أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » ألا ترون بعض الدماء على أيديكم؟ موت “فارس” الورود بشارع الحمرا

ألا ترون بعض الدماء على أيديكم؟ موت “فارس” الورود بشارع الحمرا

هو خبر عابر على صفحات بعض ناشطي “فيسبوك” في لبنان: “فارس، الطفل، بائع الورود، مات في غارة لطيران التحالف في الحسكة في سورية”.

عشرات اللبنانيين، من كتّاب وصحافيين وناس عاديين، يرتادون شارع الحمرا باستمرار، نشروا صوره. بعضهم تصوّروا معه قبل أشهر. وبعضهم نعوه بجمل دافئة، مثل الفنان الشاب ريان الهبر: “وصلنا خبر أنّك متّ بسورية. إنشالله تكون كذبة. وين ما تروح زراع ورد، خلّي الي راحوا قبلك يفرحوا ببسمتك.. يا وردة شارع الحمرا”.

كثيرون لا يعرفونه. تعرّفوا إليه في نعيه من أصدقائهم على “فيسبوك”. لكنّهم بالطبع يعرفون من يشبهونه. لا بدّ صادفتموهم في مقهى بالأشرفية، أو في البقاع، أو في الجنوب، أو في الشمال. أطفال في عمره، أصغر قليلاً، أو أكبر قليلاً.

بالطبع رأيتم عاملين في المقاهي والمطاعم كيف يطردونهم. كيف يتأفّف الزبائن من إلحاحهم. أحد هؤلاء الأطفال، الهاربين من احتمالات الموت الكثيرة في سورية، يطلب نقوداً ليأكل، وغيره يتوسّل رجلاً ليمسح حذاءه علّه يناوله ألف ليرة، وثالثة تبيع العلكة، ورابع يبيع الورود.

يتأفّف الزبائن والعاملون في المقاهي والحانات والمطاعم. تتأفّف أنتَ أحياناً. أتأفّف أنا. فهم فعلاً مزعجون في أحيان كثيرة. يقاطعون حديث أحدنا، أو يصرّون على بيعه ما لا يريد شراءه.

الآن، بعدما عرفتم أنّ فارس قتله صاروخ أو برميل متفجّر في الحسكة في سورية، ألا تشعرون بأنّه كان يلحّ علينا ليشتري يوماً إضافياً فوق التراب؟ ليأكل كي لا يموت من الجوع؟ أو ليؤجّل خيار العودة إلى احتمالات الموت في بلاده.

أما وقد عاد فارس إلى بلاده، على ما يتأفّف كثيرون قائلين جملاً مثل: “فليعودوا إلى سورية”. أما وقد توقّف عن إزعاج روّاد المقاهي، المتأنّقين والمستعجلين والذين لا يقبلون أن يقطع أحد أحاديثهم، وإن كانت غير مهمّة، ولا أن يقاطع أحد تأمّلاتهم واستراحاتهم واسترخاءهم…

أما وقد عاد فارس إلى حيث يجب أن يكون… فقد جاءت الطائرة التي كان يفترض أن تقتله قبل سنوات، وألقت الصاروخ أو البرميل الذي كان يجب أن يقع على رأسه منذ سنوات، وقتلته.

هكذا صار. مات فارس، حيث يجب أن يموت. لأنّه ذهب إلى حيث “يجب” أن يكون، لا حيث يمكن أن يؤجّل موته.

ألا ترون بعض الدماء على أيديكم؟

محمد بركات العربي الجديد سوريتي