قصص قصيرة – سوريتي http://www.souriyati.com موقع سوري الكتروني لكل السوريين Mon, 16 Sep 2019 14:57:00 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=4.9.11 133809177 ليس في ” حي الجورة ببيروت ” ما يستحقّ الحياة : تدور أحداث هذه القصة في المستقبل http://www.souriyati.com/2019/06/25/124307.html Tue, 25 Jun 2019 12:30:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/06/25/124307.html ملاحظة: تدور أحداث هذه القصة في المستقبل، إذ تتوقع الكاتبة فيها ما يمكن أن تؤول إليه الأزمة الاقتصادية في لبنان في الأيام المقبلة. كانت قوة جامحة تائهة متهورة تشدّ بابنة العشرين وهي تغادر منزلها باتجاه "الجورة". وصلت هناء إلى أفقر الأحياء الشعبية المهمشة في لبنان، حاملة حقائب تكاد تتسع لكل شيء، ولا تتسع لذكريات خلفتها وراءها. فأدركت أن الأزمة الاقتصادية التي فتكت بلبنان قد بلغت ذروتها. ليست الأزمة المالية وليدة اللحظة، إن جذورها تعود إلى التسعينيات حين دخل البلد المدمر في دوامة الدين العام. لكن الحديث عنها شاع، وبدأت ملامحها ترتسم على وجوه اللبنانيين البائسة. تماماً كوجه والد هناء منذ أن طاولته تسونامي البطالة، ليغرق في صومعة البطون الخاوية لزوجة وبنات خمس. عندما وطأت قدما هناء حي الجورة الواقع في منطقة برج البراجنة في بيروت، حيث المنازل المتهالكة جدرانها تقبع في ثنايا العشوائيات، وجدت من شقاء أبناء الجورة وبؤسهم أرضية ملائمة لروايتها الجديدة. في خضم الشغب العارم، تواصلت التحذيرات بنشوب حرب أهلية في أوساط اللبنانيين، وكثر الحديث عن احتمال اندلاع حرب إسرائيلية أو تدخل قوى خارجية بحجة الأزمة المالية كانت هناء عاطلة عن العمل حتى قبل أن تخيّم الأزمة وتتفشى البطالة بصورة مخيفة. فهي درست الهندسة المعمارية والأدب العربي، وتعلمت اللغة الإنكليزية، الفرنسية والروسية. وعدا عن ذكائها الباهر وموهبتها في الكتابة، لم تتوانَ عن السعي لتطوير قدراتها. لكنّ لبنان لا يكترث لكل هذه الكفاءات، يكفيه إيماناً بعبثية تكديس الشهادات. لطالما جرت هناء أذيال الخيبة في بلد تحكمه الوساطات والمحسوبيات، لكنها ومع ذلك ظلت تؤمن بأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". وكانت عاشقة الكتابة. تكتب لتقتل أبطالاً بات وجودهم عبئاً، وتخلق أبطالاً بات غيابهم عبئاً أيضاً. حتى وجدت في الأوراق متسعاً لتترجم مقولتها الشهيرة: "عندما توجد الإرادة يصبح الإنسان قادراً على تحقيق المعجزات". للحظة ضاقت هناء ذرعاً بجدران منزلها، فانكبت على شرفتها، علّها تدخل إلى رئتيها بعضاً من الهواء وإن لم يكن نظيفاً. فجأة، يقتحم الأمن ويلقي القبض على عدد من الشبان المجتمعين في أحد المقاهي. لم يكن ذلك مشهدا غريبا على هناء التي أيقنت منذ أن عاشت في "الجورة" أن "مجرد أن يولد الواحد هنا يحكم عليه إما بدخول سجن رومية لخطيئة ارتكبها، وإما أن يبقى في "الجورة" بانتظار الدخول إلى رومية". فالغارق في البطالة قد نظر نفسه للانغماس في الرذائل. ولا فرق بين المنازل التي سيألفها أبناء "الجورة". فرومية ليست غير جورة قد تزيد في خناقها، و"الجورة" ليست غير سجن وإن اتسعت جدرانها. باتت "الجورة" ملجأ الهاربين من شبح الفقر والعوز، فزهد الحياة فيها كان يزيد من عدد اللاجئين كلما تدهورت الأوضاع الاقتصادية. وكانت حكايا قاطني الحي الكثيرة كلها من الطراز المأساوي، مادة دسمة لرواية هناء الجديدة. كثيراً ما قُيدت هناء بالحكم على جرائم السرقة التي انتشرت كالوباء المعدي. فمن ذا الذي يحاسب العبد الفقير على رغيف خبز سرقه في لحظات الجوع الجائرة؟ تساءلت صاحبة الإرادة عن السبب الذي يجعلها حتى البتة لا تجوع. وكلما شاركت أباها تساؤلاتها، يبرر: "الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، أنني ادخرت قرشاً أبيض ليومنا الأسود هذا". في غسق الدجى، وبينما كان العالم ينام بثقله فوق أجساد أبناء "الجورة" ولاجئيها، لم تنم هناء وهي تفكر باليوم الذي ستجوع فيه كما يجوع كل من حولها. لوهلة، سمعت خطى والدها تتجه نحو الباب. لحقت به بحذر. وعرفت أنه في ذلك الوقت المتقدم من الليل، لا يمكن أن يكون طريق والدها المتعثر الخطى سوى باتجاه الهدف الوحيد الذي يجعلها لا تجوع. بكت ابنة العشرين كثيراً، حتى محت بدموعها تلك الذكرى الأليمة. كما لو أنها رفضت أن تنهار صورة الوالد التقي المخلص، أو أن تصدق للحظة أن والدها قد سرق ليطعمهم، وأنها تأكل مالاً حراماً. بدأ الناس يشعرون أنهم مخلوقات يعبث بهم ذوو الثروات. وما عاد الكلام جنحة والصوت العالي في وجه زعماء الطوائف جريمة تستدعي العقاب. كما ما عاد باستطاعة هؤلاء الزعماء الذين نهبوا لبنان لسنوات أن يسكتوا الشعب الجائع ويحركونه كحجارة الشطرنج كما يحلو لهم. كانت الشوارع تغصّ بالمتظاهرين الناقمين على السياسيين كافة، من دون استثناء دين أو طائفة. أما هناء فكانت معروفة بطباعها الهادئة، تواكب التظاهرات عن كثب من "الجورة"، فتحمل أكثر فأكثر على السلطة الفاسدة، ويداخلها حزن دفين على ما يحلّ بشعب بلدها، لا تشرك به أحداً. في خضم الشغب العارم، تواصلت التحذيرات بنشوب حرب أهلية في أوساط اللبنانيين، وكثر الحديث عن احتمال اندلاع حرب إسرائيلية أو تدخل قوى خارجية بحجة الأزمة المالية. فكتبت هناء: "لسنا في سلام لنهاب الحرب. فمشهد الأطفال الجائعين لا يقل قسوة عن مشهد ضحايا الحروب والمجازر. نحن اليوم في حالة حرب استثنائية. وما يتوقعون أن يحِلّ لن يكون أكثر إيلاماً من ما نعيش". هكذا ختمت هناء روايتها الجديدة التي سمّتها: ليس في "الجورة" ما يستحق الحياة. زينب علي حمود مدوّنة صحافية لبنانية.. حائزة على إجازة في الصحافة من كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، وأدرس الماجستير في الصحافة. ]]> ملاحظة: تدور أحداث هذه القصة في المستقبل، إذ تتوقع الكاتبة فيها ما يمكن أن تؤول إليه الأزمة الاقتصادية في لبنان في الأيام المقبلة. كانت قوة جامحة تائهة متهورة تشدّ بابنة العشرين وهي تغادر منزلها باتجاه "الجورة". وصلت هناء إلى أفقر الأحياء الشعبية المهمشة في لبنان، حاملة حقائب تكاد تتسع لكل شيء، ولا تتسع لذكريات خلفتها وراءها. فأدركت أن الأزمة الاقتصادية التي فتكت بلبنان قد بلغت ذروتها. ليست الأزمة المالية وليدة اللحظة، إن جذورها تعود إلى التسعينيات حين دخل البلد المدمر في دوامة الدين العام. لكن الحديث عنها شاع، وبدأت ملامحها ترتسم على وجوه اللبنانيين البائسة. تماماً كوجه والد هناء منذ أن طاولته تسونامي البطالة، ليغرق في صومعة البطون الخاوية لزوجة وبنات خمس. عندما وطأت قدما هناء حي الجورة الواقع في منطقة برج البراجنة في بيروت، حيث المنازل المتهالكة جدرانها تقبع في ثنايا العشوائيات، وجدت من شقاء أبناء الجورة وبؤسهم أرضية ملائمة لروايتها الجديدة. في خضم الشغب العارم، تواصلت التحذيرات بنشوب حرب أهلية في أوساط اللبنانيين، وكثر الحديث عن احتمال اندلاع حرب إسرائيلية أو تدخل قوى خارجية بحجة الأزمة المالية كانت هناء عاطلة عن العمل حتى قبل أن تخيّم الأزمة وتتفشى البطالة بصورة مخيفة. فهي درست الهندسة المعمارية والأدب العربي، وتعلمت اللغة الإنكليزية، الفرنسية والروسية. وعدا عن ذكائها الباهر وموهبتها في الكتابة، لم تتوانَ عن السعي لتطوير قدراتها. لكنّ لبنان لا يكترث لكل هذه الكفاءات، يكفيه إيماناً بعبثية تكديس الشهادات. لطالما جرت هناء أذيال الخيبة في بلد تحكمه الوساطات والمحسوبيات، لكنها ومع ذلك ظلت تؤمن بأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". وكانت عاشقة الكتابة. تكتب لتقتل أبطالاً بات وجودهم عبئاً، وتخلق أبطالاً بات غيابهم عبئاً أيضاً. حتى وجدت في الأوراق متسعاً لتترجم مقولتها الشهيرة: "عندما توجد الإرادة يصبح الإنسان قادراً على تحقيق المعجزات". للحظة ضاقت هناء ذرعاً بجدران منزلها، فانكبت على شرفتها، علّها تدخل إلى رئتيها بعضاً من الهواء وإن لم يكن نظيفاً. فجأة، يقتحم الأمن ويلقي القبض على عدد من الشبان المجتمعين في أحد المقاهي. لم يكن ذلك مشهدا غريبا على هناء التي أيقنت منذ أن عاشت في "الجورة" أن "مجرد أن يولد الواحد هنا يحكم عليه إما بدخول سجن رومية لخطيئة ارتكبها، وإما أن يبقى في "الجورة" بانتظار الدخول إلى رومية". فالغارق في البطالة قد نظر نفسه للانغماس في الرذائل. ولا فرق بين المنازل التي سيألفها أبناء "الجورة". فرومية ليست غير جورة قد تزيد في خناقها، و"الجورة" ليست غير سجن وإن اتسعت جدرانها. باتت "الجورة" ملجأ الهاربين من شبح الفقر والعوز، فزهد الحياة فيها كان يزيد من عدد اللاجئين كلما تدهورت الأوضاع الاقتصادية. وكانت حكايا قاطني الحي الكثيرة كلها من الطراز المأساوي، مادة دسمة لرواية هناء الجديدة. كثيراً ما قُيدت هناء بالحكم على جرائم السرقة التي انتشرت كالوباء المعدي. فمن ذا الذي يحاسب العبد الفقير على رغيف خبز سرقه في لحظات الجوع الجائرة؟ تساءلت صاحبة الإرادة عن السبب الذي يجعلها حتى البتة لا تجوع. وكلما شاركت أباها تساؤلاتها، يبرر: "الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، أنني ادخرت قرشاً أبيض ليومنا الأسود هذا". في غسق الدجى، وبينما كان العالم ينام بثقله فوق أجساد أبناء "الجورة" ولاجئيها، لم تنم هناء وهي تفكر باليوم الذي ستجوع فيه كما يجوع كل من حولها. لوهلة، سمعت خطى والدها تتجه نحو الباب. لحقت به بحذر. وعرفت أنه في ذلك الوقت المتقدم من الليل، لا يمكن أن يكون طريق والدها المتعثر الخطى سوى باتجاه الهدف الوحيد الذي يجعلها لا تجوع. بكت ابنة العشرين كثيراً، حتى محت بدموعها تلك الذكرى الأليمة. كما لو أنها رفضت أن تنهار صورة الوالد التقي المخلص، أو أن تصدق للحظة أن والدها قد سرق ليطعمهم، وأنها تأكل مالاً حراماً. بدأ الناس يشعرون أنهم مخلوقات يعبث بهم ذوو الثروات. وما عاد الكلام جنحة والصوت العالي في وجه زعماء الطوائف جريمة تستدعي العقاب. كما ما عاد باستطاعة هؤلاء الزعماء الذين نهبوا لبنان لسنوات أن يسكتوا الشعب الجائع ويحركونه كحجارة الشطرنج كما يحلو لهم. كانت الشوارع تغصّ بالمتظاهرين الناقمين على السياسيين كافة، من دون استثناء دين أو طائفة. أما هناء فكانت معروفة بطباعها الهادئة، تواكب التظاهرات عن كثب من "الجورة"، فتحمل أكثر فأكثر على السلطة الفاسدة، ويداخلها حزن دفين على ما يحلّ بشعب بلدها، لا تشرك به أحداً. في خضم الشغب العارم، تواصلت التحذيرات بنشوب حرب أهلية في أوساط اللبنانيين، وكثر الحديث عن احتمال اندلاع حرب إسرائيلية أو تدخل قوى خارجية بحجة الأزمة المالية. فكتبت هناء: "لسنا في سلام لنهاب الحرب. فمشهد الأطفال الجائعين لا يقل قسوة عن مشهد ضحايا الحروب والمجازر. نحن اليوم في حالة حرب استثنائية. وما يتوقعون أن يحِلّ لن يكون أكثر إيلاماً من ما نعيش". هكذا ختمت هناء روايتها الجديدة التي سمّتها: ليس في "الجورة" ما يستحق الحياة. زينب علي حمود مدوّنة صحافية لبنانية.. حائزة على إجازة في الصحافة من كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، وأدرس الماجستير في الصحافة. ]]> 124307 مصطفى عبد السلام : ليلة بكى فيها الطفل http://www.souriyati.com/2019/05/21/123358.html Tue, 21 May 2019 14:56:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/05/21/123358.html ليلة بكى فيها الطفل مصطفى عبد السلام 13 مايو 2019 مدوّن كاتب وصحافي مصري، رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد". يقول: أميل للبسطاء، وأدعم الحق والمظلومين. ولأنني مدرك أن الاقتصاد هو حياة الناس، أعمل منذ سنوات على "أنسنة" الاقتصاد وتفريغه من حالة الجفاف التقليدية. أعتبر أن مهنة الصحافة أعظم مهنة على الأرض... ظلام دامس يلف القرية، في فترة ما بين المغرب والعشاء، فاليوم هو الثامن والعشرون من الشهر العربي. ظلام جعل سكان القرية لا يرون ما تحت أقدامهم، لم يكن التيار الكهربائي قد عرف طريقه إلى القرية بعد، القمر لا يزال مختبئا وراء النجوم، لم يطل بعد بوجهه البيضاوي الأبيض الذي يشبه وجه جدتي، يرفض أن يزين السماء إلا في موعده، صوت المواشي لا يزال مسموعا وهي تبحث عن مكان مبيتها حتى ترتاح بعد عناء يوم طويل، صوت الأبقار يتصاعد فرحا بعودتها من الحقول، حتى صوت الجاموس كان يعجبنا نحن الأطفال وكأنه ترانيم المساء. الفلاحون يتسامرون وهم يركبون على ظهر الحمير عائدين إلى بيوتهم، والأبناء يتسابقون في دفع المواشي نحو الحظائر داخل المنازل، يريدون إنجاز مهمتهم بسرعة للتفرغ لمهمة أهم وأكبر وهي سرد تفاصيل يومهم لجدتهم الستينية التي كانت تنصت بشغف لكل واحد على حدة. أطفال القرية اختفوا بعد أن كانوا يملأون الدنيا صياحاً قبل صلاة المغرب، الأمهات رحن يقنعن أولادهن الصغار بضرورة النوم مبكراً وعدم الخروج إلى الشارع في هذا الظلام الدامس حتى لا يخطفهم "أبو رجل مسلوخة" أو الذئب الذي خطف طفلا قبل أيام، أو تخطفهم العصابة التي تختفي وراء الجبل الغربي، أو تغريهم بسرد قصص الشاطر حسن، والرجل الذي صارع الأسد في الحقل البحري عندما هاجم قطعان الأغنام، ومولد الشيخ فلان الذي سيغني فيه الشيخ ياسين التهامي بعد عصر الغد. داخل المنزل ضوء خافت يخرج من لمبة الجاز التي تم تثبيتها بمسمار قوي في الحائط. هناك ضوء آخر يخرج من نار الكانون الذي تطهو عليه الأم وجبة العشاء، وهي عبارة عن لحم مسلوق وملوخية خضراء وخبز أبيض مصنوع في البيت يطلق عليه اسم "البتاو" الصعيدي، وهو نوع من الخبز مصنوع من دقيق القمح أو الذرة الرفيعة أو الشامي وهو الذرة الشامية ومخلوط عليه خميرة، والبتاو هو الخبز الشعبي لمعظم أهالي الصعيد. من المقعد الأول انطلق التلميذ ليحصل على المرحلة الابتدائية في 4 سنوات بدلاً من ست، ثم الإعدادية، وفي الثانوية حصل على مجموع عالٍ أهله للالتحاق بإحدى كليات القمة بجامعة القاهرة، ومن الكلية انطلق لعالم الصحافة الرحب الأب ينادي على الأم للإسراع في إعداد وجبة العشاء حتى يتناولها قبل صلاة العشاء، وبعدها يخلد إلى النوم حتى يستيقظ قبل صلاة الفجر كعادته. الأولاد الخمسة يحتفلون بأخيهم القادم من ليبيا بعد غياب طال عاما حيث كان يعمل هناك، الأخ الأكبر يسأل أخاه الثاني عن تفاصيل حياته في ليبيا، كيف قضى وقته، ما ظروف العمل هناك، هل صحيح أن القذافي مجنون كما يقول عنه الرئيس السادات، يسأل أيضا عن أقربائنا في ليبيا، كيف حالهم ومتى يعودون، والأخ يجيب بالتفاصيل ويحكي عن تفاصيل سفره وعودته وكأنه يحكي قصة شيقة ومثيرة خاصة وأنها لا تخلو من مغامرات الحياة في جبال ليبيا والتعامل مع البدو وكيف أنه قطع آلاف الكيلومترات في طريق عودته من بني غازي إلى المنيا في صعيد مصر. في الركن الصغير جلس طفل لا يتجاوز عمره الثامنة، يتابع بشغف قصص إخوته الكبار ومغامراتهم طوال اليوم وهم يحكون التفاصيل الدقيقة والصغيرة لجدتهم التي كانت قريبة لقلوبهم، وكيف أنهم طاردوا ذئبا حاول أن يخطف الشاة الأكبر سوداء اللون، "عارفاها يا ستي"، هكذا سأل أخي الأوسط، وكيف أنهم هاجموا ثعلبا فر هاربا إلى زراعات القصب، وكيف أنهم ساعدوا أباهم في حرث الأرض وزراعتها بالبذور، كما يستمع الطفل لأخيه الثالث وهو يحكي لجدته كيف ساعد أباه في زراعة الأرض الشرقية بقصب السكر، وكيف أنه كان يخفي بقدميه عود القصب تحت الأرض ويردم عليه بالتراب حتى ينمو بسرعة، وكيف أنه زرع ملوخية وجرجيرا وفجلا وطماطم في الأرض الغربية. الجدة كانت تسأل الأحفاد عن أدق التفاصيل، عن محصول القمح في الحقل البحري وهل اقترب موسم حصاد الذرة أم لا، وعن حال الكرنب المزروع في الحقل القريب من الجسر الواقع على الترعة، وهل اقترب موعد قلعه، وعن مياه الترعة، وهل كانت منخفضة أم مرتفعة وقت ري الأرض، وعن موعد حصاد عباد الشمس، ومتى ستأتون باللب الأسمر منه، وعن زراعة البطيخ وهل امتدت عروشها وظهرت ثمارها. الأم كانت مشغولة في تحضير وجبة العشاء وكانت في نفس الوقت تتابع حديث الأبناء لجدتهم، كانت تكتفي برسم بسمة على وجهها من حين لآخر، وتكتفي بالقول من وقت لآخر: "شاطرين يا أولاد.. أنتو كدة رجالة.. ربنا يحفظكم من العين"، وبعدها تقرأ سورة الفلق، وتتمتم بصوت منخفض: "قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق"، وتدخل في لحظات دعاء طويلة للأبناء الستة. "يا ساتر".. صوت عالٍ قادم من خارج المنزل يكسر حوار الأطفال الشيق مع الجدة، كل آذان الأسرة ذهبت إلى مصدر الصوت، فنبرته معروفة، لكن أحدا من أفراد الأسرة لم يشاهد صاحب الصوت من شدة الظلام الذي يخيم على المكان. أهلا بالأستاذ، قالها الابن الأكبر، وبعدها بادر الأب بالترحيب، وبادرت الأم بكلمة "يا أهلا وسهلا، زارنا النبي، يا دي النور، يا دي النور، تفضل يا أستاذ، على الرحب والسعة، بيتك ومطرحك". كان الأستاذ يلقى احترام الجميع، ومعروف عنه أنه يشجع أسر القرية على تعليم أولادها، كان يحارب الأمية والجهل المستشري بين أبناء القرية، كان الآباء وقتها لا يفضلون إرسال أولادهم إلى المدارس حتى يساعدوهم في زراعة الأرض، ولذا كانت نسبة التعليم في القرية متدنية جدا. في صحن المنزل جلس الأستاذ بعد أن أفسح الجميع له المكان، لا أحد يعرف سر هذه الزيارة المفاجئة، فلا أحد من أفراد الأسرة عرف طريقه من قبل إلى المدرسة التي يعمل بها الأستاذ مدرسا للغة العربية والرياضيات، ولا أحد تعلم من الأصل، كان هناك سؤال على لسان الجميع لكن لم ينطقوا به وهو: "ما الذي أتى بالأستاذ لمنزلنا في تلك الساعة". قرأ الأستاذ أسئلة الجميع الحائرة، وشق صوته جدار الصمت في المكان، وقال إنه سمع أن أخي جاء من ليبيا ومعه قماش صوف، وأنه يريد قطعة قماش أو قطعتين حتى يفصلهما بدلة، وهنا تسابق الجميع مجدداً نحو التحية بالأستاذ الذي كان يرتدي ثوبا أبيض ويمسك بعصى في يده اليمنى، والتأكيد على أن الغالي رخيص، وأن طلبه غالٍ، وما هي إلا ثوانٍ حتى أحضر الأخ القادم من ليبيا شنطة السفر وأخرج منها عدة قطع من القماش الصوف الغالي وقدمها للأستاذ، بعد أن أكد له أنها هدية منه. كان الطفل الصغير الذي لا يزال قابعا في ركن صحن البيت يتابع الحوار الدائر بين الأستاذ وأبيه وإخوته، كما كان يتابع قبل قليل حوار إخوته مع جدته. وبينما يترقب الجميع رد فعل الأستاذ على نوعية القماش واختيار قطعتين من الأقمشة الكثيرة التي قدمت له، فإذا به يسأل سؤالا مفاجئا وغير متوقع، وهو يمسك في يده اليمنى بكوب الشاي الأسود المغلي على الكانون: من هذا الطفل "الأمور" الجالس في الركن؟ *يرد أخي الأكبر بصوت كله ثقة، والبسمة تعلو وجهه وكأنه يتفاخر بالطفل: "أخونا الصغير، آخر العنقود". - ما عمره؟ * 8 سنوات - هل ألتحق بالمدرسة؟ * السؤال كان صادما للجميع، فلا أحد لدينا ذهب إلى المدرسة، الكل يساعد الأب في الحقل، لأن شغل الزراعة كثير ويحتاج إلى أيدٍ عاملة كثيرة، خاصة في أوقات الحصاد والحرث والري، وكانت الإجابة الصادرة من الإخوة الأربعة الجالسين في الصالة بالنفي. - يرد الأستاذ والغضب يعلو وجهه: لماذا؟ - ترد الأم: "نصيبه"، وتواصل: "لا أحد من إخوته التحق بالمدرسة من قبل، الكل يساعد أباه في الحقل". - هل لديه شهادة ميلاد؟ * لا . وهنا أشار الأستاذ بحزم إلى أخي الثاني وأصدر تعليمات صارمة: "بكرة"- أي غدا- تذهب إلى الوحدة الصحية لاستخراج شهادة ميلاد للطفل، وبعدها تأتيني ومعك 125 قرشا مصروفات للمدرسة، هو متأخر عن المدرسة لمدة عامين، لكن سأحاول تعويضهم عن طريق دمج كل سنتين في سنة واحدة، المهم، هو يساعدني ويكون شاطرا ويتفوق. كان الأب والإخوة يتابعون حديث الأستاذ وتعليماته الصارمة، أما الأم فكان صوتها يرن في كل جنبات البيت "العشاء يا أولاد للأستاذ.. نحن زارنا النبي الليلة.. يا دى النور". فجأة يخيم الصمت على الجميع، الأب ينظر باستغراب لأولاده، والأستاذ يتفحص الأقمشة التي كانت أمامه. وفجأة وقف الأستاذ وقال: "توكلنا على الله.. هذان اللونان مناسبان للبدل"، وأشار إلى قطعتي قماش اختارهما من بين المجموعة التي أحضرها أخي له. وبينما يغادر الأستاذ باب المنزل، يلتف وراءه مشاوراً على أخي الثاني قائلا له: "غدا منتظرك، تأتي بدري، ومعك شهادة الميلاد". بات الطفل ليله في قلق شديد، يتساءل مع نفسه، ما هي المدرسة، وماذا يفعلون بها، فهو لم يذهب إلى مدرسة من قبل، شأنه شأن معظم أطفال القرية أولاد الفلاحين، كان يذهب يوميا إلى الحقل حيث الزراعة والأشجار والخضرة والمياه التي يعشقها. ومن قساوة الأسئلة وغموض الموقف ذرفت عيناه بالدموع رغم محاولته كتمانها، حتى لا يتعرض لسخرية إخوته، فالسيدات عند إخوته هن من يبكين فقط، أما الرجالة، وأنا واحد منهم، فلا يبكون. شعرت الأم بقلق وتوتر وحيرة الطفل الصغير، فاحتضنته بشدة، وراحت تحكي له حواديت وقصصا كعادتها عندما يخلد إلى النوم. حواديت ممزوجة بين الواقع والخيال، قصص عن والده الذي واجه أنثى الأسد بـ"الخشت" أو "النبوت" الذي كان يمسكه بيده فأرداها قتيلة، وكيف أنه قتل ذئبا كبيرا وهو يحاول خطف خروف من وسط قطعان الأغنام، وأنه أكل 20 بيضة في الغداء، وشرب خمسة أرطال سمنة مرة واحدة، كانت الأم تكرر علي القصص الأخيرة عندما أعزف عن تناول البيض والسمنة البلدي. لم تبدد حواديت الأم قلق الطفل الذي راح يحدق في النور الخافت المنطلق من لمبة الجاز المعلقة في أحد جنبات الغرفة، وبعدها نام حتى استيقظ على الكروان صوت أمه الذي يعشقه ويدب السعادة في قلبه. وبلمسة حانية على شعره قالت الأم لطفلها: "قم لكي تذهب إلى المدرسة"، استغرب الطفل الجملة، فلثاني مرة في حياته يسمع كلمة مدرسة، أول مرة سمعها ليلة أمس من الأستاذ، والثانية للتو من أمه، فيوميا يسمع كلمة "قم لتذهب إلى الغيط"- الحقل- مع إخوتك، أو أن أباك ينتظرك لتذهب معه إلى الحقل. وبسرعة ارتدى الطفل الجلباب المقلم بخطوط عريضة زرقاء، وأمسك جيداً بيد أخيه الذي كان يحتمي به دوما من الكبار الذين يضربون الأطفال الصغار عندما يزاحمونهم في الشارع أثناء ممارسة لعب "الاستغماية" أو الكرة الشراب أو "السبع طوبات" أو "النحلة والدبور" و"التثبيت"، وفي وقت لاحق لعبة البلي. ومن الوحدة الصحية حيث استخرجنا شهادة ميلاد انتقلنا بسرعة إلى المدرسة الملاصقة للوحدة ولا يفصلهما سوى النادي الرياضي، وقف الطفل مشدوها بما يشاهده. مدرسون وطلبة يقفون في طابور الصباح ويحيون العلم، أطفال متراصون يلعبون كرة القدم وليس كرة الشراب أو الليف التي كنا نلعبها أمام بيوتنا. مدرسون يعطون الأوامر للتلاميذ بالوقف بانتظام في طابور واحد والتحرك بعدها نحو الفصول. لمح الأستاذ الطفل الحائر والمشدوه بالمنظر، وبصوت حازم كصوت أمس قال له: "قف هنا في الطابور، وبعدها تمشى مع الطلبة وتدخل الفصل الدراسي، وتتابع المدرس وهو يشرح على السبورة وغداً تحضر معك كراريس لتكتب بها". كراريس، فصل، كتابة، سبورة.. عالم غريب لم أعرفه من قبل، اندسست وسط التلاميذ، ودخلت الفصل وعلامات الاستفهام ترتسم في ذهني ولا أجد إجابة عليها، جلست في المقعد الأخير، لا أعرف ماذا أفعل، وبينما أنا غارق في مئات الأسئلة دخل الأستاذ ليبحث عني ويطلب مني بحزم أن أجلس في المقعد الأول، ومن المقعد الأول أنطلق التلميذ ليحصل على المرحلة الابتدائية في 4 سنوات بدلاً من ست سنوات، ثم الإعدادية، وفي الثانوية حصل على مجموع عالٍ أهله للالتحاق بإحدى كليات القمة بجامعة القاهرة، ومن الكلية انطلق لعالم الصحافة الرحب. ]]> ليلة بكى فيها الطفل مصطفى عبد السلام 13 مايو 2019 مدوّن كاتب وصحافي مصري، رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد". يقول: أميل للبسطاء، وأدعم الحق والمظلومين. ولأنني مدرك أن الاقتصاد هو حياة الناس، أعمل منذ سنوات على "أنسنة" الاقتصاد وتفريغه من حالة الجفاف التقليدية. أعتبر أن مهنة الصحافة أعظم مهنة على الأرض... ظلام دامس يلف القرية، في فترة ما بين المغرب والعشاء، فاليوم هو الثامن والعشرون من الشهر العربي. ظلام جعل سكان القرية لا يرون ما تحت أقدامهم، لم يكن التيار الكهربائي قد عرف طريقه إلى القرية بعد، القمر لا يزال مختبئا وراء النجوم، لم يطل بعد بوجهه البيضاوي الأبيض الذي يشبه وجه جدتي، يرفض أن يزين السماء إلا في موعده، صوت المواشي لا يزال مسموعا وهي تبحث عن مكان مبيتها حتى ترتاح بعد عناء يوم طويل، صوت الأبقار يتصاعد فرحا بعودتها من الحقول، حتى صوت الجاموس كان يعجبنا نحن الأطفال وكأنه ترانيم المساء. الفلاحون يتسامرون وهم يركبون على ظهر الحمير عائدين إلى بيوتهم، والأبناء يتسابقون في دفع المواشي نحو الحظائر داخل المنازل، يريدون إنجاز مهمتهم بسرعة للتفرغ لمهمة أهم وأكبر وهي سرد تفاصيل يومهم لجدتهم الستينية التي كانت تنصت بشغف لكل واحد على حدة. أطفال القرية اختفوا بعد أن كانوا يملأون الدنيا صياحاً قبل صلاة المغرب، الأمهات رحن يقنعن أولادهن الصغار بضرورة النوم مبكراً وعدم الخروج إلى الشارع في هذا الظلام الدامس حتى لا يخطفهم "أبو رجل مسلوخة" أو الذئب الذي خطف طفلا قبل أيام، أو تخطفهم العصابة التي تختفي وراء الجبل الغربي، أو تغريهم بسرد قصص الشاطر حسن، والرجل الذي صارع الأسد في الحقل البحري عندما هاجم قطعان الأغنام، ومولد الشيخ فلان الذي سيغني فيه الشيخ ياسين التهامي بعد عصر الغد. داخل المنزل ضوء خافت يخرج من لمبة الجاز التي تم تثبيتها بمسمار قوي في الحائط. هناك ضوء آخر يخرج من نار الكانون الذي تطهو عليه الأم وجبة العشاء، وهي عبارة عن لحم مسلوق وملوخية خضراء وخبز أبيض مصنوع في البيت يطلق عليه اسم "البتاو" الصعيدي، وهو نوع من الخبز مصنوع من دقيق القمح أو الذرة الرفيعة أو الشامي وهو الذرة الشامية ومخلوط عليه خميرة، والبتاو هو الخبز الشعبي لمعظم أهالي الصعيد. من المقعد الأول انطلق التلميذ ليحصل على المرحلة الابتدائية في 4 سنوات بدلاً من ست، ثم الإعدادية، وفي الثانوية حصل على مجموع عالٍ أهله للالتحاق بإحدى كليات القمة بجامعة القاهرة، ومن الكلية انطلق لعالم الصحافة الرحب الأب ينادي على الأم للإسراع في إعداد وجبة العشاء حتى يتناولها قبل صلاة العشاء، وبعدها يخلد إلى النوم حتى يستيقظ قبل صلاة الفجر كعادته. الأولاد الخمسة يحتفلون بأخيهم القادم من ليبيا بعد غياب طال عاما حيث كان يعمل هناك، الأخ الأكبر يسأل أخاه الثاني عن تفاصيل حياته في ليبيا، كيف قضى وقته، ما ظروف العمل هناك، هل صحيح أن القذافي مجنون كما يقول عنه الرئيس السادات، يسأل أيضا عن أقربائنا في ليبيا، كيف حالهم ومتى يعودون، والأخ يجيب بالتفاصيل ويحكي عن تفاصيل سفره وعودته وكأنه يحكي قصة شيقة ومثيرة خاصة وأنها لا تخلو من مغامرات الحياة في جبال ليبيا والتعامل مع البدو وكيف أنه قطع آلاف الكيلومترات في طريق عودته من بني غازي إلى المنيا في صعيد مصر. في الركن الصغير جلس طفل لا يتجاوز عمره الثامنة، يتابع بشغف قصص إخوته الكبار ومغامراتهم طوال اليوم وهم يحكون التفاصيل الدقيقة والصغيرة لجدتهم التي كانت قريبة لقلوبهم، وكيف أنهم طاردوا ذئبا حاول أن يخطف الشاة الأكبر سوداء اللون، "عارفاها يا ستي"، هكذا سأل أخي الأوسط، وكيف أنهم هاجموا ثعلبا فر هاربا إلى زراعات القصب، وكيف أنهم ساعدوا أباهم في حرث الأرض وزراعتها بالبذور، كما يستمع الطفل لأخيه الثالث وهو يحكي لجدته كيف ساعد أباه في زراعة الأرض الشرقية بقصب السكر، وكيف أنه كان يخفي بقدميه عود القصب تحت الأرض ويردم عليه بالتراب حتى ينمو بسرعة، وكيف أنه زرع ملوخية وجرجيرا وفجلا وطماطم في الأرض الغربية. الجدة كانت تسأل الأحفاد عن أدق التفاصيل، عن محصول القمح في الحقل البحري وهل اقترب موسم حصاد الذرة أم لا، وعن حال الكرنب المزروع في الحقل القريب من الجسر الواقع على الترعة، وهل اقترب موعد قلعه، وعن مياه الترعة، وهل كانت منخفضة أم مرتفعة وقت ري الأرض، وعن موعد حصاد عباد الشمس، ومتى ستأتون باللب الأسمر منه، وعن زراعة البطيخ وهل امتدت عروشها وظهرت ثمارها. الأم كانت مشغولة في تحضير وجبة العشاء وكانت في نفس الوقت تتابع حديث الأبناء لجدتهم، كانت تكتفي برسم بسمة على وجهها من حين لآخر، وتكتفي بالقول من وقت لآخر: "شاطرين يا أولاد.. أنتو كدة رجالة.. ربنا يحفظكم من العين"، وبعدها تقرأ سورة الفلق، وتتمتم بصوت منخفض: "قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق"، وتدخل في لحظات دعاء طويلة للأبناء الستة. "يا ساتر".. صوت عالٍ قادم من خارج المنزل يكسر حوار الأطفال الشيق مع الجدة، كل آذان الأسرة ذهبت إلى مصدر الصوت، فنبرته معروفة، لكن أحدا من أفراد الأسرة لم يشاهد صاحب الصوت من شدة الظلام الذي يخيم على المكان. أهلا بالأستاذ، قالها الابن الأكبر، وبعدها بادر الأب بالترحيب، وبادرت الأم بكلمة "يا أهلا وسهلا، زارنا النبي، يا دي النور، يا دي النور، تفضل يا أستاذ، على الرحب والسعة، بيتك ومطرحك". كان الأستاذ يلقى احترام الجميع، ومعروف عنه أنه يشجع أسر القرية على تعليم أولادها، كان يحارب الأمية والجهل المستشري بين أبناء القرية، كان الآباء وقتها لا يفضلون إرسال أولادهم إلى المدارس حتى يساعدوهم في زراعة الأرض، ولذا كانت نسبة التعليم في القرية متدنية جدا. في صحن المنزل جلس الأستاذ بعد أن أفسح الجميع له المكان، لا أحد يعرف سر هذه الزيارة المفاجئة، فلا أحد من أفراد الأسرة عرف طريقه من قبل إلى المدرسة التي يعمل بها الأستاذ مدرسا للغة العربية والرياضيات، ولا أحد تعلم من الأصل، كان هناك سؤال على لسان الجميع لكن لم ينطقوا به وهو: "ما الذي أتى بالأستاذ لمنزلنا في تلك الساعة". قرأ الأستاذ أسئلة الجميع الحائرة، وشق صوته جدار الصمت في المكان، وقال إنه سمع أن أخي جاء من ليبيا ومعه قماش صوف، وأنه يريد قطعة قماش أو قطعتين حتى يفصلهما بدلة، وهنا تسابق الجميع مجدداً نحو التحية بالأستاذ الذي كان يرتدي ثوبا أبيض ويمسك بعصى في يده اليمنى، والتأكيد على أن الغالي رخيص، وأن طلبه غالٍ، وما هي إلا ثوانٍ حتى أحضر الأخ القادم من ليبيا شنطة السفر وأخرج منها عدة قطع من القماش الصوف الغالي وقدمها للأستاذ، بعد أن أكد له أنها هدية منه. كان الطفل الصغير الذي لا يزال قابعا في ركن صحن البيت يتابع الحوار الدائر بين الأستاذ وأبيه وإخوته، كما كان يتابع قبل قليل حوار إخوته مع جدته. وبينما يترقب الجميع رد فعل الأستاذ على نوعية القماش واختيار قطعتين من الأقمشة الكثيرة التي قدمت له، فإذا به يسأل سؤالا مفاجئا وغير متوقع، وهو يمسك في يده اليمنى بكوب الشاي الأسود المغلي على الكانون: من هذا الطفل "الأمور" الجالس في الركن؟ *يرد أخي الأكبر بصوت كله ثقة، والبسمة تعلو وجهه وكأنه يتفاخر بالطفل: "أخونا الصغير، آخر العنقود". - ما عمره؟ * 8 سنوات - هل ألتحق بالمدرسة؟ * السؤال كان صادما للجميع، فلا أحد لدينا ذهب إلى المدرسة، الكل يساعد الأب في الحقل، لأن شغل الزراعة كثير ويحتاج إلى أيدٍ عاملة كثيرة، خاصة في أوقات الحصاد والحرث والري، وكانت الإجابة الصادرة من الإخوة الأربعة الجالسين في الصالة بالنفي. - يرد الأستاذ والغضب يعلو وجهه: لماذا؟ - ترد الأم: "نصيبه"، وتواصل: "لا أحد من إخوته التحق بالمدرسة من قبل، الكل يساعد أباه في الحقل". - هل لديه شهادة ميلاد؟ * لا . وهنا أشار الأستاذ بحزم إلى أخي الثاني وأصدر تعليمات صارمة: "بكرة"- أي غدا- تذهب إلى الوحدة الصحية لاستخراج شهادة ميلاد للطفل، وبعدها تأتيني ومعك 125 قرشا مصروفات للمدرسة، هو متأخر عن المدرسة لمدة عامين، لكن سأحاول تعويضهم عن طريق دمج كل سنتين في سنة واحدة، المهم، هو يساعدني ويكون شاطرا ويتفوق. كان الأب والإخوة يتابعون حديث الأستاذ وتعليماته الصارمة، أما الأم فكان صوتها يرن في كل جنبات البيت "العشاء يا أولاد للأستاذ.. نحن زارنا النبي الليلة.. يا دى النور". فجأة يخيم الصمت على الجميع، الأب ينظر باستغراب لأولاده، والأستاذ يتفحص الأقمشة التي كانت أمامه. وفجأة وقف الأستاذ وقال: "توكلنا على الله.. هذان اللونان مناسبان للبدل"، وأشار إلى قطعتي قماش اختارهما من بين المجموعة التي أحضرها أخي له. وبينما يغادر الأستاذ باب المنزل، يلتف وراءه مشاوراً على أخي الثاني قائلا له: "غدا منتظرك، تأتي بدري، ومعك شهادة الميلاد". بات الطفل ليله في قلق شديد، يتساءل مع نفسه، ما هي المدرسة، وماذا يفعلون بها، فهو لم يذهب إلى مدرسة من قبل، شأنه شأن معظم أطفال القرية أولاد الفلاحين، كان يذهب يوميا إلى الحقل حيث الزراعة والأشجار والخضرة والمياه التي يعشقها. ومن قساوة الأسئلة وغموض الموقف ذرفت عيناه بالدموع رغم محاولته كتمانها، حتى لا يتعرض لسخرية إخوته، فالسيدات عند إخوته هن من يبكين فقط، أما الرجالة، وأنا واحد منهم، فلا يبكون. شعرت الأم بقلق وتوتر وحيرة الطفل الصغير، فاحتضنته بشدة، وراحت تحكي له حواديت وقصصا كعادتها عندما يخلد إلى النوم. حواديت ممزوجة بين الواقع والخيال، قصص عن والده الذي واجه أنثى الأسد بـ"الخشت" أو "النبوت" الذي كان يمسكه بيده فأرداها قتيلة، وكيف أنه قتل ذئبا كبيرا وهو يحاول خطف خروف من وسط قطعان الأغنام، وأنه أكل 20 بيضة في الغداء، وشرب خمسة أرطال سمنة مرة واحدة، كانت الأم تكرر علي القصص الأخيرة عندما أعزف عن تناول البيض والسمنة البلدي. لم تبدد حواديت الأم قلق الطفل الذي راح يحدق في النور الخافت المنطلق من لمبة الجاز المعلقة في أحد جنبات الغرفة، وبعدها نام حتى استيقظ على الكروان صوت أمه الذي يعشقه ويدب السعادة في قلبه. وبلمسة حانية على شعره قالت الأم لطفلها: "قم لكي تذهب إلى المدرسة"، استغرب الطفل الجملة، فلثاني مرة في حياته يسمع كلمة مدرسة، أول مرة سمعها ليلة أمس من الأستاذ، والثانية للتو من أمه، فيوميا يسمع كلمة "قم لتذهب إلى الغيط"- الحقل- مع إخوتك، أو أن أباك ينتظرك لتذهب معه إلى الحقل. وبسرعة ارتدى الطفل الجلباب المقلم بخطوط عريضة زرقاء، وأمسك جيداً بيد أخيه الذي كان يحتمي به دوما من الكبار الذين يضربون الأطفال الصغار عندما يزاحمونهم في الشارع أثناء ممارسة لعب "الاستغماية" أو الكرة الشراب أو "السبع طوبات" أو "النحلة والدبور" و"التثبيت"، وفي وقت لاحق لعبة البلي. ومن الوحدة الصحية حيث استخرجنا شهادة ميلاد انتقلنا بسرعة إلى المدرسة الملاصقة للوحدة ولا يفصلهما سوى النادي الرياضي، وقف الطفل مشدوها بما يشاهده. مدرسون وطلبة يقفون في طابور الصباح ويحيون العلم، أطفال متراصون يلعبون كرة القدم وليس كرة الشراب أو الليف التي كنا نلعبها أمام بيوتنا. مدرسون يعطون الأوامر للتلاميذ بالوقف بانتظام في طابور واحد والتحرك بعدها نحو الفصول. لمح الأستاذ الطفل الحائر والمشدوه بالمنظر، وبصوت حازم كصوت أمس قال له: "قف هنا في الطابور، وبعدها تمشى مع الطلبة وتدخل الفصل الدراسي، وتتابع المدرس وهو يشرح على السبورة وغداً تحضر معك كراريس لتكتب بها". كراريس، فصل، كتابة، سبورة.. عالم غريب لم أعرفه من قبل، اندسست وسط التلاميذ، ودخلت الفصل وعلامات الاستفهام ترتسم في ذهني ولا أجد إجابة عليها، جلست في المقعد الأخير، لا أعرف ماذا أفعل، وبينما أنا غارق في مئات الأسئلة دخل الأستاذ ليبحث عني ويطلب مني بحزم أن أجلس في المقعد الأول، ومن المقعد الأول أنطلق التلميذ ليحصل على المرحلة الابتدائية في 4 سنوات بدلاً من ست سنوات، ثم الإعدادية، وفي الثانوية حصل على مجموع عالٍ أهله للالتحاق بإحدى كليات القمة بجامعة القاهرة، ومن الكلية انطلق لعالم الصحافة الرحب. ]]> 123358 قصة بلد العميان . http://www.souriyati.com/2019/04/15/121923.html Mon, 15 Apr 2019 15:09:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/04/15/121923.html لو لم تكن قد قرأت #بلد_العميان فإنني أرجو أن تفسح لي صدرك قليلا كتبت هذه القصة عام 1904 وتحكي عن مجموعة من المهاجرين من البيرو .. فروا من طغيان الإسبان ثم حدثت انهيارات صخرية في جبال الإنديز فعزلت هؤلاء القوم في واد غامض انتشر بينهم نوع غامض من التهاب العيون أصابهم جميعاً بالعمى وقد فسروا ذلك بانتشار الخطايا بينهم هكذا لم يزر أحد هؤلاء القوم ولم يغادروا واديهم قط لكنهم ورثوا أبناءهم العمى جيلا بعد جيل هنا يظهر بطل قصتنا ..( نيونز ) إنه مستكشف وخبير في تسلق الجبال تسلق جبال الانديز مع مجموعة من البريطانيين وفي الليل انزلقت قدمه فسقط من أعلى .. سقط مسافة شاسعة بحيث لم يعودوا يرون الوادي الذي سقط فيه ولم يعرفوا أنه وادي العميان الأسطوري لكن الرجل لم يمت.. لقد سقط فوق وسادة ثلجية حفظت حياته وعندما بدأ المشي علي قدمين متألمتين رأى البيوت التي تملأ الوادي . لاحظ أن ألوانها فاقعة متعددة بشكل غريب ولم تكن لها نوافذ .. هنا خطر له أن من بنى هذه البيوت أعمى كخفاش ! راح يصرخ وينادي الناس لكنهم لم ينظروا نحوه .. هنا تأكد من أنهم عميان فعلا ... إذن هذا هو بلد العميان الذي كان يسمع.. عنه وتذكر المقولة الشهيرة : ـ ' في بلد العميان يصير الأعور ملكا ' وهو ما يشبه قولنا ( أعرج في حارة المكسحين ). راح يشرح لهم من أين جاء .. جاء من بوجاتا حيث يبصر الناس .. هنا ظهرت مشكلة . ما معني ( يبصر ) ؟؟ راحوا يتحسسون وجهه ويغرسون أصابعهم في عينه .. بدت لهم عضوا غريبا جدا . ولما تعثر أثناء المشي قدروا أنه ليس على ما يرام .. حواسه ضعيفة ويقول أشياء غريبة يأخذونه لكبيرهم .. هنا يدرك أنهم يعيشون حياتهم في ظلام دامس وبالتالي هو أكثر شخص ضعيف في هذا المجتمع . لقد مر على العميان خمسة عشر جيلا وبالتالي صار عالمنا هو الأقرب إلى الأساطير عرف فلسفتهم العجيبة .. هناك ملائكة تسمعها لكن لا تقدر علي لمسها ( يتكلمون عن الطيور طبعا ) والزمن يتكون من جزءين : بارد ودافئ ( المعادل الحسي لليل والنهار ).. ينام المرء في الدافئ ويعمل في البارد لم يكن لدي ( نيونز ) شك في أنه بلغ المكان الذي سيكون فيه ملكا .. سيسود هؤلاء القوم بسهولة تامة لكن الأمر ظل صعبا .. إنهم يعرفون كل شيء بآذانهم .. يعرفون متى مشى على العشب أو الصخور . كانوا كذلك يستعملون أنوفهم ببراعة تامة راح يحكي لهم عن جمال الجبال والغروب والشمس .. هم يصغون له باسمين ولا يصدقون حرفا . قرر أن يريهم أهمية البصر .. رأى المدعو بدرو قادما من بعيد فقال لهم : .ـ ' بدرو سيكون هنا حالا .. أنتم لا تسمعونه ولا تشمون رائحته لكني أراه ' بدا عليهم الشك وراحوا ينتظرون . هنا لسبب ما قرر بدرو أن يغير مساره ويبتعد !. راح يحكي لهم ما يحدث أمام المنازل لكنهم طلبوا منه أن يحكي لهم ما يحدث بداخلها .. ألست تزعم أن البصر مهم حاول الهرب لكنهم لحقوا به بطريقة العميان المخيفة .. كانوا يصغون ويتشممون الهواء ويغلقون دائرة من حوله . لو ضرب عددا منهم لاعترفوا بقوته لكن لابد أن ينام بعد هذا وعندها سوف .....! هكذا بعد الفرار ليوم كامل في البرد والجوع وجد نفسه يعود لهم ويعتذر وقال لهم : ـ ' أعترف بأنني غير ناضج .. لا يوجد شيء اسمه البصر .. ' كانوا طيبي القلب وصفحوا عنه بسرعة فقط قاموا بجلده ثم كلفوه ببعض الأعمال. وفي هذا الوقت بدأ يميل لفتاة وجدها جميلة لكن العميان لم يكونوا يحبونها لأن وجهها حاد بلا منحنيات ناعمة وصوتها عال وأهدابها طويلة ... أي انها تخالف فكرتهم عن الجمال . لما طلب يدها لم يقبل أبوها لأنهم كانوا يعتبرونه أقل من مستوى البشر .. نوعا من المجاذيب .. لكن الفتاة كانت تميل لنيونز فعلا . ووجد الأب نفسه في مشكلة لذا طلب رأي الحكماء كان رأي الحكماء قاطعا .. الفتى عنده شيئان غريبان منتفخان يسميهما ( العينين ). جفناه يتحركان وعليهما أهداب .. وهذا العضو المريض قد أتلف مخه . لابد من إزالة هذا العضو الغريب ليسترد الفتى عقله . بالتالي يمكنه أن يتزوج الفتاة. بالطبع ملأ الفتى الدنيا صراخا .. لن يضحي بعينيه بأي ثمن . بعد قليل ارتمت الفتاة على صدره وبكت وهمست : ليتك تقبل .. ليتك تقبل ..! هكذا صار العمى شرطا ليرتفع المرء من مرتبة الانحطاط ليصير مواطنا كاملا . وقد قبل نيونز أخيرا وبدأ آخر أيامه مع حاسة البصر .. خرج ليرى العالم للمرة الأخيرة هنا رأى الفجر يغمر الوادي بلونه الساحر . أدرك أن حياته هنا لطخة آثمة .. الأنهار والغابات والأزرق في السماء والنجوم .. كيف يفقد هذا كله من أجل فتاة .. كيف ولماذا أقنعوه أن البصر شيء لا قيمة له برغم أن هذا خطأ؟ انطلق إلى حاجز الجبال حيث توجد مدخنة حجرية تتجه لأعلى .. وقرر أن يتسلق ..عندما غربت الشمس كان بعيدا جدا عن بلد العميان .. نزفت كفاه وتمزقت ثيابه لكنه كان يبتسم .. رفع عينيه وراح يرمق النجوم . انتهت قصة بلد العميان . هناك لحظة تدرك فيها أن الخطأ يسود وينتشر من حولك وفي لحظة كهذه يصير القابض على المنطق والصواب كالقابض علي الجمر . تشعر بالغربة والاختلاف ولربما يعتبرونك مجنونا أو على شيء من العته .. الأدهى أن لديك فضائل لكنهم لا يرون فيها أي قيمة . بعد قليل تأتي اللحظة التي تقرر فيها أن تتخلى عن عينيك لتصير كالآخرين . هذه اللحظة آتية ولا ريب فلا تشك فيها .. لكن لو كنت محظوظا لرأيت الفجر وقتها وعرفت فداحة ما ستفقده. أذكر عندما كنت في الوحدة الريفية أن الرشوة والتقارير الطبية المزورة كانت أسلوب حياة وكان كل العاملين مندهشين من ذلك الطبيب المخبول الذي يرفض أن يتقاضي مالا مقابل أشياء كهذه .. كنت أتذكر قصة ( بلد العميان ) وأقرر أن أصمد أكثر .. أصمد .. عالما أن أول رشوة أتقاضاها ستكون هي لحظة انتزاع عيني .. سوف تكون حياتي أسهل في بلد العميان بعد هذا وسأصير مواطنا محترما عندهم .. أفلتت بمعجزة من بلد العميان هذا لأجد الأمر يتكرر .. لحسن الحظ مع أمور أقل فداحة من الرشوة ولكن الهزيمة فيها تترك مذاقا مريرا في الفم برغم كل شيء. حتى علي مستوى التفاهات يمكن أن تجد الأمور صعبة .. تفاهات مثل منع أطفالك من التهام أكياس البطاطس المقلية لأنها تحتوي مادة أكريلاميد المسرطنة .. هذا شيء فشلت فيه تماما لأن حركة المجتمع والدعاية والوجدان العام أقوى مني . تفاهات مثل التمسك بالمدرسة وعدم إعطائهم دروسا خصوصية .. تكتشف مع الوقت أنه لا توجد مدرسة بل ناد كبير تدفع له اشتراكا سنويا ولا يتم تدريس أي شيء فيه علي الإطلاق .. تكتشف أنك لن تستطيع أن تختلف عن باقي الآباء وأن أي درجة ينقصها الأولاد بعد هذا ستكون أنت المسئول عنها .. وفي النهاية يجد المرء نفسه يقود سيارته في بلاهة متجها من مركز الدروس الخصوصية هذا إلى ذاك. .أنت في الدائرة .. لا يمكنك أن تختلف ! ينطبق الأمر على أمور لا حصر لها .. فقط ذكرت الأشياء القابلة للذكر . يبدو أن ضعف الذاكرة جعلني انسى قصة ( بلد العميان ). يقول الحديث الشريف : ' لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم '. وهذا بالتأكيد يلخص ببلاغة كل شيء قلته هنا. #احمد_خالد_توفيق facebook]]> لو لم تكن قد قرأت #بلد_العميان فإنني أرجو أن تفسح لي صدرك قليلا كتبت هذه القصة عام 1904 وتحكي عن مجموعة من المهاجرين من البيرو .. فروا من طغيان الإسبان ثم حدثت انهيارات صخرية في جبال الإنديز فعزلت هؤلاء القوم في واد غامض انتشر بينهم نوع غامض من التهاب العيون أصابهم جميعاً بالعمى وقد فسروا ذلك بانتشار الخطايا بينهم هكذا لم يزر أحد هؤلاء القوم ولم يغادروا واديهم قط لكنهم ورثوا أبناءهم العمى جيلا بعد جيل هنا يظهر بطل قصتنا ..( نيونز ) إنه مستكشف وخبير في تسلق الجبال تسلق جبال الانديز مع مجموعة من البريطانيين وفي الليل انزلقت قدمه فسقط من أعلى .. سقط مسافة شاسعة بحيث لم يعودوا يرون الوادي الذي سقط فيه ولم يعرفوا أنه وادي العميان الأسطوري لكن الرجل لم يمت.. لقد سقط فوق وسادة ثلجية حفظت حياته وعندما بدأ المشي علي قدمين متألمتين رأى البيوت التي تملأ الوادي . لاحظ أن ألوانها فاقعة متعددة بشكل غريب ولم تكن لها نوافذ .. هنا خطر له أن من بنى هذه البيوت أعمى كخفاش ! راح يصرخ وينادي الناس لكنهم لم ينظروا نحوه .. هنا تأكد من أنهم عميان فعلا ... إذن هذا هو بلد العميان الذي كان يسمع.. عنه وتذكر المقولة الشهيرة : ـ ' في بلد العميان يصير الأعور ملكا ' وهو ما يشبه قولنا ( أعرج في حارة المكسحين ). راح يشرح لهم من أين جاء .. جاء من بوجاتا حيث يبصر الناس .. هنا ظهرت مشكلة . ما معني ( يبصر ) ؟؟ راحوا يتحسسون وجهه ويغرسون أصابعهم في عينه .. بدت لهم عضوا غريبا جدا . ولما تعثر أثناء المشي قدروا أنه ليس على ما يرام .. حواسه ضعيفة ويقول أشياء غريبة يأخذونه لكبيرهم .. هنا يدرك أنهم يعيشون حياتهم في ظلام دامس وبالتالي هو أكثر شخص ضعيف في هذا المجتمع . لقد مر على العميان خمسة عشر جيلا وبالتالي صار عالمنا هو الأقرب إلى الأساطير عرف فلسفتهم العجيبة .. هناك ملائكة تسمعها لكن لا تقدر علي لمسها ( يتكلمون عن الطيور طبعا ) والزمن يتكون من جزءين : بارد ودافئ ( المعادل الحسي لليل والنهار ).. ينام المرء في الدافئ ويعمل في البارد لم يكن لدي ( نيونز ) شك في أنه بلغ المكان الذي سيكون فيه ملكا .. سيسود هؤلاء القوم بسهولة تامة لكن الأمر ظل صعبا .. إنهم يعرفون كل شيء بآذانهم .. يعرفون متى مشى على العشب أو الصخور . كانوا كذلك يستعملون أنوفهم ببراعة تامة راح يحكي لهم عن جمال الجبال والغروب والشمس .. هم يصغون له باسمين ولا يصدقون حرفا . قرر أن يريهم أهمية البصر .. رأى المدعو بدرو قادما من بعيد فقال لهم : .ـ ' بدرو سيكون هنا حالا .. أنتم لا تسمعونه ولا تشمون رائحته لكني أراه ' بدا عليهم الشك وراحوا ينتظرون . هنا لسبب ما قرر بدرو أن يغير مساره ويبتعد !. راح يحكي لهم ما يحدث أمام المنازل لكنهم طلبوا منه أن يحكي لهم ما يحدث بداخلها .. ألست تزعم أن البصر مهم حاول الهرب لكنهم لحقوا به بطريقة العميان المخيفة .. كانوا يصغون ويتشممون الهواء ويغلقون دائرة من حوله . لو ضرب عددا منهم لاعترفوا بقوته لكن لابد أن ينام بعد هذا وعندها سوف .....! هكذا بعد الفرار ليوم كامل في البرد والجوع وجد نفسه يعود لهم ويعتذر وقال لهم : ـ ' أعترف بأنني غير ناضج .. لا يوجد شيء اسمه البصر .. ' كانوا طيبي القلب وصفحوا عنه بسرعة فقط قاموا بجلده ثم كلفوه ببعض الأعمال. وفي هذا الوقت بدأ يميل لفتاة وجدها جميلة لكن العميان لم يكونوا يحبونها لأن وجهها حاد بلا منحنيات ناعمة وصوتها عال وأهدابها طويلة ... أي انها تخالف فكرتهم عن الجمال . لما طلب يدها لم يقبل أبوها لأنهم كانوا يعتبرونه أقل من مستوى البشر .. نوعا من المجاذيب .. لكن الفتاة كانت تميل لنيونز فعلا . ووجد الأب نفسه في مشكلة لذا طلب رأي الحكماء كان رأي الحكماء قاطعا .. الفتى عنده شيئان غريبان منتفخان يسميهما ( العينين ). جفناه يتحركان وعليهما أهداب .. وهذا العضو المريض قد أتلف مخه . لابد من إزالة هذا العضو الغريب ليسترد الفتى عقله . بالتالي يمكنه أن يتزوج الفتاة. بالطبع ملأ الفتى الدنيا صراخا .. لن يضحي بعينيه بأي ثمن . بعد قليل ارتمت الفتاة على صدره وبكت وهمست : ليتك تقبل .. ليتك تقبل ..! هكذا صار العمى شرطا ليرتفع المرء من مرتبة الانحطاط ليصير مواطنا كاملا . وقد قبل نيونز أخيرا وبدأ آخر أيامه مع حاسة البصر .. خرج ليرى العالم للمرة الأخيرة هنا رأى الفجر يغمر الوادي بلونه الساحر . أدرك أن حياته هنا لطخة آثمة .. الأنهار والغابات والأزرق في السماء والنجوم .. كيف يفقد هذا كله من أجل فتاة .. كيف ولماذا أقنعوه أن البصر شيء لا قيمة له برغم أن هذا خطأ؟ انطلق إلى حاجز الجبال حيث توجد مدخنة حجرية تتجه لأعلى .. وقرر أن يتسلق ..عندما غربت الشمس كان بعيدا جدا عن بلد العميان .. نزفت كفاه وتمزقت ثيابه لكنه كان يبتسم .. رفع عينيه وراح يرمق النجوم . انتهت قصة بلد العميان . هناك لحظة تدرك فيها أن الخطأ يسود وينتشر من حولك وفي لحظة كهذه يصير القابض على المنطق والصواب كالقابض علي الجمر . تشعر بالغربة والاختلاف ولربما يعتبرونك مجنونا أو على شيء من العته .. الأدهى أن لديك فضائل لكنهم لا يرون فيها أي قيمة . بعد قليل تأتي اللحظة التي تقرر فيها أن تتخلى عن عينيك لتصير كالآخرين . هذه اللحظة آتية ولا ريب فلا تشك فيها .. لكن لو كنت محظوظا لرأيت الفجر وقتها وعرفت فداحة ما ستفقده. أذكر عندما كنت في الوحدة الريفية أن الرشوة والتقارير الطبية المزورة كانت أسلوب حياة وكان كل العاملين مندهشين من ذلك الطبيب المخبول الذي يرفض أن يتقاضي مالا مقابل أشياء كهذه .. كنت أتذكر قصة ( بلد العميان ) وأقرر أن أصمد أكثر .. أصمد .. عالما أن أول رشوة أتقاضاها ستكون هي لحظة انتزاع عيني .. سوف تكون حياتي أسهل في بلد العميان بعد هذا وسأصير مواطنا محترما عندهم .. أفلتت بمعجزة من بلد العميان هذا لأجد الأمر يتكرر .. لحسن الحظ مع أمور أقل فداحة من الرشوة ولكن الهزيمة فيها تترك مذاقا مريرا في الفم برغم كل شيء. حتى علي مستوى التفاهات يمكن أن تجد الأمور صعبة .. تفاهات مثل منع أطفالك من التهام أكياس البطاطس المقلية لأنها تحتوي مادة أكريلاميد المسرطنة .. هذا شيء فشلت فيه تماما لأن حركة المجتمع والدعاية والوجدان العام أقوى مني . تفاهات مثل التمسك بالمدرسة وعدم إعطائهم دروسا خصوصية .. تكتشف مع الوقت أنه لا توجد مدرسة بل ناد كبير تدفع له اشتراكا سنويا ولا يتم تدريس أي شيء فيه علي الإطلاق .. تكتشف أنك لن تستطيع أن تختلف عن باقي الآباء وأن أي درجة ينقصها الأولاد بعد هذا ستكون أنت المسئول عنها .. وفي النهاية يجد المرء نفسه يقود سيارته في بلاهة متجها من مركز الدروس الخصوصية هذا إلى ذاك. .أنت في الدائرة .. لا يمكنك أن تختلف ! ينطبق الأمر على أمور لا حصر لها .. فقط ذكرت الأشياء القابلة للذكر . يبدو أن ضعف الذاكرة جعلني انسى قصة ( بلد العميان ). يقول الحديث الشريف : ' لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم '. وهذا بالتأكيد يلخص ببلاغة كل شيء قلته هنا. #احمد_خالد_توفيق facebook]]> 121923 قصة قصيرة حزينة بعنوان (( تسرب من عالم الذات )) بقلم السعودية مريم الحسن http://www.souriyati.com/2019/04/07/121605.html Sun, 07 Apr 2019 18:19:15 +0000 http://www.souriyati.com/?p=121605 يجلسان أمام التلفاز ، تدور محاجرهما على شاشته في ملل ، يتصنعان المتعة بما يشاهدونه من برامج وثائقية ممتعة .. الزوج يبدو انه مستمتع ومتعمق فيه ، لكن هي تشعر بالملل والتأفف .. للمرة المليون تطلب منه نفس الطلب وتلح عليه في إصرار ، وهو يرفض عن قناعة متمسكاً برأيه   تسيل دموعها .. تترجاه .. تقترب منه وتطلب طلبها تارة أخرى عله يشفق عليها هذه المرة ويرضخ لرأيها ، تقف حائلة بينه وبين الشاشة   بقوامها الرشيق الذي لم يخفي شيئا أمامه ، يبتسم وهو يزيحها صامتاً في حيرة من أمره فتجلس إلى جواره :   ـــ أرجوك وافق .. الفتاة بحاجة للعملية ..   يزفر في ضجر وذلك الكابوس يجثم على صدره ، انه متأكد من خطورة الأمر على ابنته .. لا يريد أن يرضخ لرأي والدتها ..   يقطع حوارهما دخول ابنتهما القاعة بذلك الجسد الممتلئ .. المتكدس بأرطال الشحوم .. تلك الفتاة التي يناهز عمرها عمر الورود لكنها تبدو بأضعاف تلك السنين القليلة .. بنت العشرين عام .. من يراها يعطيها ثلاثين أو أكثر ..! بسبب كبر حجمها .. وتناثر كتل اللحم على جوانبها   يظهرها بشكل يوحي بقبح منظرها .. تستشفه من نظراتهم المشفقة بمجرد ما تقع عيونهم عليها .. فيمتقع وجهها بالصفار وتتشكل ملامحها بكل أنواع الذعر والبأس .. ويتلبسها الخجل المفرط .. فتواجه نظراتهم الرحيمة بها بالمذلة والمسكنة .   فوالدتها تلك الأنثى التي تهب كغزالة جميلة ، تطغي على كل جو بجمالها الأخاذ ورشاقتها المفرطة .. لا سيما بوجه المقارنة بين الأم وابنتها ..   تلك الأم الرحيمة بها .. عندما تنظر إليها بهذا الشكل يتلبسها الحزن .. وتتضوع أحزانها في أرجاء المنزل .. فتجوب الكئابة أجواء الأسرة .. وتضفي ملمساً قاسيا على جدران قلوبهم المتلبسة هما وكمدا ..   يتسرب جسد "أحمد "الرشيق من فرجة ضيقة من باب المنزل دالفاَ نحو المطبخ باحثاً عن لقمة يسد بها رمق جوعه .. يتخايل هنا وهناك ونظرات سماء تلاحقه في حسد .. متنفسة بعمق ، متمنية أن يتصف جسدها برشاقة هذا الصبي وخفة دمه ..   لا تنفك سمية تتابع حسرات ابنتها .. والدمعة تتطرف في مقلتيها .. بدأت تكره نفسها وجسمها ورشاقتها .. وتتمناها لهذه الطفلة البريئة ..   يرتفع صوتها من أعماقها ، وهي تراقب سماء تلحق بأخيها للمطبخ تقدم له طعامه برأفة وحنان ومحبة ، وهو رءوف بها عطوف عليها ..   يضج عقلها بشتى الأفكار متخيلة جسداهما بنفس القياس والحجم :   ـــ بالله عليك اقبل ..أمنيتي أن أراها رشيقة .. بجسد سوي كأخيها تتحرك بحرية وخفة .. أريد أن أرها سعيدة مبتسمة .. لقد كلا صبري وسئم قلبي من رؤيتها بهذا الشكل البائس ..   يصمت .. يسهو بفكره بعيداً ..يتخيل ابنته الغالية ممددة على سرير المرضى في المستشفى جثة لا حراك فيها ولا حياة .. لا يحتمل قلبه هذا الكم من الأسى ..   سماء ابنتي الحبيبة ، بأي طريقة يا مهجة قلبي أغلف تلك المشاعر المتسربلة بحبك الذي يطوي كل شائنة في طريقه .. يعبر دهاليز قلبي المتيم بك .. يا غاليتي .. ماذا تظن بي والدتك الحسناء ..؟   ألانك مكتلة بشحوم متطفلة على جسدك الغض .. تلك الآفة التي تغلفك   وتخفي ورائها جمال الملائك .. وبياض شفاف لا أجده عند غيرك ..   يا حبية قلبي .. أنت حوراء نورانية .. تتسامى صفاتك الجليلة بغض النظر عن جسدك المشوه .. أتشرب من نهرك العذب النقي .. يا سيدة النقاء والصفاء .. ماذا يريدون بالله عليهم .. ؟ ماذا يريدون ..!   أيسعني أن ارمي بك في سلة العمليات وأفوض لهم أمرك يقطعون لحمك لكي ينقص وزنك ، وأضحي بك يا اعز مخلوق على قلبي ..؟   لا .. وألف لا ...   حبيبتي ... أنت أريج دنياي مهما وصل بك العمر والحجم .. أنت غاليتي مهما قيل عنك ..لا فرق معي بين رشاقتك وسمنتك .. أنت سماء ابنتي .   يلتفت فتقع عيناه الشاردة على دموع زوجته الفاتنة .. تسري همساتها إلى عمق قلبه .. تجرح مشاعره بشفرة رقيقة .. لا تشعر أبدا ماذا تفعل به بدموعها الجارية تلك .. إنها تضعه بين ناريين .. نار حرارتها أعظم من صديد البركان ، ونار يحرقه لهيبها حد الذوبان ..   يضمها .. وندى ساخنا يتقرح به جفنه .. حيرته تلهب عينيه بفيض من نار تحرق جفونه .. يناديها من صميم فؤاده :   ـــ سمية يا معشوقتي الجميلة لا احتمل دموعك .. لكن سمائي الغالية ابنتي وقطعة من قلبي .. كيف احتمل آلامها .. كيف ..؟!   شعرت بلين من ناحيته .. تنفرج شفتاها عن لؤلؤ لامع تنير وجهها ابتسامة جذابة .. فتبرر له انه لا معنى لخوفه أبدا .. تعدد عليه كم وكم من أشخاص أقاوموا العملية بنجاح لم يصيبهم أي سوء ..!   ـــ أتدري أنها تبكي كل يوم .. ؟   تجلس أمام المرآة .. تنظر لجسمها .. تتأمل الكتل السائلة حول جسدها.. تشعر بأنها حبيسة داخل ذلك الغلاف.. كعصفورة ترفرف بأجنحتها تحاول الخروج .. تريد أن تحلق في عالم الأنوثة .. تبدع في عالم الجمال ..   فتعيقها تلك الكتل اللعينة ..   يبتسم .. يصمت .. يغمض عينيه في حيرة ، تنم شفتيه عن بضع كلمات يطلب منها أن تدعوها إليه ؛ ليستشف منها مدى تقبلها واستعدادها لهذا العمل المفرط في الخطورة عليها .   تدخل سماء تتنفس الصعداء .. يبتسم لها والدها يدعوها لتجلس قربه   ابنتي .. هل تريدين العملية ..؟   تطرق الفتاة .. واللون الوردي يلون وجنتيها الجميلتين .. إنها نسخة من والدتها بجمالها الغض .. الريان .. لكن السمنة تشوه منظرها ..   تحسر عليها وهو يتفحصها .. تغرق دموعها أديم وجهها ، فتحين منها التفاتة لعيني والدتها فتضمها باكية ..تهمس لها .   ـــ وافقي لا عليك .. ستكونين أميرة بعد العملية .. لن يضيمك الدهر تارة أخرى ..ستكونين نرجسه تنبت من جديد ... أريجك الأخاذ سيصوغ أجمل عبارات الجمال .. ستهبك السنين القادمة أروع الأيام وأنبل الصفات ..   عزيزتي .. ستتذوقين معنى الدلال والرشاقة ..صدقيني ..   يطغي شقيقها بتواجده في هذه اللحظة .. ويتناهى إلى سمعه همهمات سماء الباكية ، وهي تستسلم لمصيرها في يأس ..   ـــ أبتاه .. أريدها .. فليمزقوني ، ويقطعون لحمي ، ويسلخون جلدي .. لا أريد هذا الجسد .. تبا له وسحقاً .. لقد تعبت منه يا أبي هلكت من ثقله ..   يقترب أحمد والدموع تغرق عينيه متأثرا بآلام شقيقته ، يرى دموع والده تختلط بما تستنزفه هذه الفتاة المسكينة من آلام تضج منها مشاعرها المجروحة .. تلك السموم التي يختزنها هذا الجسد المتكتل بتلك الأرطال يحدثها بلطف وحنان ، كوالده عندما يعطف عليها :   ـــ سماء .. أنت حلم الحياة وأريجها .. أنت رونق هذا المنزل وكيان هذه الأسرة ..   ضرب على قلبه بشكل أظهر صوتاً يعلن عن مدى صدق مشاعره :   ـــ أنت الدم الذي يضخه هذا القلب .. أنت شرايين قلبي واوردتة إن كنت لا تعلمين .. أنا وأنت اخوين .. لولاك لما شعرت بهذا الشعور الجميل يا أختي الغالية ...   أخيتي لا ترخصي بنفسك أبدا .. فأنت أغلا من كل غال يا شقيقتي ..   تنشج منتحبة .. فموال شقيقها الذي تغنى به مزق فؤادها ..   تضم كف والدها وتنظر في عينيه .. تمسح بأناملها بلل عينيه الدافئ :   ـــ أبتاه .. لا تخشى علي .. وافق من اجلي ..   تبادله الابتسامة ليرتاح ويطمئن .. يرسم على ملامحه السريرة التعمق في التفكير ، يقلب الموضوع في عقله على كل الاتجاهات وكل الصور .   انتظر الجميع إصدار القرار .. وهم يمسحون دموعهم كأنهم يضمدون جرحاً عميقاً يضج ألما ..   تنهد في عمق :   ـــ يعز علي .. لكني سأحجز لك غدا .. لتكوني راضية وسعيدة ..   تأمل عيني والدتها :   ـــ ولتكوني أنت مرتاحة ومطمئنة .. سنعمل العملية ..   عم الصمت .. فقد تغيرت الأفكار وتولد الأمل وصار كل على حدة ينسج خيالات عن الشكل الذي ستتقمصه سماء بعد العملية .. أي جمال وأي رشاقة وأي أنوثة ستتمتع بها .. سيسعد الجميع لسعادتها ..   بعد مضي أسبوع من المراجعات والفحوصات والتحاليل ؛ تقرر وقت العملية ..   ليلتها لم تنم سماء .. تشعر بنفسها كنسمة منعشة تتسرب من منافذ   الانغلاق التي عاشتها عدد سنين ، تنفض عنها غبار الزمن المر الذي قاست فيه التحيز والتقوقع والإظطهاد .. كم رفضت صداقتها من قبل بنات المدرسة لسمنتها المفرطة ، وكم عانت ذل ومهانة من نظرات الطالبات المزرية لها ، ونظرات الشفقة من المعلمات ..   تنهدت بعمق وهي تمسح دمعتها .. وتوقفت .. دارت محاجرها حول غرفتها تتفحصها في تمعن .. فتحت خزانتها وأخرجت احد أثوابها   يا الهي انه كخيمة منصوبة في صحراء تضم العديد من رجالاتها أي ثوب أنت ..؟ كم أمقتك أيها الثوب السمج .. ماذا تريد أن تخبرني ..؟   أي قسوة تبديها لي بهذا الحجم من الفضح والظهور ..   تباً لك .. من الغد سترمى خارج نطاق اهتماماتي ، ستغدو باليا مهترئاً مهمل في سلة المهملات .. لن اكترث لك ولا لألوانك السمجة الباهتة   لقد قدمت لي كل هذه السنين الذل والهوان .. والخجل واليأس ..   كلما تسربلت بك تتشاءم حياتي وتسأم روحي الحياة .   رمته على الأرض ومضت لوالدتها تستحثها على مرافقتها للتبضع والتسوق ، اندهشت سمية :   ـــ لكنك لا تطيقين الذهاب إلى السوق ؟!   ابتسمت في سعادة :   ـــ أماه .. لم أكن أحب التبضع ولا أحب التسوق لأني لا أجد مقاساتي أبدا فلا اكتسب من تسوقي إلا انهزامي وتحطم نفسيتي .. فكرهت التسوق .. أما اليوم فأنا سعيدة ومستبشرة وانتظر مستقبلا حافلا .. وجسدا رائعا .   هيا أماه أرجوك رافقيني لأسعد بوقتي وأنا انتقي أجمل الموديلات وانحف المقاسات .. وأروع الألوان ..   مسدت جسدها بكفيها هامسة :   ـــ وداعا أيتها الأرطال المقيتة ..وداعا ً ..   تلوح الضحكة على قسمات وجهها فتظهر جمالها الخفي المستتر ..خلف تظعن السمنة .   والدتها سعيدة لسعادتها همت معها وارتدتا عباءتيهما وانطلقتا لمتاجر الثياب الأنيقة والأردية ذات الماركات العالمية ..   اقتنت منها الأغلى والأجمل وكل ما هامت به نفسيتها المتعطشة لكل جميل وهي محرومة منه ..   كان شعورها مختلف جدا .. تسمو بفرحها كنسمة طيبة تتضوع في أرجاء السوق .. كريشة خفيفة تتنقل مع الريح ..   لا تشعر بمدى سمنتها الآن .. فقد سيطرت عليها الخيالات السريالية   فوق الواقع بنطاقات واسعة جدا .. تسربلت جوارحها ومشاعرها وأحاسيسها شعور اللاوعي .. تسربت كل مشاعر الضعة والذل والمهانة وتلبستها العزة والفرح والشموخ .. الغريب في الأمر إنها لم تعد تشعر بالثقل .. باتت أكثر نشاطاً من والدتها وأسرع في الحركة .. كطفلة بريئة تنادي والدتها وتختار وتصر على رأيها .. حتى اقتنت بمبلغ ثلاثة آلاف ريال من فساتين وبناطيل وبلايز وتنانير .. وأحذية وحقائب .. لا تشعر بنفسها كالمنومة مغناطيسيا تتحرك وفق أوامر الطبيب الذي نومها ..   عادتا للمنزل .. وهي في لجة الفرح ، ضجيج يموج به دماغها ويمنعها من التفكير .. أو أنها لا تريد أن تفكر ولا تحاسب .. ستفرح فقط وتمرح وتستمتع برشاقتها التي تهيم بها في عالم الأحلام ..   علقت كل مقتنياتها ساهمة في مدى جمالها .. تنجذب لها بكل ما تمتلك من عذوبة ورقه تحدث ذلك الفستان .. متى ارتديك يا حلم حياتي أيها الثوب   الأحمر المطرز بتلك الورود الجميلة .. وأنت أيها البنطال .. خصري الذي ينتظر النحت ينتظرك .. متى تتسرب أفخاذي في سراديبك وتتدفأ فيها   يا أجمل رداء .. كم أحبك وأعشقك .. وأنت قاسي لا تشعر بي .. أنت أيتها التنورة القصيرة هيا ارتفعي والتفي حول خصري الجميل هيا بسرعة أنا متلهفة إلى ارتدائك مع تلك البلايز الأنيقة التي تظهر أنوثتي ..   تنظر إلى المرآة .. لا ترى سمنتها أبداً ..!   ترى فتاة رشيقة رائعة القوام بيضاء جميلة .. تتخيل فستانها الأحمر الجديد تتخايل به .. أدارت جهاز التسجيل وراحت تتراقص مع نغماتها       سمنتها التي تهتز مع حركاتها يذيبها السراب في عينيها اللاتي لم تعد ترى سمنة بل جمال وجسم رشيق .   في الصباح الباكر ذهبت متلهفة بعد أن ودعت ثيابها الجذابة ، ووقعت وثيقة تتعهد بها بالعودة إليهم .. خرجت بضحكتها وسعادتها وهمسها اللطيف لوالديها وشقيقها الذي رافقها للمستشفى مع أبويها ..   عند غرفة العمليات دارت بعينيها تهيم بها على وجوههم الممتقعة المتلونة بجميع ألوان الفزع والخوف ، تتماوج على أديم وجهها مختلط من الأمل واليأس ، الابتسامة والحزن ، الدمعة والضحكة ..   توقفت نظراتها على عيني شقيقها أحمد ، ذلك الفتى الحبيب الذي يصغرها بسنتين .. لكنها تعتبره أخا اكبر لها تبسمت وسالت دمعتها غزيرة   اقترب بوجهه منها .. فقبل جبينها وهمس :   ـــ أحبك أختي .. عودي إلي ..   ضمت كفه إلى صدرها ونظرت إلى والدها في تمزق وهي ترى دموع حائرة في مآقيه التي تقرحت لشدة نزفها بدموع حارقة في سواد الليل الطويل حتى انفلق الإصباح وفتح مصراعيه على ابتسامة طفلته الحبيبة .   فيراها في هذه الساعة كأنها في لحدها .. ما أقساه من موقف ..   تميل برأسها لعيني والدتها الناشفتان من الدموع فتهتف .. بصوت تردد في كهف قلقها على أمها الحنون .. فهذه النظرات الحائرة المتيبسة ليست سوى صرخة تعلن عن جرح غائر يعتلج في دهاليزها الدامسة ..الملطخة بوحل ثرثرة صديقاتها المقربات ، اللواتي زجوا خيوط الوجل في نفسيتها.     آه يا أمي الحبيبة .. ليست عينيك فقط المحتقنة سيولها .. اشعر بروحك تتسرب من جسدك ، ودمك ينزف به قلبك المكتظ بأنواع العذابات المرعبة لا تعلمين بأني سمعت ثرثرة تلك النسوة في ذالك اليوم .. لكن لا عليك أماه   عندما ترين ابنتك في أوج جمالها ورشاقتها .. ستنسى كل هذه الآلام وتسعدين .   بكت مع والدتها طويلا .. وسحبت الممرضة السرير للداخل مع همهمات بكاء الأسرة الصغيرة ..   يا له من انتظار في أروقة المستشفى .. تذوب أرواحهم وتضج عقولهم بأجيج الخوف المتمكن من نياط قلوبهم المتكدسة بين أضلعهم .. وهي تختلج في أقفاصها كأنها تريد الطيران .. نحو أمل يسكن روعها ..   مخاوف تشق ظلام الليل بموجة عارمة من سهام مؤلمة ، خارقة عن المعتاد ..تتسرب هجمات الرعشة فتفتق حجاب رقيق كان يحمي مشاعرهم من التذبذب ..   فتسمو روح والدتها متضوعة منها عاطفة عميقة متعلقة بسهم يخترق حواجز الصمت فيفجرها بصديد البركان ، فتنفجر باكية على صدر زوجها ، ويبكي هو معها ..   تشعر بروح سماء تحوم حولهم .. فتصرخ بوجيب قاتل ...   ـــ لااااااااا ... ابنتي ...   فتتسرب الروح من عالم الذات .. لتهيم في سماء الراحة الأبدية .   المصدر موقع القصة العربية ننصح بدخوله ]]> يجلسان أمام التلفاز ، تدور محاجرهما على شاشته في ملل ، يتصنعان المتعة بما يشاهدونه من برامج وثائقية ممتعة .. الزوج يبدو انه مستمتع ومتعمق فيه ، لكن هي تشعر بالملل والتأفف .. للمرة المليون تطلب منه نفس الطلب وتلح عليه في إصرار ، وهو يرفض عن قناعة متمسكاً برأيه   تسيل دموعها .. تترجاه .. تقترب منه وتطلب طلبها تارة أخرى عله يشفق عليها هذه المرة ويرضخ لرأيها ، تقف حائلة بينه وبين الشاشة   بقوامها الرشيق الذي لم يخفي شيئا أمامه ، يبتسم وهو يزيحها صامتاً في حيرة من أمره فتجلس إلى جواره :   ـــ أرجوك وافق .. الفتاة بحاجة للعملية ..   يزفر في ضجر وذلك الكابوس يجثم على صدره ، انه متأكد من خطورة الأمر على ابنته .. لا يريد أن يرضخ لرأي والدتها ..   يقطع حوارهما دخول ابنتهما القاعة بذلك الجسد الممتلئ .. المتكدس بأرطال الشحوم .. تلك الفتاة التي يناهز عمرها عمر الورود لكنها تبدو بأضعاف تلك السنين القليلة .. بنت العشرين عام .. من يراها يعطيها ثلاثين أو أكثر ..! بسبب كبر حجمها .. وتناثر كتل اللحم على جوانبها   يظهرها بشكل يوحي بقبح منظرها .. تستشفه من نظراتهم المشفقة بمجرد ما تقع عيونهم عليها .. فيمتقع وجهها بالصفار وتتشكل ملامحها بكل أنواع الذعر والبأس .. ويتلبسها الخجل المفرط .. فتواجه نظراتهم الرحيمة بها بالمذلة والمسكنة .   فوالدتها تلك الأنثى التي تهب كغزالة جميلة ، تطغي على كل جو بجمالها الأخاذ ورشاقتها المفرطة .. لا سيما بوجه المقارنة بين الأم وابنتها ..   تلك الأم الرحيمة بها .. عندما تنظر إليها بهذا الشكل يتلبسها الحزن .. وتتضوع أحزانها في أرجاء المنزل .. فتجوب الكئابة أجواء الأسرة .. وتضفي ملمساً قاسيا على جدران قلوبهم المتلبسة هما وكمدا ..   يتسرب جسد "أحمد "الرشيق من فرجة ضيقة من باب المنزل دالفاَ نحو المطبخ باحثاً عن لقمة يسد بها رمق جوعه .. يتخايل هنا وهناك ونظرات سماء تلاحقه في حسد .. متنفسة بعمق ، متمنية أن يتصف جسدها برشاقة هذا الصبي وخفة دمه ..   لا تنفك سمية تتابع حسرات ابنتها .. والدمعة تتطرف في مقلتيها .. بدأت تكره نفسها وجسمها ورشاقتها .. وتتمناها لهذه الطفلة البريئة ..   يرتفع صوتها من أعماقها ، وهي تراقب سماء تلحق بأخيها للمطبخ تقدم له طعامه برأفة وحنان ومحبة ، وهو رءوف بها عطوف عليها ..   يضج عقلها بشتى الأفكار متخيلة جسداهما بنفس القياس والحجم :   ـــ بالله عليك اقبل ..أمنيتي أن أراها رشيقة .. بجسد سوي كأخيها تتحرك بحرية وخفة .. أريد أن أرها سعيدة مبتسمة .. لقد كلا صبري وسئم قلبي من رؤيتها بهذا الشكل البائس ..   يصمت .. يسهو بفكره بعيداً ..يتخيل ابنته الغالية ممددة على سرير المرضى في المستشفى جثة لا حراك فيها ولا حياة .. لا يحتمل قلبه هذا الكم من الأسى ..   سماء ابنتي الحبيبة ، بأي طريقة يا مهجة قلبي أغلف تلك المشاعر المتسربلة بحبك الذي يطوي كل شائنة في طريقه .. يعبر دهاليز قلبي المتيم بك .. يا غاليتي .. ماذا تظن بي والدتك الحسناء ..؟   ألانك مكتلة بشحوم متطفلة على جسدك الغض .. تلك الآفة التي تغلفك   وتخفي ورائها جمال الملائك .. وبياض شفاف لا أجده عند غيرك ..   يا حبية قلبي .. أنت حوراء نورانية .. تتسامى صفاتك الجليلة بغض النظر عن جسدك المشوه .. أتشرب من نهرك العذب النقي .. يا سيدة النقاء والصفاء .. ماذا يريدون بالله عليهم .. ؟ ماذا يريدون ..!   أيسعني أن ارمي بك في سلة العمليات وأفوض لهم أمرك يقطعون لحمك لكي ينقص وزنك ، وأضحي بك يا اعز مخلوق على قلبي ..؟   لا .. وألف لا ...   حبيبتي ... أنت أريج دنياي مهما وصل بك العمر والحجم .. أنت غاليتي مهما قيل عنك ..لا فرق معي بين رشاقتك وسمنتك .. أنت سماء ابنتي .   يلتفت فتقع عيناه الشاردة على دموع زوجته الفاتنة .. تسري همساتها إلى عمق قلبه .. تجرح مشاعره بشفرة رقيقة .. لا تشعر أبدا ماذا تفعل به بدموعها الجارية تلك .. إنها تضعه بين ناريين .. نار حرارتها أعظم من صديد البركان ، ونار يحرقه لهيبها حد الذوبان ..   يضمها .. وندى ساخنا يتقرح به جفنه .. حيرته تلهب عينيه بفيض من نار تحرق جفونه .. يناديها من صميم فؤاده :   ـــ سمية يا معشوقتي الجميلة لا احتمل دموعك .. لكن سمائي الغالية ابنتي وقطعة من قلبي .. كيف احتمل آلامها .. كيف ..؟!   شعرت بلين من ناحيته .. تنفرج شفتاها عن لؤلؤ لامع تنير وجهها ابتسامة جذابة .. فتبرر له انه لا معنى لخوفه أبدا .. تعدد عليه كم وكم من أشخاص أقاوموا العملية بنجاح لم يصيبهم أي سوء ..!   ـــ أتدري أنها تبكي كل يوم .. ؟   تجلس أمام المرآة .. تنظر لجسمها .. تتأمل الكتل السائلة حول جسدها.. تشعر بأنها حبيسة داخل ذلك الغلاف.. كعصفورة ترفرف بأجنحتها تحاول الخروج .. تريد أن تحلق في عالم الأنوثة .. تبدع في عالم الجمال ..   فتعيقها تلك الكتل اللعينة ..   يبتسم .. يصمت .. يغمض عينيه في حيرة ، تنم شفتيه عن بضع كلمات يطلب منها أن تدعوها إليه ؛ ليستشف منها مدى تقبلها واستعدادها لهذا العمل المفرط في الخطورة عليها .   تدخل سماء تتنفس الصعداء .. يبتسم لها والدها يدعوها لتجلس قربه   ابنتي .. هل تريدين العملية ..؟   تطرق الفتاة .. واللون الوردي يلون وجنتيها الجميلتين .. إنها نسخة من والدتها بجمالها الغض .. الريان .. لكن السمنة تشوه منظرها ..   تحسر عليها وهو يتفحصها .. تغرق دموعها أديم وجهها ، فتحين منها التفاتة لعيني والدتها فتضمها باكية ..تهمس لها .   ـــ وافقي لا عليك .. ستكونين أميرة بعد العملية .. لن يضيمك الدهر تارة أخرى ..ستكونين نرجسه تنبت من جديد ... أريجك الأخاذ سيصوغ أجمل عبارات الجمال .. ستهبك السنين القادمة أروع الأيام وأنبل الصفات ..   عزيزتي .. ستتذوقين معنى الدلال والرشاقة ..صدقيني ..   يطغي شقيقها بتواجده في هذه اللحظة .. ويتناهى إلى سمعه همهمات سماء الباكية ، وهي تستسلم لمصيرها في يأس ..   ـــ أبتاه .. أريدها .. فليمزقوني ، ويقطعون لحمي ، ويسلخون جلدي .. لا أريد هذا الجسد .. تبا له وسحقاً .. لقد تعبت منه يا أبي هلكت من ثقله ..   يقترب أحمد والدموع تغرق عينيه متأثرا بآلام شقيقته ، يرى دموع والده تختلط بما تستنزفه هذه الفتاة المسكينة من آلام تضج منها مشاعرها المجروحة .. تلك السموم التي يختزنها هذا الجسد المتكتل بتلك الأرطال يحدثها بلطف وحنان ، كوالده عندما يعطف عليها :   ـــ سماء .. أنت حلم الحياة وأريجها .. أنت رونق هذا المنزل وكيان هذه الأسرة ..   ضرب على قلبه بشكل أظهر صوتاً يعلن عن مدى صدق مشاعره :   ـــ أنت الدم الذي يضخه هذا القلب .. أنت شرايين قلبي واوردتة إن كنت لا تعلمين .. أنا وأنت اخوين .. لولاك لما شعرت بهذا الشعور الجميل يا أختي الغالية ...   أخيتي لا ترخصي بنفسك أبدا .. فأنت أغلا من كل غال يا شقيقتي ..   تنشج منتحبة .. فموال شقيقها الذي تغنى به مزق فؤادها ..   تضم كف والدها وتنظر في عينيه .. تمسح بأناملها بلل عينيه الدافئ :   ـــ أبتاه .. لا تخشى علي .. وافق من اجلي ..   تبادله الابتسامة ليرتاح ويطمئن .. يرسم على ملامحه السريرة التعمق في التفكير ، يقلب الموضوع في عقله على كل الاتجاهات وكل الصور .   انتظر الجميع إصدار القرار .. وهم يمسحون دموعهم كأنهم يضمدون جرحاً عميقاً يضج ألما ..   تنهد في عمق :   ـــ يعز علي .. لكني سأحجز لك غدا .. لتكوني راضية وسعيدة ..   تأمل عيني والدتها :   ـــ ولتكوني أنت مرتاحة ومطمئنة .. سنعمل العملية ..   عم الصمت .. فقد تغيرت الأفكار وتولد الأمل وصار كل على حدة ينسج خيالات عن الشكل الذي ستتقمصه سماء بعد العملية .. أي جمال وأي رشاقة وأي أنوثة ستتمتع بها .. سيسعد الجميع لسعادتها ..   بعد مضي أسبوع من المراجعات والفحوصات والتحاليل ؛ تقرر وقت العملية ..   ليلتها لم تنم سماء .. تشعر بنفسها كنسمة منعشة تتسرب من منافذ   الانغلاق التي عاشتها عدد سنين ، تنفض عنها غبار الزمن المر الذي قاست فيه التحيز والتقوقع والإظطهاد .. كم رفضت صداقتها من قبل بنات المدرسة لسمنتها المفرطة ، وكم عانت ذل ومهانة من نظرات الطالبات المزرية لها ، ونظرات الشفقة من المعلمات ..   تنهدت بعمق وهي تمسح دمعتها .. وتوقفت .. دارت محاجرها حول غرفتها تتفحصها في تمعن .. فتحت خزانتها وأخرجت احد أثوابها   يا الهي انه كخيمة منصوبة في صحراء تضم العديد من رجالاتها أي ثوب أنت ..؟ كم أمقتك أيها الثوب السمج .. ماذا تريد أن تخبرني ..؟   أي قسوة تبديها لي بهذا الحجم من الفضح والظهور ..   تباً لك .. من الغد سترمى خارج نطاق اهتماماتي ، ستغدو باليا مهترئاً مهمل في سلة المهملات .. لن اكترث لك ولا لألوانك السمجة الباهتة   لقد قدمت لي كل هذه السنين الذل والهوان .. والخجل واليأس ..   كلما تسربلت بك تتشاءم حياتي وتسأم روحي الحياة .   رمته على الأرض ومضت لوالدتها تستحثها على مرافقتها للتبضع والتسوق ، اندهشت سمية :   ـــ لكنك لا تطيقين الذهاب إلى السوق ؟!   ابتسمت في سعادة :   ـــ أماه .. لم أكن أحب التبضع ولا أحب التسوق لأني لا أجد مقاساتي أبدا فلا اكتسب من تسوقي إلا انهزامي وتحطم نفسيتي .. فكرهت التسوق .. أما اليوم فأنا سعيدة ومستبشرة وانتظر مستقبلا حافلا .. وجسدا رائعا .   هيا أماه أرجوك رافقيني لأسعد بوقتي وأنا انتقي أجمل الموديلات وانحف المقاسات .. وأروع الألوان ..   مسدت جسدها بكفيها هامسة :   ـــ وداعا أيتها الأرطال المقيتة ..وداعا ً ..   تلوح الضحكة على قسمات وجهها فتظهر جمالها الخفي المستتر ..خلف تظعن السمنة .   والدتها سعيدة لسعادتها همت معها وارتدتا عباءتيهما وانطلقتا لمتاجر الثياب الأنيقة والأردية ذات الماركات العالمية ..   اقتنت منها الأغلى والأجمل وكل ما هامت به نفسيتها المتعطشة لكل جميل وهي محرومة منه ..   كان شعورها مختلف جدا .. تسمو بفرحها كنسمة طيبة تتضوع في أرجاء السوق .. كريشة خفيفة تتنقل مع الريح ..   لا تشعر بمدى سمنتها الآن .. فقد سيطرت عليها الخيالات السريالية   فوق الواقع بنطاقات واسعة جدا .. تسربلت جوارحها ومشاعرها وأحاسيسها شعور اللاوعي .. تسربت كل مشاعر الضعة والذل والمهانة وتلبستها العزة والفرح والشموخ .. الغريب في الأمر إنها لم تعد تشعر بالثقل .. باتت أكثر نشاطاً من والدتها وأسرع في الحركة .. كطفلة بريئة تنادي والدتها وتختار وتصر على رأيها .. حتى اقتنت بمبلغ ثلاثة آلاف ريال من فساتين وبناطيل وبلايز وتنانير .. وأحذية وحقائب .. لا تشعر بنفسها كالمنومة مغناطيسيا تتحرك وفق أوامر الطبيب الذي نومها ..   عادتا للمنزل .. وهي في لجة الفرح ، ضجيج يموج به دماغها ويمنعها من التفكير .. أو أنها لا تريد أن تفكر ولا تحاسب .. ستفرح فقط وتمرح وتستمتع برشاقتها التي تهيم بها في عالم الأحلام ..   علقت كل مقتنياتها ساهمة في مدى جمالها .. تنجذب لها بكل ما تمتلك من عذوبة ورقه تحدث ذلك الفستان .. متى ارتديك يا حلم حياتي أيها الثوب   الأحمر المطرز بتلك الورود الجميلة .. وأنت أيها البنطال .. خصري الذي ينتظر النحت ينتظرك .. متى تتسرب أفخاذي في سراديبك وتتدفأ فيها   يا أجمل رداء .. كم أحبك وأعشقك .. وأنت قاسي لا تشعر بي .. أنت أيتها التنورة القصيرة هيا ارتفعي والتفي حول خصري الجميل هيا بسرعة أنا متلهفة إلى ارتدائك مع تلك البلايز الأنيقة التي تظهر أنوثتي ..   تنظر إلى المرآة .. لا ترى سمنتها أبداً ..!   ترى فتاة رشيقة رائعة القوام بيضاء جميلة .. تتخيل فستانها الأحمر الجديد تتخايل به .. أدارت جهاز التسجيل وراحت تتراقص مع نغماتها       سمنتها التي تهتز مع حركاتها يذيبها السراب في عينيها اللاتي لم تعد ترى سمنة بل جمال وجسم رشيق .   في الصباح الباكر ذهبت متلهفة بعد أن ودعت ثيابها الجذابة ، ووقعت وثيقة تتعهد بها بالعودة إليهم .. خرجت بضحكتها وسعادتها وهمسها اللطيف لوالديها وشقيقها الذي رافقها للمستشفى مع أبويها ..   عند غرفة العمليات دارت بعينيها تهيم بها على وجوههم الممتقعة المتلونة بجميع ألوان الفزع والخوف ، تتماوج على أديم وجهها مختلط من الأمل واليأس ، الابتسامة والحزن ، الدمعة والضحكة ..   توقفت نظراتها على عيني شقيقها أحمد ، ذلك الفتى الحبيب الذي يصغرها بسنتين .. لكنها تعتبره أخا اكبر لها تبسمت وسالت دمعتها غزيرة   اقترب بوجهه منها .. فقبل جبينها وهمس :   ـــ أحبك أختي .. عودي إلي ..   ضمت كفه إلى صدرها ونظرت إلى والدها في تمزق وهي ترى دموع حائرة في مآقيه التي تقرحت لشدة نزفها بدموع حارقة في سواد الليل الطويل حتى انفلق الإصباح وفتح مصراعيه على ابتسامة طفلته الحبيبة .   فيراها في هذه الساعة كأنها في لحدها .. ما أقساه من موقف ..   تميل برأسها لعيني والدتها الناشفتان من الدموع فتهتف .. بصوت تردد في كهف قلقها على أمها الحنون .. فهذه النظرات الحائرة المتيبسة ليست سوى صرخة تعلن عن جرح غائر يعتلج في دهاليزها الدامسة ..الملطخة بوحل ثرثرة صديقاتها المقربات ، اللواتي زجوا خيوط الوجل في نفسيتها.     آه يا أمي الحبيبة .. ليست عينيك فقط المحتقنة سيولها .. اشعر بروحك تتسرب من جسدك ، ودمك ينزف به قلبك المكتظ بأنواع العذابات المرعبة لا تعلمين بأني سمعت ثرثرة تلك النسوة في ذالك اليوم .. لكن لا عليك أماه   عندما ترين ابنتك في أوج جمالها ورشاقتها .. ستنسى كل هذه الآلام وتسعدين .   بكت مع والدتها طويلا .. وسحبت الممرضة السرير للداخل مع همهمات بكاء الأسرة الصغيرة ..   يا له من انتظار في أروقة المستشفى .. تذوب أرواحهم وتضج عقولهم بأجيج الخوف المتمكن من نياط قلوبهم المتكدسة بين أضلعهم .. وهي تختلج في أقفاصها كأنها تريد الطيران .. نحو أمل يسكن روعها ..   مخاوف تشق ظلام الليل بموجة عارمة من سهام مؤلمة ، خارقة عن المعتاد ..تتسرب هجمات الرعشة فتفتق حجاب رقيق كان يحمي مشاعرهم من التذبذب ..   فتسمو روح والدتها متضوعة منها عاطفة عميقة متعلقة بسهم يخترق حواجز الصمت فيفجرها بصديد البركان ، فتنفجر باكية على صدر زوجها ، ويبكي هو معها ..   تشعر بروح سماء تحوم حولهم .. فتصرخ بوجيب قاتل ...   ـــ لااااااااا ... ابنتي ...   فتتسرب الروح من عالم الذات .. لتهيم في سماء الراحة الأبدية .   المصدر موقع القصة العربية ننصح بدخوله ]]> 121605 قصة قصيرة بعنوان الغريب والموت بقلم السيد عبد الحميد محمد الهبيان http://www.souriyati.com/2019/03/27/121013.html Wed, 27 Mar 2019 10:44:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/27/121013.html تحملني رياح الغربة حجرتي .. أستسلم لها بلا مقاومة.. لا أدري أين ستلقي بي .. أزرع خطواتي فى طريقي برعشة الخائف من الوصول إلي المجهول .. أحس بغربتي بين الناس .. كأنني أنتمي إلي عالم الوحدة الذي تركته .. أحدق طويلا في عيونهم المتعبة .. أمارس محاولة اختراق زيف نظراتهم .. الاشمئزاز الذي تعودت أن أحس به أغرقني أكثر .. رغم ذلك أتحامل علي نفسي وأمضي في سيري . أعبر الشوارع .. أمشي .علي الأرصفة .. تعتاد قدماي التشرد .. ألتقي بأكثر من صديق .. يحزنني أننا نتبادل التحية بهزة الرأس من بعيد .. أبدو دائما كخيال لعابر غريب مجهول الهدف يسير تائها في الطريق .. أقف لحظة وأتلفت حولي .. . تمر عيناي علي الأشياء بلا توقف ولا ألمح منها غير ظلالها .. بلا مبالاة أواصل سيري من جديد ..ثم أسرع في خطواتي كأنني أريد اللحاق بالحظات المجهولة قبل أن تهرب مني ... تتكاثر الطرقات أمامي .. لا أعرف أيها أختار .. لكنني أظل في سيري بين الزحام .. أتوه وسط الناس .. أبدو وكأنني أفتش عن طريق بينهم .. إحساسي بالغربة يزداد أكثر .. كأنني أنتمي إلي عالم غير عالمهم .. أنشغل بهم للحظات ثم أعود إلي رؤياي الصامتة .. وأترك رياح الغربة تحملني إلي حيث تريد ... * * * * * * * * * * * * قبل أيام اكتشف أن بيتها كان مقصدي .. من المؤكد أن رغبة في داخلي هي التي دفعتني إليها .. لم يكن بيننا موعدا .. لذلك فقد فوجئت – هي – بحضوري عندما فتحت الباب ووجدت أنني الطارق .... ماتت دهشتها في اللحظة التي أغلقت فيها الباب ورائي .. تلاحمنا في عناق طويل .. لكننا لم نستطع أن نقضي علي إحساس الغربة الذي يجمع بيننا .. حاولت أن أقتل يأسي علي صدرها لكنها كانت مثل الآلة بلا إحساس لما نمارسه .. - كأنك تعاني شيئا .. شابهت القطة وهي تتمسح بي .. ابتسمت في سخرية وأنا أتساءل : - كأنني ؟! .. - إذن ما يبدو عليك حقيقة .. قلت وأنا أبتعد عنها : - لا شأن لك بهمومي .. تعلقت بي وهي تسألني : - ألا تثق في ؟! .. تأملتها قليلا ثم قلت : - يكيفك ضياعك . تنهدت في أسي .. ثم قالت بعد لحظات من الصمت : - أتشفق علي .. أم تهزأ بي ؟. احترت فيما أقوله لها .. قالت وهي تشيح بوجهها عني : - سامحني .. قلت في نفسي .. " ماذا تظن بي كي تطلب مني أن أسامحها .. فلست المسئول عنها ولم تفعل شيئا يسييء إلي .. ولا يجمعنا غير الضياع الذي نتشارك فيه .. " ثم سألتها : - لماذا ؟! .. - يبدو أنني نسيت نفسي . أدرت رأسها حتى واجهتني : - ماذا تقصدين ؟. أجابتني بصوت خنقته العبرات : - أعرف أن لا حق لي مثل الأخريات في سؤال أي رجل .. ثم أضافت في تهكم حاولت أن تخفيه : - أقصد الزوجات . " هذه التافهة ماذا تريد مني ؟! .. أتمهد لتطلب مني أن أتزوجها ؟.. وبئر الخطيئة الذي تغرق فيه .. ما مصيره ؟! .. " هذا ما قلته لنفسي قبل أن أسألها : - ما الفرق ؟.. ألست إنسانة ؟. رددت في غرابة : - انسانة ؟! .. ثم وضعت يدها علي جبهتي وهي تسأل : - أتحس بشيء ؟. ثم ضحكت في سخرية وقالت : - ما قلته يجعلني أظن أنك تهذي . - أقلت ما هو غير معقول ؟! . - بالطبع .. داهمتني حيرة وأنا أسترجع ما قلته لها .. لاحظت هي ذلك فقالت في أسي : - مسكين .. أحسست بالضيق منها .. واستكثرت علي نفسي أن تشفق علي هذه الداعرة .. قلت لها : - أتسخرين مني ؟! .. - وهل هذا معقول ؟.. امرأة مثلي تسخر من رجل مثلك ؟! .. ثم أضافت : - لقد فقدت آدميتي عندما أبحت جسدي للرجال .. اندفعت أضحك بصوت عال .. بدا علي وجهها الوجوم وهي تتطلع إلي في غرابة : - ما الذي يضحكك هكذا ؟! .. قلت لها بعد أن كففت عن الضحك : - لأنك نسيت أننا مثلك نتشارك معا في ما نفعله ؟! . قالت بعد لحظات : - لكنك تستطيع أن تتركنى وتعرف غيرى ثم أضافت : - أو تتزوج . سألتها: - لماذا تقولين ذلك ؟. قالت في لامبالاة : - لأنك تستطيع أن تتزوج أو تعرف غيري . - ولماذا لا تتزوجين أنت أيضا .؟. قلتها وكأني توصلت إلي حل لنا .. قالت بصوت خافت : - أتزوج ؟! . - الرجال حولك كثيرون .. فكرت قليلا .. ثم أخذت تحدق في وجهي قبل أن تقول : - بالطبع أنت منهم . تلعثمت وأنا أردد : - أنا .. أنا .. قالت في سخرية : - لا تخش شيئا .. أنا لم أفرض نفسي عليك .. - لكنني .. - تريد أن تهرب مثلهم ؟. ثم أضافت : - كلكم هكذا .. تكتفون بالمتعة العابرة وترفضون الاستقرار .. - أنت لا تعرفين الحقيقة .. - الحقيقة أنني ضائعة .. أليس كذلك ؟. - لا .. - تقصد أنني امرأة بلا شرف ؟. - مستحيل أن تعرفي .. - بائعة هوي .. لا شيء غير ذلك . سألتها : - ما الفرق بين المرأة الضائعة .. والتي بلا شرف .. وبائعة الهوى ؟.. بدا لى أنهاعجزت عن أن تجيبني .. قلت لها : - بالطبع لا فرق .. تماسكت بصعوبة عن البكاء ثم قالت : - هذا قدري .. رددت في أسف : - لكل منا قدره .. قالت بعد لحظات من الصمت : - لو أجد الرجل الذي ينتشلني من سوق الليل . تعلقت عيناي بها بضع لحظات ثم قلت لها : - ربما تجدينه ذات يوم .. استوقفتني قبل أن أخرج وقالت بعد تفكير سريع : - خذ .. وردت لي ما دفعته لها .. استأت منها لأني ظننت أنها تريد أكثر .. لكنها قالت : - من الآن أنا مدينة لك .. وقبل أن أفيق من دهشتي أضافت : - لقد أعطيتني للحظات آدميتي التي خسرتها .. سألتها : - كبف ؟ا - عاملتنى كانسانة عادية. ثم اندفعت تضحك فجأة وأخذت تحدق في وجهي .. وهى تسألني : - لكن أين الإنسانية في هذا العالم ؟. قلت لها في أسف : - معك حق .. وقبل أن أخرج سمعتها تقول : - نحن مثل الحشرات في هذا العالم .. " من العبث أن تفكر في رجل ينتشلها من سوق الليل .. " قلت في نفسي ذلك بعد أن تركتها .. وتوقعت لها أنها ستظل كما هي .. ولو طال بها العمر لن تجد في كهولتها من يرغب فيها .. وحتما ستنتهي داخل حجرة حقيرة تفوح منها رائحة عفنة .. أو تموت علي رصيف مثل حشرة ضارة ..... لكنها انتهت بالأمس .. اعترضت طريق ترام مزدحم فشق طريقه بين أجزاء جسدها .. هذا ما عرفته من جريدة الصباح .. ودون أن أدري أخذت أقارن بينها بعد مصرعها وبين جسد زوجتي الذي تفتت في غارة من الغارات مع أجساد أطفال .. كان من المستحيل أن تعرف قطعة اللحم التي يعثر عليها من جسد أي منهم .. كان لها الحق أن تسأل عن وجود الإنسانية في هذا العالم .. لكنها كانت بلا شك تعرف أنها تفتقدها .. ورغم ذلك فقد نالت بعض الشفقة ممن شاهدوها بعد مصرعها .. وهذا ما لم تنله في حياتها .. * * * * * * * * * * * * * حملتني رياح الغربة إلي شاطيء البحر .. تعلقت نظراتي بالفراغ خارج المدينة .. صحراء بلا حدود .. وفضاء بلا نهاية .. أتعثر في الرمال .. أخلع قدماي منها بصعوبة .. تلسعني حرارة الشمس .. أنكمش هربا منها .. أغرق في العرق .. أبحث عن بقعة ظل بلا جدوي .. يصفع نظراتي الفضاء اللانهائي .. أتخلص من ثيابي وألقي بنفسي بين الأمواج .. أتركها تتقاذفني كما يحلو لها .. أحس أنني تخلصت من بعض همومي التي يثقلني حملها .. وغاب عني الحزن الذي نبع في أعماقي .. أتوهم أنني أغتسل من يأس أتوه فيه .. أظل في الماء وأنتظر أن تلقي بي الأمواج علي شاطيء مجهول لا يعرفني فيه إنسان أتصرف فيه كما أشاء .. وأمارس حريتي الحقيقية بلا قيود .. لكنها تشدني إلي الداخل وأحس بوهن في قوتي يجعلني أعجز عن مقاومتها .. أترك نفسي أطفو علي السطح بلا حركة .. وأبدو كأنني استسلمت لقدري .. وأنتظر أن أغوص إلي الأعماق لألقي نهايتي .... لكن رهبة الموت ترعبني .. أقاوم بكل قوتي وأتجه إلي الشاطيء مستعينا بموجة شديدة كانت مندفعة إليه .. أحس براحة في داخلي لانفرادي بنفسي بعيدا عن الآخرين .. أترك نظراتي تتجول فيما حولي .. لم أشأ أن أقيد حريتها .. ظلت تحوم في الفضاء كأنني أفتش فيه عن شيء .. لكنني عندما استعدتها من تجوالها اكتشفت أنني كنت كالذي أراد أن يملاء كفيه بالهواء .. انطويت علي نفسي في أسف وأنا أترك ابتسامة باهتة ترتسم علي شفتي .. ثم استلقيت بجسدي علي الرمال . ظللتني اشعة الشمس .. أحسست بها تحرق جسدي .. لكنني أرغمت نفسي علي تحمل حرارتها ... في غرفتي أسجن نفسي مع أحزاني .. أشبه في صمتي الأوراق المهملة .. وهنا أتمدد مثل جثة ستتعفن قبل أن يكتشفها أحد ... * * * * * * * * * * * * * أفزعني الظلام وأنا في مكاني .. زادت بي تخيلات الرهبة .. حاولت أن أهرب منها بالتفتيش عن شيء أنشغل به .. وجدتني أحفر في الأرض .. فجأة خطر لي أنني أحفر مقبرتي .. أتوقف عن الحفر ثم أنفجر في الضحك بصوت مرتفع .. يتردد صدي ضحكاتي في الفضاء يعود لي بالخوف من جديد .. أتكوم في الحفرة .. هذه المرة أتلمس الدفء والأمان .. لكن الرمال تتناثر علي جسدي .. تجعلني أغمض عيني خشية أن تصل إلي جفني .. كانت مثل رخات المطر وهي تنهال علي جسد زوجتي وأطفالي .. أقس اللحظات التي عشتها وأنا أراهم يغيبون داخل الأرض .. قارنت بينهم وبين بذور النبات ونحن نغرسها قبل الزرع .. فرق شاسع بين النهاية والميلاد رغم أنهما في مكان واحد .. وبطريقة واحدة .. صوت الريح يمر الصفير بجانب أذني .. أنهض فجأة .. أقفز لأخرج من الحفرة .. أصطدم بحافتها فيدفن وجهي في الرمال .. أخلق السكينة في نفسي وأنتصب من جديد .. يتردد صوتي في الفضاء .... " أبدا لن أرتمي مثل الكلاب الضالة . https://www.arabicstory.net/index.php?p=text&tid=10012 المصدر: arabicstory.net]]> تحملني رياح الغربة حجرتي .. أستسلم لها بلا مقاومة.. لا أدري أين ستلقي بي .. أزرع خطواتي فى طريقي برعشة الخائف من الوصول إلي المجهول .. أحس بغربتي بين الناس .. كأنني أنتمي إلي عالم الوحدة الذي تركته .. أحدق طويلا في عيونهم المتعبة .. أمارس محاولة اختراق زيف نظراتهم .. الاشمئزاز الذي تعودت أن أحس به أغرقني أكثر .. رغم ذلك أتحامل علي نفسي وأمضي في سيري . أعبر الشوارع .. أمشي .علي الأرصفة .. تعتاد قدماي التشرد .. ألتقي بأكثر من صديق .. يحزنني أننا نتبادل التحية بهزة الرأس من بعيد .. أبدو دائما كخيال لعابر غريب مجهول الهدف يسير تائها في الطريق .. أقف لحظة وأتلفت حولي .. . تمر عيناي علي الأشياء بلا توقف ولا ألمح منها غير ظلالها .. بلا مبالاة أواصل سيري من جديد ..ثم أسرع في خطواتي كأنني أريد اللحاق بالحظات المجهولة قبل أن تهرب مني ... تتكاثر الطرقات أمامي .. لا أعرف أيها أختار .. لكنني أظل في سيري بين الزحام .. أتوه وسط الناس .. أبدو وكأنني أفتش عن طريق بينهم .. إحساسي بالغربة يزداد أكثر .. كأنني أنتمي إلي عالم غير عالمهم .. أنشغل بهم للحظات ثم أعود إلي رؤياي الصامتة .. وأترك رياح الغربة تحملني إلي حيث تريد ... * * * * * * * * * * * * قبل أيام اكتشف أن بيتها كان مقصدي .. من المؤكد أن رغبة في داخلي هي التي دفعتني إليها .. لم يكن بيننا موعدا .. لذلك فقد فوجئت – هي – بحضوري عندما فتحت الباب ووجدت أنني الطارق .... ماتت دهشتها في اللحظة التي أغلقت فيها الباب ورائي .. تلاحمنا في عناق طويل .. لكننا لم نستطع أن نقضي علي إحساس الغربة الذي يجمع بيننا .. حاولت أن أقتل يأسي علي صدرها لكنها كانت مثل الآلة بلا إحساس لما نمارسه .. - كأنك تعاني شيئا .. شابهت القطة وهي تتمسح بي .. ابتسمت في سخرية وأنا أتساءل : - كأنني ؟! .. - إذن ما يبدو عليك حقيقة .. قلت وأنا أبتعد عنها : - لا شأن لك بهمومي .. تعلقت بي وهي تسألني : - ألا تثق في ؟! .. تأملتها قليلا ثم قلت : - يكيفك ضياعك . تنهدت في أسي .. ثم قالت بعد لحظات من الصمت : - أتشفق علي .. أم تهزأ بي ؟. احترت فيما أقوله لها .. قالت وهي تشيح بوجهها عني : - سامحني .. قلت في نفسي .. " ماذا تظن بي كي تطلب مني أن أسامحها .. فلست المسئول عنها ولم تفعل شيئا يسييء إلي .. ولا يجمعنا غير الضياع الذي نتشارك فيه .. " ثم سألتها : - لماذا ؟! .. - يبدو أنني نسيت نفسي . أدرت رأسها حتى واجهتني : - ماذا تقصدين ؟. أجابتني بصوت خنقته العبرات : - أعرف أن لا حق لي مثل الأخريات في سؤال أي رجل .. ثم أضافت في تهكم حاولت أن تخفيه : - أقصد الزوجات . " هذه التافهة ماذا تريد مني ؟! .. أتمهد لتطلب مني أن أتزوجها ؟.. وبئر الخطيئة الذي تغرق فيه .. ما مصيره ؟! .. " هذا ما قلته لنفسي قبل أن أسألها : - ما الفرق ؟.. ألست إنسانة ؟. رددت في غرابة : - انسانة ؟! .. ثم وضعت يدها علي جبهتي وهي تسأل : - أتحس بشيء ؟. ثم ضحكت في سخرية وقالت : - ما قلته يجعلني أظن أنك تهذي . - أقلت ما هو غير معقول ؟! . - بالطبع .. داهمتني حيرة وأنا أسترجع ما قلته لها .. لاحظت هي ذلك فقالت في أسي : - مسكين .. أحسست بالضيق منها .. واستكثرت علي نفسي أن تشفق علي هذه الداعرة .. قلت لها : - أتسخرين مني ؟! .. - وهل هذا معقول ؟.. امرأة مثلي تسخر من رجل مثلك ؟! .. ثم أضافت : - لقد فقدت آدميتي عندما أبحت جسدي للرجال .. اندفعت أضحك بصوت عال .. بدا علي وجهها الوجوم وهي تتطلع إلي في غرابة : - ما الذي يضحكك هكذا ؟! .. قلت لها بعد أن كففت عن الضحك : - لأنك نسيت أننا مثلك نتشارك معا في ما نفعله ؟! . قالت بعد لحظات : - لكنك تستطيع أن تتركنى وتعرف غيرى ثم أضافت : - أو تتزوج . سألتها: - لماذا تقولين ذلك ؟. قالت في لامبالاة : - لأنك تستطيع أن تتزوج أو تعرف غيري . - ولماذا لا تتزوجين أنت أيضا .؟. قلتها وكأني توصلت إلي حل لنا .. قالت بصوت خافت : - أتزوج ؟! . - الرجال حولك كثيرون .. فكرت قليلا .. ثم أخذت تحدق في وجهي قبل أن تقول : - بالطبع أنت منهم . تلعثمت وأنا أردد : - أنا .. أنا .. قالت في سخرية : - لا تخش شيئا .. أنا لم أفرض نفسي عليك .. - لكنني .. - تريد أن تهرب مثلهم ؟. ثم أضافت : - كلكم هكذا .. تكتفون بالمتعة العابرة وترفضون الاستقرار .. - أنت لا تعرفين الحقيقة .. - الحقيقة أنني ضائعة .. أليس كذلك ؟. - لا .. - تقصد أنني امرأة بلا شرف ؟. - مستحيل أن تعرفي .. - بائعة هوي .. لا شيء غير ذلك . سألتها : - ما الفرق بين المرأة الضائعة .. والتي بلا شرف .. وبائعة الهوى ؟.. بدا لى أنهاعجزت عن أن تجيبني .. قلت لها : - بالطبع لا فرق .. تماسكت بصعوبة عن البكاء ثم قالت : - هذا قدري .. رددت في أسف : - لكل منا قدره .. قالت بعد لحظات من الصمت : - لو أجد الرجل الذي ينتشلني من سوق الليل . تعلقت عيناي بها بضع لحظات ثم قلت لها : - ربما تجدينه ذات يوم .. استوقفتني قبل أن أخرج وقالت بعد تفكير سريع : - خذ .. وردت لي ما دفعته لها .. استأت منها لأني ظننت أنها تريد أكثر .. لكنها قالت : - من الآن أنا مدينة لك .. وقبل أن أفيق من دهشتي أضافت : - لقد أعطيتني للحظات آدميتي التي خسرتها .. سألتها : - كبف ؟ا - عاملتنى كانسانة عادية. ثم اندفعت تضحك فجأة وأخذت تحدق في وجهي .. وهى تسألني : - لكن أين الإنسانية في هذا العالم ؟. قلت لها في أسف : - معك حق .. وقبل أن أخرج سمعتها تقول : - نحن مثل الحشرات في هذا العالم .. " من العبث أن تفكر في رجل ينتشلها من سوق الليل .. " قلت في نفسي ذلك بعد أن تركتها .. وتوقعت لها أنها ستظل كما هي .. ولو طال بها العمر لن تجد في كهولتها من يرغب فيها .. وحتما ستنتهي داخل حجرة حقيرة تفوح منها رائحة عفنة .. أو تموت علي رصيف مثل حشرة ضارة ..... لكنها انتهت بالأمس .. اعترضت طريق ترام مزدحم فشق طريقه بين أجزاء جسدها .. هذا ما عرفته من جريدة الصباح .. ودون أن أدري أخذت أقارن بينها بعد مصرعها وبين جسد زوجتي الذي تفتت في غارة من الغارات مع أجساد أطفال .. كان من المستحيل أن تعرف قطعة اللحم التي يعثر عليها من جسد أي منهم .. كان لها الحق أن تسأل عن وجود الإنسانية في هذا العالم .. لكنها كانت بلا شك تعرف أنها تفتقدها .. ورغم ذلك فقد نالت بعض الشفقة ممن شاهدوها بعد مصرعها .. وهذا ما لم تنله في حياتها .. * * * * * * * * * * * * * حملتني رياح الغربة إلي شاطيء البحر .. تعلقت نظراتي بالفراغ خارج المدينة .. صحراء بلا حدود .. وفضاء بلا نهاية .. أتعثر في الرمال .. أخلع قدماي منها بصعوبة .. تلسعني حرارة الشمس .. أنكمش هربا منها .. أغرق في العرق .. أبحث عن بقعة ظل بلا جدوي .. يصفع نظراتي الفضاء اللانهائي .. أتخلص من ثيابي وألقي بنفسي بين الأمواج .. أتركها تتقاذفني كما يحلو لها .. أحس أنني تخلصت من بعض همومي التي يثقلني حملها .. وغاب عني الحزن الذي نبع في أعماقي .. أتوهم أنني أغتسل من يأس أتوه فيه .. أظل في الماء وأنتظر أن تلقي بي الأمواج علي شاطيء مجهول لا يعرفني فيه إنسان أتصرف فيه كما أشاء .. وأمارس حريتي الحقيقية بلا قيود .. لكنها تشدني إلي الداخل وأحس بوهن في قوتي يجعلني أعجز عن مقاومتها .. أترك نفسي أطفو علي السطح بلا حركة .. وأبدو كأنني استسلمت لقدري .. وأنتظر أن أغوص إلي الأعماق لألقي نهايتي .... لكن رهبة الموت ترعبني .. أقاوم بكل قوتي وأتجه إلي الشاطيء مستعينا بموجة شديدة كانت مندفعة إليه .. أحس براحة في داخلي لانفرادي بنفسي بعيدا عن الآخرين .. أترك نظراتي تتجول فيما حولي .. لم أشأ أن أقيد حريتها .. ظلت تحوم في الفضاء كأنني أفتش فيه عن شيء .. لكنني عندما استعدتها من تجوالها اكتشفت أنني كنت كالذي أراد أن يملاء كفيه بالهواء .. انطويت علي نفسي في أسف وأنا أترك ابتسامة باهتة ترتسم علي شفتي .. ثم استلقيت بجسدي علي الرمال . ظللتني اشعة الشمس .. أحسست بها تحرق جسدي .. لكنني أرغمت نفسي علي تحمل حرارتها ... في غرفتي أسجن نفسي مع أحزاني .. أشبه في صمتي الأوراق المهملة .. وهنا أتمدد مثل جثة ستتعفن قبل أن يكتشفها أحد ... * * * * * * * * * * * * * أفزعني الظلام وأنا في مكاني .. زادت بي تخيلات الرهبة .. حاولت أن أهرب منها بالتفتيش عن شيء أنشغل به .. وجدتني أحفر في الأرض .. فجأة خطر لي أنني أحفر مقبرتي .. أتوقف عن الحفر ثم أنفجر في الضحك بصوت مرتفع .. يتردد صدي ضحكاتي في الفضاء يعود لي بالخوف من جديد .. أتكوم في الحفرة .. هذه المرة أتلمس الدفء والأمان .. لكن الرمال تتناثر علي جسدي .. تجعلني أغمض عيني خشية أن تصل إلي جفني .. كانت مثل رخات المطر وهي تنهال علي جسد زوجتي وأطفالي .. أقس اللحظات التي عشتها وأنا أراهم يغيبون داخل الأرض .. قارنت بينهم وبين بذور النبات ونحن نغرسها قبل الزرع .. فرق شاسع بين النهاية والميلاد رغم أنهما في مكان واحد .. وبطريقة واحدة .. صوت الريح يمر الصفير بجانب أذني .. أنهض فجأة .. أقفز لأخرج من الحفرة .. أصطدم بحافتها فيدفن وجهي في الرمال .. أخلق السكينة في نفسي وأنتصب من جديد .. يتردد صوتي في الفضاء .... " أبدا لن أرتمي مثل الكلاب الضالة . https://www.arabicstory.net/index.php?p=text&tid=10012 المصدر: arabicstory.net]]> 121013 ماما ايمتى بدنا نصلح التلفزيون؟ بدي شوف أفلام كرتون http://www.souriyati.com/2019/03/21/120732.html Thu, 21 Mar 2019 13:07:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/21/120732.html تقول الأرملة الثلاثينية هدى لمعارفها: "لا شيء في حياتي عادي، أشعر كل يوم كما لو أن لغماً سينفجر في وجهي، أو أنني سأقع في كمين محكم". مفردات هدى ليست وليدة ثقافتها أو تعليمها، وهي الحاصلة على الثانوية فحسب، بل هي مفردات ثقافة الحرب التي عاشها السوريون طيلة السنوات الماضية. ومع أن حياة هدى استثنائية بهذا القدر أو ذاك، إلا أن الأسبوع الماضي كان حافلاً واستثنائياً. وبدأ ذلك الخميس، وهي تكوي الثياب، حين سمعت صوت ارتطام تلته صرخة حادة، فهبت مذعورة. كانت ابنتها لين ذات السنوات الخمس قد وقعت عن الدرجات الأخيرة في منزلهم الشعبي، وهي تلعب مع شقيقيها؛ ربيع وبشير. الزمن الذي استغرقته الأم للاطمئنان على ابنتها، والتأكد من سلامتها، كان كافيا لحرق بدلة ربيع المدرسية، بشكل غير قابل للإصلاح أو الترقيع. لا تعرف هدى كيفية حصول الأمر، فهي متأكدة أنها وضعت المكواة بوضعها الآمن. حسناً، ما حدث قد حدث، وعليها الآن شراء بدلة مدرسية جديدة، ستزيد من مصاريف هدى الشحيحة. هدى الحريصة جداً في ما يخص الكهرباء لا تترك أولادها يشغلون المدفأة الكهربائية أو السخانة، إلا بحضورها. لكن حرصها لم يمنع الأقدار. في اليوم التالي، احترقت أسلاك الكهرباء في المنزل، وفقط بفضل شجاعتها وسرعتها، تمكنت هدى من فصل الساعة الرئيسية، لتمنع كارثة لا تحمد عقباها. فني الكهرباء الذي رمم السبت ما يمكن ترميمه، حذّرها من أن تمديدات الكهرباء الداخلية في منزلها قديمة ومتآكلة، ولا تحتمل كل هذه الأجهزة دفعة واحدة، وعليها تغييرها بسرعة. فهمت هدى ما يقوله الفني، ولكن ما العمل؟ الكهرباء تنقطع 4 ساعات وتأتي لساعتين فقط، وعليها استثمار ذلك الزمن بالطاقة القصوى، للطبخ والتدفئة والغسيل، وتشغيل سخان الماء في الحمام، والكوي أيضا، هذا عدا عن البراد والتلفزيون. وكثيراً ما تنسى هدى في غمرة انشغالها بعودة الكهرباء أن تشحن هاتفها المحمول، والبطارية القديمة الخاصة بالإضاءة. كل ذلك في مدى ساعتين. وبالطبع لا يسمح وضعها المادي بتغيير الأسلاك الداخلية. وإذا ما تفهمت هدى رداءة التمديدات في منزلها، وتعجز عن استبدالها فكيف لها أن تتفهم رداءة تمديدات الشبكة العامة خارج منزلها، والأسلاك غير النظامية المعلقة عليها. الأحد، سمعت هدى دوياً مثل صوت الرعد، مترافقاً مع رفرفة الكهرباء لثوان، استطاعت خلالها، بحكم خبرتها ووجودها في المطبخ، أن تفصل البراد عن الكهرباء، عندما لاحظت الإضاءة تتوهج بشدة قبل أن تنقطع الكهرباء. واكتشفت هدى لاحقاً، لحسن الحظ، كما تقول، إن خسائرها اقتصرت على تعطل التلفزيون، في حين خسر الجيران معظم أجهزتهم الكهربائية. خبرة هدى، لم تأتٍ بالمجان، فقد سبق لها أن خسرت في حالة مماثلة 50 ألف ليرة سورية، لاصلاح البراد. فما بات مكرر الحدوث أن تماساً يسبب حريقاً في أسلاك التوتر العامة، فينقطع أحد الخطوط ويتلامس بغيره، ما يعني حصول تيار مضاعف من شأنه أن يعطب معظم الأجهزة الكهربائية. حالة لم تعد مقتصرة على الكتب النظرية ومهندسي الكهرباء، بل باتت معرفة عامة يناقشها السوريون، ويعرفون تأثيرها على الأجهزة الكهربائية. بعد البدلة المدرسية، وأجرة فني الكهرباء، يأتي التلفزيون ليحمِّل هدى التي تعمل كمستخدمة في مشفى حكومي، عبئاً إضافياً. إذ بالكاد يكفي راتبها وراتب زوجها التقاعدي، لإطعام أولادها الثلاثة، وتأمين أبسط احتياجاتهم. ولا تدخر هدى جهداً لزيادة دخلها فتعمل في مواسم المونة في الفول والبازلاء، وتصنع المكدوس بالأجرة، وتحيك الصوف لمن يرغب، في محاولة منها لعدم الاستدانة من أحد. هدى التي اضطرت للعمل بعد وفاة زوجها، تركب وسيلتي نقل كل يوم في ذروة الزحام لتصل إلى حيّها، ثم تقطع بعد ذلك مئات الأمتار صعوداً إلى بيتها الكائن في سفح قاسيون، حاملة أكياس الخضار. الإثنين، أخبرها مُصلّح التلفزيونات إنه لا يذهب إلى البيوت، وعليها أن تحمل الجهاز إلى محله. وأضاف: "انشالله يكون العطل فيوزات أو مكثفات شغلتها بسيطة، ألفين تلاتة، أما إذا الجهد العالي، أو الشاشة، بدك تحسبي حسابك فوق عشرة آلاف". وحال دخول هدى المتعبة أخيراً إلى المنزل، أخبرها ابنها ربيع أن موظف الكهرباء الحكومي، قد فكّ عداد الكهرباء، لتخلفهم عن الدفع لأكثر من ثلاث دورات. في تلك اللحظة شعرت هدى بدوار يعصف بها، وتيار بارد يسري في كامل جسدها. استندت إلى الجدار مخافة السقوط، أغمضت عينيها، كانت تحكمها رغبة جارفة بالانفصال عن الواقع، والخروج من لحظتها العابرة، ومن مجريات عمرها المديد. تراءت لها صورة زوجها ماثلة أمامها، رغبت في ضمه، في تعنيفه، معاتبته وشرح حالتها له، وهو من تركها ليموت في حادث ليس أقل غرابة من الحياة في هذه الفوضى السورية. الزوج كان قد نجا بإعجوبة من سقوط قذيفة هاون، في أحد شوارع دمشق، فصدمته سيارة مسرعة هاربة من المكان! أتخبر هدى زوجها، عن الذل والتحرش الذي تتعرض له في العمل والشارع، أم عن جوعها وفقرها، وعجزها عن دفع الفواتير، وأنها بانتظار نهاية الشهر لتقبض "الجمعية" التي اشتركت فيها منذ شهور، لتسد ما تراكم من ديون. بعد التذلل والرجاء حصلت هدى، الثلاثاء، على إجازة ساعية من مديرها، مسلحة بمبلغ استدانته من زميلاتها لتدفع فواتير الكهرباء، كخطوة أولى لا بد منها لاستعادة العداد. وصلت في العاشرة إلى مكتب الدفع في شركة الكهرباء، واستبشرت بعدم وجود ازدحام، ليصدمها الموظف بالقول: "الكهرباء مقطوعة.. عودي غداً قبل التاسعة صباحاً". غابت هدى، الأربعاء، من دون إجازة، هرباً من كلمات مديرها المستفزة، ووصلت في الثامنة صباحا إلى مكتب الجباية. الموظف وصل في الثامنة والنصف. فتسلمت الإيصالات المدفوعة، وتوجهت إلى المؤسسة، كان عليها انجاز العديد من المعاملات والانتظار طويلاً لدفع الغرامة. قرابة الساعة الواحدة ظهراً، كانت قد جهزت كل المعاملات لاستعادة العداد، وبقي الوصول إلى الموظف الحكومي المسؤول عن اعادته وتركيبه في المنزل. وبعد مفاوضات طويلة عبر الهاتف، وافق الموظف على الحضور للمنزل، مشترطاً تحميل هدى أجرة سيارة التكسي إلى بيتها. عصر الخميس، دفعت هدى أغلى أجرة لسيارة تكسي سمعت بها، طلبها موظف الكهرباء بلسانه. لم تجادله، لم تكن راغبة بالكلام، كانت عاجزة تماما وهي تنظر إلى أطفالها الذين التصقوا فيها مثل فراخ الدوري. قطعت لين الصغيرة حبل الصمت: "ماما ايمتى بدنا نصلح التلفزيون؟ بدي شوف أفلام كرتون". ضمتها بشدة دون أن تنطق بكلمة، كانت نظراتها ساهمة وهي تبكي بصمت. وكان العالم يتكثف قهراً في عينيها، ويتساقط أمامها كأفلام الكرتون. al modon]]> تقول الأرملة الثلاثينية هدى لمعارفها: "لا شيء في حياتي عادي، أشعر كل يوم كما لو أن لغماً سينفجر في وجهي، أو أنني سأقع في كمين محكم". مفردات هدى ليست وليدة ثقافتها أو تعليمها، وهي الحاصلة على الثانوية فحسب، بل هي مفردات ثقافة الحرب التي عاشها السوريون طيلة السنوات الماضية. ومع أن حياة هدى استثنائية بهذا القدر أو ذاك، إلا أن الأسبوع الماضي كان حافلاً واستثنائياً. وبدأ ذلك الخميس، وهي تكوي الثياب، حين سمعت صوت ارتطام تلته صرخة حادة، فهبت مذعورة. كانت ابنتها لين ذات السنوات الخمس قد وقعت عن الدرجات الأخيرة في منزلهم الشعبي، وهي تلعب مع شقيقيها؛ ربيع وبشير. الزمن الذي استغرقته الأم للاطمئنان على ابنتها، والتأكد من سلامتها، كان كافيا لحرق بدلة ربيع المدرسية، بشكل غير قابل للإصلاح أو الترقيع. لا تعرف هدى كيفية حصول الأمر، فهي متأكدة أنها وضعت المكواة بوضعها الآمن. حسناً، ما حدث قد حدث، وعليها الآن شراء بدلة مدرسية جديدة، ستزيد من مصاريف هدى الشحيحة. هدى الحريصة جداً في ما يخص الكهرباء لا تترك أولادها يشغلون المدفأة الكهربائية أو السخانة، إلا بحضورها. لكن حرصها لم يمنع الأقدار. في اليوم التالي، احترقت أسلاك الكهرباء في المنزل، وفقط بفضل شجاعتها وسرعتها، تمكنت هدى من فصل الساعة الرئيسية، لتمنع كارثة لا تحمد عقباها. فني الكهرباء الذي رمم السبت ما يمكن ترميمه، حذّرها من أن تمديدات الكهرباء الداخلية في منزلها قديمة ومتآكلة، ولا تحتمل كل هذه الأجهزة دفعة واحدة، وعليها تغييرها بسرعة. فهمت هدى ما يقوله الفني، ولكن ما العمل؟ الكهرباء تنقطع 4 ساعات وتأتي لساعتين فقط، وعليها استثمار ذلك الزمن بالطاقة القصوى، للطبخ والتدفئة والغسيل، وتشغيل سخان الماء في الحمام، والكوي أيضا، هذا عدا عن البراد والتلفزيون. وكثيراً ما تنسى هدى في غمرة انشغالها بعودة الكهرباء أن تشحن هاتفها المحمول، والبطارية القديمة الخاصة بالإضاءة. كل ذلك في مدى ساعتين. وبالطبع لا يسمح وضعها المادي بتغيير الأسلاك الداخلية. وإذا ما تفهمت هدى رداءة التمديدات في منزلها، وتعجز عن استبدالها فكيف لها أن تتفهم رداءة تمديدات الشبكة العامة خارج منزلها، والأسلاك غير النظامية المعلقة عليها. الأحد، سمعت هدى دوياً مثل صوت الرعد، مترافقاً مع رفرفة الكهرباء لثوان، استطاعت خلالها، بحكم خبرتها ووجودها في المطبخ، أن تفصل البراد عن الكهرباء، عندما لاحظت الإضاءة تتوهج بشدة قبل أن تنقطع الكهرباء. واكتشفت هدى لاحقاً، لحسن الحظ، كما تقول، إن خسائرها اقتصرت على تعطل التلفزيون، في حين خسر الجيران معظم أجهزتهم الكهربائية. خبرة هدى، لم تأتٍ بالمجان، فقد سبق لها أن خسرت في حالة مماثلة 50 ألف ليرة سورية، لاصلاح البراد. فما بات مكرر الحدوث أن تماساً يسبب حريقاً في أسلاك التوتر العامة، فينقطع أحد الخطوط ويتلامس بغيره، ما يعني حصول تيار مضاعف من شأنه أن يعطب معظم الأجهزة الكهربائية. حالة لم تعد مقتصرة على الكتب النظرية ومهندسي الكهرباء، بل باتت معرفة عامة يناقشها السوريون، ويعرفون تأثيرها على الأجهزة الكهربائية. بعد البدلة المدرسية، وأجرة فني الكهرباء، يأتي التلفزيون ليحمِّل هدى التي تعمل كمستخدمة في مشفى حكومي، عبئاً إضافياً. إذ بالكاد يكفي راتبها وراتب زوجها التقاعدي، لإطعام أولادها الثلاثة، وتأمين أبسط احتياجاتهم. ولا تدخر هدى جهداً لزيادة دخلها فتعمل في مواسم المونة في الفول والبازلاء، وتصنع المكدوس بالأجرة، وتحيك الصوف لمن يرغب، في محاولة منها لعدم الاستدانة من أحد. هدى التي اضطرت للعمل بعد وفاة زوجها، تركب وسيلتي نقل كل يوم في ذروة الزحام لتصل إلى حيّها، ثم تقطع بعد ذلك مئات الأمتار صعوداً إلى بيتها الكائن في سفح قاسيون، حاملة أكياس الخضار. الإثنين، أخبرها مُصلّح التلفزيونات إنه لا يذهب إلى البيوت، وعليها أن تحمل الجهاز إلى محله. وأضاف: "انشالله يكون العطل فيوزات أو مكثفات شغلتها بسيطة، ألفين تلاتة، أما إذا الجهد العالي، أو الشاشة، بدك تحسبي حسابك فوق عشرة آلاف". وحال دخول هدى المتعبة أخيراً إلى المنزل، أخبرها ابنها ربيع أن موظف الكهرباء الحكومي، قد فكّ عداد الكهرباء، لتخلفهم عن الدفع لأكثر من ثلاث دورات. في تلك اللحظة شعرت هدى بدوار يعصف بها، وتيار بارد يسري في كامل جسدها. استندت إلى الجدار مخافة السقوط، أغمضت عينيها، كانت تحكمها رغبة جارفة بالانفصال عن الواقع، والخروج من لحظتها العابرة، ومن مجريات عمرها المديد. تراءت لها صورة زوجها ماثلة أمامها، رغبت في ضمه، في تعنيفه، معاتبته وشرح حالتها له، وهو من تركها ليموت في حادث ليس أقل غرابة من الحياة في هذه الفوضى السورية. الزوج كان قد نجا بإعجوبة من سقوط قذيفة هاون، في أحد شوارع دمشق، فصدمته سيارة مسرعة هاربة من المكان! أتخبر هدى زوجها، عن الذل والتحرش الذي تتعرض له في العمل والشارع، أم عن جوعها وفقرها، وعجزها عن دفع الفواتير، وأنها بانتظار نهاية الشهر لتقبض "الجمعية" التي اشتركت فيها منذ شهور، لتسد ما تراكم من ديون. بعد التذلل والرجاء حصلت هدى، الثلاثاء، على إجازة ساعية من مديرها، مسلحة بمبلغ استدانته من زميلاتها لتدفع فواتير الكهرباء، كخطوة أولى لا بد منها لاستعادة العداد. وصلت في العاشرة إلى مكتب الدفع في شركة الكهرباء، واستبشرت بعدم وجود ازدحام، ليصدمها الموظف بالقول: "الكهرباء مقطوعة.. عودي غداً قبل التاسعة صباحاً". غابت هدى، الأربعاء، من دون إجازة، هرباً من كلمات مديرها المستفزة، ووصلت في الثامنة صباحا إلى مكتب الجباية. الموظف وصل في الثامنة والنصف. فتسلمت الإيصالات المدفوعة، وتوجهت إلى المؤسسة، كان عليها انجاز العديد من المعاملات والانتظار طويلاً لدفع الغرامة. قرابة الساعة الواحدة ظهراً، كانت قد جهزت كل المعاملات لاستعادة العداد، وبقي الوصول إلى الموظف الحكومي المسؤول عن اعادته وتركيبه في المنزل. وبعد مفاوضات طويلة عبر الهاتف، وافق الموظف على الحضور للمنزل، مشترطاً تحميل هدى أجرة سيارة التكسي إلى بيتها. عصر الخميس، دفعت هدى أغلى أجرة لسيارة تكسي سمعت بها، طلبها موظف الكهرباء بلسانه. لم تجادله، لم تكن راغبة بالكلام، كانت عاجزة تماما وهي تنظر إلى أطفالها الذين التصقوا فيها مثل فراخ الدوري. قطعت لين الصغيرة حبل الصمت: "ماما ايمتى بدنا نصلح التلفزيون؟ بدي شوف أفلام كرتون". ضمتها بشدة دون أن تنطق بكلمة، كانت نظراتها ساهمة وهي تبكي بصمت. وكان العالم يتكثف قهراً في عينيها، ويتساقط أمامها كأفلام الكرتون. al modon]]> 120732 هذا صوت رجل من عصرٍ مضى حكى لنا وأحبّنا..توفيق الحكيم كان سبّاقاً بتسجيل كتاب صوتي http://www.souriyati.com/2019/03/05/119833.html Tue, 05 Mar 2019 15:11:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/03/05/119833.html الأطفال أنداد لنا لذا أكتب لهم، هذه المقولة للكاتب المصري الراحل توفيق الحكيم، يرددها كتّاب قصص الأطفال العرب إلى اليوم، تعود بقوة الآن وبعد نحو 32 عاماً من وفاة الحكيم، بعد أن كشفت دار الشروق المصرية، عن كتابٍ صوتي جديد من إصدارها يحمل عنوان "حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات"، تم تسجيله منذ سنوات طويلة، بصوت الأديب والروائي المصري الراحل. والكتاب متوفر حالياً على تطبيق "اقرأ لي" للكتب الصوتية، على الهواتف الذكية، وتقول الشروق إنه سيتوفر قريباً على عدة منصات عربية أخرى خاصة بالكتب الصوتية بهدف أن يصل إلى أكبر عدد من الأطفال المتحدثين باللغة العربية في العالم. وصدر من كتاب "حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات" ثلاث طبعات مذ أصدرته الشروق لأول مرة في العام 2005، ويتكون من 32 صفحة، ويضم ثلاث حكايات للأطفال: "العصفور والإنسان"، و"المؤمن والشيطان"، و"الله وسؤال الحيران"، مع رسوم مبهجة بريشة الفنان حلمي التوني. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي عبّر مستخدمون مصريون عن تعجبهم من أن الحكيم كان سبّاقاً بتسجيل كتاب صوتي قبل انتشار هذا النوع من الكتب بسنوات طويلة. وقال مستخدم: "الحكيم كان سابق زمانه فعلاً"، وأضاف آخر: "توفيق الحكيم كان رائداً وله طموح عجيب"، واعتبرت مستخدمة أن تسجيل الحكيم للكتاب بصوته يعبر عن عبقريته، مضيفة: "كنت أتمنى أن يسجل باقي كتبه بصوته لنستمتع بها". علاقة الحكيم بالأطفال قال توفيق الحكيم للبراعم في مقدمة كتابه: "لماذا أكتب للأطفال؟ إن الفكرة عندي ليست أن أكتب لهم ما يخلب عقولهم، ولكن أن أجعلهم يدركون ما في عقلي، فلقد خاطبت بحكاياتي الكبار، وأخاطب بها اليوم الصغار، فإذا تم ذلك فهم لنا إذن أنداد". وشرح الحكيم لماذا سجل تلك الحكايات بصوته: "ولماذا أخاطبهم بصوتي؟ لأن المقصد عندي هو أن أتيح لهم الاحتفاظ بوثيقة أدبية تجعلهم يقولون في القرن القادم وقد بلغوا الثلاثين: نحن نحتفظ بصوت كاتب كان معروفاً في القرن الماضي، ولو كان التسجيل مألوفاً أيام شوقي وحافظ والمنفلوطي فأي قيمة كنا نخص بها هذا الكاسيت الذي يُسمعنا أصواتهم وهم يُلقون بأنفسهم شعرهم ونثرهم؟ ولقد حرصت على النطق بالعربية الصحيحة حتى يشب الأطفال على سماع السليم في اللغة، فتضاف فائدة إلى فائدة". ويختتم الحكيم مقدمته قائلاً: "كل أملي أن تنجح هذه المقاصد، وأن يحتفظ أطفال اليوم بصوتي المسجل ليعيدوا سماعه وهم كبار، وقد صرت أنا تراباً، ويقول بعضهم لبعض هذا صوت رجل من عصرٍ مضى حكى لنا وأحبنا". وأهدى الحكيم حكاياته الثلاث للأطفال العرب، ولحفيدته، "العزيزة الحبوبة العصفورة الذكية الأمورة مع حبي وقبلاتي الموفورة". في قصة العصفور والإنسان، يروي الحكيم طمع الإنسان وكيف أن هذا الطمع يفسد حياته ويجعله تعيساً وشقياً‏، وفي حكاية المؤمن والشيطان‏ يقول الحكيم للأطفال إن الإنسان يصبح قوياً حين يتبع تعاليم ربه ودينه، بينما يصير هشاً ضعيفاً عندما يستمع إلى حديث الشيطان. وتضمنت الحكاية الثالثة، الله وسؤال الحيران، حواراً بين طفل صغير ووالده عن الله، يبدأ بجملة للطفل وهو يخاطب أباه: أريد أن أرى الله الذي تتكلم عنه كثيراً‏، فيبدأ الأب حواراً شيقاً عن الله مع طفله‏.‏ من هو توفيق الحكيم؟ ولد توفيق الحكيم في محافظة الإسكندريّة المصرية في العام 1898، وكان والده يعمل في سلك القضاء المصري، وبعد تنقله بين عدة مُدن عاش في مدينة القاهرة، وتوفي بها في العام 1987. وفي العام 1925 سافر الحكيم إلى مدينة باريس في فرنسا حتى يُكمل دراساته العُليا في القانون، لكن هناك لم يهتم بدراسته، بل جذبه الأدب والفن. تميز الحكيم بمساره الأدبي والمسرحي، وحصل على شهرة كبيرة في عالم الكتابة بعد نشره مسرحية أهل الكهف في العام 1933، لتميزها في الخلط بين الواقعية والرمزية. ألّف الحكيم العديد من القصائد الشعرية منها ما هاجم بها الاحتلال البريطاني. ويُعد الأديب الأول الذي ساهم في إضافة أنواع جديدة من الروايات إلى الأدب العربي، مثل الرواية المعتمدة على الحوار، ورواية الرسائل، والرواية المعتمدة على اليوميات، كما ألّفَ القصص المتنوعة، سواء الفكاهية، أو الاجتماعية، أو الفلسفية. له مؤلفات متنوعة منها الدراسات، والروايات، والقصص. ومن أشهر رواياته، عودة الرّوح، ويوميات نائب في الأرياف، وحمار الحكيم. المصدر: رصيف22    

توفيق الحكيم كاتبًا للأطفال

حكايات سجلها بصوته في السبعينات على شرائط كاسيت
القاهرة: داليا عاصم
كتب طه حسين يومًا واصفًا توفيق الحكيم بأنه «غائب حاضر» و«حاضر غائب»، وهي المقولة التي تجسدت أمامي حين وقع في يدي كتاب أنيق وفاخر الطباعة يحمل اسم «حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات»، فلم أكن أعلم، كما هو حال الكثيرين، أن الحكيم قد كتب أدبًا للطفل! وقد يكون ذلك تقصيرًا من النقاد في تسليط الضوء على أعمال كبار الأدباء الخاصة التي تندرج تحت بند أدب الطفل، ناهينا عن التقصير في الاحتفاء بأديب كبير مثل توفيق الحكيم (1898 - 1987) الذي مرت ذكرى وفاته الـ29 دون أي احتفاء رسمي وفقط احتفال واحد شعبي ومقالة في مجلة «المصور» تستعيد ذكرى حوار عنه. هذه المجموعة القصصية أعادت دار «الشروق» المصرية إصدارها، فقد سجلها بصوته على شرائط كاسيت عام 1977، وخرجت في طبعة أنيقة برسوم للفنان حلمي التوني. وتسعى القصص الثلاث التي يضمها الكتاب لتنمية أفق الطفل الذي تراوده تساؤلات حول الكون والخير والشر والدين والله، وهو ما برع الحكيم في الإجابة عنها بأسلوبه البسيط والفلسفي العميق في الآن ذاته. ويكشف توفيق الحكيم مكامن الصعوبة، وهو الكاتب المسرحي الكبير، في كتابة أدب الطفل حين بدأ يسجل تلك الحكايات للأطفال، فقال: «إن البساطة أصعب من التعمق، وإنه لمن السهل أن أكتب وأن أتكلم كلامًا عميقًا، ولكن من الصعب أن أنتقي وأتخير الأسلوب السهل الذي يشعر السامع بأنني جليس معه ولست معلمًا له، وهذه هي مشكلتي مع أدب الأطفال!‏.. إن الكاتب الذي يتوجه إلى الراشدين هو كاتب حر، فهو لا يضع جمهورًا معينًا نصب عينيه، بل هو لا يعرف من يستقبل كتابته، لكن كاتب الأطفال يظل أسيرًا، مقيدًا، يحسب لكل جملة بل لكل كلمة حسابها، إذ لا بد أن تكون كلماته متناسبة مع قدرات الطفل، مع حاجاته، مع قاموسه اللغوي، مع ثقافته، مع بيئته التي ينتمي إليها.. وهذا كله يجعل الباحث في أدب الأطفال يقول من دون مواربة: ‏ إن أدب الأطفال له أثره البالغ وله أهميته المتميزة في الحياة المعاصرة والمستقبلية!». كتب الحكيم مقدمة للقصص كأنها موجهة لمن يقرأونه اليوم، مجيبًا عن تساؤل: «لماذا أكتب للأطفال؟»، قائلاً: «إن الفكرة عندي ليست أن أكتب لهم ما يخلب عقولهم، ولكن أن أجعلهم يدركون ما في عقلي.. فلقد خاطبت بحكاياتي الكبار، أخاطب بها اليوم الصغار.. فإذا تم ذلك فهم لنا إذن أنداد.. ولماذا أخاطبهم بصوتي؟». يفسر ذلك: «لأن المقصد عندي هو أن أتيح لهم الاحتفاظ بوثيقة أدبية تجعلهم يقولون في القرن المقبل وقد بلغوا الثلاثين: نحن نحتفظ بصوت كاتب كان معروفًا في القرن الماضي.. ولو كان التسجيل مألوفًا أيام شوقي وحافظ والمنفلوطي فأي قيمة كنا نخص بها هذا (الكاسيت) الذي يسمعنا أصواتهم وهم يلقون بأنفسهم شعرهم ونثرهم؟». ثم يضيف وكأنه يزيد من حسرتنا على هذا الجيل من المبدعين: «ولقد حرصت على النطق بالعربية الصحيحة حتى يشب الأطفال على سماع السليم في اللغة، فتضاف فائدة إلى فائدة.. وكل أملي أن تنجح المقاصد، وأن يحتفظ الأطفال اليوم بصوتي المسجل ليعيدوا سماعه وهم كبار، وقد صرت أنا ترابًا، ويقول بعضهم لبعض: (هذا صوت رجل من عصر مضى حكى لنا وأحبنا)». تستهل القصص «العصفور والإنسان»، وهي القصة التي حرص الحكيم فيها على إرشاد الأطفال لمدى قبح خصلة الطمع في الإنسان «شوكة الطمع» كما وصفها. يبدأ القصة بالحديث عن الخصال الحسنة للعصافير التي لا تعرف الكسل «تخرج من أعشاشها في لحظة واحدة كأنها سمعت جرسًا خفيًا من داخل نفسها يصحيها من النوم». ثم يُجري حوارًا على لسان عصفور يحدث أباه متسائلاً: «ألسنا نحن العصافير خير المخلوقات؟»، وفي القصة يحاول العصفور الأب إثبات طمع الإنسان لطفله، وبأسلوب شيق يطرح على لسان العصفور الأب مقولات حكيمة بعد أن أوقع نفسه عمدًا في يد إنسان، فتتسرب الحكمة إلى وعي الطفل عبر إنصاته للقصة: «أيها الإنسان الطماع.. طمعك أعماك.. فنسيت الحكمتين الأولى والثانية.. فكيف أخبرك بالثالثة؟! ألم أقل لك: لا تتحسر على ما فات، ولا تصدق ما لا يمكن أن يكون. إن لحمي وعظمي وريشي لا يصل في الوزن إلى عشرين مثقالاً.. فكيف تكون في بطني جوهرة وزنها أكثر من عشرين مثقالاً؟!. وكان منظر الرجل مضحكًا.. فقد استطاع عصفور أن يلعب بإنسان». في القصة الثانية «المؤمن والشيطان» يجيب الحكيم الأطفال بأسلوبه الممتع عن الأسئلة التي تراود جميع الأطفال حول الإيمان بالله، ولماذا؟ ويدور الحوار في القصة بين رجل مؤمن يرفض أن يعبد الناس شجرة وهي من خلق الله، وإبليس الذي يظهر له محاولاً ثنيه عن قطع الشجرة: «فقال إبليس: وما شأنك أنت بالله؟!.. فقال الرجل المؤمن: إن الله هو خالقنا، وعلينا أن نعبده هو.. إبليس: اتركهم يعبدوا الشجرة فهم أحرار.. فقال المؤمن: إنهم غير أحرار.. هم يسمعون صوتك أنت يا شيطان»، وتجسد القصة صراع المؤمن مع الشيطان بشكل جسدي، ثم يروي الحكيم كيف استطاع المؤمن تارة هزيمة الشيطان، وكيف انساق المؤمن بعدها لإغواء الشيطان بحصوله على دينارين من الذهب كل صباح حتى لا يقطع الشجرة، ولما قطع عنه المال، تصارع معه مرة أخرى فهزمه الشيطان، قائلاً: «لما غضبت لربك وقاتلت لله غلبتني، ولما غضبت لنفسك وقاتلت لنقودك غلبتك.. لما صارعت لعقيدتك صرعتني، ولما صارعت لمنفعتك صرعتك». من المثير حقًا في أسلوب الحكيم القصصي في هذه المجموعة براعته في توجيه خطابه للطفل وتحفيزه على التفكير وإعطائه إشكاليات كي يستبصر الحلول. لقد أجرى الحوار بين أبطال القصص بالطريقة التي يجري بها الأطفال حواراتهم مع آبائهم بتكرار تساؤلاتهم وبشكل متواتر وبأكثر من طريقة، لا سيما في قصة «الله وسؤال الحيران»، التي تدور حول طفل يسأل والده عن الله ويطلب منه أن يراه: «أنت يا أبي تتحدث كثيرًا عن الله‏..‏ إنني أريد أن أرى الله الذي تتكلم عنه كثيرًا‏.‏ وعندها وقع الأب في حيرة‏..‏ كيف يمكن أن يلبي طلب ابنه هذا؟ فيذهب إلى عجوز مؤمن من الأولياء الصالحين، ويطلب منه أن يساعده في أن يرى الله، يقول العجوز: أيها الرجل.. إن الله لا يمكن أن نراه بعيوننا الضعيفة. ويسأل الرجل: لماذا؟.. فقال له المؤمن العجوز: انظر إلى الشمس.. وطلب منه أن يثبت عينيه على الشمس، وظل الرجل يصرخ: (نور الشمس يخطف بصري)، وبعد دقائق لم يعد الرجل قادرًا على النظر للشمس التي أحرقت عينيه، فيقول العجوز: إن نور الشمس الذي حرق عينيك هو شيء قليل ضئيل بالنسبة إلى نور الله الذي خلق هذه الشمس وملايين من الشموس والنجوم.. وإذا كانت عيناك احترقتا من نور هذه الشمس الصغيرة، فكيف إذا نظرت بها إلى نور الله خالق كل الشموس؟! بعدها يسأل الرجل حائرًا: أما من طريقة أخرى لرؤية الله، فيرد العجوز بحكمة: إذا فزت بمحبته.. فإنه يقترب منك.. ويمكنك أن تحس بقربه. لكن العجوز ينبهه إلى أن هناك شرطًا لكي يتم ذلك: العمل الطيب.. النافع للناس.. إن الله هو الخير، ليعود الرجل لابنه بالإجابة التي ينتظرها ويقول له: (عندما تفعل ما يحبه تحس بقربه)». من المعروف أن الحكيم استقى حب الحكي من والدته المتحدرة من جذور تركية التي كانت تقص عليه قصص ألف ليلة وليلة وحكايات الهلالي وكثيرًا من الأدب العربي والغربي، وقد أدرك قيمة حكايتها في تنمية خياله وأفقه، وهو ما دفعه لكتابة هذه القصص. قد تكون هناك حكايات أكثر كتبها ولا نعرف عنها شيئًا، لكنها رسالة من كاتب قدير لم يبخل على النشء ببعض من موهبته علها تسهم في تنمية الذائقة الجمالية للأطفال.
]]>
الأطفال أنداد لنا لذا أكتب لهم، هذه المقولة للكاتب المصري الراحل توفيق الحكيم، يرددها كتّاب قصص الأطفال العرب إلى اليوم، تعود بقوة الآن وبعد نحو 32 عاماً من وفاة الحكيم، بعد أن كشفت دار الشروق المصرية، عن كتابٍ صوتي جديد من إصدارها يحمل عنوان "حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات"، تم تسجيله منذ سنوات طويلة، بصوت الأديب والروائي المصري الراحل. والكتاب متوفر حالياً على تطبيق "اقرأ لي" للكتب الصوتية، على الهواتف الذكية، وتقول الشروق إنه سيتوفر قريباً على عدة منصات عربية أخرى خاصة بالكتب الصوتية بهدف أن يصل إلى أكبر عدد من الأطفال المتحدثين باللغة العربية في العالم. وصدر من كتاب "حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات" ثلاث طبعات مذ أصدرته الشروق لأول مرة في العام 2005، ويتكون من 32 صفحة، ويضم ثلاث حكايات للأطفال: "العصفور والإنسان"، و"المؤمن والشيطان"، و"الله وسؤال الحيران"، مع رسوم مبهجة بريشة الفنان حلمي التوني. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي عبّر مستخدمون مصريون عن تعجبهم من أن الحكيم كان سبّاقاً بتسجيل كتاب صوتي قبل انتشار هذا النوع من الكتب بسنوات طويلة. وقال مستخدم: "الحكيم كان سابق زمانه فعلاً"، وأضاف آخر: "توفيق الحكيم كان رائداً وله طموح عجيب"، واعتبرت مستخدمة أن تسجيل الحكيم للكتاب بصوته يعبر عن عبقريته، مضيفة: "كنت أتمنى أن يسجل باقي كتبه بصوته لنستمتع بها". علاقة الحكيم بالأطفال قال توفيق الحكيم للبراعم في مقدمة كتابه: "لماذا أكتب للأطفال؟ إن الفكرة عندي ليست أن أكتب لهم ما يخلب عقولهم، ولكن أن أجعلهم يدركون ما في عقلي، فلقد خاطبت بحكاياتي الكبار، وأخاطب بها اليوم الصغار، فإذا تم ذلك فهم لنا إذن أنداد". وشرح الحكيم لماذا سجل تلك الحكايات بصوته: "ولماذا أخاطبهم بصوتي؟ لأن المقصد عندي هو أن أتيح لهم الاحتفاظ بوثيقة أدبية تجعلهم يقولون في القرن القادم وقد بلغوا الثلاثين: نحن نحتفظ بصوت كاتب كان معروفاً في القرن الماضي، ولو كان التسجيل مألوفاً أيام شوقي وحافظ والمنفلوطي فأي قيمة كنا نخص بها هذا الكاسيت الذي يُسمعنا أصواتهم وهم يُلقون بأنفسهم شعرهم ونثرهم؟ ولقد حرصت على النطق بالعربية الصحيحة حتى يشب الأطفال على سماع السليم في اللغة، فتضاف فائدة إلى فائدة". ويختتم الحكيم مقدمته قائلاً: "كل أملي أن تنجح هذه المقاصد، وأن يحتفظ أطفال اليوم بصوتي المسجل ليعيدوا سماعه وهم كبار، وقد صرت أنا تراباً، ويقول بعضهم لبعض هذا صوت رجل من عصرٍ مضى حكى لنا وأحبنا". وأهدى الحكيم حكاياته الثلاث للأطفال العرب، ولحفيدته، "العزيزة الحبوبة العصفورة الذكية الأمورة مع حبي وقبلاتي الموفورة". في قصة العصفور والإنسان، يروي الحكيم طمع الإنسان وكيف أن هذا الطمع يفسد حياته ويجعله تعيساً وشقياً‏، وفي حكاية المؤمن والشيطان‏ يقول الحكيم للأطفال إن الإنسان يصبح قوياً حين يتبع تعاليم ربه ودينه، بينما يصير هشاً ضعيفاً عندما يستمع إلى حديث الشيطان. وتضمنت الحكاية الثالثة، الله وسؤال الحيران، حواراً بين طفل صغير ووالده عن الله، يبدأ بجملة للطفل وهو يخاطب أباه: أريد أن أرى الله الذي تتكلم عنه كثيراً‏، فيبدأ الأب حواراً شيقاً عن الله مع طفله‏.‏ من هو توفيق الحكيم؟ ولد توفيق الحكيم في محافظة الإسكندريّة المصرية في العام 1898، وكان والده يعمل في سلك القضاء المصري، وبعد تنقله بين عدة مُدن عاش في مدينة القاهرة، وتوفي بها في العام 1987. وفي العام 1925 سافر الحكيم إلى مدينة باريس في فرنسا حتى يُكمل دراساته العُليا في القانون، لكن هناك لم يهتم بدراسته، بل جذبه الأدب والفن. تميز الحكيم بمساره الأدبي والمسرحي، وحصل على شهرة كبيرة في عالم الكتابة بعد نشره مسرحية أهل الكهف في العام 1933، لتميزها في الخلط بين الواقعية والرمزية. ألّف الحكيم العديد من القصائد الشعرية منها ما هاجم بها الاحتلال البريطاني. ويُعد الأديب الأول الذي ساهم في إضافة أنواع جديدة من الروايات إلى الأدب العربي، مثل الرواية المعتمدة على الحوار، ورواية الرسائل، والرواية المعتمدة على اليوميات، كما ألّفَ القصص المتنوعة، سواء الفكاهية، أو الاجتماعية، أو الفلسفية. له مؤلفات متنوعة منها الدراسات، والروايات، والقصص. ومن أشهر رواياته، عودة الرّوح، ويوميات نائب في الأرياف، وحمار الحكيم. المصدر: رصيف22    

توفيق الحكيم كاتبًا للأطفال

حكايات سجلها بصوته في السبعينات على شرائط كاسيت
القاهرة: داليا عاصم
كتب طه حسين يومًا واصفًا توفيق الحكيم بأنه «غائب حاضر» و«حاضر غائب»، وهي المقولة التي تجسدت أمامي حين وقع في يدي كتاب أنيق وفاخر الطباعة يحمل اسم «حكايات توفيق الحكيم للصبيان والبنات»، فلم أكن أعلم، كما هو حال الكثيرين، أن الحكيم قد كتب أدبًا للطفل! وقد يكون ذلك تقصيرًا من النقاد في تسليط الضوء على أعمال كبار الأدباء الخاصة التي تندرج تحت بند أدب الطفل، ناهينا عن التقصير في الاحتفاء بأديب كبير مثل توفيق الحكيم (1898 - 1987) الذي مرت ذكرى وفاته الـ29 دون أي احتفاء رسمي وفقط احتفال واحد شعبي ومقالة في مجلة «المصور» تستعيد ذكرى حوار عنه. هذه المجموعة القصصية أعادت دار «الشروق» المصرية إصدارها، فقد سجلها بصوته على شرائط كاسيت عام 1977، وخرجت في طبعة أنيقة برسوم للفنان حلمي التوني. وتسعى القصص الثلاث التي يضمها الكتاب لتنمية أفق الطفل الذي تراوده تساؤلات حول الكون والخير والشر والدين والله، وهو ما برع الحكيم في الإجابة عنها بأسلوبه البسيط والفلسفي العميق في الآن ذاته. ويكشف توفيق الحكيم مكامن الصعوبة، وهو الكاتب المسرحي الكبير، في كتابة أدب الطفل حين بدأ يسجل تلك الحكايات للأطفال، فقال: «إن البساطة أصعب من التعمق، وإنه لمن السهل أن أكتب وأن أتكلم كلامًا عميقًا، ولكن من الصعب أن أنتقي وأتخير الأسلوب السهل الذي يشعر السامع بأنني جليس معه ولست معلمًا له، وهذه هي مشكلتي مع أدب الأطفال!‏.. إن الكاتب الذي يتوجه إلى الراشدين هو كاتب حر، فهو لا يضع جمهورًا معينًا نصب عينيه، بل هو لا يعرف من يستقبل كتابته، لكن كاتب الأطفال يظل أسيرًا، مقيدًا، يحسب لكل جملة بل لكل كلمة حسابها، إذ لا بد أن تكون كلماته متناسبة مع قدرات الطفل، مع حاجاته، مع قاموسه اللغوي، مع ثقافته، مع بيئته التي ينتمي إليها.. وهذا كله يجعل الباحث في أدب الأطفال يقول من دون مواربة: ‏ إن أدب الأطفال له أثره البالغ وله أهميته المتميزة في الحياة المعاصرة والمستقبلية!». كتب الحكيم مقدمة للقصص كأنها موجهة لمن يقرأونه اليوم، مجيبًا عن تساؤل: «لماذا أكتب للأطفال؟»، قائلاً: «إن الفكرة عندي ليست أن أكتب لهم ما يخلب عقولهم، ولكن أن أجعلهم يدركون ما في عقلي.. فلقد خاطبت بحكاياتي الكبار، أخاطب بها اليوم الصغار.. فإذا تم ذلك فهم لنا إذن أنداد.. ولماذا أخاطبهم بصوتي؟». يفسر ذلك: «لأن المقصد عندي هو أن أتيح لهم الاحتفاظ بوثيقة أدبية تجعلهم يقولون في القرن المقبل وقد بلغوا الثلاثين: نحن نحتفظ بصوت كاتب كان معروفًا في القرن الماضي.. ولو كان التسجيل مألوفًا أيام شوقي وحافظ والمنفلوطي فأي قيمة كنا نخص بها هذا (الكاسيت) الذي يسمعنا أصواتهم وهم يلقون بأنفسهم شعرهم ونثرهم؟». ثم يضيف وكأنه يزيد من حسرتنا على هذا الجيل من المبدعين: «ولقد حرصت على النطق بالعربية الصحيحة حتى يشب الأطفال على سماع السليم في اللغة، فتضاف فائدة إلى فائدة.. وكل أملي أن تنجح المقاصد، وأن يحتفظ الأطفال اليوم بصوتي المسجل ليعيدوا سماعه وهم كبار، وقد صرت أنا ترابًا، ويقول بعضهم لبعض: (هذا صوت رجل من عصر مضى حكى لنا وأحبنا)». تستهل القصص «العصفور والإنسان»، وهي القصة التي حرص الحكيم فيها على إرشاد الأطفال لمدى قبح خصلة الطمع في الإنسان «شوكة الطمع» كما وصفها. يبدأ القصة بالحديث عن الخصال الحسنة للعصافير التي لا تعرف الكسل «تخرج من أعشاشها في لحظة واحدة كأنها سمعت جرسًا خفيًا من داخل نفسها يصحيها من النوم». ثم يُجري حوارًا على لسان عصفور يحدث أباه متسائلاً: «ألسنا نحن العصافير خير المخلوقات؟»، وفي القصة يحاول العصفور الأب إثبات طمع الإنسان لطفله، وبأسلوب شيق يطرح على لسان العصفور الأب مقولات حكيمة بعد أن أوقع نفسه عمدًا في يد إنسان، فتتسرب الحكمة إلى وعي الطفل عبر إنصاته للقصة: «أيها الإنسان الطماع.. طمعك أعماك.. فنسيت الحكمتين الأولى والثانية.. فكيف أخبرك بالثالثة؟! ألم أقل لك: لا تتحسر على ما فات، ولا تصدق ما لا يمكن أن يكون. إن لحمي وعظمي وريشي لا يصل في الوزن إلى عشرين مثقالاً.. فكيف تكون في بطني جوهرة وزنها أكثر من عشرين مثقالاً؟!. وكان منظر الرجل مضحكًا.. فقد استطاع عصفور أن يلعب بإنسان». في القصة الثانية «المؤمن والشيطان» يجيب الحكيم الأطفال بأسلوبه الممتع عن الأسئلة التي تراود جميع الأطفال حول الإيمان بالله، ولماذا؟ ويدور الحوار في القصة بين رجل مؤمن يرفض أن يعبد الناس شجرة وهي من خلق الله، وإبليس الذي يظهر له محاولاً ثنيه عن قطع الشجرة: «فقال إبليس: وما شأنك أنت بالله؟!.. فقال الرجل المؤمن: إن الله هو خالقنا، وعلينا أن نعبده هو.. إبليس: اتركهم يعبدوا الشجرة فهم أحرار.. فقال المؤمن: إنهم غير أحرار.. هم يسمعون صوتك أنت يا شيطان»، وتجسد القصة صراع المؤمن مع الشيطان بشكل جسدي، ثم يروي الحكيم كيف استطاع المؤمن تارة هزيمة الشيطان، وكيف انساق المؤمن بعدها لإغواء الشيطان بحصوله على دينارين من الذهب كل صباح حتى لا يقطع الشجرة، ولما قطع عنه المال، تصارع معه مرة أخرى فهزمه الشيطان، قائلاً: «لما غضبت لربك وقاتلت لله غلبتني، ولما غضبت لنفسك وقاتلت لنقودك غلبتك.. لما صارعت لعقيدتك صرعتني، ولما صارعت لمنفعتك صرعتك». من المثير حقًا في أسلوب الحكيم القصصي في هذه المجموعة براعته في توجيه خطابه للطفل وتحفيزه على التفكير وإعطائه إشكاليات كي يستبصر الحلول. لقد أجرى الحوار بين أبطال القصص بالطريقة التي يجري بها الأطفال حواراتهم مع آبائهم بتكرار تساؤلاتهم وبشكل متواتر وبأكثر من طريقة، لا سيما في قصة «الله وسؤال الحيران»، التي تدور حول طفل يسأل والده عن الله ويطلب منه أن يراه: «أنت يا أبي تتحدث كثيرًا عن الله‏..‏ إنني أريد أن أرى الله الذي تتكلم عنه كثيرًا‏.‏ وعندها وقع الأب في حيرة‏..‏ كيف يمكن أن يلبي طلب ابنه هذا؟ فيذهب إلى عجوز مؤمن من الأولياء الصالحين، ويطلب منه أن يساعده في أن يرى الله، يقول العجوز: أيها الرجل.. إن الله لا يمكن أن نراه بعيوننا الضعيفة. ويسأل الرجل: لماذا؟.. فقال له المؤمن العجوز: انظر إلى الشمس.. وطلب منه أن يثبت عينيه على الشمس، وظل الرجل يصرخ: (نور الشمس يخطف بصري)، وبعد دقائق لم يعد الرجل قادرًا على النظر للشمس التي أحرقت عينيه، فيقول العجوز: إن نور الشمس الذي حرق عينيك هو شيء قليل ضئيل بالنسبة إلى نور الله الذي خلق هذه الشمس وملايين من الشموس والنجوم.. وإذا كانت عيناك احترقتا من نور هذه الشمس الصغيرة، فكيف إذا نظرت بها إلى نور الله خالق كل الشموس؟! بعدها يسأل الرجل حائرًا: أما من طريقة أخرى لرؤية الله، فيرد العجوز بحكمة: إذا فزت بمحبته.. فإنه يقترب منك.. ويمكنك أن تحس بقربه. لكن العجوز ينبهه إلى أن هناك شرطًا لكي يتم ذلك: العمل الطيب.. النافع للناس.. إن الله هو الخير، ليعود الرجل لابنه بالإجابة التي ينتظرها ويقول له: (عندما تفعل ما يحبه تحس بقربه)». من المعروف أن الحكيم استقى حب الحكي من والدته المتحدرة من جذور تركية التي كانت تقص عليه قصص ألف ليلة وليلة وحكايات الهلالي وكثيرًا من الأدب العربي والغربي، وقد أدرك قيمة حكايتها في تنمية خياله وأفقه، وهو ما دفعه لكتابة هذه القصص. قد تكون هناك حكايات أكثر كتبها ولا نعرف عنها شيئًا، لكنها رسالة من كاتب قدير لم يبخل على النشء ببعض من موهبته علها تسهم في تنمية الذائقة الجمالية للأطفال.
]]>
119833
مقتطفات من المجموعة القصصية للدكتورة جميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان http://www.souriyati.com/2019/02/26/119437.html Tue, 26 Feb 2019 19:38:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/02/26/119437.html الأديبة اللبنانية جميلة حسين جاد انطلقت الزغاريد من منزل ماريا، وعلا صوت الموسيقى احتفاء بالحدث، الفرحة العامرة لفّت الحضور، الجميع في الحلبة، رقص وغناء ودموع فرح وتبادل التهاني . باقات الزهور اخذت مكانها في الزوايا وامام العروسين، الحلوى والمشاريب غطوا اسطح الطاولات.. فيما كان جاد في حالة اضطراب وتناقض، يقول: "لا اصدق أين أنا، ولا في أي مكان..! اختلطت الاصوات في رأسي، صوت المغني مع صراخ المحقق، وصوت الطبلة مع زعيق المحقق يمسك الكرباج ويضرب به انحاء جسدي، لم استطع الفصل بين الحالتين، كنت مشدوها اضحك وابتسم لحبيبتي، واتوه امام صورة التعذيب التي تلاحقني... يا الله! كم يلزمني من الوقت كي أشفى، كي نشفى نحن السوريون!؟ حتى في اصدق اللحظات فرحا اتخيل لحظة الوجع والالم... أنا جاد المطرود من حضن وطني وحضن أمي، ها أنا في حضن عائلة السيدة ماريا في لبنان، التي استقبلتني بحفاوة وحب، صرت فردا منها بعد أن وقعت في غرام ابنتها ريتّا، وهكذا جمعنا الحبّ وقررنا العيش معا مدى الحياة، سأرتاح بعد ايام عصيبة عشتها لسنوات خلت". ويتابع : "غادرت بلدي نازحا كغيري، وهاربا من قمع واعتقال، ومن حرب لم يتوقّع احد شراستها وقسوتها الى هذا الحد.. غادرت الى بيروت ومنها الى الخليج حيث سبقتني شقيقتي . وهناك حصلتُ على اكثر من فرصة عمل، لكن الإمارة لم تمنحني اقامة وطلبت مني المغادرة، وهكذا تم ترحيلي، لكن الى أين.. لا أعرف!!! ليال قضيتها في مطار دبي ضائعا أنتظر مصيري. تحوّلت إلى إنسان معلق يستجدي مكاناً يذهب إليه. جواز سفري المهتريء وصورتي غير الواضحة، جعلا طلب الانتقال إلى أي بلد يقابل بالرفض، حتى تركيا التي لا احتاج فيها االى تأشيرة دخول رفضت سفري إليها. افترشت أرض المطار الباردة مثل أي مشرّد لم يعد لديه بلد، واصبح بلا مأوى . حاولت أن أنام على مقعد ضيق متكوراً على نفسي، لكن الأصوات العالية وضجيج المسافرين حالوا دون ذلك ، أنهكني التعب، رحت اتنقل من زاوية إلى أخرى لأقتل الوقت، تارة أتتبع حركة الطائرات وطوراً أتأمل وجوه الناس. تحولت إلى سجين في مطار، فضاء واسع ينظم انتقالات الناس من مكان إلى آخر، انا فيه موقوف. لم يكن هناك خيار سوى لبنان، لأتخلص من الكابوس، البلد الوحيد الذي استقبلني. وبالفعل، هبطت في مطار بيروت وأنهيت إجراءات المرور وسارعت إلى الاتصال بماريا قريبة صديقي مازن، كي اطلب منها المساعدة في بلد لا أعرف فيه أحدا. رد عليّ ابنها مارك، عرّفته بنفسي، حضر إلى المطار واصطحبني إلى منزلهم. هناك استقبلتني ماريا بترحاب ومودة جعلاني أشعر بالارتياح وأتخلص من الإحراج، فأنا صديق قريبها الذي عشت معه أجمل أيام الدراسة على مقاعد الجامعة. بعد العشاء الذي لم أتناول منه إلا القليل بسبب ارتباكي وخجلي، طلبت أن يرشدوني إلى فندق، أمضي فيه بعض الوقت قبل أن أجد مسكنا آوي اليه، لكن صاحبة المنزل رفضت بشدة وعرضت عليّ البقاء لأيام ريثما أتعرف الى بيروت أكثر، وأتدبر امر جواز سفري المهترئ والذي بسببه سيرفض أي فندق استقبالي، وسيجعل تنقلي مصدر خطر. قضيت أياماً في منزل ماريا، أدخن بشراهة وأفكر في مصيري في هذه المدينة التي طالما سمعت عنها وحلمت بالمجيء اليها، شعرت فيها بالألفة والأمان. كان علي أن أجد مسكناً انتقل إليه كي لا أحمّل ماريا وعائلتها عبئاً إضافياً، خصوصاً وأن ابنتها ريتا عادت من أوروبا بعد انهاء دراستها هناك. شعرت أن ماريا ستكون محرجة امام ابنتها، ففي المنزل ضيف لا تعرفه. لكن المفاجأة كانت الانسجام السريع الذي حصل بيني وبين ابنتها، فلدى تعرفي إليها وكما يقول المثل الشعبي" اعجاب من اول نظرة"، وجدنا مشتركات واهتمامات كثيرة، كانت لطيفة، ودودة، كسرت حاجز الخجل بيننا، وهكذا تجالسنا كثيرا وسهرنا معا وساعدتني في ايجاد مسكن كناية عن غرفة مفروشة عشت فيها مؤقتا . حرصت ايضا على تواصلي مع ماريا، التي أنقذتني من ضياعي وشرودي الدائم، اعطتني املا بالآتي وحبا عوضني في مكان ما عن حضن امي. لهذا قررت أن أخطو خطوة الى الامام، واتقرب من ريتا التي زاد اعجابي بها، وحب لم اعد أستطيع إخفاءه. . استغليت مناسبة عيد ميلادي، دعوتها الى مشاركتي الاحتفاء به. وافقت ، عندها وجدتها فرصة جيدة لاصارحها بمشاعري، أخبرتها كيف لفتت انتباهي منذ لحظة لقائها، ذكرّتها بتفاصيل اللقاء الاول بيننا، ماذا كانت تلبس، وكيف كانت تسريحة شعرها، أخبرتها أنني أحفظ حركاتها وتصرفاتها وردود فعلها. وانطلق لساني مثل نهر فاض عن مجراه، صارحتها بحبي لها قائلا: عندي خياران لا ثالث لهما، والأمر يتعلق بكِ، وبردّك قبولا او رفضا"، إن وافقت على الزواج مني سأبقى في لبنان ونؤسس معا عائلة، وان رفضتِ سأغادر الى اوروبا لاتابع دراستي العليا، بعد ان حصلت إقامة ومنحة دراسية. وفي قرارة نفسي كنت اناجي ربي ان توافق ، كنت بحاجة شديدة الى الحب والاستقرار، الحب بالنسبة لي اوكسجين الحياة، افضّله على الدراسة والغربة ، فلاشيء يستأهل العذاب والموت في هذه الحياة، يقول جاد، ويتابع: كنت اتدفق بالكلام وهي تصغي وملامح الرضى بادية على وجهها. وحين رأيت ابتسامتها ومظاهر قبولها ، شعرت أن العالم ابتسم لي من جديد، و كانت محطة مفصلية في حياتي، بداية جديدة، حزن أقل، وحب وحنان أكثر. انه الخامس من نيسان. تاريخ جعلني نهباً لمشاعر متضاربة، ففي هذا التاريخ تمّ عقد قراني على ريتا، وقبله بعام من التاريخ نفسه كانت تجربة اعتقالي. مفارقة فيها من الألم بقدر ما فيها من الغرابة. تاريخان غيرا مجرى حياتي ونقلاني من عالم إلى آخر. فمن زنزانة ضيقة لا تدخلها الشمس، كنت أستيقظ فيها مدمى بعد جولة تعذيب قاسية تجعلني أغيب عن الوعي. معتقلون كثر ماتوا أمامي لم تحتمل أجسادهم شراسة الضرب، نقلت جثثهم إلى أماكن مجهولة.الى حضن دافيء يفيض بالحب..". ويتابع جاد: "خلال الاعتقال اعترفت تحت التعذيب بأمور لم اسمع عنها من قبل، وطبعا لم اقترفها، اعترفت بما يريده جلادي، فالكلمات يومها مرهونة بعدد الجلدات والصفعات، اعترافات ملوثة بالدم، عُرضت على شاشة التلفاز عن تفجيرات وأعمال إرهابية كاذبة كان غرضها إقناع العالم بعدم وجود ثورة ضد النظام. وقّعت على كل اتهام طلبوه مني، المهم عندي ان يتوقف الضرب. خرجت بعد أن أعلنت توبتي أمام المحقق، وشتمت الثورة الكاذبة المسلحة التي تآمرت على بلدنا المقاوم، وبأنني تلقيت اموالا طائلة من جهات غريبة تتآمر على بلدي لتنفيذ اعمال ارهابية.. وعلى الرغم من ذلك لم يخرجوني الا بعد أن دفع أهلي مبالغ كبيرة لهم. خرجت بشخصية محطمة، نالت الكثير من الذل و الإهانات والتعذيب. وصلت الى امي من دون ملابس، حافي القدمين، بذقن طويلة، ومن دون أوراق ثبوتية ومن دون مال يمكنني من الوصول إلى بيتي.أحدهم أشفق عليّ وأوصلني بسيارته، كانت الصدمة كبيرة على وجوه اهلي عندما رأوني بذلك البؤس . لكن، الاهم عندهم انني خرجت. بعدها خضعت لعلاج جسدي ونفسي لأشهر لأتمكن من مواصلة حياتي..." ويضيف جاد متنهّدا: "اتذكر كل ذلك بوجع، يقطعه صوت ابنتي التي رزقت بها في بيروت واسميتها فرح، عندما احضنها أنسى الدنيا وما فيها من تعب وحروب، اليوم انا انسان جديد، يكره العنف والحرب والظلم ، افكر في مستقبل طفلتي التي اريد لها حياة آمنة وجوا حرا.. وأضم زوجتي بحب وامتنان لما انا فيه..." جميلة حسين ـ Jamila Hussein حائزة على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها - شاعرة وكاتبة وأستاذة جامعية ـ عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين]]> الأديبة اللبنانية جميلة حسين جاد انطلقت الزغاريد من منزل ماريا، وعلا صوت الموسيقى احتفاء بالحدث، الفرحة العامرة لفّت الحضور، الجميع في الحلبة، رقص وغناء ودموع فرح وتبادل التهاني . باقات الزهور اخذت مكانها في الزوايا وامام العروسين، الحلوى والمشاريب غطوا اسطح الطاولات.. فيما كان جاد في حالة اضطراب وتناقض، يقول: "لا اصدق أين أنا، ولا في أي مكان..! اختلطت الاصوات في رأسي، صوت المغني مع صراخ المحقق، وصوت الطبلة مع زعيق المحقق يمسك الكرباج ويضرب به انحاء جسدي، لم استطع الفصل بين الحالتين، كنت مشدوها اضحك وابتسم لحبيبتي، واتوه امام صورة التعذيب التي تلاحقني... يا الله! كم يلزمني من الوقت كي أشفى، كي نشفى نحن السوريون!؟ حتى في اصدق اللحظات فرحا اتخيل لحظة الوجع والالم... أنا جاد المطرود من حضن وطني وحضن أمي، ها أنا في حضن عائلة السيدة ماريا في لبنان، التي استقبلتني بحفاوة وحب، صرت فردا منها بعد أن وقعت في غرام ابنتها ريتّا، وهكذا جمعنا الحبّ وقررنا العيش معا مدى الحياة، سأرتاح بعد ايام عصيبة عشتها لسنوات خلت". ويتابع : "غادرت بلدي نازحا كغيري، وهاربا من قمع واعتقال، ومن حرب لم يتوقّع احد شراستها وقسوتها الى هذا الحد.. غادرت الى بيروت ومنها الى الخليج حيث سبقتني شقيقتي . وهناك حصلتُ على اكثر من فرصة عمل، لكن الإمارة لم تمنحني اقامة وطلبت مني المغادرة، وهكذا تم ترحيلي، لكن الى أين.. لا أعرف!!! ليال قضيتها في مطار دبي ضائعا أنتظر مصيري. تحوّلت إلى إنسان معلق يستجدي مكاناً يذهب إليه. جواز سفري المهتريء وصورتي غير الواضحة، جعلا طلب الانتقال إلى أي بلد يقابل بالرفض، حتى تركيا التي لا احتاج فيها االى تأشيرة دخول رفضت سفري إليها. افترشت أرض المطار الباردة مثل أي مشرّد لم يعد لديه بلد، واصبح بلا مأوى . حاولت أن أنام على مقعد ضيق متكوراً على نفسي، لكن الأصوات العالية وضجيج المسافرين حالوا دون ذلك ، أنهكني التعب، رحت اتنقل من زاوية إلى أخرى لأقتل الوقت، تارة أتتبع حركة الطائرات وطوراً أتأمل وجوه الناس. تحولت إلى سجين في مطار، فضاء واسع ينظم انتقالات الناس من مكان إلى آخر، انا فيه موقوف. لم يكن هناك خيار سوى لبنان، لأتخلص من الكابوس، البلد الوحيد الذي استقبلني. وبالفعل، هبطت في مطار بيروت وأنهيت إجراءات المرور وسارعت إلى الاتصال بماريا قريبة صديقي مازن، كي اطلب منها المساعدة في بلد لا أعرف فيه أحدا. رد عليّ ابنها مارك، عرّفته بنفسي، حضر إلى المطار واصطحبني إلى منزلهم. هناك استقبلتني ماريا بترحاب ومودة جعلاني أشعر بالارتياح وأتخلص من الإحراج، فأنا صديق قريبها الذي عشت معه أجمل أيام الدراسة على مقاعد الجامعة. بعد العشاء الذي لم أتناول منه إلا القليل بسبب ارتباكي وخجلي، طلبت أن يرشدوني إلى فندق، أمضي فيه بعض الوقت قبل أن أجد مسكنا آوي اليه، لكن صاحبة المنزل رفضت بشدة وعرضت عليّ البقاء لأيام ريثما أتعرف الى بيروت أكثر، وأتدبر امر جواز سفري المهترئ والذي بسببه سيرفض أي فندق استقبالي، وسيجعل تنقلي مصدر خطر. قضيت أياماً في منزل ماريا، أدخن بشراهة وأفكر في مصيري في هذه المدينة التي طالما سمعت عنها وحلمت بالمجيء اليها، شعرت فيها بالألفة والأمان. كان علي أن أجد مسكناً انتقل إليه كي لا أحمّل ماريا وعائلتها عبئاً إضافياً، خصوصاً وأن ابنتها ريتا عادت من أوروبا بعد انهاء دراستها هناك. شعرت أن ماريا ستكون محرجة امام ابنتها، ففي المنزل ضيف لا تعرفه. لكن المفاجأة كانت الانسجام السريع الذي حصل بيني وبين ابنتها، فلدى تعرفي إليها وكما يقول المثل الشعبي" اعجاب من اول نظرة"، وجدنا مشتركات واهتمامات كثيرة، كانت لطيفة، ودودة، كسرت حاجز الخجل بيننا، وهكذا تجالسنا كثيرا وسهرنا معا وساعدتني في ايجاد مسكن كناية عن غرفة مفروشة عشت فيها مؤقتا . حرصت ايضا على تواصلي مع ماريا، التي أنقذتني من ضياعي وشرودي الدائم، اعطتني املا بالآتي وحبا عوضني في مكان ما عن حضن امي. لهذا قررت أن أخطو خطوة الى الامام، واتقرب من ريتا التي زاد اعجابي بها، وحب لم اعد أستطيع إخفاءه. . استغليت مناسبة عيد ميلادي، دعوتها الى مشاركتي الاحتفاء به. وافقت ، عندها وجدتها فرصة جيدة لاصارحها بمشاعري، أخبرتها كيف لفتت انتباهي منذ لحظة لقائها، ذكرّتها بتفاصيل اللقاء الاول بيننا، ماذا كانت تلبس، وكيف كانت تسريحة شعرها، أخبرتها أنني أحفظ حركاتها وتصرفاتها وردود فعلها. وانطلق لساني مثل نهر فاض عن مجراه، صارحتها بحبي لها قائلا: عندي خياران لا ثالث لهما، والأمر يتعلق بكِ، وبردّك قبولا او رفضا"، إن وافقت على الزواج مني سأبقى في لبنان ونؤسس معا عائلة، وان رفضتِ سأغادر الى اوروبا لاتابع دراستي العليا، بعد ان حصلت إقامة ومنحة دراسية. وفي قرارة نفسي كنت اناجي ربي ان توافق ، كنت بحاجة شديدة الى الحب والاستقرار، الحب بالنسبة لي اوكسجين الحياة، افضّله على الدراسة والغربة ، فلاشيء يستأهل العذاب والموت في هذه الحياة، يقول جاد، ويتابع: كنت اتدفق بالكلام وهي تصغي وملامح الرضى بادية على وجهها. وحين رأيت ابتسامتها ومظاهر قبولها ، شعرت أن العالم ابتسم لي من جديد، و كانت محطة مفصلية في حياتي، بداية جديدة، حزن أقل، وحب وحنان أكثر. انه الخامس من نيسان. تاريخ جعلني نهباً لمشاعر متضاربة، ففي هذا التاريخ تمّ عقد قراني على ريتا، وقبله بعام من التاريخ نفسه كانت تجربة اعتقالي. مفارقة فيها من الألم بقدر ما فيها من الغرابة. تاريخان غيرا مجرى حياتي ونقلاني من عالم إلى آخر. فمن زنزانة ضيقة لا تدخلها الشمس، كنت أستيقظ فيها مدمى بعد جولة تعذيب قاسية تجعلني أغيب عن الوعي. معتقلون كثر ماتوا أمامي لم تحتمل أجسادهم شراسة الضرب، نقلت جثثهم إلى أماكن مجهولة.الى حضن دافيء يفيض بالحب..". ويتابع جاد: "خلال الاعتقال اعترفت تحت التعذيب بأمور لم اسمع عنها من قبل، وطبعا لم اقترفها، اعترفت بما يريده جلادي، فالكلمات يومها مرهونة بعدد الجلدات والصفعات، اعترافات ملوثة بالدم، عُرضت على شاشة التلفاز عن تفجيرات وأعمال إرهابية كاذبة كان غرضها إقناع العالم بعدم وجود ثورة ضد النظام. وقّعت على كل اتهام طلبوه مني، المهم عندي ان يتوقف الضرب. خرجت بعد أن أعلنت توبتي أمام المحقق، وشتمت الثورة الكاذبة المسلحة التي تآمرت على بلدنا المقاوم، وبأنني تلقيت اموالا طائلة من جهات غريبة تتآمر على بلدي لتنفيذ اعمال ارهابية.. وعلى الرغم من ذلك لم يخرجوني الا بعد أن دفع أهلي مبالغ كبيرة لهم. خرجت بشخصية محطمة، نالت الكثير من الذل و الإهانات والتعذيب. وصلت الى امي من دون ملابس، حافي القدمين، بذقن طويلة، ومن دون أوراق ثبوتية ومن دون مال يمكنني من الوصول إلى بيتي.أحدهم أشفق عليّ وأوصلني بسيارته، كانت الصدمة كبيرة على وجوه اهلي عندما رأوني بذلك البؤس . لكن، الاهم عندهم انني خرجت. بعدها خضعت لعلاج جسدي ونفسي لأشهر لأتمكن من مواصلة حياتي..." ويضيف جاد متنهّدا: "اتذكر كل ذلك بوجع، يقطعه صوت ابنتي التي رزقت بها في بيروت واسميتها فرح، عندما احضنها أنسى الدنيا وما فيها من تعب وحروب، اليوم انا انسان جديد، يكره العنف والحرب والظلم ، افكر في مستقبل طفلتي التي اريد لها حياة آمنة وجوا حرا.. وأضم زوجتي بحب وامتنان لما انا فيه..." جميلة حسين ـ Jamila Hussein حائزة على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها - شاعرة وكاتبة وأستاذة جامعية ـ عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين]]> 119437 هاتشيكو قصة وفاء كلب http://www.souriyati.com/2019/02/21/119002.html Thu, 21 Feb 2019 10:55:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/02/21/119002.html هاتشيكو قصة وفاء كلب أحداث قصتنا المؤثرة بدأت في عام 1924 ، مع كلب يدعى هاتشيكو، وهو من فصيلة كلاب يابانية تدعى أكيتا إينو. والذي كان كلبا عاديا من ناحية الشكل والتصرفات، إلا انه كان يتميز عن بقية الكلاب بشيء واحد وهو وفائه الشديد لصاحبه .. وفاء قد لا نجده عند الكثير من البشر .. وسامحوني على هذه الجملة. هاتشيكو كان ملكا لأستاذ جامعي يدعى "هيده-سابورو أوينو"، وهو بروفسور في قسم الزراعة في جامعة طوكيو . وقد اعتاد هاتشيكو مرافقة مالكه إلى محطة القطار عند ذهابه إلى العمل، وحين كان البروفيسور يعود من عمله كان يجد هاتشيكو في انتظاره عند باب المحطة. وبمرور الأيام أصبح وقوف الكلب انتظارا لصاحبه منظرا يوميا معتادا لمسافري محطة شيبويا وزوارها الدائمين. انتظر طويلا .. لكن صاحبه لم يعد .. وأستمر هذا الحال حتى أتى ذلك اليوم الحزين الذي وقف فيه هاتشيكو منتظرا وصول صاحبه عند باب المحطة كعادته .. لكن البروفيسور لم يصل أبدا .. فقد توفي على أثر أصابته بجلطة دماغية أثناء العمل في ذلك اليوم الكئيب من عام 1925. لكن من ذا الذي يستطيع إخبار كلب بموت صاحبه؟ .. وهكذا فأن هاتشيكو أنتظر طويلا .. حاول الناس صرفه بكل الوسائل، لكن هيهات أن يبرح الكلب مكانه .. وأستمر كعادته .. ينتظر .. وينتظر .. وينتظر .. لا ليوم .. ولا لأسبوع .. و لا لشهر .. بل لعشرة أعوام كاملة!!. كان الناس يمرون به في كل يوم يرمقونه بنظرات حزينة، كان منظره عند باب المحطة يثير في نفوسهم مشاعر متضاربة ما بين الإعجاب والشفقة، البعض كان يهز رأسه أسفا، والبعض ذرفوا بضعة دمعات تعاطفا معه، وهناك أيضا من كان يقدم له الطعام والماء. وبمرور الأيام تحول هاتشيكو إلى أسطورة يابانية حية، خصوصا بعد أن كتبت الصحافة عن قصته، إلى درجة أن المعلمين في المدارس صاروا يشيدون بسلوك الوفاء العجيب الذي أبداه هذا الكلب ويطالبون تلاميذهم بأن يكونوا أوفياء لوطنهم كوفاء هاتشيكو لصاحبه. وفي عام 1934 قام نحات ياباني بصنع تمثال من البرونز لهاتشيكو، وتم نصب التمثال أمام محطة القطار في احتفال كبير، هاتشيكو نفسه كان حاضرا خلاله. وبعد ذلك بسنة، أي في عام 1935 تم العثور على هاتشيكو ميتا في احد شوارع مدينة شيبويا، وقد أحيطت جثته بعناية واحترام فائقان وجرى تحنيطها وهي معروضة اليوم المتحف الوطني للعلوم في اوينو – طوكيو. الفلم الامريكي الذي تناول قصة الكلب هاتشيكو قصة هاتشيكو لم تشتهر كثيرا خارج اليابان إلا في عام 2009 حين جرى اقتباسها وعرضها على شاشة السينما من خلال الفلم الأمريكي - Hachi: A Dog's Tale - ، وهو من بطولة الممثل القدير ريتشارد جير، وقد نال هذا الفلم على استحسان النقاد وحقق نجاحا كبيرا في صالات العرض السينمائية. الى هنا انتهت قصة الكلب هاتشيكو .. قصة كان محورها وبطلها كلب رفض الاستسلام للقدر وبلغ به الوفاء درجة قد لا يصلها الكثيرون من البشر .. وعذرا مجددا . بقلم : ليث درادكة]]> هاتشيكو قصة وفاء كلب أحداث قصتنا المؤثرة بدأت في عام 1924 ، مع كلب يدعى هاتشيكو، وهو من فصيلة كلاب يابانية تدعى أكيتا إينو. والذي كان كلبا عاديا من ناحية الشكل والتصرفات، إلا انه كان يتميز عن بقية الكلاب بشيء واحد وهو وفائه الشديد لصاحبه .. وفاء قد لا نجده عند الكثير من البشر .. وسامحوني على هذه الجملة. هاتشيكو كان ملكا لأستاذ جامعي يدعى "هيده-سابورو أوينو"، وهو بروفسور في قسم الزراعة في جامعة طوكيو . وقد اعتاد هاتشيكو مرافقة مالكه إلى محطة القطار عند ذهابه إلى العمل، وحين كان البروفيسور يعود من عمله كان يجد هاتشيكو في انتظاره عند باب المحطة. وبمرور الأيام أصبح وقوف الكلب انتظارا لصاحبه منظرا يوميا معتادا لمسافري محطة شيبويا وزوارها الدائمين. انتظر طويلا .. لكن صاحبه لم يعد .. وأستمر هذا الحال حتى أتى ذلك اليوم الحزين الذي وقف فيه هاتشيكو منتظرا وصول صاحبه عند باب المحطة كعادته .. لكن البروفيسور لم يصل أبدا .. فقد توفي على أثر أصابته بجلطة دماغية أثناء العمل في ذلك اليوم الكئيب من عام 1925. لكن من ذا الذي يستطيع إخبار كلب بموت صاحبه؟ .. وهكذا فأن هاتشيكو أنتظر طويلا .. حاول الناس صرفه بكل الوسائل، لكن هيهات أن يبرح الكلب مكانه .. وأستمر كعادته .. ينتظر .. وينتظر .. وينتظر .. لا ليوم .. ولا لأسبوع .. و لا لشهر .. بل لعشرة أعوام كاملة!!. كان الناس يمرون به في كل يوم يرمقونه بنظرات حزينة، كان منظره عند باب المحطة يثير في نفوسهم مشاعر متضاربة ما بين الإعجاب والشفقة، البعض كان يهز رأسه أسفا، والبعض ذرفوا بضعة دمعات تعاطفا معه، وهناك أيضا من كان يقدم له الطعام والماء. وبمرور الأيام تحول هاتشيكو إلى أسطورة يابانية حية، خصوصا بعد أن كتبت الصحافة عن قصته، إلى درجة أن المعلمين في المدارس صاروا يشيدون بسلوك الوفاء العجيب الذي أبداه هذا الكلب ويطالبون تلاميذهم بأن يكونوا أوفياء لوطنهم كوفاء هاتشيكو لصاحبه. وفي عام 1934 قام نحات ياباني بصنع تمثال من البرونز لهاتشيكو، وتم نصب التمثال أمام محطة القطار في احتفال كبير، هاتشيكو نفسه كان حاضرا خلاله. وبعد ذلك بسنة، أي في عام 1935 تم العثور على هاتشيكو ميتا في احد شوارع مدينة شيبويا، وقد أحيطت جثته بعناية واحترام فائقان وجرى تحنيطها وهي معروضة اليوم المتحف الوطني للعلوم في اوينو – طوكيو. الفلم الامريكي الذي تناول قصة الكلب هاتشيكو قصة هاتشيكو لم تشتهر كثيرا خارج اليابان إلا في عام 2009 حين جرى اقتباسها وعرضها على شاشة السينما من خلال الفلم الأمريكي - Hachi: A Dog's Tale - ، وهو من بطولة الممثل القدير ريتشارد جير، وقد نال هذا الفلم على استحسان النقاد وحقق نجاحا كبيرا في صالات العرض السينمائية. الى هنا انتهت قصة الكلب هاتشيكو .. قصة كان محورها وبطلها كلب رفض الاستسلام للقدر وبلغ به الوفاء درجة قد لا يصلها الكثيرون من البشر .. وعذرا مجددا . بقلم : ليث درادكة]]> 119002 ماري آن بيفان …كانوا يلقبوها ب ( أبشع إمرأة في العالم ) http://www.souriyati.com/2019/02/21/119004.html Thu, 21 Feb 2019 10:55:00 +0000 http://www.souriyati.com/2019/02/21/119004.html ماري آن بيفان ... كانوا يلقبوها ب ( أبشع إمرأة في العالم ) .ماري أن بيڤان ولدت سنة 1874.. كانت شابة جميلة جدا وتعمل ممرضة ... تزوجت و أنجبت اربعة أطفال .. ولما بلغت 32 سنة بدأت تظهر عليها أعراض مرض العملقة وتضخم الأطراف .. وتغيرت ملامح شكلها نهائيا، وهذا ما سبب لها نمو غير طبيعي وتشوه ملامح الوجه .. وصداع مستمر وضعف حاد في البصر وآلام في المفاصل والعضلات ... .. و بعد ان توفي زوجها .. ومع مرضها الشديد كان من مفروض عليها ان تنفق على أولادها ... و بعد ان تراكمت عليها الديون الشديدة وبسبب مرضها طردت من العمل .. ومع إحباطها وإحتياجها المادي ... اشتركت بمسابقة ( أبشع إمرأة في العالم ) .. وكسبت الجائزة المُذلة ..المهينه، لتحصل على قيمة الجائزه وكانت 50دولار فقط.... وبعدها أخذوها إلى السيرك ليلفوا بها جميع المدن في بريطانيا .. لأن الناس كانت تتهافت عليها لترى ( أبشع إمرأة في العالم ) .. كانت تتألم من الداخل وجسدها مليئ بالجروح والالتهابات الحاده، وكانت شرط العمل في السيرك ان تمشي على قدميها مسافات بعيده على اقدامها لكي يراها الناس ويأتون للسيرك، بالرغم من الم قدميها، ومفاصل القدمين عندها، ولكن كانت تصمت من اجل ابنائها، ومع ذلك واصلت العمل وتحمل سخرية وضحك الناس عليها، لكنها تمكنت من أن تربي أولادها وتنفق عليهم وتعلمهم... كان الاطفال يقومون برمي الحجاره عليها، والاوراق في السيرك لانها مخيفه، وينادونها بالوحش المخيف... وكانت تبكي امامهم، وكانت تقول للاطفال في المسرح : انا احبكم ايها الاطفال، انتم تشبهون ابنائي... ولكن كانوا يعاملونها كانها حيوان او دابه... واستمرت بهذا العمل المخزي لها الى ان ماتت من الالم وسقطت وسط السيرك والجمهور وصفقوا لها وكان يعتقد الجمهور انها تمثل لهم، وتضحكهم... وتوفت سنة 1933... يقول احد ابنائها بعد وفاتها : لقد كانت امي عندما تحضر الخبز لنا وكنا جياع، كانت تبكي طوال الليل، وكانت تقول : اشعر انني لا استحق ان اكون ام صالحه، هل يجب ان اكون جميله حتى يحترمونني... لو هناك مقاييس لجمال الإنسانية ..كانت تكون ماري آن بيڤان تحصل على لقب ( أجمل إمرأة في العالم ) نقلا عن صفحة أكاد الجبل ( محمد عيسى ) عن الفيسبوك ]]> ماري آن بيفان ... كانوا يلقبوها ب ( أبشع إمرأة في العالم ) .ماري أن بيڤان ولدت سنة 1874.. كانت شابة جميلة جدا وتعمل ممرضة ... تزوجت و أنجبت اربعة أطفال .. ولما بلغت 32 سنة بدأت تظهر عليها أعراض مرض العملقة وتضخم الأطراف .. وتغيرت ملامح شكلها نهائيا، وهذا ما سبب لها نمو غير طبيعي وتشوه ملامح الوجه .. وصداع مستمر وضعف حاد في البصر وآلام في المفاصل والعضلات ... .. و بعد ان توفي زوجها .. ومع مرضها الشديد كان من مفروض عليها ان تنفق على أولادها ... و بعد ان تراكمت عليها الديون الشديدة وبسبب مرضها طردت من العمل .. ومع إحباطها وإحتياجها المادي ... اشتركت بمسابقة ( أبشع إمرأة في العالم ) .. وكسبت الجائزة المُذلة ..المهينه، لتحصل على قيمة الجائزه وكانت 50دولار فقط.... وبعدها أخذوها إلى السيرك ليلفوا بها جميع المدن في بريطانيا .. لأن الناس كانت تتهافت عليها لترى ( أبشع إمرأة في العالم ) .. كانت تتألم من الداخل وجسدها مليئ بالجروح والالتهابات الحاده، وكانت شرط العمل في السيرك ان تمشي على قدميها مسافات بعيده على اقدامها لكي يراها الناس ويأتون للسيرك، بالرغم من الم قدميها، ومفاصل القدمين عندها، ولكن كانت تصمت من اجل ابنائها، ومع ذلك واصلت العمل وتحمل سخرية وضحك الناس عليها، لكنها تمكنت من أن تربي أولادها وتنفق عليهم وتعلمهم... كان الاطفال يقومون برمي الحجاره عليها، والاوراق في السيرك لانها مخيفه، وينادونها بالوحش المخيف... وكانت تبكي امامهم، وكانت تقول للاطفال في المسرح : انا احبكم ايها الاطفال، انتم تشبهون ابنائي... ولكن كانوا يعاملونها كانها حيوان او دابه... واستمرت بهذا العمل المخزي لها الى ان ماتت من الالم وسقطت وسط السيرك والجمهور وصفقوا لها وكان يعتقد الجمهور انها تمثل لهم، وتضحكهم... وتوفت سنة 1933... يقول احد ابنائها بعد وفاتها : لقد كانت امي عندما تحضر الخبز لنا وكنا جياع، كانت تبكي طوال الليل، وكانت تقول : اشعر انني لا استحق ان اكون ام صالحه، هل يجب ان اكون جميله حتى يحترمونني... لو هناك مقاييس لجمال الإنسانية ..كانت تكون ماري آن بيڤان تحصل على لقب ( أجمل إمرأة في العالم ) نقلا عن صفحة أكاد الجبل ( محمد عيسى ) عن الفيسبوك ]]> 119004 خاتون ومنصور قصة قصيرة من كتاب شوارب معقوفة بتسوى صرماية عتيقة. http://www.souriyati.com/2019/02/19/118897.html Tue, 19 Feb 2019 17:17:12 +0000 http://www.souriyati.com/?p=118897 كانت خاتون تستيقظ كل صباح على المنبه اليومي سعال زوجها الصباحي صباح احد الأيام لم يرن منبه سعاله ُكالعادة، اقتربت منه وضعت اذنها على صدره لا شهيق ولا زفير هزته قليلا وهي مرتعبة لم يستجيب تيقنت انه ميت. خاتون زَوَجّها اهلها لمنصور وهي لم تكمل بعد الرابعة عشر عمرا،
ذاقت كل العذابات والمرارات معه، كان جلفا قاسيا حتى يقال انه تعامل معها ليلة الدخلة كوحش يلتهم فريسة وكادت ان تموت يومها بفعل نزيف حاد تم اسعافها بأعجوبة ليلتها من قبل طبيب البلدة. سحبت خاتون جثمانه الى وسط الليوان ( الصالون )في منزلهما الطيني الصغير غطتهُ بشرشف خرجت تبلغ الجيران منصور مات، جاءت النسوة اليها جلسن َمتشحات بالسواد يولولن َوينتحبن َبعبارات ديعانك يامنصور لمين تركت خاتون يامنصور يازينة الرجال إلا خاتون لم تنزل من مقلتيها دمعة ولم تظهر اي علامات الحزن على محياها ولم ترثيه بكلمة بقيت صامتة وهي ترى جاراتها ينتحبنَ عليه، انتابتهاحالة من العصبية ورفعت قبضتها وانزلتها بقوة على صدره وصرخت روح الله يلعنك دنيا وآخرة ماشفت معك يوم حلو حتى ابكي عليك ...انشاء الله دوغري على جهنم يامنصور .   Fattouh Kassar من مجموعتي الروائية شوارب معقوفة بتسوى صرماية عتيقة.
]]>
كانت خاتون تستيقظ كل صباح على المنبه اليومي سعال زوجها الصباحي صباح احد الأيام لم يرن منبه سعاله ُكالعادة، اقتربت منه وضعت اذنها على صدره لا شهيق ولا زفير هزته قليلا وهي مرتعبة لم يستجيب تيقنت انه ميت. خاتون زَوَجّها اهلها لمنصور وهي لم تكمل بعد الرابعة عشر عمرا،
ذاقت كل العذابات والمرارات معه، كان جلفا قاسيا حتى يقال انه تعامل معها ليلة الدخلة كوحش يلتهم فريسة وكادت ان تموت يومها بفعل نزيف حاد تم اسعافها بأعجوبة ليلتها من قبل طبيب البلدة. سحبت خاتون جثمانه الى وسط الليوان ( الصالون )في منزلهما الطيني الصغير غطتهُ بشرشف خرجت تبلغ الجيران منصور مات، جاءت النسوة اليها جلسن َمتشحات بالسواد يولولن َوينتحبن َبعبارات ديعانك يامنصور لمين تركت خاتون يامنصور يازينة الرجال إلا خاتون لم تنزل من مقلتيها دمعة ولم تظهر اي علامات الحزن على محياها ولم ترثيه بكلمة بقيت صامتة وهي ترى جاراتها ينتحبنَ عليه، انتابتهاحالة من العصبية ورفعت قبضتها وانزلتها بقوة على صدره وصرخت روح الله يلعنك دنيا وآخرة ماشفت معك يوم حلو حتى ابكي عليك ...انشاء الله دوغري على جهنم يامنصور .   Fattouh Kassar من مجموعتي الروائية شوارب معقوفة بتسوى صرماية عتيقة.
]]>
118897
مقتطفات من المجموعة القصصية لجميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان http://www.souriyati.com/2019/02/13/118439.html Wed, 13 Feb 2019 14:32:57 +0000 http://www.souriyati.com/?p=118439 أيمن يتحدّث أيمن، فيقول: "كان عليّ أن أعدّ أعضائي، أتفقدّها بحذر، كلّما قطعنا مسافة إضافية خارج القرية. التحقّق من اكتمال الجسد بات فعلاً روتينيّاً في الحرب السورية. قد تسقط يد أو رجل، ويشعر المرء بسرعة خاطفة أن النقصان نال منه. الفُتحة الضيّقة التي تُركت لنا لنخرج من بلدتنا، تحوّلت إلى مَطْهر يفرزنا بين ناجين وقتلى. تلك الفُتحة هي الممرّ الوحيد الذي يربط البلدة بالخارج. الجيش السوري يحاصرها من الجهات كلها، والجنود يطلقون النار على العابرين بشكل عشوائي، فلا يمر سوى من أخطأته رصاصة. مئات البشر سقطوا أثناء عبورهم، بعضهم كان يحمل أكياساً قطنية وضع فيها بعض الضروريات، وآخرون كانوا يحملون أبناءهم الرضع، يترصدون لحظة استقرار الطلقة في أجسادهم، ليسلّموا أطفالهم إلى من نجا ولو دقائق إضافية مؤقتة. نصب الجنود لنا فخاً، فخاً جحيمياً، تتحلق في أرجائه كتل اللهب، وتتصاعد منه رائحة اللحم البشري. تمنيت أن تتعطل حواسي، أن يتوقف أنفي عن الشم. رائحة الأجساد المشوية استوطنت خلاياي كلها. شعرت لوهلة أن النار تتقد في أحشائي، وجميع الرصاصات المحلقة في الهواء ستستقر في جمجمتي. ناداني أحد الذين كانوا يرافقوننا: أيمن ..!! أيمن..!!، ليتيقن من استمرار وجودي. الأسماء مهمة في هذه اللحظة، تساعدنا على تثبيت وجودنا. الجثث المنتشرة حولنا خسرت أسماءها وهذا ما يميّزنا عنها. مشينا أياماً سيراً على الأقدام . نختبىء نهاراً ونسير ليلاً، أنين الجرحى لا زال يطنّ في أذني، صادفنا أثناء هربنا أجساداً تنزف. لم يكن ثمّة مسعفين، ويُكمل أيمن: عائلات بكاملها أُبيدت، دون أن يعرف بها أحد . غريبة تلك اللحظة التي نخرج فيها من الحياة، من دون أن نصل إلى الموت، نتأرجح بعبث بين عالمين، نظن أننا اقتربنا من أحدهم فيشدّنا الآخر إليه. كانت أمي على صواب حين أوصتني مراراً بأن لا أضع قدما في الحقل وأخرى في البيدر، كأن والدتي قد تنبأت بوصول هذه اللحظة الجحيمية، لكن مثَلها الشعبي الذي لم يفارق أحاديثها يوماً، تحول إلى امتحان وجودي. الفُتحة هي اللحظة الفاصلة بين التنفس وعدمه، الشهيق لا يتبعه زفير فوراً. هناك مسافة كابوسية تختلط فيها أصوات الأنين بروائح الاحتراق ورغبة النجاة. لم أكن أدري أن طريق الخروج من الجحيم لا يقل جحيماً عنه، الفُتحة كانت امتداداً لما يحصل في بلدتي. رغم القصف والقتل العشوائي، قاومتُ فكرة النزوح عن المدينة. صمدت سنتين ونصف السّنة قبل أن تجبرني دموع ابنتي على الرضوخ لفكرة المغادرة. كانت تتكوّر على نفسها كلّما اشتد هطول القذائف وتبكي بحرقة. خوفها هزم تعلقي بالمكان الأول، دفعني إلى ترحيل أفراد عائلتي ثم اللحاق بهم بعد مدة. كان صعباً عليّ أن أترك تفاصيل مادية، تراكمت ببطء خلال سنوات وجودي في وطني. بعد تخرجي من جامعة دمشق، اخترت العودة إلى بلدتي. اخترعت جنتي الخاصة، مزرعة واسعة، تتوسطها بركة ماء، وتسيجها الأزهار. كبر أولادي الأربعة مع أشجار الجوز والدراق والتفاح والخوخ و الإجاص، كنت كلّما قطفت موسماً يقطعون معه مرحلة دراسية. تدرّجتُ في وظيفتي الحكومية، لكن الارتياح العائلي والوظيفي لم يعوضني عن شعور الامان المفقود في بلادي. أرعبتني فكرة أن اعتقل يوماً ما ويجري تعذيبي بأشنع الطرق. كما حصل مع جاري عصام . أمضى الرجل الخمسيني أشهراً في الاعتقال. التفاصيل التي سردها علينا حين عاد، تخزنت في ذهني، تحوّلت إلى صور تخدش استقراري النفسي، صار عصام يمشي بصعوبة نتيجة ضربه باسلاك حديدية على قدميه، أراقبه من بعيد، وتسيطر عليّ فكرة أنني غداً سأكون الضحية القادمة. هذه الهواجس لم تكن تفارقني، وتحولت بعد حادثة جاري إلى رهاب عنيف، كان يدفعني إلى خفض صوت التلفاز لدى ظهور معتقلين على إحدى الفضائيات. وجدت في لحظة ما، آلية دفاعية لمواجهة الخوف المديد في داخلي، تدرّجت في معالجة نفسي، من التضامن مع الضحايا إلى مراقبة التظاهرات وتناقل أخبارها. حياة بكاملها جرى محوها. البلدة ، الجيران، المزرعة، الوظيفة، أشياء باتت أقرب إلى الوهم، الجنود المهاجمون خيّرونا بين الرضوخ لهم أو سحق حيواتنا السابقة. أحنّ كثيراً إلى شجرة الدرّاق التي كنت أعدّ ثمارها كل صباح. تغيرت هواية العدّ عندي، أصبحت مهووساً بعدّ النقود التي من المفترض أن تكفيني مع عائلتي حتى آخر الشهر في بلاد النزوح. صحيح أن تكاليف العيش في قرية بقاعية في لبنان انتقلنا إليها هي أقل من المدن الأخرى، لكن المقتلعين أمثالنا الذين فقدوا كل مادياتهم يحتاجون إلى كل شيء، الجدران، الألبسة، الأكل، وحتى البسمة. قبل المجيء إلى هذه القرية، عشنا أشهرا في مدينة لبنانية، هناك كنا نسمع أصوات المعارك في القرى الحدودية. تفاقم الاوضاع أيام الشتاء دفعنا إلى النزوح مجددا، لنتشارك منزلاً صغيراً مع مجموعة عائلات. لم أنجح في إيجاد عمل. مستقبل أولادي التعليمي شبه مجهول. امضي يومي في عدّ القتلى في بلادي، متنقلاً بين نشرة أخبار وأخرى. لم تعد ثمار الدراق موضوع العدّ عندي، وعدّ النقود بات فعلاً روتينياً. في بلاد النزوح يقع الخيار على الضحايا. في الحرب ينشغل المرء بعدّ أعضائه...]]> أيمن يتحدّث أيمن، فيقول: "كان عليّ أن أعدّ أعضائي، أتفقدّها بحذر، كلّما قطعنا مسافة إضافية خارج القرية. التحقّق من اكتمال الجسد بات فعلاً روتينيّاً في الحرب السورية. قد تسقط يد أو رجل، ويشعر المرء بسرعة خاطفة أن النقصان نال منه. الفُتحة الضيّقة التي تُركت لنا لنخرج من بلدتنا، تحوّلت إلى مَطْهر يفرزنا بين ناجين وقتلى. تلك الفُتحة هي الممرّ الوحيد الذي يربط البلدة بالخارج. الجيش السوري يحاصرها من الجهات كلها، والجنود يطلقون النار على العابرين بشكل عشوائي، فلا يمر سوى من أخطأته رصاصة. مئات البشر سقطوا أثناء عبورهم، بعضهم كان يحمل أكياساً قطنية وضع فيها بعض الضروريات، وآخرون كانوا يحملون أبناءهم الرضع، يترصدون لحظة استقرار الطلقة في أجسادهم، ليسلّموا أطفالهم إلى من نجا ولو دقائق إضافية مؤقتة. نصب الجنود لنا فخاً، فخاً جحيمياً، تتحلق في أرجائه كتل اللهب، وتتصاعد منه رائحة اللحم البشري. تمنيت أن تتعطل حواسي، أن يتوقف أنفي عن الشم. رائحة الأجساد المشوية استوطنت خلاياي كلها. شعرت لوهلة أن النار تتقد في أحشائي، وجميع الرصاصات المحلقة في الهواء ستستقر في جمجمتي. ناداني أحد الذين كانوا يرافقوننا: أيمن ..!! أيمن..!!، ليتيقن من استمرار وجودي. الأسماء مهمة في هذه اللحظة، تساعدنا على تثبيت وجودنا. الجثث المنتشرة حولنا خسرت أسماءها وهذا ما يميّزنا عنها. مشينا أياماً سيراً على الأقدام . نختبىء نهاراً ونسير ليلاً، أنين الجرحى لا زال يطنّ في أذني، صادفنا أثناء هربنا أجساداً تنزف. لم يكن ثمّة مسعفين، ويُكمل أيمن: عائلات بكاملها أُبيدت، دون أن يعرف بها أحد . غريبة تلك اللحظة التي نخرج فيها من الحياة، من دون أن نصل إلى الموت، نتأرجح بعبث بين عالمين، نظن أننا اقتربنا من أحدهم فيشدّنا الآخر إليه. كانت أمي على صواب حين أوصتني مراراً بأن لا أضع قدما في الحقل وأخرى في البيدر، كأن والدتي قد تنبأت بوصول هذه اللحظة الجحيمية، لكن مثَلها الشعبي الذي لم يفارق أحاديثها يوماً، تحول إلى امتحان وجودي. الفُتحة هي اللحظة الفاصلة بين التنفس وعدمه، الشهيق لا يتبعه زفير فوراً. هناك مسافة كابوسية تختلط فيها أصوات الأنين بروائح الاحتراق ورغبة النجاة. لم أكن أدري أن طريق الخروج من الجحيم لا يقل جحيماً عنه، الفُتحة كانت امتداداً لما يحصل في بلدتي. رغم القصف والقتل العشوائي، قاومتُ فكرة النزوح عن المدينة. صمدت سنتين ونصف السّنة قبل أن تجبرني دموع ابنتي على الرضوخ لفكرة المغادرة. كانت تتكوّر على نفسها كلّما اشتد هطول القذائف وتبكي بحرقة. خوفها هزم تعلقي بالمكان الأول، دفعني إلى ترحيل أفراد عائلتي ثم اللحاق بهم بعد مدة. كان صعباً عليّ أن أترك تفاصيل مادية، تراكمت ببطء خلال سنوات وجودي في وطني. بعد تخرجي من جامعة دمشق، اخترت العودة إلى بلدتي. اخترعت جنتي الخاصة، مزرعة واسعة، تتوسطها بركة ماء، وتسيجها الأزهار. كبر أولادي الأربعة مع أشجار الجوز والدراق والتفاح والخوخ و الإجاص، كنت كلّما قطفت موسماً يقطعون معه مرحلة دراسية. تدرّجتُ في وظيفتي الحكومية، لكن الارتياح العائلي والوظيفي لم يعوضني عن شعور الامان المفقود في بلادي. أرعبتني فكرة أن اعتقل يوماً ما ويجري تعذيبي بأشنع الطرق. كما حصل مع جاري عصام . أمضى الرجل الخمسيني أشهراً في الاعتقال. التفاصيل التي سردها علينا حين عاد، تخزنت في ذهني، تحوّلت إلى صور تخدش استقراري النفسي، صار عصام يمشي بصعوبة نتيجة ضربه باسلاك حديدية على قدميه، أراقبه من بعيد، وتسيطر عليّ فكرة أنني غداً سأكون الضحية القادمة. هذه الهواجس لم تكن تفارقني، وتحولت بعد حادثة جاري إلى رهاب عنيف، كان يدفعني إلى خفض صوت التلفاز لدى ظهور معتقلين على إحدى الفضائيات. وجدت في لحظة ما، آلية دفاعية لمواجهة الخوف المديد في داخلي، تدرّجت في معالجة نفسي، من التضامن مع الضحايا إلى مراقبة التظاهرات وتناقل أخبارها. حياة بكاملها جرى محوها. البلدة ، الجيران، المزرعة، الوظيفة، أشياء باتت أقرب إلى الوهم، الجنود المهاجمون خيّرونا بين الرضوخ لهم أو سحق حيواتنا السابقة. أحنّ كثيراً إلى شجرة الدرّاق التي كنت أعدّ ثمارها كل صباح. تغيرت هواية العدّ عندي، أصبحت مهووساً بعدّ النقود التي من المفترض أن تكفيني مع عائلتي حتى آخر الشهر في بلاد النزوح. صحيح أن تكاليف العيش في قرية بقاعية في لبنان انتقلنا إليها هي أقل من المدن الأخرى، لكن المقتلعين أمثالنا الذين فقدوا كل مادياتهم يحتاجون إلى كل شيء، الجدران، الألبسة، الأكل، وحتى البسمة. قبل المجيء إلى هذه القرية، عشنا أشهرا في مدينة لبنانية، هناك كنا نسمع أصوات المعارك في القرى الحدودية. تفاقم الاوضاع أيام الشتاء دفعنا إلى النزوح مجددا، لنتشارك منزلاً صغيراً مع مجموعة عائلات. لم أنجح في إيجاد عمل. مستقبل أولادي التعليمي شبه مجهول. امضي يومي في عدّ القتلى في بلادي، متنقلاً بين نشرة أخبار وأخرى. لم تعد ثمار الدراق موضوع العدّ عندي، وعدّ النقود بات فعلاً روتينياً. في بلاد النزوح يقع الخيار على الضحايا. في الحرب ينشغل المرء بعدّ أعضائه...]]> 118439 مقتطفات من المجموعة القصصية لجميلة حسين ( في انتظار ربيع اخر ) عن النزوح السوري الى لبنان http://www.souriyati.com/2019/02/11/118349.html Mon, 11 Feb 2019 16:35:04 +0000 http://www.souriyati.com/?p=118349 الأديبة اللبنانية جميلة حسين نوره لم تكن زيارة عادية إلى السجن ،حيث يقبع زوجي منذ سنة، بتهمة نشاط معارض للنظام. ذلك النشاط لم يكن سوى عمل ضمن إحدى اللجان الشعبية لمساعدة النازحين من منطقة إلى أخرى. زيارته لم تكن بالمعنى الحقيقي للكلمة، لم يكن مسموحا لي أن أراه أو أن أتحدّث معه وأطمئن اليه. كل ما كان متاحا لي تسليم عناصر الأمن كيسا من الطعام والثياب. علاقتي به منذ اعتقاله اختصرت بذلك الكيس، كل مشاعر الاشتياق والحنين كانت تمر عبره. تعرضت لإرهاق شديد خلال طهو الطبخات له واختيار ثيابه. حياة بكاملها كان تمر من خلال هذا العمل، استعيد ذكريات كان يرتدي فيها ذلك القميص أو يأكل تلك الطبخة. اصطحبني أحد الحراس إلى باحة السجن، كي أسلّم الكيس الذي كنت أقبض عليه بقلبي وبيدين مرتجفتين متعرقتين، الخوف يكسو ملامحي. انتظرت طويلاً دون أن يأتي أحد لأخذ ما احمل، سيطر القلق عليّ، صرت أدور ضمن دائرة ضيقة كي لا استفز بقية الحراس الذين ينتشرون في الباحة. بعد ساعة من الزمن، حسبتها دهرا، خرج أحد مسؤولي السجن، ورمى بوجهي كيساً صغيراً، وصرخ بي: "خذي، هذا كل ما تبقى من زوجك، ومن كنت تسألين عنه، مات". تجمدت في مكاني، تحركت بصعوبة نحو الكيس، فتحته كمن يفتح كفنا، كان فيه بطاقة زوجي الشخصية وساعة يده. مات زوجي تحت التعذيب. وفي لحظة تحولت إلى مجنونة، الطم وأصرخ وأشتم بأعلى صوتي، ما دفع الحراس إلى إخراجي بالقوة من السجن بعد تعنيف وشتم. ذهبت لأوصل له كيساً محملاً بالحب والعواطف، فأعادوه لي كيساً آخر، فيه ساعة وتذكرة، كيس الحياة مقابل كيس الموت. مصيبة رحيل زوجي، لم تكن بداية الحزن الذي اجتاح حياتي، بل كانت أقرب إلى انعدام أي بارقة أمل. قبل ذلك، فقدت والدي الذي قضى بشظايا برميل متفجر سقط على البلدة. الأقارب والجيران قاموا بتجميع جسده ودفنه في مقبرة قرب المنزل. لم أقوَ على مشاهدة والدي مشوهاً، انا ابنته المدللة، أتخيل أعضاءه المنتشرة في الشارع. صرت أزور قبره كل صباح وأنظف صورته التي وضعت قرب الشاهدة، رافضة أن يكون غير ذلك الشخص الموجود في الصورة، كامل الجسد جميلا. الموت لم يكتف بأبي، بل أخذ كذلك أخي الذي انضم الى احدى الفصائل المسلحة( جيش الاسلام)، وحارب النظام كردة فعل على مقتل ابينا تحت التعذيب. وعاد اخي جثة هامدة. دفناه قرب والدي، وصار لنا قبران، نوزع زياراتنا اليومية بينهما. عند رحيل زوجي أضيف الكيس إلى عناصر المأساة، كيس أقرب إلى القبر. بعد أنتهاء العزاء ومغادرة الأقارب والجيران، عشت عمق المأساة. غدوت وحيدة مع ثلاث بنات، سارة وردينة وشام، من دون زوج ولا أب ولا أخ. أوضاعنا المعيشية ساءت جداً، فلا عمل ولا إعانة ولا مدخول مالي. حوصرنا أشهراً من دون ماء وطعام، صرنا، نشتري حبوب الشعير، تطحنه أمي وتصنع منه خبزاً. ولأننا لم نكن نملك المال، قايضنا قطعاً من الذهب مقابل كمية من الشعير. وحصل مرة ان بادلنا أسوارة ذهبية بربطة خبز وكيلو غرام من السكر وعدد من حبات البطاطا. مع اشتداد الحصار ونزوح معظم السكان، لم يعد من مجال للبقاء. قررنا الرحيل، عبر وسيط لم يرض بمساعدتنا الا بعد ان أخذ آخر ما نملك من ذهب. وصلنا لبنان، وانضممنا الى احد مخيمات النازحين. هناك، أعطونا خيمة وفرشا وأغطية، لتبدأ المرحلة الثانية من العذاب، عشنا في ظروف شديدة البؤس، ما دفعنا إلى مغادرة المخيم، والذهاب إلى بلدة قريبة، اعطانا احد سكانها غرفة صغيرة، مقابل مساعدة زوجته في التنظيف والاولاد، وتكرم علينا بالعمل خارج منزله. عملنا في تنظيف البيوت، وأحياناً في الزراعة، وبقيت معنا بطاقات الإعاشة الشهرية التي تؤمن لنا بعض الحاجيات والمازوت. مرّ الوقت، تراجعت صحة أمي، وأصيبت باكتئاب جراء التحولات المأساوية التي مررنا بها، وقررت التخفيف عن نفسها، فذهبت لزيارة أختي التي لم تتحمل العيش في المخيم فعادت إلى سوريا. وفجأة وبعد سفر أمي من لبنان الى ريف دمشق حيث أختي، صدرت تعديلات على قانون إقامة السوريين تمنعها من العودة. في اليوم ذاته، قصدت مع ابنتي منزل عسكري في الأمن اللبناني، تعرفت اليه أثناء خدمتي في منزله ورجوته ان يساعدني في تمرير أمي عبر الحدود. واثناء عودتنا ليلا هاجمتنا سيارة مجهولة، خطف سائقها ابنتي البالغة من العمر ستة عشر عاما، وانتشل سائقها حقيبتي التي تحوي أوراقنا الثبوتية وأوراق الإعاشة. حاولت أن أقاوم بالصراخ وطلب الاستغاثة، لكنه رماني أرضاً وغادر مسرعا. كانت لحظة انهيار كامل، ابنتي سلخت عني، والدموع تخنقني. توجهت إلى منزل العسكري واخبرته بما حصل، أشفق على حالتي المزرية. سمع مني تفاصيل ما حدث، ووعدني بالمساعدة، ثم طلب مني ملازمة بيتي ريثما يتوضح مصير ابنتي. مرت ساعات ثقيلة، قضيتها في البكاء والدعاء. اتساءل: هل قتلوها؟ هل اغتصبوها؟ ماذا فعلوا بها؟، بت أسيرة هواجس تتنافس على تخويفي. وفي ساعة متأخرة من الليل، قرع الباب، ودخلت ابنتي منهارة تماماً. لم أستطع معرفة ما حصل معها. كانت في حالة صدمة وذهول. في اليوم التالي، لم تنطق الفتاة بأية كلمة، بقيت في سريرها جامدة، عيناها جاحظتان ومثبتتان نحو الجدار، كلمتها مراراً حاولت استفزازها لتقول شيئا، لكن من دون جدوى. أصيبت ابنتي جراء صدمتها بمرض جلدي تسبب بسقوط شعرها، فاصبحت صلعاء من دون شعر. كشف عليها أكثر من طبيب في مراكز طبية تابعة للنازحين، وخلصوا إلى النتيجة ذاتها، لا علاج لها سوى المهدءات. أصبحت وحيدة، دون زوج أو أم أو أب أو أخ، معلقة بأمل الحصول على فيزا لجوء الى دولة اوروبية عبر جمعية تعنى بالنازحين، علني هناك اجد علاجًا لمرض ابنتي    
Jamila Hussein
هذا النص شهادة من قصص كثيرة رواها النازحون السوريون في لبنان ..وصدرت هذه المجموعة القصصية عن دار النهضة في معرض الكتاب 2019.. في احدى القصص.. تقول نورة: ان والدها قتل بشظايا برميل متفجر...اما الاخ الذي التحق فيما بعد بفصيل مسلح، ما لبث ان وقع اسيرا لدى النظام ثم قضى الاخ تحت التعذيب... القصة تتركز على شخصية نورة ليس الاّ محبتي
]]>
الأديبة اللبنانية جميلة حسين نوره لم تكن زيارة عادية إلى السجن ،حيث يقبع زوجي منذ سنة، بتهمة نشاط معارض للنظام. ذلك النشاط لم يكن سوى عمل ضمن إحدى اللجان الشعبية لمساعدة النازحين من منطقة إلى أخرى. زيارته لم تكن بالمعنى الحقيقي للكلمة، لم يكن مسموحا لي أن أراه أو أن أتحدّث معه وأطمئن اليه. كل ما كان متاحا لي تسليم عناصر الأمن كيسا من الطعام والثياب. علاقتي به منذ اعتقاله اختصرت بذلك الكيس، كل مشاعر الاشتياق والحنين كانت تمر عبره. تعرضت لإرهاق شديد خلال طهو الطبخات له واختيار ثيابه. حياة بكاملها كان تمر من خلال هذا العمل، استعيد ذكريات كان يرتدي فيها ذلك القميص أو يأكل تلك الطبخة. اصطحبني أحد الحراس إلى باحة السجن، كي أسلّم الكيس الذي كنت أقبض عليه بقلبي وبيدين مرتجفتين متعرقتين، الخوف يكسو ملامحي. انتظرت طويلاً دون أن يأتي أحد لأخذ ما احمل، سيطر القلق عليّ، صرت أدور ضمن دائرة ضيقة كي لا استفز بقية الحراس الذين ينتشرون في الباحة. بعد ساعة من الزمن، حسبتها دهرا، خرج أحد مسؤولي السجن، ورمى بوجهي كيساً صغيراً، وصرخ بي: "خذي، هذا كل ما تبقى من زوجك، ومن كنت تسألين عنه، مات". تجمدت في مكاني، تحركت بصعوبة نحو الكيس، فتحته كمن يفتح كفنا، كان فيه بطاقة زوجي الشخصية وساعة يده. مات زوجي تحت التعذيب. وفي لحظة تحولت إلى مجنونة، الطم وأصرخ وأشتم بأعلى صوتي، ما دفع الحراس إلى إخراجي بالقوة من السجن بعد تعنيف وشتم. ذهبت لأوصل له كيساً محملاً بالحب والعواطف، فأعادوه لي كيساً آخر، فيه ساعة وتذكرة، كيس الحياة مقابل كيس الموت. مصيبة رحيل زوجي، لم تكن بداية الحزن الذي اجتاح حياتي، بل كانت أقرب إلى انعدام أي بارقة أمل. قبل ذلك، فقدت والدي الذي قضى بشظايا برميل متفجر سقط على البلدة. الأقارب والجيران قاموا بتجميع جسده ودفنه في مقبرة قرب المنزل. لم أقوَ على مشاهدة والدي مشوهاً، انا ابنته المدللة، أتخيل أعضاءه المنتشرة في الشارع. صرت أزور قبره كل صباح وأنظف صورته التي وضعت قرب الشاهدة، رافضة أن يكون غير ذلك الشخص الموجود في الصورة، كامل الجسد جميلا. الموت لم يكتف بأبي، بل أخذ كذلك أخي الذي انضم الى احدى الفصائل المسلحة( جيش الاسلام)، وحارب النظام كردة فعل على مقتل ابينا تحت التعذيب. وعاد اخي جثة هامدة. دفناه قرب والدي، وصار لنا قبران، نوزع زياراتنا اليومية بينهما. عند رحيل زوجي أضيف الكيس إلى عناصر المأساة، كيس أقرب إلى القبر. بعد أنتهاء العزاء ومغادرة الأقارب والجيران، عشت عمق المأساة. غدوت وحيدة مع ثلاث بنات، سارة وردينة وشام، من دون زوج ولا أب ولا أخ. أوضاعنا المعيشية ساءت جداً، فلا عمل ولا إعانة ولا مدخول مالي. حوصرنا أشهراً من دون ماء وطعام، صرنا، نشتري حبوب الشعير، تطحنه أمي وتصنع منه خبزاً. ولأننا لم نكن نملك المال، قايضنا قطعاً من الذهب مقابل كمية من الشعير. وحصل مرة ان بادلنا أسوارة ذهبية بربطة خبز وكيلو غرام من السكر وعدد من حبات البطاطا. مع اشتداد الحصار ونزوح معظم السكان، لم يعد من مجال للبقاء. قررنا الرحيل، عبر وسيط لم يرض بمساعدتنا الا بعد ان أخذ آخر ما نملك من ذهب. وصلنا لبنان، وانضممنا الى احد مخيمات النازحين. هناك، أعطونا خيمة وفرشا وأغطية، لتبدأ المرحلة الثانية من العذاب، عشنا في ظروف شديدة البؤس، ما دفعنا إلى مغادرة المخيم، والذهاب إلى بلدة قريبة، اعطانا احد سكانها غرفة صغيرة، مقابل مساعدة زوجته في التنظيف والاولاد، وتكرم علينا بالعمل خارج منزله. عملنا في تنظيف البيوت، وأحياناً في الزراعة، وبقيت معنا بطاقات الإعاشة الشهرية التي تؤمن لنا بعض الحاجيات والمازوت. مرّ الوقت، تراجعت صحة أمي، وأصيبت باكتئاب جراء التحولات المأساوية التي مررنا بها، وقررت التخفيف عن نفسها، فذهبت لزيارة أختي التي لم تتحمل العيش في المخيم فعادت إلى سوريا. وفجأة وبعد سفر أمي من لبنان الى ريف دمشق حيث أختي، صدرت تعديلات على قانون إقامة السوريين تمنعها من العودة. في اليوم ذاته، قصدت مع ابنتي منزل عسكري في الأمن اللبناني، تعرفت اليه أثناء خدمتي في منزله ورجوته ان يساعدني في تمرير أمي عبر الحدود. واثناء عودتنا ليلا هاجمتنا سيارة مجهولة، خطف سائقها ابنتي البالغة من العمر ستة عشر عاما، وانتشل سائقها حقيبتي التي تحوي أوراقنا الثبوتية وأوراق الإعاشة. حاولت أن أقاوم بالصراخ وطلب الاستغاثة، لكنه رماني أرضاً وغادر مسرعا. كانت لحظة انهيار كامل، ابنتي سلخت عني، والدموع تخنقني. توجهت إلى منزل العسكري واخبرته بما حصل، أشفق على حالتي المزرية. سمع مني تفاصيل ما حدث، ووعدني بالمساعدة، ثم طلب مني ملازمة بيتي ريثما يتوضح مصير ابنتي. مرت ساعات ثقيلة، قضيتها في البكاء والدعاء. اتساءل: هل قتلوها؟ هل اغتصبوها؟ ماذا فعلوا بها؟، بت أسيرة هواجس تتنافس على تخويفي. وفي ساعة متأخرة من الليل، قرع الباب، ودخلت ابنتي منهارة تماماً. لم أستطع معرفة ما حصل معها. كانت في حالة صدمة وذهول. في اليوم التالي، لم تنطق الفتاة بأية كلمة، بقيت في سريرها جامدة، عيناها جاحظتان ومثبتتان نحو الجدار، كلمتها مراراً حاولت استفزازها لتقول شيئا، لكن من دون جدوى. أصيبت ابنتي جراء صدمتها بمرض جلدي تسبب بسقوط شعرها، فاصبحت صلعاء من دون شعر. كشف عليها أكثر من طبيب في مراكز طبية تابعة للنازحين، وخلصوا إلى النتيجة ذاتها، لا علاج لها سوى المهدءات. أصبحت وحيدة، دون زوج أو أم أو أب أو أخ، معلقة بأمل الحصول على فيزا لجوء الى دولة اوروبية عبر جمعية تعنى بالنازحين، علني هناك اجد علاجًا لمرض ابنتي    
Jamila Hussein
هذا النص شهادة من قصص كثيرة رواها النازحون السوريون في لبنان ..وصدرت هذه المجموعة القصصية عن دار النهضة في معرض الكتاب 2019.. في احدى القصص.. تقول نورة: ان والدها قتل بشظايا برميل متفجر...اما الاخ الذي التحق فيما بعد بفصيل مسلح، ما لبث ان وقع اسيرا لدى النظام ثم قضى الاخ تحت التعذيب... القصة تتركز على شخصية نورة ليس الاّ محبتي
]]>
118349
حكاية إنسان شهم : قصة قصيرة لخطيب بدلة http://www.souriyati.com/2018/12/15/115465.html Sat, 15 Dec 2018 19:39:00 +0000 http://www.souriyati.com/2018/12/15/115465.html ليلاً، والأنوار الصفراء الهزيلة الصادرة عن مصابيح صغيرة معلقة فوق الأعمدة الخشبية تسقط على أرض الزقاق المبلط على نحو غير منتظم. يُسمع صوت حوافر حمار يقترب. بعد قليل يظهر الحمار ذو اللون الرمادي وهو يجر عربة خشبية عليها كمية كبيرة من الأعدال المملوءة بالقمح.

العربنجي أبو وليد يشد الرسن ويقول للحمار: هيش.

يتوقف الحمار. ينزل رجل ستيني ملثم، يحمل عدلاً ثقيلاً بكلتا يديه. يُنزله إلى الأرض. يُسنده إلى جانب باب منزل فقير. يقرع الباب. يأتي من الداخل صوت رجل يصيح: مين؟

لا يرد الرجل الستيني. يصعد بسرعة إلى العربة، يقول للعربنجي. روح روح.

تمشي العربة، وأما الرجل الستيني فيقف في عدوة الزقاق، ينتظر حتى يخرج الرجل الفقير، يرى العدل، يجره إلى الداخل، ويغلق الباب. الستيني يشعر بالفرح، يلحق بالعربة مهرولاً.

تتكرر عملية توزيع أكياس القمح على بيوت الفقراء بهذه الطريقة السرية حتى وقت متأخر من الليل.

يعود الرجل الستيني إلى البيت منهوك القوى. تسأله زوجته: أين كنت؟

يقول لها: كنت سهران مع رفاقي في المقهى.

هي تعلم أنه لا يذهب إلى المقهى، ولكنها لا تريد أن تزيد في تعبه الجسدي تعباً نفسياً فتتوقف عن طرح الأسئلة. يتخلى عن جاكيته الخارجي المتسخ. تسأله الزوجة: هل تريد أن تستحم؟

يرد عليها: مو هلق. الصبح.

ولا يجد فائضاً من النشاط يساعده على الذهاب إلى السرير في غرفة النوم. يدنو من أقرب بساط عليه مخدة صغيرة، يضع رأسه عليه وينام بسرعة البرق. تجلس الزوجة مفكرة في السر الغامض الذي يعيشه زوجها. هي تعرف أنه رجل مستقيم، لا يغش في بيعه وشرائه، ذو ذمة نظيفة لم يسبق له أن ماطل في تسديد دين، وبيتوتي.. في كل يوم، بعد أن يتناول العشاء، يصلي وينام، ليستيقظ باكراً ويذهب إلى دكانه. ومع هذا فهو يسهر ليلتين أو ثلاثاً كل شهر خارج البيت حتى مطلع الفجر. يخطر لها أنه يعمل في السياسة، ويعقد مع رفاقه اجتماعات سرية، أو لعله يذهب إلى (كاكو) المرأة ذات السمعة السيئة التي تفتح بابها للرجال في الليل، ويؤكد لها هذا الخاطر أنه يبتعد عنها خلال هذه الفترة، ومرة تشك أنه يشتغل في السياسة..

تظل تفكر حتى يتعب عقلها، ويغلبها النعاس، فتقول: لا بد أن يأتي يوم أعرف فيه السر.

وتنام.

– خطيب بدلة

]]>
115465
عائلة : قصة قصيرة مترجمة عن الاسبانية http://www.souriyati.com/2018/12/15/115427.html Sat, 15 Dec 2018 08:40:00 +0000 http://www.souriyati.com/2018/12/15/115427.html 1 امرأة ملقاة على الأرض، وسط الشارع، ترتجف وقد تجمّع حولها خمسة من المارة، لكن واحداً منهم جلس على ركبتيه وأخذ يهزّها في محاولة لإنعاشها. قد يكون طبيباً، وإن لم يبدُ كذلك من بعيد، وخصوصاً من طريقته في تحريكها، والتوتُّر الذي أبدته حركاته التي يمكن ملاحظتها على بعض خطوات من الحشد. كان يرتدي بذلة كاثنين من المتفرّجين، والمرأة التي بدت أكبر سناً منهم كلما اقتربتُ منها، كانت هزيلة في هذه الجلبة التي تختبرها، ما زالت ترتجف ولو بشكل أقل، ربما لأن قلبها شعر بالتعب ويتوق للتوقّف، كانت ترتدي فستاناً ثقيلاً من المؤكد أنه يعزز شعورها بالأمن. حدث هذا في الرصيف الأيسر من الجادة الواسعة، السائقون لا يلتفتون لشيء، يفكّرون بالعشاء، بموعد متّفق عليه مسبقاً، بمباراة كرة قدم سيشاهدونها في الساعة الثامنة. الصخب حولنا يلفّنا بكثافة، صخب مألوف لآخر النهار يوم الجمعة، كان هناك مراهق يتحدث في هاتفه المحمول. فقط حينما أطلق ضحكة أدركت أنه لم يكن يهاتف أي خدمة إسعاف، بل صديقاً ما يتسبب له سماع هذا النوع من القصص بالضحك، قصص عن أناس يُنهكون أو يموتون في المدينة. أصبح عددنا أكبر، من ضمنهم أنا والمراهق، ربما 10 أو 12، لكن الوحيد الذي يحاول المساعدة هو الرجل الجاثم على ركبتيه. يهبط الليل تدريجياً وهناك امرأة ملقاة وسط الشارع الذي أسير فيه كل يوم في هذه الساعة، وأنا حزين في دوراني حول الأسئلة والذكريات نفسها، أفكر دوماً ماذا سأفعل حينما أصل الشقة ويفتح الباب على هذه الصالة الصغيرة الصامتة الخالية من اللوحات والأثاث؟ كيف سأملأ الوقت وأجبره مع هذا القلق، كي يمضي دون أن أشعر به، أن يمضي بشكل أقل؟ افسحوا الطريق، يصيح أحد الواصلين متأخراً، هكذا لن يصل إليها الهواء، لكن يبدو أن أحداً لا يسمعه لأنهم غير مستعدين للتخلي عن الاقتراب من حياة نحاول إعادة إنتاجها، فتجعلنا نشعر قليلاً أننا أيضاً أحياء. لا يجب فعل ذلك، لكنني بدأت التفكير بابنتي في الوقت الذي سمعنا فيه صفارات الإسعاف التي أوقفت حركة المرور، يُفسح معظم السائقين الآن الطريق لتمر سيارة الإسعاف. أنظر للمارة القريبين مني راغباً بمعرفة من الذي اتصل منهم عبر حركاتهم ونظراتهم، ومتى كان ذلك، أو إن كنتُ قد رأيت أحدهم في المطعم، وفي أية لحظة سيقررون المضي في سيرهم. الممرض الذي نزل من سيارة الإسعاف وأبعد المجموعة كان أصبى مما كان متوقعاً من هؤلاء الناس، أصلع وملتحياً، لكنه يتصرف بكفاءة، وبسرعة كان بجانب المرأة، يفحصها. رفيقته كانت ذات ملامح حادة، تُخفض النقالة في تلك الأثناء وتطلب منا أن نرجع للخلف. بعدما فقدوا الاهتمام، ذهب البعض وكانت السيارات والحافلات تتحرك بنفس الجنون الذي كانت عليه قبل دقائق. أبدأُ المشي نحو الشقة لكنني أكتشف أنني لا أريد الوصول بعد، أو أنني أقرر ذلك، متخيّلاً أن ابن المرأة قلق لتأخر أمه، ولا يعرف ما عليه فعله، ولا بمن يتصل ولا أين يذهب، أتخيّل زوجها، عجوزاً لا يستطيع مرافقتها في مشاويرها اليومية في الحيّ، أو قططها الجائعة التي لن ترضى بعد ساعات بقطع جافة من الطعام، أو صديقة جارة لن تدرك ما حدث إلا بعد فترة طويلة، حيث يكون الوقت قد تأخر والقطط قد ماتت، إن كان لديها قطط، أو حين يبدأ الزوج بالصراخ كالمجنون من سريره بسبب قواه الخائرة، أو حينما يريد الابن الاستقصاء إن كانت الجارة قد علمت أو تعلم شيئاً، لكنها بالكاد علمت. البار الواقع على الزاوية مزدحم، وفي التلفاز ينقلون مقدمة تتبعها مباراة كرة القدم في الساعة الثامنة. أحيي النادلة وأطلب البيرة التي ستتركها بعد ثوان على بعد سنتيمترات من يدي، على المصطبة. الآخرون يشربون ويضحكون، بعضهم يرتدي قميص فريقه، من الممكن أن تقوم معركة ضارية تُستخدم فيها الكراسي في الهواء ولكمات قد لا تصل دوما لوجهتها. قبل أول صافرة، اللاعبون يقفزون ويشدّون أجسادهم، آلاف الناس يشاهدونهم مباشرة وربما الملايين يتابعونهم في بث حيّ في كل العالم، حتى وإن كان هذا الوقت في أماكن أخرى من العالم نهاراً أو يوماً جديداً، أدفع النقود وأغادر. الهاتف يرن حينما أصل الشقة. أعرف أنها لاورا ولهذا ينتابني الشك، لكن بعد أربع أو خمس رنات أرد. بابا، تناديني بصوت مبحوح. أرد: لاورا، تكرر هي: بابا، بصوت مبحوح، وتصمت. دائماً يتكرر الأمر نفسه، صمتها يكبر ويخنقنا وبعد ذلك من الصعب الهروب والتصرف وكأننا لا ندين لشيء، لا لقرارات خاطئة ولا لردود فعل متطرفة ولا لفرص ضائعة، ونحن نعلم، بطريقة ما أن السكوت أفضل بعد أن أضعنا تلك الفرص، وحتى العكس لم يعد متاحاً. يبدأ الخطأ بالتمدد، أشعر به في كل الأماكن، لكني لا أريد أن تعرف لاورا، كما أنني أحتفظ بالصمت وبعد دقيقة أو اثنتين أقول إنّه يجدر بي إغلاق الهاتف. لاورا لا تجيب، ولا أعرف حتى إن ما زالت هناك. بابا، تقول بعد ذلك، لكن في تلك اللحظة أكون قد أخفضت السماعة، لأن بإمكان لاورا أن تقضي ساعات دون قول شيء، صمتها يرعب، غير مفهوم، ولست مستعداً هذه الليلة للتسامح مع صمتها ولا مواجهته. أطلّ من النافذة، ظلام في الخارج، أكثر عتمة من المعتاد. وفي المبنى المقابل كل الأنوار تقريباً مطفأة. إن أمطرت لن أكون قادراً على رؤيته أو ربما أراه.. أفكّر. ليتها كانت هنا، أفكّر أيضاً، دون أن أنطق اسمها، دون حتى أن أعطيها هذا الذي أعطيه للمرأة التي تزورني أحياناً. فبالتأكيد هي مع زوجها الآن مستلقيان على السرير، بل وربما يتضاجعان. يرن الهاتف من جديد، بابا، تقول لاورا، جالسة على أرضية كابينة هاتف عمومي متهالكة في واحد من أسوأ أحياء المدينة أو في بيت صديق أو صديقة أو حبيب أو حبيبة أو لا أعرف من ولا كيف بالتحديد، فلا صوت يُسمع من أي نوع، ولا أعرف ماذا تفعل ولا شكل لباسها ولا طلباتها ولا الإجابات التي تحتاجها. لا أذكر كيف علمت ولا متى وصلتني الشائعات. على أي الأحوال، لم أتوقف يوماً عن سؤال نفسي إن كنت أستطيع تجنب شيء ما، في البداية، حينما كنا نعيش معا وظهرت أولى مؤشرات ترنّح حياتنا، كان من الصعب رؤيتها في لحظتها، اتضحت في وقت لاحق. حينما كنتُ مع مارغو، كنا ننام في غرفتين منفصلتين وبالكاد كنا نتحدث حينما تعلَّمنا الإفراط في الشرب وتدخين الماريغوانا وكل ما تبع ذلك، ما جعل الوضع يصبح مستحيلاً، ولهذا فقد رحَلَت. عبر السماعة التي ما زالت ملقاة على كتفي، أستمع لصوت لاورا في الطرف الآخر من الخط، صوتها بعيد كما كان سابقاً، كانت تقول لي إنها بحاجة لرؤيتي. تحدثت أكثر من العادة وسألتُ عبثا عن السبب، بقيت صامتة، وهو الأمر الوحيد الذي تتقنه، ملجؤها الأحمق المتكرر. أسأل لماذا، أنخفض دون أن أفتح فمي، بعد ذلك بقليل، يائساً، قلقاً كالمرّات السابقة، أسأل أين. أنظف أسناني ووجهي وأنزل. الحافلة التي تمرّ عبر الموقف فارغة، معظم سكان المدينة، أولئك الذين لم يتمكنوا ولم يشاؤوا ولم يستطيعوا شراء تذاكر يشاهدون المباراة من أي تلفاز، الأحياء التي نعبرها أيضاً بها أناس على الأرصفة. تقدّمنا بسرعة، اختفى الزحام. كم عمر لاورا؟ 19 عاماً؟ ومارغو؟ لم أعرف شيئا عنها ولا عن زوجها الجديد ولا عن أبنائها الجدد ولا عن مدينتها الجديدة منذ أشهر. تتوّف الحافلة عند إشارة الزاوية التي وقعت في شارعها المرأة في هذا اليوم في طريق عودتي من العمل، انطلقنا حين أضاء النور الأخضر. على بعد 30 مربعاً تقريبا أقرع الجرس ويوقف السائق الحافلة. ترتفع في الهواء بعض المفرقعات، بعيدة لكن قوية، بالكاد أخطو بعض الخطوات وألج في أحد شوارع الحي، الذي أعرفه جيداً وليس الذي كنت أتخيله حينما كنت أتحدث مع لاورا في الهاتف. أتذكرها حينما كانت طفلة ثم حينما أصبحت أقل طفولة، لكنها ذكريات مبهمة يفرضها الآخرون، بعضها زائف كتلك المتعلقة بالصور التي رأيتها بعد ذلك بكثير والتي أثارت اشمئزازي وحزناً لا يقهر. في الجهة الأخرى من باب الممر الفاصل أرى شاباً، يخطر على بالي بسبب نظرته الثابتة، أنه يحاول معرفة إن كنت أنا هو الرجل الذي ساهم في إنجاب لاورا، والدها، واحد من الذين أتوا بها. يحرّك رأسه، يومئ وتظهر هي، تدخل المقهى بعد أن تحدّق بي لثوانٍ. لا أستطيع أن لا أطيل النظر لثوبها المهمل ولا لشعرها الطويل القذر. تجلس في الطرف الآخر من المائدة دون أن تقبّلني وبرأس منخفضة، كما تتحدث معي عبر الهاتف، لا تقول شيئاً، ولا تنبس ببنت شفة لتساعدني على تقييم حالتها. تراقبنا النادلة، تشهد صمتنا، أنا، لمنع أي حرج، أخرج من محفظتي بعض الأوراق المالية وأضعها على الطاولة. تمد لاورا يدها، بسرعة، ودون أن تشكرني، ما زالت صامتة، تنهض فجأة وتغادر. أيها العجوز العاهر! يصرخ صديقها أو خطيبها، الذي فتح لها الباب، وكصدى كلماته نعاود سماع بعض المفرقعات، الآن هدفان لكن لا أعرف الفريقين. هذه المرة حظّي أقل، وعليّ انتظار نصف ساعة في موقف الحافلات. أثناء عودتي للشقة، أقترب من النافذة، الأمر الذي أفعله عادة حينما أصل البيت، أنظر نحو المبنى المقابل، ثابتاً في العتمة. الآن الأنوار المشتعلة زادت، لسبب غريب بدت كأنها مواساة لي.. مواساة خفيفة. 2 ما لا يعلمه هو أنه سيكون جَدّاً خلال أشهر، أفكر في ذلك بينما أخرج من المقهى ورافا يصرخ بشيء لا أتمكن من سماعه. كل شيء غامض، معلّق، نحن أيضاً غامضون معلّقون، ورافا يصرخ بشيء بينما أخرج من المقهى وأفكّر أنه لا يعرف ولن يعرف. أشعر بقليل من الحزن، لكن بعد ذلك لا، أستمر بالسير، بسرعة، وخلفي رافا، يسرع الخطى، كأنما نهرب من محاولة قتل أو حريق، حتى نصل الجادة ولا أعرف لأي سبب استقلَّينا أول حافلة تمر ولم نكن نعرف حتى إلى أين تتجه. جلسنا في المنتصف، حيث الركاب يتواجدون أكثر، والقليل يمكنهم ملاحظتنا. لنصنع واحدة؟ سألني بصوت منخفض في أذني. الآن؟ قلت، وأنا ما زلت مذهولة مسجونة في هذ الضباب الغريب. يومئ، يبتسم، ثم يقبّلني قريباً من أذني. دون التفكير مرتين، أرمي بنفسي على الأرض، هكذا فجأة، كما لو كان الأمر يحدث حقيقة. أغمض عيني وأغرق في التفكير. صرخات رافا، تلهفه الكاذب، يعيدونني للمكان. أحدهم يفحص ضغطي. لابد أنه فقر دم، تقول امرأة أتخيل أنها كبيرة السن. ثم، ورغم الصخب، أغفو. لابد أنهم أوقفوا الحافلة، حملني رافا، وتجمهرت حولنا مجموعة من المارة، لابد أنهم ابتعدوا الآن بعد أن التقط رافا الصور. بعد فترة، عاد وهمس في أذني أنه انتهى، وأن بإمكاني التحسن وفتح عيني والابتسام. أقوم بدوري. رافا يشكر الناس الذين يصفقون ونغادر ونحن متعانقين. لسنا بعيدين، قررنا إكمال مسيرنا مشياً. ها قد وصلوا، تقول العجوز بيرتا التي أخبرتنا أنها اضطرت للذهاب للمستشفى، لأن شخصاً مهذباً اتصل بالإسعاف. ووصل إرنستو، الذي كان يسخر من بيرتا، ثم الـ"خْوانَين" (خْوان وخْوان) اللذان فعلا الأمر ثلاث مرات خلال اليوم. أخبرناهم بفعلتنا، ثم عرضنا عليهم صورنا، ورأينا صورهم. لم يتبق الكثير للمعرض، سيوضح لنا دينو حينما يصل. وصل ووصل آخرون، رافا لا يترك يدي، تعرَّقتا لكن لا بأس. يبدأ الاجتماع. هناك ضحكات وسجائر وجدول زمني لأنشطة الأسابيع المقبلة. لا أحد هنا يعلم أن في أحشائي شيئاً ينمو وأنه خلال أشهر سيصبح شيئاً مختلفاً. سأخبر رافا قريباً، ربما هذه الليلة، لا أعرف كيف ستكون ردة فعله، عليّ توقّع كل شيء، كنت قد أخبرته، كنت قد استكشفت مستوى ردود الأفعال المتوقعة، كل شيء وارد. دينو يقول إن النص الذي سيرافقنا أصبح جاهزاً، الفيديوهات والصور والنصوص، وأن علينا إحداث ثورة في المشهد، لكن علينا أن لا ننسى الحصول على المبلغ الذي يطلبه المعرض كعربون. أترك يد رافا وأفتش محفظتي، ألمس الأوراق المالية، إنها أكثر من المعتاد. أعطي معظمها لدينو، أبتسم، رافا يبتسم جانبي، ويكتب المبلغ في دفتر ويفعل ذلك مع آخرين. نُجاري الحياة كي تصبح أكثر ثقلاً فيما بعد فنتعلم كيف نشعر بها، هذا ما نبحث عنه، حتى لو كانت الحياة نفسها محاكاة أمر آخر، وهذا ما أبدأ التفكير فيه حين أتأمل بابتسامة رافا وابتسامتي وما ينمو في أحشائي التي لا أحد يعرف ماذا سيكون، لربما تكون غولة صغيرة تشبهني. ينتهي الاجتماع، اتفقنا على اللقاء بعد يومين. هناك أجواء من الفرح في المدينة، أناس أكثر بكثير مما كانوا عليه قبل أن ندخل. يبدو أنّ أمراً قد حدث، ربما مظاهرة أو حرب سريعة. لنأكل، سأل رافا، سعيدة، سعيدة ربما لحين أن يعرف. حينما نصل البيت، أقول. وهكذا، اتجهنا نحو البيت، الذي هو في حقيقة الأمر غرفة مع حمام ومطبخ صغير ملحق بها، يقترح أن يحضِّر شيئاً حينما رآني أفترش السرير. هل تعتقدين أن لهذا معنى؟ يسأل، هل تعتقدين أن هذا يعني شيئاً لشخص ما. أو أننا مخدوعون وأن ذلك غباء؟ لا أردّ ولا على أي سؤال، لكنه يواصل سؤالي عن أشياء، هو في الواقع يسألها لنفسه. أعود لأكون مع أبي في المقهى وما أفعله هذه المرة هو أن أقترب منه وأقبِّله في وجنته وأقول له إنني غفرت له وإنني قريباً سأكون في وضع يسمح بإعادة العلاقة معه، وسأخبره أنه سيصبح جدّاً، وفي هذه اللحظة يهزني رافا وأفتح عينيّ ويقول لي إن العشاء جاهز. نتناول العشاء وأغسل الصحون، نذهب للسرير، يداعب مؤخرتي. أعتقد أن عليّ إخباره، بالكلمات الضرورية، أنظر في عينيه، أشعر بحبّه لي، وأنني سعيدة فلا أقول شيئاً. من الأفضل أن ننام بسرعة، يقول رافا، غداً دوامي مبكر. ستعمل غداً؟ أسأل، طلبوا مني ذلك، يقول. لماذا لم تخبرني؟ أقول. لا بد أنني نسيت، يقول. وحينما ينام أبدأ التفكير بما أستطيع فعله وقت عمله، ربما اللحاق بأبي وتصويره لإعداد معرض صور فيما بعد انطلاقاً من تلك الصور. رجل يعيش حياة ربما ليست تلك التي يحبها، يبدو هذا. رجل عجوز متعب لديه كل تلك الأخطاء، فعل أشياء غير لائقة يتحمل ثقلها الآن. سأتبعه خلال أسابيع أو أشهر، خلال سنوات، وسأحاصر حياته ببعض الصور. نعم، أفكر وأنا أقف لأطفئ النور، عليّ أن أحاول، سأبدأ غداً، أو بعد غد. كأن شيئاً مرتبطاً بشيء آخر، كأنما أمر يحدد أمراً آخر، يبدأ رافا الشخير. * Rodrigo Hazboun كاتب بوليفي من أصل فلسطيني، من مواليد مدينة كوتشامبا سنة 1981. من أعماله القصصية: "خمسة"، و"حجرة"، و"أسعد الأيام"، ورواية "التأثيرات". قصّته "عائلة" حازت "جائزة الاتحاد اللاتيني للقصة القصيرة"، كما حاز "الجائزة الوطنية لأدب سانتا كروز دي لا سييرا" لدورة 2007، عن روايته "مكان الجسد"، واختارته مجلة "غرانتا" البريطانية في 2010 ضمن أفضل 22 كاتباً باللغة الإسبانية تحت سن 35 عاماً. هاجر جدّه من فلسطين إلى بوليفيا وعمره 17 عاماً، وظلّ يتنقّل بين تشيلي وبوليفيا حتى استقر في كوتشابامبا البوليفية. لم يرث أولاده العربية منه رغم أنه كان يتحدّثها مع أقرانه من المهاجرين. وقد تمكّن من زيارة فلسطين بعد عقود من تركها. في مقابلة سابقة أجرته مع المترجمة، تحدّث الكاتب عن حلمه بكتابة رواية عن رحلة جدّه من فلسطين إلى بوليفيا وعن رغبته في الكتابة عن الفلسطينيين الذين ابتعدوا عن الإقامة في المدن الكبرى وسكنوا القرى والبلدات الصغيرة في البلدان اللاتينية التي هاجروا إليها، كما حدث مع عائلة أمه. ** ترجمة عن الإسبانية غدير أبو سنينة ]]> 1 امرأة ملقاة على الأرض، وسط الشارع، ترتجف وقد تجمّع حولها خمسة من المارة، لكن واحداً منهم جلس على ركبتيه وأخذ يهزّها في محاولة لإنعاشها. قد يكون طبيباً، وإن لم يبدُ كذلك من بعيد، وخصوصاً من طريقته في تحريكها، والتوتُّر الذي أبدته حركاته التي يمكن ملاحظتها على بعض خطوات من الحشد. كان يرتدي بذلة كاثنين من المتفرّجين، والمرأة التي بدت أكبر سناً منهم كلما اقتربتُ منها، كانت هزيلة في هذه الجلبة التي تختبرها، ما زالت ترتجف ولو بشكل أقل، ربما لأن قلبها شعر بالتعب ويتوق للتوقّف، كانت ترتدي فستاناً ثقيلاً من المؤكد أنه يعزز شعورها بالأمن. حدث هذا في الرصيف الأيسر من الجادة الواسعة، السائقون لا يلتفتون لشيء، يفكّرون بالعشاء، بموعد متّفق عليه مسبقاً، بمباراة كرة قدم سيشاهدونها في الساعة الثامنة. الصخب حولنا يلفّنا بكثافة، صخب مألوف لآخر النهار يوم الجمعة، كان هناك مراهق يتحدث في هاتفه المحمول. فقط حينما أطلق ضحكة أدركت أنه لم يكن يهاتف أي خدمة إسعاف، بل صديقاً ما يتسبب له سماع هذا النوع من القصص بالضحك، قصص عن أناس يُنهكون أو يموتون في المدينة. أصبح عددنا أكبر، من ضمنهم أنا والمراهق، ربما 10 أو 12، لكن الوحيد الذي يحاول المساعدة هو الرجل الجاثم على ركبتيه. يهبط الليل تدريجياً وهناك امرأة ملقاة وسط الشارع الذي أسير فيه كل يوم في هذه الساعة، وأنا حزين في دوراني حول الأسئلة والذكريات نفسها، أفكر دوماً ماذا سأفعل حينما أصل الشقة ويفتح الباب على هذه الصالة الصغيرة الصامتة الخالية من اللوحات والأثاث؟ كيف سأملأ الوقت وأجبره مع هذا القلق، كي يمضي دون أن أشعر به، أن يمضي بشكل أقل؟ افسحوا الطريق، يصيح أحد الواصلين متأخراً، هكذا لن يصل إليها الهواء، لكن يبدو أن أحداً لا يسمعه لأنهم غير مستعدين للتخلي عن الاقتراب من حياة نحاول إعادة إنتاجها، فتجعلنا نشعر قليلاً أننا أيضاً أحياء. لا يجب فعل ذلك، لكنني بدأت التفكير بابنتي في الوقت الذي سمعنا فيه صفارات الإسعاف التي أوقفت حركة المرور، يُفسح معظم السائقين الآن الطريق لتمر سيارة الإسعاف. أنظر للمارة القريبين مني راغباً بمعرفة من الذي اتصل منهم عبر حركاتهم ونظراتهم، ومتى كان ذلك، أو إن كنتُ قد رأيت أحدهم في المطعم، وفي أية لحظة سيقررون المضي في سيرهم. الممرض الذي نزل من سيارة الإسعاف وأبعد المجموعة كان أصبى مما كان متوقعاً من هؤلاء الناس، أصلع وملتحياً، لكنه يتصرف بكفاءة، وبسرعة كان بجانب المرأة، يفحصها. رفيقته كانت ذات ملامح حادة، تُخفض النقالة في تلك الأثناء وتطلب منا أن نرجع للخلف. بعدما فقدوا الاهتمام، ذهب البعض وكانت السيارات والحافلات تتحرك بنفس الجنون الذي كانت عليه قبل دقائق. أبدأُ المشي نحو الشقة لكنني أكتشف أنني لا أريد الوصول بعد، أو أنني أقرر ذلك، متخيّلاً أن ابن المرأة قلق لتأخر أمه، ولا يعرف ما عليه فعله، ولا بمن يتصل ولا أين يذهب، أتخيّل زوجها، عجوزاً لا يستطيع مرافقتها في مشاويرها اليومية في الحيّ، أو قططها الجائعة التي لن ترضى بعد ساعات بقطع جافة من الطعام، أو صديقة جارة لن تدرك ما حدث إلا بعد فترة طويلة، حيث يكون الوقت قد تأخر والقطط قد ماتت، إن كان لديها قطط، أو حين يبدأ الزوج بالصراخ كالمجنون من سريره بسبب قواه الخائرة، أو حينما يريد الابن الاستقصاء إن كانت الجارة قد علمت أو تعلم شيئاً، لكنها بالكاد علمت. البار الواقع على الزاوية مزدحم، وفي التلفاز ينقلون مقدمة تتبعها مباراة كرة القدم في الساعة الثامنة. أحيي النادلة وأطلب البيرة التي ستتركها بعد ثوان على بعد سنتيمترات من يدي، على المصطبة. الآخرون يشربون ويضحكون، بعضهم يرتدي قميص فريقه، من الممكن أن تقوم معركة ضارية تُستخدم فيها الكراسي في الهواء ولكمات قد لا تصل دوما لوجهتها. قبل أول صافرة، اللاعبون يقفزون ويشدّون أجسادهم، آلاف الناس يشاهدونهم مباشرة وربما الملايين يتابعونهم في بث حيّ في كل العالم، حتى وإن كان هذا الوقت في أماكن أخرى من العالم نهاراً أو يوماً جديداً، أدفع النقود وأغادر. الهاتف يرن حينما أصل الشقة. أعرف أنها لاورا ولهذا ينتابني الشك، لكن بعد أربع أو خمس رنات أرد. بابا، تناديني بصوت مبحوح. أرد: لاورا، تكرر هي: بابا، بصوت مبحوح، وتصمت. دائماً يتكرر الأمر نفسه، صمتها يكبر ويخنقنا وبعد ذلك من الصعب الهروب والتصرف وكأننا لا ندين لشيء، لا لقرارات خاطئة ولا لردود فعل متطرفة ولا لفرص ضائعة، ونحن نعلم، بطريقة ما أن السكوت أفضل بعد أن أضعنا تلك الفرص، وحتى العكس لم يعد متاحاً. يبدأ الخطأ بالتمدد، أشعر به في كل الأماكن، لكني لا أريد أن تعرف لاورا، كما أنني أحتفظ بالصمت وبعد دقيقة أو اثنتين أقول إنّه يجدر بي إغلاق الهاتف. لاورا لا تجيب، ولا أعرف حتى إن ما زالت هناك. بابا، تقول بعد ذلك، لكن في تلك اللحظة أكون قد أخفضت السماعة، لأن بإمكان لاورا أن تقضي ساعات دون قول شيء، صمتها يرعب، غير مفهوم، ولست مستعداً هذه الليلة للتسامح مع صمتها ولا مواجهته. أطلّ من النافذة، ظلام في الخارج، أكثر عتمة من المعتاد. وفي المبنى المقابل كل الأنوار تقريباً مطفأة. إن أمطرت لن أكون قادراً على رؤيته أو ربما أراه.. أفكّر. ليتها كانت هنا، أفكّر أيضاً، دون أن أنطق اسمها، دون حتى أن أعطيها هذا الذي أعطيه للمرأة التي تزورني أحياناً. فبالتأكيد هي مع زوجها الآن مستلقيان على السرير، بل وربما يتضاجعان. يرن الهاتف من جديد، بابا، تقول لاورا، جالسة على أرضية كابينة هاتف عمومي متهالكة في واحد من أسوأ أحياء المدينة أو في بيت صديق أو صديقة أو حبيب أو حبيبة أو لا أعرف من ولا كيف بالتحديد، فلا صوت يُسمع من أي نوع، ولا أعرف ماذا تفعل ولا شكل لباسها ولا طلباتها ولا الإجابات التي تحتاجها. لا أذكر كيف علمت ولا متى وصلتني الشائعات. على أي الأحوال، لم أتوقف يوماً عن سؤال نفسي إن كنت أستطيع تجنب شيء ما، في البداية، حينما كنا نعيش معا وظهرت أولى مؤشرات ترنّح حياتنا، كان من الصعب رؤيتها في لحظتها، اتضحت في وقت لاحق. حينما كنتُ مع مارغو، كنا ننام في غرفتين منفصلتين وبالكاد كنا نتحدث حينما تعلَّمنا الإفراط في الشرب وتدخين الماريغوانا وكل ما تبع ذلك، ما جعل الوضع يصبح مستحيلاً، ولهذا فقد رحَلَت. عبر السماعة التي ما زالت ملقاة على كتفي، أستمع لصوت لاورا في الطرف الآخر من الخط، صوتها بعيد كما كان سابقاً، كانت تقول لي إنها بحاجة لرؤيتي. تحدثت أكثر من العادة وسألتُ عبثا عن السبب، بقيت صامتة، وهو الأمر الوحيد الذي تتقنه، ملجؤها الأحمق المتكرر. أسأل لماذا، أنخفض دون أن أفتح فمي، بعد ذلك بقليل، يائساً، قلقاً كالمرّات السابقة، أسأل أين. أنظف أسناني ووجهي وأنزل. الحافلة التي تمرّ عبر الموقف فارغة، معظم سكان المدينة، أولئك الذين لم يتمكنوا ولم يشاؤوا ولم يستطيعوا شراء تذاكر يشاهدون المباراة من أي تلفاز، الأحياء التي نعبرها أيضاً بها أناس على الأرصفة. تقدّمنا بسرعة، اختفى الزحام. كم عمر لاورا؟ 19 عاماً؟ ومارغو؟ لم أعرف شيئا عنها ولا عن زوجها الجديد ولا عن أبنائها الجدد ولا عن مدينتها الجديدة منذ أشهر. تتوّف الحافلة عند إشارة الزاوية التي وقعت في شارعها المرأة في هذا اليوم في طريق عودتي من العمل، انطلقنا حين أضاء النور الأخضر. على بعد 30 مربعاً تقريبا أقرع الجرس ويوقف السائق الحافلة. ترتفع في الهواء بعض المفرقعات، بعيدة لكن قوية، بالكاد أخطو بعض الخطوات وألج في أحد شوارع الحي، الذي أعرفه جيداً وليس الذي كنت أتخيله حينما كنت أتحدث مع لاورا في الهاتف. أتذكرها حينما كانت طفلة ثم حينما أصبحت أقل طفولة، لكنها ذكريات مبهمة يفرضها الآخرون، بعضها زائف كتلك المتعلقة بالصور التي رأيتها بعد ذلك بكثير والتي أثارت اشمئزازي وحزناً لا يقهر. في الجهة الأخرى من باب الممر الفاصل أرى شاباً، يخطر على بالي بسبب نظرته الثابتة، أنه يحاول معرفة إن كنت أنا هو الرجل الذي ساهم في إنجاب لاورا، والدها، واحد من الذين أتوا بها. يحرّك رأسه، يومئ وتظهر هي، تدخل المقهى بعد أن تحدّق بي لثوانٍ. لا أستطيع أن لا أطيل النظر لثوبها المهمل ولا لشعرها الطويل القذر. تجلس في الطرف الآخر من المائدة دون أن تقبّلني وبرأس منخفضة، كما تتحدث معي عبر الهاتف، لا تقول شيئاً، ولا تنبس ببنت شفة لتساعدني على تقييم حالتها. تراقبنا النادلة، تشهد صمتنا، أنا، لمنع أي حرج، أخرج من محفظتي بعض الأوراق المالية وأضعها على الطاولة. تمد لاورا يدها، بسرعة، ودون أن تشكرني، ما زالت صامتة، تنهض فجأة وتغادر. أيها العجوز العاهر! يصرخ صديقها أو خطيبها، الذي فتح لها الباب، وكصدى كلماته نعاود سماع بعض المفرقعات، الآن هدفان لكن لا أعرف الفريقين. هذه المرة حظّي أقل، وعليّ انتظار نصف ساعة في موقف الحافلات. أثناء عودتي للشقة، أقترب من النافذة، الأمر الذي أفعله عادة حينما أصل البيت، أنظر نحو المبنى المقابل، ثابتاً في العتمة. الآن الأنوار المشتعلة زادت، لسبب غريب بدت كأنها مواساة لي.. مواساة خفيفة. 2 ما لا يعلمه هو أنه سيكون جَدّاً خلال أشهر، أفكر في ذلك بينما أخرج من المقهى ورافا يصرخ بشيء لا أتمكن من سماعه. كل شيء غامض، معلّق، نحن أيضاً غامضون معلّقون، ورافا يصرخ بشيء بينما أخرج من المقهى وأفكّر أنه لا يعرف ولن يعرف. أشعر بقليل من الحزن، لكن بعد ذلك لا، أستمر بالسير، بسرعة، وخلفي رافا، يسرع الخطى، كأنما نهرب من محاولة قتل أو حريق، حتى نصل الجادة ولا أعرف لأي سبب استقلَّينا أول حافلة تمر ولم نكن نعرف حتى إلى أين تتجه. جلسنا في المنتصف، حيث الركاب يتواجدون أكثر، والقليل يمكنهم ملاحظتنا. لنصنع واحدة؟ سألني بصوت منخفض في أذني. الآن؟ قلت، وأنا ما زلت مذهولة مسجونة في هذ الضباب الغريب. يومئ، يبتسم، ثم يقبّلني قريباً من أذني. دون التفكير مرتين، أرمي بنفسي على الأرض، هكذا فجأة، كما لو كان الأمر يحدث حقيقة. أغمض عيني وأغرق في التفكير. صرخات رافا، تلهفه الكاذب، يعيدونني للمكان. أحدهم يفحص ضغطي. لابد أنه فقر دم، تقول امرأة أتخيل أنها كبيرة السن. ثم، ورغم الصخب، أغفو. لابد أنهم أوقفوا الحافلة، حملني رافا، وتجمهرت حولنا مجموعة من المارة، لابد أنهم ابتعدوا الآن بعد أن التقط رافا الصور. بعد فترة، عاد وهمس في أذني أنه انتهى، وأن بإمكاني التحسن وفتح عيني والابتسام. أقوم بدوري. رافا يشكر الناس الذين يصفقون ونغادر ونحن متعانقين. لسنا بعيدين، قررنا إكمال مسيرنا مشياً. ها قد وصلوا، تقول العجوز بيرتا التي أخبرتنا أنها اضطرت للذهاب للمستشفى، لأن شخصاً مهذباً اتصل بالإسعاف. ووصل إرنستو، الذي كان يسخر من بيرتا، ثم الـ"خْوانَين" (خْوان وخْوان) اللذان فعلا الأمر ثلاث مرات خلال اليوم. أخبرناهم بفعلتنا، ثم عرضنا عليهم صورنا، ورأينا صورهم. لم يتبق الكثير للمعرض، سيوضح لنا دينو حينما يصل. وصل ووصل آخرون، رافا لا يترك يدي، تعرَّقتا لكن لا بأس. يبدأ الاجتماع. هناك ضحكات وسجائر وجدول زمني لأنشطة الأسابيع المقبلة. لا أحد هنا يعلم أن في أحشائي شيئاً ينمو وأنه خلال أشهر سيصبح شيئاً مختلفاً. سأخبر رافا قريباً، ربما هذه الليلة، لا أعرف كيف ستكون ردة فعله، عليّ توقّع كل شيء، كنت قد أخبرته، كنت قد استكشفت مستوى ردود الأفعال المتوقعة، كل شيء وارد. دينو يقول إن النص الذي سيرافقنا أصبح جاهزاً، الفيديوهات والصور والنصوص، وأن علينا إحداث ثورة في المشهد، لكن علينا أن لا ننسى الحصول على المبلغ الذي يطلبه المعرض كعربون. أترك يد رافا وأفتش محفظتي، ألمس الأوراق المالية، إنها أكثر من المعتاد. أعطي معظمها لدينو، أبتسم، رافا يبتسم جانبي، ويكتب المبلغ في دفتر ويفعل ذلك مع آخرين. نُجاري الحياة كي تصبح أكثر ثقلاً فيما بعد فنتعلم كيف نشعر بها، هذا ما نبحث عنه، حتى لو كانت الحياة نفسها محاكاة أمر آخر، وهذا ما أبدأ التفكير فيه حين أتأمل بابتسامة رافا وابتسامتي وما ينمو في أحشائي التي لا أحد يعرف ماذا سيكون، لربما تكون غولة صغيرة تشبهني. ينتهي الاجتماع، اتفقنا على اللقاء بعد يومين. هناك أجواء من الفرح في المدينة، أناس أكثر بكثير مما كانوا عليه قبل أن ندخل. يبدو أنّ أمراً قد حدث، ربما مظاهرة أو حرب سريعة. لنأكل، سأل رافا، سعيدة، سعيدة ربما لحين أن يعرف. حينما نصل البيت، أقول. وهكذا، اتجهنا نحو البيت، الذي هو في حقيقة الأمر غرفة مع حمام ومطبخ صغير ملحق بها، يقترح أن يحضِّر شيئاً حينما رآني أفترش السرير. هل تعتقدين أن لهذا معنى؟ يسأل، هل تعتقدين أن هذا يعني شيئاً لشخص ما. أو أننا مخدوعون وأن ذلك غباء؟ لا أردّ ولا على أي سؤال، لكنه يواصل سؤالي عن أشياء، هو في الواقع يسألها لنفسه. أعود لأكون مع أبي في المقهى وما أفعله هذه المرة هو أن أقترب منه وأقبِّله في وجنته وأقول له إنني غفرت له وإنني قريباً سأكون في وضع يسمح بإعادة العلاقة معه، وسأخبره أنه سيصبح جدّاً، وفي هذه اللحظة يهزني رافا وأفتح عينيّ ويقول لي إن العشاء جاهز. نتناول العشاء وأغسل الصحون، نذهب للسرير، يداعب مؤخرتي. أعتقد أن عليّ إخباره، بالكلمات الضرورية، أنظر في عينيه، أشعر بحبّه لي، وأنني سعيدة فلا أقول شيئاً. من الأفضل أن ننام بسرعة، يقول رافا، غداً دوامي مبكر. ستعمل غداً؟ أسأل، طلبوا مني ذلك، يقول. لماذا لم تخبرني؟ أقول. لا بد أنني نسيت، يقول. وحينما ينام أبدأ التفكير بما أستطيع فعله وقت عمله، ربما اللحاق بأبي وتصويره لإعداد معرض صور فيما بعد انطلاقاً من تلك الصور. رجل يعيش حياة ربما ليست تلك التي يحبها، يبدو هذا. رجل عجوز متعب لديه كل تلك الأخطاء، فعل أشياء غير لائقة يتحمل ثقلها الآن. سأتبعه خلال أسابيع أو أشهر، خلال سنوات، وسأحاصر حياته ببعض الصور. نعم، أفكر وأنا أقف لأطفئ النور، عليّ أن أحاول، سأبدأ غداً، أو بعد غد. كأن شيئاً مرتبطاً بشيء آخر، كأنما أمر يحدد أمراً آخر، يبدأ رافا الشخير. * Rodrigo Hazboun كاتب بوليفي من أصل فلسطيني، من مواليد مدينة كوتشامبا سنة 1981. من أعماله القصصية: "خمسة"، و"حجرة"، و"أسعد الأيام"، ورواية "التأثيرات". قصّته "عائلة" حازت "جائزة الاتحاد اللاتيني للقصة القصيرة"، كما حاز "الجائزة الوطنية لأدب سانتا كروز دي لا سييرا" لدورة 2007، عن روايته "مكان الجسد"، واختارته مجلة "غرانتا" البريطانية في 2010 ضمن أفضل 22 كاتباً باللغة الإسبانية تحت سن 35 عاماً. هاجر جدّه من فلسطين إلى بوليفيا وعمره 17 عاماً، وظلّ يتنقّل بين تشيلي وبوليفيا حتى استقر في كوتشابامبا البوليفية. لم يرث أولاده العربية منه رغم أنه كان يتحدّثها مع أقرانه من المهاجرين. وقد تمكّن من زيارة فلسطين بعد عقود من تركها. في مقابلة سابقة أجرته مع المترجمة، تحدّث الكاتب عن حلمه بكتابة رواية عن رحلة جدّه من فلسطين إلى بوليفيا وعن رغبته في الكتابة عن الفلسطينيين الذين ابتعدوا عن الإقامة في المدن الكبرى وسكنوا القرى والبلدات الصغيرة في البلدان اللاتينية التي هاجروا إليها، كما حدث مع عائلة أمه. ** ترجمة عن الإسبانية غدير أبو سنينة ]]> 115427 نقلا عن الفيسبوك قصة معبرة للكاتب دان كلارك : الجرو الأعرج http://www.souriyati.com/2018/12/07/115056.html Fri, 07 Dec 2018 13:35:00 +0000 http://www.souriyati.com/2018/12/07/115056.html Khaled Amer جراءٌ للبيع ، هي لافِتة صغيرة عُلِّقَت على واجهة أحَد المحال ؛ لافِتةٌ مِثْل هذه بالتأكيد تُثير انتباه الأولاد الصِغار ، إذ سرعان ما توقَّفَ أحَدَهم وسألَ صاحب المَحَل : " بِكَمْ تبيع الجرو الواحد ؟" " بين الـ 30 والـ 50 دولاراً " أدخَل الولد يده في جيبه وقال : " لا أمْلُك غَير هذيّن الدولاريّن , هَلْ تسمَحُ لي برؤية الجراء ؟" إبتسَمَ الرجل وصَفَرَ بفَمِهِ وعلى إثر ذلك خَرجَت خمسة جراء بيض تسير وراء أمها في المَمر الضيق وكان آخِرُها يَعْرجُ مُتعثراً لا يستطيع الِّلحاق بأخوتهِ ،و سُرعان ما لَفَتَ انتباه الولد فسألَ صاحب المَحَلْ: " ما بهذا الجرو ؟" أوضَحَ له الرجل إن الطبيب البيطري بعد الفحص أكَّدَ لَه إن الجرو هذا سيبقى أعرجاً طِوال حياته بسبب التواء مَفْصَل الوِرْك ، فسأَله الولدُ متأثراً : " بِكَمْ تبيعه ليَّ؟" " هذا الجرو ليس للبيع فإن أردتَّه خُذهُ مجاناً ." نَظَرَ الولد إلى الرجل وأشار بيده قائلاً بصوت غاضب : " كلا , لا أريده مجاناً فهو لا يفرق عن أخوته سأدفع لك ثمنه كاملاً , خُذ الدولاريّن الآن وسأعطيك دولاراً كُلّ شَهر حتَّى يَكْتمل المَبلغ ." لكنَّ صاحب المحل اعترضَ قائلاً: "لا أنصحك بشرائِه , إنَّه مُجرد جُرو مُعوَّق لا ينفع و ليس بإمكانه أن يركض أو يقفز ولا يمكنك أن تلعب معه مثل بقية الجراء , لِمَ لا تشتري غيره؟ ." هُنا إنحنى الولد ورفع أذيال بنطلونه ليكشف عن ساقه الخشبية المُثبَّتة بالسِّيور الجِلديَّة وقال لصاحب المحل : "أتَرى يا سيدي، أنا نفسي لا أَرْكضُ بشكل جيّد أيضاً، وهو سَيَحتاجُ لشخص يَفْهمُ أموره جيداً." قصة للكاتب دان كلارك]]> Khaled Amer جراءٌ للبيع ، هي لافِتة صغيرة عُلِّقَت على واجهة أحَد المحال ؛ لافِتةٌ مِثْل هذه بالتأكيد تُثير انتباه الأولاد الصِغار ، إذ سرعان ما توقَّفَ أحَدَهم وسألَ صاحب المَحَل : " بِكَمْ تبيع الجرو الواحد ؟" " بين الـ 30 والـ 50 دولاراً " أدخَل الولد يده في جيبه وقال : " لا أمْلُك غَير هذيّن الدولاريّن , هَلْ تسمَحُ لي برؤية الجراء ؟" إبتسَمَ الرجل وصَفَرَ بفَمِهِ وعلى إثر ذلك خَرجَت خمسة جراء بيض تسير وراء أمها في المَمر الضيق وكان آخِرُها يَعْرجُ مُتعثراً لا يستطيع الِّلحاق بأخوتهِ ،و سُرعان ما لَفَتَ انتباه الولد فسألَ صاحب المَحَلْ: " ما بهذا الجرو ؟" أوضَحَ له الرجل إن الطبيب البيطري بعد الفحص أكَّدَ لَه إن الجرو هذا سيبقى أعرجاً طِوال حياته بسبب التواء مَفْصَل الوِرْك ، فسأَله الولدُ متأثراً : " بِكَمْ تبيعه ليَّ؟" " هذا الجرو ليس للبيع فإن أردتَّه خُذهُ مجاناً ." نَظَرَ الولد إلى الرجل وأشار بيده قائلاً بصوت غاضب : " كلا , لا أريده مجاناً فهو لا يفرق عن أخوته سأدفع لك ثمنه كاملاً , خُذ الدولاريّن الآن وسأعطيك دولاراً كُلّ شَهر حتَّى يَكْتمل المَبلغ ." لكنَّ صاحب المحل اعترضَ قائلاً: "لا أنصحك بشرائِه , إنَّه مُجرد جُرو مُعوَّق لا ينفع و ليس بإمكانه أن يركض أو يقفز ولا يمكنك أن تلعب معه مثل بقية الجراء , لِمَ لا تشتري غيره؟ ." هُنا إنحنى الولد ورفع أذيال بنطلونه ليكشف عن ساقه الخشبية المُثبَّتة بالسِّيور الجِلديَّة وقال لصاحب المحل : "أتَرى يا سيدي، أنا نفسي لا أَرْكضُ بشكل جيّد أيضاً، وهو سَيَحتاجُ لشخص يَفْهمُ أموره جيداً." قصة للكاتب دان كلارك]]> 115056 مقتطفات من رواية ( دارنا العربية ) : للاعلامي الاستاذ توفيق الحلاق http://www.souriyati.com/2018/11/23/114194.html Fri, 23 Nov 2018 10:20:54 +0000 http://www.souriyati.com/?p=114194
من رواية ( دارنا العربية ) : بالرغم من صغر سني في تلك الفترة من أواخرخمسينات القرن الماضي فقد كانت أمي تكلفني بمهمة عظيمة في صباح كل يوم جمعة . فمع شروق الشمس تلتئم العائلة حول قدر ( طنجرة ) هائلة المساحة فيمزقون عشرة أرغفة كبيرة إلى نتف صغيرة يملؤون بها ثلاثة أرباع الطنجرة ، ثم تزرع أمي في منتصفها كأساً صغيرة مليئةً بزيت الزيتون وتُحملني إياها لأغذ السير إلى دكان الحمصاني أبوفارق في حي القيمرية القريب . وكنت كما أمثالي من الأطفال نسرع الخطا بصحوننا وطناجرنا لنصل قبل أن يكتظ الزبائن أمام الحاجز( المستدار ) الذي يفصلنا عن مطبخ أبوفارق . كان أبوفارق ستينياً نحيلاً طويلاً يعتمر طريوشاً أحمراً ، وكان بهيَّ الطلعة بساماً كريماً ، وإلى جانبه كان يقف ابنه البكر فاروق الذي يستلم الأطباق والقدور من أيدي الزبائن ويرتبها حسب الدور ، ثم يُسلِّم كل زبون صحن الحمص ( المسبحة ) أو الفول أو قدر الفتة بالزيت أو بالسمن بعدما ينتهي والده من إعداده . حين وصلت ذلك الصباح كان الإزدحام على أشده ، ووجدت نفسي غارقاً في لُجةِ من الكبار لاأرى سوى ظهورهم وبطونهم . ناديت بصوت الطفل الحاد : (عمو أبوفارق .. عمو أبوفاروق .. دوري .. صار دوري . ) مدَّ فاروق يده واستلََّّ مني الطنجرة وسط تبرم بعض الكبارومباركة بعضهم الأخرلنجاحي في الوصول إليه قبلهم . بعد دقائق قليلة سلمني فاروق طنجرتي طافحةً بالحمص والسائل الأبيض المزين بالكمون والفلفل الأحمر . كانت أمي قد أدخلت في جيب بنطالي واقيّ الحرارة ( النزال ) وهو عبارة عن قطعتين مربعتين من القماش السميك متصلتين بقطعة من نفس القماش رفيعة طويلة ، حملت بهما الطنجرة وعدت أدراجي إلى الدار . على الباب الخارجي كانت جارتي هدى نظام وهي في مثل سني تلعب مع جارتنا الأخرى في الحارة . وحين رأتني منهكاً من وطأة حملي ضحكت وقالت ساخرة : (شبك عم طح كلا مابتطلع خمس كيليات ) أجبتها وأنا ألهث : ( هي فيها عشر كيليات تعي (روزيها ) أي احمليها وقدري وزنها . أقبلت هدى وأمسكت طرفي الطنجرة بقوة فلم تجتمل حرارتها فتركتها لينسكب كل مافيها على الأرض . أصبحت أمام معضلة رهيبة لاأدري كيف أواجهها ؟ دخلت غرفتنا منكس الرأس مهزوماً أروي ماحدث لآخواتي وأمي اللاتي كنَّ ينتظرنني على أحر من الجمر وبأيديهن ملاعق المعركة . شاهدن الطنجرة الفارغة وأدركن المصيبة ، وتطاير الشرر من عيوهن ،لكن أمي قالت : (انشاالله مانجرحت وقت وقعت ؟) لم يك من السهل على أخواتي قبول الهزيمة وهنَّ أبدين استعداهن لإعادة الكَرَة في تفتيت الخبز لولا أن أمي أخبرتهنَّ أن كل مالدينا في المطبخ رغيفين فقط . قلت مراوغاً ( إذا بتحبو بروح جيب خبز من عند الشاويش ( فران الحارة ) ؟ قلنَ بصوت واحد ( إي روح جيب بسرعة بنفتهن قبل مايسكر أبو فاروق ) أما أمي فقد أشفقت عليَّ من التعب وقالت لهنَّ : بيتعب أخوكن حرام . أجبنها بخبث : (لكن خلي وحدة منا تروح تجيب خبز ) أسقط بيد أمي فهي لايمكن أن ترسل ابنتها لتنحشربين الرجال أمام الفرن . وهكذا مضيت إلى فرن الشاويش وعدت مثل طير مطارد . أنهت أخواتي تمزيق عشرة أرغفة من جديد وغرست أمي كأس زيت الزيتون ورحت أعدو إلى دكان أبوفاروق فوجدت فاروقاً يشطف المحل بعدما انفض الجمع ونفذ الحمص والفول . هرولت إلى دكان الحمصاني أبومحمود وهوغير بعيد لكنه لايحظى بالإقبال من جمهور الحارة كما هو حال أبوفاروق وعادة ما يتأخر عنه في إغلاق دكانه ساعتين على الأقل . وكي تكتمل الهزيمة فقد وجدت الدكان مغلقة . عدت أدراجي لتستقبلنني أخواتي بوجوه مكفهرة . قالت ليلى وهي أكبرهن : (كلو من هدى هي اللي ضحكت عليك وجأجأتلي الحارة مشان حضرتك تقعد تلعب إنتا وياها وتقلا روزي روزي ).
من رواية ( دارنا العربية ) :   كان أبوممدوح يعشق البطيخ الأخضر وكان يعود كل بضعة أيام حاملاً على كتفه أكبر بطيخة في السوق ، يقترب بتؤدة من البحيرة ثم يتركها تسقط من كتفه الشاهق فتحدث عند ارتطامها بالماء صوتاً قوياً لذيذ الوقع . إنه يشبه ذات الصوت الذي يحدثه ارتطام رأس السباح القافز من علو شاهق بماء المسبح . كان أبوممدوح بذلك الفعل الشوفيني يلفت آذان الجيران فيهرعون زرافات ووحدانا لرؤية البطيخة الاستثنائية . وعندما يلتئم الجمع حول البحيرة ، يخطب فيهم بلهجته النبكية : (لاحدا منكن يتفلسف ويقلي إنو شاف بزمانو أكبر من هالبطيخة ، هاي وزنها أربعطشركيلو.) يضحك الحاج القصاب الديرعطاني الذي يسكن مع زوجته الحمصية في غرفة صغيرة قرب البحيرة ويصهل مثل حصان متعب : ( بس إنتا قلت وقتلي جبت بطيخة قبل خمس تيام إنو وزنا سبعطشركيلو يعني أكبر من هاي ليش عم تكذب وتشوف حالك ؟ ) لكن أبوممدوح لاييشعر بالخيبة بل يظلُّ مرفوع الرأس عنيداً : ( كل وقت وإلو ملايكتو أنا عم حكي اليوم يافهمان مو قبل خمس تيام ، روح شخ ونام ) يضحك الجمهوروتتوجه أنظارهم إلى فوق حيث أم ممدوح الحمصية التي اتكأت على سور الشرفة أمام غرفتها في الطابق الثاني والمطلة على المشهد : ( إي حجي عندك اياه بركي بيبطل يشوف حالو ع الفاضي ) لم يك أبوممدوح على وفاق مع زوجته في أي يوم بل في أية ساعة . كان عصبياً سريع الغضب متطلباً ماجعل زوجته لاتقيم لكلامه وزناً ولالحضوره أوغيابه قيمة . تعودنا وكنت طفلاً في العاشرة أن نسمع شجارهما وصراخهماالذي غالباً ماينتهي بضرب مبرح تنزف بعده أم ممدوح من أنفها وفمها قبل أن تتدخل نسوة الدار ويسحبنها إلى إحدى غرفهن ريثما يهدأ أبوممدوح ويصلي على النبي ويتعوذ من الشيطان الرجيم ثم يأتي إليها ويرضيها : ( الله يلعن الشيطان وساعتو قومي تعاي يالله غلطنا لاتسويها مشكلة ) تئن أم ممدوح من وجعها وبؤسها واضطرارها للعيش مع رجلٍ عبوس دائم الغضب ، ولأنها يئست من التفاهم معه بالرغم من تنفيذها نصائح سبع نساء يسكنَّ دارنا العربية بمن فيهن أمي التي كانت تعاني أيضاً من عصبية أبي ومزاجه المتقلب . الغريب أن أبي كان يتعاطف مع أم ممدوح ويعتقد أنها مظلومة ، وهو ذات يوم صعد الدرج لإنقاذها من الضرب المبرح الذي كاد أن يميتها . صرخ في وجهه أبوممدوح وإنتي شودخلك انقلع على بيتك ) عاجله أبي بلكمة قوية على فمه . ركض أبوممدح إلى المطبخ واستل سكيناً طويلة وهجم على أبي فيما هرع رجال الدار للتفريق بينهما . كنت أصرخ طالباً النجدة . أقبلت جارتنا أم سليم وسحبتني من يدي إلى دارها الملاصقة لدارنا حيث الهاتف اليدوي ذا القرص وأجلستني إلى جانبه وأدارت رقم 99 وقالت لي : خبر الشرطة . قال الشرطي في الطرف المقابل : نعم . قلت وأنا أبكي وأصرخ : جارنا حامل سكين طويلة وهاجم على أبي الله يخليكن تعوا بسرعة قبل مايرتكب جريمة . قال الشرطي بلامبالة : هدي حالك وفهمني : إنتي منين عم تحكي ؟ . أجبته : من باب توما ساحة الدوامنة رقم الدار تسع وستين . قال الشرطي : طيب قلتلي جاركن هاجم على أبوك بالسكين ، طيب ضربو فيها ولا ماضربو؟ قلت له وأنا أبكي بحرقة : مابعرف تركتو هاجم عليه ويمكن يكون ضربو . قال : طيب روح ياابني تأكد إذا ضربو حتى نجي لعندك وإذا ماضربو ما إلنا شغل معكن ، وأغلق السماعة . عدت مسرعاً لأجد أبي في غرفتنا وسط مجموعة الرجال وأمي تلف قماشاً حول ذراعه التي كانت تنزف . أردت العودة لأتصل بالشرطة .. ضحك أبي وقال : ( خليك لاتروح اللي ضرب ضرب واللي هرب هرب إذا إجت الشرطة بنكون بمشكلة بنصيربمشكلة أكبر) . هرب أبو ممدوح وعاد في اليوم التالي بعدما تدخل أولاد الحلال وعقدوا صلحاً لن يستمر طويلاً .
]]>
من رواية ( دارنا العربية ) : بالرغم من صغر سني في تلك الفترة من أواخرخمسينات القرن الماضي فقد كانت أمي تكلفني بمهمة عظيمة في صباح كل يوم جمعة . فمع شروق الشمس تلتئم العائلة حول قدر ( طنجرة ) هائلة المساحة فيمزقون عشرة أرغفة كبيرة إلى نتف صغيرة يملؤون بها ثلاثة أرباع الطنجرة ، ثم تزرع أمي في منتصفها كأساً صغيرة مليئةً بزيت الزيتون وتُحملني إياها لأغذ السير إلى دكان الحمصاني أبوفارق في حي القيمرية القريب . وكنت كما أمثالي من الأطفال نسرع الخطا بصحوننا وطناجرنا لنصل قبل أن يكتظ الزبائن أمام الحاجز( المستدار ) الذي يفصلنا عن مطبخ أبوفارق . كان أبوفارق ستينياً نحيلاً طويلاً يعتمر طريوشاً أحمراً ، وكان بهيَّ الطلعة بساماً كريماً ، وإلى جانبه كان يقف ابنه البكر فاروق الذي يستلم الأطباق والقدور من أيدي الزبائن ويرتبها حسب الدور ، ثم يُسلِّم كل زبون صحن الحمص ( المسبحة ) أو الفول أو قدر الفتة بالزيت أو بالسمن بعدما ينتهي والده من إعداده . حين وصلت ذلك الصباح كان الإزدحام على أشده ، ووجدت نفسي غارقاً في لُجةِ من الكبار لاأرى سوى ظهورهم وبطونهم . ناديت بصوت الطفل الحاد : (عمو أبوفارق .. عمو أبوفاروق .. دوري .. صار دوري . ) مدَّ فاروق يده واستلََّّ مني الطنجرة وسط تبرم بعض الكبارومباركة بعضهم الأخرلنجاحي في الوصول إليه قبلهم . بعد دقائق قليلة سلمني فاروق طنجرتي طافحةً بالحمص والسائل الأبيض المزين بالكمون والفلفل الأحمر . كانت أمي قد أدخلت في جيب بنطالي واقيّ الحرارة ( النزال ) وهو عبارة عن قطعتين مربعتين من القماش السميك متصلتين بقطعة من نفس القماش رفيعة طويلة ، حملت بهما الطنجرة وعدت أدراجي إلى الدار . على الباب الخارجي كانت جارتي هدى نظام وهي في مثل سني تلعب مع جارتنا الأخرى في الحارة . وحين رأتني منهكاً من وطأة حملي ضحكت وقالت ساخرة : (شبك عم طح كلا مابتطلع خمس كيليات ) أجبتها وأنا ألهث : ( هي فيها عشر كيليات تعي (روزيها ) أي احمليها وقدري وزنها . أقبلت هدى وأمسكت طرفي الطنجرة بقوة فلم تجتمل حرارتها فتركتها لينسكب كل مافيها على الأرض . أصبحت أمام معضلة رهيبة لاأدري كيف أواجهها ؟ دخلت غرفتنا منكس الرأس مهزوماً أروي ماحدث لآخواتي وأمي اللاتي كنَّ ينتظرنني على أحر من الجمر وبأيديهن ملاعق المعركة . شاهدن الطنجرة الفارغة وأدركن المصيبة ، وتطاير الشرر من عيوهن ،لكن أمي قالت : (انشاالله مانجرحت وقت وقعت ؟) لم يك من السهل على أخواتي قبول الهزيمة وهنَّ أبدين استعداهن لإعادة الكَرَة في تفتيت الخبز لولا أن أمي أخبرتهنَّ أن كل مالدينا في المطبخ رغيفين فقط . قلت مراوغاً ( إذا بتحبو بروح جيب خبز من عند الشاويش ( فران الحارة ) ؟ قلنَ بصوت واحد ( إي روح جيب بسرعة بنفتهن قبل مايسكر أبو فاروق ) أما أمي فقد أشفقت عليَّ من التعب وقالت لهنَّ : بيتعب أخوكن حرام . أجبنها بخبث : (لكن خلي وحدة منا تروح تجيب خبز ) أسقط بيد أمي فهي لايمكن أن ترسل ابنتها لتنحشربين الرجال أمام الفرن . وهكذا مضيت إلى فرن الشاويش وعدت مثل طير مطارد . أنهت أخواتي تمزيق عشرة أرغفة من جديد وغرست أمي كأس زيت الزيتون ورحت أعدو إلى دكان أبوفاروق فوجدت فاروقاً يشطف المحل بعدما انفض الجمع ونفذ الحمص والفول . هرولت إلى دكان الحمصاني أبومحمود وهوغير بعيد لكنه لايحظى بالإقبال من جمهور الحارة كما هو حال أبوفاروق وعادة ما يتأخر عنه في إغلاق دكانه ساعتين على الأقل . وكي تكتمل الهزيمة فقد وجدت الدكان مغلقة . عدت أدراجي لتستقبلنني أخواتي بوجوه مكفهرة . قالت ليلى وهي أكبرهن : (كلو من هدى هي اللي ضحكت عليك وجأجأتلي الحارة مشان حضرتك تقعد تلعب إنتا وياها وتقلا روزي روزي ).
من رواية ( دارنا العربية ) :   كان أبوممدوح يعشق البطيخ الأخضر وكان يعود كل بضعة أيام حاملاً على كتفه أكبر بطيخة في السوق ، يقترب بتؤدة من البحيرة ثم يتركها تسقط من كتفه الشاهق فتحدث عند ارتطامها بالماء صوتاً قوياً لذيذ الوقع . إنه يشبه ذات الصوت الذي يحدثه ارتطام رأس السباح القافز من علو شاهق بماء المسبح . كان أبوممدوح بذلك الفعل الشوفيني يلفت آذان الجيران فيهرعون زرافات ووحدانا لرؤية البطيخة الاستثنائية . وعندما يلتئم الجمع حول البحيرة ، يخطب فيهم بلهجته النبكية : (لاحدا منكن يتفلسف ويقلي إنو شاف بزمانو أكبر من هالبطيخة ، هاي وزنها أربعطشركيلو.) يضحك الحاج القصاب الديرعطاني الذي يسكن مع زوجته الحمصية في غرفة صغيرة قرب البحيرة ويصهل مثل حصان متعب : ( بس إنتا قلت وقتلي جبت بطيخة قبل خمس تيام إنو وزنا سبعطشركيلو يعني أكبر من هاي ليش عم تكذب وتشوف حالك ؟ ) لكن أبوممدوح لاييشعر بالخيبة بل يظلُّ مرفوع الرأس عنيداً : ( كل وقت وإلو ملايكتو أنا عم حكي اليوم يافهمان مو قبل خمس تيام ، روح شخ ونام ) يضحك الجمهوروتتوجه أنظارهم إلى فوق حيث أم ممدوح الحمصية التي اتكأت على سور الشرفة أمام غرفتها في الطابق الثاني والمطلة على المشهد : ( إي حجي عندك اياه بركي بيبطل يشوف حالو ع الفاضي ) لم يك أبوممدوح على وفاق مع زوجته في أي يوم بل في أية ساعة . كان عصبياً سريع الغضب متطلباً ماجعل زوجته لاتقيم لكلامه وزناً ولالحضوره أوغيابه قيمة . تعودنا وكنت طفلاً في العاشرة أن نسمع شجارهما وصراخهماالذي غالباً ماينتهي بضرب مبرح تنزف بعده أم ممدوح من أنفها وفمها قبل أن تتدخل نسوة الدار ويسحبنها إلى إحدى غرفهن ريثما يهدأ أبوممدوح ويصلي على النبي ويتعوذ من الشيطان الرجيم ثم يأتي إليها ويرضيها : ( الله يلعن الشيطان وساعتو قومي تعاي يالله غلطنا لاتسويها مشكلة ) تئن أم ممدوح من وجعها وبؤسها واضطرارها للعيش مع رجلٍ عبوس دائم الغضب ، ولأنها يئست من التفاهم معه بالرغم من تنفيذها نصائح سبع نساء يسكنَّ دارنا العربية بمن فيهن أمي التي كانت تعاني أيضاً من عصبية أبي ومزاجه المتقلب . الغريب أن أبي كان يتعاطف مع أم ممدوح ويعتقد أنها مظلومة ، وهو ذات يوم صعد الدرج لإنقاذها من الضرب المبرح الذي كاد أن يميتها . صرخ في وجهه أبوممدوح وإنتي شودخلك انقلع على بيتك ) عاجله أبي بلكمة قوية على فمه . ركض أبوممدح إلى المطبخ واستل سكيناً طويلة وهجم على أبي فيما هرع رجال الدار للتفريق بينهما . كنت أصرخ طالباً النجدة . أقبلت جارتنا أم سليم وسحبتني من يدي إلى دارها الملاصقة لدارنا حيث الهاتف اليدوي ذا القرص وأجلستني إلى جانبه وأدارت رقم 99 وقالت لي : خبر الشرطة . قال الشرطي في الطرف المقابل : نعم . قلت وأنا أبكي وأصرخ : جارنا حامل سكين طويلة وهاجم على أبي الله يخليكن تعوا بسرعة قبل مايرتكب جريمة . قال الشرطي بلامبالة : هدي حالك وفهمني : إنتي منين عم تحكي ؟ . أجبته : من باب توما ساحة الدوامنة رقم الدار تسع وستين . قال الشرطي : طيب قلتلي جاركن هاجم على أبوك بالسكين ، طيب ضربو فيها ولا ماضربو؟ قلت له وأنا أبكي بحرقة : مابعرف تركتو هاجم عليه ويمكن يكون ضربو . قال : طيب روح ياابني تأكد إذا ضربو حتى نجي لعندك وإذا ماضربو ما إلنا شغل معكن ، وأغلق السماعة . عدت مسرعاً لأجد أبي في غرفتنا وسط مجموعة الرجال وأمي تلف قماشاً حول ذراعه التي كانت تنزف . أردت العودة لأتصل بالشرطة .. ضحك أبي وقال : ( خليك لاتروح اللي ضرب ضرب واللي هرب هرب إذا إجت الشرطة بنكون بمشكلة بنصيربمشكلة أكبر) . هرب أبو ممدوح وعاد في اليوم التالي بعدما تدخل أولاد الحلال وعقدوا صلحاً لن يستمر طويلاً .
]]>
114194
كواليس مسرح المدينة ..قصة لـ :نجم الدين سمّان http://www.souriyati.com/2018/11/15/113724.html Thu, 15 Nov 2018 16:56:07 +0000 http://www.souriyati.com/?p=113724

الأستاذ خليل الدُوْمَري

   على هذهِ الخشبة، وَقَفَت كُلُّ المُمثّلات، كُلُّ المُمثّلين، المشهوراتُ.. إغراءً، المشهورونَ وَسَامَةً.. أنا الذي صنعتُهم، أطلقتُ الإبداعَ فيهم، طَرَدْتُ المُشاغبين؛ رافقتُ المُعتزلاتِ والمُعتزلينَ حتى بيوتهِم بباقاتِ الورد، غَيْرَهُم.. صَنَعْت.
   المُخرجونَ.. الذين وافقوني على كلِّ انعِطافةٍ فكريّةٍ، الذينَ عارضوني لسببٍ فنيٍ، أمْ.. لأتفهِ سبب، كُلُّهُم.. حَدَّقوا في إصبعي، مُنتظرينَ كلمتي المشهورةَ في الوسطِ الفنيّ: تَوَكَّلْ.
   ولن أكتُمَ هذا السِرَّ.. غازلني الكُتَّابُ عَلانِيةً ومِن وَراءِ حِجَاب، الكُتَّابُ اليساريُّونَ، كُتَّابُ اليمينِ، كُتَّابُ الوسط، كِبَارُهُم قبلَ المُبتدئين… أَحَدُ كُتَّابِ المُعارضةِ أرسلَ لي نصّاً باسمٍ مُستعار!.
   كُلُّهم.. الآذنُ، نَجَّارُ المسرحِ، خيَّاطتُه، مُهندِسُ الديكور، ضاربةُ الآلةِ الكاتبة، عُمَّالُ الإضاءة، قاطعو التذاكر، المُمثلات، المُمثلون، الجمهورُ الحبيب.. كلُّهم أولادي، حيثُ لا أولادَ لي.. بِرَغمِ زِيْجاتِي.

الآنسة حنان/ ممثلة

ارتجفَ قلبي مرّتين.. الأولى، اتركوها لي لحظةَ عِطرٍ، تُهَفْهِفُ بها جديلتايَ على درجاتِ مُرَاهقتِي، أمّي بغريزةِ المرأةِ شمَّتْ رائحَةَ العِطر فَجَرَّتنِي إلى الحَمَّام، جَرَّدتنِي من ثيابي.. وتحتَ لَسْعِ الماءِ أخذتْ تُزِيلُ العِطرَ بالصابون وتضرِبُني فأبكي.. ثُمَّ تضرِبُني وتبكي.
ارتجفَ قلبي مرَّتين.. الثانيةُ، حين دفعتني مِن تَردُّدي يدٌ مِن خلفِ الكواليس، تجمَّدتُ واقفةً في مُنْتَصَفِ الخشبة داخلَ بُقعَةِ ضوء. لِوهلةٍ.. لمحتُ في الصالة حَشداً من عيونٍ تلتمِع؛ كأنَّ ألفَ رجلٍ يُحدِّقون بِي عاريةً.. من كُلّ ثيابي!.. نَضَحَ الماءُ مِن جِلدِي، نسيتُ الجملةَ الأولى مِن حوارٍ حَفِظْتُهُ طوالَ شهرين، كنتُ سأرتدُّ نَحوَ الكواليسِ راكضةً، ثمَّ.. بِفِعْلِ سِحرٍ غامِضٍ سَرَتْ في حَنجَرَتِي اللغاتُ كُلُّها. في الاستراحةِ، مَهدودةً على كُرسِيٍّ.. غَمَرتنِي نشوةُ أن أتقمَّصَ أرواحاً على الخشبة، وأرتدي أجساداً في جسدي، وأتناسَخَ في نِساَءٍ لحظةَ انكسارِهِنَّ في الحُبّ، أَصفِقُ البابَ من ورائي فتهتزُّ جُدرانٌ، أخرجُ من “بيتِ الدُمْيِة” إلى فضاءِ ثَلجٍ لا يُحَدُّ؛ أُغادِرُ المسرحَ بعدَ العَرْض.. وحينَ أصِلُ الى البيتِ تستقبِلُني عِندَ بابِهِ.. خَيباتِي.

إسماعيل:

مِن كيسي تعلَّمت.. ليسَ معي شهادةٌ في الإخراج، ولا كُنتُ أعرِفُ أن التمثيلَ الحقيقيَّ يجري خارِجَ الخَشَبة!.
قَادَتْني المُصَادَفَةُ إلى مَدخِلِ مَسرَحِ المدينة، ثمَّ صِرْتُ مُتَفَرِّجَاً مُستْديماً، لا يَفُوتُني عَرْضٌ مسرحيّ. أخرجُ مِن غُرفتي في القبوِ الذي أسكُنُه إلى المسرحِ أُدارِي بهِ وَحْشتي في مدينةٍ لا يعرِفُني فيها أحَد. عَرْضاً بعدَ عَرْضٍ، صِرتُ أُّحِسُّ بأنّي مُرَاقَبٌ، ثمَّ شكَكْتُ في شخصٍ يجلِسُ على الدوامِ في مَقعدٍ خلفي، أعودُ إلى غُرفتي فيتبعُني ظِلُّهُ حتّى أولِ درجاتِ القبو‍.
حَضَرتُ افتتاحَ “العِنَبِ الحامض” وسأحضُرُها هذا المساء أيضاً، فَلْيَتْبَعْني إذا كانَ رجلاً ذاكَ الشخص، سأُمْسِكُ بِخِنَاقِهِ عندَ أولِ مُنْعَطَفٍ.. وأخنِقُهُ قبلَ فَتحِ السِتارة، فاجأني مديرُ المسرحِ بِذِكْرِ اسمي، دعاني الى المسرح لِيُهدِيني د”ِرْعَ المُتفرِّج المِثالِيّ” مَنَحَني بطاقةَ دعوةٍ دائمةٍ لكلّ العُروض، عانقني مُبتسِماً لِعدَساتِ التصوير. خرَجتُ بعدَ العرضِ.. مَزْهُواً؛ وعِندَ أولِ انعِطافٍ تخَاطَفَتنِي في الظلامِ.. أَذْرُعٌ، حَشَرَتْني عضلاتٌ في سيّارةٍ؛ أغلقوا شفتيَّ بِلاصِقٍ لهُ طَعمُ الغِرَاءِ الذي كُنّا نَصِيدُ به فِئرانَ الحُقول؛ عَصَبُوا عينيَّ، قَرْقَعَتِ السيارةُ بينَ حُفَرٍ، لَكَمونِي من كلِّ حَدْبٍ، شَحَطونِي شَحْطاً، رَفَسُونِي في مَمَّرٍ طويل، أنزلوني درجاتِ قَبوٍ مُعتِمٍ، رموني في غُرفةٍ دَبِقةٍ، تركوني في حُلكَةِ ليلٍ أشدَّ من الظلامِ الرَجِيم، أدركتُ لِوَهلَةٍ ارتجافي مِثلَ فأرِ حُقولٍ مَذعُور. بعدَ شهرٍ، ربّما..  بعد دهرٍ وسَنَتينِ، اعتذروا منِّي، أعادوا لي دِرْعَ المُتفرِّجِ المِثَالِيَ وبطاقةَ الدعوةِ الدائمة، أوصلوني في الفجرِ إلى غُرفتي، دَسُّونِي في فِرَاشي.. نِمتُ كما لم يَنَم أهلُ الكهف، ولمَّا صَحَوْتُ.. اغتسَلتُ، حلَقتُ ذقني، لبِستُ ثيابي، تركتُ بابَ غُرفتِي مَفتوحاً على مِصراعَيه، صَعدتُ درجاتِ القبوِ.. إلى مَسرحِ المدينة. صَفَّقْتُ بعدَ العَرضِ طويلاً، ووقفتُ لِيرانِيَ الجميعُ، وَحْدَها.. الآنسة حنان هي التي تَذَكَّرَتْني، أشارتْ لِتَدُلَّ عليّ، قفزَ أعضاءُ الفرقةِ مِن عَلْيائِهمْ نحوي، عانقوني بعدَ غِيابٍ، سألوني بِلَهفةٍ، ثمَّ بِرِيْبَةٍ.. ظاهِرُها الشفقة، بَكَتْ الآنسة حنان، طلبتْ مِن المديرِ أن يَرُدَّ اعتباري، على الأقلّ.. بتوظيفي، فاجَأنِي حقاً، فَقَبِلَ تعييني في مَسرَحِه!.

توفيق بسْطُرْمة/ ديكوريست

   لم أفهم في الديكورِ المسرحي أكثرَ مِمَّا تفهمُهُ أُمّي حينَ تُرَتِّبُ الوسائِدَ تحتَ إبطِ أبي ليتكئَ مُتَجَشِّئاً بعدَ الغداء‍.
جَرَّنِي الدومري من البَطَالَةِ خِرِّيجاً من معهدٍ صِناعِيّ – قِسم الخِرَاطَة؛ ليِدَوْكِرَ لِيَ.. حياتي كما يُريد، يُقَهْقهُ بعدَ توقيعي على كُشوفِ نفقاتِ الديكور.. بالرقم الذي يرغَبُه، يُنَحِّي جانباً تَصَوُّراتِ المخرجين، يرسمُ على ورقةٍ ما يراهُ.. أبواباً أو نوافذَ لا لزومَ لها، تزوَّجَ سَبعَ مرّاتٍ، فجدَّدتُ لهُ سَبعَ مرّاتٍ ديكوراتِ مَنازِلِهِ السبعةَ مِن أخشابِ مَسرَحِنا القومِيّ، سبعَ مَرَّاتٍ.. كافأنِي، يسمحُ لِي في كلِّ مرّةٍ.. أن أصنعَ لبيتي خِزانةً، سريراً لِطِفلِي، طاولةً للأكل؛ يتهدَّجُ ضاحكاً: – شَمِّرْ عن أكمامِكَ يا بَسطُرمَه و.. تَوَكَّلْ.

المُلَقِّن نسيم:

واقفاً في مستطيلٍ كأنّهُ.. قبرٌ عَمُودِيّ، خَلفَ رأسيَ شاهِدةٌ من نُحَاسٍ.. تُخْفِي رأسيَ عن الجمهور، ظَهرِي.. للصالة، جَبهتِي.. بِمُوازاةِ ومُحَاذاةِ أقدامِ المُمثلين.
   مِن كلِّ مُخْرِجٍ التقطتُ أفضلَ ما لديه، وما كنتُ أحلمُ يوماً باجتراحِ مآثِرِهِم، لكنّي في إحدى البروفات.. رفعتُ رأسي لحظةَ استِعصَاءِ المُخرِجِ على ابتكارِ حلٍ، قلتُ على استحياءٍ: – إذا استدارتْ الجَوقةُ مُعطِيةً ظَهرَها للجمهور، يُمكن لـ “أوديب ملكاً” أن يُضَاجِعَ أُمَّه.
استدركتُ: – يُمكِننا هنا يا أستاذ، استخدامُ التغريب، كما فَعَلَ بريخت. نَفَّذوا اقتراحي، تمدَّدَت المُمثلةُ/ الأمُّ.. قُربَ أنفاسي على حريرِ غِوَاياتِهَا، رأيتُ.. حِيرةَ أوديبَ غامضةً ومُلتبِسَةً بغرائِزِ الجُمهور؛ تسرَّبَتْ إلى أعصابِي أنفاسُ المُمثلةِ/ المَلِكة، خُيِّل إليَّ؛ أو.. هكذا رأيتُ الممثلةَ “جوكاستا” بِأعوامِهَا الأربعين.. تُخْفِي بِالكادِ اشتهاءً مُزْمِناً للمُمثلِ بأعوامهِ العشرين، الممثلُ.. بدا لي لحظةَ قُبْلتِهِ الأولى طفلاً يتعثَّرُ بِثِيابِهِ، غِرَّاً.. تَفضحُهُ المُلامَسَةُ الأولى للأنوثةِ؛ وللأمومةِ.. مَلِكةً لا يُطَالُ حَرِيْرُهَا بالتشهِّي، للمَلِيكَةِ.. امرأةً تَعَتَّقتْ مثلَ دِنِّ نبيذٍ مُهْمَلٍ في عَتْمَةِ الكهوف.. ارتعشَ جسدي كُلُّه في حُفْرة التلقين.. كأنّي الذي ارتكبتُ الخطيئةَ، كأنَّ الآلهةَ لم تصنَع قدَري، لم تقذِفنِي في أَتُونٍ.. أغمضتُ عينيَّ خوفاً من نبوءة العَرَّافِين؛ بعدَ ارتعاشِي.. بكَيتْ. نَفّذوا أولَ اقتراحٍ لي.. فتوالتْ اقتراحاتي، لكنّ الدُوْمَرِيَّ تركني تحتَ خشبةِ خَلاصِي، حتى تسرَّبت الرطوبةُ عِبرَ قدميَّ إلى عظامي؛ على هيئةِ روماتيزمٍ.. مُسْتَدِيم. في يومِ سَعْدِي، والممثلونَ يتأفَّفُون من انقطاعِ التدريب، اغتنمتُ حِيرةَ الدُوْمَري، قفزتُ من تابوتي، اتجهتُ نَحْوَهُ.. مُبَسْمِلاً بِجُملةِ “هاملت” حتى صرخَت هِيَ.. بِي:سأكونُ مُخرجَ هذهِ المسرحية، أَوْ.. لا أكون.

حَمْدو الكَهْرَبجِي

مَرَّ عليَّ الأستاذ خليل، ابنُ حارتي، قبل أن يتركها إلى مَنازِلِه، قال:
  • احمِل عُدَّتَكَ و.. تَوَكَّلْ.
دخلتُ الصالةَ مُلْتَمِساً خُطَاي على امتدادِ ضوءٍ شاحبٍ.. آتٍ من وراءِ الكواليس؛ وحين انتهيتُ من إصلاحِ الكابلاتِ الثُلاثيّة، وأعطى الأستاذُ إشارتَهٌ، أدهشتني الأضواءُ التي سطعتْ، والظلالُ خلفَ ستائِرِها.
استأذنتُ الدُوْمَريّ، ابنَ حارتِنَا، أنْ أبقى.. لأتفرَّجَ على ألعابِ المُمثلين، قَهْقَهَ، ثمّ بَتَرَ ضِحكَتهُ: – اجلِس دونَ أن تفتحَ فَمَك.. تَوَكَّلْ. زَمَمْتُ فَمِي، أَجْلَسْتُهُ على آخرِ كُرسِيٍّ في الصالة.. صارَ المُمثلون يصعدون بِتَمَهُّلٍ إلى خشبة المسرح.. وحينَ بدأ التشخيصُ أحسستُ بتيارٍ يَسرِي في عينيَّ، عَبَرَنِي من أُذُنّيَّ.. كَهْرَبَ جسدي. لأول مَرَّةٍ.. أرى تشخيصاً على المسرح، تذكرتُ.. كَمْ يُشْبِهُ هذا؛ ما قد فَعَلَهُ الساحرُ حين اقتحمَ حارتنا بمناديلهِ وكُرَاتِهِ الملوّنة، استأجرَ المقهى، بدأ عروضَهُ صَبَاحَّيةَ أولِ أيامِ العيد، دفعَ أبي فرنكينِ كاملينِ.. لأدخلَ ولم يدخل، همسَ لي: – استَعِذْ بالله يا بنيَّ عندَ كُلِّ لُعبةٍ، إذا طلبكَ إليهِ.. فلا تذهب. لكنّي حينَ دخلتُ المقهى نسيتُ تعويذته، ثُمَّ كأنَّ الساحرَ قرأ شِفَاهَ أبي عندَ الباب، فدعاني إليه.. قفزتُ إلى المَصْطَبةِ ناسياً تحذيرَ أبي، لم أُفْلِحْ في الصعود، أمسكَ الساحرُ بيديَّ ورفعني عالياً في الهواء؛ في الهواءِ.. بَقِيْتُ، أَخْرَجَ الكُرَاتِ مِن جيوبي، مِن فمي، مِن أُذُنَيَّ، ومِنْ.. قَفَايَ، ضحِكَ أولادُ حارتِنَا علَيّ، وحينَ أكلني الغيظُ وجدتُ أقدامي تسقطُ نحوَ خشبِ المِصطَبَة. أَشْفَقَ الساحرُ عليَّ فصارَ يدعو أولاد الحارةِ سَبعاً وراءَ سَبعٍ، لِيجعلَهُم يتبوَّلون في سَرَاوِيلِهِم فأُغِيْظَهُمْ بِضَحِكاتِي، يُخْرِجُ بَطَّةً من قُبَّعتِهِ، يُدَوِّمُ برشاقة أصابعهِ.. فتختفي، يسألني: – مين سرقَ البطَّة؟!. فأُشِيرُ إلى سارِقِ أقلامِنَا في المدرسة، يذهبُ الساحِرُ إليهِ.. ليُخرِجَ من ثَنِيَّاتِ قميصِهِ ريشاً وجناحين، ذيلاً ومِنقاراً وقدمينِ بالخلاخيل.. يسخرُ الساحرُ مِنهُ: – أكلتِ البَطَّة.. يا قِطّة؟!. يُمْسِكُهُ من ياقَتِهِ، يقلِبُهُ رأساً على عَقِبٍ، يَدْحُوهُ على ظَهرهِ، يُطلْقِ سارقُ أقلامِنَا صَرخةً تستغيثُ، فتطيرُ البطَّةُ مِن فَمِهِ، ترِفُّ، ثم تحطُّ في حُضنِي.. يضحَكُ الساحِرُ.. أضحَكُ.. نضحَكُ. يا الله، كأنَّ الساحِرَ بعدَ كلِّ هذهِ السنين أمامي، تَوزَّعَتْهُ أجسادُ وحَناجِرُ الممثلين. حينَ أَطَلَّت حنانُ وقالت جُملتَها الأولى.. انخلعَ قلبي مِن مكانِهِ؛ صاعقةٌ مِن بَرْقٍ.. خطفَتهُ، رَفَعَتْهُ في هَواءِ الصالةِ، خِفْتُ أن يَصطدِمَ بالسقف، أن تتقاذَفَهُ الجُدرانُ، لكنَّهُ.. خَفَّ؛ ثُمَّ.. شَفَّ؛ حتى صارَ لهُ جناحانِ؛ رأيتُهُ.. يَرِفُّ حَولَها، يطيرُ.. حيثُ تَسيرُ، يحطُّ.. حيثُ تجلِسُ؛ ركضتُ نحو المدير بعدَ انتهاءِ التدريب: – دخيلك يا دُوْمَري.. شَغِّلنِي عِندك.

حنان

ذاتَ عَرْضٍ.. ارتجفَ جسدي لأولِ مَرّةٍ، فيما أنا أُغيِّرُ لضيقِ الوقتِ قميصيَ خلفَ الكواليس، ضَبَطْتُ أحداً ما، رجلاً.. يتلصَّصُ عليَّ مِن وراءِ سِتارةٍ، زَوَرْتُهُ.. أعجبني أنهُ لم يتوارَى، ظلّتْ عيناهُ تُحدِّقانِ بِي.. ارتجفَ قميصي بينَ يديّ، حتى اتَّقَيْتُهُ بثوبِ “ديزمونه”.
عيناهُ.. هيَ كُلُّ ما بدا منهُ؛ تَلامَحَ خيالُهُ.. مُتَمَاوِجاً بينَ طيَّاتِ السِتَارة، تمنَّيتُ لو أنّي أعْرِفُهُ، لو أنَّ المشهدَ يتأخَّرُ، أو تنقطِعَ الكهرباء، لأُطَوِّقَهُ مَلفوفاً مثلَ طفلٍ بالقماشِ الذي يُخْفِيه.. تركتُ لعينيهِ أن تَجُوْسَا بينَ كُنوزِي في اكتشافٍ مُوْجِعٍ ولذيذ، حتى إذا أَسْدَلْتُ الثوبَ على ارتعاشِ جسدي.. اختفى. حينَ خرجتُ من عَتمةِ الكواليس.. إلى ضوءٍ، ثمَّ بدأ المَشهدُ.. عَرَفْتُهُ مِن عينيه؛ كانَ.. أبْعَدَ مِن تَخمِيني، سألنِي بِصَوتٍ مُرْتَعِشٍ عن منديلي، ارتبَكتُ.. حتى خِلْتُ بأنَّ ظُنونَهُ فيِّ، هي.. نفسُهَا ظُنونُ “عُطَيل” صفَّقَ الجُمهورُ طويلاً لِحِيرَتِي.. ولِغِيرَتِه؛ يُصفّقُ الجمهورُ أحياناً.. لِيُبْعِدَ الشُبُهَاتِ عَنْه!!.

حَمْدُو.. سابقاً / ولاحِقاً: حميد طاهر

أغلقتُ دكاني، لازَمْتُ المقعدَ الأخيرَ في زاوية الصالة، أُراقِبُهَا تَمِيْسُ فوقَ الخشبة، أحفظُ الأدوارَ كُلَّهَا لأتهجَّى دورَها، أراها كلَّ ليلةٍ مِن خلفِ الكواليس.. يغسِلُهَا الضَوءُ على الخشبة ويَجْلُوْهَا التصفيق.
قال لي الدُوْمَرِي، ابنُ حارتنا: تَوَكَّلْ..  فبقيتْ، ثُمَّ لم يَعُدْ يتذكَّرُ حتى وجودي، صِرتُ جِزءاً من هذا الهواء، يُنَاوِلُني آذنُ المسرحِ أبو صالح.. كأسَ الشايِ في الاستراحةِ، كأنّي واحدٌ مِنَ الجميع. يوماً.. بِسُخُونَةِ الشايِ احترقتْ شفتايَ؛ حين انفجرَ المُدِيرُ في وَجهِ المُمثلِ الرئيسيّ: – نَفَدَ صَبْري عليك، حَرَّضْتَهُم على الانشقاقِ عن مَسرحِنا؛ لا أحدَ معك؛ غيرَ اثنينِ من الكومبارس، وعاملِ إضاءةٍ لا يعرِفُ كيفَ يصعدُ إلى البرجكتوراتِ دون أن يَقَعْ!؛ خُذْهُمْ بعيداً و.. تَوَكَّلْ. مَرَّتْ لحظةُ صمتٍ مُتَوَتِّر، رأيتُ فيها وَجهَ حنان مَغْسُولاً بالخيبة، شفَّافاً وحزيناً مثل وَجهِ اليتيم، ورأيتُ الدُومريّ يَتَشَهَّاهُ.. ثُمَّ يقول:
  • فَكِّروا معي بِمُمثلٍ يُنْقِذُ الأغلبيةَ.. في مسرحنا.
أنهضتَنِيَ كهرباءُ غامِضَةٌ مِن مقعدي.. ركضتُ عابراً الممرَّ الطويل، صَعَدْتُ؛ وقفتُ قِبِالَةَ حنان، كأنّي سأحميها من وَحْشَةِ أدوارِها، سأحتويها بأطرافِ هَوَاجِسِي، وبالشوقِ يَسْتَنْفِرُ الحَوَاسَ تمثيلاً، يُكَهْرِبُ الهواءَ الذي بيننا فترتعشُ الستائِر، بدأتُ الحوارَ معها مِن حيثُ انقطع.. لم أَعُدْ أرى غيرَها في كُلِّ تدريبٍ، في كلِّ مشهد. عانقني المديرُ على نجاحي في إنقاذِ مسرحِهِ، وليسَ.. على رَهَافتِي في التمثيل، همستُ له: – قُلْ لقاطع التذاكِر.. آخرُ مقعدٍ هناكَ في الزاوية، يظلُّ مَحجوزاً لِي؛ باسم: حمدو الكَهْرَبْجي. في كُلِّ تدريبٍ، وفي كُلِّ عَرضٍ.. يجلِسُ حمدو الكَهْرَبْجِي على ذلكَ المقعدِ؛ يَرْقَبُني.. وأَرْقَبُهُ، أغارُ منهُ كلَّما دخلتُ إلى الكواليس؛ وظلَّتْ حنانُ وحدَها على الخشبة، أو.. مع مُمثلٍ غيري.

المُخْرِج نسيم

لَمَسْتُ الوترَ الخفيَّ بين حنان وحميد.. صِرْتُ أَعْزِفُ عليه، صنعتُ منهما أجملَ ثُنائيٍ على المسرح، ما إنْ يَرِنَّ جَرَسُ البداية، حتى يُضْرِمَا حروفَ الحِوَارِ بشوقٍ كَتِيْمٍ.. يُحِسُّهُ الجمهور ولا يراهُ.
أثناءَ التدريبات، يجلسانِ.. كُلٌّ في طَرَفٍ، لا يَنْبِسَانِ بِحَرفٍ، يتبادلانِ التحيَّةَ بِرَفَّةِ الرمُوش، تَارِكَيْنِ كلَّ كلامٍ مُعَلَّقاً بِلَحظِةِ فَتحِ السِتَارة. في نهايةِ كُلِّ عَرضٍ.. يتبادلان نظرةَ صامتةً، أَلْمَحُ ارتعاشَ يديهما إذْ يتقاربان لحظةَ اصطفافِ الممثلين رَدّاً على التصفيق.. لم يُمْسِك يدَها مرَّةً ليرفعها ابتهاجاً، لم تُقَارِبْ يَدَهُ.. يمضي كلٌّ منهما إلى غُرفتين مُتَبَاعِدَتَيْنِ ليخلعا أدوارهما، تندفعُ حنان خارجَ المسرح دونَ أن تلتفتَ إليه، يتنحَّى لها مُتَشَاغِلاً بأيِّ شيءٍ، ثم يخرجُ مُعْطياً ظَهْرَهُ لسيارةِ التاكسي المُنْطَلِقَةِ بها إلى بيتها مُنْتَصَفَ كُلِّ ليل. تخيَّلْتُ على الدوام كيفَ تدور السيارة بها من الشارع الخلفيِّ لمبنى المسرح نحو الرصيف الذي يمشي عليه، تتمهَّلُ السيارةُ.. قُرْبَهُ، تفتحُ حنانُ البابَ، أرى أصابِعَها تنتشِلُ أصابِعَهُ، ينصفقُ بابٌ وتطيُر بِهِمَا “عَرَبَةٌ اسمُهَا الرَغبةُ”. كلّما وضعتُ رأسي على “وِسادتِي الخالية” أُقَرِّرُ مَنْعَهُ عن دورِ العاشِق، وأَنْ.. أَرْمِيَهِ عن حريرِهَا وثِمَارِهَا المُحَرَّمَة، أن… أقِفَ قُبَالَتَهَا على الخشبة، أُعانِقُها أو.. تُزَمِّلَني بِجُثَّتِها مثل “جولييت”.. أَحْتَلِمُ تحتَ لِحَافِي، ترتجفُ الأضواءُ، ثمَّ.. تَعُمُّ السكِيْنَةُ.. فضاءَ الخشبة، أَتَكوَّرُ حولَ نفسي.. مُبَلَّلاً بِهَواجِسِي.. أنام.

يوسف/ نَجَّار المسرح

منذُ أربعينَ عاماً، وأنا أنتظرُ أن يأتيَ أحَدٌ.. أيُّ أحَدٍ؛ لِيُزِيْحَ الدُوْمَريّ عن مَنْصِبِهِ المُسْتَدِيم، بَدَّلْتُ تِسعَ مطارِق وإزميلاً ومنْشارينِ كهربائيين، ثَبَّتُّ ونَزَعتُ آلافَ المَسامِير، فتَحْتُ بَرامِيلَ من الغِرَاء، الخشبُ الذي جَهَّزتُهُ لديكوراتِ مسرحنا.. يَكفِي لِنوافِذِ حَيِّ بأكملِه.
قالت لِي أُمَيَّة، خيَّاطَةُ مَسرحِنا، قبلَ أن نَتَزَوَّجَ: – لَستُ عذراءَ بسببه، أرعَبنِي في مستودعِ الألبِسَة، أرهَبنِي، رَغَّبنِي بِقِماشٍ رَديءٍ. وأنا نجَّارُ المَسرح، احتجتُ قطعةَ خشبٍ أُرَمِّمُ بها سريرَ ليلةِ عُرسِي، فاجأني المديرُ أخرُجُ بها مِنَ البابِ الخَلفِيّ، هَنَّأنَي على زواجِيَ الوَشِيكِ، ثمَّ حَسَمَ مِن راتبي.. ثمَنَ الخشبة!. كلَّما تحدَّثوا عن فُقْدانِ شيءٍ في هذا المسرح، حَدَّقَ المديرُ في عَينيَّ، وكأنّي المُتهَمُ الجاهِزُ دائماً بين يديه. أخيراً، طَفَحَ معي الكَيْل.. فَصَّلْتُ لهُ مِن أسوأ الأخشابِ.. تابوتاً، مَركوناَ في قبوِ المسرح منذُ سِنين، ما زِلتُ أنتظرَ مَوتَهُ، أو تغييرَ جَسدِهِ.. بجسدِ مُديرٍ جديد؛ حتى صِرتُ أرى التابوتَ في أوهامي.. يطيرُ عالياً، ترفعُهُ الملائِكَةُ البِيضُ، الأبالِسَةُ.. ثمَّ، تُسْقِطُهُ عليه.

الآنسة/ السيدة.. حنان

عينا حميد أجملُ ما فيه، يُذَكّرُنِي بِوَالِدِي.. رُجولتُهما في العينين.
   منذُ اكتشفتٌ أنوثتي خلفَ الكواليس، أمسكتُ أقربَ قَلمٍ، رسمتُ رجلاً.. رشيقٌ ظِلُّهُ، بِوَجهٍ غائِمٍ، لَوَّنْتُهُ بِهَواجِسي.. عَلَّقْتُ لوحتَهُ دونما إطارٍ فوقَ سريري.
لو أنَّ حميداً.. دَقَّ زُجاجَ نافذتي بِغَيرِ عينيه، كُنتُ رَكَنْتُ اللوحةَ في خِزانةِ أُمِّي.. لو أنهُ خَلعَ صمتَ المَفاصِلِ في بابِ غُرفتِي، لو حَطَّمَ وَحْشَةَ الخشَب. كِدْتُ أكرَهُ أُمّي حينَ غابَ أبي صامِتاً حِيَالَ برودَتِها في السرير. بعد موته.. استعارتْ أمّي صَمْتَهُ، هجَرتْ غرفتها، انزوَتْ في غُرفته، أسمعُهَا في الليلِ تسترجِعُ آثامَها منذُ اشترطتْ عليهِ غُرفتَينِ للنوم.. مُنْفَصِلَتَيْن؛ وَحدِي.. كنتُ دليلَ أُلْفَةٍ في أسبوعٍ قصيرٍ من العَسَل. وحدي.. كنتُ أَنسلُّ إليه، بعدَ نومِها، لأندسَّ في فراشِهِ الأبوِيَّ، كانَ يَدسُّ في حقيبتي هداياه.. زجاجةَ عِطرٍ على شكلِ قلبٍ، قلمَ شِفاهٍ، كُتباً وروايات.. كأنّه يفعل ما لَم يستطِعهُ مع أمّي، ما لَم يفعلهُ معي هذا الحميد.. لستُ طيفاً، فَلْيَلْمَسْنِي حميدٌ مِن يديّ، كأنّما.. كلُّ الذينَ حولي في مسرح المدينةِ رِجالٌ مَخْصِيُّون؛ لم تَعُد عيناهُ تتلصَّصان عليَّ مِن خلفِ الستائر، ما التفتَ أحدٌ لِدَمعتِي عالِقةً على رُموشِ المِرآةِ في غُرفةِ ملابسي، كَسَرْتُهَا.. تناثرَ وجهي شظايا من البِللور، هَجَستُ بِرَجلٍ يُدْمِيني، يركضُ في حاراتي المغسولةِ لِتَوِّها بالمطر. أقفل الدُوْمَرِيُّ بابَ مكتَبهِ عليّ، أقفلتُ أجفاني، عَرَّاني بضربةٍ من أصابِعه، شعرتُ بدبيبِ عينيهِ فيما هو يدورُ حولي، يَتقًرَّى جسدي بِكَفَّيْهِ، مدَّدني على أوراقِ طاولته، استسلمتُ لرائحةِ الحبر في الأختام، لِمَلْمَسِ أعضائِهِ تنزلِقُ على جلدي.. اقتحمني، سَمِعتُ لَوحَتِي تتمزَّقُ فوقَ سريري.. كاشِفةً غُرفتِي للريحِ والمَاءِ المَهِيْن؛ انتهى مِنِّي على عَجَلٍ، أَحْكَمَ ربطةَ عُنْقِهِ، انحنى مُمْسِكاً بِيَدي.. قَبَّلَها: – “سيدتي الجميلةُ”.. أنت. انخطَفتُ راكِضةً مِن مَكتبِه، خرجتُ مِن مسرحي بِغَيرِ التي.. كُنْتُ؛ والتي.. سأكون.

الآذن أبو صالح

يومَ احترقَ مَسرحُ المدينةِ.. بَكَيتْ.
   كلُّ ما فيه، كلُّ مَنْ فيه.. صارَ رماداً، مُديرُهُ والمُخرج والمُمثلون.
لَمْ أَكُنْ أنوِي أن أخونَ أحداً فأنجو.. كنتُ على الرصيفِ أستلمُ صناديقَ المُرطِبات حين لَفَحَتْني مِن بابِ المَسرحِ حرارةٌ وغَطَّاني دُخانٌ كثيف، خلَعتُ سُتْرتي مُلَوِّحاً بها، كاشِفاً أمامي الطريق.. الطريقُ ألسنةٌ من لَهَبٍ، سمِعتُ صرخاتِ الجميع، استغاثاتِهم، انهياراتِ الكواليس، شَمَمْتُ رائحةَ شِوَاءٍ، رائحةَ لحمٍ آدمِيّ؛ يا لطيفَ الألطافِ.. اسْتُرُ، ثمَّ قذفني انفجارٌ نحوَ الرصيف، ارتطمَ رأسي بِإفريزِ الشارع، رأيتُ في غَيبوبتي… ستائرَ زرقاءَ، أضواءً، خشبةً بيضاءَ.. ومِن غَيرِ كواليس، ثم لا أدري سِوَى أنّي في فضاءٍ لا يُحَدُّ.. كنتُ المُمثلَ الوحيد
]]>

الأستاذ خليل الدُوْمَري

   على هذهِ الخشبة، وَقَفَت كُلُّ المُمثّلات، كُلُّ المُمثّلين، المشهوراتُ.. إغراءً، المشهورونَ وَسَامَةً.. أنا الذي صنعتُهم، أطلقتُ الإبداعَ فيهم، طَرَدْتُ المُشاغبين؛ رافقتُ المُعتزلاتِ والمُعتزلينَ حتى بيوتهِم بباقاتِ الورد، غَيْرَهُم.. صَنَعْت.
   المُخرجونَ.. الذين وافقوني على كلِّ انعِطافةٍ فكريّةٍ، الذينَ عارضوني لسببٍ فنيٍ، أمْ.. لأتفهِ سبب، كُلُّهُم.. حَدَّقوا في إصبعي، مُنتظرينَ كلمتي المشهورةَ في الوسطِ الفنيّ: تَوَكَّلْ.
   ولن أكتُمَ هذا السِرَّ.. غازلني الكُتَّابُ عَلانِيةً ومِن وَراءِ حِجَاب، الكُتَّابُ اليساريُّونَ، كُتَّابُ اليمينِ، كُتَّابُ الوسط، كِبَارُهُم قبلَ المُبتدئين… أَحَدُ كُتَّابِ المُعارضةِ أرسلَ لي نصّاً باسمٍ مُستعار!.
   كُلُّهم.. الآذنُ، نَجَّارُ المسرحِ، خيَّاطتُه، مُهندِسُ الديكور، ضاربةُ الآلةِ الكاتبة، عُمَّالُ الإضاءة، قاطعو التذاكر، المُمثلات، المُمثلون، الجمهورُ الحبيب.. كلُّهم أولادي، حيثُ لا أولادَ لي.. بِرَغمِ زِيْجاتِي.

الآنسة حنان/ ممثلة

ارتجفَ قلبي مرّتين.. الأولى، اتركوها لي لحظةَ عِطرٍ، تُهَفْهِفُ بها جديلتايَ على درجاتِ مُرَاهقتِي، أمّي بغريزةِ المرأةِ شمَّتْ رائحَةَ العِطر فَجَرَّتنِي إلى الحَمَّام، جَرَّدتنِي من ثيابي.. وتحتَ لَسْعِ الماءِ أخذتْ تُزِيلُ العِطرَ بالصابون وتضرِبُني فأبكي.. ثُمَّ تضرِبُني وتبكي.
ارتجفَ قلبي مرَّتين.. الثانيةُ، حين دفعتني مِن تَردُّدي يدٌ مِن خلفِ الكواليس، تجمَّدتُ واقفةً في مُنْتَصَفِ الخشبة داخلَ بُقعَةِ ضوء. لِوهلةٍ.. لمحتُ في الصالة حَشداً من عيونٍ تلتمِع؛ كأنَّ ألفَ رجلٍ يُحدِّقون بِي عاريةً.. من كُلّ ثيابي!.. نَضَحَ الماءُ مِن جِلدِي، نسيتُ الجملةَ الأولى مِن حوارٍ حَفِظْتُهُ طوالَ شهرين، كنتُ سأرتدُّ نَحوَ الكواليسِ راكضةً، ثمَّ.. بِفِعْلِ سِحرٍ غامِضٍ سَرَتْ في حَنجَرَتِي اللغاتُ كُلُّها. في الاستراحةِ، مَهدودةً على كُرسِيٍّ.. غَمَرتنِي نشوةُ أن أتقمَّصَ أرواحاً على الخشبة، وأرتدي أجساداً في جسدي، وأتناسَخَ في نِساَءٍ لحظةَ انكسارِهِنَّ في الحُبّ، أَصفِقُ البابَ من ورائي فتهتزُّ جُدرانٌ، أخرجُ من “بيتِ الدُمْيِة” إلى فضاءِ ثَلجٍ لا يُحَدُّ؛ أُغادِرُ المسرحَ بعدَ العَرْض.. وحينَ أصِلُ الى البيتِ تستقبِلُني عِندَ بابِهِ.. خَيباتِي.

إسماعيل:

مِن كيسي تعلَّمت.. ليسَ معي شهادةٌ في الإخراج، ولا كُنتُ أعرِفُ أن التمثيلَ الحقيقيَّ يجري خارِجَ الخَشَبة!.
قَادَتْني المُصَادَفَةُ إلى مَدخِلِ مَسرَحِ المدينة، ثمَّ صِرْتُ مُتَفَرِّجَاً مُستْديماً، لا يَفُوتُني عَرْضٌ مسرحيّ. أخرجُ مِن غُرفتي في القبوِ الذي أسكُنُه إلى المسرحِ أُدارِي بهِ وَحْشتي في مدينةٍ لا يعرِفُني فيها أحَد. عَرْضاً بعدَ عَرْضٍ، صِرتُ أُّحِسُّ بأنّي مُرَاقَبٌ، ثمَّ شكَكْتُ في شخصٍ يجلِسُ على الدوامِ في مَقعدٍ خلفي، أعودُ إلى غُرفتي فيتبعُني ظِلُّهُ حتّى أولِ درجاتِ القبو‍.
حَضَرتُ افتتاحَ “العِنَبِ الحامض” وسأحضُرُها هذا المساء أيضاً، فَلْيَتْبَعْني إذا كانَ رجلاً ذاكَ الشخص، سأُمْسِكُ بِخِنَاقِهِ عندَ أولِ مُنْعَطَفٍ.. وأخنِقُهُ قبلَ فَتحِ السِتارة، فاجأني مديرُ المسرحِ بِذِكْرِ اسمي، دعاني الى المسرح لِيُهدِيني د”ِرْعَ المُتفرِّج المِثالِيّ” مَنَحَني بطاقةَ دعوةٍ دائمةٍ لكلّ العُروض، عانقني مُبتسِماً لِعدَساتِ التصوير. خرَجتُ بعدَ العرضِ.. مَزْهُواً؛ وعِندَ أولِ انعِطافٍ تخَاطَفَتنِي في الظلامِ.. أَذْرُعٌ، حَشَرَتْني عضلاتٌ في سيّارةٍ؛ أغلقوا شفتيَّ بِلاصِقٍ لهُ طَعمُ الغِرَاءِ الذي كُنّا نَصِيدُ به فِئرانَ الحُقول؛ عَصَبُوا عينيَّ، قَرْقَعَتِ السيارةُ بينَ حُفَرٍ، لَكَمونِي من كلِّ حَدْبٍ، شَحَطونِي شَحْطاً، رَفَسُونِي في مَمَّرٍ طويل، أنزلوني درجاتِ قَبوٍ مُعتِمٍ، رموني في غُرفةٍ دَبِقةٍ، تركوني في حُلكَةِ ليلٍ أشدَّ من الظلامِ الرَجِيم، أدركتُ لِوَهلَةٍ ارتجافي مِثلَ فأرِ حُقولٍ مَذعُور. بعدَ شهرٍ، ربّما..  بعد دهرٍ وسَنَتينِ، اعتذروا منِّي، أعادوا لي دِرْعَ المُتفرِّجِ المِثَالِيَ وبطاقةَ الدعوةِ الدائمة، أوصلوني في الفجرِ إلى غُرفتي، دَسُّونِي في فِرَاشي.. نِمتُ كما لم يَنَم أهلُ الكهف، ولمَّا صَحَوْتُ.. اغتسَلتُ، حلَقتُ ذقني، لبِستُ ثيابي، تركتُ بابَ غُرفتِي مَفتوحاً على مِصراعَيه، صَعدتُ درجاتِ القبوِ.. إلى مَسرحِ المدينة. صَفَّقْتُ بعدَ العَرضِ طويلاً، ووقفتُ لِيرانِيَ الجميعُ، وَحْدَها.. الآنسة حنان هي التي تَذَكَّرَتْني، أشارتْ لِتَدُلَّ عليّ، قفزَ أعضاءُ الفرقةِ مِن عَلْيائِهمْ نحوي، عانقوني بعدَ غِيابٍ، سألوني بِلَهفةٍ، ثمَّ بِرِيْبَةٍ.. ظاهِرُها الشفقة، بَكَتْ الآنسة حنان، طلبتْ مِن المديرِ أن يَرُدَّ اعتباري، على الأقلّ.. بتوظيفي، فاجَأنِي حقاً، فَقَبِلَ تعييني في مَسرَحِه!.

توفيق بسْطُرْمة/ ديكوريست

   لم أفهم في الديكورِ المسرحي أكثرَ مِمَّا تفهمُهُ أُمّي حينَ تُرَتِّبُ الوسائِدَ تحتَ إبطِ أبي ليتكئَ مُتَجَشِّئاً بعدَ الغداء‍.
جَرَّنِي الدومري من البَطَالَةِ خِرِّيجاً من معهدٍ صِناعِيّ – قِسم الخِرَاطَة؛ ليِدَوْكِرَ لِيَ.. حياتي كما يُريد، يُقَهْقهُ بعدَ توقيعي على كُشوفِ نفقاتِ الديكور.. بالرقم الذي يرغَبُه، يُنَحِّي جانباً تَصَوُّراتِ المخرجين، يرسمُ على ورقةٍ ما يراهُ.. أبواباً أو نوافذَ لا لزومَ لها، تزوَّجَ سَبعَ مرّاتٍ، فجدَّدتُ لهُ سَبعَ مرّاتٍ ديكوراتِ مَنازِلِهِ السبعةَ مِن أخشابِ مَسرَحِنا القومِيّ، سبعَ مَرَّاتٍ.. كافأنِي، يسمحُ لِي في كلِّ مرّةٍ.. أن أصنعَ لبيتي خِزانةً، سريراً لِطِفلِي، طاولةً للأكل؛ يتهدَّجُ ضاحكاً: – شَمِّرْ عن أكمامِكَ يا بَسطُرمَه و.. تَوَكَّلْ.

المُلَقِّن نسيم:

واقفاً في مستطيلٍ كأنّهُ.. قبرٌ عَمُودِيّ، خَلفَ رأسيَ شاهِدةٌ من نُحَاسٍ.. تُخْفِي رأسيَ عن الجمهور، ظَهرِي.. للصالة، جَبهتِي.. بِمُوازاةِ ومُحَاذاةِ أقدامِ المُمثلين.
   مِن كلِّ مُخْرِجٍ التقطتُ أفضلَ ما لديه، وما كنتُ أحلمُ يوماً باجتراحِ مآثِرِهِم، لكنّي في إحدى البروفات.. رفعتُ رأسي لحظةَ استِعصَاءِ المُخرِجِ على ابتكارِ حلٍ، قلتُ على استحياءٍ: – إذا استدارتْ الجَوقةُ مُعطِيةً ظَهرَها للجمهور، يُمكن لـ “أوديب ملكاً” أن يُضَاجِعَ أُمَّه.
استدركتُ: – يُمكِننا هنا يا أستاذ، استخدامُ التغريب، كما فَعَلَ بريخت. نَفَّذوا اقتراحي، تمدَّدَت المُمثلةُ/ الأمُّ.. قُربَ أنفاسي على حريرِ غِوَاياتِهَا، رأيتُ.. حِيرةَ أوديبَ غامضةً ومُلتبِسَةً بغرائِزِ الجُمهور؛ تسرَّبَتْ إلى أعصابِي أنفاسُ المُمثلةِ/ المَلِكة، خُيِّل إليَّ؛ أو.. هكذا رأيتُ الممثلةَ “جوكاستا” بِأعوامِهَا الأربعين.. تُخْفِي بِالكادِ اشتهاءً مُزْمِناً للمُمثلِ بأعوامهِ العشرين، الممثلُ.. بدا لي لحظةَ قُبْلتِهِ الأولى طفلاً يتعثَّرُ بِثِيابِهِ، غِرَّاً.. تَفضحُهُ المُلامَسَةُ الأولى للأنوثةِ؛ وللأمومةِ.. مَلِكةً لا يُطَالُ حَرِيْرُهَا بالتشهِّي، للمَلِيكَةِ.. امرأةً تَعَتَّقتْ مثلَ دِنِّ نبيذٍ مُهْمَلٍ في عَتْمَةِ الكهوف.. ارتعشَ جسدي كُلُّه في حُفْرة التلقين.. كأنّي الذي ارتكبتُ الخطيئةَ، كأنَّ الآلهةَ لم تصنَع قدَري، لم تقذِفنِي في أَتُونٍ.. أغمضتُ عينيَّ خوفاً من نبوءة العَرَّافِين؛ بعدَ ارتعاشِي.. بكَيتْ. نَفّذوا أولَ اقتراحٍ لي.. فتوالتْ اقتراحاتي، لكنّ الدُوْمَرِيَّ تركني تحتَ خشبةِ خَلاصِي، حتى تسرَّبت الرطوبةُ عِبرَ قدميَّ إلى عظامي؛ على هيئةِ روماتيزمٍ.. مُسْتَدِيم. في يومِ سَعْدِي، والممثلونَ يتأفَّفُون من انقطاعِ التدريب، اغتنمتُ حِيرةَ الدُوْمَري، قفزتُ من تابوتي، اتجهتُ نَحْوَهُ.. مُبَسْمِلاً بِجُملةِ “هاملت” حتى صرخَت هِيَ.. بِي:سأكونُ مُخرجَ هذهِ المسرحية، أَوْ.. لا أكون.

حَمْدو الكَهْرَبجِي

مَرَّ عليَّ الأستاذ خليل، ابنُ حارتي، قبل أن يتركها إلى مَنازِلِه، قال:
  • احمِل عُدَّتَكَ و.. تَوَكَّلْ.
دخلتُ الصالةَ مُلْتَمِساً خُطَاي على امتدادِ ضوءٍ شاحبٍ.. آتٍ من وراءِ الكواليس؛ وحين انتهيتُ من إصلاحِ الكابلاتِ الثُلاثيّة، وأعطى الأستاذُ إشارتَهٌ، أدهشتني الأضواءُ التي سطعتْ، والظلالُ خلفَ ستائِرِها.
استأذنتُ الدُوْمَريّ، ابنَ حارتِنَا، أنْ أبقى.. لأتفرَّجَ على ألعابِ المُمثلين، قَهْقَهَ، ثمّ بَتَرَ ضِحكَتهُ: – اجلِس دونَ أن تفتحَ فَمَك.. تَوَكَّلْ. زَمَمْتُ فَمِي، أَجْلَسْتُهُ على آخرِ كُرسِيٍّ في الصالة.. صارَ المُمثلون يصعدون بِتَمَهُّلٍ إلى خشبة المسرح.. وحينَ بدأ التشخيصُ أحسستُ بتيارٍ يَسرِي في عينيَّ، عَبَرَنِي من أُذُنّيَّ.. كَهْرَبَ جسدي. لأول مَرَّةٍ.. أرى تشخيصاً على المسرح، تذكرتُ.. كَمْ يُشْبِهُ هذا؛ ما قد فَعَلَهُ الساحرُ حين اقتحمَ حارتنا بمناديلهِ وكُرَاتِهِ الملوّنة، استأجرَ المقهى، بدأ عروضَهُ صَبَاحَّيةَ أولِ أيامِ العيد، دفعَ أبي فرنكينِ كاملينِ.. لأدخلَ ولم يدخل، همسَ لي: – استَعِذْ بالله يا بنيَّ عندَ كُلِّ لُعبةٍ، إذا طلبكَ إليهِ.. فلا تذهب. لكنّي حينَ دخلتُ المقهى نسيتُ تعويذته، ثُمَّ كأنَّ الساحرَ قرأ شِفَاهَ أبي عندَ الباب، فدعاني إليه.. قفزتُ إلى المَصْطَبةِ ناسياً تحذيرَ أبي، لم أُفْلِحْ في الصعود، أمسكَ الساحرُ بيديَّ ورفعني عالياً في الهواء؛ في الهواءِ.. بَقِيْتُ، أَخْرَجَ الكُرَاتِ مِن جيوبي، مِن فمي، مِن أُذُنَيَّ، ومِنْ.. قَفَايَ، ضحِكَ أولادُ حارتِنَا علَيّ، وحينَ أكلني الغيظُ وجدتُ أقدامي تسقطُ نحوَ خشبِ المِصطَبَة. أَشْفَقَ الساحرُ عليَّ فصارَ يدعو أولاد الحارةِ سَبعاً وراءَ سَبعٍ، لِيجعلَهُم يتبوَّلون في سَرَاوِيلِهِم فأُغِيْظَهُمْ بِضَحِكاتِي، يُخْرِجُ بَطَّةً من قُبَّعتِهِ، يُدَوِّمُ برشاقة أصابعهِ.. فتختفي، يسألني: – مين سرقَ البطَّة؟!. فأُشِيرُ إلى سارِقِ أقلامِنَا في المدرسة، يذهبُ الساحِرُ إليهِ.. ليُخرِجَ من ثَنِيَّاتِ قميصِهِ ريشاً وجناحين، ذيلاً ومِنقاراً وقدمينِ بالخلاخيل.. يسخرُ الساحرُ مِنهُ: – أكلتِ البَطَّة.. يا قِطّة؟!. يُمْسِكُهُ من ياقَتِهِ، يقلِبُهُ رأساً على عَقِبٍ، يَدْحُوهُ على ظَهرهِ، يُطلْقِ سارقُ أقلامِنَا صَرخةً تستغيثُ، فتطيرُ البطَّةُ مِن فَمِهِ، ترِفُّ، ثم تحطُّ في حُضنِي.. يضحَكُ الساحِرُ.. أضحَكُ.. نضحَكُ. يا الله، كأنَّ الساحِرَ بعدَ كلِّ هذهِ السنين أمامي، تَوزَّعَتْهُ أجسادُ وحَناجِرُ الممثلين. حينَ أَطَلَّت حنانُ وقالت جُملتَها الأولى.. انخلعَ قلبي مِن مكانِهِ؛ صاعقةٌ مِن بَرْقٍ.. خطفَتهُ، رَفَعَتْهُ في هَواءِ الصالةِ، خِفْتُ أن يَصطدِمَ بالسقف، أن تتقاذَفَهُ الجُدرانُ، لكنَّهُ.. خَفَّ؛ ثُمَّ.. شَفَّ؛ حتى صارَ لهُ جناحانِ؛ رأيتُهُ.. يَرِفُّ حَولَها، يطيرُ.. حيثُ تَسيرُ، يحطُّ.. حيثُ تجلِسُ؛ ركضتُ نحو المدير بعدَ انتهاءِ التدريب: – دخيلك يا دُوْمَري.. شَغِّلنِي عِندك.

حنان

ذاتَ عَرْضٍ.. ارتجفَ جسدي لأولِ مَرّةٍ، فيما أنا أُغيِّرُ لضيقِ الوقتِ قميصيَ خلفَ الكواليس، ضَبَطْتُ أحداً ما، رجلاً.. يتلصَّصُ عليَّ مِن وراءِ سِتارةٍ، زَوَرْتُهُ.. أعجبني أنهُ لم يتوارَى، ظلّتْ عيناهُ تُحدِّقانِ بِي.. ارتجفَ قميصي بينَ يديّ، حتى اتَّقَيْتُهُ بثوبِ “ديزمونه”.
عيناهُ.. هيَ كُلُّ ما بدا منهُ؛ تَلامَحَ خيالُهُ.. مُتَمَاوِجاً بينَ طيَّاتِ السِتَارة، تمنَّيتُ لو أنّي أعْرِفُهُ، لو أنَّ المشهدَ يتأخَّرُ، أو تنقطِعَ الكهرباء، لأُطَوِّقَهُ مَلفوفاً مثلَ طفلٍ بالقماشِ الذي يُخْفِيه.. تركتُ لعينيهِ أن تَجُوْسَا بينَ كُنوزِي في اكتشافٍ مُوْجِعٍ ولذيذ، حتى إذا أَسْدَلْتُ الثوبَ على ارتعاشِ جسدي.. اختفى. حينَ خرجتُ من عَتمةِ الكواليس.. إلى ضوءٍ، ثمَّ بدأ المَشهدُ.. عَرَفْتُهُ مِن عينيه؛ كانَ.. أبْعَدَ مِن تَخمِيني، سألنِي بِصَوتٍ مُرْتَعِشٍ عن منديلي، ارتبَكتُ.. حتى خِلْتُ بأنَّ ظُنونَهُ فيِّ، هي.. نفسُهَا ظُنونُ “عُطَيل” صفَّقَ الجُمهورُ طويلاً لِحِيرَتِي.. ولِغِيرَتِه؛ يُصفّقُ الجمهورُ أحياناً.. لِيُبْعِدَ الشُبُهَاتِ عَنْه!!.

حَمْدُو.. سابقاً / ولاحِقاً: حميد طاهر

أغلقتُ دكاني، لازَمْتُ المقعدَ الأخيرَ في زاوية الصالة، أُراقِبُهَا تَمِيْسُ فوقَ الخشبة، أحفظُ الأدوارَ كُلَّهَا لأتهجَّى دورَها، أراها كلَّ ليلةٍ مِن خلفِ الكواليس.. يغسِلُهَا الضَوءُ على الخشبة ويَجْلُوْهَا التصفيق.
قال لي الدُوْمَرِي، ابنُ حارتنا: تَوَكَّلْ..  فبقيتْ، ثُمَّ لم يَعُدْ يتذكَّرُ حتى وجودي، صِرتُ جِزءاً من هذا الهواء، يُنَاوِلُني آذنُ المسرحِ أبو صالح.. كأسَ الشايِ في الاستراحةِ، كأنّي واحدٌ مِنَ الجميع. يوماً.. بِسُخُونَةِ الشايِ احترقتْ شفتايَ؛ حين انفجرَ المُدِيرُ في وَجهِ المُمثلِ الرئيسيّ: – نَفَدَ صَبْري عليك، حَرَّضْتَهُم على الانشقاقِ عن مَسرحِنا؛ لا أحدَ معك؛ غيرَ اثنينِ من الكومبارس، وعاملِ إضاءةٍ لا يعرِفُ كيفَ يصعدُ إلى البرجكتوراتِ دون أن يَقَعْ!؛ خُذْهُمْ بعيداً و.. تَوَكَّلْ. مَرَّتْ لحظةُ صمتٍ مُتَوَتِّر، رأيتُ فيها وَجهَ حنان مَغْسُولاً بالخيبة، شفَّافاً وحزيناً مثل وَجهِ اليتيم، ورأيتُ الدُومريّ يَتَشَهَّاهُ.. ثُمَّ يقول:
  • فَكِّروا معي بِمُمثلٍ يُنْقِذُ الأغلبيةَ.. في مسرحنا.
أنهضتَنِيَ كهرباءُ غامِضَةٌ مِن مقعدي.. ركضتُ عابراً الممرَّ الطويل، صَعَدْتُ؛ وقفتُ قِبِالَةَ حنان، كأنّي سأحميها من وَحْشَةِ أدوارِها، سأحتويها بأطرافِ هَوَاجِسِي، وبالشوقِ يَسْتَنْفِرُ الحَوَاسَ تمثيلاً، يُكَهْرِبُ الهواءَ الذي بيننا فترتعشُ الستائِر، بدأتُ الحوارَ معها مِن حيثُ انقطع.. لم أَعُدْ أرى غيرَها في كُلِّ تدريبٍ، في كلِّ مشهد. عانقني المديرُ على نجاحي في إنقاذِ مسرحِهِ، وليسَ.. على رَهَافتِي في التمثيل، همستُ له: – قُلْ لقاطع التذاكِر.. آخرُ مقعدٍ هناكَ في الزاوية، يظلُّ مَحجوزاً لِي؛ باسم: حمدو الكَهْرَبْجي. في كُلِّ تدريبٍ، وفي كُلِّ عَرضٍ.. يجلِسُ حمدو الكَهْرَبْجِي على ذلكَ المقعدِ؛ يَرْقَبُني.. وأَرْقَبُهُ، أغارُ منهُ كلَّما دخلتُ إلى الكواليس؛ وظلَّتْ حنانُ وحدَها على الخشبة، أو.. مع مُمثلٍ غيري.

المُخْرِج نسيم

لَمَسْتُ الوترَ الخفيَّ بين حنان وحميد.. صِرْتُ أَعْزِفُ عليه، صنعتُ منهما أجملَ ثُنائيٍ على المسرح، ما إنْ يَرِنَّ جَرَسُ البداية، حتى يُضْرِمَا حروفَ الحِوَارِ بشوقٍ كَتِيْمٍ.. يُحِسُّهُ الجمهور ولا يراهُ.
أثناءَ التدريبات، يجلسانِ.. كُلٌّ في طَرَفٍ، لا يَنْبِسَانِ بِحَرفٍ، يتبادلانِ التحيَّةَ بِرَفَّةِ الرمُوش، تَارِكَيْنِ كلَّ كلامٍ مُعَلَّقاً بِلَحظِةِ فَتحِ السِتَارة. في نهايةِ كُلِّ عَرضٍ.. يتبادلان نظرةَ صامتةً، أَلْمَحُ ارتعاشَ يديهما إذْ يتقاربان لحظةَ اصطفافِ الممثلين رَدّاً على التصفيق.. لم يُمْسِك يدَها مرَّةً ليرفعها ابتهاجاً، لم تُقَارِبْ يَدَهُ.. يمضي كلٌّ منهما إلى غُرفتين مُتَبَاعِدَتَيْنِ ليخلعا أدوارهما، تندفعُ حنان خارجَ المسرح دونَ أن تلتفتَ إليه، يتنحَّى لها مُتَشَاغِلاً بأيِّ شيءٍ، ثم يخرجُ مُعْطياً ظَهْرَهُ لسيارةِ التاكسي المُنْطَلِقَةِ بها إلى بيتها مُنْتَصَفَ كُلِّ ليل. تخيَّلْتُ على الدوام كيفَ تدور السيارة بها من الشارع الخلفيِّ لمبنى المسرح نحو الرصيف الذي يمشي عليه، تتمهَّلُ السيارةُ.. قُرْبَهُ، تفتحُ حنانُ البابَ، أرى أصابِعَها تنتشِلُ أصابِعَهُ، ينصفقُ بابٌ وتطيُر بِهِمَا “عَرَبَةٌ اسمُهَا الرَغبةُ”. كلّما وضعتُ رأسي على “وِسادتِي الخالية” أُقَرِّرُ مَنْعَهُ عن دورِ العاشِق، وأَنْ.. أَرْمِيَهِ عن حريرِهَا وثِمَارِهَا المُحَرَّمَة، أن… أقِفَ قُبَالَتَهَا على الخشبة، أُعانِقُها أو.. تُزَمِّلَني بِجُثَّتِها مثل “جولييت”.. أَحْتَلِمُ تحتَ لِحَافِي، ترتجفُ الأضواءُ، ثمَّ.. تَعُمُّ السكِيْنَةُ.. فضاءَ الخشبة، أَتَكوَّرُ حولَ نفسي.. مُبَلَّلاً بِهَواجِسِي.. أنام.

يوسف/ نَجَّار المسرح

منذُ أربعينَ عاماً، وأنا أنتظرُ أن يأتيَ أحَدٌ.. أيُّ أحَدٍ؛ لِيُزِيْحَ الدُوْمَريّ عن مَنْصِبِهِ المُسْتَدِيم، بَدَّلْتُ تِسعَ مطارِق وإزميلاً ومنْشارينِ كهربائيين، ثَبَّتُّ ونَزَعتُ آلافَ المَسامِير، فتَحْتُ بَرامِيلَ من الغِرَاء، الخشبُ الذي جَهَّزتُهُ لديكوراتِ مسرحنا.. يَكفِي لِنوافِذِ حَيِّ بأكملِه.
قالت لِي أُمَيَّة، خيَّاطَةُ مَسرحِنا، قبلَ أن نَتَزَوَّجَ: – لَستُ عذراءَ بسببه، أرعَبنِي في مستودعِ الألبِسَة، أرهَبنِي، رَغَّبنِي بِقِماشٍ رَديءٍ. وأنا نجَّارُ المَسرح، احتجتُ قطعةَ خشبٍ أُرَمِّمُ بها سريرَ ليلةِ عُرسِي، فاجأني المديرُ أخرُجُ بها مِنَ البابِ الخَلفِيّ، هَنَّأنَي على زواجِيَ الوَشِيكِ، ثمَّ حَسَمَ مِن راتبي.. ثمَنَ الخشبة!. كلَّما تحدَّثوا عن فُقْدانِ شيءٍ في هذا المسرح، حَدَّقَ المديرُ في عَينيَّ، وكأنّي المُتهَمُ الجاهِزُ دائماً بين يديه. أخيراً، طَفَحَ معي الكَيْل.. فَصَّلْتُ لهُ مِن أسوأ الأخشابِ.. تابوتاً، مَركوناَ في قبوِ المسرح منذُ سِنين، ما زِلتُ أنتظرَ مَوتَهُ، أو تغييرَ جَسدِهِ.. بجسدِ مُديرٍ جديد؛ حتى صِرتُ أرى التابوتَ في أوهامي.. يطيرُ عالياً، ترفعُهُ الملائِكَةُ البِيضُ، الأبالِسَةُ.. ثمَّ، تُسْقِطُهُ عليه.

الآنسة/ السيدة.. حنان

عينا حميد أجملُ ما فيه، يُذَكّرُنِي بِوَالِدِي.. رُجولتُهما في العينين.
   منذُ اكتشفتٌ أنوثتي خلفَ الكواليس، أمسكتُ أقربَ قَلمٍ، رسمتُ رجلاً.. رشيقٌ ظِلُّهُ، بِوَجهٍ غائِمٍ، لَوَّنْتُهُ بِهَواجِسي.. عَلَّقْتُ لوحتَهُ دونما إطارٍ فوقَ سريري.
لو أنَّ حميداً.. دَقَّ زُجاجَ نافذتي بِغَيرِ عينيه، كُنتُ رَكَنْتُ اللوحةَ في خِزانةِ أُمِّي.. لو أنهُ خَلعَ صمتَ المَفاصِلِ في بابِ غُرفتِي، لو حَطَّمَ وَحْشَةَ الخشَب. كِدْتُ أكرَهُ أُمّي حينَ غابَ أبي صامِتاً حِيَالَ برودَتِها في السرير. بعد موته.. استعارتْ أمّي صَمْتَهُ، هجَرتْ غرفتها، انزوَتْ في غُرفته، أسمعُهَا في الليلِ تسترجِعُ آثامَها منذُ اشترطتْ عليهِ غُرفتَينِ للنوم.. مُنْفَصِلَتَيْن؛ وَحدِي.. كنتُ دليلَ أُلْفَةٍ في أسبوعٍ قصيرٍ من العَسَل. وحدي.. كنتُ أَنسلُّ إليه، بعدَ نومِها، لأندسَّ في فراشِهِ الأبوِيَّ، كانَ يَدسُّ في حقيبتي هداياه.. زجاجةَ عِطرٍ على شكلِ قلبٍ، قلمَ شِفاهٍ، كُتباً وروايات.. كأنّه يفعل ما لَم يستطِعهُ مع أمّي، ما لَم يفعلهُ معي هذا الحميد.. لستُ طيفاً، فَلْيَلْمَسْنِي حميدٌ مِن يديّ، كأنّما.. كلُّ الذينَ حولي في مسرح المدينةِ رِجالٌ مَخْصِيُّون؛ لم تَعُد عيناهُ تتلصَّصان عليَّ مِن خلفِ الستائر، ما التفتَ أحدٌ لِدَمعتِي عالِقةً على رُموشِ المِرآةِ في غُرفةِ ملابسي، كَسَرْتُهَا.. تناثرَ وجهي شظايا من البِللور، هَجَستُ بِرَجلٍ يُدْمِيني، يركضُ في حاراتي المغسولةِ لِتَوِّها بالمطر. أقفل الدُوْمَرِيُّ بابَ مكتَبهِ عليّ، أقفلتُ أجفاني، عَرَّاني بضربةٍ من أصابِعه، شعرتُ بدبيبِ عينيهِ فيما هو يدورُ حولي، يَتقًرَّى جسدي بِكَفَّيْهِ، مدَّدني على أوراقِ طاولته، استسلمتُ لرائحةِ الحبر في الأختام، لِمَلْمَسِ أعضائِهِ تنزلِقُ على جلدي.. اقتحمني، سَمِعتُ لَوحَتِي تتمزَّقُ فوقَ سريري.. كاشِفةً غُرفتِي للريحِ والمَاءِ المَهِيْن؛ انتهى مِنِّي على عَجَلٍ، أَحْكَمَ ربطةَ عُنْقِهِ، انحنى مُمْسِكاً بِيَدي.. قَبَّلَها: – “سيدتي الجميلةُ”.. أنت. انخطَفتُ راكِضةً مِن مَكتبِه، خرجتُ مِن مسرحي بِغَيرِ التي.. كُنْتُ؛ والتي.. سأكون.

الآذن أبو صالح

يومَ احترقَ مَسرحُ المدينةِ.. بَكَيتْ.
   كلُّ ما فيه، كلُّ مَنْ فيه.. صارَ رماداً، مُديرُهُ والمُخرج والمُمثلون.
لَمْ أَكُنْ أنوِي أن أخونَ أحداً فأنجو.. كنتُ على الرصيفِ أستلمُ صناديقَ المُرطِبات حين لَفَحَتْني مِن بابِ المَسرحِ حرارةٌ وغَطَّاني دُخانٌ كثيف، خلَعتُ سُتْرتي مُلَوِّحاً بها، كاشِفاً أمامي الطريق.. الطريقُ ألسنةٌ من لَهَبٍ، سمِعتُ صرخاتِ الجميع، استغاثاتِهم، انهياراتِ الكواليس، شَمَمْتُ رائحةَ شِوَاءٍ، رائحةَ لحمٍ آدمِيّ؛ يا لطيفَ الألطافِ.. اسْتُرُ، ثمَّ قذفني انفجارٌ نحوَ الرصيف، ارتطمَ رأسي بِإفريزِ الشارع، رأيتُ في غَيبوبتي… ستائرَ زرقاءَ، أضواءً، خشبةً بيضاءَ.. ومِن غَيرِ كواليس، ثم لا أدري سِوَى أنّي في فضاءٍ لا يُحَدُّ.. كنتُ المُمثلَ الوحيد
]]>
113724
مدينة الأرواح الذابلة قصة قصيرة بقلم الأديب أسامة محمود آغي http://www.souriyati.com/2018/11/06/113126.html Tue, 06 Nov 2018 11:14:32 +0000 http://www.souriyati.com/?p=113126 مدينة الأرواح الذابلة بقلم: أسامة آغي كانت ثمة شطآن تتزين بالحور و أشجار الغرب والطرفة.. و قرب الشطآن كانت بساتين تضج بأشجار التفاح الصغير والمشمش البلدي و حكايات الجدات عن ساحرة إن نظرت إليك ستصيبك رعشة روح و تصير عصفوراً و ربما حكاية منسية.. كان الناس يمرون في الشوارع المكشوفة أمام سياط الشمس فتهدل من بعيد حناجر تبتدع " الموليا" و الموليا كانت ذات يوم صبية نافرة النهدين جميلة المحيا لكنها في لحظة غضب صارت مواويل عن وجع وعشق وانتظار حصاد.. الموليا هي روحنا يا ولدي قال لي ذلك أبي الذي مات قبل احتلال الذئب للغابة .. وقلت لنفسي الموليا هي من طين الفرات وقت الفيضان ومن جرح عشتار وهي تمر حزينة على ما جرى لماري.. لكني لا اعرف كيف اختلطت المدن لدي فدير الزور تشبه ماري وهي أغرقها البكاء.. و ديرالزور لم تراقص العسكر الفرنسي في حانة الموت المرمية قريباً من ضفاف النهر الصغير.. ولم ترم بأوجاعها في الماء في وقت كان أبناؤها يعشقون عبور النهر الكبير و هم يرسمون على صفحة الماء أفق قادم الأيام. . لكنني حين ولجت المدينة بخفة الظل و كان برفقتي رجل عجوز يضع على رأسه طربوشاً أحمر ضحكت ملء حارتين من وجع أزهار عباد الشمس و قلت للعجوز : أنت شاعرنا الجميل ولكن قل لي كيف حدث هذا الدمار ؟ وقل لي من رسم النهايات له ؟ . نظر الشاعر العجوز في الأفق وهو يتأمل بحزن بيوتاً تداعت و تهدمت و شوارع أغلقتها أكوام الحجر والخشب وجثثاً مجهولة حرقتها طائرات عبرت منذ حين سماء المدينة.. قال الشاعر العجوز و كان اسمه " محمد الفراتي " : هذه ليست حرباً يا صديقي.. بل هي سحق لكل شيء حي.. ويبدو إنهم يكرهون الحياة. ومحمد الفراتي الذي كان برفقتي غاب في لحظة عن عيني فارتسم في الأفق رتل طويل من عسكر يحمل كل واحد منهم شيئاً لم أتبينه من مكاني.. اقتربت منهم كظل باهت.. كانت وجوههم خشنة الملامح وبلا سماء و ثيابهم مغبرة وعيونهم تبوح بفوز صغير كفوز طفل بقطعة حلوى اختلسها في لحظة انشغال بائع الحلوى بقامة امرأة مياسة القد عبرت من أمامه.. قلت لنفسي و أنا أمر قريباً من رتل اللصوص: ينبغي أن أتفقد حال بيتي. . كانت المدينة لحظة اقتحامي السري لها خالية من النبض و الناس و القطظ المنزلية.. و كانت رصاصات تئز فوق رأسي و تنبئني أن قناصاً لا يزال يتشبث بأي شيء يتحرك ليصطاده.. همس لي صديقي الشاعر محمد الفراتي: سنتحدث بصوت خفيض كي لا تصطادنا عيون القناصين. قلت للشاعر: لست خائفاً. ضحك الشاعر وقال لي: بل خائفون و أكثر ولكن قل لي لماذا يمر النهر حزيناً شحيح الصفاء كثير الكدر . . لم أك لحظتئذ أمتلك جواباً مقنعاً أو فكرة عن ضوء القمر حين يغسل ضياؤه ذؤابات شجر الحور فتتكسر الظلمة قرب الضفاف. كان عقلي مشغولاً ببيتي و بحارتنا وحين ولجناها كنا نعتلي أكوام البيوت المدمرة ونهبط.. كل شيء كان غريباً.. فالشارع وكأنه ليس الشارع الذي صرفت من عمري أعواماً و أنا أعد أبوابه و أتأمل زخرفات أبنيته و وجوه أصحاب بيوته. كنت مشدوهاً و ربما كنت ضائعاً. وكان الشاعر الفراتي لا يزال يتلو على نفسه قصيدة جديدة ولدت في التو من هذا الدمار. قلت لروحي ربما كنا نحتاج إلى هذا الوجع لتغتسل أرواحنا من أدرانها. رد الفراتي علي بغضب و قال : كيف تسمح لمخيلتك أن ترسم سبب البلاء بهذه الطريقة؟ . . وحين وصلنا إلى البناء الذي يضم بيتي بين طوابقه اعترتني موجة ضحك مفاجئة جعلت عيني الشاعر الفراتي تجحظان بشدة فقال لي: ما الذي يضحكك أيها الرجل.. قلت ؛ شر البلية ! . قال: ولكنها ليست بلية بل ولادة . قلت بتهكم: ولادة من الخاصرة ، وحاولت جاهداً أن أتذكر من سمى قصته بهذا الاسم. . كان بيتي بلا شرفة فلا أحد يعرف كيف طار إسمنتها وحديدها وحجارتها لا بل كيف طارت الابواب والنوافذ.. قلت للفراتي بإصرار : هذا ليس بيتي. قال الفراتي: بيت من إذاً ؟ . . في تلك اللحظة خرج من بيتي مجموعة من العسكر وهم يحملون على أكتافهم أغراضي.. فرأيت تلفازي وثلاجتي وكتبي ثم رأيت واحداً منهم يرش سائلاً بلا لون على ما تبقى و يرمي بعود ثقاب فيشتعل البيت بالنار. . صفقت للنار وهي تلتهم بيتي بأسنانها الحمراء و تذكرت حالنا حين كنا نزور قبور موتانا فنشعل الأشواك في ليلة الخامس عشر من شعبان . . وحين التفت إلى مكان صديقي العجوز لأهمس له بصوت خفيض لا يسمعه العسكر وجدت صديقي معلقاً على جدار وعيناه ترصدان قمراً لم يبزغ بعد.]]> مدينة الأرواح الذابلة بقلم: أسامة آغي كانت ثمة شطآن تتزين بالحور و أشجار الغرب والطرفة.. و قرب الشطآن كانت بساتين تضج بأشجار التفاح الصغير والمشمش البلدي و حكايات الجدات عن ساحرة إن نظرت إليك ستصيبك رعشة روح و تصير عصفوراً و ربما حكاية منسية.. كان الناس يمرون في الشوارع المكشوفة أمام سياط الشمس فتهدل من بعيد حناجر تبتدع " الموليا" و الموليا كانت ذات يوم صبية نافرة النهدين جميلة المحيا لكنها في لحظة غضب صارت مواويل عن وجع وعشق وانتظار حصاد.. الموليا هي روحنا يا ولدي قال لي ذلك أبي الذي مات قبل احتلال الذئب للغابة .. وقلت لنفسي الموليا هي من طين الفرات وقت الفيضان ومن جرح عشتار وهي تمر حزينة على ما جرى لماري.. لكني لا اعرف كيف اختلطت المدن لدي فدير الزور تشبه ماري وهي أغرقها البكاء.. و ديرالزور لم تراقص العسكر الفرنسي في حانة الموت المرمية قريباً من ضفاف النهر الصغير.. ولم ترم بأوجاعها في الماء في وقت كان أبناؤها يعشقون عبور النهر الكبير و هم يرسمون على صفحة الماء أفق قادم الأيام. . لكنني حين ولجت المدينة بخفة الظل و كان برفقتي رجل عجوز يضع على رأسه طربوشاً أحمر ضحكت ملء حارتين من وجع أزهار عباد الشمس و قلت للعجوز : أنت شاعرنا الجميل ولكن قل لي كيف حدث هذا الدمار ؟ وقل لي من رسم النهايات له ؟ . نظر الشاعر العجوز في الأفق وهو يتأمل بحزن بيوتاً تداعت و تهدمت و شوارع أغلقتها أكوام الحجر والخشب وجثثاً مجهولة حرقتها طائرات عبرت منذ حين سماء المدينة.. قال الشاعر العجوز و كان اسمه " محمد الفراتي " : هذه ليست حرباً يا صديقي.. بل هي سحق لكل شيء حي.. ويبدو إنهم يكرهون الحياة. ومحمد الفراتي الذي كان برفقتي غاب في لحظة عن عيني فارتسم في الأفق رتل طويل من عسكر يحمل كل واحد منهم شيئاً لم أتبينه من مكاني.. اقتربت منهم كظل باهت.. كانت وجوههم خشنة الملامح وبلا سماء و ثيابهم مغبرة وعيونهم تبوح بفوز صغير كفوز طفل بقطعة حلوى اختلسها في لحظة انشغال بائع الحلوى بقامة امرأة مياسة القد عبرت من أمامه.. قلت لنفسي و أنا أمر قريباً من رتل اللصوص: ينبغي أن أتفقد حال بيتي. . كانت المدينة لحظة اقتحامي السري لها خالية من النبض و الناس و القطظ المنزلية.. و كانت رصاصات تئز فوق رأسي و تنبئني أن قناصاً لا يزال يتشبث بأي شيء يتحرك ليصطاده.. همس لي صديقي الشاعر محمد الفراتي: سنتحدث بصوت خفيض كي لا تصطادنا عيون القناصين. قلت للشاعر: لست خائفاً. ضحك الشاعر وقال لي: بل خائفون و أكثر ولكن قل لي لماذا يمر النهر حزيناً شحيح الصفاء كثير الكدر . . لم أك لحظتئذ أمتلك جواباً مقنعاً أو فكرة عن ضوء القمر حين يغسل ضياؤه ذؤابات شجر الحور فتتكسر الظلمة قرب الضفاف. كان عقلي مشغولاً ببيتي و بحارتنا وحين ولجناها كنا نعتلي أكوام البيوت المدمرة ونهبط.. كل شيء كان غريباً.. فالشارع وكأنه ليس الشارع الذي صرفت من عمري أعواماً و أنا أعد أبوابه و أتأمل زخرفات أبنيته و وجوه أصحاب بيوته. كنت مشدوهاً و ربما كنت ضائعاً. وكان الشاعر الفراتي لا يزال يتلو على نفسه قصيدة جديدة ولدت في التو من هذا الدمار. قلت لروحي ربما كنا نحتاج إلى هذا الوجع لتغتسل أرواحنا من أدرانها. رد الفراتي علي بغضب و قال : كيف تسمح لمخيلتك أن ترسم سبب البلاء بهذه الطريقة؟ . . وحين وصلنا إلى البناء الذي يضم بيتي بين طوابقه اعترتني موجة ضحك مفاجئة جعلت عيني الشاعر الفراتي تجحظان بشدة فقال لي: ما الذي يضحكك أيها الرجل.. قلت ؛ شر البلية ! . قال: ولكنها ليست بلية بل ولادة . قلت بتهكم: ولادة من الخاصرة ، وحاولت جاهداً أن أتذكر من سمى قصته بهذا الاسم. . كان بيتي بلا شرفة فلا أحد يعرف كيف طار إسمنتها وحديدها وحجارتها لا بل كيف طارت الابواب والنوافذ.. قلت للفراتي بإصرار : هذا ليس بيتي. قال الفراتي: بيت من إذاً ؟ . . في تلك اللحظة خرج من بيتي مجموعة من العسكر وهم يحملون على أكتافهم أغراضي.. فرأيت تلفازي وثلاجتي وكتبي ثم رأيت واحداً منهم يرش سائلاً بلا لون على ما تبقى و يرمي بعود ثقاب فيشتعل البيت بالنار. . صفقت للنار وهي تلتهم بيتي بأسنانها الحمراء و تذكرت حالنا حين كنا نزور قبور موتانا فنشعل الأشواك في ليلة الخامس عشر من شعبان . . وحين التفت إلى مكان صديقي العجوز لأهمس له بصوت خفيض لا يسمعه العسكر وجدت صديقي معلقاً على جدار وعيناه ترصدان قمراً لم يبزغ بعد.]]> 113126 *البط يشكو ، والنسور تحلق فوق الجميع* : قصة انكليزية مختصرة وعبرة للحياة http://www.souriyati.com/2018/09/10/109363.html Mon, 10 Sep 2018 20:08:35 +0000 http://www.souriyati.com/?p=109363 *البط يشكو ، والنسور تحلق فوق الجميع* قراءة ممتعة ارجوها لكم القصة باللغة الإنجليزية، تم ترجمتها للغة العربية وأختصارها وذلك للتركيز على الفكرة الأصلية دون ذكر التفاصيل الجانبية.
" يقول الكاتب كنت في خط الانتظار لركوب سيارة من المطار إلى الفندق. فكان نصيبي سيارة في غاية النظافة، يلبس سائقُها ملابسَ غاية في الأناقة. نزل السائق من السيارة وفتح لي الباب الخلفي للجلوس، وقال: "أسمي أحمد، وأنا سائقك هذا الصباح، ريثما أضع حقائبك في صندوق السيارة تستطيع أن تقرأ مهامي المدونة في هذه البطاقة." قرأت في البطاقة: "أسعد الله أوقاتك: مهمتي أن أوصلك إلى هدفك: بأسرع طريقة، وأكثرها أماناً، وأقلها كلفة، وبجو ودي مريح." جلس أحمد خلف عجلة القيادة بهدوء، وقبل أن يتحرك بالسيارة نظر إليّ في المرآة وقال: هل ترغب في فنجان قهوة، لدي ثيرموس لقهوة عادية وآخر لقهوة بدون كافين! فقلت مازحاً: شكراً أنا أفضل المشروبات الباردة. فقال: مرحباً لدي مياه غازية عادية، وأخرى بدون سكر، وعصير برتقال، فقلت أفضل عصير البرتقال، فناولني كأس العصير. ثم قال: بسم الله، وبدأ المسير. وبعد دقيقة، ناولني بطاقة عليها قائمة المحطات الإذاعية وقال تستطيع أن تختار ما تريد أن تسمعه من الأخبار أو الموسيقى، أو الدردشة حول ما تراه في الطريق، أو عما يمكنك أن تزوره في المدينة، أو أتركك مع أفكارك، فاخترت الدردشة. وبعد دقيقتين، سألني عما إذا كانت درجة التبريد في السيارة مناسبة، ثم قال إن لدينا حوالي أربعين دقيقة، فإن شئت القراءة فلدي جريدة هذا الصباح ومجلتا هذا الأسبوع. قلت له يا سيد أحمد: هل تخدم جميع الزبائن بهذه الطريقة دائماً؟! فقال للأسف بدأت هذه الطريقة قبل سنتين فقط. وكنت قبلها مثل سائر السائقين لمدة خمس سنوات. معظم السائقين سياراتهم غير نظيفة ومنظرهم غير أنيق، ويصرفون كل وقتهم بالشكوى والتشاؤم وندب الحظ. وجاء التغيير الذي قمت به عندما سمعت عن فكرة أعجبتني أسمها: "قوة الاختيار". وتقول: "بإمكانك أن تختار أن تكون بطة أو نسراً: البطة تشكو بؤسها، والنسر يرفرف مبتهجاً، ويحلق عالياً." فقررت أن أمارس التغيير شيئاً فشيئاً حتى وصلت إلى ما ترى. أشعر بالسعادة، وأنشر السعادة على الزبائن، وتضاعف دخلي في السنة الأولى، ويبشر دخلي هذا العام بأربعة أضعاف. والزبائن يتصلون بي لمواعيدهم، أو يتركون لي رسالة على الهاتف، وأنا أستجيب. الدرس والعبرة من هذه القصة: توقف عن أن تكون بطة تندب حظها وتكثر الشكوى، وابدأ مسيرك لتكون نسراً سعيداً تحلق فوق الجميع، لن تحقق ذلك مرة واحدة، أبدأ الخطوة الأولى، ثم واصل المسير، خطوة خطوة، ولو خطوة واحدة كل أسبوع. وسترى ما يحدث لك من تغيير إيجابي. طابت أوقاتكم بذكر الآية الكريمة " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " التغيير يبدأ من عندك ....... منقول
]]>
*البط يشكو ، والنسور تحلق فوق الجميع* قراءة ممتعة ارجوها لكم القصة باللغة الإنجليزية، تم ترجمتها للغة العربية وأختصارها وذلك للتركيز على الفكرة الأصلية دون ذكر التفاصيل الجانبية.
" يقول الكاتب كنت في خط الانتظار لركوب سيارة من المطار إلى الفندق. فكان نصيبي سيارة في غاية النظافة، يلبس سائقُها ملابسَ غاية في الأناقة. نزل السائق من السيارة وفتح لي الباب الخلفي للجلوس، وقال: "أسمي أحمد، وأنا سائقك هذا الصباح، ريثما أضع حقائبك في صندوق السيارة تستطيع أن تقرأ مهامي المدونة في هذه البطاقة." قرأت في البطاقة: "أسعد الله أوقاتك: مهمتي أن أوصلك إلى هدفك: بأسرع طريقة، وأكثرها أماناً، وأقلها كلفة، وبجو ودي مريح." جلس أحمد خلف عجلة القيادة بهدوء، وقبل أن يتحرك بالسيارة نظر إليّ في المرآة وقال: هل ترغب في فنجان قهوة، لدي ثيرموس لقهوة عادية وآخر لقهوة بدون كافين! فقلت مازحاً: شكراً أنا أفضل المشروبات الباردة. فقال: مرحباً لدي مياه غازية عادية، وأخرى بدون سكر، وعصير برتقال، فقلت أفضل عصير البرتقال، فناولني كأس العصير. ثم قال: بسم الله، وبدأ المسير. وبعد دقيقة، ناولني بطاقة عليها قائمة المحطات الإذاعية وقال تستطيع أن تختار ما تريد أن تسمعه من الأخبار أو الموسيقى، أو الدردشة حول ما تراه في الطريق، أو عما يمكنك أن تزوره في المدينة، أو أتركك مع أفكارك، فاخترت الدردشة. وبعد دقيقتين، سألني عما إذا كانت درجة التبريد في السيارة مناسبة، ثم قال إن لدينا حوالي أربعين دقيقة، فإن شئت القراءة فلدي جريدة هذا الصباح ومجلتا هذا الأسبوع. قلت له يا سيد أحمد: هل تخدم جميع الزبائن بهذه الطريقة دائماً؟! فقال للأسف بدأت هذه الطريقة قبل سنتين فقط. وكنت قبلها مثل سائر السائقين لمدة خمس سنوات. معظم السائقين سياراتهم غير نظيفة ومنظرهم غير أنيق، ويصرفون كل وقتهم بالشكوى والتشاؤم وندب الحظ. وجاء التغيير الذي قمت به عندما سمعت عن فكرة أعجبتني أسمها: "قوة الاختيار". وتقول: "بإمكانك أن تختار أن تكون بطة أو نسراً: البطة تشكو بؤسها، والنسر يرفرف مبتهجاً، ويحلق عالياً." فقررت أن أمارس التغيير شيئاً فشيئاً حتى وصلت إلى ما ترى. أشعر بالسعادة، وأنشر السعادة على الزبائن، وتضاعف دخلي في السنة الأولى، ويبشر دخلي هذا العام بأربعة أضعاف. والزبائن يتصلون بي لمواعيدهم، أو يتركون لي رسالة على الهاتف، وأنا أستجيب. الدرس والعبرة من هذه القصة: توقف عن أن تكون بطة تندب حظها وتكثر الشكوى، وابدأ مسيرك لتكون نسراً سعيداً تحلق فوق الجميع، لن تحقق ذلك مرة واحدة، أبدأ الخطوة الأولى، ثم واصل المسير، خطوة خطوة، ولو خطوة واحدة كل أسبوع. وسترى ما يحدث لك من تغيير إيجابي. طابت أوقاتكم بذكر الآية الكريمة " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " التغيير يبدأ من عندك ....... منقول
]]>
109363
خمس دقائـــق : قصة قصيرة جدا تكتبها مها راجح http://www.souriyati.com/2018/04/11/99490.html Wed, 11 Apr 2018 20:10:44 +0000 http://www.souriyati.com/?p=99490 قصة ، من : مها راجح أحيانــــــا ، تقف في المطبخ لتصنع وجبة الافطار ،تحرك القهوة ..وتستمتع إلى موسيقى تضُّج قلبك نبضاً .. تمــــر على ذاكرتك الكتب التي قرأتــــها والرحلات التي خططت لها .. صداقاتك التي تشير إلى أنك في حيز الوجود.. فجأة تشعر أنك ليس بالبيت بجسدك..أنك محاصر في فترة الخمس دقائـــــــق حيث الحنين إلى عمر ٍمضى كالسادسة عشر مثلاً .. تـــحس بالغربة ..تدرك أنك لا تملك الرجوع إليه بالزمن .. لا تملك أن تتذكر كيف اجتزت تلك السنوات إلى ما وصلت عليه .. تنتهي الموسيقى ..تفور القهوة ..فتتنفس الصعداء .. تستعد لأن تعود إلى واقعك ..في خمس دقائق.   http://www.arabicstory.net/index.php?p=text&tid=22759  ]]> قصة ، من : مها راجح أحيانــــــا ، تقف في المطبخ لتصنع وجبة الافطار ،تحرك القهوة ..وتستمتع إلى موسيقى تضُّج قلبك نبضاً .. تمــــر على ذاكرتك الكتب التي قرأتــــها والرحلات التي خططت لها .. صداقاتك التي تشير إلى أنك في حيز الوجود.. فجأة تشعر أنك ليس بالبيت بجسدك..أنك محاصر في فترة الخمس دقائـــــــق حيث الحنين إلى عمر ٍمضى كالسادسة عشر مثلاً .. تـــحس بالغربة ..تدرك أنك لا تملك الرجوع إليه بالزمن .. لا تملك أن تتذكر كيف اجتزت تلك السنوات إلى ما وصلت عليه .. تنتهي الموسيقى ..تفور القهوة ..فتتنفس الصعداء .. تستعد لأن تعود إلى واقعك ..في خمس دقائق.   http://www.arabicstory.net/index.php?p=text&tid=22759  ]]> 99490 قصة قصيرة تكتبها هدى توفيق : المسافر الأخير يموت ببطء http://www.souriyati.com/2018/04/10/99336.html Tue, 10 Apr 2018 06:20:00 +0000 http://www.souriyati.com/2018/04/10/99336.html عندما وصلتُ إلى موقف السيارات (الميكروباصات) لأسافر كان ذلك في مساء متأخر جداً.. ليل آخر ملعون وسماء سوداء أخرى، وهج النار ينبعث من الخشب المحروق حيث يحتمي الجميع من ضربات الشتاء الناخرة، كان المكان على قدر ظلمته وكآبته تلفُّه ضوضاء بطيئة تشعرني بخدر في رأسي، سرعان ما تعوّدت عليه وأحببته. التفتُّ إلى السائق فرأيته جالساً في "غرزة" مكشوفة ينادي على من يسافر. إنه لا يشعر بالزهق مثلي، فرغبته فى السفر تتحقّق عندما تمتلئ العربة وهو ينشط فقط حينما يبدو له زبون في الأفق. رغم قلّة المسافرين وندرتهم بسبب تأخّر الوقت وقساوة الليل الشتائي، فقد انكشفت الأرض فجأة عن عائلتين من المسافرين ذوي الأعمار المتنوعة، فاحتفظت لنفسي على الفور بمكان جيّد داخل العربة بجانب الباب الأمامي، وعندما كان السائق يوزّعهم على الكراسي داخل العربة اطمأننت أن ذلك لن يؤثر على مكاني الذي اخترته.. بعدها بدقيقة واحدة على الأكثر جاء اثنان آخران صديقان أخذا مكانهما في الكرسي الأخير للعربة، حدث هذا في وقت قصير جداً. والآن ننتظر المسافر الأخير. "رأيت لحظتها وهج النار يملأ السماء وانكشفت الأشياء. قلت في نفسي لا عليّ. لا أحد يراها غيري ومن غيري". ( 1 ) إن من أتى لتوه رفض المكان الخلفيّ الضيّق مفضّلاً أن يركب عربة فارغة، كان رجلاً لا يعير اهتماماً للوقت.. كان راغباً فى تضييعه، كنتُ متعجلاً، ولم يكن لذلك سبب، أستشعر الملل والموت، لذا عرضت عليه أن يركب في مكاني الفاخر فأنا أوّل من هبط على هذه العربة. التفتُّ إليه مستعداً للنهوض، أعرفه.. أعرفه جيداً، كانت بيننا صداقة قديمة، ولكن ثمرتها لم تطرح إلا الكراهية.. تعبتُ من أفعاله الضيقة التي كان فيها مُضحّياً بي لينال مُتعاً رخيصة زائلة. لا عليّ، إنه عداء إنساني منتشر بين الناس، وحتى أبتعد عن تركيزي في ذلك انتبهت وتراجعت وقلت: لا.. لن أتنازل عن مكاني وطوّقته بعينيّ بسرعة أدهشته. الآن ذهب صديقي القديم الذي أعرفه جيداً وأكرهه ليركب عربة أخرى. فليكن .. قلت: لا عليّ. طيلة الوقت، ولزمن بعيد، كنت أتخيّل الموت شخصاً وحيداً ممتطياً درّاجته البخارية المتهالكة. مع ذلك.. يسير بسرعة.. برشاقة يعبر العالم ويتخطى الوجوه.. روح سوداء تطير وتطير لتقتنص الأرواح البريئة والشريرة، أو أحسّه طائراً سماوياً مُبهِراً وملعوناً حطّ على هذه الأرض البعيدة ذا أنف حاد ووجه هادئ متكبر. "أيها المفترس نفسه في غيظه، هل لأجلك تُخلى الأرض أو يُزحزح الصخر من مكانه". ( 2 ) قال السائق متحمساً: - مسافر يا بيه.. إنت.. اركب خلاص هنمشي. قلت لنفسي متعجلاً: من الصعب أن يكون عدوّاً آخر في ليلة واحدة. سلّمت للمسافر الأخير بحب ورضا مكاني وجلست أسيراً في مؤخرة العربة بجانب الصديقين. من اللحظات الأولى في الطريق أعرف انتماءات السائقين.. وهذا رجل هادئ في ما عدا نوبات السعال المستمرة، لا تجذبه مناقشات الراكبين ورغباتهم في التحدث معه.. إنه الشيطان الذي يغري الأرواح المستهترة بالحياة وسط المقامرة.. إنها مقامرة لا يُستهان بها رغم كل شيء.. ومن يستهين؟ يبدو أن السائق لا محالة قد قبل المقامرة.. إنه يسرع.. إنه يأكل الطريق أكلاً، وليكن فليسرع وليزدد وهج العرض. "لقد كنت صغيراً جدّاً على أن تريني هذا". توقفت.. نظرنا.. تجمّدنا ونحن نرى العربة الضخمة تهجم علينا بسرعة.. صرخات وتمتمات لكلام غير واضح، أصوات عظام الآخرين تطقطق والدماء المتناثرة من عملية الذبح الفجائية، جثث طازجة تلسعك سخونة دمائها.. القتل فجأة ودون تردد.. الأفعال الروتينية للآلهة. "لماذا تحجب وجهك عني وتحسبني عدوّاً لك" . المسافر الأخير تحملقت عيناه وتلاشت.. نظرات السخرية الأخيرة والعتاب. ( 3 ) كان وجهه يرتطم جيئة وذهاباً ضارباً في هيكل العربة الحديدي، الدم النبيل يتطاير على الوجه الساخر المتكبر ببطء، ثقيل بلونه الأحمر الملتهب يغطّي وجهه مطلقاً ابتسامته الحرة الأخيرة. هل لك حياة أخرى!! عندما هدأت أصوات الاصطدام قليلاً، كانت جثث رفقائي من حولي تحتضنني برفق واستسلام، كان الخروج من العربة شيئاً صعباً لي، فالمشهد من حولي مليء بالتفاصيل التي يصعب الخروج منها. لقد أُصبت بلعنة وهي الآن تأكلني ببطء. لكني فى آخر الأمر سأُرجّح فكرة الخروج مهما تكلّف الأمر منّي. كان وجه السائق الميت لتوّه متدلياً أمامي على ناصية المسند صامتاً ومتذمراً.. لا ينظر إليّ.. لا ينظر لأحد، كان فى غمرة المقامرة وهو الآن خاسر وميت، كنتُ أشاهده وأراقب خسارته.. سرعته عجلت من خسارته. جثث العائلتين والصديقين كانت ما زالت تتكلم وتقاوم الموت بإنهاك وعجز.. لقد انحشروا جميعاً فى قاع العربة ومصابين بشدة لم تُفلت أرواحهم ولن يموتوا، سيعيشون يؤدون أدوارهم الباقية وتمر الأيام وكل منهم يتكيف مع عجزه المقدر له، لقد انكسرت أرجلهم وتهشمت عظامهم وسيضطرّون بعد ذلك أن يظلوا راقدين متصلبين على فراشهم المعدني لا يُبارحونه. لن يكون ذلك هيّناً.. ( 4 ) خرجتُ من العربة الغارقة في الدماء، أتشمّم الهواء الساخن المنبعث من الاحتراق.. أحسست بسخونة شديدة ورأيت السماء وقد تحوّل مزاجها والقمر يلمع ببريقه الفضي القوي.. رغم الليل الشتائي الطويل، مشيت لا أفكر في شيء، أرى وهج عيون العربات أمامي ولا شيء آخر.. تجاوزت العربة بمن فيها وحولها وفي كل خطوة أخطوها أشعر بأن شيئاً ورائي يتعقبني ويسعى إليّ وأنه سيهاجمني من خلفي يلهث وراء عيوني أينما ذهبت.. لا أستطيع الفِكاك منه.. أقاوم رغبتي في أن أنظر خلفي، تسري قشعريرة في جسدي تمنعني من المقاومة. لقد وقفت أخيراً رغماً عنّي ونظرت فجأة.. كان وجهه صامتاً -المسافر الأخير- ينظر إليّ ولا يتحرّك، جسده مليء بالجروح وجهه يُشبهني قليلاً. "لقد كان عليّ أن أذهب -أنا- إلى الموت لأراه دون شيء آخر، كما تصوّرته دائماً يحضر إلى الطرق الطويلة يهاجم المسافرين المنحشرين داخل العربات الصغيرة حالمين بالعودة إلى أماكنهم الأولى بينما تجري الحياة أمامهم وخلفهم بغزارة، لقد ذهبت إلى الموت لأراه ولكني كنت الناجي الوحيد ولم يمسّ التراب ملابسي، شاهدته ببطء ولهذا قصة أخرى سأحكيها فى أحد الأيام سأبثها فى رؤوسكم بثّاً. بدايتها: عن وجودي الثقيل الوطأة في أي مكان أذهب إليه يستحضر إليّ قبضات الموت اللعينة. مَن منكم يزيح بأظافره المعدنية الحادة وجودي الثقيل؟ * كاتبة مصرية من مواليد محافظة بني سويف، حاصلة على الإجازة في الأدب الإنكليزي من "جامعة القاهرة" عام 1995. من مجموعاتها القصصية: "أن تصير رجلاً"، و"كهف البطء"، و"عدوى المرح"، و"حذاء سيلفانا"، كما صدرت لها روايتان: "بيوت بيضاء" و"المريض العربي". أما آخر إصداراتها، فهو كتاب بعنوان "اقتحام الخلوة" (2017) أعدّته حول الناقد المصري عبد المنعم تليمة بمناسبة مرور سنة على رحيله. هدى توفيق]]> عندما وصلتُ إلى موقف السيارات (الميكروباصات) لأسافر كان ذلك في مساء متأخر جداً.. ليل آخر ملعون وسماء سوداء أخرى، وهج النار ينبعث من الخشب المحروق حيث يحتمي الجميع من ضربات الشتاء الناخرة، كان المكان على قدر ظلمته وكآبته تلفُّه ضوضاء بطيئة تشعرني بخدر في رأسي، سرعان ما تعوّدت عليه وأحببته. التفتُّ إلى السائق فرأيته جالساً في "غرزة" مكشوفة ينادي على من يسافر. إنه لا يشعر بالزهق مثلي، فرغبته فى السفر تتحقّق عندما تمتلئ العربة وهو ينشط فقط حينما يبدو له زبون في الأفق. رغم قلّة المسافرين وندرتهم بسبب تأخّر الوقت وقساوة الليل الشتائي، فقد انكشفت الأرض فجأة عن عائلتين من المسافرين ذوي الأعمار المتنوعة، فاحتفظت لنفسي على الفور بمكان جيّد داخل العربة بجانب الباب الأمامي، وعندما كان السائق يوزّعهم على الكراسي داخل العربة اطمأننت أن ذلك لن يؤثر على مكاني الذي اخترته.. بعدها بدقيقة واحدة على الأكثر جاء اثنان آخران صديقان أخذا مكانهما في الكرسي الأخير للعربة، حدث هذا في وقت قصير جداً. والآن ننتظر المسافر الأخير. "رأيت لحظتها وهج النار يملأ السماء وانكشفت الأشياء. قلت في نفسي لا عليّ. لا أحد يراها غيري ومن غيري". ( 1 ) إن من أتى لتوه رفض المكان الخلفيّ الضيّق مفضّلاً أن يركب عربة فارغة، كان رجلاً لا يعير اهتماماً للوقت.. كان راغباً فى تضييعه، كنتُ متعجلاً، ولم يكن لذلك سبب، أستشعر الملل والموت، لذا عرضت عليه أن يركب في مكاني الفاخر فأنا أوّل من هبط على هذه العربة. التفتُّ إليه مستعداً للنهوض، أعرفه.. أعرفه جيداً، كانت بيننا صداقة قديمة، ولكن ثمرتها لم تطرح إلا الكراهية.. تعبتُ من أفعاله الضيقة التي كان فيها مُضحّياً بي لينال مُتعاً رخيصة زائلة. لا عليّ، إنه عداء إنساني منتشر بين الناس، وحتى أبتعد عن تركيزي في ذلك انتبهت وتراجعت وقلت: لا.. لن أتنازل عن مكاني وطوّقته بعينيّ بسرعة أدهشته. الآن ذهب صديقي القديم الذي أعرفه جيداً وأكرهه ليركب عربة أخرى. فليكن .. قلت: لا عليّ. طيلة الوقت، ولزمن بعيد، كنت أتخيّل الموت شخصاً وحيداً ممتطياً درّاجته البخارية المتهالكة. مع ذلك.. يسير بسرعة.. برشاقة يعبر العالم ويتخطى الوجوه.. روح سوداء تطير وتطير لتقتنص الأرواح البريئة والشريرة، أو أحسّه طائراً سماوياً مُبهِراً وملعوناً حطّ على هذه الأرض البعيدة ذا أنف حاد ووجه هادئ متكبر. "أيها المفترس نفسه في غيظه، هل لأجلك تُخلى الأرض أو يُزحزح الصخر من مكانه". ( 2 ) قال السائق متحمساً: - مسافر يا بيه.. إنت.. اركب خلاص هنمشي. قلت لنفسي متعجلاً: من الصعب أن يكون عدوّاً آخر في ليلة واحدة. سلّمت للمسافر الأخير بحب ورضا مكاني وجلست أسيراً في مؤخرة العربة بجانب الصديقين. من اللحظات الأولى في الطريق أعرف انتماءات السائقين.. وهذا رجل هادئ في ما عدا نوبات السعال المستمرة، لا تجذبه مناقشات الراكبين ورغباتهم في التحدث معه.. إنه الشيطان الذي يغري الأرواح المستهترة بالحياة وسط المقامرة.. إنها مقامرة لا يُستهان بها رغم كل شيء.. ومن يستهين؟ يبدو أن السائق لا محالة قد قبل المقامرة.. إنه يسرع.. إنه يأكل الطريق أكلاً، وليكن فليسرع وليزدد وهج العرض. "لقد كنت صغيراً جدّاً على أن تريني هذا". توقفت.. نظرنا.. تجمّدنا ونحن نرى العربة الضخمة تهجم علينا بسرعة.. صرخات وتمتمات لكلام غير واضح، أصوات عظام الآخرين تطقطق والدماء المتناثرة من عملية الذبح الفجائية، جثث طازجة تلسعك سخونة دمائها.. القتل فجأة ودون تردد.. الأفعال الروتينية للآلهة. "لماذا تحجب وجهك عني وتحسبني عدوّاً لك" . المسافر الأخير تحملقت عيناه وتلاشت.. نظرات السخرية الأخيرة والعتاب. ( 3 ) كان وجهه يرتطم جيئة وذهاباً ضارباً في هيكل العربة الحديدي، الدم النبيل يتطاير على الوجه الساخر المتكبر ببطء، ثقيل بلونه الأحمر الملتهب يغطّي وجهه مطلقاً ابتسامته الحرة الأخيرة. هل لك حياة أخرى!! عندما هدأت أصوات الاصطدام قليلاً، كانت جثث رفقائي من حولي تحتضنني برفق واستسلام، كان الخروج من العربة شيئاً صعباً لي، فالمشهد من حولي مليء بالتفاصيل التي يصعب الخروج منها. لقد أُصبت بلعنة وهي الآن تأكلني ببطء. لكني فى آخر الأمر سأُرجّح فكرة الخروج مهما تكلّف الأمر منّي. كان وجه السائق الميت لتوّه متدلياً أمامي على ناصية المسند صامتاً ومتذمراً.. لا ينظر إليّ.. لا ينظر لأحد، كان فى غمرة المقامرة وهو الآن خاسر وميت، كنتُ أشاهده وأراقب خسارته.. سرعته عجلت من خسارته. جثث العائلتين والصديقين كانت ما زالت تتكلم وتقاوم الموت بإنهاك وعجز.. لقد انحشروا جميعاً فى قاع العربة ومصابين بشدة لم تُفلت أرواحهم ولن يموتوا، سيعيشون يؤدون أدوارهم الباقية وتمر الأيام وكل منهم يتكيف مع عجزه المقدر له، لقد انكسرت أرجلهم وتهشمت عظامهم وسيضطرّون بعد ذلك أن يظلوا راقدين متصلبين على فراشهم المعدني لا يُبارحونه. لن يكون ذلك هيّناً.. ( 4 ) خرجتُ من العربة الغارقة في الدماء، أتشمّم الهواء الساخن المنبعث من الاحتراق.. أحسست بسخونة شديدة ورأيت السماء وقد تحوّل مزاجها والقمر يلمع ببريقه الفضي القوي.. رغم الليل الشتائي الطويل، مشيت لا أفكر في شيء، أرى وهج عيون العربات أمامي ولا شيء آخر.. تجاوزت العربة بمن فيها وحولها وفي كل خطوة أخطوها أشعر بأن شيئاً ورائي يتعقبني ويسعى إليّ وأنه سيهاجمني من خلفي يلهث وراء عيوني أينما ذهبت.. لا أستطيع الفِكاك منه.. أقاوم رغبتي في أن أنظر خلفي، تسري قشعريرة في جسدي تمنعني من المقاومة. لقد وقفت أخيراً رغماً عنّي ونظرت فجأة.. كان وجهه صامتاً -المسافر الأخير- ينظر إليّ ولا يتحرّك، جسده مليء بالجروح وجهه يُشبهني قليلاً. "لقد كان عليّ أن أذهب -أنا- إلى الموت لأراه دون شيء آخر، كما تصوّرته دائماً يحضر إلى الطرق الطويلة يهاجم المسافرين المنحشرين داخل العربات الصغيرة حالمين بالعودة إلى أماكنهم الأولى بينما تجري الحياة أمامهم وخلفهم بغزارة، لقد ذهبت إلى الموت لأراه ولكني كنت الناجي الوحيد ولم يمسّ التراب ملابسي، شاهدته ببطء ولهذا قصة أخرى سأحكيها فى أحد الأيام سأبثها فى رؤوسكم بثّاً. بدايتها: عن وجودي الثقيل الوطأة في أي مكان أذهب إليه يستحضر إليّ قبضات الموت اللعينة. مَن منكم يزيح بأظافره المعدنية الحادة وجودي الثقيل؟ * كاتبة مصرية من مواليد محافظة بني سويف، حاصلة على الإجازة في الأدب الإنكليزي من "جامعة القاهرة" عام 1995. من مجموعاتها القصصية: "أن تصير رجلاً"، و"كهف البطء"، و"عدوى المرح"، و"حذاء سيلفانا"، كما صدرت لها روايتان: "بيوت بيضاء" و"المريض العربي". أما آخر إصداراتها، فهو كتاب بعنوان "اقتحام الخلوة" (2017) أعدّته حول الناقد المصري عبد المنعم تليمة بمناسبة مرور سنة على رحيله. هدى توفيق]]> 99336 جِيتار بلا أوتار..تجسيد محنة الشعب السورى http://www.souriyati.com/2018/04/05/98964.html Thu, 05 Apr 2018 07:13:00 +0000 http://www.souriyati.com/2018/04/05/98964.html جِيتار بلا أوتار خرجتْ ريم على كرسيِّها المتحرك إلى حديقة القصر كعادتها لتتأمل سحر الطبيعة ,ولتحتفل لأول مرة فى حياتها بيقين شفائها القادم من الشلل والتشوه الخلْقى ,والذى قال عنه الطبيب إنه معجزة ولا ريب. وتعجب الطبيب من التشوه الحجمى فى جسدها الذى بدأ ينمو ليتناسق مع باقى أعضاء جسدها . كذلك من هذه الشرايين الضيقة جداً التى بدأتْ تتسع لتؤدى مهمتها بطريقة طبيعية ,والأن ريم تتنفس تنفساً طبيعياً إلى حد ما بعد أن كانتْ تعتمد فى تنفسها على التنفس الصناعى . هذا اليوم 21 أغسطس لسنة 2013 بلغتْ فيه من العمرال 18 عاماً,ومذ ولُدتْ,لمْ تطأ الأرض إذ كان الكرسٍى المتحرك هو قدمها وسائقها . وكانتْ تحب خالها جِهاد مثلما تحب أمها,وترى فيه عِوضاً ونظيراً عن حنان أبيها المُفتقد منذ ولادتها بل أكثر,وكانت دائماً متغيرة المزاج معكرة الصفو بسبب مقاطعة أمها له لانضمامه للجهادين والمنشقين عن نظام بشار. ولم تنسْ آخِر مرة إذ كان يضاحكها ويداعبها,وكان دائم التبسم صافى المزاج ودود الكلمات,وكانت أمها وقتئذٍ خارج المنزل,فلما عادتْ عنّفته وسبّته وطردته من المنزل قائلة "أخرج يا ملعون " فتمتم تمتمة المتودد المتوسل :ريم تحتاج إلىّ وأنا أحبها أكثر مِنْ ...و...و...و...قاطعته هنا قالت بتهكم : والشعب السورى,ألا يحتاج مودتك وحنانك ألا تحبه أكثر من ...و...و ... ,لا تختلف عن زوجى فى شئٍ,أنتما جسدان بلا روح ,جيتاران بلا أوتار ,ولولا ريم لانفصلتُ عنه .. تنازعتم ,وكانت الضحية,الضحية نحن الشعب ..ثم أشارت بيدها إلى البوابة الرئيسية للقصر قائلةً أخرج ولا تعد ثانية وانسنى وريم .فرد جهاد:جوليا أختى نحن على الحق و ..... قالت :أنتم على الحق وبشارعلى الحق ,وأيضاً زوجى بشار أبو ريم على الحق ,ومن يوالون هؤلاء "مشيرة إلى أماكن تمركز النظام السورى "على الحق ومن يوالون هؤلاء"مشيرة إلى أماكن تمركز الجهاديين"على الحق,وهؤلاء المساكين"عملتْ دائرة بيدها إشارة على عوام الشعب السورى"على الباطل .. أخرج يا جهاد ,ثم قالتها صارخة متوعدة أخرج. خرج خالها والدمع من عينيه منسكب وقال مودعاً متوجعاً من الفراق , ريم ريم . بادلته بمشاعر أعمق ومدتْ يدها له ناظرة إليه وإلى أمها معاً قائلة يا ليتنى أستطيع النهوض لعدوتُ خلفك. دمعتْ عين أمها بسبب كلماتها وهمّتْ بمناداته ولكنه قد فارق. غيّبتْ ريم هذا المشهد الأليم فى مخيلتها كى تعيش تلك اللحظات الساحرة فى قصر أبيها الذى اشتراه لهما مذ قامت الثورة السورية فى 2011. لم تفرح أمها بالقصر مطلقاً ولكنها قطنته بسبب فرح ريم العميق به . ريم بين أحضان الطبيعة تستنشق عبير الأزهار وتستمع لتغريدات البلابل ,وتلذ عينيها بجمال هذه الروضة التى تتوسط القصر. تشعر بالأمن والهداية وفسيح من الأنفاس المنطلقة فى جوف الهواء الطلق النقى. ريم تنتظر غدها لتعش حياتها كأى فتاة طبيعية. فجأة,حلَّ آذانَ ريم صوتُ صواريخ استعمرَ أُذنيها طارداً صداح البلابل ,واستعمر الهواء المسموم أنفها طارداً رحيق الزهور, وانكتمتْ أنفاسها وحاولتْ الصراخ لتستغيث فما استطاعتْ. بدأ جسدها السليم التشنج بينما العليل المشلول مستريح ,كل شئ تشنج فيها إلا الجزء المشلول "ألف دمعة عليك يا ريم ". وتقيأت وخرج من فمها سائلٌ أصفرٌ ,لكن أكثر شئ مُفجع هو ضيق التنفس الطبيعى والذى جاء السارين فأجهزَ على النذْر القليل من التنفس لديها . لمْ تمض سوى لحظات قلائل ,بعدها رأتْ أمها تعدو من بعيد لتسعفها ليس لعلمها ما تعرضتْ له من أذى بل لقراءتها رسالة جاءتها عبر الهاتف من زوجها بشار الذى يعمل ضابطاً كبيراً فى المخابرات السورية نصها "أتركى الغوطة على الفورفالموت قادم خلال لحظات لا محالة انه السارين المميت". فلما اقبلتْ مزقتْ ثيابها على الفور ولم تنزعه عنها حتى لا يمرالسارين بأنفها وأسكبتْ الماء على جسدها,بيد أنّ الإختناق كان الأشدَ فتكاً بها ,وحملتها كى تقلها السيارة إلى مكان بعيد عن القصر. قالت ريم فى اللحظات الأخيرة لها وهى فى السيارة,أماه كان نفْسي ترىْ قدماى لأول مرة على الأرض أسعى إليكِ بهما وأحتضنك. أماه لم يكن ألمى أشد من ألمك ,ولا فرحتى بشفائى أشد من فرحتك, لذلك فقد كنتِ عندى أغلى من حياتى. أماه,هذا أنا ,نتاج عمل أبي وخالى ولكن أخبريهما أنى أحبهما. أماه ,أهجرى هذا البلد حتى تأمن الطيور فى أوكارها, وتأمن فى أرزاقها ,وتُغرّد الحمائم ألحان السلام. عندما ترىْ الضباب فى السحاب ,والزرع فى الأرض,والماء يجرى فى البساتين ,والجيتار له أوتار فاسكنى. أسكنى حيث تجدين الأمان الذى أجده أنا الان ,وانُتزِعتْ الروح وخرجتْ ضاحكة كضحكتها . عاد بشّار بعد أيام من الحادثة إلى قصره بزيّه الملكى الذى يختبأ فيه خشية أعدائه من الجيش الحروالجهادين وبعضٍ من الشعب. عاد فرحاً بالظفر المحقق على الجيش الحرومواليه. وحاملاً معه هدايا إلى إبنته التى يرميها لها عِوضاً عن حنانه المنتزع من قلبه لها ,منادياً لحظه ولُوجه البوابة الداخلية للقصر, جوليا ,جوليا .أين أنتِ. ظلّ يفتح كل أبواب الحجرات بأريحية تامة حتى وجدها وبجانبها خادمتها تسْقِها دواءً وعلامات الإعياء والمرض على وجهها شديدة شديدة. إنقبضَ قلبه على الفور وارتسمتْ على وجهه علامات الخوف والوجل والحزن. جوليا ماذا حدث ؟ لماذا لم تخبّرينى أنك مريضة ؟ هل أصابك السارين؟ ألم أخبرك بترك الغوطة ؟ ألم تقرأى رسائلى عبر الجوال؟ سكتَ برهة لما تذكر الأطفال الأبرياء الذين ماتوا جراء قذف صواريخ السارين..فسألها ببرودٍ .. أين ريم؟ بصقتْ جوليا على وجهه ثم قالت له : ألم تدفنها يوم 21 اغسطس ؟ حسبتك كنتَ يقظاً آنذاك ولكنى أكتشفتُ ألان أنك دفنتها وأنتَ فى غيبوبة بل دفنتها وأنت ميت . وأردفتْ..لم يكن السارين دائى بل فراق ابنتى كل أدوائى وحتى مماتى ,وستظلُّ عاركم ليوم الدين,ولن تفلتوا من العقاب لا الان ولا غداً.أنتظرتك لأحمّلك وزر ابنتك ,أنتظرتك إنتقاماً ,الان أرحلُ لأتركك وآثامك فانتما نظيران لا مثيل لكما. بشار:لا تدعينى لا أستطيع أن أحيا بدونك. جوليا :وتستطيع تحيا بدون ريم !ما راعيتها قط ,عاشت وتعلم انك لا تحبها ,عاشتْ مشلولة الجسد يتيمة الأب..وكان يوم شفائها هو يوم موتها قالتها والدمع يضعضعها ويرجفها. أتسمعْ ..كانتْ تنتظر الشفاء ولكن الموت كان هو الشفاء المنتظر .. وسوف تموت سوريا إما بالحرق أو بالهدم أو بالغرق أو بالتشرد ,وسوف تُرمى صغارها على شواطئ اللئام وفى أحضان الأعداء والشامتين. سوف تُمزق أشلائها وتتخطفها الطير مادام فيها أمثالك وأمثال جِهاد.. أخى, أذكّرك وسوف ترى. أبلسَ بشّارٌ ولف الحديث الشجين ,وراح يذكرُ ما تحلو له النفس وتطيب . بشار:ألمْ أكن لكِ كالطير السابح فى الفضاء آتى بالقوت أيما شئتِ ومتى شئتِ ..ها القصر ..ألم تبصرى. -لعلكِ تذكرين كم ترجمتُ أسطورة جمالك على كل الأسرّة,مَنْ يراقصك ألان أيتها الغزالة النافرة الطاهرة ,, يا غزالة الندى وبريق اللؤلؤ وترياق الأسقام. كم تفجّرتْ روحى سديماً بين نهديْك الناعميْن وشفتيْك الحمراوين وردفيْك المنحنيْين ,كم كان صوتك الملتذ حُلواً يخترق مكامن شهوتى فيسطو مُستعمِراً كل مفاتنك الحسان.كم شعشعنى بريق مفاتنك فضربتْ أهدابى فتخبطتْ فى عيناى فأُبْلسُ بين مفاتنك تائهاً من أى مفتنٍ ألتمس . ردت عليه بلطمة على وجهه: هذه قبلاتى الان فهل تريد المزيد ؟ ولطمته على الخد الاخر هذه مفاتنى فهل تريد المزيد. لم أجد أحقر منك ولا أبخس يا عار سوريا. فى لحظة خروجها تزامن ولوج أخيها عند مدخل الباب وقد علم من البُستانى بخبر موت ريم . وكان مفكك الأوصال متقطع الأنفاس دامع العينين وردد قوله "لا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " صدق الله العظيم" لطمته جوليا على وجهه وقالتْ الله بريئ منك ,وأنا أقول قول ربنا "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وعندما كانت تردد الآية تشير بسبابتها إلى أخيها وزوجها.ثم قالتْ بئس ما تفعلون ,تريدون خلافة على أجساد الأحياء !! ثم أمسكته من جانبي ثوب صدره ودفعته إلى جانب زوجها بشّار ثم قالت بتهكم واستصغار :ربنا يحرسكما من شر كل شيطان وحاسد ,,آخذ لكما صورة تذكار؟,ثم بصقتْ عليهما وولتْ ظهرها وانتوتْ الانصراف. أمسك خال ريم فى أبيها وقال ألا لعنة الله على الظالمين .. تقتلون الأطفال بغير ذنب. بادله بشار بدفعه ثم لكمه قائلاً أنتم الذين قتلتم الأطفال بالسارين ,وأنتم الذين خرجتم على الحاكم الشرعى. وظلا يتبادلان اللكمات التى تحمل الغل الدفين بقلبيهما ,غير ان ضربات بشار كانتْ أشدَّ باساً وتنكيلاً,فحاول خال ريم الفكاك من قبضته وجرى تاركاً القصر إلى الشارع فتبعه بشار ,إلتف عامة الناس من الفقراء والضعفاء الأطفال منهم والنساء كى يفضّوا المعركة لكن السلاح خرج من غمد بشار وأخذ يسدد الطلقات إلى جهاد غير أنها لم تصبه إلا جِراحاً وأصابتْ الناس فسقطوا صرعىً,والباقى منهم ولى هارباً واختبئ خال ريم فى مكان محصن. تركتْ جوليا الجمْع كلهم يتنازعون وخرجتْ إلى الشوارع هائمةً ضائعةً لا تدرى أين تذهب ولا ترى مكاناً يؤيها فقد فارقتْ زوجها وأخيها إلى الأبد . ظلتْ هائمة على وجهها,تتخبط فى الناس والناس تتخبط فيها ,كلهم حياري سكارى من فجيعة الحرب. الكيماوى ينزل من فوق المبانى وجدرانها تتهدم من ضربات الحرب , والحقائب تُحمّل على العربات للرحيل,والوداع بين الأهل بين مقيم لا ينتوى ترك أرضه ويقول أموت بين أهلى ولا اموت بين الغرباء وراحل يري فى الرحيل الأمن والسكينة. والسماء كقطع من الليل مظلما, ويتساقط الدمع من عيون القمر,وترمى النجوم اشعاعات الموت. **************** القاص : إبراهيم أمين مؤمن ]]> جِيتار بلا أوتار خرجتْ ريم على كرسيِّها المتحرك إلى حديقة القصر كعادتها لتتأمل سحر الطبيعة ,ولتحتفل لأول مرة فى حياتها بيقين شفائها القادم من الشلل والتشوه الخلْقى ,والذى قال عنه الطبيب إنه معجزة ولا ريب. وتعجب الطبيب من التشوه الحجمى فى جسدها الذى بدأ ينمو ليتناسق مع باقى أعضاء جسدها . كذلك من هذه الشرايين الضيقة جداً التى بدأتْ تتسع لتؤدى مهمتها بطريقة طبيعية ,والأن ريم تتنفس تنفساً طبيعياً إلى حد ما بعد أن كانتْ تعتمد فى تنفسها على التنفس الصناعى . هذا اليوم 21 أغسطس لسنة 2013 بلغتْ فيه من العمرال 18 عاماً,ومذ ولُدتْ,لمْ تطأ الأرض إذ كان الكرسٍى المتحرك هو قدمها وسائقها . وكانتْ تحب خالها جِهاد مثلما تحب أمها,وترى فيه عِوضاً ونظيراً عن حنان أبيها المُفتقد منذ ولادتها بل أكثر,وكانت دائماً متغيرة المزاج معكرة الصفو بسبب مقاطعة أمها له لانضمامه للجهادين والمنشقين عن نظام بشار. ولم تنسْ آخِر مرة إذ كان يضاحكها ويداعبها,وكان دائم التبسم صافى المزاج ودود الكلمات,وكانت أمها وقتئذٍ خارج المنزل,فلما عادتْ عنّفته وسبّته وطردته من المنزل قائلة "أخرج يا ملعون " فتمتم تمتمة المتودد المتوسل :ريم تحتاج إلىّ وأنا أحبها أكثر مِنْ ...و...و...و...قاطعته هنا قالت بتهكم : والشعب السورى,ألا يحتاج مودتك وحنانك ألا تحبه أكثر من ...و...و ... ,لا تختلف عن زوجى فى شئٍ,أنتما جسدان بلا روح ,جيتاران بلا أوتار ,ولولا ريم لانفصلتُ عنه .. تنازعتم ,وكانت الضحية,الضحية نحن الشعب ..ثم أشارت بيدها إلى البوابة الرئيسية للقصر قائلةً أخرج ولا تعد ثانية وانسنى وريم .فرد جهاد:جوليا أختى نحن على الحق و ..... قالت :أنتم على الحق وبشارعلى الحق ,وأيضاً زوجى بشار أبو ريم على الحق ,ومن يوالون هؤلاء "مشيرة إلى أماكن تمركز النظام السورى "على الحق ومن يوالون هؤلاء"مشيرة إلى أماكن تمركز الجهاديين"على الحق,وهؤلاء المساكين"عملتْ دائرة بيدها إشارة على عوام الشعب السورى"على الباطل .. أخرج يا جهاد ,ثم قالتها صارخة متوعدة أخرج. خرج خالها والدمع من عينيه منسكب وقال مودعاً متوجعاً من الفراق , ريم ريم . بادلته بمشاعر أعمق ومدتْ يدها له ناظرة إليه وإلى أمها معاً قائلة يا ليتنى أستطيع النهوض لعدوتُ خلفك. دمعتْ عين أمها بسبب كلماتها وهمّتْ بمناداته ولكنه قد فارق. غيّبتْ ريم هذا المشهد الأليم فى مخيلتها كى تعيش تلك اللحظات الساحرة فى قصر أبيها الذى اشتراه لهما مذ قامت الثورة السورية فى 2011. لم تفرح أمها بالقصر مطلقاً ولكنها قطنته بسبب فرح ريم العميق به . ريم بين أحضان الطبيعة تستنشق عبير الأزهار وتستمع لتغريدات البلابل ,وتلذ عينيها بجمال هذه الروضة التى تتوسط القصر. تشعر بالأمن والهداية وفسيح من الأنفاس المنطلقة فى جوف الهواء الطلق النقى. ريم تنتظر غدها لتعش حياتها كأى فتاة طبيعية. فجأة,حلَّ آذانَ ريم صوتُ صواريخ استعمرَ أُذنيها طارداً صداح البلابل ,واستعمر الهواء المسموم أنفها طارداً رحيق الزهور, وانكتمتْ أنفاسها وحاولتْ الصراخ لتستغيث فما استطاعتْ. بدأ جسدها السليم التشنج بينما العليل المشلول مستريح ,كل شئ تشنج فيها إلا الجزء المشلول "ألف دمعة عليك يا ريم ". وتقيأت وخرج من فمها سائلٌ أصفرٌ ,لكن أكثر شئ مُفجع هو ضيق التنفس الطبيعى والذى جاء السارين فأجهزَ على النذْر القليل من التنفس لديها . لمْ تمض سوى لحظات قلائل ,بعدها رأتْ أمها تعدو من بعيد لتسعفها ليس لعلمها ما تعرضتْ له من أذى بل لقراءتها رسالة جاءتها عبر الهاتف من زوجها بشار الذى يعمل ضابطاً كبيراً فى المخابرات السورية نصها "أتركى الغوطة على الفورفالموت قادم خلال لحظات لا محالة انه السارين المميت". فلما اقبلتْ مزقتْ ثيابها على الفور ولم تنزعه عنها حتى لا يمرالسارين بأنفها وأسكبتْ الماء على جسدها,بيد أنّ الإختناق كان الأشدَ فتكاً بها ,وحملتها كى تقلها السيارة إلى مكان بعيد عن القصر. قالت ريم فى اللحظات الأخيرة لها وهى فى السيارة,أماه كان نفْسي ترىْ قدماى لأول مرة على الأرض أسعى إليكِ بهما وأحتضنك. أماه لم يكن ألمى أشد من ألمك ,ولا فرحتى بشفائى أشد من فرحتك, لذلك فقد كنتِ عندى أغلى من حياتى. أماه,هذا أنا ,نتاج عمل أبي وخالى ولكن أخبريهما أنى أحبهما. أماه ,أهجرى هذا البلد حتى تأمن الطيور فى أوكارها, وتأمن فى أرزاقها ,وتُغرّد الحمائم ألحان السلام. عندما ترىْ الضباب فى السحاب ,والزرع فى الأرض,والماء يجرى فى البساتين ,والجيتار له أوتار فاسكنى. أسكنى حيث تجدين الأمان الذى أجده أنا الان ,وانُتزِعتْ الروح وخرجتْ ضاحكة كضحكتها . عاد بشّار بعد أيام من الحادثة إلى قصره بزيّه الملكى الذى يختبأ فيه خشية أعدائه من الجيش الحروالجهادين وبعضٍ من الشعب. عاد فرحاً بالظفر المحقق على الجيش الحرومواليه. وحاملاً معه هدايا إلى إبنته التى يرميها لها عِوضاً عن حنانه المنتزع من قلبه لها ,منادياً لحظه ولُوجه البوابة الداخلية للقصر, جوليا ,جوليا .أين أنتِ. ظلّ يفتح كل أبواب الحجرات بأريحية تامة حتى وجدها وبجانبها خادمتها تسْقِها دواءً وعلامات الإعياء والمرض على وجهها شديدة شديدة. إنقبضَ قلبه على الفور وارتسمتْ على وجهه علامات الخوف والوجل والحزن. جوليا ماذا حدث ؟ لماذا لم تخبّرينى أنك مريضة ؟ هل أصابك السارين؟ ألم أخبرك بترك الغوطة ؟ ألم تقرأى رسائلى عبر الجوال؟ سكتَ برهة لما تذكر الأطفال الأبرياء الذين ماتوا جراء قذف صواريخ السارين..فسألها ببرودٍ .. أين ريم؟ بصقتْ جوليا على وجهه ثم قالت له : ألم تدفنها يوم 21 اغسطس ؟ حسبتك كنتَ يقظاً آنذاك ولكنى أكتشفتُ ألان أنك دفنتها وأنتَ فى غيبوبة بل دفنتها وأنت ميت . وأردفتْ..لم يكن السارين دائى بل فراق ابنتى كل أدوائى وحتى مماتى ,وستظلُّ عاركم ليوم الدين,ولن تفلتوا من العقاب لا الان ولا غداً.أنتظرتك لأحمّلك وزر ابنتك ,أنتظرتك إنتقاماً ,الان أرحلُ لأتركك وآثامك فانتما نظيران لا مثيل لكما. بشار:لا تدعينى لا أستطيع أن أحيا بدونك. جوليا :وتستطيع تحيا بدون ريم !ما راعيتها قط ,عاشت وتعلم انك لا تحبها ,عاشتْ مشلولة الجسد يتيمة الأب..وكان يوم شفائها هو يوم موتها قالتها والدمع يضعضعها ويرجفها. أتسمعْ ..كانتْ تنتظر الشفاء ولكن الموت كان هو الشفاء المنتظر .. وسوف تموت سوريا إما بالحرق أو بالهدم أو بالغرق أو بالتشرد ,وسوف تُرمى صغارها على شواطئ اللئام وفى أحضان الأعداء والشامتين. سوف تُمزق أشلائها وتتخطفها الطير مادام فيها أمثالك وأمثال جِهاد.. أخى, أذكّرك وسوف ترى. أبلسَ بشّارٌ ولف الحديث الشجين ,وراح يذكرُ ما تحلو له النفس وتطيب . بشار:ألمْ أكن لكِ كالطير السابح فى الفضاء آتى بالقوت أيما شئتِ ومتى شئتِ ..ها القصر ..ألم تبصرى. -لعلكِ تذكرين كم ترجمتُ أسطورة جمالك على كل الأسرّة,مَنْ يراقصك ألان أيتها الغزالة النافرة الطاهرة ,, يا غزالة الندى وبريق اللؤلؤ وترياق الأسقام. كم تفجّرتْ روحى سديماً بين نهديْك الناعميْن وشفتيْك الحمراوين وردفيْك المنحنيْين ,كم كان صوتك الملتذ حُلواً يخترق مكامن شهوتى فيسطو مُستعمِراً كل مفاتنك الحسان.كم شعشعنى بريق مفاتنك فضربتْ أهدابى فتخبطتْ فى عيناى فأُبْلسُ بين مفاتنك تائهاً من أى مفتنٍ ألتمس . ردت عليه بلطمة على وجهه: هذه قبلاتى الان فهل تريد المزيد ؟ ولطمته على الخد الاخر هذه مفاتنى فهل تريد المزيد. لم أجد أحقر منك ولا أبخس يا عار سوريا. فى لحظة خروجها تزامن ولوج أخيها عند مدخل الباب وقد علم من البُستانى بخبر موت ريم . وكان مفكك الأوصال متقطع الأنفاس دامع العينين وردد قوله "لا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " صدق الله العظيم" لطمته جوليا على وجهه وقالتْ الله بريئ منك ,وأنا أقول قول ربنا "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وعندما كانت تردد الآية تشير بسبابتها إلى أخيها وزوجها.ثم قالتْ بئس ما تفعلون ,تريدون خلافة على أجساد الأحياء !! ثم أمسكته من جانبي ثوب صدره ودفعته إلى جانب زوجها بشّار ثم قالت بتهكم واستصغار :ربنا يحرسكما من شر كل شيطان وحاسد ,,آخذ لكما صورة تذكار؟,ثم بصقتْ عليهما وولتْ ظهرها وانتوتْ الانصراف. أمسك خال ريم فى أبيها وقال ألا لعنة الله على الظالمين .. تقتلون الأطفال بغير ذنب. بادله بشار بدفعه ثم لكمه قائلاً أنتم الذين قتلتم الأطفال بالسارين ,وأنتم الذين خرجتم على الحاكم الشرعى. وظلا يتبادلان اللكمات التى تحمل الغل الدفين بقلبيهما ,غير ان ضربات بشار كانتْ أشدَّ باساً وتنكيلاً,فحاول خال ريم الفكاك من قبضته وجرى تاركاً القصر إلى الشارع فتبعه بشار ,إلتف عامة الناس من الفقراء والضعفاء الأطفال منهم والنساء كى يفضّوا المعركة لكن السلاح خرج من غمد بشار وأخذ يسدد الطلقات إلى جهاد غير أنها لم تصبه إلا جِراحاً وأصابتْ الناس فسقطوا صرعىً,والباقى منهم ولى هارباً واختبئ خال ريم فى مكان محصن. تركتْ جوليا الجمْع كلهم يتنازعون وخرجتْ إلى الشوارع هائمةً ضائعةً لا تدرى أين تذهب ولا ترى مكاناً يؤيها فقد فارقتْ زوجها وأخيها إلى الأبد . ظلتْ هائمة على وجهها,تتخبط فى الناس والناس تتخبط فيها ,كلهم حياري سكارى من فجيعة الحرب. الكيماوى ينزل من فوق المبانى وجدرانها تتهدم من ضربات الحرب , والحقائب تُحمّل على العربات للرحيل,والوداع بين الأهل بين مقيم لا ينتوى ترك أرضه ويقول أموت بين أهلى ولا اموت بين الغرباء وراحل يري فى الرحيل الأمن والسكينة. والسماء كقطع من الليل مظلما, ويتساقط الدمع من عيون القمر,وترمى النجوم اشعاعات الموت. **************** القاص : إبراهيم أمين مؤمن ]]> 98964 ‏ابراهيم امين مؤمن: إبليس فى محراب العبوديّة http://www.souriyati.com/2018/03/20/100050.html Tue, 20 Mar 2018 08:36:00 +0000 http://www.souriyati.com/2018/03/20/100050.html إبليس فى محراب العبودية لم يثقْ عزازيل فى أىِّ جنّى، حتى ولو كان من أحد أبنائه مثل داسم، وداسم يعلم ذلك،لذلك ،تسلّل فى جنح الليل سارياً على ماء مثلث برمودا ومعه شمهروش ,تسلّل متّجهاً إلى عرش أبيه إبليس حيث ينام فى ظّله. كان يخشى أن يراه أحد الحرّاس الجان فيمنعه الدخول لعدم علم إبليس بقدومه فى هذا الوقت من الليل،كذلك من مصاحبته ذاك المطرود من رحمة أبيه عزازيل، وهو العِفريت شمهروش الذى دعاه يوماً إلى الذهاب لقبر آدم والسجود له، وعدم طاعته لأوامره فى غواية بنى آدم . وإبليس يعلم علم اليقين أنّه مخلّد ,ولَكَمْ حاول أكثر من جنّى عبرالدهور اغتياله فلمْ يُفلح ,ولقد دُقّتْ طبول الحرب بين مواليه وأعدائه وكان المظفّر دائما،حتى فى هزيمته يفرّ ثم ما يلبث ان يثبت عند مثلث برمودا المحصن ضد كل إنسٍ وجان. إنقضّ داسم على أبيه وسلسله بسلاسل من مادته ،سلاسل من نار، وكتم أنفاسه حتى لا يستغيث بالحرّاس ، كما تلفّظ متوجّعاً ءاسفاً دامعاً من فعلته قائلاً..سامحنى يا أبى فإنى أُريد لك حسن الخاتمة كما أريد الهداية لبنى ءادم فكفى غواية يا أبتِ، ثمّ أقدم عليه شمهروش واقتلعَ قلبه من صدره ووضعه فى قلب ابنه داسم بعدما اقتلع أيضاً قلب داسم ووضعه فى قلب أبيه إبليس. وكان ذلك أمراً هيناً على شمهروش إذ كان طبيباً لا نظير له ،كان الجان يلقّبوبنه بعيسي ابن مريم الجنّى لهذا الزمان. خرج داسم بقلب أبيه ومعه شمهروش متخفّياً تاركاً إبليس مُكبّل بالأغلال مكتوم الأنفاس. ولمّا حانتْ نوبة أحد الحرّاس نوى إلقاء نظرة على سيده إبليس ،وجده كما تركاه، فأسرع بفكّه ونزْع لجام النار من على فمه. وبمجرد فكّه أخذ يسأل ويتوعّد قائلاً، أين الحرس وظلّ يردّد كلمات الوعيد والعزْل لغفوتهم وإهمالهم فى حراستهم. ولم تحنْ لحظة تكيّف القلب الجديد مع روحه وجسده ،فنحن الان مع إبليس جسداً وقلباً ،لذلك توعّد وجار. قال داسم متأهّباً:الان معى قلب إبليس محل الثواب والعقاب ،فهيّا يا شمهروش إلى أتقى أهل الأرض لننفّذ خطتنا واسجدْ له لنبنى سويّاً مجتمعاً عالمياً من الأنس والجان خالٍ من الحروب والرذيلة، تلك التى أنهكتهم وأشقتهم على مر العصور. ونجنّبه الغواية والوسوسة الشرّيرة,وليغفر الله لأبى ويهدِه كما هدانا. لنخطّ صفحات الهداية لمستقبلٍ أفضل لنا وللبشريّة. مضيا معاً متجهيْن إلى العبد الصبور الشكور..مهلائيل. فلمّا وصلا وجداه ساجداً لربّه ،والأغلال فى عنقه ويديه وقدميه ومكتوباً على جبهته من قِبل أعدائه بين قرنى شيطان " الإرهابى الأكبر" .اذ كان المجتمع الدولى كلّه يلعنه شرقاً غرباً. كانتْ الزنزانة ضيّقة لدرجة أنه لا ينام فيها إلا مقرفصاً، ينام كما الجنين فى بطن أمّه. زنزانة لا يدخلها ضوء النهار فهى قطعة من ليلٍ بهيم. ولا يعبرها هواء كأنها متموضعةً فى السماء،لا يكاد المرء يتنفس فيها كالمريض بضيق شراينه . سمعاه فى سجوده يحمد الله ويثنى عليه ويدعوه بفكّ كربات الناس. ويذكر ويذكر ويردّد ويقصُّ من أمره،وكان من أمره يوم أن حرّض شعوب العالم المستعبَدة كلّها الخروج على حُكّامهم الظلمة الذين منعوا ذِكر الله فى المساجد وسعوْا فى خرابها ، وإقامة دستور الحق الذي يقيم العدل للبشرية جمعاء.فتكالب الحكّام عليه واعتقلوه ووسموه بالإرهابي الأكبر. إنتظراه حتى انتهى من سجوده ،وقال شمهروش هيا يا داسم إفعل ما تكبّدنا المخاطر من أجله ،هيّا اسجدْ لابن آدم التقىِّ. هيّا اسجدْ لننهى الوساوس التى نالتْ من بنى آدم فأفسدتهم. بدأ جسد داسم يمتزج مع قلب أبيه الجديد ، بدأ يتعرّف عليه كما يتعرّف الحاسوب على برنامج وضع عليه ,بدا القلب كما البرنامج على الحاسوب يُسطّب على جسده. بدأ البرنامج يعمل على جسده مضطرباً. أعاد العفريت شمهروش القول الطلبى لداسم بالسجود، بيد أنّ داسم تشنّج جسده وتضعضع وظلّ يتألم، وبدأ قلبه يزفر ألسنة من نار تطاولتْ حتى اخترقتْ سقف الزنزانة ثم تقلّصتْ من جديد ولملمتْ نفسها وتركّزتْ فى نقطة فى صدره . بعدها شمخ أنفه وتطاول حتى غاب مداه عن مرمى البصر. وما إنْ انتهى مهلائيل من صلاته حتى وجد أمامه رجلين . وسمع أحدهما يقول للآخر ها قد انتهى فاسجدْ . داسم :يا شمهروش ألمْ تطلب ذلك من قبل فرفضتُ ولعنتكَ وطردتكَ من مملكتى. ردّ عليه قائلاً.. داسم صديقى ماذا دهاك؟أبوك مَنْ فعل ذلك وليس أنت!! ألمْ نتفق على أمرٍ أزمعناه سويا ؟ ردّ داسم ..لمْ أذكر إلا أنّى لعنتك وطردتك وقلتُ لك أأسجد لمنْ خُلق طِيناً. قلتُ لك منذ شهور أنّى سأظلّ أغوينّهم كما تحدّيتُ ربّ خالق الكون من قبل يا.. لا شئ أنت. واستطرد مشيراً بيده إلى مهلائيل باحتقار وناظراً إلى شمهروش بحنقٍ ..هذا ..لم أسجد لنبيٍ وأسجد لهذا الحقير هذا الطّين!! لمْ أطعْ خالق الكون وأطعك أنت يا لا شئ . وباحتقار قال: هذا طين صلصال وأنا ناروقدرة وقوّة وسرعة وإبادة وموت. سكت شمهروش بُرّهة ، وعنّ له الأمر إذ علم أنّ داسم الذى معه الان هو إبليس، وابليس فى مثلث برامودا هو داسم ،فماهيّة الجسد والروح معاً هى القلب. ولقد غُيّبَ عقله عن ذلك رغم أنه الخبير المحنّك فى علوم الطب لشغفه بإنقاذ البشريّة من الهلاك إذ كانتْ رغبته الجامحة مثل العِصابة على العين التى أخفتْ عنه رؤية الاشياء. بنور الله استنتج مهلائيل من خلال حديثهما كل ما حدث من أمور وما اتفقا عليه سويّاً . إنقضّ على إبليس وجنّدله وسارع وسارع قبل أن يتحول إلى هيئته الحقيقية فيستطيع الفِكاك من قبضته. إنقضّ عليّه فطوّقه بسلاسل يده ثم جنّدله ثُم ارتمى عليه بثقله ليكتم أنفاسه ,ثُم شدّ بيديه على رقبته ليخنقه، وكيّل له اللكمات ليُضعفه ,ثُم حاول أنْ يفقأ عينيه إذ فقأْ عينيه غنيمة الغنائم ،على إثره سوف يعيش إبليس بعدها أعمى،فتتلاشى قدرته على إغواء بنى آدم. وحاول ان يُحدث ثقباً فى أُذنيْه ليعيش أبكم وحاول قطع لسانه ليعيش أخرس ,بيد ان كل هذا لم يفلح رغم أنّ شمهروش بعد إدراكه حقيقة الأمر كان يساعده بإمساكه لتُشلّ حركته حالما يفعل به مهلائيل الأفاعيل، إذ قلب إبليس الان أسير تشكّله الأنسى. ولقد كانتْ عزيمة مهلائيل متوثّبة متوحّشة وهو يخنق جسد داسم قلب إبليس ،إذ تجمّع فى مكامن نفسه كل إغواءات البشر عبر كل الدهور،وتراءتْ أمامه كل دماء الضحايا من الحروب القديمة والحديثة . لقد حمّله مهلائيل دوافع الشّرّ فى النفوس الأمارة بالسوء أيضاً،علاوة على الوساوس والغواية، ووضع كل هذا على كاهليه ، فتضاعفتْ قوى يديه حول رقبته لفوران الدم من غضبه. تحوّل إبليس فى تلك الأثناء إلى هيئته الحقيقية وانسلبَ من تحت مهلائيل وبادله شمهروش نفس الفعل فتحوّل ليمسك به قبل أن يهرب. وتصارعا ،ورغم الإعياء الشديد الذى أصاب جسد داسم وقلب إبليس إلاَ أنه وبسهولة استطاع ان يقتل شمهروش، فانفجر دخاناً فى الهواء خرج من سقف الزنزانة ثم لاذ بالفرار مخترقاً كل الحجب قاصداً عرشه على مياه مثلث برامودا. عاد داسم الجسد الحامل قلب أبيه إبليس فى صدره إلى مملكته عاقد العزم على استرداد جسده من إبنه ،فهو يريد الجسد وممسك بقلبه بجنون,ممسك قلبه بجنون. فلمّا وصل المملكة قابله جسد إبليس بقلب داسم فوجده متوّجاً ملكاً عليهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ذاك لانّهم لم يفطنوا إلى ماهيّة تبادل القلبيْن، انخدعوا فى شكّله المقدّس المرعب شأنهم كشأن بنى آدم يقدّسون المظاهر ويهابونها ولا يبحثون عن الجوهر والأصل ألاَ وهو القلب. تحاورا أمام الجنّ فانعكستْ الاسماء، مما زاد من دهشتهم وحيرتهم،ولمّا امتدّ الحديث أدركوا حقيقة الأمر وأنهم لبثوا مع إبليس المزيف فى العذاب المهين،اذ كان يسخّرهم لخدمة الضعفاء من الجان ويمنعهم عن إغواء الآدميين. رفض داسم أن يُسلّم جسد أبيه له ،حيث أنه ملكَ به قلوب الجنّ خوفاً ورُعباً ونشربقلبه بينهم الفضيلة والرحمة والحقّ والعدل ..قلب داسم الطيب. توعّد قلبُ إبليس جسدَ داسم وهدّده بالقتل فلم يستجب. التفّ الجنُّ حول إبليس المزيف وطوّقوه وقتلوه ,فلمّا انتهوا قال لهم اخلعوا قلبه وأحضروه ،فهبّ أحد الحُكماء منهم قال ،قلب داسم الطيب مات مع موت جسدك أيّها الأبليس الملك ،ولا سبيل لإرجاعه ، أنت قدرنا بجوهرك الذى هو قلبك الخبيث الشرير إلى يوم الدين لا بشكلك ،شكل إبنك داسم المسكين. من قصّى :إبراهيم أمين مؤمن 1 المصدر: http://www.mawtininews.com/archives/23173 ]]> إبليس فى محراب العبودية لم يثقْ عزازيل فى أىِّ جنّى، حتى ولو كان من أحد أبنائه مثل داسم، وداسم يعلم ذلك،لذلك ،تسلّل فى جنح الليل سارياً على ماء مثلث برمودا ومعه شمهروش ,تسلّل متّجهاً إلى عرش أبيه إبليس حيث ينام فى ظّله. كان يخشى أن يراه أحد الحرّاس الجان فيمنعه الدخول لعدم علم إبليس بقدومه فى هذا الوقت من الليل،كذلك من مصاحبته ذاك المطرود من رحمة أبيه عزازيل، وهو العِفريت شمهروش الذى دعاه يوماً إلى الذهاب لقبر آدم والسجود له، وعدم طاعته لأوامره فى غواية بنى آدم . وإبليس يعلم علم اليقين أنّه مخلّد ,ولَكَمْ حاول أكثر من جنّى عبرالدهور اغتياله فلمْ يُفلح ,ولقد دُقّتْ طبول الحرب بين مواليه وأعدائه وكان المظفّر دائما،حتى فى هزيمته يفرّ ثم ما يلبث ان يثبت عند مثلث برمودا المحصن ضد كل إنسٍ وجان. إنقضّ داسم على أبيه وسلسله بسلاسل من مادته ،سلاسل من نار، وكتم أنفاسه حتى لا يستغيث بالحرّاس ، كما تلفّظ متوجّعاً ءاسفاً دامعاً من فعلته قائلاً..سامحنى يا أبى فإنى أُريد لك حسن الخاتمة كما أريد الهداية لبنى ءادم فكفى غواية يا أبتِ، ثمّ أقدم عليه شمهروش واقتلعَ قلبه من صدره ووضعه فى قلب ابنه داسم بعدما اقتلع أيضاً قلب داسم ووضعه فى قلب أبيه إبليس. وكان ذلك أمراً هيناً على شمهروش إذ كان طبيباً لا نظير له ،كان الجان يلقّبوبنه بعيسي ابن مريم الجنّى لهذا الزمان. خرج داسم بقلب أبيه ومعه شمهروش متخفّياً تاركاً إبليس مُكبّل بالأغلال مكتوم الأنفاس. ولمّا حانتْ نوبة أحد الحرّاس نوى إلقاء نظرة على سيده إبليس ،وجده كما تركاه، فأسرع بفكّه ونزْع لجام النار من على فمه. وبمجرد فكّه أخذ يسأل ويتوعّد قائلاً، أين الحرس وظلّ يردّد كلمات الوعيد والعزْل لغفوتهم وإهمالهم فى حراستهم. ولم تحنْ لحظة تكيّف القلب الجديد مع روحه وجسده ،فنحن الان مع إبليس جسداً وقلباً ،لذلك توعّد وجار. قال داسم متأهّباً:الان معى قلب إبليس محل الثواب والعقاب ،فهيّا يا شمهروش إلى أتقى أهل الأرض لننفّذ خطتنا واسجدْ له لنبنى سويّاً مجتمعاً عالمياً من الأنس والجان خالٍ من الحروب والرذيلة، تلك التى أنهكتهم وأشقتهم على مر العصور. ونجنّبه الغواية والوسوسة الشرّيرة,وليغفر الله لأبى ويهدِه كما هدانا. لنخطّ صفحات الهداية لمستقبلٍ أفضل لنا وللبشريّة. مضيا معاً متجهيْن إلى العبد الصبور الشكور..مهلائيل. فلمّا وصلا وجداه ساجداً لربّه ،والأغلال فى عنقه ويديه وقدميه ومكتوباً على جبهته من قِبل أعدائه بين قرنى شيطان " الإرهابى الأكبر" .اذ كان المجتمع الدولى كلّه يلعنه شرقاً غرباً. كانتْ الزنزانة ضيّقة لدرجة أنه لا ينام فيها إلا مقرفصاً، ينام كما الجنين فى بطن أمّه. زنزانة لا يدخلها ضوء النهار فهى قطعة من ليلٍ بهيم. ولا يعبرها هواء كأنها متموضعةً فى السماء،لا يكاد المرء يتنفس فيها كالمريض بضيق شراينه . سمعاه فى سجوده يحمد الله ويثنى عليه ويدعوه بفكّ كربات الناس. ويذكر ويذكر ويردّد ويقصُّ من أمره،وكان من أمره يوم أن حرّض شعوب العالم المستعبَدة كلّها الخروج على حُكّامهم الظلمة الذين منعوا ذِكر الله فى المساجد وسعوْا فى خرابها ، وإقامة دستور الحق الذي يقيم العدل للبشرية جمعاء.فتكالب الحكّام عليه واعتقلوه ووسموه بالإرهابي الأكبر. إنتظراه حتى انتهى من سجوده ،وقال شمهروش هيا يا داسم إفعل ما تكبّدنا المخاطر من أجله ،هيّا اسجدْ لابن آدم التقىِّ. هيّا اسجدْ لننهى الوساوس التى نالتْ من بنى آدم فأفسدتهم. بدأ جسد داسم يمتزج مع قلب أبيه الجديد ، بدأ يتعرّف عليه كما يتعرّف الحاسوب على برنامج وضع عليه ,بدا القلب كما البرنامج على الحاسوب يُسطّب على جسده. بدأ البرنامج يعمل على جسده مضطرباً. أعاد العفريت شمهروش القول الطلبى لداسم بالسجود، بيد أنّ داسم تشنّج جسده وتضعضع وظلّ يتألم، وبدأ قلبه يزفر ألسنة من نار تطاولتْ حتى اخترقتْ سقف الزنزانة ثم تقلّصتْ من جديد ولملمتْ نفسها وتركّزتْ فى نقطة فى صدره . بعدها شمخ أنفه وتطاول حتى غاب مداه عن مرمى البصر. وما إنْ انتهى مهلائيل من صلاته حتى وجد أمامه رجلين . وسمع أحدهما يقول للآخر ها قد انتهى فاسجدْ . داسم :يا شمهروش ألمْ تطلب ذلك من قبل فرفضتُ ولعنتكَ وطردتكَ من مملكتى. ردّ عليه قائلاً.. داسم صديقى ماذا دهاك؟أبوك مَنْ فعل ذلك وليس أنت!! ألمْ نتفق على أمرٍ أزمعناه سويا ؟ ردّ داسم ..لمْ أذكر إلا أنّى لعنتك وطردتك وقلتُ لك أأسجد لمنْ خُلق طِيناً. قلتُ لك منذ شهور أنّى سأظلّ أغوينّهم كما تحدّيتُ ربّ خالق الكون من قبل يا.. لا شئ أنت. واستطرد مشيراً بيده إلى مهلائيل باحتقار وناظراً إلى شمهروش بحنقٍ ..هذا ..لم أسجد لنبيٍ وأسجد لهذا الحقير هذا الطّين!! لمْ أطعْ خالق الكون وأطعك أنت يا لا شئ . وباحتقار قال: هذا طين صلصال وأنا ناروقدرة وقوّة وسرعة وإبادة وموت. سكت شمهروش بُرّهة ، وعنّ له الأمر إذ علم أنّ داسم الذى معه الان هو إبليس، وابليس فى مثلث برامودا هو داسم ،فماهيّة الجسد والروح معاً هى القلب. ولقد غُيّبَ عقله عن ذلك رغم أنه الخبير المحنّك فى علوم الطب لشغفه بإنقاذ البشريّة من الهلاك إذ كانتْ رغبته الجامحة مثل العِصابة على العين التى أخفتْ عنه رؤية الاشياء. بنور الله استنتج مهلائيل من خلال حديثهما كل ما حدث من أمور وما اتفقا عليه سويّاً . إنقضّ على إبليس وجنّدله وسارع وسارع قبل أن يتحول إلى هيئته الحقيقية فيستطيع الفِكاك من قبضته. إنقضّ عليّه فطوّقه بسلاسل يده ثم جنّدله ثُم ارتمى عليه بثقله ليكتم أنفاسه ,ثُم شدّ بيديه على رقبته ليخنقه، وكيّل له اللكمات ليُضعفه ,ثُم حاول أنْ يفقأ عينيه إذ فقأْ عينيه غنيمة الغنائم ،على إثره سوف يعيش إبليس بعدها أعمى،فتتلاشى قدرته على إغواء بنى آدم. وحاول ان يُحدث ثقباً فى أُذنيْه ليعيش أبكم وحاول قطع لسانه ليعيش أخرس ,بيد ان كل هذا لم يفلح رغم أنّ شمهروش بعد إدراكه حقيقة الأمر كان يساعده بإمساكه لتُشلّ حركته حالما يفعل به مهلائيل الأفاعيل، إذ قلب إبليس الان أسير تشكّله الأنسى. ولقد كانتْ عزيمة مهلائيل متوثّبة متوحّشة وهو يخنق جسد داسم قلب إبليس ،إذ تجمّع فى مكامن نفسه كل إغواءات البشر عبر كل الدهور،وتراءتْ أمامه كل دماء الضحايا من الحروب القديمة والحديثة . لقد حمّله مهلائيل دوافع الشّرّ فى النفوس الأمارة بالسوء أيضاً،علاوة على الوساوس والغواية، ووضع كل هذا على كاهليه ، فتضاعفتْ قوى يديه حول رقبته لفوران الدم من غضبه. تحوّل إبليس فى تلك الأثناء إلى هيئته الحقيقية وانسلبَ من تحت مهلائيل وبادله شمهروش نفس الفعل فتحوّل ليمسك به قبل أن يهرب. وتصارعا ،ورغم الإعياء الشديد الذى أصاب جسد داسم وقلب إبليس إلاَ أنه وبسهولة استطاع ان يقتل شمهروش، فانفجر دخاناً فى الهواء خرج من سقف الزنزانة ثم لاذ بالفرار مخترقاً كل الحجب قاصداً عرشه على مياه مثلث برامودا. عاد داسم الجسد الحامل قلب أبيه إبليس فى صدره إلى مملكته عاقد العزم على استرداد جسده من إبنه ،فهو يريد الجسد وممسك بقلبه بجنون,ممسك قلبه بجنون. فلمّا وصل المملكة قابله جسد إبليس بقلب داسم فوجده متوّجاً ملكاً عليهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ذاك لانّهم لم يفطنوا إلى ماهيّة تبادل القلبيْن، انخدعوا فى شكّله المقدّس المرعب شأنهم كشأن بنى آدم يقدّسون المظاهر ويهابونها ولا يبحثون عن الجوهر والأصل ألاَ وهو القلب. تحاورا أمام الجنّ فانعكستْ الاسماء، مما زاد من دهشتهم وحيرتهم،ولمّا امتدّ الحديث أدركوا حقيقة الأمر وأنهم لبثوا مع إبليس المزيف فى العذاب المهين،اذ كان يسخّرهم لخدمة الضعفاء من الجان ويمنعهم عن إغواء الآدميين. رفض داسم أن يُسلّم جسد أبيه له ،حيث أنه ملكَ به قلوب الجنّ خوفاً ورُعباً ونشربقلبه بينهم الفضيلة والرحمة والحقّ والعدل ..قلب داسم الطيب. توعّد قلبُ إبليس جسدَ داسم وهدّده بالقتل فلم يستجب. التفّ الجنُّ حول إبليس المزيف وطوّقوه وقتلوه ,فلمّا انتهوا قال لهم اخلعوا قلبه وأحضروه ،فهبّ أحد الحُكماء منهم قال ،قلب داسم الطيب مات مع موت جسدك أيّها الأبليس الملك ،ولا سبيل لإرجاعه ، أنت قدرنا بجوهرك الذى هو قلبك الخبيث الشرير إلى يوم الدين لا بشكلك ،شكل إبنك داسم المسكين. من قصّى :إبراهيم أمين مؤمن 1 المصدر: http://www.mawtininews.com/archives/23173 ]]> 100050 قصه حزمه الحطب – اهديها لقوى المعارضة السورية ينقلها لكم بسام الخوري لعلكم تعقلون وإلا الفناء مصيركم http://www.souriyati.com/2018/03/07/97018.html Wed, 07 Mar 2018 16:15:00 +0000 http://www.souriyati.com/2018/03/07/97018.html جاء فى أحد القصص ان رجلا حكيما أحس بدنو أجله فجمع أولاده حوله وقال لهم أحضروا حزمه من الحطب قد شدت عيدانها معا.. فأحضر له أولاده حزمه الحطب وقدموها إليه فأمسك بها الأب وأعطاها لأكبر أبناءه.. وأمره بكسرها فاستعصت على الولد وفشل فى كسرها وأعطاها لباقى الأولاد كلا على حدة فلم يستطيع أحد كسرها وأعادوها مرة أخرى إلى والدهم فأخذها وفك الرباط الذى كان يشد العيدان معا وأعطى أبنائه العيدان متفرقه وطلب منهم كسرها وكسر كلا منهم عودة بسهولة حينئذ قال لهم الوالد :- هذة وصيتى لكم أن تتحدوا وتترابطوا فإنكم إذا اتحدتم وترابطم معا لن يستطيع عدوكم كسركما و تحطيمكم أما إذا تفرقتوا فسوف يسهل على عدوكم تحطيمكم مثلما حطمتم عيدان الحطب..]]> جاء فى أحد القصص ان رجلا حكيما أحس بدنو أجله فجمع أولاده حوله وقال لهم أحضروا حزمه من الحطب قد شدت عيدانها معا.. فأحضر له أولاده حزمه الحطب وقدموها إليه فأمسك بها الأب وأعطاها لأكبر أبناءه.. وأمره بكسرها فاستعصت على الولد وفشل فى كسرها وأعطاها لباقى الأولاد كلا على حدة فلم يستطيع أحد كسرها وأعادوها مرة أخرى إلى والدهم فأخذها وفك الرباط الذى كان يشد العيدان معا وأعطى أبنائه العيدان متفرقه وطلب منهم كسرها وكسر كلا منهم عودة بسهولة حينئذ قال لهم الوالد :- هذة وصيتى لكم أن تتحدوا وتترابطوا فإنكم إذا اتحدتم وترابطم معا لن يستطيع عدوكم كسركما و تحطيمكم أما إذا تفرقتوا فسوف يسهل على عدوكم تحطيمكم مثلما حطمتم عيدان الحطب..]]> 97018