدك حرية؟ يعني الحرية لاحقتنا لاحقتنا؟ كلكن صار بدكن حرية؟ ويبدو أن لفظه للكلمة ثلاث مرات أصابه بمقتل، فتوقف الضابط عن الكلام ووقع مغشياً عليه قبل أن يكمل ماكان يقوله، في حين جرى الكاتب من الغرفة هارباً كالمجنون قبل يسري مفعول الكلمة في جهازه العصبي. كان الفجر قد اقترب من البزوغ، فخرج بابا نويل بهدوء وطار بمركبته بعيداً من حيث أتى وقرر أن يعود إلى سورية في الميلاد القادم عله يجد أطفالاً وفرحاً … وحرية. *** بقلم: طريف يوسف آغا كاتب وشاعر عربي سوري مغترب]]> 35152 متى يرجع الخياط إفتيموس سيمونيدس ؟ http://www.souriyati.com/2015/12/21/34939.html Mon, 21 Dec 2015 08:17:00 +0000 http://www.souriyati.com/2015/12/21/34939.html لم يُعرَف من برع بأداء هذا الدور أفضل منه في تلك الأيام، مع أن بنيته لم تكن البنية المثالية لذلك. فقد كان فارع الطول ونحيفاً جداً، وذلك على عكس ما يفرضه الدور الذي كان يؤديه. في الأيام العادية كان إفتي، واسمه الكامل إفتيموس سيمونيدس، خياطاً أعزب يعيش مع والدته المسنّة في منطقة تلّة الخياط المرتفعة في بيروت. لا يتذكر أحد متى وكيف حضر من اليونان مع والدته العجوز. لكنه كان صديقاً للجميع، ولو لم يتقن العربية ببراعة. وقد رحّب دوماً بأن يقوم بالمهمات التي لا يقوم بها غيره. وهي مهمات تُفرح أهل المنطقة وأطفالها عادة. كانت تلّة الخياط مزيجاً من عائلات دينية مختلفة، من سنّة وشيعة وسريان وأرثوذكس. وقد تعايشوا في ودٍ في مجموعة البيوت العتيقة والأحواش التي سكنوا فيها. والحوش هو عبارة عن مجموعة من البيوت الأرضية المتلاصقة، محاطة بعدد من الأشجار كالتين والصبير والأكيدنيا وغيرها. كانت المساحات تغطيها الرمال. وكانت بيروت أخرى. تتجاور العائلات جميعاً وتعرف بعضها بالأسماء والوجوه. وأحلى ما كان التفاصيل. شجرة الفُتنة العملاقة العابقة دوماً في حديقة آل صفا. معمل الشوكولاتة الشهير لآل الأوبري. القطط المشرّدة الكثيرة في منزل "تانت لور" التي كانت تربيها وتهتم بها كأنها الأولاد الذين لم تنجبهم يوماً. قهوة أبو النور ومدفع رمضان. والكثير الكثير ممّا سبق. كان إفتي جزءاً من هذا النسيج العائلي الحميم، لذلك لم يكن غريباً عليه أن يتحمّس للقيام بهذه المهمة في عيد الميلاد من أجل إفراح أبناء الأصدقاء والجيران. يرتدي الثوب الأحمر الذي خاطه بنفسه ويضع القبعة على رأسه ثم يلصق الذقن والشاربين الأبيضين. يحمل كيس الهدايا الذي اشترى الألعاب فيه من كان قادراً من الأهالي، ويصير يدور على المنازل القريبة ليخلق فرحة بين صغار المنطقة. ومن لا يتمكن أهله من شراء هدية بسبب ضيق الحال، ينال بعضاً من الحلويات والسكاكر التي لم يكن كيس إفتي يخلو منها في هذه المناسبة. تصير هذه الليلة أحلى ليلة لدى الأطفال ولا يتوقف خلالها جرس بابا نويل الهزيل عن القرع. لكن المنطقة تغيّرت، وغادر معظم أهلها نحو مناطق أخرى. قطعت شجرة الفُتنة وماتت "تانت لور" وتشرّدت قططها وانتقل مدفع رمضان. أما إفتي وبعدما تفاقمت الحرب الأهلية ووصل الإسمنت الحديث إلى البيت القديم الذي كان يعيش فيه مع والدته، قرّر مغادرة المنطقة.. والبلد. جمع أغراضه ورجع إلى اليونان. ومن يومها لم نسمع منه خبراً. وحدهم الأطفال الذين كبروا ما زالوا ينتظرونه في كل ميلاد، ويسألون: متى يرجع إفتي؟ المصدر: العربي الجديد - يوسف حاج علي ]]> لم يُعرَف من برع بأداء هذا الدور أفضل منه في تلك الأيام، مع أن بنيته لم تكن البنية المثالية لذلك. فقد كان فارع الطول ونحيفاً جداً، وذلك على عكس ما يفرضه الدور الذي كان يؤديه. في الأيام العادية كان إفتي، واسمه الكامل إفتيموس سيمونيدس، خياطاً أعزب يعيش مع والدته المسنّة في منطقة تلّة الخياط المرتفعة في بيروت. لا يتذكر أحد متى وكيف حضر من اليونان مع والدته العجوز. لكنه كان صديقاً للجميع، ولو لم يتقن العربية ببراعة. وقد رحّب دوماً بأن يقوم بالمهمات التي لا يقوم بها غيره. وهي مهمات تُفرح أهل المنطقة وأطفالها عادة. كانت تلّة الخياط مزيجاً من عائلات دينية مختلفة، من سنّة وشيعة وسريان وأرثوذكس. وقد تعايشوا في ودٍ في مجموعة البيوت العتيقة والأحواش التي سكنوا فيها. والحوش هو عبارة عن مجموعة من البيوت الأرضية المتلاصقة، محاطة بعدد من الأشجار كالتين والصبير والأكيدنيا وغيرها. كانت المساحات تغطيها الرمال. وكانت بيروت أخرى. تتجاور العائلات جميعاً وتعرف بعضها بالأسماء والوجوه. وأحلى ما كان التفاصيل. شجرة الفُتنة العملاقة العابقة دوماً في حديقة آل صفا. معمل الشوكولاتة الشهير لآل الأوبري. القطط المشرّدة الكثيرة في منزل "تانت لور" التي كانت تربيها وتهتم بها كأنها الأولاد الذين لم تنجبهم يوماً. قهوة أبو النور ومدفع رمضان. والكثير الكثير ممّا سبق. كان إفتي جزءاً من هذا النسيج العائلي الحميم، لذلك لم يكن غريباً عليه أن يتحمّس للقيام بهذه المهمة في عيد الميلاد من أجل إفراح أبناء الأصدقاء والجيران. يرتدي الثوب الأحمر الذي خاطه بنفسه ويضع القبعة على رأسه ثم يلصق الذقن والشاربين الأبيضين. يحمل كيس الهدايا الذي اشترى الألعاب فيه من كان قادراً من الأهالي، ويصير يدور على المنازل القريبة ليخلق فرحة بين صغار المنطقة. ومن لا يتمكن أهله من شراء هدية بسبب ضيق الحال، ينال بعضاً من الحلويات والسكاكر التي لم يكن كيس إفتي يخلو منها في هذه المناسبة. تصير هذه الليلة أحلى ليلة لدى الأطفال ولا يتوقف خلالها جرس بابا نويل الهزيل عن القرع. لكن المنطقة تغيّرت، وغادر معظم أهلها نحو مناطق أخرى. قطعت شجرة الفُتنة وماتت "تانت لور" وتشرّدت قططها وانتقل مدفع رمضان. أما إفتي وبعدما تفاقمت الحرب الأهلية ووصل الإسمنت الحديث إلى البيت القديم الذي كان يعيش فيه مع والدته، قرّر مغادرة المنطقة.. والبلد. جمع أغراضه ورجع إلى اليونان. ومن يومها لم نسمع منه خبراً. وحدهم الأطفال الذين كبروا ما زالوا ينتظرونه في كل ميلاد، ويسألون: متى يرجع إفتي؟ المصدر: العربي الجديد - يوسف حاج علي ]]> 34939 حَسَب الزبون يا أبو أحمد : يكتبها من فسط إدلب، أبو عصمان: صخر بْعَثّ http://www.souriyati.com/2015/11/12/28940.html Thu, 12 Nov 2015 08:56:29 +0000 http://www.souriyati.com/?p=28940 تلوّنت مواقف أبي أحمد “الحلّاق” بين التأييد المُطلق للنظام، والرفض القاطع له.. حسب الزبون. يعني، على “حسب السوق يسوق” أو “كل دقن إلها مشط”. “وسواس قهريّ” سببه الذات نفسها، لأنه يقارن الناس بنفسه.. فيزداد خوفاً وذعراً! مع شوية خبث ظريف يتمتّع به، يساعده على تجاوز المواقف الحرجة بأساليبَ تبدو لطيفةً أو ليست مزعجةً “على الأقلّ”. مع وسواسه وخبثه هذين يقضي ساعات عمله، ويدير أساليب أحاديثه، وتعابير مواقفه مع الزبائن.. كلّ واحد حسب “لونه”.. هو ليس ثرثاراً كما يشتهر الحلّاقون، لكن ألسنة الزبائن– في هذه الأيّام- أصبحت لا تدخل إلى حلوقهم. حين يفقد الحيلة ويسقط في يده يصبح الحديث “مُرعباً” لا يبقى أمامه سوى انتظار قدوم زبون آخر، عندها يقترب بسرعة من الزبون القديم.. وبلهفة بادية يهمس في أذنه: (اقلب الصفحة).. فيفهم الزبون المعارض أن القادم شخص خطير عليه.. أو يفهم الزبون المؤيّد أن الآتي خطَر مُحدق به.. فيتوقّف كل منهما، في الحالتين، عن الكلام، وتلك غاية أبي أحمد.. فالسكوت أحسن شي. في الصباح يدخل سعد الدين.. سائق تكسي في الستّين من عمره كأبي كمال.. – ليش امبارح كانوا مطوّقين الحارة يا أبو أحمد؟ – ليش؟! – يا زلمة أنا عم أسألك.. – مين؟! – ما بعرف مين؟ أشو رأيك؟ – ليش؟! – لك ما بدّي رأيك.. عم أسألك مين؟ – مين؟! بين “ليش” و”مين” و” تَغَابي” أبي أحمد.. يتهافت الحوار ويضيع السائل، بل يفرّ هرباً من هذه البلادة.. البلادة التي يصطنعها أبو أحمد؛ بل يصنعها باحتراف “أمني” تعلّمه ذات يوم. فما عساه يجيب على أسئلة رجل كان منذ خمسة وثلاثين عاماً “مُرافقاً” لواحد من أعظم رجالات المخابرات الذين عرفتهم البلاد؟! يفتح عامر صبيح الباب ويباغت أبا أحمد.. – جرّة الغاز بتلات الاف يا أبو أحمد. – … – أشو؟ شييفك سكتت.. – منيح. – كيف يعني منيح؟ هاد الحكي بيرضي الله؟! – قصدي.. منيحة. – منيحة؟ بمين؟ – منيحة فينا.. نحنا وصّلنا حالنا لهي المواصيل. – كيف يعني؟ – كان الله ساترنا وماشي الحال.. – إي والله معك حقّ.. يخرب ديارن هالثوّار خربوا البلد. هنا يتوقّف أبو أحمد عن الحوار متّخذاً أيّة ذريعة.. مثلاً، يتّصل بزوجته: كمان مجدّرة؟ يخرب ديارِك على ديار السخّانة. أو يلقي بنفسه خارج المحلّ فيصيح في “العبّارة” منادياً صانعه: تعا يا جحش شفلي هالجحش.. المقصّ، وينو المقصّ؟ يبعتلو القصّ للسينك… هذا الزبون “مخبر” كما دوَّن “أبو أحمد” ذلك في سجلّه الأمني الخاصّ، لذلك ينبغي التعامل معه بطريقة توحي بانزعاجه الشديد من “الثوّار” لأنّهم دمّروا “البلد”، ولا يقتصر هذا على موضوع الغاز.. فحين تنطفئ الكهرباء ويكون زبونه نفس الزبون أو زميلاً من زملائه.. لا يجد حرجاً حين يعتذر بأسلوب لطيف قائلاً: والله هالثوّار خجّلونا مع الزباين! وحين يسأله المخبر “مستغرباً فعلاً”: وأشو علاقة الثوّار بهاد الشي؟ يُجيب: ليش نحنا كانت تنقطع عنّا الكهربا قبل الثورة يا خاي؟! يخرب ديارن هالثوّار. يدخل زبون آخر اسمه ياسين.. وقبل أن يجلس على كرسيّ القصّ.. – ما دريت؟! – لأ.. – لك كيف لأ؟ – ما بعرف.. – يا زلمي قايمة الدنيا بحارة الناعورة.. – كيف؟ – معتقلين نصّ الحارة.. – أفّ؟! – لك انت وين عييش؟ – هون.. – يخرب ديارك .. – بحلقلك دقنك؟ هذا الزبون جاره في “العبّارة” يمتلك متجراً لبيع “السيديّات”، يعرفه منذ خمسة أعوام لذلك صارا صاحبَين، لكن حين قامت الثورة أو حَلّت الأزمة- كما يصف أبو أحمد الواقع وفق الظرف الراهن– ظلّ هذا الزبون الصاحب ينتقد المتظاهرين الذين كانوا يمرّون بعد صلاة العشاء كل يوم في شارع “الضبّيط” متّجهين إلى جامع سعد.. طيلة أربعة شهور.. كان يقول: لك بلا ما يحرقوا الصورة.. والله العظيم عيب، والله ما بيجوز هيك. وحين قُتِل أخوه صار يقول: يحرُق قلبن.. الله ياخدُن، والله ما بيجوز هيك. لذلك أصبح أبو أحمد متردّداً في تحديد الطريقة اللازمة للتعامل مع جاره الصاحب.. فقد كان يسأل نفسه: إي ما حسّ وفهِم لحتّى مات أخوه؟!.. فظلّ يعتبره مُعارضاً “عَلّاكاً”. قبل نصف ساعة من صلاة العشاء يأتي أبو كمال ذو القامة الفارعة والوجه الصبوح، بهدوء وثقة يلِج إلى المحلّ.. – كيفك أبو أحمد.. كيف العيال انشالله بخير؟ – والله الحمد لله يا عمي أبو كمال.. الحمد لله. – لازمكن شي يا ابني؟ – والله يا عمّي ما بدنا غير سلامتك.. – منشان ابن عمّك إبراهيم لا تاكلوا همّ يا عين أخوك، رقبتنا سدّادة. – الله يلطف. – بتهون أبو أحمد.. بتهون يا خاي، احلقلي دقني الله يرضى عليك.. عندي فيقة بكّير. يحلقها ، وحين يهمّ “أبو كمال” بالخروج، يلحق به إلى “العبّارة”.. يتلفّت ذات اليمين وذات الشمال ثمّ يصيح: الله يخليلنا ياكن.. الله يطوّل عمركن.. الله ينصركن بجاه سيّدنا محمّد. أبو كمال.. رجل في الستّين من عمره، موظّف متقاعد.. حقوقيّ.. وكان يرأس دائرةً مهمّةً في مديرية المصالح العقارية.. لم يُعرف عنه سوى “الصلاح”، وحين اندلعت الثورة، أو وقعت الأزمة- كما يصف أبو أحمد الواقع “دائماً” وفق الظرف الراهن– انجذبت مشاعر أبي كمال نحو الحرّية.. فقدّم ثمناً لها بعد أن انتقلت عدواها إلى أسرته.. اثنين من أفرادها، ابنه علي وابنه سعد، وبقي كمال الأكبر معتقلاً فحسب. ولذلك كان لزاماً على “الحلّاق” أن يحترم هذه “الظاهرة”.. فيتعاضد مع ربّ الأسرة المنكوبة.. مظهراً له الاستياء، بالدعاء.. بالثناء.. أو بالرياء. يؤذّن العشاء فيحين موعد الانصراف.. يغادر أبو أحمد دكّانه ليعود إلى المنزل.. فلا يصل. (كان كلباً).. قال سعد الدين. كان مُخبراً.. قال عامر. لم يكن لديه مبادئ. قال ياسين. وأما أبو كمال فقد قال: رحمه الله.. كان بطل.   المصدر  كش  ملك]]> تلوّنت مواقف أبي أحمد “الحلّاق” بين التأييد المُطلق للنظام، والرفض القاطع له.. حسب الزبون. يعني، على “حسب السوق يسوق” أو “كل دقن إلها مشط”. “وسواس قهريّ” سببه الذات نفسها، لأنه يقارن الناس بنفسه.. فيزداد خوفاً وذعراً! مع شوية خبث ظريف يتمتّع به، يساعده على تجاوز المواقف الحرجة بأساليبَ تبدو لطيفةً أو ليست مزعجةً “على الأقلّ”. مع وسواسه وخبثه هذين يقضي ساعات عمله، ويدير أساليب أحاديثه، وتعابير مواقفه مع الزبائن.. كلّ واحد حسب “لونه”.. هو ليس ثرثاراً كما يشتهر الحلّاقون، لكن ألسنة الزبائن– في هذه الأيّام- أصبحت لا تدخل إلى حلوقهم. حين يفقد الحيلة ويسقط في يده يصبح الحديث “مُرعباً” لا يبقى أمامه سوى انتظار قدوم زبون آخر، عندها يقترب بسرعة من الزبون القديم.. وبلهفة بادية يهمس في أذنه: (اقلب الصفحة).. فيفهم الزبون المعارض أن القادم شخص خطير عليه.. أو يفهم الزبون المؤيّد أن الآتي خطَر مُحدق به.. فيتوقّف كل منهما، في الحالتين، عن الكلام، وتلك غاية أبي أحمد.. فالسكوت أحسن شي. في الصباح يدخل سعد الدين.. سائق تكسي في الستّين من عمره كأبي كمال.. – ليش امبارح كانوا مطوّقين الحارة يا أبو أحمد؟ – ليش؟! – يا زلمة أنا عم أسألك.. – مين؟! – ما بعرف مين؟ أشو رأيك؟ – ليش؟! – لك ما بدّي رأيك.. عم أسألك مين؟ – مين؟! بين “ليش” و”مين” و” تَغَابي” أبي أحمد.. يتهافت الحوار ويضيع السائل، بل يفرّ هرباً من هذه البلادة.. البلادة التي يصطنعها أبو أحمد؛ بل يصنعها باحتراف “أمني” تعلّمه ذات يوم. فما عساه يجيب على أسئلة رجل كان منذ خمسة وثلاثين عاماً “مُرافقاً” لواحد من أعظم رجالات المخابرات الذين عرفتهم البلاد؟! يفتح عامر صبيح الباب ويباغت أبا أحمد.. – جرّة الغاز بتلات الاف يا أبو أحمد. – … – أشو؟ شييفك سكتت.. – منيح. – كيف يعني منيح؟ هاد الحكي بيرضي الله؟! – قصدي.. منيحة. – منيحة؟ بمين؟ – منيحة فينا.. نحنا وصّلنا حالنا لهي المواصيل. – كيف يعني؟ – كان الله ساترنا وماشي الحال.. – إي والله معك حقّ.. يخرب ديارن هالثوّار خربوا البلد. هنا يتوقّف أبو أحمد عن الحوار متّخذاً أيّة ذريعة.. مثلاً، يتّصل بزوجته: كمان مجدّرة؟ يخرب ديارِك على ديار السخّانة. أو يلقي بنفسه خارج المحلّ فيصيح في “العبّارة” منادياً صانعه: تعا يا جحش شفلي هالجحش.. المقصّ، وينو المقصّ؟ يبعتلو القصّ للسينك… هذا الزبون “مخبر” كما دوَّن “أبو أحمد” ذلك في سجلّه الأمني الخاصّ، لذلك ينبغي التعامل معه بطريقة توحي بانزعاجه الشديد من “الثوّار” لأنّهم دمّروا “البلد”، ولا يقتصر هذا على موضوع الغاز.. فحين تنطفئ الكهرباء ويكون زبونه نفس الزبون أو زميلاً من زملائه.. لا يجد حرجاً حين يعتذر بأسلوب لطيف قائلاً: والله هالثوّار خجّلونا مع الزباين! وحين يسأله المخبر “مستغرباً فعلاً”: وأشو علاقة الثوّار بهاد الشي؟ يُجيب: ليش نحنا كانت تنقطع عنّا الكهربا قبل الثورة يا خاي؟! يخرب ديارن هالثوّار. يدخل زبون آخر اسمه ياسين.. وقبل أن يجلس على كرسيّ القصّ.. – ما دريت؟! – لأ.. – لك كيف لأ؟ – ما بعرف.. – يا زلمي قايمة الدنيا بحارة الناعورة.. – كيف؟ – معتقلين نصّ الحارة.. – أفّ؟! – لك انت وين عييش؟ – هون.. – يخرب ديارك .. – بحلقلك دقنك؟ هذا الزبون جاره في “العبّارة” يمتلك متجراً لبيع “السيديّات”، يعرفه منذ خمسة أعوام لذلك صارا صاحبَين، لكن حين قامت الثورة أو حَلّت الأزمة- كما يصف أبو أحمد الواقع وفق الظرف الراهن– ظلّ هذا الزبون الصاحب ينتقد المتظاهرين الذين كانوا يمرّون بعد صلاة العشاء كل يوم في شارع “الضبّيط” متّجهين إلى جامع سعد.. طيلة أربعة شهور.. كان يقول: لك بلا ما يحرقوا الصورة.. والله العظيم عيب، والله ما بيجوز هيك. وحين قُتِل أخوه صار يقول: يحرُق قلبن.. الله ياخدُن، والله ما بيجوز هيك. لذلك أصبح أبو أحمد متردّداً في تحديد الطريقة اللازمة للتعامل مع جاره الصاحب.. فقد كان يسأل نفسه: إي ما حسّ وفهِم لحتّى مات أخوه؟!.. فظلّ يعتبره مُعارضاً “عَلّاكاً”. قبل نصف ساعة من صلاة العشاء يأتي أبو كمال ذو القامة الفارعة والوجه الصبوح، بهدوء وثقة يلِج إلى المحلّ.. – كيفك أبو أحمد.. كيف العيال انشالله بخير؟ – والله الحمد لله يا عمي أبو كمال.. الحمد لله. – لازمكن شي يا ابني؟ – والله يا عمّي ما بدنا غير سلامتك.. – منشان ابن عمّك إبراهيم لا تاكلوا همّ يا عين أخوك، رقبتنا سدّادة. – الله يلطف. – بتهون أبو أحمد.. بتهون يا خاي، احلقلي دقني الله يرضى عليك.. عندي فيقة بكّير. يحلقها ، وحين يهمّ “أبو كمال” بالخروج، يلحق به إلى “العبّارة”.. يتلفّت ذات اليمين وذات الشمال ثمّ يصيح: الله يخليلنا ياكن.. الله يطوّل عمركن.. الله ينصركن بجاه سيّدنا محمّد. أبو كمال.. رجل في الستّين من عمره، موظّف متقاعد.. حقوقيّ.. وكان يرأس دائرةً مهمّةً في مديرية المصالح العقارية.. لم يُعرف عنه سوى “الصلاح”، وحين اندلعت الثورة، أو وقعت الأزمة- كما يصف أبو أحمد الواقع “دائماً” وفق الظرف الراهن– انجذبت مشاعر أبي كمال نحو الحرّية.. فقدّم ثمناً لها بعد أن انتقلت عدواها إلى أسرته.. اثنين من أفرادها، ابنه علي وابنه سعد، وبقي كمال الأكبر معتقلاً فحسب. ولذلك كان لزاماً على “الحلّاق” أن يحترم هذه “الظاهرة”.. فيتعاضد مع ربّ الأسرة المنكوبة.. مظهراً له الاستياء، بالدعاء.. بالثناء.. أو بالرياء. يؤذّن العشاء فيحين موعد الانصراف.. يغادر أبو أحمد دكّانه ليعود إلى المنزل.. فلا يصل. (كان كلباً).. قال سعد الدين. كان مُخبراً.. قال عامر. لم يكن لديه مبادئ. قال ياسين. وأما أبو كمال فقد قال: رحمه الله.. كان بطل.   المصدر  كش  ملك]]> 28940