أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » المحامي فوزي مهنا: الكونفدرالية السورية روسيا وسقوط آخر أوراق التوت

المحامي فوزي مهنا: الكونفدرالية السورية روسيا وسقوط آخر أوراق التوت

الكونفدرالية السورية روسيا وسقوط آخر أوراق التوت – المحامي فوزي مهنا

عندما سقطت بيروت في عام 1982 أمام آلة الغزو الصهيوني، في ظل التواجد السوري يومذاك، صدح الراحل ممدوح عدوان: “سقطت بيروت سقطت آخر ورقة توت” اليوم بعد التصريحات الروسية المتمثلة بدعوة السوريين للقبول بدولة كونفدرالية، وهي التي ساهمت بشكل مباشر بإطالة عمر أزمتهم، وبعدما تكشّفت آخر أوراق التوت، ماذا سيكون لسان حال المقاومين ومعهم الشيوعيين؟ الذين صدّعوا رؤوسنا ببروباغنداتهم الإعلامية حيال المؤامرة الكونية؟ وحمية ونخوة الرفيق أبو علي بوتين في التصدي لها.

الواقع لطالما ارتبط تاريخ الانقلابات العسكرية في سوريا منذ فجر الاستقلال بالصراع الدولي عليها، بهدف الهيمنة وضمها لأحلاف مشبوهة، وذلك نظرا لأهمية موقعها الجيوسياسي الإستراتيجي إقليميا وعربيا، خاصة بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 غير أن السوريون كانوا ولا يزالون على الدوام يتشبّثون بحيادها واستقلالها بالنواجذ.

ليس بجديد إن قلنا أن جميع الديكتاتوريات عبر التاريخ كانت تقايض وتبيع الأوطان كي تضمن استمراريتها، منها صاحب أول ديكتاتورية عسكرية سورية “حسني الزعيم” الذي ما أن انقلب على السلطة، حتى بعث برسالة سرية لرئيس وزراء الكيان الصهيوني “بن غوريون” يعرض فيها موافقته على توطين 300000 لاجئا فلسطينيا في الجزيرة السورية، مقابل مساعدته بمبالغ مالية ضخمة، إلا أن بن غوريون رفض هذا العرض المغري لمعرفته بطبيعة الشعب السوري المناهض لكافة لمشاريع الأجنبية، والذي لن تطل به الأيام حتى حكم على طاغيته بالإعدام.

ماذا بوسع السوريين أن يفعلوا اليوم أكثر مما فعلوه؟ فعند استيلاء الأسد الأب على السلطة عام 1970 قام بزيارة جميع المحافظات السورية، أذكر أنه عند مروره في قريتنا استقبله أهاليها بالأغاني والأهازيج الوطنية والدبكات ونحر الخراف، وهو ما فعله الشعب السوري في جميع محافظات القطر، لقد نظر إليه هذا الشعب بكل أطيافه وألوانه باعتباره رئيسا لكل السوريين، في حين تم النظر إليهم كل وفق طائفته.

ثم ليس بجديد على تاريخنا العربي، الذي يكاد يكرر نفسه في كل حقبة، فعندما انشغل هارون الرشيد عن شئون الدولة العباسية، أصبح كل والٍ يرسله على ولاية ينشّق عليه ويستقل عنه، بل يُنشئ دولة جديدة، حتى لم تعد وحدة الإمبراطورية الإسلامية قائمة وقوية، كما كانت أثناء العصر الأموي، أو بداية العصر العباسي الأول، وهكذا كان حال المزارع العسكرية العربية، التي نشهد فصول تآكلها وتفككها اليوم، بسبب انصراف الحاكم عن شؤون الأمة ومصالحها، لصالح العائلة والطائفة ورفاق الحزب الواحد، وتوريث الأبناء.

لذلك يجب علينا عدم توجيه اللوم لروسيا أو أمريكا أو إسرائيل أو سواهم من دول العالم، إذ كل منها تتعامل مع قضايانا وفقا لمصالحها وأجنداتها الخاصة، وبالتالي ما علينا إلا لوم أنفسنا، ولوم هؤلاء من هم من بني جلدتنا، الذين لم يدركون بعد أنه في علم السياسة لا يوجد ما هو لوجه الله، والأمم ليست جمعيات خيرية، فإيران التي أخذوا بها يستنجدون ويتفاخرون، ومثلها روسيا لم تتدخلا وتحشدا الإمكانيات العسكرية والمادية والبشرية من أجل عيون السوريين، وإنما لحماية مصالحهما أولا وأخيرا، فروسيا تحلم للوصول للمياه الدافئة منذ عهد القياصرة، وبالتالي فإن المحافظة على آخر موطئ قدم لها في المنطقة يعتبر الهدف الأساس، لما من شأنه استعادة موقعها في النظام الثنائي القطبية إلى جانب الولايات المتحدة، خصوصا مع حرمانها من الكعكة الليبية، وذلك مع بروز البعد الأيديولوجي لسياستها الجديدة، من خلال الشراكة مع الكنيسة الأورثوذكسية، والتي تعتبر أن الحرب التي يشنها بوتين في سورية، إنما هي حربا مقدسة، فضلا عن استمرار سوق بيع الأسلحة الروسية، وتجربة آخر ما توصلت إليه صناعاتها العسكرية المجنونة، وبالتالي ما قيام الولايات المتحدة ومعها إسرائيل بالسكوت عن هذا التحشيد والدور الروسي، سوى لإكمال ما بدأته الإرادة الدولية من الإجهاز على ما تبقى من الوطن السوري.

ثم من الذي قاد بعض السوريين للتفكير بمثل هذه الخيارات المُرّة كالكونفدرالية والتقسيم؟ غير سياسات القمع والتنكيل وهدر حقوق الإنسان التي مُورست على مدار العقود والسنوات الماضية، خصوصا منذ بداية الحراك الثوري، والسؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا لو كنت كرديا مثلا عزيزي القارئ؟ محروما من أبسط الحقوق الإنسانية، ماذا أنت بفاعل؟ ففي لبنان الذي قادته الوصاية السورية لمصيره المجهول، هناك نائبا كرديا في البرلمان اللبناني، بينما عدد الأكراد فيه لا يتجاوزون المائة ألف.

أما في بلاد البعث فالخمسة مليون كردي في العراق كان لهم مذبحة حلبجة الكيماوية، وحروب ومطاردة متواصلة بين الجبال، في سورية كان التعامل مع مليون ونصف كردي كما التعامل مع المولود غير الشرعي، الذي يبتعد عنه الزاني تجنّبا للفضيحة، بعد أن تم تجريدهم من هويّاتهم، ومُنِع عليهم استخدام لغتهم، أو البحث في تراثهم، كما حُظّر عليهم أي نشاط ثقافي خاص، وبالعودة للبنان الذي خطفوه إلى غير رجعة، فقد خُصِّص لنحو 200 ألف أرمني مقاعد نيابية، ولهم مدارسهم الخاصة، وأحزابهم، ووزراءهم، ولهم إحدى أفضل الجامعات اللبنانية، وعندما يقيمون احتفالاتهم الخاصة بهم، يَعزِفون النشيد الوطني الأرمني قبل النشيد اللبناني.

يقول المثل القديم “عندما يختلف اللصوص تظهر الحقيقة”، وهذا يقودنا إلى أن إطلاق التصريحات الروسية حيال إمكانية فرض الكونفدرالية والتقسيم على السوريين، وهي التي باتت تُقرر اليوم مصيرهم، بعد أن أوكل إليها أمر التحكم برقابهم، لم تكن سوى ترجمة حقيقية للخيار (ب) الذي أخذ يلّوِح به الجانب الأمريكي، في حال فشل هدنة وقف إطلاق النار التي يجري تطبيقها اليوم، والذي يتجاهل الجانب الروسي عمدا حقيقة معرفته بها.

ختاما موسكو التي يتحكّم باقتصادها سبعة أشخاص يهود، على حد تصريح المحلل السياسي والدبلوماسي الروسي السابق “فيتشيسلاف ماتوزوف” تأخذ بمجلس الأمن رهينة، كما قالها ويقولها الأمريكان، الأمريكان أنفسهم رهن اللوبي الصهيوني! ماذا تبقى للشعب السوري المسكين؟ سوى التسلُّح بإرادته المعجزة التي ستواجه هذا العهر العالمي.

سوريتي



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع