أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » اللاجئ السوري في لبنان “ممنوع”.. حيًّا أو ميتًا

اللاجئ السوري في لبنان “ممنوع”.. حيًّا أو ميتًا

“الروضة 21″، قد تكون واحدة من آخر أراضي اللجوء للسوريين في لبنان، لكن الحصول على قبر في هذا القسم من مقبرة “سيروب” في مدينة صيدا، جنوبي البلاد، التي تضم نحو 68 قبرًا لسوريين توفوا في المدينة ضمن مساحة لا تتعدى 120 مترًا مربعًا، أمر يحتاج إلى نفوذ ومال، لكنه يبقى ترفًا، حتى يبدو أن السوري في لبنان ممنوع حيًّا أو ميتًا.
لا تكفيه مشكلات تأمين الإقامة الشرعية بعد تشديد الإجراءات من قبل السلطات، بعدما فاق الرقم الرسمي المسجل لدى الأمم المتحدة 1.2 مليون لاجئ، حتى صار السوري يجد صعوبة في دفن موتاه في لبنان.
وليست مدينة صيدا سوى مثال لأزمة تنتشر في لبنان، حيث يسعى المسؤولون في المدينة الجنوبية في البلدية والجمعيات الإغاثية ودائرة الأوقاف إلى إيجاد حلٍّ، لكن إيجاد مساحة للجثة لا يعني نهاية المعاناة التي تقترن غالبًا بضرورة دفع تكاليف الدفن وكلفة إخراج المتوفى من المستشفى.
روى رامي حلومي، النازح السوري من تلكلخ في حمص (وسط سوريا) منذ 4 سنوات، ما حصل معه عند وفاة ابنه.
“حلومي” ناظر مدرسة “الإنساني” التابعة لمدارس الإيمان للاجئين السوريين في صيدا، ومدير مدرسة مخيم الأوزاعي في المدينة، قال إن “المشكلة بدأت في المستشفى”.
وأوضح: “احتاج ابني إلى كوفاز (الحاضنة)، لأنه ولد في الشهر الثامن، وتوفي، فانتقلت من مشكلة إلى مشكلة أخرى تتعلق بالدفن”.
وتابع: “سألت عن الإجراءات، وطلب المعنيون مني أن أراجع دار الإفتاء في صيدا، سألنا فقالوا: لا مجال وممنوع الدفن، فسألنا ما العمل؟ نبحث عن شخص يتوسط لنا؟ أم ندفع المال؟ ما الإجراءات القانونية؟ فكان الرد أنه بالنسبة للسوريين هناك مشكلة لأهالي صيدا لأن المقبرة مزدحمة، فأنتم كسوريين عليكم أن تتدبروا أموركم”.
وتضم مقبرة “سيروب” في صيدا بالإضافة إلى “الروضة 21″، عددا من مقابر الأطفال السوريين الذين يدفنون دون تمييز مع أطفال لبنانيين في جزء منفصل من المقبرة.
وفي هذا السياق، أوضح كامل كزبر، مسؤول ملف النازحين السوريين في بلدية صيدا ورئيس اتحاد الجمعيات الإغاثية في صيدا والجنوب، أن “المشكلة ليست فقط في صيدا ومحيطها، بل المشكلة في لبنان ككل”، متابعًا: “إذا تحدثنا على صعيد صيدا فالمقبرة الموجودة فيها تكاد لا تتسع لأهالي المدينة (اللبنانيين)، وهناك مشكلة في إيجاد أماكن للأغراب الموجودين في مدينة صيدا”.
وأضاف: “لكن هذا واقع مأساوي أن يموت السوري في مدينة صيدا ولا يجد مكانا لدفنه”.
وقال كزبر: “حتى الآن استطعنا إيجاد آلية تعاون مع دائرة الأوقاف بالنسبة للاجئين السوريين الذين يسكنون في مدينة صيدا على الأقل بحسب سجلات بلدية صيدا”، لكنه أقر بصعوبة الأمر، حيث “إننا نحاول أن نجد لهم (السوريين) مكانًا (للدفن) لكن بصعوبة كبيرة”.
وأضاف أن “البعض من السوريين دفعته المعاناة إلى محاولة السعي لدفن الجثة في سوريا، لعل ذلك يكون أكثر يسرًا، لكن هؤلاء حاولوا وواجهوا معاناة كبيرة، وانتظروا أكثر من أسبوع كي يستطيعوا إدخال الجثة إلى سوريا، ما رتّب عليهم تكاليف مالية أكبر لوجود الجثة في براد المستشفى”.
ولفت إلى أن هناك سعيًا بين الجمعيات الإغاثية في المدينة والأوقاف لـ”إيجاد قطعة أرض وجعلها وقفًا مخصصًا لدفن السوريين من كل لبنان”، معتبرًا أن ذلك ممكن، ذلك أن في لبنان مثلًا مدافن خاصة للبريطانيين والفرنسيين وغالبيتهم من جنود الحلفاء الذين قتلوا في لبنان أيام الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945).
وشدد أنه على الرغم من أن “اللبناني من خارج مدينة صيدا لا يسمح عادة بدفنه في مقابرها، لكن اللبناني لديه قرية يعود إليها لدفنه، لكن بالنسبة للسوري المشكلة أكبر من ذلك لأنه لا مسقط رأس له في لبنان، وليس هناك من يساعده”.
ولفت كزبر إلى “ارتفاع حالات وفاة الأطفال حديثي الولادة”، ذلك أن “أكثر حالات الدفن تكون للأطفال السوريين حديثي الولادة، وهؤلاء عددهم كبير يكاد لا يمر أسبوعان إلا ويتم الإبلاغ عن حالة موت الأطفال الخدّج (المبتسرين) تحديدا”، مشيرًا إلى أن “إثبات الوفاة يكون بشهادتين، واحدة صادرة عن دار الإفتاء والثانية من المستشفى”.
ولفت إلى أنه “في بداية الأزمة السورية كانت لدينا حالة وفاة، وتواصلنا مع الجهات المعنية وكان هناك قرار بمنع دفن أي شخص من خارج صيدا، فوقفنا حائرين، فقلت للمعنيين أعطوني حلًّا أو فتوى تجيز رميه في البحر، وعندها أرمي الجثة في البحر، أو مكب النفايات”.
وفي هذا الإطار، قال إمام مسجد الغفران في صيدا، الشيخ حسام العيلاني: إن “السوري يعاني حتى في حالات الوفاة، ومن المفترض بالجمعيات الإغاثية حل هذا الموضوع على مستوى لبنان بشكل عام من خلال اتصالاتها بالخليج والدول العربية”.
وأضاف العيلاني أنه “منذ 4 سنوات ولم نر العناية اللازمة لدفن السوري، ليس الأمر تحميل مسؤولية للهيئات الإغاثية في لبنان، فهذه تحمل أعباء كبيرة، لكن المسؤولية تقع على الدول التي ترعى شؤون اللاجئ السوري، ونخاطبها بأن تنشئ لجنة خاصة تتابع النازح السوري”.
فيما أوضح حفَّار القبور في مقبرة “سيروب” خالد الدالي، أنه “يتم دفن 4 إلى 5 سوريين شهريًّا، بالإضافة إلى الأطفال”، مشيرًا إلى “وجود نحو 100 قبر للاجئين السوريين من بالغين وأطفال في المقبرة”.
وأشار الدالي إلى أن مفتي صيدا الشيخ سليم سوسان “هو من يعطي الأمر بالدفن هنا، لكن أساسًا المقيم في صيدا يتم دفنه هنا من دون صعوبات”، لافتا إلى أن “تكلفة حفر القبر تصل إلى 750 ألف ليرة لبنانية (500 دولار أميركي)، لكن المفتي أحيانًا يطلب دفن السوريين من دون تكاليف أو يخفضها إلى 300 ألف (حوالي 200 دولار أميركي)”.
من ناحيتها، تحدثت اللاجئة السورية ولاء (لم تشأ لأسباب أمنية إعطاء باقي الاسم أو كشف وجهها)، وتبلغ من العمر 21 عامًا، عن أصعب ما واجهوه كعائلة منذ لجوئهم إلى لبنان قبل نحو 3 سنوات.
وقالت الشابة التي تسكن في مخيم الأوزاعي في صيدا: إن “المعاناة الأبرز كانت عندما مرض أخي وتُوفي”.
وتابعت: “لم تستقبله أي مستشفى رغم صعوبة وضعه، وطلبوا نحو مليون ليرة (نحو 660 دولارًا أميركيًّا) كتأمين، وطلبوا 1000 دولار عن كل ليلة في المستشفى”.
وأضافت بحُرقة أنه “لم يعد بمقدورنا دفع هذه المبالغ فأخرجناه لنأخذه إلى دمشق للعلاج، فحصلت مضاعفات صحية ليلًا أدت إلى وفاته في اليوم التالي”.
ومضت بالقول: “عندما توفي كانت هناك صعوبات أكبر، الطبيب الشرعي طلب نحو مليون ليرة لإصدار شهادة وفاة، وبعدها أقنعناه بـ300 ألف ليرة، وحفر القبر كلفنا 450 ألف ليرة (300 دولار) وواجهنا صعوبات حتى استطعنا دفنه، وفوق كل معاناتنا لم تتوقف طلباتهم”.
اللاجئ محمد حويجي في الستين من عمره، ويسكن المخيم نفسه، وصف المعاناة هذه بأنها “صعبة جدا”.
وتابع: “من فترة حصلت معنا حالتا وفاة في المخيم هنا، الأولى تم رفض دفنها قبل أن يأتي أهل الميت بثمن القبر، وبالكاد جمعنا المال حتى استطعنا دفن الميت.. هذه الحالة تكررت مرتين”.
واختصر حويجي في كلمات قليلة معاناة مئات آلاف السوريين الذين هربوا من المجازر الوحشية التي يرتكبها نظام بشار الأسد في سوريا منذ 4 سنوات من دون توقف، وأدت وفق أرقام غير نهائية إلى أكثر من 200 ألف قتيل ونحو 10 ملايين مشرد من أصل 23 مليون سوري، فقال: “هناك معاملة سيئة جدًّا للاجئ السوري، هو مهان بكل معنى الكلمة، وكأننا لم نأت من بلاد فيها إنسانية”، قبل أن يُكمل: “نحن بشر ونفهم”.
المصدر:
الأناضول