أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » هذه الأصوات لا تحلّق فوق رأسي ولكنها عششت داخلي وإلى الأبد.

هذه الأصوات لا تحلّق فوق رأسي ولكنها عششت داخلي وإلى الأبد.

تستطيع أن تمنع العصافير من التعشيش فيك غير أنك لن تقدر على منعها من التحليق فوق رأسك، هي حكمة قديمة لم أستخدمها أبدا غير أني حفظتها من صفحة عابرة، وأنا أزعم الآن بأنها تصلح في كل وقت ولكل المناسبات.

في أولى سِنِيِّ دراستي الابتدائية كان صوت المعلمة لا يكاد يفارقني، ألعب فأسمعها تصرخ، أمشي مع أمي في السوق فأبدأ بتهجية اللافتات التي كنت أمر بها قبل مدة فلا تعني لي أكثر من كونها رسومات لا تشبه حتى رسومات أفلام الكرتون لألتفت إليها، صرت أتهجاها، وصرت أقرأ أرقام لوحات السيارات، في الحقيقة كنت أقرأ كل ذلك بصوت يحلق حولي كما لو أنه رفّ عصافير، كان صوت معلمتي على الأغلب، لم أدعه يسكنني لكنه كان يحلق دائما فوق رأسي كما يفعل الآن.

أذكر مرة أني تهت في السوق وأنا ابن سبع سنوات، حيث تركت عباءة أمي و تمسكت خطأً بعباءة امرأة أخرى وتبعتها، لم أبكِ حين كان “بحري الدلال” يصيح في مكبرات الصوت: “يلي مضيع ولد يرتدي كنزة زرقاء وشورط ويحمل في يده كيساً”، كنت أراقب الناس وهم يحدقون بي وكأنهم أضاعوا شيئا، لوهلة شعرت أنهم جميعا قد ضيّعوا أولادهم وعليَّ أن أجدهم، غير أن جارتنا اهتدت إلي، وعدت إلى البيت لأمسح دمع أمي من دون أن أعي حجم الوجع الذي تسببت به لها، الآن أسمع صوتها المختنق بدمعها وهي تودعني، صوتها العصافير التي لم تعشش داخلي، لكنها دائما تحلّق فوق رأسي.

وأذكر حين سرت وحيدا على شاطئ البحر في إزمير كنت أدندن أغنية من أغاني القاشوش وحينها سمعت صوت الحوامة قريبا جدا، حثثت الخُطى وتسارعت ضربات قلبي، بينما ظل العشاق يتبادلون القبل على الرمال دون أن يلتفتوا لهديرها، وقتها أدركت أن الخوف الذي تمكنّا من خرقه وقلنا بأننا تخلصنا منه لم يزل يحلق فوق رؤوسنا وسيستمر طويلا.

أخاف صوت سيارة الإسعاف لأنه نذير شؤم ويحمل دائما خبرا يخمش القلب، وأكره صوت سيارة الإطفاء لأنه يترافق عادة مع وقع حوافر المصيبة، وأكره صوت سيارة النجدة لأنه يعطي الفرصة دائما للمجرمين بالتخفي ولبس دور الضحية، ولم تعشش أصوات تلك السيارات فيَّ أبداً لكنها لم تكف عن التحليق فوق رأسي.

وأنا أكتب هذا؛ تنتابني صور النساء المنتحبات غداة كل غارة وأحس بهن وهن يرددن: لم يعشش صوت الغارة فينا ولكنه يحلق حولنا. أصوات الرصاص ابن عم الموت ووكيله الأكثر كفاءة على الأرض هي أيضا تحلق حولنا ولا تكاد تفارقنا.

وصور الضحايا والبيوت والشوارع، وصور الحدائق التي باتت مقابر، والمدارس التي نامت على مقاعد الطفولة، أو صارت معتقلات في ظل الطلب المتزايد على السجون، السجون التي تحوي الآن خيرة الرجال والنساء وحتى الأطفال، كل هذي الأصوات العالية، العالية حد الصراخ، العالية حد الصهيل، العالية حد السماوات، العالية حد العويل، العالية حد الهدوء، العالية حد السكون، العالية حد الصمت.

كل تلك الأصوات تحلق فوقي الآن، والضجيج عالٍ جداً. وحدها من بين الأنقاض صورة الطفلة التي تحدّق في عين الكاميرة/عيوننا صارخة بملء صمتها وحنقها واختناق الدمع في حنجرة عيونها: لماذا؟ وحدها تلك الصورة التي عششت داخل روحي، أفتح عينيّ كل صباح فأراها ودوي سؤالها يملؤني: لماذا؟ أتساءل الآن وعلى الملأ: هل سبق أن عشش فيك صمت صارخ وصورة ناطقة وفقدٌ باذخ الألم؟ هل يحلق فوقك صوت معلمتك وصليل دموع أمك وعواء السيارات وزعيق الطائرات؟ هل أنت سوريٌّ حقاٌ؟ إذا كنت كل ذلك فأجبها نيابة عن الكون.

تسقط كل حكمة حين نريد أن نلتزمها وها أنا أعترف: لم تحلق الأصوات التي ذكرتها يوما فوق رأسي ولكنها فقط عششت داخلي وإلى الأبد.

العربي الجديد
02.07.2015


تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع