أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » حسين العودات: مدينة تقطعها الحواجز

حسين العودات: مدينة تقطعها الحواجز

حسين العودات

يتجاوز عدد الحواجز الأمنية في مدينة دمشق مائتي حاجز ويقدر بعضهم أن هذا العدد يصل إلى ثلاثمائة، والملاحظ أن اختيار موقع هذه الحواجز غير محكوم بمنهجية واضحة وإنما هو في الغالب الأعم اختيار عشوائي في معظمه، وخاصة تلك الحواجز التي يقرر موقعها ضباط أو متنفذون ويضعونها أمام بيوتهم بشكل كيفي حيث لا حاجة لها أصلاً. وباستثناء الحواجز الواقعة في المناطق الحساسة وعلى مفارق طرق المدينة، فإن الحواجز الأخرى وهي الأكثرية لا يضبطها ضابط ولا ضرورة لها لا أمنية ولا غير أمنية، باستثناء أنها تطمئن الضباط والمتنفذين الذين قرروا وضعها أمام بيوتهم لتخفف من رعبهم.

ومن طرف آخر لايعرف أحد بدقة مهمة هذه الحواجز، ذلك أنها أحياناً تصر على التدقيق في بطاقات المواطنين الشخصية، وأحياناً ثانية تفتش السيارات، وأحياناً ثالثة تفتش الحقائب الصغيرة التي تحملها السيدات، وهذه الحواجز نفسها لاتوقف أي سيارة في أحيان أخرى ولا تراقب ولا تفتش لا الأشخاص ولا السيارات، وبالتالي فالقضية موكولة إلى تقدير الجندي الذي يقف على الحاجز وإلى مزاجه الشخصي، حتى أن المواطن قد ينتظر أكثر من نصف ساعة ليأتي دوره وعندما يأتي هذا الدور يشير له الجندي بالاستمرار بالمسير دون أن يسأله عن شيء.

إن عدم تحديد مهمات الحواجز بالتفصيل تسبب بانفلات وفوضى كبيرة، ذلك أن الجنود الذين يكلفون بالوقوف على الحاجز يبحثون عن أي شيء ليتقاضوا رشوة بدل تسهيل مرور السيارات، وبالتالي فهناك وساطات ورشوات تقدم لمن يوزع هؤلاء الجنود ليوضعوا على حواجز تمكنهم من الحصول على الرشوة الأكبر، فمن يقف على حاجز قرب أسواق الخضار والفواكه مثلاً يتقاضى مبالغ هامة من السيارات التي تحملها، ومن يقف في مناطق مرور سيارات توزيع البضائع والمعلبات والمأكولات يأخذ أيضاً مبالغ مجزية بدل مرورها، وفي أضعف الحالات يدفع المواطنون (اللازم) ليفرز أبناؤهم المطلوبون لخدمة العلم وليوزعوا على الحواجز بدلاً من الذهاب إلى المصادمات مع مسلحي المعارضة.

وهكذا تؤدي الحواجز عدة مهمات فبعضها يحرس بيوت الضباط والمتنفذين ويخدمهم أو يحقق استعراضهم لأهميتهم أمام الجيران دون أن يؤدي أي خدمة أمنية حقيقية، وبعضها الآخر مختص بجمع الأموال من الرشوات ثم توزيعها لاحقاً على أفراد المجموعة، ويعتقد بعض المهتمين والمختصين أن هذه الحواجز لم تستطع خلال سنوات أربع من القبض على محاولة تفجير أو على سيارة ملغمة أو منع أي تهديد لأمن السلطة أو الموالين لها، وقد طوّر أهل الحواجز مهماتهم فصاروا يتدخلون بشؤون الناس المحيطة بهم مقابل (المعلوم) سواء في ضبط الدور على الأفران أو الجمعيات الاستهلاكية ومراكز توزيع المساعدات، ولم تعد المهمة الأمنية إلا آخر المهمات وذات أهمية ثانوية.

الملاحظ أن هذه الحواجز بدأت تطور بنيتها التحتية فبنت بعض الغرف وجهزتها بأسرة وكراسي ومدافئ وكهرباء ومياه إضافة إلى الحمامات والمغاسل، بحيث صارت معظم هذه الحواجز منشآت صغيرة. وقد نشأت آلية كاملة تنظم تدخل الجنود بشؤون الناس وحصولهم على الرشوات وطريقة عيشهم وأساليب عملهم، ولم تعد للمهمة الأمنية أهمية، وقد بدأ حراس منازل الضباط والمسؤولين، في الفترة الأخيرة، يطلبون بطاقات الناس الشخصية ويفتشون ما يحملون من أكياس وحقائب، مع أن مهمتهم الأساسية حراسة منزل معلمهم. ومن طرف آخر لا أحد يعرف من هو الذي يختار أماكن بعض الحواجز أو يوزع عليها الجنود أو يحدد مهماتها أو عدد الحراس فيها، والنتيجة المؤكدة أن هذه الحواجز تزعج الناس، وتربك السير في المدينة، وتبتز المارة وموزعي الأغذية وتخيف الجميع، وتقطّع المدينة إلى مربعات صغيرة، وتزيد عدد العراقيل الموضوعة في الشوارع من حجارة أو منع مرور أو إغلاق طرقات نهائياً.

المصدر: مدار اليوم



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع