أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » النظام السوري جعلني أكره تدمر وألعن زنوبيا ألف مرة يوميا

النظام السوري جعلني أكره تدمر وألعن زنوبيا ألف مرة يوميا

نَبَش سقوط سجن تدمر على يد تنظيم الدولة الإسلامية أوجاع السوريين أكثر فأكثر. أعادهم إلى سنوات الذّل الذي كرّسه النظام السوري من خلال الاعتقال والتعذيب وغيرها، وخصوصاً في سجن تدمر، الذي يُصنّف، بالإضافة إلى المعسكر 22 في كوريا الشمالية، وسجن كارانديرو في البرازيل، وسجن رايكرزآيلند في الولايات المتحدة، أحد أسوأ السجون على الإطلاق.

في السياق، يقولُ محمد برو (52 عاماً)، الذي سجن في تدمر لنحو عقدين: “لا أستطيع نسيان اللحظات الأولى، حين خلعوا عني ملابسي ورموني أرضاً، وبدأوا ضربي لساعات طويلة بالسياط والكابلات على جسدي. كنتُ في السابعة عشرة من عمري، وأذكر أن وجهي كان ملتصقاً بأرض أسمنتية، أنظر إلى الجدار الذي كتب عليه بخط أسود غليظ: ستقف يوماً في محكمة قاضيها رب العالمين”.

بعد أشهر، “وقفت في محكمة ميدانية”، يوضح برو. كان آلاف الشباب يرسلون إلى حبل المشنقة بعد أن تستمر محاكماتهم نحو 90 دقيقة. “في ذلك اليوم، حُقّق مع نحو 150 شاباً، حكم على معظمهم بالإعدام”. يتابع برو، الذي اعتقل بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين: “دخل سجن تدمر أكثر من 22 ألف معتقل، ولم يخرج منه إلا نحو سبعة آلاف”. يضيف: “ساهم هذا السجن في بث الرعب في نفوس السوريين”.

يستذكر أيام الألم الكثيرة، على غرار إعدام ما يزيد عن مائة وستين إسلامياً أسبوعياً. يقول: “كنتُ أراهم يعلقون على المشانق في الساحة السادسة (ساحة الإعدام) من مهجعي”. يضيف: “حتى اليوم، ما زالت قصص كثيرة تلاحقني. لكن تبقى حقيقة ثابتة، وهي أننا بقينا وسنبقى. وليس سقوط السجن اليوم إلا إشارة ولو رمزية إلى سقوط الديكتاتوريات”.

ويقعُ سجن تدمر الذي بناه الانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، وسقط أخيراً على يد “تنظيم الدولة” في بلدة تدمر الصحراوية في محافظة حمص وسط سورية، على بعد 250 كيلومتراً شمال شرق دمشق. وفي وقت لاحق، وتحديداً في سبعينيات القرن الماضي، اعتقل فيه الناشطون السياسيون. وخلال عام 1979، بدأ نظام حافظ الأسد يرسل إليه المعارضين من الإخوان المسلمين والشيوعيين. ويحكي بعض السجناء والعسكريين عن المجزرة التي حدثت في 27 يونيو/حزيران عام 1980، التي أدت إلى مقتل مئات السجناء بوحشية، رداً على حادثة مدرسة المدفعية التي قتل فيها 32 طالب ضابط، والتي اتهم الإخوان المسلمون بالمسؤولية عنها.

ويقول شهود إنه بين عامي 1980 و1996، دفن في منطقة قريبة من السجن أكثر من 20 ألف قتيل، ممن قضوا بالسجن تحت التعذيب، أو أعدموا. ويروي راتب شعبو، وهو شيوعي من مدينة اللاذقية، رحلة عذابه في سجن تدمر. يقول: “توقف سائق الباص إلى جانب أحد الرعاة وسأله: كيف نصل إلى تدمر؟ كان هذا السؤال مثل سكّين غرست في قلبي. هذا يعني أننا في طريقنا إلى سجن تدمر”. يضيف لـ “العربي الجديد”: “كان هناك أكثر من ثلاثين شخصاً أرهقتهم سنوات السجن الطويلة، وأكثر من ثلاثين مأساة صغيرة تمشي على قدمين. كانوا يحنون رؤوسهم للدخول من الباب الضيق لهذا السجن الرهيب”.

لم تُبلسم باريس، التي يعيش فيها اليوم، جراحه بعد. يقول: “داخل السجن عدائية وسخرية واستخفاف. كانوا يستمتعون بهشاشتنا ورعبنا. سألني أحد العناصر: شو جرمك (ما جريمتك) ولا؟ كنت قد اعتدت على سؤال: شو (ما هي) تهمتك؟ كانت كلّ كلمة وكل حركة تشير إلى عمق الهوة التي نحن فيها. نرى الدواليب والكرابيج. كانوا يضربون معتقلاً (أحد قدميه مشلولة) على القدم السليمة. كان معنا رجل عجوز لم يتمكنوا من تعذيبه بالدولاب، لكنهم ربطوا قدميه وبدأوا يضربونه، عدا عن الإقامة في مهاجع مرعبة وباردة، بالإضافة إلى الرقابة المستمرة”.

يختم شعبو قائلاً: “عشتُ ثلاث سنوات ونصف السنة في مقبرة الأحياء هذه، والتي كانت كافية لتجعلني أرفض كل الدعوات لزيارة تدمر والتعرف إلى آثارها. لم تعد تعنيني زنوبيا ولا معبد بل ولا شيء يجاور ذلك المكان الرهيب”.
العربي الجديد



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع